مسألة المقاتلين الأجانب و داعش في سورية تحديث 28 كانون الثاني 2026

لمتابعة مكونات هذا الملف اتبع الرابط التالي:
لمتابعة مكونات هذا الملف اتبع الرابط التالي:
الشرع و المقاتلين الأجانب و “داعش”
———————————
ما بعد الهول: تفكيك منظومة احتجاز سجناء داعش في سورية/ حسام جزماتي
27-01-2026
لم تحمل الأيام الفائتة أخباراً سارة لتنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يُراقب، بعين بصيرة ويد قصيرة، الصدام بين جيش الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال وشرق البلاد. بعد تفاؤل، لا بد وأنه راوده، بالفوضى التي حصلت وأدت إلى انفلات الأمر في موقعين؛ السجن الصيني في الشدادي ومخيم الهول.
يقول أحد الخارجين من الأول إن الوضع أبسط مما ظهر على الإعلام. فالسجن الشهير لم يَعد هاماً ومركزياً كما كان قبل سنوات، وقد نقلت قسد أكثر نزلائه إلى مراكز أخرى على دفعات كان آخرها منذ ثلاثة أشهر. ولم يبقَ فيه، عندما فُتحت أبوابه فجأة، سوى 120 من السوريين المرضى الضعفاء ثقيلي الحركة، مما سهّل إلقاء القبض على 80 منهم مجدداً من قبل القوات الحكومية وبمعونة التحالف الذي يقوده الأميركان. أمّا من تلقى مساعدة أهلية فقد استطاع الوصول إلى بيئات آمنة. وعلى كل حال فإن الجميع لم يكونوا من القادة الأجانب في التنظيم كما أُشيع.
في مخيم الهول حدثت فوضى مماثلة بنتائج مشابهة، عندما تمكنت عائلات سورية من الفرار مستفيدة من محليتها، فيما أُعيد احتجاز قلة من النساء الأجنبيات خرجن على غير هدى إلى أرياف لا يعرفنها ومن دون تنسيق مسبق مع أحد.
لكن هاتين الحادثتين المتتاليتين دقتا جرس الإنذار في الولايات المتحدة التي قررت إغلاق ملف المحتجزين قبل أن تنهي شراكتها مع قسد رسمياً وتسحب، على الأرجح، قواتها من البلاد، بعد أن كانت الطرف الأكثر ضلوعاً في تأسيس مراكز الاحتجاز هذه وتمويلها. فلجأت إلى شريك مجرّب في حربها على داعش هو العراق الذي أعلن أنه سيستقبل 7000 من المتهمين بالانتماء إلى التنظيم.
لتفسير الرقم والتنبؤ بما قد يجري لا بد من بعض المعلومات الأساسية. أولها أن عدد الدواعش الفعليين المعتقلين لدى قسد يُقارب عشرة آلاف، بينهم حوالي 2000 من الأجانب، من 74 جنسية، والباقي من السوريين والعراقيين. ويتوزع هؤلاء جميعاً على سجون، أشهرها سجن الصناعة بالحسكة، أو على مراكز إعادة تأهيل. أمّا مخيم الهول، وأخوه الأصغر مخيم روج، فيحويان خلطة مختلفة.
فقد نشأ الهول كملجأ طوعي للنازحين من العراقيين ثم من السوريين قبل أن يكتسب سمعته بوصفه «قنبلة داعشية موقوتة» عبر السنوات، ولا سيما مع معركة التنظيم الأخيرة في الباغوز، في آذار (مارس) 2019، عندما نُقل إليه النساء والأطفال الذين كانوا هناك، وتم القبض على الرجال، وعلى من يثبت من النسوة أنها كانت تعمل في التنظيم، في الحسبة على النساء أو شرطتهنَّ، وليست مجرد زوجة لأحد عناصره.
نشأت في الهول، الذي وصل إلى أقصى عدد من سبعين ألف نزيل-ة في تلك المرحلة، مدينة صغيرة فيها دكاكين للاحتياجات الضرورية والخدمات البسيطة، وفيها دواعش/داعشيات سراً، استطاعوا، في بعض المراحل، فرض سيطرتهم الفعلية بيد خفية، عبر عمليات تهديد وتحقيق وتعذيب وقتل وحرق خيام طالت المتعاونين مع أجهزة أمن المخيم أو المتهمات بالدعارة. واستطاعت حملات التفتيش المتكررة العثور على أسلحة، وضبطت تواصلات مع التنظيم في الخارج، لكنها لم تتمكن من القضاء على هذه الظواهر بشكل كامل. وظلَّ الإرهاب الذي كان يفرضه التنظيم قادراً على ترميم أدواته من السوريين-ات والعراقيين-ات الذين كانوا يقطنون في أقسام مفتوحة على بعضها يمكن التنقل بينها بسهولة.
وعلى الرغم من جدية هذه العمليات وخطورتها إلا أن ما منح المخيم مشهديته الإعلامية هو قسم المهاجرات المغلق على مجتمع صغير خاص بهنّ وبأبنائهنَّ. إذ كنّ لا يتورعنَ عن رفع السبّابة في وجه الصحافيين، لتأكيد استمرار إيمانهنّ بدولة «الخلافة» التي انهارت والعمل على استعادتها. ولأنهنّ لا يُخفين تربية أولادهن على هذه العقيدة صارت قسد تنقل الصبية الذكور، عندما يبلغون المراهقة، إلى مراكز لإعادة تأهيل الأحداث تجنباً لزيادة عدد الفتية الأجانب في المخيم. لا سيما وأن حسبة خاصة نشأت في قسم المهاجرات هذا، وأن أكثر عمليات القتل، في عموم المخيم صارت على يد نساء وفتيان. أما الأجنبيات اللواتي يتخلين عن أفكار التنظيم ويستنتجنَ أن التحاقهنّ به كان مغامرة طائشة، فكنّ يُنقلن إلى مخيم روج الذي حوى أعداداً أقل بكثير وظروف حياة أفضل.
ليس للأسباب الأمنية وحدها، بل أساساً للمتطلبات الغذائية والصحية والتعليمية واللوجستية؛ شكّل مخيم الهول عبئاً ثقيلاً. لا سيما بعد توقف الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID عن دعم المنظمات في مطلع العام 2025. فتسارعت عمليات إخراج العائلات السورية وفق كفالات محلية، ونقل العراقية إلى مخيم الجدعة في محافظة نينوى، فيما ظلَّ ملف المهاجرات أبطأ، كما هو حال المقاتلين الأجانب، إذ رفضت دول كثيرة، أو ماطلت في، استرداد رعاياها الذين سيُسببون لها الصداع.
لكن هذا لم يكن حال العراق الذي كان متحمساً دائماً لاستلام الدواعش من أبنائه بقدر ما تثاقل عن عودة العائلات. فالأخيرةُ عبءٌ أما الأولون فمصدر معلومات إضافي عن الشبكات السابقة، وموضعُ ثأر لم يبرد على مرّ السنوات. ومن بين القضايا التي تُقدَّم لمحاكم الإرهاب هناك تُدان أكثرية ساحقة من المتهمين، ويُحكم على معظمهم بالإعدام الذي لم يوفر رعايا دول أخرى ربما تكون قد أسقطت الجنسية عنهم أو أعلنت أنها تُفضِّل أن تتم محاكمتهم حيث ارتكبوا جرائمهم ويحضر الشهود وتتوافر الأدلة.
وعلى كل حال، سواء أكان الأجانب سيَمثلون أمام محاكم عراقية أو أن الولايات المتحدة الترامبية ستضغط بجدية على بلدانهم لاستعادتِهم، أو سيجري مزيج من الحالتين غالباً؛ فإنه يبدو أن هذه المسألة المستعصية في طريقها إلى «الحل». وسيُترَك للسلطة السورية أمر التعامل مع حوالي 3000 من رعاياها كانوا في السجون، وعائلات في مخيم الهول يبدو أن طريقها إلى الخروج منه صار أسهل بالنظر إلى الأجواء المحيطة بتفكيك منظومة احتجاز الدواعش والأُسر المرتبطة بهم. خاصة وأن عدد القاطنين-ات، من سوريين وعراقيين وأجانب، في المخيم صار 24 ألفاً فقط.
في العدد 531 الأخير من «النبأ»، الصحيفة الرسمية للتنظيم، تَرقُب الافتتاحية انتقال مراكز الاحتجاز من سيطرة «الشيوعي» إلى طاغوت فاقَ سلفه تبعية للغرب «الصليبي». هي التي طالما أمّلت جنودها المعتقلين، ونساءهم «القانتات الصابرات على الأهوال» بانتظار الفرج. ثم تُعزّي نفسها بالقول إن «الأمة كلها ترزح في هول كبير».
موقع الجمهورية
————————
جمهورية الدواعش والفلول وأخوانهم/ شعبان عبود
20 يناير 2026
نعيش في سورية اليوم مرحلة صعبة للغاية، صعوبتها تكمن في أنها مرحلة يجب أن تكون تأسيسية لدولة وعقد اجتماعي جديدين. ولمرحلة ما بعد سقوط النظام ونهاية الحرب، لكن ما نعيشه، والذي ثبت أننا ما زلنا بعيدين جداً عن ذلك، وأنه في لحظات التحوّل التي نعيشها، لم تكن الحرب نهاية الصراع، بل تبدو بداية اختبارٍ أشدّ قسوة وعمقاً، اختبار الوعي، والذاكرة، والقدرة على إعادة تعريف أنفسنا.
هذا بالضبط ما تعيشه سورية اليوم. فبرغم سقوط نظام بشّار الأسد، وبرغم انتهاء الحرب بوصفها صراعاً عسكرياً مفتوحاً، وجد السوريون أنفسهم داخل حربٍ أخرى لا تقلّ خطورة، حربٍ بلا مدافع ولا طائرات، لكنها مليئة بالخوف والشك والاتهام المتبادل.
لقد خرجت سورية من الحرب مدمَّرة، ليس في بناها التحتية ومدنها وبيوتها وحسب، بل في نسيجها الاجتماعي أيضاً. أخطر ما خلّفته سنوات العنف الطويلة انهيار الثقة بين السوريين. تحوّلت الجماعات والمكوّنات إلى جزرٍ معزولة، كلّ منها يعيش داخل سرديّته الخاصة، وكلّ منها يرى الآخر تهديداً محتملاً. بات الاتهام جاهزاً، والانتماء عبئاً، والهوية سلاحاً.
في هذا السياق، انتشرت أخطر الاختزالات وأكثرها ظلماً. صار تنظيم داعش يُقدَّم وكأنه يمثّل المسلمين السنّة السوريين، مع أنّ هذه التنظيمات كانت عدواً مباشراً لهم قبل غيرهم، وارتكبت بحقهم مجازر لا تُحصى، وسرقت في بعض الأحيان ثورتهم ودمّرت مجتمعاتهم. وصارت قسد تختزل بالأكراد، وكأنّ الأكراد كتلة سياسية واحدة، أو مشروع عسكري موحّد، متناسين أنّ الأكراد السوريين عانوا من التهميش والاستبداد ذاته، وأنّ بينهم تنوّعاً سياسياً وفكرياً واجتماعياً واسعاً. وصار الحديث عن “الفلول” مرتبطاً بالعلويين، وكأنّ الطائفة العلوية لم تكن هي الأخرى ضحية نظام استخدم أبناءها دروعاً لحكمه، ثم تركهم بعد سقوطه في مواجهة الفقر والعزلة والكراهية. وحتى الطائفة الدرزية الغنية بتنوعها جرى اختزالها بشخص رجل الدين حكمت الهجري، وكأنّ الدروز بلا آراء مختلفة أو مواقف متباينة.
ليست هذه الاختزالات مجرد أخطاء لغوية أو سوء فهم عابر، بل هي استمرار مباشر لمنطق النظام السابق التفكيكيّ للمجتمع، الذي حكم سورية عبر شرذمة المجتمع وربط مصير الطوائف به، ثم دفع الجميع إلى هاوية الشك المتبادل. الفرق الوحيد أنّ هذا المنطق يُعاد إنتاجه اليوم بأصوات سورية، لا بأجهزة أمنية فقط. أصوات تقاتل وتصرخ ليل نهار لتثبت أن جماعتها صالحة وفي الجانب الصحيح من التاريخ فيما الجماعة الأخرى ضالّة ومنحرفة.
المأساة أنّ السوريين دخلوا مرحلة ما بعد سقوط النظام من دون عقد اجتماعي جديد، ومن دون رواية وطنية جامعة تعترف بآلام الجميع. كل جماعة تشعر أنها الضحية الأكبر، وكل جماعة تخشى أن تُدان جماعياً، وكل جماعة تخاف أن يتحوّل شعار العدالة إلى أداة انتقام. وهكذا يصبح الجميع متّهمين، والجميع خائفين، والجميع أسرى ماضيهم.
توحيد السوريين اليوم هو التحدّي الأكبر والأصعب في مرحلة ما بعد سقوط النظام. فبناء الدولة لا يبدأ بالدساتير وحدها، ولا بالمؤسسات فقط، بل يبدأ بكسر منطق الذنب الجماعي، وبالاعتراف الواضح أنّ الجريمة فردية، وأنّ المسؤولية شخصية، وأنّ الطائفة أو القومية لا تصنع خيانة ولا وطنية. يبدأ بالقول بلا تردّد: “داعش” ليس السنّة، و”قسد” ليست الأكراد، والفلول ليسوا العلويين، وحكمت الهجري ليس الطائفة الدرزية.
من دون هذا الوعي، ستبقى سورية تعيش حرباً مفتوحة ومستمرّة وإن كانت بلا رصاص.
العربي الجديد
——————————
مصير “الدواعش” المنقولين من سوريا إلى العراق: أي طريق قانونيّ ينتظرهم؟/ أيوب سعد
26.01.2026
يُعد ملف السجون في العراق من أكثر الملفات تعقيداً، بسبب الاكتظاظ والانتهاكات المتعددة، بما في ذلك إدخال الممنوعات، وغياب البيانات الرسمية حول عدد النزلاء، الذي يقدر بنحو 100 ألف موزعين بين سجون وزارات العدل والداخلية والدفاع، إضافة إلى سجون أجهزة الأمن والاستخبارات.
مع تسارع التطورات الأمنية في شمال سوريا وشرقها، ودخول ملف سجون تنظيم داعش مرحلة حرجة، وجد العراق نفسه أمام واحد من أكثر الملفات حساسية منذ هزيمة التنظيم عسكريًا عام 2017: نقل آلاف من معتقلي داعش من الأراضي السورية إلى السجون العراقية.
القرار الذي فرضته تسوية أميركية أثار جدلاً واسعاً داخلياً، وفتح أسئلة قانونية وسياسية وأمنية ومالية معقّدة، تتعلق بالاختصاص القضائي، والعقوبات المحتملة، وحدود المسؤولية الدولية، وكلفة هذا الملف على موازنة الدولة.
خطوة “استباقيّة” بغطاء دولي
الحكومة العراقية تصف خطوة نقل معتقلي داعش بأنها إجراء أمني استباقي فرضته تطورات الميدان السوري، خصوصاً بعد الهجمات على السجون التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ومخاطر فتحها أو فقدان السيطرة عليها.
رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أكد أن نقل المعتقلين “جاء للحفاظ على الأمن الوطني العراقي وأمن المنطقة”، مشدداً على أن العراق أثبت قدرته على منع عودة النشاط الإرهابي.
هذا الموقف حظي بدعم أممي وأميركي، إذ رحّبت القيادة المركزية الأميركية بالخطوة، واعتبرتها ضرورية لضمان بقاء عناصر التنظيم في مرافق احتجاز آمنة، فيما دعت واشنطن دول العالم إلى استعادة رعاياها من عناصر داعش وعدم تحميل العراق العبء وحده.
بدأت عملية نقل معتقلي داعش من سوريا إلى العراق بتسليم الدفعة الأولى التي ضمت 150 عنصراً من العراقيين والأجانب، وهو ما يمثل خطوة عملية لتطبيق الخطط الأمنية المشتركة بين بغداد والتحالف الدولي.
تسليم هذه الدفعة يعكس قدرة السلطات العراقية على إدارة الملف بصرامة ووفق بروتوكولات أمنية دقيقة، ويؤكد التزام العراق بتوفير بيئة احتجاز آمنة ومراقبة مشددة. فيما ستتم خطة نقل بقية المعتقلين البالغ عددهم نحو 7 آلاف، على دفعات متتابعة لضمان السيطرة الكاملة ومنع أي فرار جماعي أو اضطراب أمني.
من طلب التسليم؟ رواية استخبارية
يكشف المتخصص بشؤون التنظيمات الإرهابية أحمد محسن، أن العراق هو من طالب منذ عام 2019 بتسلّم عناصر داعش المعتقلين في سوريا، عبر لجنة خاصة أُنشئت بإشراف مستشارية الأمن القومي وتنفيذ مباشر من جهاز المخابرات العراقي.
ويؤكد محسن أن الأجهزة الاستخبارية العراقية بنت خلال ست سنوات قاعدة بيانات متكاملة عن معتقلي التنظيم، تشمل الأسماء، الجنسيات، الرتب التنظيمية، البصمات البيومترية، وحتى طبيعة الدور الذي أدّاه كل عنصر داخل داعش، بهدف محاكمتهم ومنع أي سيناريو هروب أو إعادة تدوير أمني لهم.
السؤال المركزي: من يحاكم من؟
بحسب المحامي والخبير القانوني وليد الشبيبي، فإن القانون العراقي يعتمد على ثلاثة أسس رئيسية للاختصاص، وهي الاختصاص الشخصي (جنسية المتهم)، والمكاني (مكان وقوع الجريمة)، والموضوعي (طبيعة الجريمة والضحايا).
وبناءً على ذلك: العراقيون المنتمون الى داعش أو المتورطون بجرائم داخل العراق يُحاكمون حصراً أمام القضاء العراقي، والأجانب الذين ارتكبوا جرائم داخل الأراضي العراقية أو ضد عراقيين يخضعون أيضاً للقضاء العراقي.
أما الأجانب الذين لم يثبت تورطهم بجرائم داخل العراق، فيُفترض قانوناً تسليمهم إلى دولهم وفق مبدأ تنازع القوانين والمعاملة بالمثل.
الإعدام.. بين النص والواقع
لا يستبعد الشبيبي صدور أحكام بالإعدام بحق متورطين بجرائم كبرى، لكنه يشير إلى إشكالية دستورية مزمنة تتمثل في اشتراط مصادقة رئيس الجمهورية على أحكام الإعدام، ما عطّل تنفيذ الغالبية العظمى منها منذ سنوات، لتبقى الأحكام حبيسة الأدراج على رغم صدورها القضائي.
تنصّ قوانين مكافحة الإرهاب على أن العقوبة بحق المنتمين الى داعش قد تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام.
ذاكرة السجون ومخاوف التكرار
الجدل الشعبي حول نقل المعتقلين لا ينفصل عن ذاكرة هروب سجناء أبو غريب والتاجي عام 2013، الذي مهّد لاحقاً لتمدد داعش.
الحكومة تؤكد أن تكرار هذا السيناريو “غير ممكن” اليوم، في ظل اختلاف الواقع الأمني، وتوزيع المعتقلين على سجون اتحادية محصّنة عدة، على رغم الاعتراف بمشكلة الاكتظاظ، خصوصاً في سجن الناصرية المركزي.
الكلفة المالية
إلى جانب الجوانب القانونية والأمنية، يبرز الملف المالي كأحد أكثر عناصر الجدل حساسية.
تشير تقديرات متخصصة إلى أن السجين الواحد يكلّف الدولة العراقية نحو 9 آلاف دينار يومياً كتكاليف ثلاث وجبات طعام فقط، في حين تؤكد مصادر حكومية أن الكلفة الحقيقية تصل إلى 25 ألف دينار يومياً، تشمل الغذاء، الحراسة، الخدمات الطبية، والإدارة والتشغيل.
في هذا السياق، حدّد الخبير المالي حيدر الشيخ كلفة الطعام للسجين الواحد بنحو 270 ألف دينار شهرياً، أي ما يعادل 3 ملايين و250 ألف دينار سنوياً، من دون احتساب باقي المستلزمات.
ويبيّن الشيخ أن نقل نحو 7 آلاف معتقل من داعش سيكلّف الدولة العراقية، أكثر من 60 مليون دينار يومياً كمخصصات طعام فقط، ونحو 18 ملياراً و900 مليون دينار شهرياً، وأكثر من 250 مليار دينار سنوياً عند احتساب الطعام والملابس والمستلزمات الأخرى.
في المقابل، يكشف مصدر حكومي مسؤول أن الكلفة التشغيلية الكاملة لاحتجاز السجين الواحد تبلغ 25 ألف دينار يومياً، ما يعني إضافة سنوية على الموازنة قد تتراوح بين 30 إلى 40 مليون دولار، وهو عبء وصفه المصدر بأنه “ضغط حقيقي” على موازنة تعاني أصلاً من تراجع أسعار النفط وتقلّب الإيرادات.
واقع السجون العراقيّة
يُعد ملف السجون في العراق من أكثر الملفات تعقيداً، بسبب الاكتظاظ والانتهاكات المتعددة، بما في ذلك إدخال الممنوعات، وغياب البيانات الرسمية حول عدد النزلاء، الذي يقدر بنحو 100 ألف موزعين بين سجون وزارات العدل والداخلية والدفاع، إضافة إلى سجون أجهزة الأمن والاستخبارات.
وأكدت شبكة العدالة للسجناء أن أكثر من 80 في المئة من المباني قديمة وغير صالحة للعيش، ولا توجد تصنيفات واضحة بين المتهمين بالقتل، الإرهاب أو الجنح البسيطة، ما يزيد المخاطر الصحية والأمنية.
وأعلنت لجنة حقوق الإنسان البرلمانية أن نسبة الاكتظاظ بلغت نحو 300 في المئة، مع تأكيد أهمية مقترح قانون العقوبات البديلة لمعالجة الأزمة. وشدد وفد معهد القانون الدولي وحقوق الإنسان على ضرورة تشريع القانون، ومتابعة لجنة حقوق الإنسان لواجبها التشريعي، لضمان تحسين ظروف الاحتجاز، الحد من المخاطر الصحية، ووضع آليات إصلاحية تواكب المعايير الدولية لحماية حقوق النزلاء وإعادة تأهيلهم.
يُمثل نقل معتقلي داعش إلى العراق تحدياً مزدوجاً، أمنياً ومالياً، وسط ظروف سجون تعاني أصلاً من الاكتظاظ والافتقار الى البنى التحتية الملائمة.
على رغم الاستعدادات الأمنية المكثفة، يبقى احتمال حدوث خروقات أو محاولات هروب وارداً، بخاصة مع العدد الكبير للمعتقلين وتنوع جنسياتهم ومستوياتهم التنظيمية. كما أن الضغط المالي على الموازنة العراقية سيكون ملموساً، مع محدودية الموارد وإمكانية تأثير ذلك على الخدمات الأساسية الأخرى. وفي الوقت نفسه، توفر هذه الخطوة فرصة لتعزيز قدرات العراق القضائية والأمنية، وإثبات التزامه بالقوانين المحلية والدولية، مع إعادة تقييم استراتيجية الاحتجاز والإصلاح لمعالجة أزمة السجون بشكل مستدام.
“لا ينبغي أن يتحمّلها العراق وحده”
وزير الخارجية فؤاد حسين شدّد في اتصاله مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، على أن أعباء هذا الملف الأمنية والمالية لا ينبغي أن يتحملها العراق بمفرده، مؤكداً أن مسؤولية التعامل مع معتقلي داعش تقع على عاتق جميع الدول المعنية، ولا سيما تلك التي ينتمي إليها المعتقلون الأجانب.
ملف معتقلي عناصر داعش المنقولين من سوريا إلى العراق لم يعد قضية أمنية فحسب، بل هو اختبار شامل لقدرة الدولة العراقية على إدارة العدالة، والسيادة، والاقتصاد، والالتزامات الدولية في آن.
العراق وفق المعطيات، تحرّك بدافع أمني استباقي، لكنه في المقابل يطالب المجتمع الدولي بتحمّل نصيبه من المسؤولية، سواء عبر استعادة رعاياه أو تقديم دعم مالي وقانوني حقيقي، فيما يبقى الحسم النهائي لهذا الملف رهناً بما ستقوله المحاكم وبما ستحتمله الموازنة.
درج
———————-
ما بعد الهول.. هل تنجح الدولة في كسر الحلقة الأخيرة من التطرف؟/ هناء محمد درويش
يناير 26, 2026
يُعدّ ملف النساء والأطفال الذين جرى الإفراج عنهم من مخيم الهول أحد أخطر الملفات التي تواجه الدولة السورية في مرحلة ما بعد هزيمة تنظيم داعش، ليس فقط لما يحمله من أبعاد إنسانية بل لما يختزنه من تداعيات سياسية وأمنية ومجتمعية طويلة الأمد. فالتعامل مع هذا الملف لا يقتصر على إنهاء حالة احتجاز أو نقل أفراد من المخيم إلى مناطقهم الأصلية، بل يتصل بشكل مباشر بمسألة السيادة الوطنية وقدرة الدولة على إدارة إرث الإرهاب ومنع إعادة إنتاجه بأشكال جديدة.
لقد كشفت الدراسات والمقابلات التي أُجريت مع النساء والأطفال قبل الإفراج عنهم عن وجود مشكلات بنيوية عميقة في مقدمتها ترسّخ الفكر التكفيري لدى نسبة غير قليلة منهم نتيجة سنوات طويلة من العيش في بيئة مغلقة خضعت لهيمنة خطاب متطرف من دون أي برامج ممنهجة لإعادة التأهيل الفكري أو الدعم النفسي.
الخطورة هنا لا تكمن في وجود هذا الفكر فحسب، بل في تركه من دون معالجة بما يحوّل هذه الشريحة إلى بيئة هشّة قابلة لإعادة الاستغلال سياسياً وأمنياً سواء عبر خلايا نائمة أو عبر مشاريع إقليمية تسعى إلى الاستثمار في الفوضى الاجتماعية.
الأطفال الذين نشؤوا داخل المخيمات هم الفئة الأكثر عرضة لهذه المخاطرـ إذ تشكّل وعيهم الأولي في ظل ثقافة التكفير والعنف بعيداً عن أي منظومة تعليمية أو تربوية سليمة. هؤلاء الأطفال لا يمكن تحميلهم مسؤولية خيارات لم يكونوا طرفاً فيها إلا أن تجاهل حاجتهم إلى برامج إعادة تأهيل نفسية وتربوية متخصصة يفتح الباب أمام إعادة إنتاج التطرف بعد سنوات ويُبقي المجتمع أمام تهديد مؤجل.
وقد أظهرت تجارب دول مثل العراق ونيجيريا أن غياب التدخل المبكر مع الأطفال المتأثرين بالتطرف يؤدي إلى ارتفاع معدلات العنف والانحراف ويُضعف فرص الاستقرار المستدام. إلى جانب البعد الفكري، تبرز إشكالية الدمج المجتمعي بوصفها تحدياً سياسياً واجتماعياً لا يقل خطورة. فعدد من النساء كنّ زوجات لمقاتلين أجانب مجهولي الهوية الحقيقية وبعضهن أُعيد دمجهن في مجتمعات كانت من أكثر المتضررين من جرائم تنظيم داعش.
إن تجاهل هذا الواقع قد يخلق توترات داخل المجتمع المحلي، ويعرّض النساء وأطفالهن للنبذ أو الاعتداء، ويُعيد فتح جراح لم تندمل بعد، خصوصاً لدى عائلات الضحايا. وعليه، فإن أي عملية دمج غير مدروسة قد تتحول من خطوة إنسانية إلى عامل تفجير اجتماعي.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال البعد القانوني لا سيما فيما يتعلق بالأطفال المولودين لآباء أجانب مجهولي الهوية ممن عُرفوا بأسماء وكنى حركية لا يمكن اعتمادها رسمياً. إن ترك هؤلاء الأطفال خارج منظومة التسجيل المدني والتعليم سيحوّلهم إلى فئة مهمشة محرومة من الحقوق الأساسية ويجعلهم عرضة للتنمر والوصم الاجتماعي ما قد يُعيد إحياء النزعات المتطرفة لديهم بدل احتوائها.
وقد واجهت دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا تحديات مشابهة عند التعامل مع أطفال مقاتليها العائدين واضطرت إلى اعتماد أطر قانونية استثنائية توازن بين مصلحة الطفل ومتطلبات الأمن القومي.
في المقابل، فإن الإبقاء على النساء والأطفال في المخيمات ليس خياراً واقعياً بل يكرّس حالة من العزل والإقصاء ويُسهم في صناعة جيل ناقم يحمل شعوراً عميقاً بالظلم تجاه الدولة والمجتمع. كما أن فصل الأطفال عن أمهاتهم في ظل غياب بدائل رعاية متخصصة قد يؤدي إلى أضرار نفسية جسيمة ويزيد من احتمالات الانحراف بدل الحد منها.
ولا يمكن فصل هذا الملف عن مسؤولية الدولة ومؤسساتها في إدارة مرحلة ما بعد الإرهاب ضمن رؤية سيادية واضحة. فالتعامل مع النساء والأطفال المُفرج عنهم يجب أن يتم ضمن إطار مؤسساتي متكامل يحدّد بدقة أدوار الجهات الأمنية والقضائية والتربوية والاجتماعية.. ويمنع تضارب القرارات أو خضوعها للاجتهادات الفردية.
إن غياب التنسيق المؤسسي لا يشكل فراغاً ادارياً فحسب بل يفتح المجال أمام فوضى أمنية واجتماعية ويُضعف ثقة المجتمع بقدرة الدولة على ضبط هذا الملف الحساس. كما أن إشراك منظمات المجتمع المدني الوطنية يمكن أن يشكّل عنصر دعم في الجوانب النفسية والتعليمية شرط أن يتم ذلك ضمن ضوابط صارمة وتحت إشراف الدولة منعاً لأي اختراق خارجي أو تسييس لهذا الملف.
فالتجارب الدولية كما في المغرب وإندونيسيا تؤكد أن نجاح برامج إعادة الإدماج مرتبط بوجود مرجعية وطنية جامعة تُمسك بزمام القرار وتوازن بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن والاستقرار. إن ملف مخيم الهول ليس قضية إنسانية معزولة بل اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على إدارة تداعيات الحرب على الإرهاب وحماية المجتمع من إعادة إنتاج التطرف.
فإما أن يُعالج هذا الملف ضمن استراتيجية وطنية شاملة، تُراعي العدالة والأمن معاً أو يُترك دون إدارة رشيد ليتحول في المستقبل إلى عبء سياسي وأمني يفوق كلفته الحالية بأضعاف.
———————————
نقل سجناء «داعش» من سوريا إلى العراق: حل أمني أم ترحيل للأزمة؟/ صادق الطائي
لم يكن الإعلان عن بدء نقل سجناء تنظيم الدولة (داعش) من شمال شرقي سوريا إلى العراق، خطوة تقنية في سياق مكافحة الإرهاب، بل قرارا سياسيا بامتياز، يكشف حجم الإخفاق الدولي المتراكم في إدارة إرث التنظيم بعد هزيمته العسكرية. فحين يُنقل مئات، ثم آلاف، من أخطر معتقلي التنظيم من سجون سورية مهترئة إلى الأراضي العراقية، فإن السؤال لا يكون عن «الأمن» فقط، بل عن الجهة التي تقرر، والجهة التي تدفع الثمن، والجهة التي تُعفى من المسؤولية.
ويزداد هذا المشهد تعقيدا، إذا ما استُعيد تاريخ التعثر المزمن في التفاهمات بين الحكومة العراقية والإدارة الكردية شبه المستقلة في شمال شرقي سوريا، حول ملف معتقلي (داعش) ومعسكرات إيواء عوائلهم. فعلى مدى سنوات، جرت جولات تفاوض غير معلنة وأخرى معلنة، شملت تنسيقا أمنيا محدودا، ووساطات أمريكية متقطعة، ووعودا بتقاسم الأعباء، لكنها انتهت جميعا إلى طريق مسدود. بغداد كانت تتحفّظ على استلام معتقلين أجانب، أو إدارة مخيمات خارج سيادتها القانونية، بينما كانت الإدارة الكردية تطالب بنقل العبء كاملا، ملوّحة بعجزها المالي والأمني عن الاستمرار في حراسة آلاف السجناء وعشرات الآلاف من النساء والأطفال.
هذا التباين في المقاربات حوّل الملف إلى كرة سياسية تتقاذفها كل الأطراف المعنية بالمشكلة، لكنها بقيت لا تُمس إلا عند الأزمات. ومع تراجع الدور الأمريكي، وتغيّر موازين السيطرة في سوريا، انهار هذا التوازن الهش، ودخل الجميع في لحظة اضطرار لا خيار فيها سوى قرارات متسرعة، لا حلول تفاوضية ناضجة. ما يحدث اليوم ليس ثمرة اتفاق ناضج، بل نتيجة سنوات من التأجيل، وسوء التقدير، والاعتماد على ترحيل الأزمة بدل حلها، حتى وصلت الأطراف إلى النقطة التي لم يعد فيها بالإمكان إبقاء معتقلات (داعش) ومخيمات إيواء عوائلهم خارج الحسابات السيادية والأمنية المباشرة.
الولايات المتحدة، التي قادت التحالف الدولي ضد تنظيم (داعش)، قدّمت القرار بوصفه إجراء وقائيا لمنع هروب جماعي في ظل تدهور الوضع الأمني في شمال شرقي سوريا. لكن هذا التبرير، على وجاهته الظاهرية، يخفي حقيقة أكثر إرباكا: واشنطن لم تعد راغبة في تحمّل عبء آلاف السجناء، ولا في إدارة ملف قانوني وأخلاقي معقّد، في لحظة تعيد فيها ترتيب أولوياتها العسكرية والسياسية في المنطقة. التحولات المتسارعة في سوريا هي الخلفية المباشرة للقرار. انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» من مواقع أساسية، تقدّم قوات الحكومة السورية الجديدة، تفكك خطوط السيطرة، ووقائع الهروب من بعض السجون، كلها عناصر دفعت واشنطن إلى خيار «الإخلاء السريع»، لا «الحل المستدام». فبدلا من الاستثمار في آلية دولية لإدارة المعتقلات والمخيمات، أو الضغط الحقيقي على الدول الأصلية لاستعادة مواطنيها، جرى اختيار الطريق الأسهل: نقل المشكلة إلى العراق.
العراق، بدوره، وجد نفسه أمام معادلة قاسية، من جهة، ترك آلاف السجناء في بيئة سورية مضطربة، يشكّل خطرا مباشرا على حدوده وأمنه الداخلي. ومن جهة أخرى، فإن استلام هذا العدد من معتقلي تنظيم (داعش)، بينهم أجانب وأوروبيون وقيادات من الصف الأول، يعني تحمّل عبء أمني وقانوني وسياسي لا يتناسب مع إمكاناته، ولا مع مسؤولياته الوطنية وحدها. ومع ذلك، اختارت الحكومة العراقية القبول بالصفقة، ووصفها مسؤولون في القضاء العراقي بأنها «خطوة استباقية للدفاع عن الأمن القومي». غير أن الخطاب الرسمي، مهما بدا حازما، لا يلغي الأسئلة الحرجة. فهل يُعقل أن يتحول العراق، الذي كان الساحة الرئيسية لجرائم التنظيم، إلى السجن الدولي غير المعلن لعناصره؟ وهل الدفاع عن الأمن القومي يمرّ فعلا عبر استيراد آلاف المتهمين بالإرهاب من خارج الحدود، أم أن الأمر يعكس اختلالا أعمق في موازين المسؤولية الدولية؟ الأرقام وحدها كفيلة بإثارة القلق. الحديث يدور عن ما يصل إلى سبعة آلاف معتقل، معظمهم مصنّفون ضمن «الأخطر». هؤلاء ليسوا عناصر هامشية، بل قيادات ميدانية وشرعية وإدارية، شاركت في إدارة «دولة الخلافة»، وفي ارتكاب جرائم إبادة وتهجير واغتصاب. وجودهم في العراق، حتى داخل سجون مشددة الحراسة، سيجعل هذه المنشآت أهدافا دائمة، وسيعيد فتح جراح اجتماعية لم تندمل بعد. الأكثر إشكالية أن جزءا كبيرا من هؤلاء ليسوا عراقيين، دول أوروبية كثيرة ترفض منذ سنوات استعادة رعاياها المنضوين في التنظيم الإرهابي، خوفا من التبعات السياسية الداخلية، وتفضّل تركهم في «الفراغ القانوني» شرق سوريا. واليوم، مع نقلهم إلى العراق، تجد هذه الدول نفسها أمام مخرج مريح: المتهمون بعيدون، والمحاكمات تجري خارج حدودها، والعقوبة، بما فيها الإعدام، ليست مسؤوليتها السياسية أو الأخلاقية.
ولا يكتمل الحديث عن نقل سجناء تنظيم (داعش) من سوريا إلى العراق من دون التوقف عند الملف الأكثر تعقيدا وخطورة، الذي جرى تجاهله عمدا؛ ملف عوائل مقاتلي التنظيم المحتجزين في مخيمات الإيواء، وعلى رأسها مخيم الهول. فهذا المخيم وحده يضم نحو أربعةٍ وعشرين ألف محتجز، غالبيتهم من النساء والأطفال، يعيشون منذ سنوات في ظروف قاسية، داخل فضاء قانوني رمادي، لا هم متهمون يُحاكمون، ولا مدنيون أحرار يُعاد إدماجهم. ومع كل حديث عن نقل «المقاتلين الخطرين»، يُترك هذا الملف كقنبلة موقوتة مؤجلة، رغم أن التجربة أثبتت أن المخيمات ليست مجرد أماكن إيواء، بل بيئات هشّة قابلة لإعادة إنتاج التطرف، حيث تنتشر شبكات غسل الدماغ، والضبط الأيديولوجي، والتجنيد الصامت، خصوصا بين الأطفال الذين لا يعرف كثير منهم وطنا غير معسكرات محاطة بالأسلاك الشائكة.
المجتمع الدولي، الذي يتهرّب من استعادة رعاياه البالغين، يتهرب بالقدر ذاته من تحمّل المسؤولية الأخلاقية تجاه آلاف الأطفال، تاركا دول الجوار، وعلى رأسها العراق وسوريا، أمام معضلة أخلاقية وأمنية مركّبة: كيف يمكن تفكيك إرث (داعش) فيما تُترك أجياله المحتملة تنشأ في مخيمات العزل والتهميش؟ نقل السجناء دون معالجة جذرية لملف العوائل لا يعني سوى اقتطاع جزء من المشكلة وترك جوهرها يتخمر بصمت، بانتظار انفجار مقبل. بهذا المعنى، لا يبدو العراق شريكا متكافئا في القرار، بل الطرف الذي طُلب منه أن «يمسك بجمرة المشكلة» نيابة عن الآخرين. فالدعوات الأوروبية الخجولة إلى «محاكمات عادلة» لا ترافقها أي استعدادات حقيقية لتحمّل الكلفة، سواء عبر استعادة الرعايا، أو تمويل آليات قضائية دولية، أو حتى تقديم ضمانات قانونية واضحة.
على الصعيد الداخلي العراقي، يفتح الملف بابا آخر بالغ الحساسية، فوجود الآلاف من معتقلي تنظيم (داعش) يعيد تنشيط خطاب الميليشيات المسلحة التي لطالما استخدمت خطر التنظيم لتبرير بقائها وسلاحها ونفوذها. بعض هذه الفصائل يقدّم نفسه بوصفه «الضامن للأمن»، مستفيدا من أي تهديد حقيقي أو متخيّل. وهنا، تتحول عملية النقل من إجراء أمني إلى ورقة سياسية داخلية، تُستثمر في صراعات النفوذ، لا في بناء دولة القانون. أما القضاء العراقي، ورغم تأكيده استقلاليته واستعداده لمحاكمة جميع المتهمين، فإنه يواجه تحديا غير مسبوق. محاكمة آلاف المتهمين بقضايا ذات طابع عابر للحدود، مع اختلاف الجنسيات ومسرح الجرائم والأدلة، كل هذا يتطلب منظومة قانونية دولية متكاملة، لا مجرد تطبيق نصوص محلية. ومع استمرار اعتماد عقوبة الإعدام، تزداد الضغوط الحقوقية، ويُخشى أن تتحول المحاكمات إلى ساحة أخرى لتصفية الملف بسرعة، لا لتحقيق العدالة بمعناها الواسع. في السياق الإقليمي، لا يمكن فصل القرار عن هشاشة الترتيبات الأمنية في سوريا. نقل السجناء يعكس، ضمنا، عدم ثقة أمريكية باستقرار وقف إطلاق النار، وبقدرة الأطراف المحلية على إدارة السجون والمخيمات. وهو أيضا رسالة سياسية مفادها أن واشنطن لم تعد ترى في شمال شرقي سوريا ساحة قابلة للإدارة طويلة الأمد، بل منطقة انتقالية يجري تفريغها من الملفات الثقيلة.
نقل الأزمة لا يعني إغلاقها، فالتاريخ القريب يعلّمنا أن تنظيم (داعش) لم يولد من فراغ، بل من فراغات السلطة، وسوء الإدارة، وتدويل الأزمات دون حلول جذرية. وإذا لم يُعالج ملف السجناء وعوائلهم الموجودين في مخيمات الإيواء ضمن رؤية شاملة تشمل؛ العدالة، والمصالحة، وتجفيف البيئات الحاضنة، وتقاسم المسؤوليات الدولية، فإن الخطر لا يختفي، بل يتغيّر شكله ومكانه.
في المحصلة، ما يجري اليوم هو ترحيل منظم لأحد أخطر ملفات ما بعد (داعش)، لا حله. العراق يدفع ثمن موقعه الجغرافي، وتاريخه مع الإرهاب، ورغبته في منع الأسوأ، بينما تكتفي القوى الكبرى بإدارة المخاطر لا معالجة أسبابها بشكل جذري. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقا: هل يتحول العراق إلى خاتمة مأساة تنظيم (داعش)، أم إلى فصل مؤجل من فصولها المقبلة؟
كاتب عراقي
القدس العربي
———————————
عودة المالكي.. ومقاتلي داعش إلى العراق: “الائتلاف” القاتل ضد سوريا/ جاد يتيم
2026.01.27
عاد مقاتلو “داعش” إلى العراق. ويعود نوري المالكي – على ما يبدو – إلى رئاسة الوزراء في العراق. هذا “ائتلاف” قاتل، ليس للعراق حسب، وسوريا أيضاً، بل للمنطقة بأسرها.
فالمالكي، الذي يعود دوماً على أحصنة إيرانية، هو وصفة لتأجيج الصراعات الطائفية في المنطقة، وتحديداً في العراق وسوريا. وعودته مترافقة مع إعادة مقاتلي داعش إلى العراق هي الترياق لإعادة تأجيج الصراعات الطائفية في منطقة مضطربة أصلاً. هذه بشرى سارة لداعش، ولكل المتطرفين في المنطقة الذين يشحذون السكاكين للانقضاض على أي بارقة أمل لهذه الشعوب المعذّبة. فلا يروي التطرف إلا التطرف، وهكذا سيعود المالكي، القادم من حزب “الدعوة” الشيعي، إلى اللعبة التي يهواها: تأجيج التطرف السني–الشيعي.
يبدو أن إيران، الذاهبة إلى نحر شيعة المنطقة من العراق إلى لبنان، تلعب إحدى آخر أوراقها في العراق: المالكي. وكما في لبنان، يتسيّد شيعة إيران في العراق المشهد السياسي بالانقلاب على الإرادة الشعبية التي عكستها الانتخابات، أو تحويرها على أقل تقدير. هكذا تم الانقلاب الأول على تفاهمات عودة سنّة العراق إلى الحياة السياسية مع فوز “القائمة العراقية” بقيادة إياد علاوي بالغالبية، قبل أن يتم تنفيذ الانقلاب وتكليف المالكي مجدداً تشكيل الحكومة في عام 2010. وبعد 12 عاماً، يعود نوري المالكي برصاصة إيرانية في جيبه، ليصيب مقتلاً ما تحقق من استقرار في العراق، ومحاولات تثبيت الاستقرار في سوريا بعد سقوط حكم السفاح بشار الأسد.
التوجس من المالكي، وإيران التي تعود معه للانتقام من هزائمها، مشروع. فعقليته الطائفية، وانقلابه على “الصحوات” التي نجحت في دحر داعش من العراق، كانت حجر الأساس لعودة داعش المدوية في عام 2014، ومن ثم إعلان ما يسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام”. وهنا يصبح التساؤل مشروعاً: ما الذي يضمن ألا يطلق المالكي سراً سراح قيادات التنظيم الإرهابي، ويسمح لها بحرية العمل وتشكيل مجموعات تستغل المساحات الشاسعة غير الممسوكة بين الرمادي والبادية السورية لشن هجمات في سوريا؟
ما يعزز هذا الاحتمال أن الحدود المشتركة بين البلدين يحرسها “الحشد الشعبي”، الذي لطالما شارك في عبور المقاتلين الشيعة، والأموال، والكبتاغون، والسلاح، وقيادات الحرس الثوري بين سوريا والعراق، حتى غدت الميادين عاصمة إيران في شمال شرق سوريا.
عامل إضافي يلوح في الأفق، لكن لم تتأكد مدى جديته بعد: هل يصبح العراق، الذي يحظر “حزب العمال الكردستاني” ولا يصنفه منظمة إرهابية، الوجهة المفضلة لمقاتلي الـPKK بعد سوريا، حيث يمكنهم الحصول على حق اللجوء ولا يواجهون خطر الاعتقال؟ من المرجح أن تدفع إيران بهذا الاتجاه لكي تمنع توجه فائض مقاتلي وقيادات حزب العمال الكردستاني، نتيجة تسويات تركيا وسوريا مع الكرد، إلى إيران، خصوصاً في ظل الاضطراب الحالي وضعف نظام الملالي.
هذا يضعنا أمام خطر مزدوج على سوريا – وربما تركيا – انطلاقاً من العراق في ظل حكم المالكي. الثابت أنه لا يمكن لداعش أن تزدهر في سوريا من دون أن تثبت أقدامها في العراق، وهذا خطر مشترك على البلدين والشعبين الجارين، لن تستفيد منه إلا إيران في معاركها الانتحارية للحفاظ على بقاء النظام.
تلفزيون سوريا
———————————
الأبعاد الخفية وراء نقل معتقلي “داعش” إلى العراق/ رامي الأمين
على وقع الأحداث الكبيرة في الشمال السوري، لم تكن قضية نقل آلاف المعتقلين من تنظيم “داعش” إلى الأراضي العراقية مجرد إجراء لوجستي عابر، بل جاءت انعكاسا لتحولات عميقة في المنطقة، وقد يكشف، بحسب بعض المحللين، عن أزمة ثقة في المشهد السياسي الجديد في دمشق، أو محاولة لمساعدته في تثبيت دوره المحوري في ضبط سوريا الجديدة وتوحيدها.
فبينما تحاول الحكومة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، تقديم نفسها كقوة قادرة على بسط السيادة وضبط الأمن، رأت واشنطن وبغداد أن ترك هذه “قنبلة داعش الموقوتة” في سجون هشة داخل سوريا يمثل مقامرة لا يمكن القبول بنتائجها.
يشرح السفير جيمس جيفري، المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا، لـ”الحرة” خلفيات ما حدث في شمال شرق سوريا. يقول إن تحولا كبيرا حدث يعكس نهاية “عهد الجيوب الانعزالية”، حيث إن دعم الولايات المتحدة للمناطق الكردية كان مرتبطا بغياب البديل عن نظام الأسد، ومع ظهور حكومة الشرع التي يراها “بديلا واقعيا وحكيما”، لم يعد هناك مبرر لاستمرار “قسد” تحت حماية أميركية.
ويلفت جيفري إلى أن الانهيار الكردي في المناطق العربية مثل الرقة ودير الزور كان نتيجة طبيعية لرفض العشائر فرض “أيديولوجيا أوجلان”، في إشارة إلى عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني اليساري، المدرج على لائحة الإرهاب الأميركية، ما دفع هذه المكونات للالتفاف حول حكومة عربية مقبولة إقليمياً فور ظهورها. وبذلك، تظل قضية المعتقلين مجرد فصل في كتاب إعادة تشكيل سوريا الموحدة.
ولكن لماذا أحيل هذا الملف إلى العراق ولم يتم تسليمه إلى نظام الشرع؟
في ذروة عمليات النقل، جاءت المكالمة الهاتفية بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني لتضع النقاط على الحروف في ما يخص الأبعاد السياسية لهذا التحرك. لم تكن المحادثة مجرد تنسيق لوجستي، بل حملت إقرارا بالدور المركزي الذي بات يلعبه العراق كـ “حارس قانوني وأمني” في هذا الملف.
السوداني، من جانبه، كان واضحا في التأكيد أن استضافة هؤلاء المعتقلين، رغم مخاطرهم، هي في جوهرها خطوة استباقية لحماية الأمن القومي العراقي أولا. فالرؤية العراقية تنطلق من حقيقة أن ترك آلاف الإرهابيين في سجون هشة داخل سوريا يمثل تهديداً وجودياً للعراق يفوق بكثير التهديد الذي يمثله لسوريا نفسها، حيث يخشى العراق أن تتحول تلك السجون إلى “بوابات مشرعة” للتسلل عبر الحدود في أي لحظة.
روبيو، الذي أشاد بمبادرة السوداني، شدد على أن نجاح هذه الشراكة الأمنية يعتمد على قدرة العراق على إبقاء هذا الملف بعيداً عن الصراعات الإقليمية والنفوذ الإيراني. وبذلك، يتحول العراق من بلد يلملم جراحه من إرهاب داعش إلى دولة تقود “الجهود الدبلوماسية” لضمان عودة المقاتلين الأجانب إلى دولهم ومحاسبتهم، مستخدماً هؤلاء المعتقلين كأداة لتعزيز ثقله الدولي وضمان استمرار الدعم العالمي لاستقراره.
هذا الموقف العراقي، المدعوم أميركياً، قد يعكس في جوهره أزمة ثقة بنظام الشرع، كما يشير محللون تحدثت إليهم “الحرة”. فبينما تحاول دمشق تقديم نفسها كشريك قادر على ضبط الأرض، ترى بغداد وواشنطن أن بقاء السجناء في عهدة النظام السوري الجديد هو مقامرة غير محسوبة، إذ يخشى الطرفان من عجز النظام عن ضبط هؤلاء السجناء. والأسوأ من ذلك، أن يتعمد غض الطرف عن تسربهم نحو الأراضي العراقية لاستخدامهم كأوراق ضغط سياسية مستقبلاً، كما كان يفعل نظام الأسد في السابق.
وعلى الرغم من ان الإدارة الأميركية أكدت على لسان المبعوث الأميركي إلى سوريا، السفير توم برّاك، ان دور “قسد” انتهى، ونظام الشرع قادر عبر المؤسسات الرسمية والأمنية السورية ان يدير مناطق الشمال الشرقي، يعكس قرار نقل هؤلاء السجناء انعدام الثقة الأميركي بنظام الشرع، بحسب فلاديمير فان ويلجنبرغ، المحلل المتخصص بالشؤون الكردية.
يقول ويلجنبرغ لـ”الحرة” أن الولايات المتحدة تسحب عمليا “أخطر أصولها” من منزل لم تعد تأمن له. فبينما تدعي الإدارة الجديدة في دمشق أن عمليات النقل تحدث فقط لأن قوات سوريا الديمقراطية تخلت عن مواقعها، يرى فان ويلجنبرغ أن المسألة أعمق من ذلك بكثير. هو يعتقد أن واشنطن تسعى “لترحيل الأجانب” إلى بلدانهم، بينما سيتم الاحتفاظ بأعضاء داعش من العراقيين والسوريين رفيعي المستوى “في السجون داخل العراق” لضمان عدم اختفائهم ببساطة في الداخل السوري.
هذه الشكوك يتردد صداها لدى رامي عبد الرحمن، مدير المركز السوري لحقوق الانسان، الذي يحذر من تهديد أكثر دهاءً يتمثل في اختراق الدولة السورية الجديدة نفسها. ويلفت عبد الرحمن إلى أن ثقة الإدارة الأميركية في القيادة الجديدة معدومة، والدليل على ذلك أنه “لو كانت تثق بالشرع، لما كانت نقلت معتقلي داعش إلى العراق”.
الخوف الحقيقي يكمن في أن هؤلاء المقاتلين، إذا تُرِكوا على الأراضي السورية، سيتم “دمجهم في الأجهزة الأمنية السورية تدريجياً” بدلاً من محاسبتهم. بل ويذهب عبد الرحمن إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الشخص الذي استهدف القوات الأميركية في ديسمبر الماضي وأسفر الحادث عن مقتل جنديين ومترجم، كان في الواقع “عنصرا بالأمن العام” السوري، وقد ردت القيادة المركزية الأميركية بغارات على مواقع تنظيم “داعش” الإرهابي في سوريا.
لكن السفير جيمس جيفري، لا يرى في عملية نقل المعتقلين تعبيراً عن “انعدام الثقة” بحكومة الشرع، بل هي بحسب رأيه، “تدبير احترازي” تفرضه تحولات المشهد الأمني، إذ إن أي تغيير في السلطة يفتح عادةً ثغرات قد يستغلها عناصر التنظيم الذين وصفهم بـ “الأذكياء والمخلصين والمتوحشين”.
ويوضح جيفري أن الأولوية تكمن في إخراج المعتقلين العراقيين ومواطني الدول الثالثة، أما عائلات المقاتلين في مخيم الهول فسيبقون بعهدة السلطات السورية.
وعن التحديات الأمنية خلال النقل، لا يخفي جيفري قلقه من “الهجمات الخارجية”، مستحضراً دروس الماضي من هجوم مطار بغداد عام 2004، حيث قام تنظيم داعش باقتناص “الفجوات” بين الوحدات العسكرية. ومع ذلك، يرى أن العراق اليوم يمتلك نظاماً سجنياً ضخماً وخبرة طويلة في مكافحة التمرد، مما يجعله مؤهلاً للعب دور “الحارس القانوني” للمجتمع الدولي، وهو دور يمنح بغداد نفوذاً سياسياً ودبلوماسياً أكبر على الدول التي ترفض استعادة مواطنيها.
ويبدو أن العراق مستعد ولديه الجهوزية لتلقّف عملية نقل المساجين، وبرأي ويلجنبرغ لن يؤدي هذا التدفق للمساجين الإرهابيين إلى زعزعة استقرار العراق وأمنه. بل على العكس من ذلك، يرى ويلجنبرغ أن العراق يخطو نحو دور مركزي في الشرق الأوسط. وأن خبرة العراق الطويلة في مكافحة الإرهاب والتعامل مع المساجين الإرهابيين، تعني أن نظامه القضائي والسجني قادر على استيعاب هذا الضغط، وفي المقابل، تكتسب بغداد “ثقلاً ونفوذاً أكبر عبر هؤلاء المقاتلين الأجانب” على دولهم.
ولكن، بحسب جيفري، خلف هذه الترتيبات العسكرية، تظل “القنبلة الموقوتة” قائمة في مخيمات مثل مخيم الهول. ويحذر الخبراء الذين تحدثت إليهم “الحرة” من أن الترويج لهذه العائلات كمدنيين فقط هو تسويق مضلل، إذ يحملون “أفكاراً داعشية” ستعود معهم إلى عمق المجتمع السوري.
ومع تسارع وتيرة التحولات في المشهد السوري، تلوح في الأفق بوادر تحول أميركي استراتيجي أكبر، حيث تدرس واشنطن بجدية خيار الانسحاب العسكري الكامل من سوريا، كما كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”. هذا التوجه، يضع ملف معتقلي داعش في سياق “تصفية التزامات” المرحلة السابقة. فبينما كانت القوات الأميركية تشكل الضمانة الميدانية لتلك السجون، يبدو أن نقل المعتقلين إلى العراق هو الخطوة الأخيرة لفك الارتباط بعبء أمني ثقيل قبل أي انسحاب نهائي محتمل.
الحرة”
———————————
“داعش”.. من ورقة إلى عبء
الجمعة 2026/01/23
لم تعد ورقة “محاربة داعش” صالحة للاستخدام السياسي أو الأمني. الذريعة التي شكّلت طوال سنوات حجر الأساس في شرعية قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إقليمياً ودولياً، استُهلكت بالكامل، وسقطت مصداقيتها مع أول اختبار فعلي لقدرتها على إدارة أخطر ملف أمني في شمال وشرق سوريا: ملف السجون والمعتقلات. لم يكن هذا السقوط تدريجياً أو نظرياً، بل فجائياً، ميدانياً وموثقا، بحيث بات من الصعب على أي جهة دولية الاستمرار في التعامل مع “قسد” بوصفها “الضامن الضروري” لمنع عودة التنظيم.
ما جرى في سجن الشدادي شكّل لحظة فاصلة، لا لأنها كشفت ثغرة أمنية فحسب، بل لأنها أطاحت بالبنية السياسية التي قامت عليها “قسد” منذ عام 2015: شريك محلي لا بديل عنه في الحرب على داعش. هذه الفرضية انهارت، ومعها تهاوى أحد أعمدة التفاوض التي استندت إليها “قسد” في علاقتها مع الحكومة السورية والتحالف الدولي على حد سواء.
الخريطة التي قالت ما لم يقُله الاتفاق
لم تكن الخريطة التي نشرتها وزارة الدفاع السورية مجرد ملحق بصري لاتفاق سياسي، ولا وثيقة تقنية لتوضيح خطوط انتشار. كانت، في جوهرها، وثيقة سيادية مكتوبة بلغة الجغرافيا، أعادت تعريف ما هو متفق عليه، وما جرى تأجيله عمداً في نص الاتفاق الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي.
فاللغة العامة للاتفاق، كما هو شائع في مراحل الانتقال، جاءت فضفاضة وقابلة للتأويل. لكن الخريطة أغلقت هذا الهامش، وحددت بوضوح أن التسليم العسكري لا يشمل محافظة الحسكة، بل يقتصر على الرقة ودير الزور، مع تثبيت وضع خاص لمدينة عين العرب (كوباني). هذه ليست تفصيلة تقنية، بل تعبير عن مقاربة مرحلية تقوم على تفكيك النفوذ على مراحل، لا على دمجه أو تقنينه.
غير أن الجغرافيا ليست مركز الثقل الحقيقي. النقطة الأهم كانت في البنود الأمنية غير المعلنة صراحة في الخطاب العام، والمتعلقة بملف السجون. فالاتفاق، عملياً، أبقى “قسد” ككيان مؤقت، مرتبط بتنفيذ التزامات محددة، أبرزها تسليم ملف الضباط، إخراج قيادات حزب العمال الكردستاني من سوريا، وعدم استيعاب فلول النظام السابق، تمهيداً لمرحلة الدمج الفردي في وزارتي الدفاع والداخلية.
هذا الترتيب يفترض درجة عالية من الانضباط والقدرة على السيطرة. وهو افتراض انهار مع أول اختبار حقيقي.
سجن الشدادي: من الخلل إلى الانكسار
في صباح 19 كانون الثاني/يناير الجاري، خرج سجن الشدادي عن سيطرة “قسد”. الروايات تضاربت، والبيانات تكاثرت، لكن النتيجة واحدة: أحد أخطر سجون “داعش” لم يعد تحت السيطرة. تحدثت “قسد” عن هجوم منسق، وعن تقاعس التحالف الدولي، فيما أكدت الحكومة السورية أن عملية الإفراج تمت عمداً، وأن عدد الهاربين محدود وأُلقي القبض على معظمهم.
بعيداً عن الجدل حول الأرقام والجهة المهاجمة، فإن الحدث بحد ذاته شكّل خطأً استراتيجياً فادحاً. فملف السجون، وخصوصاً سجون داعش، كان الورقة الأثقل التي لوّحت بها “قسد” لسنوات لتثبيت دورها الدولي. مع سقوط هذه الورقة ميدانياً، تحوّلت من “حارس” إلى مشكلة أمنية بحد ذاتها.
شبكة السجون: عبء أكبر من قدرة فصيل محلي
لا يمكن فهم خطورة ما جرى في الشدادي دون النظر إلى الصورة الأوسع. في الحسكة والقامشلي وحدهما، توجد عشرات السجون ومراكز الاحتجاز، تضم ما يقارب تسعة آلاف عنصر من “داعش”، إضافة إلى معتقلين سياسيين وموقوفين جنائيين. من سجن غويران (الصناعة) إلى السجن الأسود في ديريك، ومن الشدادي إلى جركين، نحن أمام شبكة احتجاز تتطلب دولة، لا تنظيماً مسلحا متعدد الولاءات.
إدارة هذا الملف تحتاج إلى جهاز أمني مركزي، منظومة رقابة، قضاء وسلسلة أوامر واضحة. أي خلل في واحدة من هذه السجون لا يبقى محصوراً في موقعه، بل يفتح الباب أمام تفاعلات متسلسلة تبدأ بالفوضى ولا يُعرف أين تنتهي.
انتشار القوات الأميركية حول سجن الصناعة في الحسكة بعد أحداث الشدادي، لا يمكن قراءته بوصفه دعماً لـ”قسد”، بل إجراءً احترازياً متأخراً، هدفه منع الانهيار الشامل. وهو يعكس قلقاً دولياً من انتقال عدوى الفوضى، أكثر مما يعكس ثقة بقدرة “قسد” على الاحتواء.
نقل “أشبال الخلافة”: خطوة مثيرة للقلق
خلال الساعات الماضية، قامت “قسد” بنقل عدد من السجناء المعروفين باسم “أشبال الخلافة”، من سجن تل معروف إلى مدينة القامشلي محافظة الحسكة.
هذه الخطوة قد تعكس رغبة “قسد” في تعزيز الرقابة المركزية على السجون التي تضم عناصر مصنفة عالية الخطورة، خصوصاً في وقت تتصاعد فيه الضغوط السياسية والميدانية.
قد ترتبط هذه التحركات بمخاوف من تغيّر الوضع الأمني في المناطق الطرفية، ما يدفع “قسد” لسحب السجناء من مواقع أقل تحصيناً نحو مراكز تعتبر أكثر أماناً.
نقل هؤلاء العناصر إلى مدينة كالقامشلي، يزيد من حساسية الوضع لدى السكان المحليين، خصوصاً مع تاريخ الهجمات ومحاولات الفرار السابقة. هذه الخطوة قد تؤدي إلى تفاقم المخاوف الأمنية لدى الأهالي، وتشكل عبئاً إضافياً على قدرة “قسد” على السيطرة على الأمن المحلي.
من “حارس الوحش” إلى فقدان الشرعية
بنت “قسد” سرديتها على فكرة أنها تحرس وحشاً مكبلاً اسمه “داعش”، وأن العالم مضطر للاعتماد عليها لأنها الوحيدة القادرة على ضبطه. لكن هذا الدور كان دائماً مزدوجاً وملتبساً. فمن جهة، كانت “قسد” تستثمر وجود التنظيم لإبقاء الدعم الدولي، ومن جهة أخرى، كانت تدير السجون والمخيمات بإهمال متعمد، سمح بإعادة إنتاج الخلايا والفساد وشبكات التهريب.
هذا التناقض لم يعد قابلاً للاستمرار. فحين يفشل “الحارس” في منع الهروب، يصبح الخطر مضاعفاً. وهنا، بدأت الشرعية بالتآكل، لا بسبب خصوم “قسد”، بل بسبب أدائها.
الأهم من كل ذلك هو التحول في المقاربة الإقليمية. التنسيق المتصاعد بين دمشق وبغداد بشأن خطر تسلل عناصر “داعش “لا يعكس فقط مصلحة أمنية مشتركة، بل تحولاً في النموذج: من “الدولة–الميليشيا” إلى “الدولة–الدولة”. في هذا النموذج، لا مكان طويل الأمد لقوة مسلحة لا تستطيع ضبط مناطقها أو إدارة أخطر ملفاتها.
المهلة ونقل السجناء: ما وراء التأجيل
تأجيل معركة الحسكة ومنح “قسد” مهلة أربعة أيام لم يكن خطوة سياسية بحتة، بل إجراءً أمنياً محسوباً. الهدف الأساسي كان نقل سجناء “داعش” خارج مناطق التماس. فإعلان القيادة المركزية الأميركية عن نقل 150 عنصراً إلى العراق، وإمكانية نقل ما يصل إلى سبعة آلاف، يؤكد أن الملف خرج عمليا من يد “قسد”، وبات يُدار دوليا بالتنسيق مع دمشق وبغداد هذا التطور ينسف أي ادعاء بامتلاك “قسد” لورقة ضغط في هذا الملف.
تقف “قسد” اليوم أمام خيارين واضحين:
المسار السلمي الذي يضمن دخول الجيش السوري إلى الحسكة، وتسلّمه حماية السجون، وانتشار قوى الأمن العام وعودة مؤسسات الدولة.
والمسار القسري الذي يفرض السيطرة بالقوة، بدعم أميركي–تركي، في حال استمرار الرفض والتعنت.
الأمر ذاته ينطبق على القامشلي، حيث بات معبر نصيبين والملف الأمني جزءاً من معادلة سيادية لا تحتمل المراوحة أو المساومة.
ما بعد الورقة الأخيرة
لم تعد “قسد” تملك أوراق قوة حقيقية. فقدت معظم نفوذها الاقتصادي، تراجعت سيطرتها العسكرية، وسقطت ورقة “داعش”. ما تبقى هو إدارة أزمة، لا صناعة حل. ومحاولة استخدام السجون والمخيمات كورقة ابتزاز أخيرة قد تتحول إلى اللغم القاتل الذي يسرّع انهيارها السياسي.
التحول جارٍ بصمت، نحو إعادة مركزية الملف الأمني. ومن يسيء إدارة القوة، يفقد شرعيته قبل أن يفقد أرضه. وفي سوريا ما بعد الأسد، لم يعد المجتمع الدولي مستعداً للتعايش مع “حراس الفوضى”، مهما طال أمدهم.
من يخسر ورقة “داعش”، يخسر القدرة على فرض الشروط. ومن يعجز عن إدارة السجون، يعجز عن ادعاء الشراكة. أما الدولة، حين تعود، فلا تفاوض على السيادة… بل تستعيدها.
المدن
————————-
ثلاثة معتقلات عراقية تستعد لاستقبال سجناء “داعش” في سورية/ محمد الباسم
23 يناير 2026
تسلّم العراق، مساء أول من أمس الأربعاء، الدفعة الأولى من معتقلي تنظيم “داعش” من سجون محافظة الحسكة شمال شرقي سورية، وذلك ضمن سلسلة دفعات قد تستمر أياماً، بواسطة طائرات أميركية وإجراءات أمنية مشدّدة. وبحسب مصادر عراقية خاصة تحدثت لـ”العربي الجديد”، فإن دفعة ثانية من سجناء “داعش” ستصل اليوم الجمعة، وعبر الآلية نفسها، من خلال طائرات نقل مروحية أميركية، وبمحضر تسليم رسمي للجهات العراقية من قبل الأميركيين، وتشمل جنسيات أوروبية وآسيوية وعربية مختلفة.
وأكدت المصادر نفسها أن سجوناً ومعتقلات عراقية لم تُهيأ لاستقبال سجناء “داعش” من سورية، لكن جرى تحضيرها سريعاً لأجل هذا الهدف، وهي سجن سوسة في السليمانية، وسجن الحوت في الناصرية (مركز محافظة ذي قار)، وسجن المطار (كروبر) المجاور لمطار بغداد الدولي، مبينةً أن “السلطات العراقية خصّصت أجنحة لقادة التنظيم، وأخرى للعناصر، وأخرى للأفراد الأقل خطورة”. وأضافت المصادر التي تعمل على مقربة من آليات استلام سجناء “داعش” أن “هذه السجون لن تكفي الأعداد التي يجرى الحديث عنها، وهي أقل من 7 آلاف، وقد تلجأ السلطات إلى الاستعانة بسجون جديدة أو إيجاد آليات لمنع الاكتظاظ، بما فيها إعادة العمل في سجن أبو غريب الذي أغلقته السلطات قبل سنوات طويلة، ثم حوّلته إلى إصلاحية ومركز احتجاز للمتورطين بجرائم المخدرات والممنوعات.
دفعة أولى من سجناء “داعش”
ووفقاً لإعلان رسمي عراقي صدر عن المتحدث العسكري باسم رئيس الحكومة محمد شياع السوداني صباح النعمان مساء أول من أمس، فقد تسلّم العراق دفعة أولى من 150 معتقلاً من جنسيات عراقية وأجنبية وعربية مختلفة، كانوا محتجزين في السجون السورية التي كانت تديرها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). وأكد النعمان أن خطوة تسلم سجناء “داعش” جاءت بقرار من “مجلس الأمن الوطني” الذي يضم رئيس الوزراء وقادة الأمن ووزيري الدفاع والداخلية في العراق. وأوضح أنه “بالتعاون مع التحالف الدولي، تمّ الاتفاق على استلام العراق الإرهابيين من الجنسية العراقية ومن الجنسيات الأخرى المعتقلين في السجون التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وإيداعهم المؤسسات الإصلاحية الحكومية”. وأضاف أن “الدفعة الأولى تضم 150 عنصراً إرهابياً من العراقيين والأجانب من الذين أوغلوا بدماء العراقيين الأبرياء”، وفقاً للبيان، مؤكداً أنه “ستُحدَّد لاحقاً أعداد الوجبات الأخرى، وفق تقدير الموقف الأمني والميداني، لتطويق خطر انتشار هؤلاء الذين يُعدون من قيادات المستوى الأول في العصابات الإرهابية”.
قبل ذلك، أعلنت القيادة الوسطى في الجيش الأميركي “سنتكوم” عن البدء بنقل آلاف المعتقلين من تنظيم داعش من سورية إلى العراق. وقالت “سنتكوم” في بيان لها: “بدأنا مهمة جديدة لنقل معتقلي تنظيم داعش من شمال شرق سورية إلى العراق، وذلك لضمان بقاء الإرهابيين في مراكز احتجاز آمنة”، مضيفة أن “مهمة النقل بدأت بالتزامن مع نجاح القوات الأميركية في نقل 150 مقاتلاً من داعش كانوا محتجزين في مركز احتجاز في الحسكة، سورية، إلى موقع آمن في العراق، ومن المتوقع أن يصل إجمالي عدد معتقلي داعش الذين سيجرى نقلهم من سورية إلى مراكز احتجاز خاضعة للسيطرة العراقية إلى 7 آلاف معتقل”.
اعتراضات ومخاوف
وخلال الأيام الماضية، شهد العراق موجة تساؤلات ومخاوف من مصير الآلاف من سجناء “داعش” في شمال شرق سورية، بعدما استولت القوات الحكومية على مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها لفترة طويلة القوات الكردية التي كانت تحرس السجون التي تضمّ الآلاف من معتقلي التنظيم وعائلاتهم من عشرات الدول. مع العلم أنه لا يزال كثير منهم في وضع قانوني غير مستقر بعد أن رفضت حكوماتهم الأصلية إعادتهم إلى أوطانهم.
وعلى الرغم من بعض الاعتراضات التي صدرت عن سياسيين وأعضاء في البرلمان العراقي، والتي تلخصت في اعتبار هذه التطورات “خرقاً للسيادة العراقية” والمخاوف من تسرّب المتطرفين والمنتمين لـ”داعش”، إلا أن الحكومة العراقية أعلنت، على لسان مستشار رئيس الوزراء حسين علاوي، عن سبب موافقتها على استقبال معتقلي “داعش”، بأنه “يهدف إلى منع أي محاولة لإعادة المأساة التي مرّ بها العراقيون، وأن العراق شريك دولي متقدم في مجال مكافحة الإرهاب وفي مجال تنفيذ العدالة الجنائية تجاه هؤلاء الإرهابيين”.
وبحسب مصادر أمنية وعسكرية عراقية تواصلت معها “العربي الجديد”، فإن “عمليات نقل دفعات المعتقلين لن تكون بجهود عراقية فقط، بل بمشاركة سورية وأميركية، لمنع أي حالة هروب أو إخلال بالاتفاق الثلاثي بين بغداد ودمشق وواشنطن”. كما أعلنت وزارة الخارجية السورية أنها “تلتزم بتقديم الدعم اللوجستي والأمني اللازم لإنجاح عملية نقل السجناء، بما يسهم في الحد من المخاطر الأمنية المرتبطة بوجودهم داخل الأراضي السورية”. وسبق أن أعلنت “قسد” أنها “تعتقل 10 آلاف عنصر من داعش”. لكن المصادر العراقية قالت إنهم “لا يتجاوزون 6 آلاف و200 فرد”.
ومن المقرر أن يبدأ القضاء العراقي بمحاكمة العراقيين والأجانب من المعتقلين، وفق القانون العراقي باعتبارهم نفذوا عمليات و”جرائم” داخل الأراضي العراقية خلال السنوات الماضية، وأكد مجلس القضاء الأعلى في العراق، أمس، إنه “سيتم اتخاذ إجراءات قضائية بحق المتهمين من عناصر داعش الذين تمّ نقلهم من سورية”، مضيفاً أن “جميع المتهمين الذين سينقلون من سورية خاضعون لسلطة القضاء العراقي”. ويرى مراقبون أن “العراق قادر على التواصل مع بعض الدول التي ينتمي إليها بعض المعتقلين من أجل الحصول على الدعم المادي مقابل تخليصهم من الإرهابيين، أو الحصول على مصاريف محاكمتهم على أقل تقدير، وهو إجراء معمول به في مثل هذه الحالات”.
من جهته، اعتبر عضو البرلمان العراقي عن كتلة “حقوق” التابعة لـ”كتائب حزب الله” مقداد الخفاجي قيام الجيش الأميركي بنقل معتقلي عناصر “داعش” من سورية إلى العراق “خرقاً للسيادة”، مشيراً إلى أنه “لا يستبعد حصول عمليات تهريب للسلاح في الأيام المقبلة”. وقال الخفاجي في تصريحات صحافية إن “المعطيات الحالية تنذر بخطر على العراق، ولذلك على الحكومة والشعب العراقي والقوات الأمنية والحشد الشعبي وفصائل المقاومة والبشمركة الاستعداد للأيام المقبلة”.
بدوره، أشار الباحث في الشأن الأمني مخلد حازم إلى أن “المعلومات بخصوص الاتفاق العراقي على نقل عناصر داعش إلى العراق لا تزال شحيحة وقد تبقى على هذه الحال، لمنع أي محاولة للهروب أو التجاوزات على الاتفاق”، مبيناً لـ”العربي الجديد” أن “الاتفاق كبير ويحتاج إلى تهيئة وتحضيرات وأمور لوجستية، وهناك مجموعة تساؤلات لا بد من الوصول إلى إجابة حكومية منها، تتعلق بأعداد العراقيين والأجانب، والأماكن التي سيكون فيها هؤلاء المعتقلون، بالإضافة إلى الوقوف عند الجهة التي تحمي المعتقلات والسجون وإمكاناتها في هذا الأمر”.
وأكمل حازم بأن “الحدود العراقية السورية منذ العام 2017 أخذت الأولوية ضمن العمل الحكومي العراقي”، لافتاً إلى أنها “لا تحتوي على أي ثغرات عدا منطقة قريبة من سنجار بواقع 30 كيلومتراً، لأن تلك المنطقة خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، لكن ما يرتبط بالشريط الحدودي ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش العراقي، فلا يمكن عبور أحد من دون رصده”، موضحاً أن “أزمة الإرهابيين العراقيين الذين كانوا في معتقلات قسد لا بد أن تنتهي، وكذلك ملف الإرهابيين الأجانب، لأن بقاءهم في المخيمات والسجون أمر يبقى حالة مقلقة للدول والمجتمعات”.
—————————-
مسؤول أميركي: سننهي عملية نقل معتقلي “داعش” من سوريا خلال أيام
مصادر: عناصر تنظيم “داعش” المنقولون من سوريا ينحدرون من جنسيات مختلفة
2026-01-23
قال مسؤول أميركي، مساء أمس الخميس، إن الولايات المتحدة ستنتهي من عملية نقل معتقلي تنظيم “داعش” الموجودين في سوريا إلى العراق خلال الأيام القليلة المقبلة.
وأضاف المسؤول أن مئات المعتقلين الموجودين حالياً في سجون شمالي شرقي سوريا سيتم نقلهم يومياً عبر الحدود بين البلدين، وفق ما أفادت به وكالة أنباء “رويترز”.
وأوضح المسؤول أن الولايات المتحدة تعطي أولوية خاصة خلال عمليات النقل للمعتقلين المصنَّفين ضمن الفئات “الأكثر خطورة”، مشيراً إلى أن هؤلاء ينحدرون من جنسيات متعددة، من بينها دول أوروبية.
من جهتها، أفادت مصادر قانونية عراقية بأن عناصر تنظيم “داعش” الذين جرى نقلهم من سوريا إلى العراق حتى الآن يحملون جنسيات مختلفة، ويشكّل العراقيون النسبة الأكبر منهم، إلى جانب معتقلين عرب من دول أخرى، إضافة إلى رعايا من بريطانيا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا والسويد.
وفي هذا السياق، أشاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، يوم أمس الخميس، بدور العراق في استقبال هؤلاء المعتقلين.
وقال روبيو: “سيبقى الإرهابيون غير العراقيين في العراق بصورة مؤقتة، فيما تواصل الولايات المتحدة حثّ الدول المعنية على تحمّل مسؤولياتها واستعادة مواطنيها الموجودين في هذه المنشآت، من أجل تقديمهم إلى القضاء في بلدانهم”.
ويوم الأربعاء الماضي، قال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية صباح النعمان، إن بلاده تسلمت الأولى من المعتقلين في السجون بسوريا، والتي تضم 150 عنصراً كانوا في صفوف تنظيم “داعش”.
وأضاف النعمان، أن المجلس الوزاري للأمن الوطني في العراق وافق على استلام عناصر تنظيم “داعش” من الجنسية العراقية ومن الجنسيات الأخرى، الذين يقبعون في السجون السورية، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء العراقية (واع).
وأشار إلى أن القرار جاء في إطار متابعة الحكومة العراقية للتطورات الأمنية الحاصلة في سوريا، ومفرزات التغيرات الميدانية المتعلقة بالسيطرة على المعتقلين من تنظيم ”داعش”، بالتنسيق مع التحالف الدولي.
وأوضح المسؤول العراقي أن عملية التسليم بدأت بالفعل، حيث تسلّم العراق الوجبة الأولى التي تضم 150 عنصراً من العراقيين والأجانب.
وأكد النعمان أنه سيجري لاحقاً تحديد أعداد الوجبات الأخرى، وفق تقدير الموقف الأمني والميداني، بهدف تطويق خطر انتشار هؤلاء، الذين يُعدّون من قيادات المستوى الأول في تنظيم “داعش”.
وكانت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قد أعلنت يوم الأربعاء الماضي، عن البدء بمهمة نقل معتقلين من ”داعش” من سوريا إلى العراق.
وقالت في بيان، “بدأنا مهمة نقل معتقلي تنظيم داعش من سوريا إلى العراق ووضعهم في مراكز احتجاز آمنة”.
وأضافت، “ننسق مع شركائنا الإقليميين بمن فيهم العراق ونقدر دورهم في ضمان الهزيمة النهائية لداعش”، مشيرةً إلى أن “تسهيل نقل معتقلي داعش من سوريا مهم لمنع أي هروب قد يهدد الولايات المتحدة والأمن الإقليمي”.
وذكرت القيادة المركزية، أن عدد معتقلي “داعش” الذين سينقلون من سوريا إلى مراكز احتجاز بالعراق قد يصل إلى 7000 معتقل.
———————————
سجون تنظيم الدولة وورقة قسد الأخيرة/ وائل علوان
وصلت المعارك بين الحكومة السورية و”قسد” إلى مدينة الشدادي، لتعيد فتح ملف لم يطوَ، وتذكر بأمر بالغ الخطورة والأهمية لا يمكن أن ينسى، وهو ملف السجون والمخيمات التي تضم عناصر تنظيم الدولة “تنظيم الدولة” وعائلات قادته وعناصره من نساء وأطفال.
هرب المئات من عناصر التنظيم، بينهم مقاتلون جهاديون أجانب من سجن الشدادي، وقد يصل عدد الهاربين إلى 1500 عنصر، بحسب رواية المسؤولين في “قسد” الذين حملوا المسؤولية في ذلك للحكومة السورية، بينما أكدت الحكومة السورية أن عدد الهاربين من سجن الشدادي 120 عنصرا فقط، ألقي القبض على 81 عنصرا منهم في عملية أمنية واسعة نفذتها القوات الأمنية في المنطقة يوم 19 يناير/ كانون الثاني 2026.
في نفس اليوم الذي أثير الحديث فيه عن سجن الشدادي وهروب من فيه أثارت “قسد” إنذارا بإمكانية هروب العشرات من عناصر التنظيم وقادته من سجن الأقطان شمال مدينة الرقة، بعد أن استعصت فيه مجموعات من “قسد” ومن فلول النظام البائد ورفضوا نقل السجن لحماية الحكومة السورية، كما ينص على ذلك الاتفاق الجديد الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع، يوم 18 يناير/ كانون الثاني 2026.
ملف السجون والمخيمات كان الورقة الأهم التي تضمن لـ”قسد” الأهمية والدعم والدور في الخريطة السورية، وكان الحديث عن إدارة هذا الملف حاضرا في المفاوضات التي استمرت بين الحكومة السورية و”قسد” منذ اتفاقهما في مارس/ آذار 2025 حتى انتهاء فترة تنفيذ الاتفاق دون أن ينفذ نهاية 2025.
خلال المفاوضات التي كانت ترعاها وتديرها الدبلوماسية الأميركية كانت “قسد” تتحفظ على ملف نقل إدارة السجون والمخيمات، وتضع العراقيل أمام تنفيذ هذا البند تحديدا، في مقابل الاهتمام الأميركي الكبير بالتقدم خطوة فيه.
فهل كانت “قسد” تعلم أن ملف السجون والمخيمات سيكون الورقة الأخيرة في يدها حين تفقد باقي الأوراق؟
سجون عناصر تنظيم الدولة ومخيمات عوائلهم
مع معارك التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، وتحديدا بعد معركة الباغوز في الربع الأول من عام 2019، وهي المعركة الأهم والكبرى والأخيرة، أقامت “قسد”، وهي الشريك المحلي لقوات التحالف الدولي مجموعة من السجون والمعتقلات لمن ألقي القبض عليه من عناصر التنظيم وقادته، وأعادت ترتيب الحماية الأمنية للمخيمات التي تضم العائلات من النساء والأطفال.
إعلان
مخيمان رئيسيان، كان كل منهما مجتمعا للحفاظ على حاضنة التنظيم واستمرار نشاطه، بعلم “قسد” وإدارتها ذلك، فضلا عما ضمه المخيمان من شبكات الفساد والتهريب والاتجار بالبشر، وإعادة إنتاج الإرهاب والاستثمار به.
الأول؛ مخيم الهول قرب الحدود السورية العراقية، وبالتحديد عند المدخل الجنوبي لبلدة الهول جنوب شرق مدينة الحسكة، وهو التجمع الأكبر -ربما على مستوى العالم- الذي يضم عائلات تنظيم الدولة، وهم موزعون في 9 أقسام (تسمى محليا “فيزات”)، من الأول حتى السابع تضم جنسيات سورية وعراقية، ثم “الفيز” الثامن، وهو الأخطر، يضم شخصيات أجنبية من مختلف الجنسيات، ويسمى “فيز المهاجرات”، وفي المخيم قسم للخدمات يضم ما يقارب 100 محل تجاري.
يبلغ عدد قاطني مخيم الهول عام 2023 أكثر من 51 ألف شخص، نسبة 59% منهم أطفال، و32% منهم نساء، و9% منهم رجال، بينما تشير الإحصائيات إلى أن العدد انخفض بشكل كبير عام 2024 وعام 2025؛ بسبب عمليات نقل وتسلم العائلات وخاصة العراقية، وهروب الكثير، ونقل من يبلغ من الأطفال للمعتقلات.
الثاني؛ مخيم روج قرب المدخل الشمالي لقرية تل أسود بريف المالكية شمال شرق مدينة الحسكة، أصغر حجما من مخيم الهول، ويقسم إلى قسمين منفصلين عن بعضهما:
الأول للفارين من السوريين والعراقيين من تنظيم الدولة والذين استقروا في المخيم منذ تأسيسه عام 2015.
والقسم الآخر لعائلات التنظيم من النساء والأطفال والذين قدر عددهم عام 2023 بما يقارب 3 آلاف شخص، 65% منهم أطفال، و35% منهم نساء، ويتم نقل الأطفال عند بلوغهم سن 12 عاما إلى أماكن احتجاز في محيط المخيم، أو إلى مركز احتجاز خاص يطلق عليه اسم “هيمو” ويقع قرب مدينة القامشلي.
بشكل عام فإن عدد أفراد العائلات في المخيمين (الهول وروج) يقدر منتصف عام 2025 بما يقارب 43 ألف شخص.
عناصر التنظيم وقادته موزعون على سجون ومعتقلات بعضها سري، ويقدر عددهم بما يقارب 9 آلاف سجين، ويقدر عدد السجون الخاصة بعناصر تنظيم الدولة وقادته بـ 24 سجنا، تديرها القوات الخاصة التابعة للأسايش “HAT”، ووحدات مكافحة الإرهاب التابعة لـ”قسد” “YAT”، وأشهر هذه السجون:
سجن غويران: في المنطقة الصناعية ضمن مدينة الحسكة، وهو أكبر السجون، واشتهر بحالات استعصاء السجناء، والهروب والمنظم الجماعي.
سجن الشدادي: يقع شمال شرق مدينة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي، وهو من السجون الرئيسية والكبيرة.
سجن جركين: يقع في مدينة القامشلي، وهو قسمان: الأول السجن القديم في مركز الأعلاف في المدينة، والثاني الجديد، وهو سجن كبير تحت الأرض في نفس الموقع.
سجن ديريك: ويطلق عليه اسم السجن الأسود، ورغم أنه من أكثر السجون حماية وتأمينا فقد اشتهر بعد محاولة الاستعصاء والفرار التي قام بها عناصر تنظيم الدولة في أبريل/ نيسان 2019.
بينما تنتشر باقي السجون الأخرى وهي أقل حجما في الرقة والحسكة ومنها اثنان كانا في دير الزور، وهذه السجون غير مختصة بسجناء تنظيم الدولة، لكنها تحوي أقساما لهم.
وفي عام 2024 وعام 2025 نقلت القوات الأميركية بالتنسيق مع “قسد” السجناء من قادة الصف الأول في التنظيم من السجون العامة أو التي حصلت فيها حوادث، أو يتوقع أن تشهد حوادث مثل سجون الرقة ودير الزور، إلى سجون غالبا هي داخل سوريا، لكنها تخضع لإشراف مباشر من قبل القوات الأميركية.
حارس الوحش: دور “قسد” الذي حاولت الحفاظ عليه
حاولت “قسد” الاستفادة من الوحش الذي تحرس سجونه بمقدار ما يشكل هذا الوحش قلقا إقليميا ودوليا، وهي رغم استثمارها بتنظيم الدولة وعناصره وخلاياه؛ تجنيدا وتوظيفا وتوجيها، ضد خصومها -تماما كما كانوا يفعلون أيضا- فإنها كانت حريصة على دورها في حماية السجون والمخيمات على حد سواء.
إعلان
الدول المعنية جميعا كانت تزور السجون وبشكل أكبر المخيمات، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، وكانت تكتب لجانها التقارير التي لم تخلُ من التحذيرات، حيث كان واضحا الإهمال المتعمد للسجون والمخيمات بما يجعل التنظيم حيا وقائما فيها.
ومع ذلك لم تكن الدول ذات الصلة قادرة على التعامل مع هذا الملف إلا بما هو عليه، وكانت قوات التحالف الدولي تغض البصر أو ربما فعلا لا تبصر حالة الفلتان التي تتعمدها “قسد” في السجون، فحصلت العديد من حالات الهروب والاستعصاء والمواجهات، الأمر الذي كانت تحظى به “قسد” من خلال زيادة دعمها والاعتماد عليها لضبط الأمر ومنع تكراره.
ويبدو الأمر أخطر في المخيمات التي باتت مجتمعات مغلقة، عاد فيها التنظيم إلى النشاط، مع قدرة عالية على الاتصال الخارجي والتنقل والانتقال داخل سوريا وخارجها عبر شبكات من الفساد التي تشكلت ضمن صفوف القوات المسؤولة عن حماية المخيمات وإدارتها.
الورقة الأخيرة قد تكون اللغم القاتل
بعد سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، استمرت “قسد” باستخدام ورقة حماية السجون والمخيمات التي تضم عناصر التنظيم وقياداته، إلى جانب أوراق أخرى كانت تستقوي بها وهي تفاوض الحكومة الجديدة في دمشق منها سيطرتها على السدود المائية ومرافقها شمال البلاد، ومنها السيطرة على معظم حقول النفظ والغاز في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، ومنها الاستقواء العسكري والأمني بالواقع الميداني الذي كانت ترسمه خرائط النفوذ والسيطرة خلال عام 2025.
لم تستفد “قسد” من أوراق القوة هذه سياسيا، ولم تفهم حقيقة الموقف الأميركي بشكل خاص وحقيقة الموقف الإقليمي والدولي بشكل عام، والذي وجد الانتقال السياسي في سوريا فرصة عظيمة للانتقال من استقرار سوريا إلى استقرار المنطقة بما يحقق مصالح الغرب وحلفائه الإقليميين.
مضى عام 2025 دون أن تنفذ “قسد” اتفاق مارس/آذار، ودون أن تبدي أي مرونة ليس فقط مع الحكومة السورية، وإنما مع الولايات المتحدة الأميركية التي تقود التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، والتي كانت تريد أن تضمن تنسيق “قسد” مع الحكومة السورية على الأقل في ملف مكافحة التنظيم أو أنه في صدارة الأولويات، خاصة بعد انضمام سوريا بحكومتها الشرعية للتحالف الدولي، الأمر الذي كانت واشنطن بحاجة إليه، ولم يكن ممكنا فترة نظام الأسد.
في المقابل عملت “قسد” على احتواء فلول نظام الأسد وإيجاد مساحة تحرك ونشاط لهم في شمال شرق سوريا، بما يقوض الاستقرار الذي تعمل عليه الحكومة السورية، وتدعمه الإدارة الأميركية.
ومع انتهاء المدة المقررة لتنفيذ اتفاق مارس/آذار واستفزاز “قسد” الحكومة السورية مما اضطرها لخيار لم تكن تريده، تسارعت الهزائم التي منيت بها “قسد”، وظهر الخلل الداخلي في صفوفها تماما كما حصل مع نظام الأسد بعد معارك ردع العدوان.
فقدت “قسد” كل أوراق القوة التي كانت تعتمد عليها، وخسرت مكتسباتها السياسية بالانهيار الميداني، لتلوح بالورقة الأخيرة التي ظنتها لا تزال بيدها، وهي ورقة حماية السجون والمخيمات، وعمليا هذه الورقة نجحت الحكومة السورية في أخذها نظريا وكانت تنسق مع الولايات المتحدة لاستلامها، بيد أن التهديد بها من قبل “قسد” بهذا الشكل سيأتي بعكس ما ترجوه “قسد” وتتوقعه.
فإطلاق عناصر التنظيم الخطر لن يجعل قوات التحالف تقنع بضرورة الحفاظ على “قسد” حاميا لهذا الوحش المكبل، بل سيجعل قوات التحالف تتدخل بشكل مباشر لأخذ المفاتيح وتسليمها للجهة الشرعية التي لا يتوقع منها استغلال هذا الملف بهذه الطريقة المزعجة.
وخلاصة القول: إن ملف حماية سجون عناصر تنظيم الدولة ومخيمات عائلاتهم لم تقم به “قسد” بالشكل الأفضل بالنسبة للفاعلين الإقليميين والدوليين، لكن مع نظام الأسد المارق لم يكن أمام هؤلاء الفاعلين بديل، ومع الانتقال السياسي في سوريا وتسلم حكومة موالية للتحالف الدولي، بل أصبحت جزءا منه، فإن هذا الدور لـ”قسد” قد انتهى، ومحاولة الضغط به ستفقدها دور المساهم أو الشريك مع الحكومة السورية في إدارة هذا الملف.
إعلان
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
باحث مختص في الشأن السوري
الجزيرة
———————
تقرير أوروبي يحذر من تداعيات هروب عناصر تنظيم “الدولة”
شكل هروب عناصر من تنظيم “الدولة الإسلامية” من سجون كانت خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، في شمال شرقي سوريا، تطورًا أمنيًا بالغ الخطورة، بحسب ما جاء في تقرير “المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات”.
هروب العناصر جاء في سياق تحولات سياسية وعسكرية عميقة، فقد تزامن مع انسحاب “قسد” من مناطق استراتيجية وانتقال السيطرة تدريجيًا إلى الحكومة السورية، ما جعله مؤشرًا على خلل بنيوي في إدارة ملف معتقلي التنظيم، وليس مجرد حادث أمني عابر، بحسب التقرير، الذي نشر اليوم الثلاثاء 20 كانون الثاني.
ويعرف المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات عن نفسه كمركز إستشاري مستقل، يصدر دراساته من ألمانيا و هولندا.
وقعت عملية الهروب في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، بحسب المركز الأوروبي، شارحًا “تميزت بتفكك الترتيبات الأمنية التي كانت قائمة بين التحالف الدولي و”قوات سوريا الديمقراطية”، وبانحسار الدور الأميركي المباشر في إدارة مراكز الاحتجاز.
كما ترافقت مع تصاعد الخلافات بين “قسد” ودمشق بشأن آليات دمج القوات والسيطرة على الموارد والسجون، ما أفرز فراغًا أمنيًا مؤقتًا سرعان ما تحول إلى فرصة مواتية للجماعات المسلحة.
وكانت وزارة الداخلية السورية، قد قالت إن حادثة الهروب التي شهدها سجن “الشدادي” في ريف محافظة الحسكة، أسفرت عن فرار نحو 120 عنصرًا من تنظيم “الدولة الإسلامية”، وألقت القبض على 81 عنصرًا منهم، اليوم الثلاثاء.
كما أكدت هيئة العمليات في الجيش السوري اليوم، أن “قسد” تركت حراسة مخيم الهول وأطلقت من كان محتجزاً بداخله، ويضم المخيم آلاف السجناء من مقاتلي تنظيم الدولة، وعشرات الآلاف من أسرهم من النساء والأطفال.
التداعيات الأمنية داخل سوريا
يوفر هروب عناصر “متمرسة” قتاليًا فرصة حقيقية لتنظيم “الدولة” لإعادة تنظيم صفوفه وبناء شبكات لوجستية وخلايا نائمة، مستفيدًا من خبرات ميدانية راكمها خلال سنوات الصراع، بحسب تقرير المركز الأوروبي.
كما يمثل الحدث مادة دعائية للتنظيم، تعزز سردية “كسر السجون” التي استخدمها سابقًا لرفع المعنويات واستقطاب عناصر جديدة.
وتؤكد تجارب سابقة، مثل هروب سجناء أبو غريب في العراق عام 2013، وهجوم سجن الحسكة عام 2022، أن مثل هذه الحوادث غالبًا ما تسبق موجات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
وأعادت الحادثة تسليط الضوء على هشاشة منظومة الاحتجاز في شمال شرق سوريا، حيث تحولت السجون من أدوات احتواء إلى نقاط ضعف استراتيجية، ويعود ذلك إلى غياب إدارة موحدة، ونقص الحماية التقنية والاستخباراتية، فضلًا عن استخدام ملف السجون كورقة ضغط وتفاوض سياسي بين الأطراف المحلية المتصارعة.
تداعيات إقليمية تتجاوز الحدود السورية
لا تقتصر انعكاسات هروب سجناء التنظيم على الداخل السوري، وفقًا لتقرير المركز الأوروبي، مفسرًا “بل تمتد إلى الإقليم، مع تزايد احتمالات تسلل العناصر الفارّة إلى العراق عبر البادية السورية.
ويعزز ذلك التنسيق بين فرعي التنظيم في سوريا والعراق، ويضاعف الضغوط على الأجهزة الأمنية العراقية.
كما يسعى التنظيم إلى استثمار الحدث دعائيًا، لتأكيد استمرارية حضوره وقدرته على تحدي خصومه.
من جهة أخرى، من المرجح أن يؤدي هذا التطور إلى تجدد التوتر التركي–الكردي، إذ تستخدم أنقرة مثل هذه الحوادث لتأكيد موقفها القائل بعدم أهلية “قوات سوريا الديمقراطية” لإدارة ملفات أمنية عالية الخطورة، ما قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية أو تحركات عسكرية إضافية في شمال سوريا.
أبعاد مقلقة على الأمن الأوروبي
التقرير يرى أن حادثة الهروب تحمل أبعادًا مقلقة للأمن الأوروبي، خصوصًا أن سجون شمال شرق سوريا تضم أعدادًا من المقاتلين الأجانب، بينهم أوروبيون، ويعني ذلك ارتفاع احتمالات العودة غير الشرعية أو انتقال بعض الفارّين عبر شبكات تهريب باتجاه أوروبا، بما يرافقه من مخاطر تنفيذ هجمات فردية أو إعادة تنشيط خلايا نائمة.
كما تعيد الواقعة إلى الواجهة مأزق السياسات الأوروبية القائمة على إبقاء المقاتلين الأجانب خارج الحدود الأوروبية.
استغلال الفراغ بين “قسد” ودمشق
استفاد تنظيم “الدولة”من الفراغ السياسي والأمني الناتج عن الخلاف بين “قوات سوريا الديمقراطية” والحكومة السورية، برئاسة الرئيس أحمد الشرع.
فضعف التنسيق الأمني وتضارب الأولويات بين الطرفين أوجدا مساحة رخوة أمنيًا، اعتاد التنظيم استغلالها تاريخيًا لإعادة التموضع، دون الحاجة إلى سيطرة مكانية واسعة، شرح التقرير.
كما يمثل ملف السجون إحدى أكثر نقاط الضعف حساسية في المرحلة الحالية، في ظل غياب اتفاق واضح ومستقر حول الجهة المسؤولة عن إدارتها وحمايتها.
وتتيح هذه الثغرات للتنظيم ليس فقط تنفيذ عمليات هروب، بل أيضًا التواصل مع عناصره داخل السجون وإعادة تنشيط شبكات الدعم الخارجي.
الحاجة إلى مقاربة متعددة المستويات
التقرير خلص إلى أن هذه التطورات تفرض الحاجة إلى تحرك على مستويات عدة.
أوروبيًا: تبرز ضرورة الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى المعالجة الجذرية عبر تسريع إعادة المقاتلين الخاضعين للولاية القضائية ومحاكمتهم، إلى جانب تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية.
على مستوى التحالف الدولي: يبرز ضرورة إعادة تفعيل دوره بما يشمل حماية مراكز الاحتجاز، ودعم القدرات الاستخباراتية المحلية، واستمرار الضغط العسكري على خلايا التنظيم.
سوريًا وإقليميًا: تبرز أهمية تحييد ملف السجون عن الصراع السياسي، وتعزيز التفاهم بين “قوات سوريا الديمقراطية” والحكومة السورية، إلى جانب توثيق التعاون مع العراق لضبط الحدود ومنع إعادة تنشيط التنظيم.
ويشكّل هذا المسار حجر الزاوية في سد الفراغات الأمنية، ومنع إعادة إنتاج تنظيم داعش بصيغ أكثر مرونة ولا مركزية.
خلاصة واستنتاجات
التقرير، توصل إلى جملة استنتاجات، تمثلت في:
لا يمكن فصل استقرار شمال وشرق سوريا عن مسار التفاهم بين “قسد” والحكومة السورية، ولا عن عمق التعاون مع الحكومة العراقية. فتعزيز هذه المسارات الثلاثة يشكّل حجر الزاوية في منع إعادة إنتاج تنظيم “الدولة”، وتحويل المرحلة الانتقالية من مصدر تهديد إلى فرصة لإرساء حد أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي في سوريا والمنطقة.
تشير المعطيات الراهنة إلى أن التنظيم لم يُهزم أيديولوجيًا، وأن استمرار الاعتماد على حلول مؤقتة في إدارة ملف المعتقلين ينذر بعودة التهديد بصيغة أكثر لامركزية ومرونة.
يمثل هروب سجناء التنظيم في سوريا جرس إنذار استراتيجي للمجتمع الدولي وأوروبا على وجه الخصوص.
يشكل تفعيل التحالف الدولي عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن الإقليمي والأوروبي. فالتجربة أثبتت أن أي انتكاسة في مكافحة التنظيم في سوريا والعراق تنعكس مباشرة على أوروبا.
تفعيل دور التحالف الدولي ضد التنظيم لم يعد خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، بل ضرورة تفرضها الوقائع الميدانية والتحولات الاستراتيجية في المنطقة.
يمثل التنسيق السوري–العراقي عنصرًا حاسمًا في ضبط الحدود المشتركة، لا سيما في مناطق البادية التي تشكّل ممرًا تقليديًا لتحركات التنظيم.
استلام إدارة سجون عناصر تنظيم “الدولة”
أعلنت وزارة الداخلية السورية جاهزيتها بشكل كامل لاستلام إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” في محافظة الحسكة، “وفق المعايير الدولية المعتمدة، وبما يضمن منع أي خرق أمني أو محاولات فرار”.
وأكدت الوزارة في بيان، الاثنين 19 كانون الثاني، تجهيز قوة خاصة مشتركة من إدارة المهام الخاصة وإدارة السجون، مهمتها استلام السجون وتأمين محيطها وإدارتها الداخلية، مع تطبيق أعلى معايير الحراسة والاحتجاز ومنع أي محاولات تسلل أو تهريب.
وأوضحت استعدادها للتنسيق المباشر مع الجانب الأمريكي في إطار الجهود المشتركة لمنع عودة الإرهاب وضمان أمن المنطقة واستقرارها.
وحمّلت الوزارة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المسؤولية الكاملة عن أي حالات هروب أو إطلاق سراح لعناصر التنظيم من السجون الواقعة تحت سيطرتها، ولا سيما ما جرى في سجن الشدادي، معتبرة ذلك “خرقًا أمنيًا خطيرًا يهدد الأمن السوري والإقليمي والدولي”.
وجددت رفضها القاطع لما وصفته محاولات “قسد” استخدام ملف معتقلي تنظيم “الدولة” كورقة ابتزاز سياسي ضد الدولة السورية، أو ربط استعادة سيادة الدولة وبسط القانون بما يسمى “خطر السجون”، مؤكدة أن “هذه المحاولات مكشوفة ولا تخدم سوى إعادة إنتاج الفوضى وتهديد أمن المدنيين”.
واتهمت هيئة العمليات “قسد” بإطلاق سراح عدد من عناصر التنظيم من سجن الشدادي، مشيرة إلى أن الجيش تدخل لتأمين المدينة والسجن، وبدأ عمليات تمشيط بحثًا عن العناصر الذين أطلق سراحهم.
وكانت قالت “قسد” ، أعلنت أن سجن “الشدادي” في الحسكة، الذي يضم سجناء من تنظيم “الدولة الإسلامية”، خرج عن سيطرتها، بعد تعرضه لهجمات متكررة من الحكومة السورية.
واتهمت “قسد”، في بيان لها الاثنين، قاعدة التحالف الدولي في المنطقة، التي تبعد عن السجن نحو كيلومترين اثنين، بعدم التدخل، رغم الدعوات المتكررة.
عنب بلدي
———————————–
مخيّم الهول يضع اتفاق دمشق وقسد على المحك
مع دخول تنفيذ اتفاق الحكومة السورية مع قوات قسد يومه الثاني، تتسارع التطورات الميدانية والأمنية، حيث اتهمت هيئة العمليات في الجيش السوري قوات قسد بترك حراسة مخيم الهول، الذي يضمّ الآلاف من عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، بينما أعلنت قسد أنها تخوض اشتباكات مع الفصائل التابعة لدمشق في محيط المخيم.
وقالت هيئة العمليات بالجيش السوري، في تصريح للجزيرة، إن قسد تركت حراسة مخيم الهول، وبذلك أطلقت من كان محتجزا بداخله.
وأكدت أن الجيش سيدخل بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي إلى المنطقة وسيتم تأمينها، مشددة على التزامها المطلق بحماية الأكراد وصون أمنهم.
من جهتها، قالت وزارة الداخلية السورية إنه بعد الاتفاق الأخير بين الحكومة وقسد أطلقت الأخيرة سجناء تنظيم الدولة وأسرهم من السجون.
وأوضحت أن عناصر قسد المكلفين بحراسة مخيم الهول انسحبوا دون أي تنسيق مع الحكومة أو التحالف الدولي، في خطوة تهدف لممارسة الضغط على الحكومة بملف مكافحة الإرهاب، حسب تعبير الوزارة، التي أكدت أنها تتابع الوضع عن كثب وتتخذ كافة الإجراءات اللازمة.
مخاطر ومطالب
في المقابل، قالت قسد إن قواتها تواجه مخاطر متزايدة، نظرا للامبالاة تجاه تنظيم الدولة وتقاعس المجتمع الدولي عن تحمل مسؤولياته، مشيرة إلى أنها اضطرت إلى الانسحاب من مخيم الهول وإعادة الانتشار في محيط مدن شمال سوريا.
من جانبها، طالبت وزارة الدفاع السورية قيادة قسد بالوفاء بالتزاماتها وبتطبيق اتفاق 18 يناير/كانون الثاني بشكل عاجل، مشيرة إلى أن أولويتها تكمن في مكافحة تنظيم الدولة، وجددت رفض استغلال ملف السجناء كرهائن أو أوراق سياسية من قِبل قسد.
وأعلنت أن هدف الجيش استعادة الاستقرار وحماية المؤسسات الحكومية، مؤكدة جاهزيتها التامة لاستلام مخيم الهول وسجون تنظيم الدولة في المنطقة.
في السياق ذاته، قال مصدر في وزارة الدفاع السورية للجزيرة: إن سوريا أخطرت أمس الجانب الأميركي بنية قسد الانسحاب من مواقعها بمحيط مخيم الهول، ولفتت إلى أن نية قسد الانسحاب من محيط مخيم الهول استوجبت تحركا لتدارك أي فجوة أمنية.
إخطار واستعداد
الأمر الذي أكدته الحكومة السورية لاحقا، حيث قالت: (..) منذ ليلة أمس قمنا بإخطار الجانب الأميركي رسميا بنيّة قسد الانسحاب من مواقعها في محيط مخيم الهول، وهو ما استوجب تحركا فوريا لتدارك أي فجوة أمنية قد تنشأ.
إعلان
وتابعت: أكدنا للجانب الأميركي وللأطراف المعنية استعدادنا التام والمباشر لاستلام تلك المواقع وإدارتها أمنيا لضمان استقرار المخيم، ومنع أي محاولات لاستغلال هذا الانسحاب من قِبل التنظيمات الإرهابية.
واتهمت الحكومة السورية قسد بالمماطلة المتعمدة في إتمام عملية التسليم، مما يشير إلى محاولة لخلط الأوراق وتصدير أزمة أمنية جديدة في المنطقة، حسب تعبيرها.
انتشار أمني
وفي وقت سابق، انتشرت قوات الأمن السورية في مدينة الشدادي جنوبي محافظة الحسكة، أعلنت قسد إنها تخوض اشتباكات مع الفصائل التابعة لدمشق في محيط مخيم الهول بالمحافظة ذاتها.
وذكرت وزارة الدفاع السورية أنها أكدت لواشنطن وللمعنيين استعدادها لاستلام المواقع بمخيم الهول وإدارتها، وذلك لضمان استقرار المخيم ومنع استغلال التنظيمات الإرهابية لانسحاب قسد.
وقال مراسل الجزيرة إن قوات الأمن السورية انتشرت في مدينة الشدادي جنوبي محافظة الحسكة، عقب انسحاب قسد من المدينة، مشيرا إلى أن وحدات من الجيش ترافقها عناصر من وحدات المهام الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، انتشرت في المدينة وفي محيط سجن الشدادي الذي شهد أمس هروبا لسجناء من تنظيم الدولة الإسلامية قبل انسحاب قوات قسد منها.
وفي السياق ذاته، أعلنت الداخلية السورية إلقاء القبض على 81 عنصرا من تنظيم الدولة، من أصل نحو 120 فرّوا من السجن، مشيرة إلى أن العمليات الأمنية لا تزال مستمرة لتعقّب بقية الفارين.
تحديات أمنية
ويرى مختصون أن “مخيم الهول يمثل أحد أخطر التحديات الأمنية في المنطقة، بسبب إيوائه آلاف الأفراد المرتبطين فكريا بتنظيم الدولة الإسلامية، ويعتبرون أن “أحداث القتل المتكرر ووقائع الاختفاء القسري دليل قاطع على التهديد الأمني الذي يشكّله المخيم”.
ويعتقد آخرون أن المخيم “بيئة خصبة لانتشار الأفكار المتطرفة، إذ تحاول بعض الأمهات نشر وتعزيز أيديولوجيا التنظيم بين أبنائهن”، مما يثير مخاوف من تحوله إلى “حاضنة للتطرف”.
وفي مطلع مايو/أيار 2025، شنت قوات “قسد” حملة أمنية داخل المخيم بهدف القضاء على خلايا تنظيم الدولة، وشملت الحملة تفتيش الخيام والمرافق واعتقال المشتبه بهم.
وفي 25 يونيو/حزيران 2025، كشف الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا أن خلية تابعة لتنظيم الدولة، انطلقت من مخيم الهول ونفذت تفجيرا في كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة بدمشق في 22 من الشهر نفسه، مما أسفر عن مقتل 25 وإصابة العشرات.
ووفق التحقيقات الرسمية، فإن الانتحاري الذي نفذ التفجير، والعنصر الآخر الذي ألقي عليه القبض قبل تنفيذ عملية ثانية، قدِما معا من مخيم الهول عبر البادية السورية، بدعم من قيادي في التنظيم يُدعى محمد عبد الإله الجميلي المعروف بـ”أبو عماد”.
المصدر: الجزيرة + وكالات
———————————
جمهورية الدواعش والفلول وأخوانهم/ شعبان عبود
20 يناير 2026
نعيش في سورية اليوم مرحلة صعبة للغاية، صعوبتها تكمن في أنها مرحلة يجب أن تكون تأسيسية لدولة وعقد اجتماعي جديدين. ولمرحلة ما بعد سقوط النظام ونهاية الحرب، لكن ما نعيشه، والذي ثبت أننا ما زلنا بعيدين جداً عن ذلك، وأنه في لحظات التحوّل التي نعيشها، لم تكن الحرب نهاية الصراع، بل تبدو بداية اختبارٍ أشدّ قسوة وعمقاً، اختبار الوعي، والذاكرة، والقدرة على إعادة تعريف أنفسنا.
هذا بالضبط ما تعيشه سورية اليوم. فبرغم سقوط نظام بشّار الأسد، وبرغم انتهاء الحرب بوصفها صراعاً عسكرياً مفتوحاً، وجد السوريون أنفسهم داخل حربٍ أخرى لا تقلّ خطورة، حربٍ بلا مدافع ولا طائرات، لكنها مليئة بالخوف والشك والاتهام المتبادل.
لقد خرجت سورية من الحرب مدمَّرة، ليس في بناها التحتية ومدنها وبيوتها وحسب، بل في نسيجها الاجتماعي أيضاً. أخطر ما خلّفته سنوات العنف الطويلة انهيار الثقة بين السوريين. تحوّلت الجماعات والمكوّنات إلى جزرٍ معزولة، كلّ منها يعيش داخل سرديّته الخاصة، وكلّ منها يرى الآخر تهديداً محتملاً. بات الاتهام جاهزاً، والانتماء عبئاً، والهوية سلاحاً.
في هذا السياق، انتشرت أخطر الاختزالات وأكثرها ظلماً. صار تنظيم داعش يُقدَّم وكأنه يمثّل المسلمين السنّة السوريين، مع أنّ هذه التنظيمات كانت عدواً مباشراً لهم قبل غيرهم، وارتكبت بحقهم مجازر لا تُحصى، وسرقت في بعض الأحيان ثورتهم ودمّرت مجتمعاتهم. وصارت قسد تختزل بالأكراد، وكأنّ الأكراد كتلة سياسية واحدة، أو مشروع عسكري موحّد، متناسين أنّ الأكراد السوريين عانوا من التهميش والاستبداد ذاته، وأنّ بينهم تنوّعاً سياسياً وفكرياً واجتماعياً واسعاً. وصار الحديث عن “الفلول” مرتبطاً بالعلويين، وكأنّ الطائفة العلوية لم تكن هي الأخرى ضحية نظام استخدم أبناءها دروعاً لحكمه، ثم تركهم بعد سقوطه في مواجهة الفقر والعزلة والكراهية. وحتى الطائفة الدرزية الغنية بتنوعها جرى اختزالها بشخص رجل الدين حكمت الهجري، وكأنّ الدروز بلا آراء مختلفة أو مواقف متباينة.
ليست هذه الاختزالات مجرد أخطاء لغوية أو سوء فهم عابر، بل هي استمرار مباشر لمنطق النظام السابق التفكيكيّ للمجتمع، الذي حكم سورية عبر شرذمة المجتمع وربط مصير الطوائف به، ثم دفع الجميع إلى هاوية الشك المتبادل. الفرق الوحيد أنّ هذا المنطق يُعاد إنتاجه اليوم بأصوات سورية، لا بأجهزة أمنية فقط. أصوات تقاتل وتصرخ ليل نهار لتثبت أن جماعتها صالحة وفي الجانب الصحيح من التاريخ فيما الجماعة الأخرى ضالّة ومنحرفة.
المأساة أنّ السوريين دخلوا مرحلة ما بعد سقوط النظام من دون عقد اجتماعي جديد، ومن دون رواية وطنية جامعة تعترف بآلام الجميع. كل جماعة تشعر أنها الضحية الأكبر، وكل جماعة تخشى أن تُدان جماعياً، وكل جماعة تخاف أن يتحوّل شعار العدالة إلى أداة انتقام. وهكذا يصبح الجميع متّهمين، والجميع خائفين، والجميع أسرى ماضيهم.
توحيد السوريين اليوم هو التحدّي الأكبر والأصعب في مرحلة ما بعد سقوط النظام. فبناء الدولة لا يبدأ بالدساتير وحدها، ولا بالمؤسسات فقط، بل يبدأ بكسر منطق الذنب الجماعي، وبالاعتراف الواضح أنّ الجريمة فردية، وأنّ المسؤولية شخصية، وأنّ الطائفة أو القومية لا تصنع خيانة ولا وطنية. يبدأ بالقول بلا تردّد: “داعش” ليس السنّة، و”قسد” ليست الأكراد، والفلول ليسوا العلويين، وحكمت الهجري ليس الطائفة الدرزية.
من دون هذا الوعي، ستبقى سورية تعيش حرباً مفتوحة ومستمرّة وإن كانت بلا رصاص.
العربي الجديد
———————————
قنابل “داعش” الموقوتة في شمال شرق سوريا… هل يعود نشاط التنظيم فيطال العراق وأوروبا؟L جاد ح. فياض
عاد مخيّم الهول في محافظة الحسكة إلى الواجهة. المخيّم يقطنه نحو 24 ألف شخص، غالبيتهم من أفراد عائلات عناصر تنظيم “داعش”، ومن النساء والأطفال. كان تحت حراسة قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، قبل أن ينسحب منه التنظيم الكردي بسبب “الموقف الدولي اللامبالي، وعدم تحمّل مسؤوليته في معالجة الملف”، بعد تقدّم الجيش السوري باتجاه الحسكة وشمال شرق سوريا.
تولّت “قسد” مهمة حراسة سجون ومخيمات “داعش” في الحسكة والرقّة ودير الزور بعد الانخراط في معركة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وكانت تتلقّى التمويل والتدريب والعتاد اللازم من التحالف وعلى رأسه الولايات المتحدة. واستمرّت هذه المهمّة منذ العام 2019، حينما خاض التنظيم الكردي آخر معاركه ضد “داعش” قبل دحره حينها.
خلال الأيام الماضية، انسحبت “قسد” من مخيّم الهول، تحت عنوان “إعادة التموضع” بعدما تخلّف المجتمع الدولي عن مسؤولياته في هذه القضية. لكن الأسباب الحقيقية تفرّعت إلى عنوانين:
العنوان الأول كان محاولة الضغط على الدولة السورية لوقف التقدّم شمال شرق سوريا. تعي “قسد” خطورة خروج مقاتلي “داعش” وعائلاتهم من السجون والمخيمات، وعودة نشاط التنظيم في سوريا بظل الخلافات العميقة والمتصاعدة مع السلطات السورية وانخراط الأخيرة بتحالف مكافحة الإرهاب، والعمليات الأخيرة التي حاول “داعش” القيام بها لزعزعة الحكومة لكنه لم ينجح بها.
العنوان الثاني كان محاولة الضغط على المجتمع الدولي، وبشكل خاص المجتمع الأوروبي والولايات المتحدة، لدعم “قسد” خوفاً من عودة نشاط التنظيم خارج سوريا، وفي دول أوروبية بشكل خاص، كون العديد من عناصر التنظيم المحتجزين في السجون والمخيّمات هم أوروبيون، وذلك بعدما أبدى المجتمع الدولي دعماً للسلطات السورية في عملياتها شمال شرق سوريا.
ماذا بعد؟
ارتفع منسوب القلق في سوريا والدول المحيطة بها، خصوصاً العراق، كون مخيّم الهول قريباً من حدوده، والمنطقة الشمالية الشرقية في سوريا التي تقع فيها سجون “داعش” محاذية له. وتجاوز هذا القلق الحدود وصولاً إلى أوروبا، كون آلاف الموجودين في مخيّم الهول والسجون هم أجانب، وعودة نشاط “داعش” قد تطال دولاً أوروبية شاركت في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.
يخشى العراق بشكل مباشر من خروج مقاتلي “داعش” عن السيطرة في شمال شرق سوريا، كونه الأقرب إلى المنطقة وكان للتنظيم نشاط على أراضيه قبل سنوات. وفق معلومات “النهار”، فقد أرسل العراق تعزيزات من قوات حرس الحدود والجيش العراقي، إلى جانب هيئة الحشد الشعبي. وحسب المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة اللواء تحسين الخفاجي “لا مؤشرات إلى تهديدات جدية”.
الصحافي نورهان حسن يخشى من عودة نشاط “داعش” بعد “فرار مقاتلين من سجن الشدادي وأشخاص من مخيّم الهول “كانوا مشاريع مقاتلين”، وقد يشكلون فصائل، ويتوقع خلال حديثه لـ”النهار” احتمال إعلان “داعش” إنشاء نفسه في “دير الزور والرقة، أو واحدة من المحافظتين”.
وفق التقارير السورية، فإن قوات السلطات السورية أرسلت تعزيزات كبيرة لحفظ الأمن في مخيم الهول عقب انسحاب “قسد”، وتمكّنت من إعادة عدد من الذين فرّوا. يقول مصدر سوري إن الحكومة السورية ستحرص على ضبط أمن المخيّم والسجون ومنع فرار مقاتلي “داعش”، منعاً لعودة نشاط التنظيم الذي يعارض سياسات الحكومة السورية ولا يخفي نياته بمهاجمتها وزعزعة استقرار سوريا.
في المحصّلة، فإن قنابل “داعش” الموقوتة في الشمال الشرقي لسوريا تثير قلقاً سورياً داخلياً وإقليمياً ودولياً، كون عودة نشاط التنظيم ستطال كل الدول التي عملت سابقاً على محاربته. لكن وفق التقديرات، فإن الحكومة السورية ستعمل على ضبط ظاهرة “داعش” بدعم دولي، في سياق مسار الاستقرار الذي يريده الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المنطقة، ويعتبر سوريا جزءاً أساسياً منه.
المصدر. النهار
———————————
ما بعد التحرر: كيف يتجاوز الأفراد أنماط التكيف مع داعش وقسد؟/ د. إبراهيم إسماعيل
يناير 22, 2026
حين يختلف رجل مع زوجته، قد لا يلجآن إلى نقاش عقلاني طويل، ولا إلى جلسة مصارحة، بل إلى سلوكيات أبسط، ربما تطبخ له ما يحب، أو أنه قد يهديها ما تأنس به، أو يقول كلمة لطيفة يعرف أنها تصيب الوتر الحساس في نفسها، كل ذلك ليس وصفة مكتوبة للحل، لكنها معرفة نفسية بجدوى هذا السلوك.
ليست كل التفاهمات نتيجة عقود مكتوبة أو اتفاقات محددة واضحة المعالم. بل إن كثيراً منها يقوم على ما يمكن تسميته بـ«الإدراكات المتبادلة»؛ وهي منطقة رمادية يفهم فيها كل طرف ما الذي يُرضي الآخر، وما الذي يهدّئه، وما الذي يفتح له باب القبول.
لا يقتصر هذا المنطق على العلاقات الخاصة مع الأفراد، بل يمتد إلى العلاقات العامة مع الكيانات، حيث تُوظَّف الإدراكات المتبادلة لتكون طوق نجاة. روى لي أحدهم أن أحد معارفه اعتقلته قوات قسد لأنه كان من عناصر تنظيم داعش، لكنهم أفرجوا عنه بعد مدة قصيرة. سألته: كيف أفلت منهم؟ قال: عندما سألوه لماذا انضممت لداعش، لم يدافع عن نفسه، ولم ينكر، بل قال لهم: أنتم سبب انضمامي إليهم.
ثم استدرك قائلا: لو أنني عرفتكم قبلهم لما التحقت بهم أصلا، لو أني عرفت أفكار القائد أوجلان لما كان هذا حالي، لطالما تمنّيت أن أرى شعر ابنتي إلى ركبتيها مثل مقاتلاتكم الشجاعات، لكن الدواعش ضللوني، والآن أنا سعيد أني بينكم. لم يخاطبهم الرجل بالحقائق، بل بالإدراكات التي يعرف أنهم يحبون سماعها، وكانت النتيجة أن أفرج عنه.
ليس مستغرباً أن لا نعثر في هذه التنظيمات الأيديولوجية المتطرفة ذات اليمين أو ذات اليسار على مفكرين كبار، أو علماء معتبرين، أو منظّرين حقيقيين، فهي مصممة لتناسب العناصر المؤدلَجة، والعقول الخفيفة سهلة الانقياد، والتي يمكن استمالتها بأنشودة حماسية، أو بجملة عاطفية، أو بشعار، أو بصورة رمزية.
ولذلك فلا يمكن لها أن تقدم نموذجاً جاذباً، فضلاً عن أن تصنع مدنية -وإن رفعت شعارات براقة، وأتيحت لها إمكانات كبيرة، وموارد ضخمة- ولهذا السبب فإن قدرها أن تبقى تنظيمات مغلقة تحمل عوامل فنائها في جوفها.
يحذر المفكر الجزائري مالك بن نبي من نوعين من الأفكار العاجزة عن البناء: الأفكار الميتة، وهي التي كانت يوما ما جزءا من التاريخ، لكنها فقدت جدواها وبقيت متداولة بوصفها مسميات لا آليات أفعال. والأفكار المميتة، وهي المستوردة من سياقات أخرى، وتُستخدم بمنطق النسخ واللصق، مع وهم أنها حلول سحرية لمشكلات واقع مختلف جذريا في شروطه وبنيته عن البيئة المستورَد منها.
مشكلة التنظيمات الأيديولوجية المتطرفة، يمينا ويسارا، أنها تتغذى على هذين النوعين معا: شعارات ميتة من الماضي، ونماذج مميتة من الخارج. ورغم اختلافها في الشعارات، فإنها تتشابه في النتيجة: تشويه المجتمع بدل إصلاحه، وتعطيل التفكير بدل تنشيطه.
لم تفهم هذه التنظيمات الماضي، ولم تعرف الطريقة الصحيحة للتعامل مع الحاضر أو المستقبل، كما أن مشاريعها مجرد شعارات، سواء نادت بالعودة إلى”الخلافة” أو دعت إلى اعتماد “الديمقراطية” أو تبني “الفيدرالية”. فكل ذلك إما من التاريخ الذي تجاوزه الزمن، أو من المستورد المشوه، ولقد وعى أكثر الناس واقع تلك المشاريع فتكيفوا مع هذا الواقع وتعاملوا ببراغماتية مضحكة أحياناً، كتعامل الأسير الداعشي مع المحقق القسدي، إذ قد يلجأ البعض للمناورة وإن بدا أنه يتحدث عن قناعة.
إن تجاوز إرث التكيّف مع سلطات قهرية كداعش وقسد؛ لا يكون بافتراض أن من عاش تحت سلطتها قد تعرض لغسيل دماغ، بل بفهم أن كثيرا من سلوكيات الناس مع سلطات الأمر الواقع تلك؛ كانت استجابات ظرفية لبيئة متحجرة لا تسمح بالصدق بقدر ما تبحث عن المؤمنين بمقولاتها الميتة أو منتجاتها المميتة. فالإنسان القابع تحت حكمها حين أسمعها ما تحب؛ لم يفعل ذلك لأنه يحب المراوغة، بل لأنه يخشى بطشها ويحسب أنه يتقي بذلك شرها، فهو يتصرف كما هو “المطلوب” لا كما يعتقد بالضرورة.
لكن ذلك لا ينفي وجود من تبنّوا تلك الأيديولوجيات عن قناعة، فلكل فكرة –مهما بدت شاذة– مؤمنون بها يعتقدون بصحتها. وهنا ينبغي التفريق: فمَن انتسب لتلك التنظيمات؛ فهو محتاج إلى تفكيك رواياتها، وتحرير وعيه منها، وهنا يأتي دور الحواضن التربوية والعلمية. أما من لم ينتسب إليها؛ فغالبا ما يكون تأثيرها عليه محدودا وربما معدوما، بسبب ما خلّفته من مظالم.
أما وقد طويت صفحة تلك التنظيمات -أو تكاد- بعد التحرير، فلا بد من التحرر من تلك الإدراكات أيضاً، وبذلك فإننا لا نتجاوز التنظيمات المتحجرة وحدها، بل نتجاوز الإنسان الذي صنعتْه ظروفها، أي الإنسان الخائف، المراوغ، المتكيّف. ونؤسس بدلا منه إنساناً حراً، لا يحتاج إلى أن يقول ما يُرضي به الآخرين، بل ما يعتقده، مما اكتسبه من الحواضن التربوية، لا من ورشات الدعاية الإيديولوجية.
الثورة السورية
———————————-
بعد الهروب من سجون “قسد”.. ما مصير الجهاديين الألمان في سوريا؟
نحو 30 عضوا سابقا في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حاملين لجوازات سفر ألمانية، ومتواجدين في سجون بشمال شرق سوريا، التي فر منها المئات، يطالب أقارب ثلاثة منهم بعودتهم إلى ألمانيا.
هذا السيناريو الذي حذر منه الخبراء ومراكز مكافحة التطرف، أي فتح أبواب سجون اعتقل فيها الدواعش لدى الميليشيات الكردية التي تسيطر عليها منذ عشر سنوات، وأن يتمكن الجهاديون المسجونون من الفرار والعودة إلى بلدانهم الأصلية دون أي رقابة.
ومنذ يوم الثلاثاء المنصرم، انتشرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُزعم أنها تُظهر سجناء من تنظيم الدولة الإسلامية يغادرون مراكز الاحتجاز. ووفقا للحكومة السورية، فرّ 120 سجينا من سجن تابع لتنظيم داعش في الشدادي، بينما تُشير قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى أعداد أكبر بكثير. وتزعم الحكومة السورية أنه تم القبض على 81 من الفارين.
من يكون المعتقلون الألمان الثلاثة؟
ووفقا لمعلومات إذاعة جنوب غرب ألمانيا (SWR)، قدمت ثلاث عائلات التماسات إلى البرلمان الألماني (بوندستاغ). وقد حصلت الإذاعة على وثائق تتعلق بهذه الالتماسات. فبالإضافة إلى والد ديرك ب.، الذي قدم التماسا منذ عام 2019، قدم أيضا أقارب لوكاس ج. من شمال الراين-وستفاليا ومارتن ل. من ساكسونيا-أنهالت طلبات أيضا.
كما أفادت صحيفة “دي فيلت” الألمانية أن ديرك ب. من بادن-فورتمبيرغ، المسجون منذ عام 2017 مصاب بمرض السل.
بماذا ترد الحكومة الألمانية على الطلبات؟
ترفض وزارة الداخلية إعادة الألمان المساجين في سوريا ممن كانوا جهاديين إلى بلادهم، ووفقا لتقرير نشرته تاغس شاو، فقد ناقشت لجنة الالتماسات في البرلمان الألماني (بوندستاغ) مسألة إعادة الألمان المحتجزين في جلسة مغلقة يوم الجمعة الماضي. وأفادت التقارير أن ممثلي وزارة الداخلية الألمانية أوضحوا خلال الاجتماع رفضهم إعادة هؤلاء الرجال لأسباب أمنية. بينما يأمل ذووهم أن يُسهم قرارٌ بهذا الشأن في ممارسة ضغط سياسي.
الوزارة المعنية عند تلقيها أسئلة بخصوصهم، اكتفت بالقول إن الحكومة الاتحادية لا تخطط لـ “إعادة أي مواطنين ألمان من مراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا”، دون ذكر الأسباب. وتشير مصادر تاغسشاو داخل البرلمان الألماني إلى أنهم لا يعتزمون الموافقة على الالتماسات.
من جهتها، قالت النائبة عن حزب الخضر، لمياء قدور، التي تعمل منذ سنوات على قضية سجناء تنظيم الدولة الإسلامية الألمان في شمال شرق سوريا، في تصريح لإذاعة جنوب غرب ألمانيا: “انطباعي هو أن الحكومة الاتحادية لا تُبدي أي اهتمام على الإطلاق بإعادة هؤلاء الرجال”. وأضافت أن “أسوأ سيناريو” قد حدث الآن، حيث يبدو من الممكن لجهاديي داعش الهروب من السجون دون رادع.
مطالب سابقة
يشار إلى أنه هذه ليست المرة الأولى التي يوجه خلالها أقارب مواطنين ألمان نداء إلى الحكومة الألمانية من أجل إعادتهم إلى بلادهم، بل كان سقوط نظام بشار أيضا مناسبة بعث خلالها أهالي المعتقلين في السجون السورية رسالة مفتوحة خلال يونيو/ حزيران 2025 لمطالبة الحكومة الألمانية بالحصول مسبقا على معلومات عن أوضاع المعتقلين الصحية والإنسانية.
كما دعوا إلى السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر ولمحامين بالوصول إلى السجون. وقال الموقعون على الرسالة آنذاك، إن الحكومة الألمانية أعادت بالفعل في الفترة بين عامي 2019 و2022 عشرات النساء والأطفال الألمان الذين التحقوا بتنظيم داعش في سوريا.
عنب بلدي
———————————
الأمن السوري يواصل البحث عن سجناء تنظيم الدولة الفارين
قالت الداخلية السورية إن قوات الأمن تواصل البحث عن السجناء الفارّين من عناصر تنظيم الدولة، مؤكدة تأمين مناطق مخيم الهول بريف الحسكة، في حين قال مسؤول عسكري أميركي للجزيرة إن عملية نقل معتقلي تنظيم الدولة من سوريا إلى العراق ستتم خلال أيام وليس أسابيع.
واعتبرت الداخلية أن “مخيم الهول وجميع السجون في المنطقة مناطق محظورة”.
وكان مصدر أمني سوري قال للجزيرة إن قوات الأمن أرسلت تعزيزات كبيرة لحفظ الأمن داخل مخيم الهول، عقب انسحاب قوات قسد منه.
وفي مدينة الرقة، أفاد مراسل الجزيرة بأن أهالي معتقلين في سجن “الأقطان” حاولوا اختراق الحواجز الأمنية التي أقامتها السلطات لمنع وصولهم إلى السجن. وعبّر ذوُو المعتقلين عن مخاوفهم على مصير أبنائهم داخل السجون.
وقالت وزارة الدفاع السورية للجزيرة إن تنظيم قسد استهدف مواقع الجيش السوري أكثر من 35 مرة -أمس الأربعاء- خلال اليوم الأول من مهلة وقف إطلاق النار. وأضافت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية أن هذه الاستهدافات خلّفت 11 قتيلا وأكثر من 25 مصابا.
وأوضحت أن قوات الجيش عثرت على معمل قرب معبر “اليعربية” بريف الحسكة، يحتوي على طائرات مسيرة إيرانية الصنع كان تنظيم “قسد” يستعد لتذخيرها. من جهتها، نفت “قسد” استهداف مستودع الذخيرة، وقالت في بيان، إنه لم يكن لقواتها أي نشاط عسكري في تلك المنطقة، متّهِمة الحكومة بانتهاك الاتفاق.
كما شهدت جبهات “عين العرب”، في ريف حلب الشمالي الشرقي، هدوءا تاما بعد يوم من المواجهات بين الجيش السوري وقوات قسد.
وأفاد مراسل الجزيرة بنزوح مئات الأشخاص إلى القامشلي جراء العمليات العسكرية في مدينتي، الرقة والحسكة، وهم يعانون ظروفا إنسانية صعبة، وقد لجأ بعضهم إلى مدارسَ حُولت إلى مراكز إيواء، لكنها تفتقر إلى الخدمات ومواد التدفئة.
أيام لا أسابيع
من جهة أخرى، قال مسؤول عسكري أميركي للجزيرة إن عملية نقل معتقلي تنظيم الدولة من سوريا إلى العراق ستتم خلال أيام وليس أسابيع، في حين أعلنت القيادة الوسطى الأميركية أن قائدها بحث هاتفيا مع الرئيس السوري أحمد الشرع عملية النقل المنسقة لمعتقلي تنظيم الدولة إلى العراق.
إعلان
وأكدت القيادة الوسطى أن الجانبين جددا التزامهما بهزيمة تنظيم الدولة نهائيا في سوريا، وأكدا أهمية الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار مع قسد.
وكانت القيادة الوسطى قد أعلنت في وقت سابق أنها بدأت في نقل معتقلي تنظيم الدولة من شمال شرق سوريا إلى العراق ووضعهم في مراكز احتجاز آمنة.
وقالت إنها تتوقع أن يصل إلى 7 آلاف عدد معتقلي تنظيم الدولة الذين سيُنقلون من سوريا للعراق، ورحبت دمشق بالعرض.
المصدر: الجزيرة + وكالات
———————–
ما مصير معتقلي “تنظيم الدولة” ومعسكرات احتجازهم في سوريا؟/ فراس فحام
دمشق- تعتبر السجون والمعسكرات التي تم تجميع عناصر تنظيم الدولة الإسلامية مع عوائلهم شرقي سوريا بعد إنهاء السيطرة الجغرافية للتنظيم في المنطقة أواخر 2019 قضية بالغة الحساسية.
وتعود هذه الحساسية لأثر هذه السجون والمعسكرات الأمني المحتمل على سوريا بالدرجة الأولى، إضافة للدول المجاورة. كما تحظى باهتمام من الدول الأوروبية التي ينتسب لها بعض المحتجزين فيها.
وفي ظل العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش السوري لبسط سلطة الدولة على كامل الجغرافية السورية، التي امتدت لتشمل محافظة الحسكة، قفزت قضية هذه السجون ومعسكرات الاحتجاز إلى الواجهة، خاصة بعد إعلان قوات “قسد” في 19 يناير/كانون الثاني الجاري فقدانها السيطرة على بعض السجون.
أين وكم عدد السجون والمعسكرات التي احتجزت قسد بها عناصر تنظيم الدولة في سوريا؟
يبلغ عدد السجون ومراكز الاحتجاز لعناصر وعوائل “تنظيم الدولة” ضمن المناطق التي كانت تسيطر عليها قسد 5 سجون ومراكز احتجاز.
ووفقا للمعلومات التي حصل عليها موقع الجزيرة نت من مصادر في “قوات الصناديد” التي عملت سابقا في قوات “قسد” قبل أن تنحاز مؤخرا للحكومة السورية، تتوزع السجون على الشكل التالي:
السجن المركزي في غويران: يقع في حي غويران بمدينة الحسكة، ويُعتبر الأخطر والأهم، وفيه المئات مع عناصر سابقين في التنظيم، بينهم قيادات من العراق، يُخشى من قدرتها على تنشيط خلايا التنظيم مجددا على الحدود السورية العراقية.
ولا يزال هذا السجن في الشريط المتبقي تحت سيطرة “قسد”، إلا أنه يقع تحت مراقبة مباشرة من القوات الأميركية الموجودة في الحسكة، وازدادت هذه الرقابة بعد تلويح “قسد” بخروج السجون عن سيطرتها.
سجن الصناعة: موجود في منطقة الصناعة بمدينة الحسكة، ويضم عشرات العناصر والقيادات من تنظيم الدولة الأقل خطورة من المحتجزين في السجن المركزي، وهو لا يزال تحت سيطرة “قسد” بإشراف أميركي مباشر.
مخيم روج: يقع هذا المخيم في منطقة المالكية بريف محافظة الحسكة، الخاضعة لسيطرة “قسد” أيضا، ويضم عناصر سابقين في تنظيم الدولة من الجنسيات الفرنسية والألمانية والسويدية، وبعض العناصر من الأصول الأفريقية.
وتقول المصادر إن القوات الأميركية قامت -قبل اندلاع المواجهات الأخيرة بين الحكومة السورية و”قسد” وتحديدا في 10 يناير/كانون الثاني الجاري- بنقل عناصر من الجنسيات الأوروبية مع عوائلهم من مخيم الهول إلى مخيم “روج” القريب من قاعدة “خراب الجير” حيث تتمركز القوات الأميركية، وتعتبر واحدة من أهم قواعدها المتبقية شرقي سوريا.
سجن الكمب الصيني: يقع في منطقة الشدادي بريف الحسكة، وحوى سابقا قيادات من “تنظيم الدولة” من أصول عراقية، إضافة لعشرات العناصر العاديين، وقد عمدت قوات التحالف لنقل القيادات الخطرة من السجن إلى مراكز احتجاز خاصة في العراق في أغسطس/آب الماضي، وبقي في السجن العناصر المصابين أو المقعدين، وكبار السن.
وبعد دخول القوات الحكومية إلى منطقة الشدادي -أول أمس الاثنين- انسحب قوات قسد بشكل غير منسق، مما أدى إلى فرار قرابة 120 محتجزا، لكن مصادر حكومية سورية أكدت اعتقال نحو 85 منهم.
معسكر الهول: يضم آلاف المحتجزين من الأطفال والنساء وكبار السن، وكانت أعدادهم تقدر سابقا بنحو 35 ألفا، لكنها تقلّصت كثيرا، بعد أن نسّقت الحكومة العراقية مع قوات التحالف لاستعادة العوائل العراقية، منذ مطلع 2025. وأكدت وزارة الهجرة في العراق بتصريحات صدرت عنها أواخر العام الماضي أن عدد العائدين العراقيين من سجن الهول بلغ 21 ألفا، ويتم نقلهم إلى “مخيم الجدعة” في محافظة نينوى.
ما حجم الخطر الذي تشكله تلك السجون ومراكز الاحتجاز؟
دأبت قسد على التحذير من خطر عودة تنظيم الدولة، منذ أن بدأت التقارير الأميركية تتحدث عن خطة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للانسحاب من سوريا مطلع 2025، وفي كل مرة لوّحت فيها تركيا بالتصعيد العسكري في حال لم تطبق “قسد” اتفاق 10 مارس/آذار الذي أبرمته مع الدولة السورية، لكن في ما يبدو فإن الحديث عن خطر السجون مبالغ به.
ويُعتبر الوجود الأميركي بالقرب من السجون التي تضم عناصر خطرين من “تنظيم الدولة” العامل الأهم الذي يعطي رسائل طمأنة للدول الإقليمية والأوروبية التي لديها مواطنون محتجزون ضمن سجون التنظيم في سوريا، وقد سارع ترامب للتأكيد على احتواء الموقف عقب إعلان “قسد” -قبل يومين- فقدانها السيطرة على بعض السجون.
وأكد أنهم مسيطرون على القيادات الأجنبية وخاصة الأوروبية التي حاولت الفرار، على الرغم من أن سجن الكمب الصيني في الشدادي الذي شهد فوضى لا يحتوي قيادات أجنبية.
أيضا، لم تتفاعل القوات الأميركية مع مطالب “قسد” بالتوجه إلى “سجن الأقطان” في محافظة الرقة، التي حاصرت في محيطه القوات الحكومية السورية مجموعات لوحدات الحماية التابعة لـ”قسد”، تشرف عليها شخصية إيرانية، حيث أعلنت قسد -أمس الثلاثاء- أن التحالف الدولي لم يتخذ خطوات عملية لتأمين السجن ونقل المحتجزين فيه.
لكن مصادر حكومية سورية أكدت للجزيرة نت، أن السجن لا يحتوي عناصر وقيادات من تنظيم الدولة، بل يضم سجناء عربا عاديين تحفّظت عليهم “قسد”، مبينة أن مناشداتها لتدخّل التحالف الدولي يهدف لفك الحصار عن عناصرها.
ما مصير ملف السجون المحتمل؟ وأين دور الحكومة السورية منها؟
تتجه الولايات المتحدة لنقل معتقلي تنظيم الدولة من سوريا إلى العراق وفقا لما أعلنت القيادة الوسطى الأميركية في 21 يناير/كانون الثاني الجاري، وتوقعت أن يتم نقل 7 آلاف سجين إلى العراق.
وتشير هذه الخطوة، التي أعلنها الجيش الأميركي، إلى الرغبة بالإبقاء على ملف معتقلي التنظيم تحت إشراف القوات الأميركية، لكن مع تغيير في الشركاء المحليين الذين سيشاركون في هذا الإشراف، ولا سيما مع “جهاز مكافحة الإرهاب العراقي”.
إعلان
وجاء تأكيد نقل المعتقلين إلى العراق بعد أن أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس براك في 20 يناير/كانون الثاني الجاري “انتهاء الدور الرئيسي لقوات قسد” في مكافحة “تنظيم الدولة”، والتأكيد على أن دمشق قادرة ومستعدة لتولي المهام الأمنية كاملة في ظل وجود حكومة مركزية معترف بها، وانضمامها إلى التحالف الدولي. لكن على الأرجح، فإن الدور الذي ستقوم به الحكومة السورية هو منع عودة نشاط خلايا التنظيم وليس الإشراف على السجون.
وبرز التنسيق المباشر بين التحالف الدولي والحكومة السورية قبل انضمام الأخيرة إلى التحالف الدولي بشهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وبعد الانضمام أعلنت أيضا القيادة المركزية الأميركية تنفيذ قرابة 15 عملية بالاشتراك مع الحكومة السورية، مما يشير إلى تنامي التنسيق في هذا الملف.
ويرجح المراقبون أن تتجه الحكومة السورية إلى تفكيك المخيمات التي تضم مدنيين من نساء وأطفال، مع إمكانية إحالتهم إلى مراكز تأهيل جديدة مخصصة لمكافحة التطرف، والحديث بشكل خاص عن “مخيم الهول”، كما ستستمر عملية التنسيق مع العراق من أجل تسهيل عودة ما تبقى من عوائل عراقية موجودة في المخيم.
وقد أعلنت وزارة الداخلية السورية عقب سيطرتها على المخيم أن “قسد” كانت تحتجز الكثير من الأبرياء بتهمة الانتماء إلى التنظيم، مما يدفع للاعتقاد بأنه سيتم العمل على تفكيكه.
هل سيحاكَم المحتجزون؟
من غير المستبعد أن يتم لاحقا إجراء محاكمات لجميع عناصر وقيادات التنظيم وفقا للقوانين السورية، في ظل رفض جميع الدول باستثناء العراق استعادة مواطنيها.
وسبق أن أعلنت فرنسا أنها تؤيد محاكمة مواطنيها المرتكبين للجرائم في البلدان التي حصلت فيها الجريمة، على خلفية الأنباء التي تم تداولها عن رغبة باريس باستعادة منتسبي “فرقة الغرباء” التي يقودها عمر أومسين، وتنتشر ضمن مخيم في منطقة حارم بريف إدلب، بُعيد الحملة التي نفذتها الحكومة السورية على المخيم في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
المصدر: الجزيرة
————————-
الجزيرة تكشف كواليس نقل سجناء تنظيم الدولة وخطط دمشق وبغداد
بدأت عملية نقل معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية من شمال شرقي سوريا إلى العراق، في خطوة وُصفت بأنها استباقية لضمان الأمن الإقليمي ومنع استغلال السجناء كورقة ضغط.
وتأتي العملية بعد سنوات من بقاء الملف تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهو ما سمح بحسب دمشق للمجموعات غير المنضبطة باستخدام السجناء كورقة ابتزاز محتملة أو محاولة التنظيم لاستعادة نشاطه.
وفي هذا الإطار، قال قتيبة إدلبي، وهو مدير إدارة الشؤون الأمريكية في الخارجية السورية، إن دمشق رحبت بالخطوة لأنها تساعد على نزع ورقة استغلال السجناء من “قسد” ومجموعات غير منضبطة، وتحد من أي محاولة لإعادة تنظيم الدولة.
وأكد إدلبي -خلال حديثه للجزيرة- أن النقل يجري بتنسيق مباشر بين دمشق وواشنطن وبغداد، مع الحرص على أن يتم النقل بشكل آمن ومحكوم، بعيدا عن أي ابتزاز سياسي محتمل.
ووفق المسؤول السوري، فإن دمشق ترى في العملية وسيلة لتسهيل التواصل القانوني والسياسي مع الدول المعنية بشأن المحتجزين الأجانب، وتتبنى مسارا متكاملا:
محاكمة كل من تثبت إدانته بدعم التنظيم أو القتال معه.
إعادة توطين غير المتورطين ضمن مناطقهم الأصلية.
برامج إعادة تأهيل تعالج آثار مخيمات الاحتجاز على الأطفال وعائلاتهم.
وميدانيا، أشار إدلبي إلى أن سجن “الأقطان” في الرقة يمثل تحديا خاصا، إذ تحصن فيه مسلحون تابعون لـ”قسد”، مؤكدا أن الحكومة السورية تسيطر على محيط السجن ومستعدة لكل الاحتمالات، مع تفضيل الحل السلمي والتفاوض لتأمين خروج آمن للمسلحين.
خطة مشتركة
بدوره، كشف مراسل الجزيرة في دمشق عمرو حلبي أن خطة نقل سجناء تنظيم الدولة طُرحت منذ أشهر خلال مباحثات سورية أمريكية، بعد مخاوف من تعنت “قسد” في تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار الماضي أو فتح السجون بما قد يؤدي إلى فرار جماعي.
وحسب مصدر رسمي سوري تحدث للجزيرة، فإن العملية جزء من خطة مشتركة لمنع إعادة تموضع التنظيم قرب الحدود العراقية وضمان عدم استغلال الملف كورقة ضغط سياسية.
إعلان
وكانت القيادة الوسطى الأمريكية قد أعلنت في وقت سابق أنها بدأت في نقل معتقلي تنظيم الدولة من شمال شرق سوريا إلى العراق ووضعهم في مراكز احتجاز آمنة. وقالت إنها تتوقع أن يصل عدد معتقلي تنظيم الدولة الذين سيُنقلون من سوريا إلى العراق 7 آلاف.
تذمر عراقي
في المقابل، اعتبرت حكومة العراق النقل خطوة استباقية لحفظ الأمن القومي، لكنها أبدت تذمرا سياسيا من حجم المسؤولية والأعباء، وفق مراسل الجزيرة في بغداد سامر الكبيسي.
ويعكس استقبال المعتقلين تحديات لوجستية وأمنية كبيرة، خصوصا فيما يتعلق بالسجون وتوزيع المعتقلين على المحافظات، وفق المراسل، الذي أشار في الوقت نفسه إلى أن جميع المعتقلين سيخضعون لقضاء الدولة العراقية بغض النظر عن الجنسيات.
وكذلك، لطالما اعتبرت السلطات العراقية مخيم الهول والسجون الواقعة على الشريط الحدودي مع سوريا “قنابل موقوتة”، وفق مسؤولين عراقيين، خاصة مع استحضار تجربة عام 2014 عندما دخل تنظيم الدولة الأراضي العراقية، متسببا في سقوط محافظات نينوى وصلاح الدين تحت سيطرة التنظيم لفترة، وما نتج عن ذلك من تهديد للأمن القومي.
بدوره أفاد مصدر سياسي عراقي للجزيرة بأن الإطار التنسيقي الحكومي سيناقش تفاصيل العملية قريبا، بما يشمل توزيع السجناء على سجون خاصة أو قريبة من الحدود السورية، لضمان إدارة الملف بأمان ولوجستيا، مع مراقبة أي تداعيات أمنية محتملة.
ووفق مصدر خاص للجزيرة، فإن عوائل بعض المعتقلين سيُنقلون إلى مخيمات في محافظة نينوى لإعادة التأهيل والدمج بالمجتمع، على غرار تجربة إعادة نحو 19 ألف عراقي من مخيم الهول سابقا.
وكان الجيش العراقي قد أعلن -الخميس- أن بغداد تسلمت دفعة أولى تضم 150 عنصرا من تنظيم الدولة كانوا معتقلين في سجون داخل سوريا. في حين أكدت واشنطن أن عملية نقل المعتقلين إلى العراق ستتم خلال أيام وليس أسابيع.
وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن 150 مقاتلا أسيرا من تنظيم الدولة كانوا محتجزين بسجن في الحسكة نُقلوا على متن طائرة شحن أمريكية إلى موقع مجهول في العراق.
المصدر: الجزيرة
———————————–
بعد تسلم مراكز احتجاز تنظيم “الدولة”.. ثلاثة مستويات للسجون في سوريا
دمشق: يمثل انتقال مراكز احتجاز عناصر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” والمخيمات الأمنية في سوريا من سلطة التشكيلات المحلية إلى عهدة الحكومة تحولا جذريا في إدارة أحد أكثر الملفات الأمنية حساسية في البلاد.
ومن شأن هذه الخطوة أن تُنهي حقبة الشرعية المجزأة في إدارة الملفات الأمنية الحساسة، وتضع حدا لمخاطر تحول هذه المراكز إلى بؤر لتوليد الإرهاب العابر للحدود، ما يهدد الاستقرار الإقليمي.
وبرز ملف هذه المراكز مؤخرا كواحد من أعقد الملفات التفاوضية، خاصة مع محاولات تنظيم “قسد” استخدامه “ورقة ضغط” سياسية وأمنية في حواراته مع الحكومة السورية والقوى الدولية، عبر التلويح بخطر انفلات آلاف الإرهابيين.
تحول قانوني
إلا أن التفاهمات الأخيرة ستعيد ترتيب المشهد القانوني عبر تحرير هذه الملفات من توصيفها كـ”رهائن سياسية”، ونقلها إلى عهدة الدولة السورية التي ستتولى تحويلها إلى مسار قضائي أصولي تحت إشراف وزارة العدل.
وتشمل الخارطة الجديدة للمنظومة العقابية السورية ثلاثة مستويات متكاملة، تبدأ بـ”السجون المركزية الرسمية” التي تديرها وزارة الداخلية، وتعد الركيزة الأساسية للنظام القضائي.
المستوى الأول: السجون المركزية
تضم هذه القائمة سجن عدرا المركزي بدمشق (العاصمة)، وسجن حلب المركزي (شمال)، بالإضافة إلى السجون المركزية في محافظات حمص (وسط)، وحماة (وسط)، واللاذقية (الساحل)، وطرطوس (الساحل)، والسويداء (جنوب)، ودرعا (جنوب).
هذه المنشآت تخضع بالكامل للمعايير القانونية الوطنية، وشهدت مؤخرا تحديثات إدارية واسعة لضمان مواءمتها مع متطلبات حقوق الإنسان وتفعيل برامج الإصلاح والتأهيل للنزلاء، بعيدا عن صراعات النفوذ العسكري.
المستوى الثاني: مراكز الاحتجاز
أما المستوى الثاني، فيضم مراكز الاحتجاز التي كانت توصف بـ”الاستثنائية” في مناطق شرق نهر الفرات.
وتتأهب الدولة لاستلام وإدارة شبكة من السجون الاستراتيجية التي كانت تمثل عصب قوة تنظيم “قسد” (واجهة تنظيم واي بي جي في سوريا) التفاوضية.
ويتصدر القائمة سجن الصناعة (غويران) في الحسكة (شمال شرق)، وسجن الرقة المركزي (الصوامع)، وسجن الطبقة (سجن عايد)، بالإضافة إلى سجون “سيني” بالشدادي و”علايا” بالقامشلي و”الكسرة” بدير الزور.
ومع إحالة هذه المواقع للسيادة المركزية تنتهي محاولات توظيفها سياسيا، ويسمح للدولة بتدقيق ملفات آلاف المقاتلين الأجانب والمحليين، وفقا لقانون مكافحة الإرهاب السوري والاتفاقيات الدولية.
المستوى الثالث: المخيمات الأمنية
وهو الأكثر تعقيدا، ويتمثل في “المعسكرات المفتوحة” أو “المخيمات الأمنية”، وعلى رأسها مخيمي “الهول” و”روج” بريف الحسكة.
وتعتمد رؤية دمشق لعام 2026 على تحويل هذه المخيمات من “أدوات للمساومة الدولية” إلى مراكز فرز ومعالجة قانونية، تهدف إلى تسريع وتيرة “المصالحات الوطنية” للسوريين والضغط على المجتمع الدولي لاستعادة الرعايا الأجانب.
وبإتمام هذا الدمج، تستكمل سوريا بناء منظومة أمنية وقضائية موحدة تنهي كافة أشكال الاحتجاز خارج إطار الدولة، وتضمن عدم استخدام قضية الإرهابيين والمحتجزين وسيلة لابتزاز السيادة الوطنية أو زعزعة الأمن الإقليمي.
وأعلنت رئاسة الجمهورية السورية، الثلاثاء، عن توصل الحكومة وتنظيم “قسد” إلى “تفاهم مشترك” يضع آليات دمج عسكرية وإدارية وسياسية واسعة النطاق بدأ تنفيذ بنوده الساعة الثامنة بالتوقيت المحلي من مساء ذات اليوم.
تفاهمات ودمج
وكشفت الرئاسة السورية عن توافق الطرفين على “دمج جميع القوات العسكرية والأمنية” التابعة لـ”قسد” ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين مع استمرار المشاورات حول التفاصيل الفنية لهذا الدمج.
ومساء 18 يناير/ كانون الثاني الجاري، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع اتفاقا لوقف إطلاق النار مع “قسد” وإدماج عناصره بالحكومة.
ومن أبرز بنود الاتفاق دمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم الدولة “داعش” بالإضافة للقوات المسؤولة عن حماية هذه المنشآت مع الحكومة السورية، لتتولى الأخيرة المسؤولية القانونية والأمنية عنها بالكامل.
وجاء الاتفاق بعد عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري قبل أيام، استعاد من خلالها مناطق واسعة شرقي وشمال شرقي البلاد، إثر خروقات “قسد” المتكررة لاتفاقاته الموقعة مع الحكومة قبل 10 أشهر وتنصله من تطبيق بنودها.
وسبق أن تنصل “قسد” من تنفيذ اتفاق مارس/ آذار 2025 مع الحكومة السورية، الذي ينص على احترام المكون الكردي ضمن حقوق متساوية لجميع مكونات الشعب، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة.
وتبذل إدارة الشرع جهودا مكثفة لضبط الأمن وبسط سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
(الأناضول)
———————————
تحذير أميركي–أوروبي من فراغ أمني قد يعيد نشاط “داعش”
اجتماع رباعي لبحث تداعيات التصعيد العسكري في سوريا
2026-01-28
حذّرت كلٌّ من فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة من خطورة أي فراغ أمني محتمل في شمال سوريا، معتبرةً أن مثل هذا السيناريو قد يوفّر فرصة لتنظيم “داعش” لإعادة تنشيط خلاياه واستعادة حضوره، وذلك على خلفية التطورات العسكرية والأمنية الأخيرة في المنطقة.
وجاء هذا التحذير في ظل تصاعد المخاوف الدولية بشأن مستقبل الوضع الأمني في شمال وشرق سوريا، ولا سيما في المناطق التي تضم مخيمات وسجوناً تؤوي آلافاً من عناصر تنظيم “داعش” وعائلاتهم، ما يجعلها بؤراً حساسة قابلة للاختراق في حال تراجع مستوى السيطرة الأمنية، وفق ما أورده موقع “يورو نيوز”.
وقال الموقع إن ممثلين عن فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة عقدوا اجتماعاً مشتركاً يوم أمس الثلاثاء، خُصص لبحث مستقبل المشهد الأمني في شمال شرق سوريا، وذلك بالتزامن مع تمديد وقف إطلاق النار بين الجيش السوري وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، وسط تحذيرات من هشاشة ميدانية قد تفضي إلى تداعيات خطيرة.
وخلص المجتمعون إلى التأكيد على ضرورة الحفاظ الصارم على الإجراءات الأمنية، خصوصاً في محيط مراكز احتجاز عناصر تنظيم “داعش”، مع التشديد على أهمية منع أي خلل أمني قد يفتح الباب أمام عمليات هروب أو إعادة تنظيم صفوف التنظيم المتشدد.
وبحسب بيان مشترك صدر عقب الاجتماع، شدد وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا، جان نويل بارو وإيفيت كوبر، إلى جانب نائبة وزير الخارجية الألماني سراب غولر، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، على أن مكافحة تنظيم “داعش” ما تزال تشكل أولوية مشتركة، وتتطلب استمرار التنسيق والعمل الجماعي في إطار التحالف الدولي.
وأشار البيان إلى وجود توافق بين الأطراف المشاركة على عقد اجتماع قريب للتحالف الدولي ضد “داعش”، بهدف تقييم التطورات الميدانية الأخيرة، وبحث اتخاذ خطوات إضافية تحول دون تدهور الوضع الأمني أو عودة التنظيم إلى الواجهة.
كما ناقش الاجتماع الأوروبي – الأميركي المسار السياسي في سوريا، حيث اعتبر المشاركون أن غياب تسوية سياسية مستقرة يسهم في تفاقم المخاطر الأمنية.
ودعا المجتمعون إلى ضرورة التوصل سريعاً إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإعادة فتح مسار المفاوضات، بما يسمح بدمج شمال شرق سوريا ضمن دولة سورية موحدة ذات سيادة، مع ضمان حقوق جميع المواطنين.
وأشار موقع “يورو نيوز” إلى أن هذه التحركات الديبلوماسية تأتي في ظل تصاعد القلق الدولي حيال مصير السجون والمخيمات الواقعة في شمال شرق سوريا، لا سيما بعد الهجوم الذي شنته القوات الحكومية على مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديموقراطية.
وأكد “يورو نيوز” أن هذه المواقع تحتجز آلافاً من عناصر تنظيم “داعش” وأفراد عائلاتهم منذ عام 2019، ما يثير تساؤلات متزايدة حول قدرة الجهات المشرفة عليها على الاستمرار في إدارتها وضمان عدم حدوث اختراقات أمنية أو حالات فرار جماعي.
وقبل أسبوع، حذّر المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات (ECCI)، من أن هروب عناصر من تنظيم “داعش” من سجون في شمال شرق سوريا، يشكّل تطوراً أمنياً بالغ الخطورة.
اقرأ أيضاً: العراق يستعد لمحاكمة معتقلي “داعش”.. ومصدران يكشفان عدد المنقولين
وأوضح المركز، أن هذا التطور جاء في سياق تحولات سياسية وعسكرية عميقة أعقبت التصعيد العسكري بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة السورية ما أوجد فراغاً أمنياً استغلته الجماعات المسلحة.
وأشار، إلى أن عملية الهروب وقعت في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، وسط انحسار الدور الأميركي المباشر في إدارة مراكز الاحتجاز، إلى جانب تصاعد الخلافات بين “قسد” ودمشق حول آليات دمج القوات والسيطرة على الموارد والسجون.
وأكد المركز أن هذا الواقع أفرز فراغاً أمنياً مؤقتاً سرعان ما تحوّل إلى فرصة مواتية للجماعات المسلحة، سواء عبر هجمات مباشرة على السجون أو نتيجة فوضى السيطرة الناجمة عن تبدل الجهات المسؤولة.
وبحسب المركز الأوروبي، فإن هروب عناصر متمرّسة قتالياً يمنح تنظيم “داعش” فرصة حقيقية لإعادة تنظيم صفوفه وبناء شبكات لوجستية وخلايا نائمة، مستفيداً من خبرات ميدانية تراكمت خلال سنوات الصراع، كما يوفر الحدث مادة دعائية للتنظيم تعزز سردية “كسر السجون” التي استخدمها تاريخياً لرفع المعنويات واستقطاب عناصر جديدة.
وذكّر التقرير بتجارب سابقة، مثل هروب سجناء أبو غريب في العراق عام 2013، وهجوم سجن الحسكة عام 2022، مؤكداً أن مثل هذه الأحداث غالباً ما تسبق موجات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
وأكد المركز أن انعكاسات هروب سجناء “داعش” لا تقتصر على الداخل السوري، بل تمتد إلى الإقليم، حيث تزداد احتمالات تسلل عناصر فارّة إلى الأراضي العراقية عبر البادية السورية، ما يعزز التنسيق بين فرعي التنظيم في سوريا والعراق، ويضاعف الضغوط على الأجهزة الأمنية العراقية.
كما يسعى التنظيم، وفق التقرير، إلى استثمار الحدث دعائياً باعتباره دليلاً على استمرارية حضوره وقدرته على تحدي خصومه، ما قد يحفّز أنصاره على تنفيذ هجمات فردية أو عمليات محدودة النطاق في المنطقة.
وحذّر المركز الأوروبي من أن حادثة الهروب تحمل أبعاداً مقلقة للأمن الأوروبي، خصوصاً أن سجون شمال شرق سوريا تضم أعداداً من المقاتلين الأجانب، بينهم أوروبيون أو أشخاص على صلة مباشرة بدول الاتحاد.
وأوضح التقرير أن ذلك يعني ارتفاع احتمالات العودة غير الشرعية، أو انتقال بعض الفارّين عبر شبكات تهريب باتجاه أوروبا، بما يرافقه من مخاطر تنفيذ هجمات فردية أو إعادة تنشيط خلايا نائمة داخل المجتمعات الأوروبية.
وتعيد الحادثة، بحسب المركز، إلى الواجهة مأزق السياسات الأوروبية القائمة على إبقاء المقاتلين الأجانب خارج الحدود الأوروبية، وهو نهج بات أقل قابلية للاستمرار في ظل هشاشة الوضع الأمني في سوريا، وما يرافقه من مخاطر قانونية وأخلاقية وسياسية تتعلق بمسؤولية الدول الأوروبية عن رعاياها.
————————–
العراق يتأهب على حدوده الغربية/ أحمد الجابر
ما الذي يُخيف العراق من سوريا؟
2026-01-28
تشهد الحدود العراقية السورية حالة من التحشيد العسكري العراقي في ضوء التطورات الأخيرة التي حصلت في سوريا، ويؤكد مسؤولون عراقيون على أن الحدود مؤمنة بالكامل من خلال الإجراءات والتحصينات وأبراج المراقبة ومنظومة الكاميرات الحرارية المتطورة.
وتتواجد تحشيدات كثيفة للقطعات العسكرية على الحدود، فيما تتخذ القوات العراقية إجراءات تشمل موانع مثالية متمثلة بالسواتر والجدار الكونكريتي، إضافة إلى كاميرات المراقبة الإلكترونية المنتشرة على طول الشريط الحدودي، فضلاً عن وجود خط ثانٍ من قطعات الجيش والحشد الشعبي.
وتأتي التحشيدات العراقية في ضوء متغيرات عسكرية في سوريا، حيث شهدت دخول القوات الحكومية إلى منطقة شمال وشرقي سوريا بعد انسحاب قوات سوريا الديموقراطية (قسد) منها، فيما تكثف القوات الأميركية من ترحيلها لعناصر تنظيم “داعش” من سجون الحسكة إلى العراق.
تهديد قائم
تقول الباحثة في الشأن السياسي العراقي علياء عباس خلف لـ”963+”، إن التحشيدات العسكرية الأخيرة يجب قراءتها في سياق استراتيجي أوسع. وتضيف: “وفق المعطيات والمتغيرات الجيوسياسية التي تحيط بالمنطقة إقليمياً ودولياً، وتداعيات المتغيرات الحساسة والحرجة، من المفترض أن تكون هذه التحشيدات العسكرية جزءاً من استراتيجية أمنية طويلة الأمد”.
وتتابع: “كل هذه الأحداث، ارتداداتها ليست بالسهلة ولا تقتصر على المدى القصير، بل من المتوقع أن تمتد تأثيراتها لمدى ليس بالقصير، للأسف”. وتردف موضحة: “وكل هذه التحركات لا ترتبط فقط بما يحدث في سوريا فحسب، وإنما بالمنطقة العربية ككل”.
وتلفت الباحثة الانتباه إلى ملف بالغ الحساسية، مشيرةً إلى أنه “لا يجب أن نغفل أن هناك ملف داعش الحساس والشائك بنفس الوقت بالنسبة للعراق وسوريا على حد سواء، من تداعيات نقل سجناء داعش وعوائلهم التي كانت تسكن مخيم الهول، إذ لم يتم محاكمة كل المطلوبين الإرهابيين وعوائلهم، وطي هذا الملف نهائياً بصورة عادلة وسريعة إلى الأبد”.
وتزيد موضحةً بُعداً آخر للمخاطر: “الولايات المتحدة تستخدم ورقة داعش كأداة للضغط على العراق وتهديد لأمنه القومي والأمن الداخلي، بما يخدم مصالحها أو يعطي حججاً مبررة لسياسات مستقبلية ممكن أن تستخدمها لخلق فوضى بأي لحظة، لتكريس مخطط جديد بالمنطقة يخدم مصالحها بالدرجة الأولى ومصالح إسرائيل على حساب أمن واستقرار العراق”.
وتؤكد عباس خلف، أنه رغم الإجراءات الأمنية المشددة، والتحشيدات العسكرية والسياج الأمني الذي كلف العراق أكثر من 25 مليون دولار، والكاميرات الحرارية، والدوريات الراجلة، “إلا أنه تمكن بعض العناصر من داعش من محاولة التسلل عبر الحدود، ولكن تم التعامل مع الموقف”.
وانتقلت إلى التحذير من العواقب الاقتصادية، قائلة: “بالنتيجة، كل هذه التوترات على الحدود، بالتأكيد سيكون لها الأثر البالغ على حركة التجارة والوضع الاقتصادي الهش بالنسبة للبلدين”.
وتضيف شارحة الوضع السوري: “نحن ندرك تماماً أن الشعب السوري بالكاد يلتقط أنفاسه بعد معاناة اقتصادية ليست بالسهلة، ونزول الليرة السورية إلى مستويات قياسية، وتداعيات سقوط النظام، والانتهاكات الطائفية التي تلت السقوط، والتي من شأنها أن تترك ندوباً تمتد آثارها لسنوات في نفسية المواطن السوري”.
وتستطرد: “العراق ليس أحسن حالاً، فقد تم فرض ضرائب جديدة تصل ما بين 30% إلى 60%، وملف رواتب الموظفين على حافة الانهيار، وملف الخدمات ليس بأحسن حال، وآلاف الخريجين لم يتم تعيينهم بسبب العجز بالميزانية، وتم إلغاء مخصصات الشهادات الجامعية بالنسبة للموظفين، والاضراب قائم منذ يومين”.
استباقاً لمخاوف أمنية
من جانبه، يتناول الباحث في الشؤون السياسية العراقية الدكتور جاسم الغرابي في حديث لـ”963+” الأسباب الاستباقية للتحشيدات العراقية. ويقول: “التحشيدات العراقية على الحدود السورية، أول ما تغير النظام السوري، كانت موجودة؛ لأنه على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، الإرهاب أغلبه كان يأتي من سوريا، حتى في زمن المخلوع بشار الأسد”.
ويشرح الغرابي دواعي الحذر الحالية: “التحشيدات الجديدة ووجود قوات عسكرية بعد الحرب الأهلية الموجودة حالياً في سوريا، يعني العراق يجب أن يأخذ حذره”.
ويوضح بعض السيناريوهات المحتملة: “قد يكون هناك نزوح للعوائل المدنية، الشعب السوري الصديق، يعبر الحدود العراقية خوفاً من المعارك الطاحنة التي تجري اليوم بين قسد وبين الجيش السوري”.
ويحذر من خطر مختلط: “فبالتالي، يجب أن يكون العراق على أهبة الاستعداد والحذر، فقد يدخل بعض الإرهابيين مع المدنيين الذين يهربون من القتال في هذا المكان”.
ويلفت النظر إلى الخلفية السياسية الأوسع: “هناك لعبة سياسية، وهناك مشروع دولي الآن يجري في سوريا، مطامع واضحة: تركية، قطرية، سعودية، مصرية، أميركية، روسية. فالعراق يجب أن يحذر. العراق ليس بمعزل عن هذا الموضوع”.
وينهي حديثه بتأكيد على ضرورة الاستعداد القصوى: “القوات العراقية عليها أن تتوقع أسوأ السيناريوهات التي تحدث في هذه المنطقة، من خلال دعم الحشد الوطني العراقي في هذه المحافظات بالإشارة إلى المحافظات الحدودية”.
———————————–
===========================



