تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

مجددًا ودائمًا.. لا سوريا واحدة دون عقد اجتماعي/ غزوان قرنفل

تعيش سوريا اليوم واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا وخطورة، مرحلة يتقاطع فيها السلاح مع السياسة، وتتشظى فيها الجغرافيا والهوية، ويغيب فيها الإطار الجامع الذي يمكن لنا أن نسمّيه دولة بالمعنى الحقيقي.

التعدد القائم في مناطق السيطرة والنفوذ، والمحصّن بالسلاح، لا يعود في جوهره إلى اختلافات طارئة أو صراعات ظرفية، بقدر ما يعكس حقيقة أعمق وأكثر إيلامًا، هي أننا بكل مكوناتنا السياسية والقومية والدينية والاجتماعية، لم ننجح ولم تُتح لنا الفرصة حتى الآن للتوافق على عقد اجتماعي يجمعنا ويحدد شكل الدولة التي نريدها، وطبيعة السلطة التي تحكمنا وحدودها وشرعيتها وآليات مساءلتها.

حتى الآن لا يزال ما يفترض أنه “الدولة الجديدة” جنينًا غير مكتمل، لا ملامح واضحة له ولا قواعد ناظمة لوجوده، فلا أحد يعرف على وجه الدقة مَن يحكم مَن، ولا مَن سيحكم الدولة، ولا بأي طريقة ستدار شؤونها، وإن كانت المعطيات والمؤشرات كلها تشي بأن ما يُشتغل عليه هو التأسيس لدولة تتأبد فيها السلطة مجددًا لمصلحة “هيئة تحرير الشام” التي يفترض أنها حلت نفسها!

لا نعرف شكل النظام السياسي، ولا طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، ولا حجم الصلاحيات الممنوحة للسلطة، ولا السقوف التي يجب ألا تتجاوزها. وفي ظل هذا الغموض البنيوي، يصبح من الطبيعي ومن المفهوم تمامًا أن يلجأ الناس إلى الاحتماء بما يملكونه أو بما يعتقدون أنه يوفر لهم الأمان، السلاح أو الانتماء القومي أو العشيرة أو المذهب أو الدين، فحين تغيب الدولة الجامعة تحضر الهويات الجزئية بوصفها ملاذات اضطرارية.

إن مقولة “من يحرر يقرر” التي رُفعت في سياق الصراع تبدو في ظاهرها تعبيرًا عن حق حصري مزعوم للمنتصر، لكنها في جوهرها تكرّس منطقًا بالغ الخطورة، فهي لا تحرر المجتمع بقدر ما تعيد إنتاج علاقة قهرية جديدة تنقل الناس من كونهم مخطوفين ومحكومين بإرادة خاطفيهم إلى مجرد رهائن بيد من يزعم أنه حررهم من الخطف، في الحالتين يغيب الشعب بوصفه مصدرًا للشرعية، ويغيب التعاقد الحر بين الحاكم والمحكوم لتحل محله شرعية القوة وواقع الأمر.

في هذا الفراغ الذي هو أدنى من الدولة وأخطر منها في آن واحد، يعود السلاح ليكون أداة قهر وخوف لا وسيلة حماية، ويغدو القانون، إن وُجد، أداة إذلال وتركيع لا مرجعية عدل ومساواة، أما وحدة البلاد التي يفترض أن تكون محل رضا وتوافق، فتتحول إلى شعار قسري وأداة إكراه، تُفرض بالقوة لا بالحوار، وتُحرس بالبندقية لا بالعقد الاجتماعي، ويصبح الناس على مختلف مذاهبهم وتلويناتهم مجرد رهائن لمشاريع الميليشيات لا مواطنين في خدمة مشروع إعادة البناء الوطني.

خلال كتابة هذه السطور طرأت أحداث ووقائع في شمال شرقي سوريا أنهت الاستقرار والتوازن الهش الذي كان يحكم المعادلة، وغيرت مجددًا بنية المشهد السوري بكلّيته، لكن ومع تأمل تفاصيلها ونتائجها لم أجد أنها ستؤثر على بنية هذا المقال وغرضه، بل على العكس، ربما تعيد التأكيد على مضمونه أكثر.

علينا جميعا كسوريين أن ندرك أن وحدة سوريا يجب أن تكون واحدة المسلّمات الوطنية، لكنها لا يمكن أن تصان بالقسر، ولا أن تبنى على الخوف، ولا أن تفرض بالشعارات المجردة.

الوحدة الحقيقية والقوية التي تمنح المجتمعات مناعة وطنية، هي تلك التي تنبع من شعور جميع السوريين بأنهم شركاء متساوون في دولة تحميهم جميعًا، لا أتباع في كيان تتحكم به فئة أو جماعة أو حملة سلاح، وهذه الوحدة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر عقد اجتماعي واضح النصوص والمعاني، معلن ومتوافق عليه، يحدد أسس العيش المشترك ويعرّف الدولة ووظيفتها، ويمنع افتراس السلطة للدولة بل يجعل السلطة في خدمة الدولة والمجتمع، ويضبط علاقة السلطة بالمجتمع، ويضمن الحقوق والحريات ويقرّ مبدأ المواطنة المتساوية دون تمييز.

العقد الاجتماعي هو وحده القادر على إخراجنا من نفق اللادولة إلى فضاء الدولة، وهو الإطار الذي يتيح بناء مؤسسات شرعية، وتوافقات وطنية حقيقية، وشراكة فعلية بين مختلف المكونات، من دونه ستبقى كل سلطة حاكمة قادرة على التفرّد، وكل وحدة عرضة للانفجار، وكل استقرار مجرد هدنة مؤقتة فوق فوهة بركان.

من هنا، لا يكون الحوار ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية، حوار يمثل مدخلًا للتوافق على هذا العقد الاجتماعي ليس كآلية لتقاسم النفوذ أو شرعنة الأمر الواقع، بل حوار يؤسس لدولة للجميع حقًا، دولة لا تختزل في سلطة، ولا تدار بمنطق الغلبة، ولا تصادر باسم التحرير، فإما عقد اجتماعي جامع يضع سوريا على سكة الدولة، وإما الاستمرار في دوران عبثي داخل فراغ يولّد مزيدًا من التشظي والانقسام والعنف واللادولة.

عنب بلدي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى