مصير اتفاق 18 كانون الثاني 2026 بين الحكومة السورية و “قسد” بعد تمديد وقف اطلاق النار 15 يوما، تحديث 28 كانون الثاني 2026

متابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي:
دوافع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وأحمد الشرع
———————————————
تحديث 28 كانون الثاني 2026
———————————
الهدنة بين دمشق و”قسد”: هل تتحول مباحثات تمديد وقف إطلاق النار إلى تفاوض سياسي يُنهي الأزمة؟
2026/01/26
لم يأتِ اجتماع أربيل الأخير بين ممثلين عن واشنطن وقوات سوريا الديمقراطية في سياق عسكري طارئ، بل في لحظة سياسية دقيقة تبحث فيها الأطراف المعنية عن إدارة مرحلة انتقالية أكثر تعقيدًا من مجرد وقفٍ لإطلاق النار. فالتفاهم الأولي حول بحث تمديد الهدنة بين دمشق و”قسد” عكس محاولة لإعادة ضبط المشهد في شرق الفرات، في ظل توازنات إقليمية متحركة وضغوط دولية متزايدة.
وبحسب مصادر دبلوماسية تحدثت لـ”عربي بوست”، فإن اللقاء الذي جمع المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك بقائد “قسد” مظلوم عبدي لم يقتصر على تثبيت الهدوء الميداني، بل فتح الباب أمام نقاش سياسي أوسع، يتصل بشكل العلاقة المستقبلية بين “قسد” والدولة السورية. فطرح تمديد الهدنة جاء هذه المرة مقرونًا بإشارات إلى ترتيبات مؤسساتية محتملة، تتجاوز منطق التجميد المؤقت للجبهات.
وتكمن أهمية هذا التحرك في توقيته وسياقه، إذ يتزامن مع انتهاء مهلة اتفاق 18 يناير/ كانون الثاني 2026، ومع تباينات واضحة في تفسير بنوده بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية. ففي حين ترى الحكومة السورية في الاتفاق مدخلًا لإعادة بسط السيادة ودمج القوى المسلحة، تتعامل “قسد” معه بوصفه إطارًا لإعادة التموضع السياسي داخل الدولة، دون التخلي الكامل عن نفوذها الأمني والعسكري.
من ترتيبات أمنية إلى مقايضة سياسية
يمثل البحث في تمديد الهدنة تطورًا نوعيًا مقارنة بمحاولات التهدئة السابقة، التي اتسمت بالهشاشة وسرعة الانهيار. فالجديد هذه المرة، وفق مصادر حكومية عراقية مطلعة على النقاشات تحدثت لـ”عربي بوست”، يتمثل في انتقال المفاوضات من منطق إدارة الاشتباك إلى بحث شكل العلاقة السياسية والمؤسساتية بين قوات سوريا الديمقراطية والدولة السورية في دمشق.
الاتفاق الموقّع في 18 يناير شكّل الإطار المرجعي لهذا التحول، إذ نص صراحة على دمج عناصر “قسد” ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، بدل الاكتفاء بصيغ تنسيق أمني مؤقتة. غير أن هذا النص بقي محل تفسيرات متباينة؛ إذ رأت دمشق فيه مدخلًا لتفكيك البنية العسكرية المستقلة للتنظيم، بينما تعاملت معه “قسد” باعتباره إعادة تموضع داخل الدولة دون المساس بجوهر نفوذها القائم.
في هذا السياق، يكتسب طرح أسماء لشغل مناصب سيادية دلالات تتجاوز البعد الإداري. فمن جهة، تسعى “قسد” إلى تقديم نفسها شريكًا مستعدًا للاندماج في مؤسسات الدولة، لا قوة أمر واقع تسعى إلى تكريس حكم ذاتي غير معلن. ومن جهة أخرى، تهدف هذه الترشيحات إلى ضمان موطئ قدم داخل مراكز القرار المركزي، بما يحفظ لها نفوذًا سياسيًا وأمنيًا في مرحلة ما بعد الدمج.
وتبرز محافظة الحسكة بوصفها العقدة الأكثر حساسية في هذا المسار، باعتبارها مركز الثقل الجغرافي والسياسي لمناطق سيطرة “قسد”. فأي تعيين فيها لا يمكن فصله عن التوازنات الأمنية والعشائرية والاقتصادية المعقدة، ما يجعل ترشيح محافظ من قبل “قسد” إما مؤشرًا على شراكة طويلة الأمد مع الدولة، أو بداية مفاوضات صعبة حول من يمتلك القرار الفعلي في الجزيرة السورية عمومًا، وفي الحسكة خصوصًا.
الدور الأميركي: ضبط الانتقال لا فرض الحل
يشير مصدر دبلوماسي غربي لـ”عربي بوست” إلى أن حضور المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك في اجتماع أربيل لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا. فواشنطن، التي شكّلت الداعم العسكري والسياسي الأبرز لـ”قسد” خلال الحرب على تنظيم “داعش”، تجد نفسها اليوم أمام معادلة مختلفة، تقوم على الحفاظ على نفوذها في شرق الفرات دون الانخراط في صدام مباشر مع دمشق وحلفائها، ودون التخلي الكامل عن حليفها الكردي.
وتُظهر التقديرات الدبلوماسية أن واشنطن تدفع باتجاه تسوية مدروسة تضمن دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، ولكن وفق شروط تحول دون تحوّل هذا الدمج إلى تصفية كاملة لدورها. وفي هذا الإطار، يمكن فهم الإصرار الأميركي على إبقاء باب الهدنة مفتوحًا، ومنحها غطاءً سياسيًا يسمح بانتقال تدريجي من الميدان إلى طاولة الترتيبات النهائية.
وبحسب المصدر نفسه، الذي تحدث لـ”عربي بوست” شريطة عدم ذكر اسمه، فإن عددًا من أعضاء الكونغرس الأميركي يمارسون ضغوطًا على إدارة الرئيس دونالد ترامب للمطالبة بإعادة ما يصفونه بـ”الهيبة” لقوات سوريا الديمقراطية، ويبرز في هذا السياق اسم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام.
دمشق وحدود التنازل لقوات سوريا الديمقراطية
في المقابل، تكشف معطيات جديدة أن دمشق تتعامل بحذر مع مسألة تمديد الهدنة، وترفض تحويلها إلى إجراء تلقائي غير مشروط. وأفاد مصدر حكومي، في تصريحات خاصة، بأن سبب عدم الموافقة على التمديد حتى الآن يعود بالدرجة الأولى إلى ارتفاع معنويات الجيش السوري، واعتبار القيادة أن موقف الدولة بات أقوى ميدانيًا وسياسيًا.
وأكد مصدر “عربي بوست” أن هذا الرفض ليس نهائيًا، وأن قنوات المباحثات لا تزال مفتوحة، إلا أن أي تمديد يجب أن يتم ضمن شروط واضحة، وفي مقدمتها وجود “كفيل” يضمن التزام قوات سوريا الديمقراطية بتنفيذ ما يترتب عليها في اتفاق 18 يناير/ كانون الثاني 2026.
وأشار المصدر إلى أن حزب العمال الكردستاني، الذي يسيطر على القرار الفعلي داخل “قسد”، استقدم مئات المقاتلين من العراق خلال الفترة الماضية، محذرًا من أن تمديد المهلة دون ضوابط قد يمنح التنظيم فرصة لإعادة ترتيب صفوفه والتحضير لصراع طويل الأمد ضد الجيش السوري.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخارجية السورية، السبت 24 يناير/ كانون الثاني 2026، أنه لا يوجد حتى الآن قرار بتمديد الهدنة التي تنتهي مساء الاثنين 26 يناير/ كانون الثاني 2026، والتي كانت تنص على تسليم “قسد” خطة لتطبيق اتفاق 18 كانون الثاني. كما تنتهي مهلة الأيام الأربعة التي منحتها الحكومة السورية للتشاور حول خطة تفصيلية لمدينة الحسكة وآلية الدمج، دون تلقي رد رسمي من جانب “قسد”.
وكان بيان الحكومة قد أوضح أن القوات السورية لن تدخل مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، وستبقى على أطرافهما في حال إتمام الاتفاق، على أن يُبحث لاحقًا الجدول الزمني وتفاصيل الدمج السلمي لمحافظة الحسكة، بما فيها مدينة القامشلي. وفي المقابل، قد يتم تمديد المهلة المحددة في ظل استمرار المشاورات.
شروط دمشق وصراع الأجنحة داخل “قسد”
تشير مصادر عسكرية سورية إلى أن فرص صمود الاتفاق لا تزال قائمة، لكنها تبقى مشروطة بالتزام “قسد” بندين أساسيين: تقديم لائحة أسماء “معتدلة” لتولي مناصب عسكرية وإدارية وبرلمانية، واتخاذ خطوات جدية لتحييد الكوادر المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ولا سيما العناصر الأجنبية.
وتؤكد المصادر أن دمشق جادة في تفعيل المرسوم رقم 13 المتعلق بالمكوّن الكردي، بالتوازي مع قرارات وزارية صدرت عن وزارتي الأوقاف والتربية، تؤكد مبدأ التعايش ونبذ التمييز العرقي والطائفي، في إطار تهيئة الأرضية السياسية والاجتماعية لأي تسوية. وتشدد دمشق، في هذا السياق، على أن الأكراد مكوّن أصيل في الدولة السورية، بخلاف التنظيمات العسكرية الكردية.
وبحسب المصادر نفسها، يبدي مظلوم عبدي رغبة في تطبيق الاتفاق، لكنه يواجه تيارًا متشددًا داخل “قسد” يرتبط بعلاقات إقليمية ودولية، ما قد ينعكس عراقيل في التنفيذ، ولا سيما في ما يتعلق بالقوائم التي يُفترض رفعها إلى الرئيس أحمد الشرع. وقد تتضمن هذه القوائم أسماء مرفوضة إقليميًا، خصوصًا من تركيا والسعودية، ما يفتح الباب أمام ضغوط ميدانية قد تصل إلى تصعيد عسكري محدود.
عين العرب: العقدة المؤجلة
تبقى منطقة عين العرب (كوباني) العقدة الأبرز في هذا المسار. فوزارة الدفاع السورية تنظر إليها باعتبارها كانتونًا منفصلًا عن الشريط الحدودي المتبقي لـ”قسد” في الحسكة، وترى أن حل هذه العقدة بات ضروريًا. كما تربط دمشق بين مصير عين العرب والقامشلي، لما لهما من رمزية سياسية وقومية، ما يجعل أي حل، سلميًا كان أم عسكريًا، ذا طابع مشترك.
في المقابل، تشكك دمشق وأنقرة في نيات “قسد”، معتبرتين أنها تحاول كسب الوقت عبر استثمار الهدنة، بالتوازي مع تصعيد إعلامي يهدف إلى تعبئة المكوّن الكردي إقليميًا، من خلال اتهام الجيش السوري بتنفيذ عمليات تطهير عرقي. ورغم ترجيح صمود الاتفاق مرحليًا، لا يُستبعد حصول خروقات، ولا سيما في ما يتعلق بدخول مؤسسات الدولة إلى مناطق سيطرة “قسد”.
سيناريوهات مفتوحة
على المدى القريب، يُرجح أن تستمر المباحثات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية حول تمديد الهدنة، مع اتخاذ خطوات رمزية لتطبيق الاتفاق، مثل الإعلان عن لجان مشتركة أو تسريبات مدروسة حول أسماء المرشحين.
غير أن الانتقال إلى دمج فعلي وشامل سيبقى مؤجلًا، بانتظار اختبار النوايا على الأرض، ولا سيما في عين العرب، حيث تتراوح السيناريوهات بين تسوية سياسية جزئية أو ضغط عسكري محدود، دون الذهاب إلى حسم شامل في الوقت الراهن، نظرًا للرمزية العالية للمنطقة والضغط الدولي المرتبط بها.
عربي بوست
————————-
“إعادة رسم الخرائط في شمال شرق سورية وتحديات التثبيت: السلاح، السجون، والحدود”/ نوار شعبان
27 كانون الثاني/يناير ,2026
ورقة تحليل السياسات الجديدة من “المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة” بعنوان: “إعادة رسم الخرائط في شمال شرق سورية وتحديات التثبيت: السلاح، السجون، والحدود”
منذ كانون الثاني/يناير 2026، شهدت شمال شرق سورية تحوّلًا استراتيجيًا غير مسبوق. لم تكن الحملة العسكرية مجرد إعادة سيطرة ميدانية، بل لحظة مفصلية فرضت اتفاق “الاندماج الكامل” وأنهت فعليًا تجربة الإدارة الذاتية.
تتناول الورقة أربعة محاور تحليلية رئيسية:
1️⃣ تفكك البنى الهجينة بعد الأسد، وصعود الدولة المركزية مجددًا في ظل تحالفات جديدة مع أنقرة وواشنطن.
2️⃣ التشريح الميداني للحملة العسكرية، التي غيّرت خرائط السيطرة خلال أسبوعين، وأعادت للدولة مفاتيح الجغرافيا والطاقة والمعابر.
3️⃣ تحليل اتفاق الاندماج الكامل بوصفه حالة احتواء لا تفاهم، وتفكيك لبنية قسد تنظيمًا وقيادة.
4️⃣ استشراف التحديات الأمنية المعقدة، من ملف سجون داعش، إلى السلاح المنفلت، إلى خطر “فلول النظام” والتنظيمات المؤدلجة.
الورقة تؤكد أن النجاح لن يُقاس بالسيطرة الجغرافية، بل بقدرة الدولة على إدارة مرحلة التثبيت، وبناء بنية أمنية قادرة على الاحتواء، لا إنتاج الفوضى
لتحميل المقالة كاملة اتبع الرابط التالي
المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”
—————————————-
التايمز: كيف أقنع أردوغان ترامب بقبول خطة ما بعد الأسد بلا كيان كردي؟
نشرت صحيفة “تايمز” البريطانية مقال رأي لروجر بويز، شرح فيه كيف عمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على إقناع نظيره الأمريكي دونالد ترامب بالتخلي عن الأكراد في سوريا.
وأضاف الكاتب أن الرئيس التركي أقنع الإدارة الأمريكية بخطة ما بعد الأسد التي لا تشمل أي كيان ذاتي كردي.
وبدأ بويز بالقول إن المشكلة التي يواجهها مستشارو ترامب هي أن نصائحهم الدقيقة والمتوازنة، والتي تقدم بإيجاز ووضوح، غالبا ما تطغى عليها ضجة البيت الأبيض. وهذا ما حدث مع مارك روته، الأمين العام لحلف الناتو، وأليكس ستوب، رئيس وزراء فنلندا، وحتى مع كير ستارمر. ومع ذلك يعدّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استثناء لهذه القاعدة، إذ أقنعت نصائحه ترامب بقبول “جهادي سابق” رئيسا لسوريا، والتخلي عن القضية الكردية، وبالتالي “خيانة” حليف كان مستعدا للقتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
ويعلق بويز أن هذا الأمر كان متوقعأ منذ زمن. فخلال 23 عاما قضاها أردوغان رئيسا للوزراء ورئيسًا للجمهورية في تركيا، نادرا ما اتفق مع الأمريكيين، رغم قيادته لأحد أكبر جيوش الناتو. وقد استشاط أردوغان غضبا من باراك أوباما لما اعتبره دعما فاترا خلال محاولة الانقلاب عام 2016. كما لم يرض بالانتقادات الأمريكية العلنية لحملة التطهير التي شنها بعد الانقلاب ضد القادة العسكريين.
وفي ظل رفض الولايات المتحدة تسليم رجل الدين المعارض فتح الله غولن، الذي وصفه أردوغان بأنه الروح المحركة لثورة الجنرالات، شعر أردوغان في عهد جو بايدن، بالتجاهل والتعالي، وتعرض لانتقادات بسبب سجله في مجال حقوق الإنسان. وخلال جميع هذه الرئاسات، بما فيها ولاية ترامب الأولى، ساد شعور بأن أمريكا غير مستعدة لأخذ مخاوف أردوغان على محمل الجد، والتي تتمحور حول المخاوف من تحول قوة عسكرية كردية متنامية في شمال سوريا لنواة كردستان مستقلة، مما قد يؤدي إلى تفكك تركيا نفسها.
ويعلق الكاتب أن بلدة كوباني الكردية في شمال سوريا، والمتاخمة للحدود التركية، كان من المفترض أن تحتفل هذا الأسبوع بالذكرى الحادية عشرة لتحريرها من تنظيم الدولة الإسلامية بمساعدة أمريكية. ففي ذلك الوقت، تدخلت القوات الأمريكية عبر جسر جوي محمل بالأسلحة، ما فتح شراكة مع الولايات المتحدة تم بموجبها تسليح وتدريب “قوات سوريا الديمقراطية” أو “قسد” للمساعدة في دحر تنظيم الدولة الإسلامية.
وفي الوقت الحالي، يتقدم الجيش السوري الذي يقول بويز إنه يضم العديد من الجهاديين السابقين، نحو كوباني عبر المناطق الريفية المحيطة بها. وتمتلئ المدينة، التي يبلغ عدد سكانها 50,000 نسمة، بسكان قرويين أكراد طُردوا من مزارعهم. وإذا سيطر الجيش السوري على المدينة، فلن يكون الوضع سهلا.
وهذه المرة يقول بويز: “لا تتوقعوا جسرا جويا أمريكيا. ففي ذروة قوتهم، كان بإمكان الأكراد السيطرة على أكثر من ثلث الأراضي السورية، ولم يتبق منها سوى جزء ضئيل”.
ويقول بويز إن الأكراد تركوا لوحدهم، وذلك بعد تبني ترامب سياسة أردوغان الواقعية. فقد كان أردوغان هو من ساهم في انهيار نظام بشار الأسد السريع (وإن كان متأخرا). واعتقد أردوغان في السنوات التي سبقت الربيع العربي 2011-2012 أن نموذج تركيا للإسلام الديمقراطي قادر على التعايش مع الجيران الصاعدين، ولهذا حسن علاقاته مع بشار الأسد.
وبدأ جهاز المخابرات التركي التابع لأردوغان في استكشاف إمكانية وجود جماعة جهادية “معتدلة” تتبع التوجيهات التركية بشكل عام وتهمش الأكراد، وتحافظ على وحدة سوريا وتجد من خلال التوجيه، طريقا نحو الاعتراف والاحترام الدولي.
وقد كان الأمر صعبا، لكن أردوغان كان في مأزق: فتركيا تواجه موجة هجرة هائلة. ولم يبد العديد من رؤساء الولايات المتحدة أي استجابة.
وفي النهاية، راهنت تركيا على جماعة تدعى هيئة تحرير الشام التي أقامت سابقا صلات بتنظيم القاعدة، ولكنها تحولت إلى خصم تاريخي لتنظيم الدولة. وقد عثرت تركيا على قائد لهيئة تحرير الشام، وشكّلته وصقلته، بحيث يمكن تقديمه بشكل مقنع كقوة موحدة. وبالنظر إلى سيرته الذاتية، من القاعدة وتنظيم الدولة وجبهة النصرة، إلى فترة قضاها في معسكر اعتقال بوكا الأمريكي في جنوب العراق للتواصل مع جهاديين آخرين، فقد كانت مقامرة.
ويرى الكاتب أن هذا الوضع المتغير لم يكن غريبا على اللعبة: فقد كان هاكان فيدان، الرئيس المحنك للمخابرات التركية، ووزير الخارجية التركي الحالي خبيرا في تشكيل الجماعات الجهادية وإعادة تسميتها وتمويلها المتبادل.
وبعد أن تم تلميع صورته، لم يكن صعبا تقديم وقبول أحمد الشرع إلى مبعوث توم باراك والرئيس ترامب. فقد كان شرط الشرع الوحيد: الحصول على دعم أمريكي كامل لمبدأ الدولة السورية الموحدة. وهذا يعني عدم وجود أي حكم ذاتي للأكراد، وسيطرة الدولة الكاملة على صناعة النفط وفرض قيود على الدروز والعلويين، وقد وافق أردوغان وترامب على ذلك.
ويعلق بويز أن الأكراد عُرض عليهم لتخفيف “الخيانة” فرصة دمج ثلاث فرق عسكرية وكتيبتين من قواتهم في الجيش السوري، لكن من الصعب تصور كيف سينجح ذلك، فالمقاتلون الأكراد يتلقون الأوامر من جهاديين سابقين غير منضبطين. وهم يشعرون بخيبة أمل من الولايات المتحدة، لكنهم ربما يفهمون أن هذا هو حال الواقع. ولقد تم الاستغناء عن الأكراد كجنود أو حراس في معسكرات اعتقال تنظيم الدولة، والآن عليهم الدفاع عن هويتهم الثقافية من جديد. ولكن الأمر لن يكون سهلا.
ويرى بويز أن هذه الصفقة التي لم تستكمل قد تفضي لإطلاق العنان لقوى تدميرية أخرى في أنحاء الشرق الأوسط. ومن المعروف أن مهندسيها، أردوغان وترامب، يستمدان قوتهما من أعدائهما، فلنأمل ألا ينقلبا على حلفائهما أيضا. وفي سياق مماثل، ناقش وزير خارجية ترامب السابق، مايك بومبيو، الذي دعا قبل فترة لعدم تدريس ما حدث من إبادة في غزة، من أن التطورات الأخيرة في سوريا تهدد بتدمير إنجازات ترامب ضد تنظيم الدولة في ولايته الأولى.
وفي مقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست” قال بومبيو إن تفكير الولايات المتحدة في سحب ما تبقى من قواتها من سوريا، يعني أنها ستغامر بأمن أصولها العسكرية في الشرق الأوسط وبالاستقرار الإقليمي وبسلامة الشعب الأمريكي. وأضاف أن الهزيمة العسكرية والسياسية لقسد تمثل تطورا خطيرا.
وإذا لم تتحرك الولايات المتحدة سريعا، فقد تنهار إنجازات ولاية ترامب الأولى، في الوقت الذي يقف فيه الرئيس على أعتاب تحقيق هدفه المتمثل في عهد جديد من السلام في الشرق الأوسط. ويقول بومبيو إن إدارة ترامب كانت تأمل بشريك بنّاء في الحكومة السورية الجديدة، وهذا أمر مفهوم، لكن خلفية الشرع كزعيم لجماعة تابعة لتنظيم القاعدة تشير إلى ضرورة توخي الحذر.
ودعا بومبيو إلى إنشاء منطقة عازلة أو خط فاصل بين قسد والقوات الحكومية السورية، بدعم محتمل من وجود أمريكي وتحالف محدود. وكحد أدنى، ينبغي على الإدارة الأمريكية والكونغرس العمل معا لإعادة فرض العقوبات سريعا كوسيلة للضغط على الشرع. وينبغي أن تشمل الأهداف الرئيسية للعقوبات قطاع النفط السوري، والكيانات الصناعية والتجارية الأخرى الخاضعة لسيطرة الحكومة الانتقالية والقطاع المالي.
القدس العربي
—————————-
في القضية الكردية والحالة السورية/ جلبير الأشقر
للأحداث التي جرت مؤخراً في الشمال السوري، شرقي نهر الفرات على الأخص، دلالات خطيرة عدة، وذلك بالنسبة للقضية الكردية وللحالة السورية على حد سواء. فلنستعرضها باختصار بادئين بالقضية الكردية. باتت الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي السوري في ورطة حرجة، بعد أن خسرت قسماً كبيراً من المناطق التي كانت تسيطر عليها، سواء أكانت جيوباً ذات غالبية كردية وسط منطقة عربية كما في منطقة حلب، أو مناطق ذات غالبية عربية شرقي الفرات، مثل الرقّة ودير الزور. أما السبب الرئيسي في هذه الورطة، فهو تخلّي إدارة دونالد ترامب عن التحالف الذي عقدته واشنطن منذ أكثر من عشر سنوات مع القوات الكردية في حربها ضد «داعش». وقد أعلن ممثل إدارة ترامب المحلّي توم براك، بوقاحة مقززة، أن فائدة القوات الكردية كحليفة لواشنطن في الحرب ضد «داعش» قد «انتهت مدة صلاحيتها إلى حد بعيد».
هكذا تجد الحركة القومية الكردية نفسها مرة أخرى وقد ارتدّت عليها مراهنتها على حليف لا تجوز المراهنة عليه من حيث صفاته المعروفة للجميع. فإن مراهنة الحركة الكردية في شمال العراق بقيادة جماعة البارزاني على دعم شاه إيران لها في وجه الحكم البعثي، في بداية سبعينيات القرن المنصرم، أدّت إلى انهيار دفاعاتها لمّا طعنها الشاه في الظهر إثر صفقة حصل من خلالها على مبغاه من بغداد. وكانت النتيجة أن الشاه وظّفها أداة في نزاعه مع العراق حتى حقق مرماه، ثمّ ارتدّ عليها. وقد تحالفت جماعة البارزاني منذ التسعينيات مع عدو لدود آخر للشعب الكردي، هو الدولة التركية، ولن تدعم القوات التي يقودها «حزب الاتحاد الديمقراطي» في الشمال الشرقي السوري ضد تركيا وأعوانها، مثلما هي لا تدعم قوات «حزب العمال الكردستاني» المتواجدة في شمال العراق ضد الغزوات التركية التي تستهدفها. بل سوف تسعى لبسط نفوذها على الشمال السوري بمباركة أنقرة.
هذا ويجني أيضاً «حزب الاتحاد الديمقراطي» نتاج التناقض بين مبادئه المعلنة وممارسته الفعلية. ذلك أن الحزب الذي يزعم تبنّي المبادئ الأناركية التي اكتشفها زعيم «حزب العمال الكردستاني» في سجنه التركي، وتبناها حزبه من ورائه، لم يؤسس حقاً لحكم ذاتي ديمقراطي فعلي في المناطق العربية التي سيطر عليها بدعم من الولايات المتحدة شرقي الفرات، بل فرض سطوته عليها بما شعره السكان العرب المحليون تسلطاً قومياً كردياً عليهم. وهذا ما يفسّر سرعة انهيار القوات التابعة لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» في تلك المناطق، إذ فضّلت القبائل العربية المحلية إعادة الانضمام إلى الدولة السورية في ظل حكم دمشق الجديد وانتقال واشنطن من دعمها للحركة الكردية إلى دعم هذا الأخير. ولو نعمت الغالبية العربية في مناطقها بإدارة ذاتية ديمقراطية حقاً، لمن المؤكد أنها كانت سوف تحرص على الدفاع عنها لو حاول أي حكم قائم في دمشق القضاء عليها لفرض سلطته.
أما فيما يخص الحالة السورية، فلا بدّ لمن يراقب الأحداث التي جرت خلال الأشهر الأخيرة أن يلاحظ الفرق العظيم بين موقف الحكم السوري الجديد إزاء منطقة السيطرة الكردية في الشمال وموقفه إزاء الاحتلال الإسرائيلي ومنطقة الغالبية الدرزية المحاذية للجولان المحتل في الجنوب. يذكّرنا هذا الفرق بالشعار الذي أطلقته المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية في عام 1976 في وجه تدخل نظام حافظ الأسد الشرس لقمعهما، بسطاً لسيطرة دمشق على لبنان بالتوافق مع واشنطن وبضوء أخضر منها. كان الشعار: «أسد في لبنان وأرنب في الجولان»، ويمكن تطبيق مثله على مسلك نظام أحمد الشرع إذ يستأسد على الكُرد في الشمال بينما يهادن الدولة الصهيونية، بل يعقد اتفاقات أمنية معها على الرغم من أنها تحتل جزءاً استراتيجياً من الأراضي السورية منذ ما يناهز نصف قرن.
وبصرف النظر عمّا يمكن قوله في السياسة العامة اللاديمقراطية التي تنتهجها «هيئة تحرير الشام» (هتش) في سعيها لبسط سيطرتها على أراضي الدولة السورية، وقد سبق أن تناولنا هذه السياسة (أنظر «سوريا والصيد في الماء العكر»، القدس العربي، 6/5/2025) يبقى أن ثمة فرقا نوعيا من حيث مصلحة الحكم الجديد بين مدّ سيطرته إلى مناطق الغلبة العربية شرقي الفرات وحقول النفط الموجودة فيها والتي تشكل مصدراً هاماً من مصادر دخل الدولة السورية، وبين مواصلته للمعركة في سعي للقضاء على الحكم الذاتي في مناطق الغالبية الكُردية في الشمال على الرغم من أن الكلفة المحتملة بالأرواح والأموال لهذه المعركة باهظة بلا شك ولن تؤتي حكم دمشق الجديد أي فائدة جديرة بالذكر.
فالسؤال إذاً لماذا يخوض حكم «هتش» في هذه المعركة وهو بغنى عنها وأمامه أولويات سياسية واقتصادية أهم بكثير تخصّ مصلحته الذاتية، ناهيك من مصلحة البلد؟ والإجابة الجليّة هي مصلحة الدولة التركية. فإن الحكم الذاتي الكردي في الشمال الشرقي السوري هاجسٌ تركي ناجمٌ عن ارتباط ذلك الحكم الذاتي بحركة التحرّر القومي الكردية المناوئة للدولة التركية، وليس ولا يجوز أن يكون هاجساً سورياً. ولن يكون خوض حكم دمشق الجديد في تلك المعركة سوى نتاج لتبعيته للحلف التركي الأمريكي، مثلما كان نظام آل الأسد تابعاً للحلف الإيراني الروسي. أما المستفيد الرئيسي من كل ذلك فهو الحكم الصهيوني الذي تعززت قوته الإقليمية إلى حد لم يسبق له مثيل.
كاتب وأكاديمي من لبنان
القدس العربي
—————————–
أنفاق “قسد” بوصفها طبقة سيادة تحتية في شمال وشرق سوريا/ مهيب الرفاعي
الثلاثاء 2026/01/27
منذ تأسيسها، تغير معنى اللجوء إلى الأنفاق في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من مسألة تقنية مرتبطة بساحة القتال وحدها، إلى تعبير بنيوي عن طبيعة الصراع نفسه في شمال وشرق سوريا؛ إذ إنه مع انتقال مركز الثقل العسكري إلى الفضاء الجوي عبر الطيران (الطيران التركي في معارك نبع السلام ودرع الفرات وغصن الزيتون) والمسيّرات والاستطلاع المستمر، أعيد تعريف السيطرة بوصفها قدرة على تقليص الظهور لا توسيع الانتشار. وبالتالي اعتمد تنظيم “قسد” على الأنفاق كوسيط يعيد توزيع العلاقة بين الأرض والسلطة، حيث يصبح ما تحت السطح مجالًا فعليًا لإدارة القوة والقرار والحماية، وليس مجرد امتداد ثانوي للميدان.
تطور هذا الخيار كان نتاج تراكم خبرة منذ العام 2019 مع تصاعد الضغط التركي وتهديدات العمليات البرية، ثم تكريسه بعد توسع حرب المسيّرات وما رافقها من استهداف منهجي للبنية القيادية واللوجستية؛ ومع مرور الوقت، لم تعد الأنفاق إجراءً ظرفيًا مرتبطًا بجبهة محددة، بقدر ما أصبحت بنية دائمة تشي بتوقع صراع طويل وبمحدودية الرهان على التسويات السريعة.
وظيفة النفق داخل العقيدة القتالية لـ”قسد”
تتحدد وظيفة النفق داخل العقيدة القتالية لقسد ضمن بيئة تتعرض فيها الحركة فوق الأرض للرصد الفوري، ما أدى إلى إعادة تعريف مفهوم المناورة نفسه بوصفها قدرة على الانتقال بين النقاط الحيوية من دون إنتاج أثر بصري أو إلكتروني؛ إذ وفرت الأنفاق مسارًا بديلًا للحركة اليومية للقوات بين مواقع الحراسة والمقرات القيادية وداخل المدن، بطريقة تقلل الاحتكاك المباشر مع الاستطلاع الجوي وتمنح الوحدات مرونة زمنية في التحرك بدل الاندفاع القسري تحت ضغط التهديد.
ومع تصاعد الضربات الدقيقة أصبحت حماية القيادة مسألة مركزية في بقاء أي قوة مسلحة، فأتاحت الأنفاق بيئة محمية نسبيًا لإدارة العمليات وتخزين الموارد الحساسة واحتضان غرف قيادة وسيطرة قادرة على الاستمرار في أثناء القصف، بما يتجاوز الحماية الفيزيائية إلى بعد رمزي يتعلق باستمرارية القرار؛ حيث تتحول القدرة على العمل تحت الضغط إلى عنصر ردع معنوي قائم بذاته. في جغرافيا مفتوحة مثل شرق سوريا يختلف الاستخدام الهجومي للأنفاق عن النماذج الكثيفة في البيئات المحاصرة، فتبرز بوصفها وسيلة تمهيد أو اقتراب آمن من خطوط التماس أكثر من كونها مسار اشتباك طويل؛ ليتركز استخدامها في تحقيق مفاجأة تكتيكية قصيرة الأمد أو تجاوز نقاط مراقبة ثابتة، بما يمنحها قيمة عملياتية محدودة ودرجة حساسية سياسية وإعلامية مرتفعة.
مع امتداد المعارك مع الجيش السوري منذ كانون الأول/ديسمبر 2025، تداخل العسكري بالاقتصادي على نحو يصعب فصله، فتحولت بعض شبكات الأنفاق إلى مسارات دعم لوجستي أو اقتصادي عبر تخزين الوقود والمواد أو تسهيل حركة موارد ضمن اقتصاد الحرب المحلي، وهو تداخل لا يختزل الأنفاق في وظيفة تهريب، لكنه يوضح كيف تتحول البنية التحتية العسكرية إلى أصل متعدد الاستخدامات داخل منظومة حكم أمر واقع.
تأتي هذه الوظائف جميعًا ضمن منطق أوسع يجعل النفق تعويضًا بنيويًا عن اختلال ميزان القوة في شمال وشرق سوريا، حيث لا يرتبط الاختلال بتفاوت العدد أو التسليح فقط، بل بحيازة طرف واحد تقريبًا لهيمنة جوية شبه كاملة وتغطية نارية بريةكثيفة ( مدفعية وراجمات صواريخ ومشاة) ، ما يجعل التكيف مع التفوق الناري للجيش السوري أولوية تتقدم على أي تصور هجومي واسع؛ فتعمل الأنفاق كآلية تعويضية تعيد توزيع المخاطر عبر تحويل الحركة المحدودة فوق الأرض إلى شبكة مرنة تحتها واستبدال الانتشار الظاهر بالتموضع العميق. يفسر هذا التحول تمسك قسد بخيار التحصين تحت الأرض بوصفه شرط بقاء في ظل تكرار الضربات التي استهدفت قيادات وبنى خدمية وعسكرية، بينما ينظر الخصوم إلى هذا الخيار بوصفه دليلًا على نية الاستمرار في الصراع وعدم الرغبة في التسليم والالتزام بالاتفاقيات، ما يعزز دائرة التصعيد المتبادل ويغذي خطاب العمليات الوقائية.
الجغرافيا والهندسة ودورهما في تشكيل شبكة الأنفاق
تعمل الجغرافيا والهندسة في شرق سوريا ليس كخلفية محايدة لشبكات الأنفاق، بقدر ما هي عامل تأسيسي يُحدد شكلها ووظيفتها وحدود جدواها منذ لحظة الحفر الأولى؛ على اعتبار أن الأرض هناك تتسم بفضاءات مفتوحة وأطراف مدن وقرى متناثرة وخطوط تماس طويلة بالإضافة إلى وجود كثافة أبنية كما في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، ما يفرض على الأنفاق أن تكون أقل استعراضًا وأكثر انتقائية، تُبنى عادة على هيئة جيوب ومسارات قصيرة إلى متوسطة تتصل بعقد محددة بدل شبكة متصلة شاملة، لأن اتساع الأرض يرفع كلفة الإخفاء ويزيد عدد نقاط الانكشاف المحتملة.
تلعب طبيعة التربة دورًا حاسمًا، إذ تفرض التربة الطينية والرملية في كثير من مناطق الجزيرة والفرات شروطًا مختلفة للعمق والتدعيم مقارنة بالمناطق ذات الطبقات الأكثر تماسكًا ( كما في احياء حلب و ريف حلب)، فالتربة غير المستقرة تدفع إلى أعماق محسوبة وتدعيم متكرر باستخدام أخشاب أو هياكل معدنية أو خرسانة موضعية، وتحد في المقابل من إمكان إطالة المقاطع من دون مخاطر انهيار أو تشققات تترك آثارًا سطحية قابلة للرصد؛ بينما يسمح وجود طبقات أكثر تماسكًا في بعض الأطراف أو المرتفعات القريبة بإنشاء غرف أو ممرات أكثر ثباتًا.
لكن مع تعقيد أكبر في الحفر والضجيج والوقت، يزداد العامل الهندسي حساسية حين يكون النفق قريبًا من المدن أو المخيمات أو المنشآت الحيوية مثل الأفران والسدود والمشافي ومحطات الكهرباء والطرق الرئيسية، لأن القرب يضيف وظيفة مزدوجة تتعلق بالحماية والتمويه في آن واحد، وفي الوقت نفسه يضاعف حساسية الاستهداف، حيث يتحول أي كشف أو تدمير إلى حدث ذي أثر مدني مباشر وإلى مادة سياسية وإعلامية تتنازعها الروايات المتقابلة. ومع ذلك فإن الفارق الجوهري في شرق سوريا يتعلق بالجدوى الاستراتيجية ذاتها، فالأنفاق هنا تميل إلى أداء دور امتصاص الضغط وحماية القيادة وتخفيف أثر الهيمنة الجوية وتسهيل الحركة منخفضة البصمة داخل نطاقات محددة، أكثر مما تؤدي دور إنشاء فضاء قتال كامل تحت الأرض، وهو ما يجعل قرار بنائها محكومًا بمعادلة دقيقة بين الكلفة والعائد، لأن العائد العسكري غالبًا تكتيكي ومرتبط بالاستمرار وتقليل الخسائر. على الطرف المقابل، تكون الكلفة السياسية أعلى بكثير عند انكشاف المداخل أو توظيف وجودها في خطاب الخصوم ( الجيش السوري) لتوسيع شرعية الضربات أو تشديد شروط التفاوض، فتتحول الهندسة من مسألة تقنية إلى مسألة سيادية، ويصبح شكل النفق وموضعه وعمقه جزءًا من صراع على تعريف المكان ومن يملك الحق في التحكم بما تحته كما بما فوقه.
القيادة والسيطرة داخل الفضاء تحت الأرض
من أهم مكاسب الأنفاق تعزيز استمرارية القيادة والسيطرة خلال الضربات، حيث توافر بيئة أقل عرضة للتشويش والاستهداف المباشر. غرف التحكم تحت الأرض تسمح بإدارة العمليات ومراقبة الجبهات والتواصل بين الوحدات، ما يمنح القيادة هامشًا زمنيًا لاتخاذ القرار في ظروف الضغط.
في المقابل، يخلق هذا النمط من القيادة نقاط هشاشة جديدة. الاعتماد على مداخل ومخارج محدودة يجعل الشبكة عرضة للعزل أو التعطيل في حال كشف هذه النقاط. لذلك تركز عمليات مكافحة الأنفاق على تعطيل العقد الأساسية بدل التعامل مع الشبكة بكاملها، وهو ما يحول الأنفاق من ميزة حماية إلى نقطة اختناق محتملة.
أما بالنسبة لمواجهة الأنفاق في شمال سوريا تتجاوز الإطار العسكري الصرف لتتحول إلى معركة متعددة المستويات. على المستوى التقني، يجري الاعتماد على الاستطلاع البشري وتحليل التربة ومراقبة الأنماط السلوكية لاكتشاف الشبكات وتعطيلها. على المستوى العملياتي، تفضَّل استراتيجيات الإغلاق والعزل على الدخول المباشر لما تحمله من مخاطر عالية.
على المستوى السياسي، تتحول مكافحة الأنفاق إلى أداة لإعادة تعريف الشرعية؛ فكل شبكة مكتشفة تُستخدم لتبرير التصعيد أو لتثبيت سردية تهديد مستمر، فيما تُهمَّش في الغالب الكلفة المدنية الناتجة عن هذه العمليات… بذلك تصبح الأنفاق جزءًا من معركة الرواية بقدر ما هي جزء من معركة السيطرة.
الاقتصاد وكلفة البقاء تحت الأرض
تبقى الكلفة التقديرية للأنفاق في النزاعات غير النظامية ( حروب دول لدول ، و ليس حرب دولة مع جماعة متمردة) مبنية على مؤشرات هندسية وتقنية وعلى قرائن تشغيلية أكثر مما تُبنى على دفاتر مالية شفافة لا سيما في ظل حديث أميركي حول سحب قسد مبالغ مالية طائلة لم يعرف مصيرها التشغيلي سوى معلومات انها تستخدم لقتال تنظيم داعش.
في حالة أنفاق قسد، تقع الأنفاق في مساحة وسطى بين شبكات قصيرة تكتيكية تُصمَّم لخدمة حركة محدودة خصوصًا أنفاق مدينة حلب، وبين أنظمة أطول شبه دائمة تُدار كجزء من بنية بقاء، ما يجعلها أكثر تعقيدًا من الملاجئ الميدانية البسيطة وأقل قابلية للاتساع الأفقي من الشبكات الكثيفة في البيئات الأشد انغلاقًا. بحسب المشاهدات، لا يعتمد النمط الغالب في شرق سوريا على نفق واحد متصل يمتد لعشرات الكيلومترات، وإنما على شبكات مجزأة تتألف من مقاطع يتراوح طول الواحد منها بين مئة متر وعدة كيلومترات، ترتبط عبر نقاط وسيطة ومخارج متعددة داخل أحياء أو منشآت أو مناطق شبه مفتوحة و بأعماق متباينة، وفي بعض المناطق الحساسة عملياتيًا مثل أطراف المدن ومحاور التماس قد يصل إجمالي الشبكة داخل نطاق جغرافي محدود إلى أكثر من عشرة كيلومترات موزعة أفقيًا وعموديًا، وهذا التصميم يقلل مخاطر الانهيار الشامل ويحد من أثر اكتشاف جزء من الشبكة، لكنه يرفع الكلفة الإجمالية بسبب تكرار نقاط التدعيم والتهوية والربط بدل الاستثمار في ممر واحد منخفض الكلفة النسبية لكل متر.
تتحدد الكلفة الهندسية للمتر الطولي ضمن نطاق واسع يتراوح تقريبًا بين ألف وخمسة آلاف دولار أميركي تبعًا لتداخل عوامل عديدة، أبرزها نوع التربة وعمق الحفر ومقدار التدعيم وانماط البناء المستخدمة والخدمات (مشافي، مقرات تدريب، مكاتب، غرف راحة، مخازن أسلحة ، مرآب سيارات)، فالتربة الطينية أو الرملية غير المستقرة تفرض تدعيمًا كثيفًا بأخشاب أو هياكل معدنية أو خرسانة مسبقة الصب، ما يرفع الكلفة مقارنة بطبقات أكثر تماسكًا. كما أن زيادة العمق تفرض تدعيمًا أقوى وأنظمة تهوية أكثر تعقيدًا وتزيد زمن الحفر وتكلفة الإخفاء، وفي شرق سوريا حيث التربة غالبًا غير صخرية ( ما عدا في بعض المناطق المرتفعة) بالكامل وحيث تُفضّل الأعماق المتوسطة لتقليل مخاطر الانهيار وتقليص مؤشرات الرصد الحراري يمكن تقدير كلفة وسطية للمتر الواحد بنحو ألفي إلى ثلاثة آلاف دولار تشمل الحفر والتدعيم الأساسي دون احتساب التجهيزات التقنية الأعلى.
غير أن الجزء الأكثر استنزافًا يتشكل لاحقًا ضمن الاقتصاد اللوجستي لأن اللوجستيات تُدار ككلفة تشغيل وصيانة لا كدفعة واحدة، فالتهوية تمثل شرط بقاء يومي داخل الأنفاق عبر مراوح وقنوات هواء قد تبدو بدائية في المقاطع القصيرة لكنها تصبح أكثر تعقيدًا حين تتضمن الشبكة غرف قيادة أو تخزين أو إقامة طويلة، والكهرباء تمثل شرط تشغيل يتجاوز الإضاءة إلى تشغيل أجهزة اتصال ومراقبة وأحيانًا مضخات مياه، سواء عبر مولدات صغيرة أو تمديدات مرتبطة بشبكات مدنية قريبة، ما يضيف كلفة تشغيل شهرية قد تتراوح بين عدة آلاف وعشرات الآلاف من الدولارات حسب حجم الشبكة وعدد المستخدمين ونمط الاستخدام.
الأهم هو شبكة الاتصالات بوصفها العمود الفقري للقيادة والسيطرة داخل المساحة تحت الأرض عبر خطوط سلكية وشبكات داخلية بديلة عن الاتصالات اللاسلكية المكشوفة، وهي غالبًا تُبنى بوسائل محلية لكنها تتطلب خبرة تقنية ومعدات يصعب تعويضها بسرعة في حال التعطل. ثم تظهر إدارة المياه والرطوبة كحالة صيانة دائمة في الأنفاق متوسطة العمق، خاصة قرب مجاري مائية أو مناطق ذات منسوب مياه جوفية متغير، ما يستدعي قنوات تصريف ومضخات دورية وصيانة مستمرة للجدران والأرضيات، وقد توازي كلفة الصيانة التراكمية خلال سنوات الاستخدام كلفة الحفر الأولي في بعض الحالات، وهو ما يجعل الأنفاق مشروعًا طويل الأمد يرتبط بتوقع استمرار التهديد أكثر مما يرتبط برد فعل مؤقت.
وعند جمع كلفة الحفر والتدعيم والتجهيز والتشغيل يمكن تقدير أن شبكة تكتيكية بطول إجمالي يتراوح بين كيلومترين وخمسة كيلومترات قد تتطلب استثمارًا أوليًا يتراوح بين خمسة ملايين وخمسة عشر مليون دولار تبعًا لمستوى التدعيم ونوعية التجهيزات وعدد العقد والمخارج، مع بقاء الكلفة التشغيلية السنوية خارج هذا الرقم وقد تصل إلى مئات آلاف الدولارات إذا كانت الشبكة مستخدمة بشكل دائم من وحدات قيادة أو تشكيلات كبيرة. تكشف هذه الصورة المالية أن الأنفاق تفرض على أي قوة مسلحة إعادة ترتيب أولوياتها بحيث تتحول من بند طارئ إلى استثمار استراتيجي طويل الأجل يمتص الموارد ويعيد توجيهها نحو البقاء وتقليل الانكشاف، بينما تتنوع مصادر التمويل بين موارد محلية واقتصاد حرب ودعم خارجي غير مباشر؛ الأمر الذي يجعل الأنفاق جزءًا من معادلة الإنفاق الاستراتيجي داخل منظومة حكم أمر واقع، ومع مرور الوقت تترك هذه الخيارات أثرًا على طبيعة التنظيم نفسه عبر تضخم ثقل البنية الدفاعية مقارنة بالقدرة على المبادرة السياسية، فتتعزز عقلية التحصن وتزداد كلفة العودة إلى منطق التسوية لأن البنية التحتية تحت الأرض تصبح في حد ذاتها تعبيرًا ماديًا عن توقع صراع طويل ورفض المخاطرة بالظهور.
تكتيكات معارك الأنفاق
في حال حدوث معارك داخل الأنفاق، فإنها تختلف تكتيكيًا لأن القتال تحت الأرض يضغط الاشتباك إلى مسافة قصيرة وزمن ردّ فعل ضيق، ويحوّل كل متر إلى معضلة رؤية وسمع واتصال و خطر الردم او الإغراق او الحصار، او الضياع في متاهة الشبكة بسبب عدم وجود خريطة. تتراجع هنا القيمة المباشرة لتفوق سلاح الجو و المسيرات والمدفعية، بفعل انقطاع خط النظر وتبدّل طبيعة الأهداف، فيما يرتفع وزن الاستخبار البشري و استخدام الروبوتات الحربية والهندسة والسيطرة على المداخل وإدارة الوقت كعناصر حاسمة في حسم الكلفة قبل حسم النتيجة.
هنا تتبدّل قواعد المناورة نفسها لأن الالتفاف على العدو ( على الطرفين) يتحول إلى وظيفة شبكية تُدار عبر عقد ومسارات فرعية ونقاط اختناق ونقاط ضياع داخل الشبكة بدل أن يكون حركة واسعة على سطح الأرض، ومن هنا تظهر أنماط تكتيكية شائعة أبرزها ميل القوى إلى منطق العزل والتحكم والإغلاق أكثر من منطق التوغل؛ بحيث يصبح الهدف خنق الشبكة عبر التحكم بالمداخل والمخارج وتقسيمها إلى جيوب ثم التعامل مع كل جيب على حدة. يقلل هذا المنطق الذي اعتمده الجيش السوري في كشف انفاق قسد المخاطر ويستثمر الضعف البنيوي لأنفاق التنظيم المرتبط بعدد محدود من نقاط النفاذ ( من مطبخ او من مقبرة أو من محل تجاري أو تحت مشفى)، ويتصل بذلك نمط تقطيع الشبكة إلى قطاعات عملياتية تُدار كخريطة قطاعات لا كممر واحد، بحيث يمتلك كل قطاع عقدًا ومسارات فرعية ونقاط اختناق.
تتحول المعركة إلى سباق على السيطرة المعنوية والمادية على هذه العقد لأنها التي تحدد اتجاه الحركة وتمنع انتقال الدعم بين أجزاء شبكة الأنفاق، ثم يبرز عامل الضباب المعلوماتي بوصفه الخطر الأكبر لأن الجهل ببنية المكان يرفع تكلفة أي حركة، فيصبح انتاج المعرفة ورسم الخرائط تدريجيًا جزءًا من المعركة نفسها، فأي طرف يقلل المفاجآت المكانية يرفع فرص السيطرة، وأي طرف يبقى أعمى داخل الشبكة يدفع كلفة عالية حتى مع امتلاكه قوة نارية أكبر فوق الأرض.
يكون الاشتباك في أنفاق “قسد” في حال عدم الانسحاب ورغبة الجيش السوري في التمشيط متقطّعًا تحكمه لحظات الرصد وتحديد الموقع، لذلك تصبح الغلبة كثيرًا لمن يملك السيطرة على الإيقاع الزمني بحيث يبطّئ المعركة، يرهق الخصم، ويجبره على الانكشاف بدل حسم سريع. دفاعيًا ، تعمل الشبكات وفق تكتيك دفاع متعدد الطبقات يراكم التأخير ويجعل كل تقدّم مكلفًا زمنيًا، ولامركزية توزّع تشمل القيادة والتخزين والراحة لتقليل أثر أي كشف جزئي، وتكتيك مرونة وظيفية تعيد توظيف المسارات بحسب اللحظة سواء حماية أو مناورة أو تعطيل لرفع الغموض وإرباك قراءة النوايا.
يتجلّى هذا النمط بوضوح في تجربة الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، حيث لم تُبنَ الأنفاق بوصفها أداة اختراق هجومي مباشر، بل كـ بنية صمود حضري داخل بيئة مطوّقة ناريًا؛ إذ أدّت الشبكات دورًا مزدوجًا من خلال تجنّب تفوق الجيش السوري الناري والمرئي عبر نقل الحركة والتموضع تحت الأرض، وثانيًا إدارة الإيقاع القتالي من خلال الدفاع الطبقي واللامركزية، بحيث يتحوّل أي تقدّم فوق الأرض إلى عملية بطيئة مُكلفة زمنيًا. لم يكن الهدف الظهور المفاجئ بقدر ما كان منع الحسم، وإطالة أمد السيطرة عبر الرغبة باستنزاف المقاتلين السوريين نفسيًا وعملياتيًا، مع مرونة في إعادة توظيف المسارات بين حماية ومناورة وتعطيل. وفي المقابل، كشفت محاولات المكافحة أن الصدام داخل الشبكة أقل جدوى من عزل المداخل وضرب اعتمادات التشغيل (التهوية، الاتصال، نقاط الوصول)، ما جعل المعركة في حلب كما في الشمال والشرق لاحقًا معركة هندسة وسياسة إيقاع بقدر ما هي معركة نار.
الأنفاق بين السياسة والقانون والتفاوض
نقرأ وجود بنية عسكرية تحت الأرض بوصفه تحدّيًا سياديًا مباشرًا يمس تعريف الحيز العام وحدود السلطة؛ إذ إنه من يملك حق تنظيم ما تحت الأرض، وكيف تُعرَّف السيادة عندما تكون السيطرة فوق الأرض موزعة أو ناقصة أو خاضعة لترتيبات أمنية انتقالية. هنا يصبح النفق ليس مجرد ممر، بل مساحة حكم غير مرئية و غير متحكم بها من قبل الجيش السوري، تُنتج واقعًا من ازدواجية السلطة بين دولة تدّعي الاحتكار وفاعل محلي يمتلك قدرة تشغيل وبقاء خارج السطح وخارج الرقابة التقليدية.
في أي مسار تفاوضي أو مشروع دمج بين قسد والدولة السورية، تتحول الأنفاق إلى مؤشر على طبيعة العلاقة أكثر مما هي أداة عسكرية بحتة؛ فهي تمنح قوة تفاوضية لأنها ترفع كلفة الاقتحام وتزيد عدم اليقين وتُعقّد فكرة الحسم السريع، ما يخلق هامشًا لفرض شروط أو كسب وقت أو حماية مراكز ثقل حساسة. تطلب الحكومة السورية في هذه الاتفاقات الانسحاب من الأنفاق لتسليمها أصولًا إلى الجيش السوري ليتعامل معها وفق مبدأ إدارة المخاطر، و متابعة تطورها و تحولاتها بطريقة تمنع حدوث كوارث على المدى البعيد لا سيما تلك الانفاق تحت الأحياء السكنية في حلب و ريف حلب؛ ع التشديد على تسليم الخرائط و الأكواد الخاصة ببناء المنشآت تحت الأرض.
لكنها في المقابل تُستخدم فورًا كحجة قانونية وأمنية لتشديد الشروط، عبر ربطها بمنطق احتكار العنف وتنظيم السلاح والالتزام بمعايير النزع والتحقق ضمن أي تسوية؛ لتصبح الأنفاق أداة سياسية قد تحمي موقعًا تفاوضيًا مؤقتًا وتمنع الانهيار الميداني، لكنها تفتح الباب أمام مطالب تفكيك جذرية ومراقبة صارمة، وتمنح خصومها سردية جاهزة عن بنى موازية تهدد السيادة والأمن العام، ما يجعل ملف الأنفاق جزءًا من معادلة التفاوض نفسها لا مجرد بند تقني في نهايتها.
المدن
—————————————
هل هي الخيانة.. أم سوء التقدير السياسي؟/ فيصل علوش
27 يناير 2026
تعالت أصوات كثيرة، وخصوصًا في الأوساط الكردية السورية، تتهم واشنطن بـ”خيانة الأكراد وبيعهم لمصلحة الآخرين”، وذلك إثر التطورات المتسارعة التي شهدها شمال شرقي سوريا خلال الأسبوعين الفائتين، وسيطرت خلالها القوات الحكومية على مساحات واسعة من المناطق التي كانت تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وانهيار تجربة الإدارة الذاتية (الكردية) التي استمرت نحو عقد من الزمن، تاليًا، فما جرى سينطوي، في المستقبل القريب على الأرجح، على انسحاب “قسد” التدريجي من المشهد كقوة مستقلة، ودمج عناصرها في مؤسسات الدولة بشكل فردي وليس كقوة مستقلة.
نحن هنا، في الواقع، إزاء محاولة للتنصل من المسؤولية وإلقائها على طرف خارجي، وهذا يتطلب إعادة ترتيب الأحداث والوقائع وقراءتها على النحو الصحيح، لتحديد المسؤوليات بكل جرأة ووضوح، بعيدًا من النزوع الغريزي لإعفاء النفس من المسؤولية، كما يحلو لأنصار قيادة “قسد” الكردية أن يفعلوا، على رغم أن بعضهم كان أشار إلى “قلق كردي” من حدوث هذه “الخيانة” المزعومة منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي، ولكن من دون أن يسأل نفسه، أو القيادة الكردية المعنية، عمّا فعلوه لتجنب مفاعيل هذه الخيانة المحتملة؟
ما ورد على لسان المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك، حول أن الدور الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية، “قد انتهى”، لم يكن وليد لحظته، بل جاء تتويجًا لمسار سياسي ابتدأ منذ سقوط الحكم الأسدي ووصول الإدارة الجديدة إلى دمشق، ومرّ بمحطات عديدة أبرزها زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن ولقائه بالرئيس ترامب في البيت الأبيض، ومن ثم رفع العقوبات الأمريكية والغربية عن سوريا، بما فيها العقوبات المتصلة بقانون قيصر، وصولًا إلى انضمام دمشق إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. وهي كلها محطات لم تتعامل معها القيادات الكردية السورية بشكل جدي، أو لنقل بأنها لم تبنِ على الشيء مقتضاه، كما يقال في الفلسفة.
ضرورة المكاشفة والمصارحة
وإذا أردنا درجة أعلى من المكاشفة والمصارحة، لتوجب علينا أن نقول إنه على مدار العام الماضي، أخطأت قيادة قوات سوريا الديمقراطية، ومن يقف خلفها، في حساباتها السياسية وأساءت قراءة الوقائع والإشارات المتتالية، وفي مقدمها قيام حكم سوري جديد يسعى إلى خطب ود واشنطن، فضلًا عن الاحتضان العربي والإقليمي والدولي لهذا الحكم، وانتقال سوريا الجديدة من الاعتماد على “المحور الشرقي” إلى “المحور الغربي”، بما فيه انضمام دمشق إلى “التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب” بقيادة واشنطن، وانعكاس ذلك كله على علاقة الولايات المتحدة مع “قسد”، لجهة عدم الاعتماد عليها كشريك سوري حصري في محاربة “تنظيم الدولة الإسلامية”، بل ولربما وصل الأمر إلى حدّ أن استمرار دعم “قسد” أصبح عبئا سياسيًا أكثر منه مكسبًا، بالنسبة لإدارة ترامب.
وقد أكدت تصريحات المسؤولين الأميركيين المتواترة على رهانهم على السلطة الجديدة وعلى مستقبل سوريا كدولة موحدة، وتعزيز سلطة الدولة السورية وشرعيتها، بما فيه دعم الاقتصاد السوري ورفع العقوبات وفتح الأبواب الدولية أمام سوريا. وقد شدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير مرة على ضرورة أن تكون سوريا موحدة مستقرة ومزدهرة اقتصاديا، فضلا عن التنسيق السوري الأمريكي في ملف مكافحة المخدرات، والتصدي للنفوذ الإيراني.
وفي هذا الصدد، علينا أن نشير إلى أن “قسد”، وفي سياق محاربتها لـ”داعش”، قد تمدّدت كثيرًا وسيطرت على محافظات ذات أغلبية عربية وليس كردية، وإذا كان هذا الأمر قد شكّل عامل قوة لها في فترة سابقة، فإنه قد تحول إلى ضده في الآونة الأخيرة، وهو الأمر الذي لم تأخذه “قسد” بعين الاعتبار أيضًا، إذ أنّ كثيرًا من أبناء العشائر والقبائل العربية الذين انضموا إليها، في إطار الحرب ضد “داعش” وبكونها سلطة أمر واقع في أراضيهم، سارعوا إلى الانشقاق عنها والسيطرة على المرافق الحيوية، بما فيها بعض حقول النفط والغاز، ما إن تحركت القوات الحكومية للاستيلاء على محافظتي الرقة ودير الزور.
اتفاق العاشر من آذار
وهنا علينا أن نتذكر أن الولايات المتحدة هي التي توسطت، منذ البداية، في اللقاءات بين الأكراد والسلطة السورية، وصولًا إلى توقيع اتفاق العاشر من آذار/ مارس، بين الرئيس الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، لدمج هيئات الإدارة الذاتية المدنية والعسكرية في مؤسسات الدولة السورية، على أن يتم التوصل إلى ذلك قبل نهاية العام الماضي. وما يهمنا هنا هو التنويه إلى أن الإدارة الأميركية أرادت حل “قسد” ودمجها في الدولة السورية، على نحو يتيح لها الظهور بأنها لم تتخلَ عنها ولم تتنكر لمساعدتها، في وقت تسعى فيه إلى تقليص التزاماتها في سوريا وسحب قواتها، حيث أعلنت أنها لا تخطط لبقاء طويل لقواتها في هذا البلد. لكن المفاوضات بين الجانبين تعثرت، وتبادل كل منهما الاتهامات بشأن عدم الجدية والرغبة في التوصل إلى حلول وسط ومقبولة.
وفي كل الأحوال، وإذا صح ما تداولته الأخبار بصدد العرض السابق الذي قدمته دمشق للمسؤولين الأكراد ويقضي بالموافقة على دمج ثلاث فرق من قوات “قسد”، وكتيبتين أخريين في الجيش السوري، مع منح منصب نائب وزير الدفاع لقائدها مظلوم عبدي، وذلك قبل أسابيع قليلة من بدء التطورات الأخيرة، أقول إذا صح ذلك، فيمكننا الوقوف على حجم الخسارة التي لحقت بالأكراد جراء تعنت قيادتهم ورهاناتها الخلبية، فما هو مطروح الآن، في أحسن أحواله، هو إدماج عناصر “قسد” كأفراد ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، وليس على أساس جماعات تتمتع بأية خصوصية. صحيح أن الباب مازال مفتوحًا على حلول سياسية، ولكن على نحو موارب وضمن سقف زمني محدد، مع تشديد دمشق على أنه “لا يمكن القبول بوجود أي قوة عسكرية أو أمنية خارج مؤسسات الدولة الرسمية”.
الدور التركي
مؤكد أن تركيا لعبت دورًا حاسمًا في التحول السياسي والعسكري آنف الذكر، وخصوصًا أنها تعتبر “قسد” امتدادًا لحزب العمال الكردستاني الـ (pkk)، المصنف كمنظمة إرهابية لدى أنقرة وواشنطن وغيرهما من العواصم الغربية. وقد أسهم التفاهم القائم بين أنقرة وواشنطن، (على خلفية “الكيمياء المشتركة” بين الرئيسين؛ ترامب وأردوغان)، وتلاقي المصالح السورية والتركية والأميركية حول الملف الكردي في تسهيل المهمة أمام الحكومة السورية، في وقت لا يمكن للولايات المتحدة أن تضحي بعلاقتها مع تركيا، على مذبح علاقتها مع “قسد”، بالنظر إلى حاجتها الماسة لأنقرة في ملفات مهمة؛ مثل الحرب في أوكرانيا، ومستقبل الناتو، والنفوذ في البحر الأسود والقوقاز.
ولا نجانب الصواب حين نقول بأنه كان على القيادة الكردية أن تلحظ ذلك أيضًا، وربما كان يقع على عاتقها المبادرة إلى توسيع نطاق دعوة زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، الفصائل الكردية المسلحة إلى القاء السلاح ــ بدلًا من اعتبار نفسها غير معنية بهذه الدعوة ــ والبحث عن حلول سياسية مع الدولتين السورية والتركية، لأنه إذا ما قيض لمثل هذه الدعوة (المبادرة) النجاح، فإنها قد تسدل الستار على حقبة طويلة من الصراعات الداخلية في المنطقة، وتفتح، في المقابل، آفاقا جديدة ذات ملامح مختلفة تماما عما سبق، وبما يفسح في المجال أمام سحب ورقة التلاعب أو التأثير في الملف الكردي من قبل قوى إقليمية أخرى، وخاصة إسرائيل التي باتت جزءًا من الملف السوري الداخلي عبر تدخلها في أكثر من ملف من الملفات الحساسة في سوريا.
قد يرى البعض أن لوم القيادة الكردية في هذا الوقت، يخدم الإدارة السورية ويصب في مصلحتها، وفي الواقع ليس هذا هو هاجس كاتب هذه السطور، إنما يحركه هاجس الابتعاد عن الحروب والاقتتال، فنحن أحوج ما نكون إلى بناء جسور الثقة بين السوريين، وإلى الحوار واختبار إمكانيات الحلول السياسية لاحتواء التناقضات والصراعات فيما بينهم، ليس لأنها تضع الإنسان السوري المتعب والمنهك في صلب اهتمامها، وتؤسس لمرحلة من الأمن والاستقرار المستدامين في البلاد فحسب، بل لأنها تقلّص أيضًا هوامش المناورة والتدخلات أمام القوى الخارجية، وهو ما علينا أن نسعى إليه جميعًا.
الترا سوريا
——————————
حين يُهزَم الداخل قبل الجبهات: قراءة نقدية في فشل الإدارة وسياسة الهروب إلى الخارج../ خليل حسين
يناير 28, 2026
لا يمكن مقاربة فشل «قسد» في الدفاع عن المناطق التي سيطرت عليها من خلال اختزاله في عاملٍ خارجي واحد، أو تحميله لطرفٍ بعينه، كما تفعل اليوم أصواتٌ عربية وكردية على السواء، تُلقي باللائمة كاملة على الإدارة الأميركية، وكأنّ ما جرى كان مفاجأة أو خيانة طارئة. هذا الخطاب، رغم اختلاف دوافعه، لا يخرج عن كونه محاولة للهروب من مواجهة الحقيقة، وتبرئة الذات من مسؤولية تراكمت على مدى سنوات.
فالولايات المتحدة، مهما كان حجم نفوذها أو التزاماتها، لم تكن يوماً بديلاً عن إدارة رشيدة، ولا ضمانة دائمة للاستقرار. التعويل المطلق عليها، من دون بناء شرعية محلية حقيقية أو منظومة حكم تشاركية، كان خياراً سياسياً خاطئاً تتحمّل «قسد» مسؤوليته قبل غيرها، كما تتحمّل القوى التي صمتت عنه أو برّرته نصيبها من الفشل.
لقد أظهرت التجربة أن الخلل لم يكن عسكرياً بحتاً، بل كان في جوهره سياسياً وإدارياً. فمنذ اللحظة الأولى، اختارت «قسد» إدارة المناطق بعقلية الإقصاء، فهمّشت القوى الكردية الأخرى، وأقصت المكوّن العربي عن مواقع التأثير وصنع القرار، مكتفية بإشراك شكلي لا يعكس شراكة حقيقية. هذا النهج أنتج فجوة عميقة بين السلطة والمجتمع، وكرّس شعوراً واسعاً بالاغتراب واللاانتماء، ما أفقد تلك المناطق أي حاضنة اجتماعية قادرة على الصمود ساعة الاختبار.
وإلى جانب ذلك، فشلت الإدارة في تقديم نموذج مقنع للحكم، سواء على المستوى الاقتصادي أو الخدمي. لم تشهد المناطق الخاضعة لسيطرتها تحسّناً ملموساً في مستوى المعيشة، ولا استثماراً جدياً للموارد المتاحة في مشاريع تنموية تخلق الاستقرار وتربط الناس بأرضهم. وبدلاً من ذلك، جرى توجيه جزء كبير من الإمكانات نحو خيارات عسكرية ضيقة، مثل حفر الأنفاق، من دون رؤية استراتيجية واضحة، ومن دون الاستفادة من دروس تجارب قريبة ومكلفة، كتجربة حزب العمال الكردستاني في تركيا بين عامي 2013 و2015، أو حتى تجارب حركات أخرى كحماس وحزب الله، حيث لا تُختزل الأنفاق في كونها بديلاً عن الشرعية أو عن الحاضنة الشعبية.
إنّ المواقف التي تُحمِّل الخارج كلّ المسؤولية لا تقل خطورة عن السياسات التي قادت إلى الفشل ذاته. فهي تُعيد إنتاج الوهم نفسه، وتؤجّل أي مراجعة جدية، وتمنع الاعتراف بأن ما سقط لم يكن فقط خطوط دفاع، بل نموذج إدارة كامل. أما الأصوات التي تبرّر هذا الأداء أو تصمت عنه، فهي شريكة في النتيجة، لأنها اختارت الاصطفاف الأعمى على حساب النقد والمساءلة.
في المحصّلة، لم يكن ما جرى قدراً محتوماً، ولا مؤامرة صرفة، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من سوء التقدير، وغياب الشراكة، وإدارةٍ لم تفهم أن القوة الحقيقية لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بالعدالة، والتمثيل، وكسب ثقة الناس قبل أي شيء آخر.
السفينة
———————-
الدولة المركزية والسلطة اللامركزية/ غسان المفلح
يناير 28, 2026
حتى تكون الدولة حيادية يجب أن تتمتع بالسيادة على كامل المساحة الجغرافية للبلد المعني، لهذا، ببساطة، لا تكون الدولة لامركزية. الدولة حيادية تجاه مواطنيها ومكوناتها المختلفة سواء أكانت إثنية أم دينية أم طائفية، هذه النقطة لا تزال تواجه لبساً في فهم الكثير من القضايا الإشكالية التي تخص دولاً فيها هذا التنوع كسوريا. أهم هذه الإشكاليات هي توزيع سيادة الدولة العليا كمعبِّر عن وحدة البلد، سيادة الدولة لا توزع، بل السلطة المنتخبة.
السلطة متغيرة والدولة ثابتة من حيث السيادة العليا على البلد، الدولة ليست أشخاص السلطة أي سلطة، ليست حزباً، ليست عقيدة أو أي أيديولوجيا، ليست ديناً أي دين، وليست طائفة أو إثنية، الدولة هي هيئة اعتبارية حيادية تجاه المواطنين والأديان والطوائف والإثنيات والأحزاب والعقائد، ولا تقبل القسمة على أحد، لهذا، الدولة وسيادتها مركزية.
في العالم عدة تجارب مهمة تجدر الاستنارة بها: أميركا، كندا، بريطانيا، الهند، إيطاليا، إسبانيا، وسويسرا. كثير من الدول أخذت بمبدأ اللامركزية في دستورها، لكن كلها تشير إلى أن اللامركزية هي توزيع السلطة على المناطق أو الأقاليم، وليس الدولة وحياديتها. في هذه التجارب كلها هنالك تقاطع مركزي هو: مركزية الدولة الحيادية فيما يتعلق بالسيادة العليا خارجياً وداخلياً.
الدفاع والأمن والسياسة الخارجية هي التي تضمن مركزية الدولة وحياديتها، ما تبقى من السلطات التي تتعلق بإدارة شؤون مناطقها هي سلطات لا تتمتع بأي وظيفة سيادية إلى جانب وظيفة الدولة الأساسية.
هنا ندخل إلى نظام المحاصصة الموجود فقط في العراق ولبنان، هذا ما سأناقشه هنا، لكونه وثيق الصلة بما يطرح في سوريا الانتقالية الآن في خلط واضح بين مفهوم اللامركزية والفيدرالية وبين مفهوم المحاصصة، خلط تستخدمه أطراف الأمر الواقع في سوريا، ببساطة لأنها تريد دولة داخل دولة لأشخاص وفصائل بعينها بقوة السلاح، أي مفهوم نظري يجد اختباره في الواقع.
من حيث المبدأ، المشكلة ليست في مفهوم الفيدرالية ولا بمفهوم اللامركزية، المشكلة تكمن بتطبيقها على الأرض في كل دولة على حدة. سأضرب مثالاً سريعاً: في أميركا مثلاً في كل ولاية ومدينة هنالك شرطة محلية، لكن هنالك مكتب التحقيقات الفيدرالي له السيادة على كل قضية تخص الأمن المجتمعي العام. هذه الحالة المؤسسية مثبتة في قوانين علاقة الولايات بالمركز وصلاحيتها، كذلك الأمر في سويسرا.
في مثال آخر: هنالك قوات الحرس الوطني كقوة مركزية في أميركا تستطيع التدخل في أية ولاية أميركية بناء على صلاحيات الرئيس. بالمقابل، النائب العام في كل مدينة أميركية لا يعين، بل ينتخب من أهل الاختصاص والمجتمع في كل ولاية. هنا سلطة لامركزية، في أميركا وسويسرا وكل الدول التي تتبع نظاماً لامركزياً لسلطتها، فيها جيش واحد.
نأتي الآن لتجربة العراق التي أتت كما هو معروف نتيجة عاملين: الأول النضال الطويل للشعب الكردي في العراق من أجل حقوقه، إضافة إلى نضال الحزبين الكرديين في النضال العراقي ضد النظام الفاشي الصدامي. هذا ما يفتقده قسد وحاكمه الحزبي في المرحلة الأسدية. الثاني هو الخارطة السياسية في العراق بعد الاحتلال الأميركي له.
بالنسبة لكردستان العراق، فقد حصل على صيغة ليست موجودة في أية دولة بالعالم: أكبر من فيدرالية وأقل من دولة. نتيجة لفرض نظام محاصصة وليس نتيجة لتطبيق مبدأ فيدرالي ذي مفهوم نظري دستوري متعارف عليه سابقاً في التاريخ. كردستان العراق: لديها جيش خاص وشرطة خاصة ولا يوجد أي رابط لها بالعراق سوى علم الدولة. في الحقيقة، هذا الالتباس نتج عن رؤية العامل الدولي والإقليمي في مفاوضاته وموازين قواه ومصالحه.
من حق الكرد في كردستان العراق، قيام دولة لهم. أما هذا الشكل سيبقى يولد الإشكاليات في علاقة سلطة الإقليم بسلطة المركز. حيث نجد بالمقابل أن الإقليم يشارك في حكم العاصمة من خلال منصب رئيس الجمهورية وبعض الوزارات، لكن المركز ليس له أي سلطة داخل الإقليم. مع ذلك ربما تنجح هذه التجربة مع الأيام. لكن في سوريا الأمر مختلف من كافة الجهات.
هل هنالك ملامح إقليم كردي على كافة المستويات في سوريا، حتى يتم تطبيق تجربة كردستان العراق عليه؟ رغم أنني أرى أنه يمكن أن تكون هذه التجربة في إيران أو حتى في تركيا. لكن في سوريا الأمر غير وارد. أولاً المناطق الكردية مدن وقرى مبعثرة بين محيط أكثري عربي. إضافة لخليط اثنين في المدن السورية المهمة كردياً ما عدا عفرين.
القامشلي أيضاً فيها مكون ثالث هو المكون الآشوري مطلبه ليس كمطلب قسد مثلاً. بالتالي ما تطرحه قسد وما طرحه مؤخراً غزال غزال هو نظام محاصصة شاذ سورياً بكل المعاني. أما فصائل الهجري، فقد حسمت موقفها إسرائيلياً فهي تريد دولة مستقلة. مطلب قسد: جيش داخل جيش، ووزارة خارجية داخل وزارة خارجية. هل هذه الصيغة تبني بلداً فيدرالياً؟ في العراق عملياً هنالك أربع وزارات خارجية: وزارة مركزية، وزارة لدى القوى الشيعية، ووزارة لدى الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مسعود البرزاني، ووزارة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني.
هذا ما تريده قسد وما يريده غزال غزال. هل يستقيم الأمر في سوريا؟ الجواب من كل الأطراف يحتاج لبحث الوضع السوري كما هو على الأرض. مبدئياً ما يطرح هو ألغام حرب أهلية مستمرة. سؤالي الأخير: هل تقبل السلطة في دمشق توزيع سلطاتها لامركزياً أو فيدرالياً؟ وفق الفيدراليات المتعارف عليها لا وفق نظام المحاصصة؟ برأيي تقبل. لكن مشروع قسد مثلاً سيبقى يحكم بالقوة. لأنه في أية عملية انتخابية حرة لن ينجح قسد في البقاء في حكم المنطقة، وهذا لا يمكن لقسد أن يسمح به!
كذلك الأمر ينطبق على الهجري وينطبق على غزال غزال. بالحديث عن الأخير، لا أنفي تعرض العلويين لشكل من أشكال الاستباحة. لكن مشروعه لا علاقة له بهذه الاستباحة. محاصصة لبنان ليست محاصصة لامركزية، وليست كذلك فيدرالية، فهي محاصصة من نوع هزيل أسسها الاستعمار الفرنسي، لا يستحق النقاش. نقطة أخرى؛ المطروح يقول التالي: إن تبقى نفس الشخصيات والقوى متحكمة في تلك المناطق، لأنها بنى غير ديمقراطية أساساً.
ما يصلح في سوريا هو لامركزية جغرافية. في هذا النقاش لا رأي نهائياً، لماذا؟ لأن الأمر فيه عوامل خارجية إقليمية ودولية. بالتالي يخضع لميزان قوى عسكري بالدرجة الأولى، وليس لمصلحة سوريا والسوريين. هذا رأي لفتح النقاش وليس رأياً نهائياً بالنسبة لي. في النهاية كل ما هو مطروح يمكن نقاشه، من أجل ألا تراق نقطة دم سورية.
الثورة السورية
—————————
نهاية زمن الكيانات الوظيفية في سوريا/ صهيب جوهر
يناير 28, 2026
لم تعد الدعوات الصادرة عن قيادات “قوات سوريا الديمقراطية” للتدخل الخارجي مجرد مواقف إعلامية ظرفية، بل باتت مؤشراً سياسياً دالاً على انسداد الأفق الذي يواجه هذا الكيان في لحظة إقليمية مفصلية، تتسم بإعادة ترتيب الأولويات الدولية وتبدّل خرائط النفوذ.
فالتصريحات التي فتحت الباب أمام تلقي الدعم من أي طرف “قادر على المساعدة”، بما في ذلك إسرائيل، تعكس انتقال “قسد” من موقع الشريك المرحلي في ترتيبات دولية محدودة الهدف، إلى موقع كيان يسعى لإعادة تعريف نفسه خارج السياق السيادي السوري، في وقت تُعاد فيه صياغة معادلات الدولة والمرجعية في البلاد.
ويتجلّى هذا التحول بوضوح في تصريحات إلهام أحمد، الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، ولا سيما في مقابلتها مع قناة I24 الإسرائيلية، حين دعت إلى تدخل دولي لصالح “قسد”، مؤكدة لاحقاً وجود قنوات تواصل مع شخصيات إسرائيلية، واستعداد قواتها لتلقي الدعم من “أي مصدر كان”.
هذه اللغة لا تعكس فقط ضيق الخيارات السياسية، بل تكشف انتقال التنظيم من موقع المناورة ضمن هوامش تفاهم دولي معروف، إلى موقع استدعاء الحماية الخارجية المباشرة، في لحظة تتراجع فيها قابلية المجتمع الدولي للتعامل مع كيانات غير مندمجة في إطار الدولة.
هذا التحوّل لا يمكن فصله عن إدراك متزايد داخل قيادة «قسد» بأن الغطاء الأميركي الذي حكم علاقتها بالتحالف الدولي قد بلغ حدوده الوظيفية.
فواشنطن لم تُخفِ يوماً أن دعمها لـ”قسد” كان مرتبطاً حصراً بمكافحة تنظيم “داعش”، لا بإعادة هندسة الدولة السورية أو رعاية كيان سياسي دائم خارج سلطتها.
ومع تغيّر الأولويات الأميركية وبروز الدولة السورية مجدداً كفاعل قابل للتعامل، وجدت قوات سوريا الديمقراطية نفسها أمام واقع جديد لم تُحسن تقدير تبعاته، في هذا السياق، وقد تبدو الدعوات إلى الاستعانة بإسرائيل تعبيراً عن سوء تقدير استراتيجي مضاعف.
فالتجربة القريبة في الجنوب السوري، ولا سيما في السويداء، أظهرت أن التدخل الإسرائيلي لم يستهدف حماية جماعات محلية أو ضمان استقرارها، بل استخدام الانقسامات الداخلية كأداة لإضعاف الدولة ومنع تشكّل سلطة مركزية مستقرة.
وقد أكدت تحقيقات صحافية دولية، أبرزها ما نشرته “واشنطن بوست”، أن إسرائيل تجاوزت الدعم السياسي إلى تسليح وتمويل مجموعات مسلحة محلية بعد سقوط نظام الأسد عام 2024، ما ساهم في تفجير صراعات داخلية دامية ومواجهات مباشرة مع الدولة السورية.
بالتوازي، نفّذت إسرائيل سياسة ميدانية قائمة على فرض وقائع جديدة بالقوة، شملت احتلال مساحات إضافية من الأراضي السورية وتنفيذ مئات الغارات الجوية، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف الدولة السورية في لحظة إعادة التشكّل، ومنعها من بسط سيادتها على كامل أراضيها.
في المقابل، تشير التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا إلى تحوّلين أساسيين.
الأول: يتمثل في قرار أميركي بترجيح دعم الدولة السورية بوصفها الشريك الأكثر قدرة على إدارة المرحلة المقبلة، بدل الاستمرار في الاستثمار في كيان وظيفي محدود الأفق مثل “قسد”.
أما التحول الثاني: فيتصل بقدرة الحكومة السورية على تفادي أخطاء جسيمة وقعت فيها سابقاً، ولا سيما في ملف السويداء، الذي وُصف رسمياً لاحقاً بأنه “فخ إسرائيلي” جرى الوقوع فيه، مع محاولة اعتماد مقاربة أمنية وسياسية أكثر ضبطاً.
ضمن هذا السياق، لا يمكن فهم أزمة «قسد» بوصفها أزمة تفاوضية تقنية أو خلافاً مرحلياً حول ترتيبات أمنية، بل كنهاية نموذج سياسي-أمني ارتبط بمرحلة جيوسياسية باتت من الماضي.
فالعلاقة بين “الدولة الراعية” والوكيل المحلي تُحدَّد بطبيعة الهدف النهائي للدعم، وفي حالة قوات سوريا الديموقراطية كان الهدف الأميركي واضحاً ومحدوداً، مكافحة تنظيم داعش، لا إنتاج كيان سياسي مستقل أو دائم.
تاريخياً، استفاد حزب العمال الكردستاني وفروعه من تقلبات السياق الدولي، متنقلاً بين رعاة مختلفين، غير أن سقوط النظام السابق وتغيّر موازين القوى الإقليمية أنهيا هذه المعادلة بصورة حاسمة.
ومع ذلك، تعاملت “قسد” مع الواقع الجديد بعقلية الماضي، فاختارت الهروب إلى الأمام وطلب الحماية من الخارج، بدل إعادة التموضع ضمن الإطار الوطني السوري.
بالنسبة لدمشق، يشكّل أفول “الإدارة الذاتية” نقطة تحوّل استراتيجية في مسار المرحلة الانتقالية، إذ يقطع الطريق على سيناريوهات التفكيك، ويغلق الباب أمام رهانات فلول النظام المخلوع، ويعزّز فرص استعادة السيادة المركزية وفتح مسار إعادة الإعمار. كما يحمل هذا التحول دلالات إيجابية على مستوى السياسة الخارجية، سواء لجهة تعميق التنسيق السوري-التركي، أو إعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة على قاعدة الدولة الواحدة.
أما بالنسبة لـ«قسد»، فقد تقلّصت خياراته إلى حدّها الأدنى: إمّا القبول بالاندماج ضمن مؤسسات الدولة وفق شروطها، بما يحفظ حداً من المشاركة السياسية ويخفف الكلفة الأمنية، أو الانزلاق إلى مسار تصادمي عالي الكلفة لن يكون في مصلحتها على المدى المتوسط.
ما تكشفه التصريحات الأخيرة لقادة قسد هو انتقال واضح من موقع الفاعل إلى موقع المبرِّر، ومن منطق المبادرة إلى منطق الدفاع. وما تواجهه اليوم ليس مجرد أزمة تفاوض، بل نهاية زمن الكيانات الوظيفية، في لحظة يُعاد فيها بناء الدولة السورية على قاعدة السيادة والمرجعية الواحدة: إمّا الاندماج في هذا المسار، أو الخروج من المشهد السياسي.
الثورة السورية
——————————–
انتهاء الوظيفة.. كيف تفكَّكت قسد بلا معركة حاسمة/ محمد السعيد
2026.01.28
يستعرض المقال أسباب التراجع السريع لقسد، باعتباره تفككاً في بنية التنظيم أكثر من هزيمة عسكرية، كما يرسم ثلاثة سيناريوهات محتملة للأزمة.
منذ توقيع اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لم تُسفر المفاوضات بين الطرفين عن أي نتائج ملموسة حتى نهاية العام نفسه، وهو الموعد الذي كان من المفترض أن يُستكمل فيه تنفيذ بنود الاتفاق. تعثّر المفاوضات يعود لأسباب عدة أهمها: تمسّك قيادة «قسد» بمطالب اللامركزية الواسعة، وسعيها إلى دمج قواتها في الجيش السوري ككتل وتنظيمات، إضافة إلى اشتراطها الاحتفاظ بجزء من عائدات الموارد النفطية في مناطق سيطرتها، والانقسام في قيادة الصف الأول، حيث يهيمن “حزب العمال الكردستاني” على صناعة القرار، ويرفض الحلول السياسية.
مع مطلع كانون الثاني/يناير 2026، انتقل التعثّر في ملف المفاوضات إلى تحرّكات ميدانية متسارعة، عقب اندلاع مواجهات عسكرية محدودة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب، انتهت بخروج قسد إلى شرق حلب، لكن سرعان ما امتدت تداعيات المواجهة في حلب إلى شمال شرقي سوريا. وانتهى الأمر بفرض الحكومة السورية سيطرتها على محافظتَي الرقة ودير الزور، بما في ذلك حقول النفط الرئيسية.
في 18 يناير، توصل الطرفان لاتفاق دمج عناصر قسد بشكلٍ فردي في وزارة الدفاع، وإخراج عناصر حزب العمال الكردستاني، لكن الاتفاق لم يُثبّت بسبب محاولة مظلوم عبدي تعديل البنود وسط أنباء عن خلافات حادة داخل قيادة “قسد”، لا سيما تيار قنديل الذي يدفع باتجاه رفض أي حل سياسي، وعلى إثر ذلك عادت الاشتباكات والتوترات للاشتعال مرة أخرى على الجبهات. وفي 20 يناير أعلنت الرئاسة السورية مساء التوصل لـ “تفاهم جديد”. قضى بوقف إطلاق النار لمدة 4 أيام ، ومنح “قسد” مهلة لوضع خطة دمج تفصيلية، وبعد انتهائها أعلنت وزارة الدفاع السورية تمديد وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين.
أسباب وعوامل التراجع
أحد العوامل الأساسية لهذا التفكك يتمثل في التناقض الديموغرافي بين القيادة الكردية لـ«قسد» والحواضن الاجتماعية العربية الواسعة في مناطق سيطرتها، ولا سيما في دير الزور والرقة. فعلى الرغم من سيطرتها على المنطقة لسنوات، لم تنجح «قسد» في بناء عقد اجتماعي مع العشائر العربية وإشراكهم في إدارة المنطقة، واعتمدت بدلاً من ذلك، بدرجة كبيرة، على القسر والإكراه، ما أدى إلى تراكم توترات واشتباكات واعتقالات لكثير من أبناء المحافظتين. وبتقدم قوات الجيش السوري، انكشفت قسد بلا حاضنة اجتماعية، وتحوّلت العشائر لقوة حليفة في الخطوط الأمامية شاركت في السيطرة على مناطق واسعة، وأفقدت «قسد» أحد شروط الصمود في أي مواجهة طويلة.
إلى جانب ما سبق، جعل اعتماد قسد منذ تأسيسها على الدعم الأميركي قدرتها على التحرّك مرهونة بعلاقات الداعم الخارجي وتحوّلاته، ومع بروز اتجاه واضح لدى واشنطن، منذ توقيع اتفاق 10 آذار، يدفع نحو دمج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية، وإنهاء “الإدارة الذاتية”، فقدت القيادة العسكرية والسياسية لـ«قسد» غطاءها الدولي، الذي كان يوفّر لها هامش المناورة والاستمرار كقوة مستقلة وانتهت وظيفتها كما أشار المبعوث الأميركي إلى سوريا.
يُضاف إلى العامل السابق، حساسية هذا الملف بالنسبة لتركيا، وحرص إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أولوية الشراكة مع أنقرة التي تنظر إلى «قسد» بوصفها تهديداً لأمنها القومي، وتعتبرها امتداداً «لحزب العمال الكردستاني»، وهو ما دفع واشنطن إلى تسوية تفضي بإنهاء «قسد».
شكّل تحرّك دمشق سياسياً في هذا الملف خطوة مهمة أيضاً، إذ أسهم صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 في 16 يناير، الذي ألغى آثار إحصاء 1962 ومنح الجنسية لجميع الأكراد بمن فيهم مكتومو القيد، في فصل المسألة الحقوقية الكردية عن المشروع المسلح، وإضعاف قدرة قسد -جزئياً- على التعبئة والحشد داخل بيئتها. بإصدار المرسوم، سدت الحكومة الذرائع التي كانت «قسد» تستند إليها لتبرير استمرارها كقوة عسكرية تدافع عن حقوق الأكراد.
أما السيطرة السريعة على الموارد الاستراتيجية في محافظتَي الرقة ودير الزور، وعلى رأسها حقول النفط فأفقدت قسد أهم صناديقها التمويلية، والورقة التي كانت تفاوض دمشق عليها.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن ما جرى خلال الأسبوع الفائت، لا يمثل انهياراً عسكرياً، وإنما تفككاً في بنية تنظيمٍ انتهت وظيفته. لا تزال لدى قسد قوة عسكرية في المناطق التي توجد فيها حالياً (الحسكة-القامشلي)، وتشير المعطيات على الأرض أنها لن تلتزم بتنفيذ اتفاق 20 يناير، وستحاول الحصول على مزيدٍ من الوقت، أو إعادة التفاوض على آليات التنفيذ، ما يجعل احتمال تجدد المواجهة قائماً بدرجة كبيرة.
السيناريوهات المتوقعة
تشير المعطيات الحالية إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة بعد انتهاء مهلة التمديد: يقوم الأول على الدمج التدريجي عبر اعتماد الحسكة نموذجاً أولياً، أما الثاني فيتمثل في الحسم العسكري إذا تعثّر مسار الدمج واستمرت الخروقات، أما الثالث فيقوم على قبول قسد الكامل وغير المشروط لاتفاق 18 يناير والبدء بتنفيذه.
السيناريو الأول: الدمج التدريجي على أساس “نموذج الحسكة” (الأرجح)
نصّ تفاهم “20 يناير” على دمج محافظتَي الحسكة والقامشلي ضمن مؤسسات الدولة، وعلى هذا الأساس، يقوم هذا السيناريو على اعتماد الحسكة كمساحة اختبار قبل الانتقال إلى القامشلي، بحيث يبدأ الدمج بصورة “محكومة وتدريجية”، كأن تكون الشرطة من أبناء المنطقة، وعودة مؤسسات الدولة وخدماتها، مع عدم دخول الجيش إلى مراكز المدينتين، مقابل تثبيت سيادة الدولة على المعابر والطرق الرئيسية. وفي ظل هذا السيناريو، تكون منطقة عين العرب كمساحة ضغط عملياتي لضبط مسار التفاوض، من دون أن تتحول إلى مواجهة عسكرية كبيرة.
يترجّح هذا السيناريو نتيجة لعدة عوامل أبرزها أنه يخدم ما تريده الحكومة التي تسعى لبسط سيادتها من دون الدخول في معركة عسكرية. كما أن النموذج التدريجي يوفر فرصة لاختبار آليات الدمج وتصحيح الأخطاء قبل التعميم، ويقلل من المخاوف لدى سكان المدينتين عبر تقديم نموذج عملي يثبت جدية الحكومة في تقديم الضمانات الأمنية. كما أن قسد تدرك أن موازين القوى تغيرت كلياً لصالح الحكومة، وأن الاستمرار في المواجهة سيؤدي حتماً لخسائر أكبر، ما قد يدفع البراغماتيين منهم للانشقاق عن التيار المتشدد وقبول الدمج كخيار للحفاظ على ما تبقى.
في المقابل، يضعف احتمال هذا السيناريو عاملان: عدم الانضباط داخل قسد، واستمرار التعزيزات والنفير، ما قد يقوّض الثقة المتبادلة سريعاً؛ وثانياً محدودية صبر الحكومة إذا رأت أن الدمج يتحول إلى غطاء للمماطلة أو إعادة التموضع. أي تصعيد عسكري واسع (مسيّرات، استهداف مدنيين، احتكاك مباشر في الحسكة) يُعرضه للفشل.
السيناريو الثاني: الحسم العسكري (احتمال مترفع)
يفترض هذا السيناريو عدم قبول قسد بتنفيذ اتفاق 18 يناير بعد انتهاء المهلة أو عدم تمديدها لفترة إضافية، وهو سيناريو مرجّح الحدوث بنسبة مرتفعة ومتزايدة مع الوقت، فيمكن أن يُفعّل مباشرة في حال فشل المسار السياسي أو استمرار الاستفزازات العسكرية، أو بسبب فشل السيناريو الأول (الدمج التدريجي) أو استحالة تحقق السيناريو الثالث (قبول قسد)، إذ إن استمرار الوضع الحالي من دون حل نهائي غير قابل للاستمرار، وبذلك يبقى هذا السيناريو حاضراً كخيار بديل وجاهز.
ما يرجّح السيناريو تراكم الخروقات الميدانية، وعجز قيادة قسد عن ضبط العناصر والفرق المتشددة، واستمرار وصول التعزيزات بما قد يُفسَّر في دمشق على أنه استعداد لمواجهة عسكرية لا لتسوية سياسية، كما أن إصرار الحكومة على الاندماج بشروطها، ورفضها قيام أي صيغة سيادة منقوصة، يجعل الحسم العسكري خياراً منطقياً إذا استُنفِدت فرص التفاوض، وباتت بلا فائدة.
عسكرياً فإن كفّة الميزان تميل لجانب الحكومة السورية، فالموقف الدولي في صالحها، والجيش يملك زخماً نفسياً عالياً بعد الانتصارات السريعة في دير الزور والرقة، ويحظى بدعم عشائري واسع، ويسيطر على خطوط الإمداد الرئيسية، ويملك تفوقاً جوياً، في المقابل، خسرت قسد عمقها الجغرافي، ومعنويات قواتها منخفضة بعد الهزائم المتتالية، وتعاني من انشقاقات متواصلة، ومع ذلك لديها قدرة خبرة قتالية عالية في حرب العصابات، وتقاتل على أرضٍ قامت بتحصينها وحفر الأنفاق بها، كما أن معبر “سيمالكا” في الحسكة مع كردستان العراق يوفر لها إمداداً بشرياً ولوجستياً.
كلفة هذا السيناريو ستكون خاسرة للطرفين، وهو ليس أولوية للحكومة، وإذا حصل، فسيكون نتيجة لفشل الخيارات السياسية الأخرى. تفضل الحكومة التسوية لتجنب التكاليف الباهظة، وهو ما ظهر منذ توقيع اتفاق 10 آذار 2025، والتسهيلات اللاحقة التي قدمتها لقسد بعد الاتفاق لحثها على توقيعه. ومع ذلك، فإن دمشق لن تقبل باستمرار الوضع الحالي إلى ما لا نهاية، وأمام قسد وقت محدود لاتخاذ قرار على ما يبدو: إما القبول باتفاق 18 يناير، أو المواجهة التي نتائجها شبه محسومة عسكرياً.
السيناريو الثالث: قبول قسد باتفاق 18 يناير (الأقل احتمالاً)
يفترض هذا السيناريو قبول قسد الكامل وغير المشروط لاتفاق 18 يناير، والبدء فعلياً بتنفيذ بنوده من دون مماطلة أو تعديل، مقابل فقط طلب ضمانات أمنية من الحكومة ورعاية دولية للاتفاق كطرف ثالث ضامن، وهو أقل السيناريوهات الثلاثة احتمالاً، لأن المؤشرات الميدانية والسياسية الحالية لا تتفق معه، كاستمرار وصول دفعات شبابية من كردستان العراق استجابةً للنفير العام الذي أطلقته قسد قبل أسبوعين، واستدعاء عناصر من حزب العمال الكردستاني من جبال قنديل، يشير بوضوح إلى أن قسد تستعد للقتال وليس للتفاوض، بالإضافة إلى الاشتباكات المتقطعة بين الطرفين، والخروقات المتكررة، فقد استهدفت قسد مواقع الجيش والمدنيين بأكثر من 40 مسيرة انتحارية خلال يومين (25-26 يناير).
العقبة أمام هذا السيناريو، وهو ما يجعله الأقل احتمالاً، تكمن في الانقسام الداخلي داخل قسد. تيار قنديل، المرتبط تنظيمياً وأيديولوجياً بحزب العمال الكردستاني، يرفض أي تسوية سياسية تؤدي لإنهاء وجوده في سوريا. هذا التيار يفضل القتال على الاستسلام، ويملك نفوذاً وتأثيراً في البنية القيادية والعسكرية للتنظيم. في المقابل، يميل مظلوم عبدي ورفاقه إلى قبول التسوية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن قدرته على فرض هذا الخيار أمام المعارضة الداخلية محدودة. وقد وصلت الخلافات بين الطرفين إلى حد الأزمة، كما ظهر في اجتماع 19 يناير حين حاول عبدي تعديل بنود اتفاق 18 يناير بسبب رفض تيار قنديل تنفيذ شروط الاتفاق.
في النهاية، الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير شمال شرقي سوريا وعملية بناء الدولة السورية الموحدة، ويبدو أن المنطقة أمام خيارين: إما تسوية سياسية، أو مواجهة عسكرية تحسم الملف.
تلفزيون سوريا
———————————
الوعي القومي الكردي والبعد الوطني: قراءة في الحالة السورية/ د. علاء الدين آل رشي
يناير 28, 2026
تتبدّى المسألة الكردية في سورية بوصفها إحدى نتائج الخلل المزمن في بناء الدولة الوطنية، ذلك الخلل الذي جعل الهوية العامة تُعرَّف تعريفاً ضيّقاً، وتحمّل أكثر ما تحتمل، حتى غدت أداة فرز بدل أن تكون إطار جمع.
تاريخياً، نشأ الوعي القومي الكردي أداة تعبير وحاجة جماعة إلى تثبيت وجودها القانوني والثقافي داخل وطن عاشت فيه، وأسهمت في بنائه، من دون أن تجد نفسها ممثّلة فيه تمثيلاً عادلاً.
الوعي بالذات الكردية تجاوز التنظير الفكري أو استدعاء لتجارب خارجية، نجم من وقائع ملموسة، تشكلت من الإحساس بالهشاشة القانونية، مروراً بالتضييق الثقافي، وصولاً إلى سؤال الكرامة والمساواة. ومع تقادم الزمن، أخذ هذا الوعي طابعاً عاماً، تجاوز الأفراد إلى الجماعة، وتجاوز الثقافة إلى السياسة، بحثاً عن موضع مستقر داخل الكيان العام.
غير أن الإشكال الأكبر لم يكن في تشكّل هذا الوعي، بل في المسارات التي سلكها لاحقاً.
فقد جرى، في مراحل متعددة، ربط المسألة الكردية بتنظيمات وأحزاب، فانتقلت من كونها قضية مواطنة وحقوق إلى ملف سياسي خاضع لموازين القوة والاصطفاف. هذا الربط أضرّ بالقضية نفسها، إذ جعل الحقوق عرضة للتأويل والتوظيف، وربط مصير جماعة كاملة بخيارات نخب محدودة، تصيب وتخطئ.
وفي المقابل، ساهم الخطاب الإقصائي، القائم على التعيير أو الإهانة أو التشكيك في الانتماء، والتلفيق والاتهام إلى تعميق الفجوة بين القومي والوطني. مثل هذا الخطاب لا يحمي الدولة، بل يضعفها، لأنه يفرغ الوطنية من بعدها الأخلاقي، ويحوّلها إلى أداة استعلاء بدل أن تكون عقداً جامعاً. فالكرامة، حين تُمسّ، تتحول إلى قضية عامة، وتغدو الهوية البدائية ملاذاً أخيراً بل أولاً بدل أن تكون اختياراً طبيعياً في مجتمع متعدد.
ومع التحولات السياسية الكبرى، ولا سيما بعد سقوط حكم الأسد، برزت لحظة مختلفة في مقاربة الدولة للمسألة الكردية. حملت القرارات التي اتخذها الرئيس أحمد الشرع في اتجاه إعادة الحقوق المدنية والسياسية دلالة تتجاوز الإجراء الإداري، وأشارت إلى وعي متنام بأن معالجة القضايا الكبرى لا تتم بالأمن ولا بالإنكار، بل بالقانون والاعتراف. هذه اللحظة، بما تحمله من إمكان، تضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية.
استثمار هذه اللحظة يقتضي أمرين متلازمين: أولهما فكّ الارتباط بين الحقوق القومية وأي حزب أو تنظيم، وإعادة هذه الحقوق إلى موضعها الطبيعي داخل الدستور، حيث تُصان بوصفها حقوق مواطنين، لا مكاسب سياسية. وثانيهما ضبط الخطاب، من الجانبين، بحيث يُكبح خطاب الإهانة من جهة، ويُراجع من جهة أخرى خطاب كردي انجرف أحياناً وراء تصورات وشعارات تتجاوز الممكن السياسي، وتستدعي آمالاً لا يسندها ميزان الواقع ولا منطق الدولة.
إن الدولة، في معناها العميق إطار عدالة وحقوق، ولكي تستقر، تحتاج إلى حكمة في الطلب بقدر حاجتها إلى عدالة في المنح. العودة إلى سقف القانون، وإلى مفهوم المواطنة المتساوية، تمثل الطريق الأجدى لتحويل الوعي القومي من عامل توتر إلى عنصر إغناء، ومن مصدر قلق إلى رافعة استقرار.
من هذا المنطلق تبدو المسألة الكردية مرآة لسؤال سوري أوسع: أي دولة نريد؟ دولة تُدار بردود الأفعال، أم دولة تُبنى بالعقل والشرعية؟ الجواب عن هذا السؤال لا يخص الأكراد وحدهم، بل يخص مستقبل سوريا كلها، لأن الأوطان، في نهاية المطاف، تُقاس بقدرتها على احتضان اختلاف أبنائها، لا بقدرتها على إسكاتهم.
ولعل الرئيس الشرع ألمح وصرح عندما قال: إن أي معركة داخلية لا منتصر فيها، والحل في أن الكل يربح وفي دولة المواطنة.
———————————-
الأمم المتحدة: نزوح أكثر من 170 ألف شخص في سوريا جراء التصعيد
مساعدات إنسانية مقدمة من الأمم المتحدة للنازحين شمالي سوريا
2026-01-28
قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، مساء أمس الثلاثاء، إن موجة الاشتباكات الأخيرة في سوريا تسببت بنزوح أكثر من 170 ألف شخص منذ السادس من كانون الثاني/ يناير الجاري، في محافظات حلب والحسكة والرقة، وسط أوضاع إنسانية صعبة وتحديات متزايدة في مواقع النزوح.
وأوضح المكتب أن عدداً كبيراً من مواقع النزوح ما يزال يعاني من الاكتظاظ، لافتاً إلى أن الوضع في محافظة الحسكة يتسم بعدم الاستقرار، مع ورود تقارير تفيد بنزوح عائلات من الأحياء الجنوبية لمدينة الحسكة باتجاه بلدة الشدادي.
وأكد “أوتشا”، أن الأمم المتحدة وشركاءها في العمل الإنساني يواصلون دعم الاستجابة الطارئة في شمال شرقي سوريا، في أعقاب التطورات الأمنية الأخيرة، بحسب ما ذكره موقع أخبار الأمم المتحدة.
وأشار، إلى أن قافلة إنسانية مشتركة بين عدة وكالات أممية انطلقت يوم أمس الثلاثاء من العاصمة دمشق، ووصلت إلى مدينة القامشلي في محافظة الحسكة، حيث جرى تسليم مواد غذائية وملابس شتوية وبطانيات إلى جانب مستلزمات إنسانية أخرى.
ولفت مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إلى وجود خطط لتسيير قوافل إضافية خلال الأيام المقبلة، بهدف تعزيز الاستجابة وتلبية الاحتياجات المتزايدة للنازحين.
وفي السياق ذاته، أفاد المكتب بأن فرق الأمم المتحدة وشركاءها يواصلون توزيع المواد الغذائية والخبز وتقديم المساعدات النقدية في المراكز الجماعية ومواقع النزوح، كما تواصل الجهات العاملة في القطاع الصحي تقديم خدمات طبية متنقلة، تشمل حملات تطعيم وخدمات دعم الصحة النفسية.
وأضاف المكتب أن الشركاء العاملين في مجال التغذية قدموا خدمات فحص حالات سوء التغذية والدعم الغذائي لأكثر من 1500 طفل، إضافة إلى مئات النساء الحوامل والمرضعات في محافظة الحسكة، في ظل تزايد المخاطر الصحية المرتبطة بالنزوح والظروف المعيشية القاسية.
من جانبه، قال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، خلال إحاطة صحفية، إن العاملين في المجال الإنساني في سوريا نقلوا عن شركائهم على الأرض أن التيار الكهربائي وخدمة الإنترنت لم تتم إعادتهما حتى الآن في مدينة كوباني شمالي سوريا، ما يزيد من صعوبة الأوضاع الإنسانية ويعرقل عمليات الاستجابة.
ويوم الاثنين الماضي، قالت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سوريا، سيلين شميت، إن عشرات الآلاف من المدنيين نزحوا في مناطق شمال شرقي البلاد نتيجة التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة.
وأوضحت شميت أن عدداً من النازحين في شمال شرق سوريا لجؤوا إلى المخيمات، مؤكدة أن المفوضية تعمل على تقديم المساعدة لهم لتلبية احتياجاتهم الأساسية، من خلال توفير الخيام ومستلزمات المأوى لضمان سكن آمن في ظل الظروف القاسية.
وأضافت أن فرق المفوضية تعمل بشكل مكثف بالتعاون مع الشركاء المحليين والمنظمات غير الحكومية لتقييم الاحتياجات الميدانية والاستجابة لها، مشيرةً إلى أن المساعدات الطارئة تتواصل، ولا سيما خلال أسابيع الشتاء الصعبة، وتشمل توزيع الحقائب الشتوية، وتقديم خدمات الحماية، إضافة إلى دعم الصحة النفسية وحماية الأطفال عبر المراكز المجتمعية، وفق ما أفاد به موقع أخبار الأمم المتحدة.
وتطرقت شميت إلى الوضع في مخيم “الهول”، موضحة أن فرق المفوضية زارت المخيم قبل أيام، وأن قوات الحكومة السورية الموجودة في الموقع أكدت دعمها الكامل للمفوضية والجهات الإنسانية العاملة هناك لتقديم المساعدة والاستجابة للاحتياجات الإنسانية.
وقالت إن فرق المفوضية عادت إلى العمل داخل المخيم، وتم استئناف الخدمات الأساسية، بما في ذلك توزيع الخبز والمياه، إلى جانب خدمات أخرى، من بينها الخدمات الصحية التي تقدمها جهات فاعلة مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي استأنفت أنشطتها في المخيم.
وأكدت أن فرق المفوضية تواصلت مع سكان المخيم، الذين عبّروا عن أن أولويتهم القصوى هي الحصول على الخدمات الأساسية، نظراً لأن الغالبية العظمى من قاطني المخيم هم من النساء والأطفال.
وأضافت شميت أن المطلب الثاني لسكان المخيم يتمثل في إيجاد حلول دائمة لوضعهم، مشيرة إلى أن المفوضية تجري منذ أسابيع وشهور مشاورات مع الحكومة السورية للنظر في سبل التعاون لإيجاد هذه الحلول.
وأوضحت أن المفوضية، والأمم المتحدة بشكل عام، وبالتعاون مع جهات فاعلة أخرى وبعض المنظمات غير الحكومية، تساهم في تنظيم عودة قاطني المخيم إلى مناطقهم الأصلية، ودعمهم في إعادة الاندماج، نظراً لضخامة الاحتياجات التي يواجهونها فور عودتهم.
وعلى صعيد الوضع العام في سوريا، قالت المتحدثة باسم المفوضية السامية إن اللاجئين السوريين ما زالوا يعودون إلى بلادهم، إلى جانب النازحين داخلياً، لافتة إلى أن نحو 1.4 مليون لاجئ عادوا إلى سوريا، فيما عاد قرابة مليوني نازح داخلي إلى ديارهم.
وأكدت أن كثيرين من العائدين أبلغوا المفوضية بأنهم يرغبون في العودة إلى وطنهم ولمّ شملهم مع أسرهم، وأنهم عادوا لأن الأسباب التي دفعتهم إلى الفرار لم تعد قائمة.
وشددت شميت على أن المفوضية تدعم اللاجئين الذين يقررون العودة، ضمن الإمكانات والتمويل المتاح، في عدد من المجالات ذات الأولوية، من بينها تقديم مساعدات للنقل ومنح نقدية.
كما ذكرت أن المفوضية تدير شبكة تضم نحو 79 مركزاً مجتمعياً في مختلف أنحاء سوريا، تقدم من خلالها خدمات الحماية، وعلى رأسها الاستشارات المتعلقة بالوثائق المدنية.
وأضافت أن برامج المفوضية تشمل أيضاً دعم الصحة النفسية، وتنظيم جلسات للوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وأنشطة لحماية الأطفال، إضافة إلى دعم المبادرات المجتمعية الصغيرة.
ولفتت المتحدثة باسم مفوضية اللاجئين إلى أن من بين الأولويات الرئيسية للمفوضية توفير المأوى للعائدين، وتأمين مصادر دخل وفرص سبل العيش، لافتة إلى أن الكثيرين يؤكدون أن توفر فرص العمل كفيل بحل معظم مشكلاتهم الأخرى.
—————————
العراق يتأهب على حدوده الغربية/ أحمد الجابر
ما الذي يُخيف العراق من سوريا؟
2026-01-28
تشهد الحدود العراقية السورية حالة من التحشيد العسكري العراقي في ضوء التطورات الأخيرة التي حصلت في سوريا، ويؤكد مسؤولون عراقيون على أن الحدود مؤمنة بالكامل من خلال الإجراءات والتحصينات وأبراج المراقبة ومنظومة الكاميرات الحرارية المتطورة.
وتتواجد تحشيدات كثيفة للقطعات العسكرية على الحدود، فيما تتخذ القوات العراقية إجراءات تشمل موانع مثالية متمثلة بالسواتر والجدار الكونكريتي، إضافة إلى كاميرات المراقبة الإلكترونية المنتشرة على طول الشريط الحدودي، فضلاً عن وجود خط ثانٍ من قطعات الجيش والحشد الشعبي.
وتأتي التحشيدات العراقية في ضوء متغيرات عسكرية في سوريا، حيث شهدت دخول القوات الحكومية إلى منطقة شمال وشرقي سوريا بعد انسحاب قوات سوريا الديموقراطية (قسد) منها، فيما تكثف القوات الأميركية من ترحيلها لعناصر تنظيم “داعش” من سجون الحسكة إلى العراق.
تهديد قائم
تقول الباحثة في الشأن السياسي العراقي علياء عباس خلف لـ”963+”، إن التحشيدات العسكرية الأخيرة يجب قراءتها في سياق استراتيجي أوسع. وتضيف: “وفق المعطيات والمتغيرات الجيوسياسية التي تحيط بالمنطقة إقليمياً ودولياً، وتداعيات المتغيرات الحساسة والحرجة، من المفترض أن تكون هذه التحشيدات العسكرية جزءاً من استراتيجية أمنية طويلة الأمد”.
وتتابع: “كل هذه الأحداث، ارتداداتها ليست بالسهلة ولا تقتصر على المدى القصير، بل من المتوقع أن تمتد تأثيراتها لمدى ليس بالقصير، للأسف”. وتردف موضحة: “وكل هذه التحركات لا ترتبط فقط بما يحدث في سوريا فحسب، وإنما بالمنطقة العربية ككل”.
وتلفت الباحثة الانتباه إلى ملف بالغ الحساسية، مشيرةً إلى أنه “لا يجب أن نغفل أن هناك ملف داعش الحساس والشائك بنفس الوقت بالنسبة للعراق وسوريا على حد سواء، من تداعيات نقل سجناء داعش وعوائلهم التي كانت تسكن مخيم الهول، إذ لم يتم محاكمة كل المطلوبين الإرهابيين وعوائلهم، وطي هذا الملف نهائياً بصورة عادلة وسريعة إلى الأبد”.
وتزيد موضحةً بُعداً آخر للمخاطر: “الولايات المتحدة تستخدم ورقة داعش كأداة للضغط على العراق وتهديد لأمنه القومي والأمن الداخلي، بما يخدم مصالحها أو يعطي حججاً مبررة لسياسات مستقبلية ممكن أن تستخدمها لخلق فوضى بأي لحظة، لتكريس مخطط جديد بالمنطقة يخدم مصالحها بالدرجة الأولى ومصالح إسرائيل على حساب أمن واستقرار العراق”.
وتؤكد عباس خلف، أنه رغم الإجراءات الأمنية المشددة، والتحشيدات العسكرية والسياج الأمني الذي كلف العراق أكثر من 25 مليون دولار، والكاميرات الحرارية، والدوريات الراجلة، “إلا أنه تمكن بعض العناصر من داعش من محاولة التسلل عبر الحدود، ولكن تم التعامل مع الموقف”.
وانتقلت إلى التحذير من العواقب الاقتصادية، قائلة: “بالنتيجة، كل هذه التوترات على الحدود، بالتأكيد سيكون لها الأثر البالغ على حركة التجارة والوضع الاقتصادي الهش بالنسبة للبلدين”.
وتضيف شارحة الوضع السوري: “نحن ندرك تماماً أن الشعب السوري بالكاد يلتقط أنفاسه بعد معاناة اقتصادية ليست بالسهلة، ونزول الليرة السورية إلى مستويات قياسية، وتداعيات سقوط النظام، والانتهاكات الطائفية التي تلت السقوط، والتي من شأنها أن تترك ندوباً تمتد آثارها لسنوات في نفسية المواطن السوري”.
وتستطرد: “العراق ليس أحسن حالاً، فقد تم فرض ضرائب جديدة تصل ما بين 30% إلى 60%، وملف رواتب الموظفين على حافة الانهيار، وملف الخدمات ليس بأحسن حال، وآلاف الخريجين لم يتم تعيينهم بسبب العجز بالميزانية، وتم إلغاء مخصصات الشهادات الجامعية بالنسبة للموظفين، والاضراب قائم منذ يومين”.
استباقاً لمخاوف أمنية
من جانبه، يتناول الباحث في الشؤون السياسية العراقية الدكتور جاسم الغرابي في حديث لـ”963+” الأسباب الاستباقية للتحشيدات العراقية. ويقول: “التحشيدات العراقية على الحدود السورية، أول ما تغير النظام السوري، كانت موجودة؛ لأنه على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، الإرهاب أغلبه كان يأتي من سوريا، حتى في زمن المخلوع بشار الأسد”.
ويشرح الغرابي دواعي الحذر الحالية: “التحشيدات الجديدة ووجود قوات عسكرية بعد الحرب الأهلية الموجودة حالياً في سوريا، يعني العراق يجب أن يأخذ حذره”.
ويوضح بعض السيناريوهات المحتملة: “قد يكون هناك نزوح للعوائل المدنية، الشعب السوري الصديق، يعبر الحدود العراقية خوفاً من المعارك الطاحنة التي تجري اليوم بين قسد وبين الجيش السوري”.
ويحذر من خطر مختلط: “فبالتالي، يجب أن يكون العراق على أهبة الاستعداد والحذر، فقد يدخل بعض الإرهابيين مع المدنيين الذين يهربون من القتال في هذا المكان”.
ويلفت النظر إلى الخلفية السياسية الأوسع: “هناك لعبة سياسية، وهناك مشروع دولي الآن يجري في سوريا، مطامع واضحة: تركية، قطرية، سعودية، مصرية، أميركية، روسية. فالعراق يجب أن يحذر. العراق ليس بمعزل عن هذا الموضوع”.
وينهي حديثه بتأكيد على ضرورة الاستعداد القصوى: “القوات العراقية عليها أن تتوقع أسوأ السيناريوهات التي تحدث في هذه المنطقة، من خلال دعم الحشد الوطني العراقي في هذه المحافظات بالإشارة إلى المحافظات الحدودية”.
———————————–
اتفاق دمشق وقسد 2026: هل تعود وحدة الدولة السورية؟/ بوستة مسعود
في وقت تشهد فيه الساحة الدولية صراعات إستراتيجية حاسمة على الموارد ومستقبل النظام العالمي، وصلت الأزمة السورية مع مطلع عام 2026 إلى مفترق حقيقي في تاريخ الدولة والمجتمع.
الإعلان المفاجئ عن توصل الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع إلى اتفاق شامل مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لوقف إطلاق النار ودمجها ضمن مؤسسات الدولة لم يكن حدثا عابرا في مسار الأزمة الممتدة منذ عام 2011، بل شكل نقطة تحول مفصلية توحي بأن الدولة السورية، بعد أكثر من عقد من الاضطرابات والانقسامات، تبدأ فعليا في استعادة وحدتها الجغرافية والإدارية على معظم أراضيها.
تجلت هذه اللحظة التاريخية أولا في وقف إطلاق النار الشامل على مختلف الجبهات بين القوات الحكومية و”قسد”، ثم في الاتفاق على دمج القوات شبه العسكرية ذات الغالبية الكردية داخل الجيش السوري والمؤسسات المدنية.
كما شمل الاتفاق تسليم محافظتي الرقة ودير الزور إداريا وعسكريا إلى دمشق، وسيطرة الحكومة المركزية على المعابر والحقول النفطية الكبرى في المنطقة.
هذا التطور المفصلي لم يكن ممكنا دون تلاقي عوامل محلية وإقليمية ودولية في لحظة سياسية دقيقة، ما يجعل الحدث لا يعبر فقط عن نهاية طور من الصراع، بل عن بداية إعادة تركيب الدولة السورية، ووضع مسألة وحدة الدولة على رأس أولويات المرحلة المقبلة.
العودة إلى وحدة الدولة: من انقسام طويل إلى مركزية دمشق
منذ عام 2013 تقريبا، أدارت “قسد” مساحات واسعة في شمال شرق سوريا ضمن صيغة حكم ذاتي غير معلن، مدعومة بشكل غير مباشر من الولايات المتحدة، وامتلكت نفوذا عسكريا وإداريا واسعا. غير أن يناير/كانون الثاني 2026 يبدو محطة فاصلة، إذ إن الاتفاق الموقع مع دمشق لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، بما يعيد للدولة دورها المركزي في إدارة الحكم والأمن في مناطق ظلت لسنوات خارج السيطرة المباشرة للحكومة.
إعلان
كما نص الاتفاق على تسليم المحافظات وشؤونها بشكل فوري إلى الحكومة السورية، وإعادة انتشار القوات بعد انسحاب تشكيلات “قسد” من المشهد العسكري المستقل، وهو ما يرسم بداية نهاية التقسيم العملي للأراضي السورية الذي استمر أكثر من عقد.
ولا يقتصر هذا التحول على البعد الإداري، بل يمثل تغييرا جوهريا في طبيعة العلاقة بين دمشق والمكون الكردي، ويفتح فصلا جديدا في السياسة السورية الشاملة يقوم على إعادة دمج الأطراف بدل إدارتها ككيانات موازية.
تركيا: شريك إستراتيجي في معادلة استقرار سوريا
لا يقتصر أثر الاتفاق بين الدولة السورية و”قسد” على الداخل السوري فحسب، بل يمتد إلى الدائرة الإقليمية المحيطة، وفي مقدمتها تركيا، التي تتابع أي تحول في المشهد السوري من زاوية الأمن والاستقرار الحدودي.
فإعادة دمج المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة ضمن الإطار المؤسسي الرسمي، وتراجع منطق الكيانات الموازية، من شأنه أن يخفف من مصادر التوتر على الحدود الشمالية، ويحد من ديناميات عدم الاستقرار التي شكلت عبئا أمنيا متواصلا على أنقرة خلال السنوات الماضية.
من هذا المنظور، تبدو تركيا مستفيدة بشكل غير مباشر من الاتفاق، ليس بوصفها طرفا فيه، بل باعتبارها أحد أكثر المتأثرين بمآلات الملف السوري. فتعزيز حضور الدولة المركزية، وضبط الفضاء الأمني في الشمال الشرقي، ينسجم مع الأولويات التركية المعلنة، ويفتح الباب أمام بيئة أكثر قابلية للتنسيق الاقتصادي والتجاري في مرحلة لاحقة، خصوصا إذا ما ترافق ذلك مع مسار سياسي يحافظ على وحدة الأراضي السورية ويقلص فرص التدخلات الخارجية المتنافسة.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة الاتفاق باعتباره خطوة تخدم منطق الاستقرار الإقليمي، حيث تتقاطع مصالح دمشق وأنقرة عند نقطة أساسية تتمثل في تقليص بؤر التوتر المزمنة، وإعادة ترتيب المشهد السوري على أسس أقل تصادمية وأكثر قابلية للاستدامة.
الولايات المتحدة: من الدعم إلى التهدئة وإعادة ترتيب الأولويات
في سياق هذه التحولات، تبدو المقاربة الأمريكية أكثر براغماتية مما كانت عليه في مراحل سابقة. فرغم الدعم الذي قدمته واشنطن لـ”قسد” خلال السنوات الماضية، أبدت الإدارة الأمريكية ترحيبا نسبيا باتفاق وقف إطلاق النار، معتبرة أنه يفتح نافذة لتقليل التوترات المسلحة وإعادة قدر من الاستقرار.
وتشير بعض التصريحات الأمريكية إلى أن الحوار بين دمشق وقادة الأكراد يمثل نقطة تحول نحو الشراكة داخل الدولة بدل الانقسام خارجها.
اللافت أن الموقف الأمريكي لم يعد يدفع باتجاه كيان مستقل في شمال شرق سوريا، بل يركز على استقرار أوسع تقوده الدولة المركزية، في تحول يعكس إعادة ترتيب أولويات واشنطن في الشرق الأوسط، وسعيها إلى تقليص انخراطها المباشر في صراعات استنزافية، لصالح التركيز على تحديات إستراتيجية أخرى.
أكراد سوريا بين الاندماج وملف الحقوق السياسية والثقافية
داخليا، يشكل الاتفاق اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة السورية على الموازنة بين وحدة الدولة وحقوق المكونات. فخلال العقد الماضي، طالبت الأوساط الكردية بحقوق سياسية وثقافية أوسع، وبرزت طموحات لإرساء نموذج لامركزي يعترف بالتعدد اللغوي والإداري. ورغم أن الاتفاق لا يحقق هذه الطموحات بالكامل، فإنه يفتح المجال أمام اعتراف أكبر بالدور السياسي للأكراد ضمن إطار الدولة الموحدة، بما قد يشمل حقوقا لغوية وثقافية محمية دستوريا.
إعلان
هذا التطور لا يمثل انتصارا لمشروع حكم ذاتي مستقل، لكنه يمنح الأكراد موقعا سياسيا وإداريا داخل الدولة السورية لم يكن متاحا لهم سابقا بهذا المستوى، وهو ما قد يشكل أساسا لتسوية طويلة الأمد إذا ما أدارته الدولة ضمن مقاربة شاملة وعادلة.
فرصة تاريخية لإعادة تكوين العقد الاجتماعي السوري
يمكن النظر إلى هذه اللحظة ليس فقط بوصفها تسوية سياسية، بل باعتبارها فرصة حقيقية لإعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع السوري المتنوع. فسنوات الحرب أنهكت المجتمع وعمقت الانقسامات، وأضعفت الثقة بين المواطن والدولة.
الاتفاق الحالي قد يشكل نقطة انطلاق لاستعادة هذه الثقة، شريطة أن يترافق مع برنامج سياسي واقتصادي يعالج جذور التهميش، ويضمن مشاركة حقيقية لكل المكونات، لا الاكتفاء بالحلول الأمنية أو الإدارية.
إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة المتساوية، والاعتراف بالتعدد الثقافي ضمن إطار الدولة، وإدارة الموارد والخدمات بما يحسن حياة السوريين، تبقى شروطا أساسية لتحويل هذه التسوية إلى مسار مستدام، لا مجرد هدنة سياسية مؤقتة.
سوريا الجديدة بين الوحدة واختبار التنفيذ
إن التطورات التي تشهدها سوريا اليوم، من وقف إطلاق النار إلى دمج “قسد” في مؤسسات الدولة، تمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة السورية على أسس أكثر استقرارا وشمولية. هذه اللحظة قد تكون بداية لسوريا موحدة وقادرة على استيعاب تنوعها، شرط ألا يعاد إنتاج أخطاء الماضي في الإقصاء والتهميش.
الدولة السورية تقف اليوم أمام اختبار حاسم: إما تحويل هذه التسوية إلى مشروع وطني جامع يعزز السيادة والوحدة، أو الاكتفاء بإعادة ترتيب إداري لا يعالج جوهر الأزمة.
وإذا كان الاتفاق قد أنهى طور الانقسام العسكري، فإن نجاح المرحلة المقبلة مرهون بقدرة الدولة على بناء سياسات اقتصادية واجتماعية عادلة، لا تقل أهمية عن التسوية السياسية نفسها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
أستاذ وكاتب صحفي
الجزيرة
———————
نهاية جغرافيا القلق.. الشيخ مقصود والأشرفية/ محمد برو
2026.01.28
حين تتحول الجغرافيا إلى قدرٍ قاهر؛ لطالما كان حي جبل السيدة “الشيخ مقصود”، كما عرفناه في نهاية الستينيات، وحي الأشرفية الذي تشكّل في ستينيات القرن المنصرم، جاذبَين عاليَي الكثافة لتنوّع سكاني ضمّ العرب والكُرد والأرمن ومجموعات صغيرة أخرى. غالبية هؤلاء كانوا ممن يعملون في صناعة الحجر في المقالع القريبة من هذين الحيين، إضافة إلى الصناعات النسيجية والجلدية التي تمركزت في منطقة بالليرمون المتاخمة لهما.
وفي الفترة الأخيرة، صار للحيين في المخيال العسكري والسياسي السوري شكل الجزيرة الأمنية المعزولة عن المركز المتموضع في شرق الفرات، لكنهما كانا شديدَي الالتصاق والتبعية للقرار السياسي الذي تتلقاه الإدارة الذاتية من قياداتها الفاعلة في جبال قنديل. ولم تكن هذه الإدارة السياسية تتمتع بأدنى حرية لاتخاذ قرارات تخدم خياراتها العسكرية والسياسية المستقلة.
في مطلع كانون الثاني من عام 2026، ظهر جلياً أن هذه القوات التي سيطرت على هذين الحيين وجنّدت أبناءهما قسراً لم تستطع، خلال عقدٍ ونيّف من الزمن، بناء حاضنة شعبية تحميها، الأمر الذي أنتج هزيمة مخزية خلال بضعة أيام ومن دون قتال حقيقي، خلا بعض المناوشات هنا وهناك، كان أبرزها استخدام قوات قسد القنص والاغتيالات العشوائية بحق مدنيين عُزّل، بعضهم من الكُرد الذين يزعمون أنهم ممثلون عنهم وحماة لهم.
أنتجت هذه الهزيمة – التي كانت مقدّمة لهزائم تالية ستفضي في النهاية إلى اختفاء قسد من الخارطة السورية – ذاكرة سوداء في مخيال كثير من السوريين الذين عانوا من تغوّلها؛ ذكرى لمجموعة مسلحة ترعب المدنيين، وتجنّد أطفالهم، وتعتمد القتل المجاني عبر القناصة، وتعطّل وتنهب البنى الصناعية المتاخمة لها. لكن في المحصّلة، أنتجت هذه الهزيمة انتقال الحيين من كذبة الأمن الذاتي “الذي لم يكن آمناً أبداً” إلى السيادة الوطنية المركزية التي تنسجم مع مفهوم الدولة واحتكارها للسلاح.
التحول الأول كان تنحية قوات الأسايش والمجموعات القتالية التابعة لقسد، والتي تضم مقاتلين من تنظيمات عراقية وإيرانية لا تمتّ بأدنى صلة للشأن السوري، وتسليم الحيين لعناصر قوى الأمن الداخلي الذين أعادوا الطمأنينة للسكان على مختلف تنوّعهم. ونتيجة لهذا التحول، تم تفكيك المربعات الأمنية وإماطة الحواجز الإسمنتية التي كانت تقطع أوصال الحيين وتعزلهما عن أحياء مجاورة مثل حيّي الهلك وبني زيد.
أنتج هذا الأمر سيولة وانسيابية في حركة الأفراد والسلع والعمالة لم تعشها هذه المنطقة منذ سيطرة قسد عليها، كما فتح الباب على مصراعيه لتطبيع إداري وإعادة دوران عجلة الاندماج الاقتصادي لعاصمة الاقتصاد والصناعة السورية “حلب” بالاقتصاد التركي الذي طالما كان شرياناً يغذّي الصناعة والتجارة السورية.
يعيش سكان الحيين اليوم تحولات نوعية في مصادر الطاقة والمياه والاتصالات وشكل الإدارة المدنية، الأمر الذي سينعكس بشكل نوعي على حياة السكان في تلك المناطق، بعد أن كانت تعيش تلوث المولدات وضجيجها الذي لا يتوقف. وخلال الاشتباك الأخير مطلع كانون الثاني 2026، نزح من الحيين ما يزيد على 155 ألف نسمة، واليوم يشهد الحيّان عودة متسارعة للسكان الذين خرجوا من منازلهم خشية الاشتباكات، وخشية أن تغدر بهم قسد كما فعلت بكثيرين ممن حاولوا الخروج من مناطق سيطرتها.
ويرى كثيرون أن هذا الانسحاب، الذي كشف عن الهشاشة التنظيمية والعسكرية والأخلاقية، ومدى التذمر الشعبي الذي تم كبته لدى الآلاف ممن سيطرت قسد على حياتهم ومواردهم، لم يمهّد الطريق لاستعادة هذين الحيين وإحراز نصر عسكري فحسب، بل تعدّاه ليكون خاتمة لملف الميليشيات التي تُدار من جبال قنديل بعقلية إجرامية ليس لديها منتج محسوس سوى قتل المدنيين العُزّل، ونهب الموارد، وتجنيد الأطفال، وزرع ثقافة الكراهية، وكذلك تفكيك الجيوب الانفصالية داخل المدن السورية التي تم اصطناعها بالتنسيق مع النظام البائد لخلخلة التماسك الاجتماعي في مدينة رئيسية مثل حلب.
لقد كشف الخروج السريع لقيادات قسد مدى هشاشة التحالفات التي بنتها خلال عقد من الزمن، والتي انهارت بشكل نهائي خلال خمسة أيام. ولم تكتفِ قسد بالانسحاب السريع تاركة المئات من عناصرها نهب الظروف الطارئة – والتي أحسن عناصر قوى الأمن التصرف إزاءهم فأمّنوهم على حياتهم – بل زرعت عشرات السيارات المفخخة، لتكشف عن عدوانية مقيتة لا تتوقف عند قتل المدنيين وممارسة أفظع أنواع الانتقام الهمجي.
لقد عاشت قسد خلال سنوات طويلة من الصراع ما يمكن أن نطلق عليه “جغرافيا القلق”، وسط جزيرة معزولة تسبح عكس التيار في محيط لا يشبهها ولا يرحب بها، واكتشفت متأخرة أن مشغّليها في جبال قنديل لا يأبهون بها ولا بعناصرها طالما أنها تخدم أجنداتهم. لقد كانت قسد، في منطقتها المعزولة في مدينة حلب، خرقاً لمفهوم سيادة الدولة ونمطاً متقدماً لتوحّش الميليشيا التي يمكن أن تمضي لأبعد حد في غرس الشقاق وتفتيت النسيج السوري، حتى لو اقتضى ذلك الاستعانة بالعدو التاريخي للبلاد “كيان إسرائيل الصهيوني”.
الأمر الذي جعلها كياناً مكروهاً لا يملك أي فرصة للمستقبل في هذه البلاد، وكان رهانها على الأكراد السوريين رهاناً خاسراً؛ فالغالبية العظمى من أكراد سوريا لا يتفقون مع هذه الميليشيا وتوجهاتها وممارساتها.
واليوم، بعد صدور القرار الرئاسي القاضي بإنصاف الكُرد السوريين وإعادتهم إلى الموقع المسلوب منهم في عهد النظام السابق، لم يعد من اللائق الحديث عن المكوّن الكردي والمكوّن التركماني أو الدرزي أو العلوي؛ فالجميع يمتلك الحق غير المنقوص في المواطنة المتساوية مع الجميع. وليس هذا منّة من أحد، بل ردّ لظلم طال أمده وتصحيح للمسارات المنحرفة التي وزّعت الظلم على السوريين جميعاً.
الحصيلة النهائية لخروج قسد من الحيين: نزوح ما يقارب 155 ألف نسمة، 23 قتيلاً من طرفي الاشتباك من دون مقتل أي مدني، إصابة 88 جريحاً من الطرفين (مدنيون وعسكريون)، الانسحاب الكلي خلال 72 ساعة، ونسبة العائدين خلال خمسة أيام تجاوزت 90%.
هناك جملة من التداعيات الإيجابية السريعة ستشهدها مدينة حلب، ولا سيما المناطق المتاخمة لحيّي الشيخ مقصود والأشرفية بعد انهزام قسد وانسحاب قواتها. وفي مقدمتها انهيار منظومة اقتصاد الحصار التي كانت تغذّي أرصدة قادة قسد المحليين الذين كانوا يتحكمون بمستويات التضخم القسري وفرض الإتاوات واحتكار المقربين منهم لتجارة المواد الأساسية، الأمر الذي أفضى إلى انخفاض الأسعار بنسبة 25% بشكل مباشر بسبب إلغاء رسوم العبور في تلك المناطق، علاوة على تقصير زمن الدورة الاقتصادية للمنتجات المحلية، الأمر الذي يزيد من الأرباح بشكل فعّال.
أتاح ذلك انتعاش بيئة الورشات المنتجة للعديد من الصناعات المحلية، وفي مقدمتها صناعة الجلديات والملابس التي كانت تعتمد على الأيدي الماهرة في هذين الحيين، كذلك إعادة هيكلة سوق العقارات التي ارتفعت أسعارها بنسبة 15% كونها أصبحت أماكن آمنة للسكن والاستقرار. كما حدثت انهيارات حادة في إمبراطوريات “الأمبيرات” التي كانت تتحكم في شطر من حياة القاطنين هناك، الأمر الذي وفّر شهرياً ما يتراوح بين 35 و45 دولاراً على الأسرة الواحدة بسبب الربط بالشبكة المحلية.
خلاصة القول إن البيئة الاقتصادية تنفر من الفراغ ولا تتواءم مع الحواجز، وجلّ ما نشهده اليوم في هذين الحيين هو تصحيح للمسارات التي اشتدّ اعوجاجها تحت سيطرة قسد. هذا التصحيح تأخر كثيراً، وكلنا أمل أن تتمكن الحكومة الجديدة من منع تشكّل مافيات جديدة تدير اقتصاد الحرب الذي تنتفخ له جيوب التجار الانتهازيين وتحرم المواطن البسيط من أبسط أساسيات العيش.
جدول مقارنة: المؤشرات الاقتصادية (قبل وبعد فتح الطرقات)
المؤشر الاقتصادي قبل يناير 2026
(السيطرة المنفصلة) بعد يناير 2026
(الاندماج الكامل)
كلفة النقل (للطن الواحد) مرتفعة (بسبب الرسوم الجانبية) انخفاض بنسبة 40%
سعر السلع الغذائية الأساسية أعلى من مركز المدينة بـ 15% مساوية لأسعار السوق المركزي
النشاط الصناعي (الورشات) يعمل بـ 30% من طاقته نمو متوقع ليصل إلى 75%
المخاطر الاستثمارية عالية جدًا (عدم استقرار قانوني) متوسطة إلى منخفضة
تلفزيون سوريا
———————
أكراد لبنان… ما عددهم؟ وهل يستجيبون لمناشدات “قسد”؟/ فايزة دياب
28 يناير 2026
مع عودة المسألة الكردية من البوابة السورية إلى الواجهة من جديد في الأسابيع الماضية، وإعلان قيادة “قوات سوريا الديمقراطية” (“قسد) بعد اشتباكات مع الجيش السوري، حالة “النفير العام” والدعوة إلى التضامن الكردي، شهدت بيروت مسيرة احتجاجية نظمها أكراد لبنان تعبيرا عن دعمهم لأبناء القومية الكردية، أمام مقر “لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا” (الإسكوا) في وسط بيروت، انتهت بتسليم وفد من “رابطة نوروز” وممثل “الإدارة الذاتية” رسالة إلى نائبة الأمم المتحدة في لبنان، شاديا عبد الله، لنقل مطالب الشعب الكردي إلى المحافل الدولية.
الأكراد، الذين اعتادوا في لبنان التجمع للاحتفال بـ”عيد النوروز”، وإبراز الثقافة الكردية عبر الموسيقى الشعبية والرقص والأزياء التقليدية في 21 مارس/آذار من كل عام، وجدوا أنفسهم هذه المرة أمام ما يصفه لقمان محو، رئيس “الجمعية الكردية اللبنانية للخدمات الاجتماعية”، انه “التزام قومي وأخلاقي يدفعهم للتضامن مع المظلومين من أبناء قوميتهم”. غير أن هذا الحراك التضامني، أعاد طرح أسئلة تتجاوز الحدث الآتي من سوريا، حول حجم الوجود الكردي في لبنان، وعددهم، ووضعهم القانوني، وأماكن تمركزهم؟
يعود وجود الأكراد في لبنان إلى عقود طويلة مضت، منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، غير أن حجمهم الديموغرافي ظلّ خارج الإحصاءات الرسمية الدقيقة. تقديرات غير رسمية تفيد بأن عددهم كان في حدود 60 ألف كرديّ في عام 1958، قبل أن يرتفع تدريجيا ليصل اليوم إلى ما بين 100 و150 ألف شخص، نتيجة النمو الطبيعي والهجرات القادمة من مناطق كردية في تركيا وسوريا والعراق، هربًا من الاضطرابات السياسية والاقتصادية. وقد استطاع عدد كبير من الأكراد الحصول على الجنسية اللبنانية بموجب مرسوم التجنيس عام 1956، بينما حصل الباقون عليها في مرسوم عام 1994، فيما لا يزال حوالي 40 في المئة من الأكراد في لبنان لا يحملون الجنسية اللبنانية، إنما بطاقات “قيد الدرس”، تحرمهم من أبسط الحقوق الأساسية من حق العمل والتملك والتعليم والطبابة وسواها، رغم أن 90 في المئة منهم مولودون في لبنان، الأمر الذي دفع بالآلاف منهم في الهجرة إلى الخارج.
في هذا السياق تقول نائبة رئيس “رابطة نوروز الثقافية” حنان عثمان لـ “المجلة” إن “الوجود الكردي في لبنان قديم ومتعدد المراحل. تعود الموجة الأولى إلى عهد صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر، حين استقر مقاتلون وأسر كردية في مناطق لبنانية ضمن سياق تاريخي وسياسي معروف. أما الموجة الأكبر والأكثر تأثيرا، فجاءت بعد الحرب العالمية الأولى، مع انهيار الدولة العثمانية، وتقسيم كردستان بين أربع دول قومية، وما رافق ذلك من اضطهاد ومجازر وإعدامات بحق القيادات والشعب الكردي، ما دفع آلاف الكرد إلى اللجوء نحو لبنان. أما عددهم، فلا توجد إحصاءات رسمية دقيقة، لكن التقديرات غير الرسمية تتراوح بين 50 و70 ألف شخص”.
وتضيف عثمان: “من ناحية الجنسية، ليس جميع الكرد حاصلين على الجنسية اللبنانية. صحيح أن قسما منهم نالها خلال مراحل سابقة، لكن لا يزال عدد غير قليل يعيش في أوضاع قانونية هشّة أو كان حتى وقت قريب من عديمي الجنسية أو حاملي وثيقة قيد الدرس، ما انعكس سلبا على حقوقهم الاجتماعية والسياسية.
اندماج اجتماعي مقابل تهميش سياسي
يتوزّع الأكراد في لبنان على نطاق جغرافي واسع، بدءا من العاصمة بيروت وضواحيها، إضافة إلى تجمعات في البقاع والشمال، حيث اندمجوا في النسيج الاجتماعي المحلي، من دون أن يوازي هذا الاندماج اعترافا رسميا بهويتهم القومية، فهم ليسوا جزءا من طوائف لبنان، بل ألحقوا بالطائفة السنية، الأمر الذي حرمهم من أي “تمثيل سياسي مستقل” بحسب لقمان محو.
ويضيف لقمان محو في حديثه مع “المجلة”، أن “أكراد لبنان يفتخرون بهويتهم اللبنانية وهم جزء لا يتجزأ من النسيج اللبناني، ففي سوريا والعراق وإيران وتركيا، يحق للأكراد المطالبة بحكم ذاتي نظرا لامتدادهم الجغرافي والثقافي، بينما في لبنان يختلف الوضع تماما، هنا لا يوجد كردستان، والدولة اللبنانية منحتنا حقوقنا كاملة دون تمييز، لدينا جمعياتنا ونمارس طقوسنا وعاداتنا بحرية، ولكن تكمن مشكلتنا في التمثيل السياسي بالمجلس النيابي أو مجلس الوزراء، فمثلا الأرمن في لبنان احتُضنوا من المسيحيين وصار لديهم حصتهم النيابية والوزارية، بينما نحن تم احتضاننا اجتماعيا وثقافيا في الطائفة السنية ولكن لم نأخذ أي تمثيل سياسي، لذا نعم هناك تمييز عنصري بمكان ما، خصوصا أن لا اعتراف رسميا بقوميتنا الكردية في الهوية، نحن مسجلون كمسلمين سنة، وليس كأكراد”.
من جهتها ترى عثمان أن “العنصرية ضد الكرد في لبنان ليست مباشرة أو فظة غالبا، لكنها موجودة بشكل بنيوي وغير معلن. تظهر في التهميش السياسي، وغياب التمثيل، وفي الصور النمطية التي تحصر الكرد في أدوار اجتماعية محددة. الكرد خارج المعادلة الطائفية، وهذا بحد ذاته سبب رئيس لتهميشهم، لأن النظام اللبناني لا يعترف إلا بالطوائف، لا بالهويات القومية أو الثقافية”.
وتؤكد: “نعم، الكرد مندمجون اجتماعيا إلى حد كبير، يشاركون في الحياة الاقتصادية والثقافية، ويتفاعلون مع محيطهم اللبناني بشكل طبيعي. لكن هذا الاندماج جاء أحيانا على حساب التعبير العلني عن الهوية. ممارسة العادات والتقاليد موجودة، لكن في الإطار الخاص أو المجتمعي الضيق، وليس ضمن فضاء عام معترف به رسميا، وهذا يعني أن الاندماج تحقق، لكن الاعتراف بالوجود الكردي والهوية الكردية لم يتحقق”.
ما مطالب أكراد لبنان؟
إذن رغم مرور عقود على الوجود الكردي في لبنان فإن الوجود الكردي لم يصل إلى حد الاعتراف بالقومية الكردية كجزء من التعدد اللبناني، لذا يبقى وجودهم الاجتماعي مختصرا عبر جمعيات اجتماعية وثقافية محدودة، يحاولون من خلالها الحفاظ على ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم، رغم تسجيل تجارب محدودة للاندماج في العمل السياسي في لبنان حيث شهد عام 1975 تأسيس حزب “رزكاري” الكردي اللبناني، فضلا عن “الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية” التي أُنشئت عام 1963، إضافة إلى “مجلس الأعيان الكردي اللبناني الأعلى”، و”رابطة نوروز الثقافية والاجتماعية”، في محاولة للحفاظ على الهوية والدفاع عن القضايا الاجتماعية والسياسية للجالية الكردية في البلاد.
ولكن ما حصل في سوريا مؤخرا مع إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع إصدار مرسوم خاص قال فيه إنه يضمن حقوق الأكراد وخصوصياتهم لتكون مصونة بنص القانون، وإعطاء أكراد سوريا الجنسية، وإعلان اللغة الكردية لغة وطنية، لتدرّس بذلك في المدارس للمرة الأولى منذ استقلال سوريا عام 1946، وهو ما يطرح سؤالا حول مطالب أكراد لبنان.
تؤكد عثمان أن المطالب الكردية في لبنان ثقافية وحقوقية بالدرجة الأولى، ومنها: “الاعتراف بالهوية الكردية كجزء من التعدد اللبناني، والسماح بتعليم اللغة الكردية ضمن أطر ثقافية أو تربوية، والاعتراف بعيد النوروز كعيد ثقافي رمزي، أسوةً بقوميات أخرى، هذه المطالب تصطدم حاليا بنظام قانوني لا يعترف إلا بالطوائف، ما يجعل أي حق ثقافي خارج هذا الإطار صعب التحقيق”.
هل يلبي أكراد لبنان دعوة “قسد” النفير العام؟
على وقع الاشتباكات بين “قسد” والقوات الحكومية في شمال سوريا، أعلنت القيادة العامة لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، حالة “النفير العام”، ودعت “الشباب والشابات في روجافا وكردستان الشمالية والجنوبية والشرقية، إضافة إلى الجاليات الكردية في أوروبا، إلى الوحدة والانخراط في المقاومة”، هل سيلبي أكراد لبنان هذه الدعوة، خصوصا أن للأكراد تجربة عسكرية سابقة في لبنان، ففي أعقاب الانقلاب العسكري في تركيا عام 1980 أسس عبدالله أوجلان، زعيم “حزب العمال الكردستاني”، أول معسكر تدريبي رسمي لـ”حزب العمال الكردستاني” في البقاع، الذي عُرف لاحقا باسم “معسكر معصوم قورقماز”، قبل أن يضطر للمغادرة مع بداية التسعينات.
وفي هذا الإطار يقول محو: “نحن نتضامن مع كل الشعوب المضطهدة والمظلومة، فكيف إذا كان هذا الشعب هو الشعب الكردي، مظاهراتنا هي للدفاع عن قوميتنا وشعبنا وشرفنا، نحن نتعاطف مع ما يجري لأبناء شعبنا ولكن لا نتدخل بما يجري، هم مقيمون بجغرافيا كردية ونحن في لبنان منصهرون في المجتمع اللبناني، الأكراد في سوريا ليسوا بحاجة لنا، كل ما نفعله هو التضامن لنعلي الصوت بأننا إلى جانب شعبنا”.
ويضيف: “ما يحصل في سوريا هو نزاع عربي-كردي، ونحن في لبنان نعيش في محيط عربي، لكن لم نشهد أي تحريض من المجتمع اللبناني ضدنا، لكن حصلت بعض التوترات بين أكراد سوريين وعرب سوريين في منطقة برج حمود، ولكن كأكراد لبنانيين لم يحصل أي إشكال مع المحيط اللبناني”.
ويتابع: “نحن في لبنان لدينا خصوصيتنا، نحرص على عدم التدخل بما يجري خارج حدود لبنان، نمارس ثقافتنا، ولغتنا، وعاداتنا وتقاليدنا، ولكن أيضا لا يمكن إنكار تضامننا وتعاطفنا مع أبناء قوميتنا خصوصا في سوريا، لما يربطنا من علاقات عائلية مع أكراد سوريا، ونحن دائما موحدون تحت راية قوميتنا”.
وهذا ما تؤكد عليه عثمان، إذ تقول إن “الكرد في لبنان يتأثرون وجدانيا وسياسيا بما يجري في سوريا، خاصة حملة الإبادة التي يتعرضون لها اليوم، خصوصا مع وجود روابط عائلية وثقافية وتاريخية مباشرة، لكن من المهم التأكيد على أن الكرد في لبنان لم ولن يشكلوا أي حالة عسكرية أو أمنية، ولم ينخرطوا في أي عمل مسلح. والدعوات التي ظهرت على وسائل التواصل بقيت محدودة وعاطفية، ولم تتحول إلى واقع فعلي، لأن الكرد في لبنان يدركون خصوصية الوضع اللبناني وحساسيته. حتى الآن، لا يمكن الحديث عن حملة ممنهجة ضد الكرد في لبنان، لكن هناك قلقا مشروعا من انعكاسات الخطاب التحريضي أو التعميم السياسي. بعض الكرد يشعرون بضغط نفسي أو حذر متزايد، خاصة في ظل توترات إقليمية، لكن المجتمع اللبناني عموما لا يزال يحافظ على مستوى مقبول من التعايش. ومع ذلك، يبقى الخطر الحقيقي هو الخطاب الإعلامي والسياسي غير المسؤول الذي قد ينقل صراعات الخارج إلى الداخل”.
إذن، بين اندماج أكراد لبنان في الحياة اليومية وحرصهم على إظهار هويتهم الثقافية في محطات مفصلية، تبرز أسئلة مؤجَّلة حول وضعهم القانوني، وحقوقهم، وحدود تمثيلهم داخل الدولة اللبنانية. أسئلة يعيد الواقع الإقليمي طرحها، وتضع لبنان أمام اختبار إضافي في مقاربة التنوّع، كجزء من نقاش أوسع حول المواطنة والاعتراف والتعددية.
————————————
نفق بطول 30 كيلومترا يفضح شبكة “قسد” تحت الأرض في ريف عين العرب
عثر الجيش السوري على نفق كبير يعود لتنظيم “قسد” في منطقة جبلية تتبع لريف عين العرب، وذلك بعد سيطرته على الموقع، في حين أقدمت قوات التنظيم على تفجير النفق عقب انسحابها منه.
وأفادت مصادر للجزيرة مباشر، بأن النفق كان يُعد من أكبر الأنفاق التي أنشأها تنظيم “قسد” في المنطقة، إذ احتوى على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، التي تناثرت داخل النفق ومحيطه نتيجة عملية التفجير. كما أظهرت مشاهد حصلت عليها الجزيرة، وجود قذائف وطلقات متنوعة، بينها ذخائر للرشاشات الثقيلة والمتوسطة وقذائف هاون.
وذكرت المصادر أن النفق صُمم ليستوعب مرور المدرعات والشاحنات والسيارات، ويتفرع منه عدد كبير من الأنفاق الصغيرة التي تمتد باتجاه مناطق مختلفة في ريف عين العرب، رابطا بين الجبال والتلال المحيطة.
يمتد لمسافة تقارب 30 كيلومترا
وبحسب الجيش السوري، فإن النفق يمتد لمسافة تقارب 30 كيلومترا، ويصل بين ريف عين العرب ومدينة منبج، مرورا أسفل نهر الفرات، ما يشير إلى بنية تحتية عسكرية معقدة كان التنظيم يعتمد عليها في تحركاته ونقل العتاد.
كما عُثر داخل الموقع على معدات حفر وآليات استُخدمت في إنشاء شبكة الأنفاق، إضافة إلى طرق داخلية مخصصة لحركة المركبات في اتجاهين، مع استمرار وجود تشعبات فرعية في أكثر من نقطة.
وأكدت المصادر أن تنظيم “قسد” فجر النفق عن بعد عقب مغادرته المنطقة، في خطوة وصفت بأنها تهدف إلى إحداث أكبر قدر من الدمار وتهديد سلامة المدنيين القاطنين في المناطق القريبة من الجبال بريف عين العرب.
وفي 18 يناير/كانون الثاني الجاري، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع اتفاقا لوقف إطلاق النار مع تنظيم “قسد”، يقضي بإدماج عناصره ضمن مؤسسات الحكومة.
وجاء الاتفاق عقب عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري استعاد خلالها مناطق واسعة شرقي وشمال شرقي البلاد، إثر خروقات تنظيم “قسد” المتكررة لاتفاقاته الموقعة مع الحكومة قبل 10 أشهر، وتنصّله من تنفيذ بنودها.
—————
خريطة المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال شرق سورية/ سلام حسن
28 يناير 2026
تشكّل المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال شرق سورية شريطاً جغرافياً متصلاً على طول الحدود السورية – التركية، يمتد من رأس العين غرباً وصولاً إلى عين ديوار والمالكية (ديريك) شرقاً، وبعمق يتراوح بين 15 و20 كيلومتراً باتجاه الجنوب، وصولاً إلى الطريق الدولي “إم 4″، الذي يربط العراق بسورية مروراً باليعربية وحلب وصولاً إلى دمشق.
وتبرز مدينتا الدرباسية وعامودا، التابعتان لمحافظة الحسكة، نموذجين لمناطق ذات غالبية كردية كبيرة، سواء في مركز المدينتين أو في القرى المحيطة بهما. ورغم ذلك، شهدت هذه المناطق تغييرات ديمغرافية منذ سبعينيات القرن الماضي، حين نقل نظام حافظ الأسد عام 1974، عوائل عربية من محافظة الرقة إلى أجزاء من الشريط الحدودي، بعد غمر أراضيهم بمياه سد الفرات، في إطار ما عُرف آنذاك بسياسات “التعريب”، حيث وُزعت عليهم أراضٍ تعود في الأساس لملّاك أكراد.
في المقابل، تُعد منطقة رأس العين مثالاً لمناطق التداخل السكاني، إذ تضم خليطاً من العرب والكرد، إلى جانب مجموعات شيشانية وشركسية وتركمانية. أما مدينة القامشلي، أكبر مدن المحافظة بعد الحسكة، فتتميّز بتنوّعها السكاني والديني، إذ تضم العرب والكرد والسريان، إلى جانب مختلف الطوائف المسيحية، وهو تنوّع ينسحب أيضاً على القرى المحيطة بها، وإن بنسب متفاوتة.
وبالاتجاه شرقاً نحو الحدود مع إقليم كردستان العراق، يزداد حضور المكون الكردي، سواء في قرى خالصة أو مختلطة مع العرب، وصولاً إلى معبر فيش خابور. ويشير متابعون إلى أن هذا الشريط الحدودي يمثّل مركز الثقل الديمغرافي للمكون الكردي السوري، فيما تقل نسبة الأكراد كلما اتجهنا جنوباً نحو مركز مدينة الحسكة، حيث تزداد القرى المختلطة أو القرى المتجاورة التي تسكنها مكونات مختلفة، عربية وكردية ومسيحية.
وخارج محافظة الحسكة، تبرز مدينة عين العرب (كوباني) في محافظة حلب مدينة ذات غالبية كردية ويقدّر عدد سكانها ما بين 80 و100 ألف نسمة، فيما تقع مدينة عفرين على الضفة الغربية لنهر الفرات، ويقدّر عدد سكانها بأكثر من نصف مليون نسمة، وتُعد أيضاً من المناطق ذات الغالبية الكردية.
وفي ظل تطورات وقف إطلاق النار الأخيرة بين الجيش السوري و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، تتجه الدولة السورية، بحسب مصادر متابعة، لـ”العربي الجديد”، إلى اعتماد مقاربة أمنية تقوم على تجنّب إدخال قوات الجيش بالسلاح الثقيل إلى هذه المناطق، وعدم نشر قوى أمنية من خارجها. وبدلاً من ذلك، يجري الحديث عن استنساخ تجربة صحنايا وجرمانا في محيط دمشق، عبر تنسيب أبناء هذه المناطق إلى قوى الأمن الداخلي، لتولّي مهام حفظ الأمن المحلي.
وتشير المصادر إلى أن هذا التكتيك يهدف إلى الحدّ من الاحتكاك ومنع أي دخول “مستفز” لقوى من مكونات أخرى، في ظل حساسية التركيبة السكانية، وهو نهج سبق أن استُخدم في تجارب إقليمية مشابهة، أبرزها في جنوب شرق تركيا خلال فترات الصراع مع حزب العمال الكردستاني. وبينما تؤكد الجهات الرسمية التزامها بعدم إدخال السلاح الثقيل وعدم انتداب عناصر أمنية من خارج المنطقة، تبقى التحديات الأمنية والسياسية مرتبطة بمدى صمود وقف إطلاق النار، وقدرة هذه الترتيبات المحلية على منع تجدد التوتر في واحدة من أكثر مناطق سورية تعقيداً من حيث الجغرافيا والديمغرافيا.
معبر سيمالكا – فيشخابور بين سورية والعراق
يُعدّ معبر سيمالكا–فيشخابور أحد أبرز المعابر الحدودية غير الرسمية التي لعبت دوراً سياسياً وأمنياً متقدماً في المنطقة منذ تسعينيات القرن الماضي. فُتح المعبر عام 1994، في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، وكان في بداياته ممراً صغيراً يُستخدم أساساً لعبور قيادات وأعضاء المعارضة الكردية العراقية خلال الصراع بين الحركة الكردية في إقليم كردستان العراق والنظام في بغداد.
وجاء فتح هذا الممر في سياق إقليمي ودولي خاص، إذ تمّ بتوصية أوروبية وبموافقة من رئيس النظام آنذاك حافظ الأسد، الذي كانت تربطه عداوة سياسية عميقة مع الرئيس العراقي حينها صدام حسين. وقد أتاح المعبر حينها للكرد هامشاً أوسع للتحرك السياسي الخارجي، وفتح قنوات اتصال دبلوماسية مع دول غربية، في وقت كانت الحدود الرسمية مغلقة أو خاضعة لقيود مشددة.
وخلال تلك المرحلة، ظل معبر سيمالكا–فيشخابور مفتوحاً لعبور القيادات السياسية والشخصيات الحزبية، وكان يُدار من الجانب السوري من فرع المخابرات العسكرية، فيما تولّى إدارته من جانب إقليم كردستان العراق شوكت بربهاري، ما منح المعبر طابعاً أمنياً–سياسياً أكثر منه تجارياً أو مدنياً. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، دخل المعبر مرحلة جديدة، إذ تحوّل تدريجياً إلى معبر شبه رسمي، واتسع دوره بشكل ملحوظ، سواء من حيث حركة العبور أو الأهمية السياسية والاقتصادية والإنسانية، ليصبح لاحقاً أحد أبرز الشرايين الحيوية التي تربط شمال وشرق سورية مع إقليم كردستان العراق.
———————–
======================
تحديث 27 كانون الثاني 2026
———————————
ما بعد «قوات سوريا الديمقراطية»!/ بكر صدقي
بخروج المكون العربي من قوات سوريا الديمقراطية، تعود هذه إلى أصلها الكردي كـ»وحدات حماية الشعب» و«وحدات حماية المرأة» التابعتين لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي هو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وبالتوازي مع هذا التحجيم من حيث عدد المقاتلين، والتصفية من حيث البنية العرقية – الثقافية، تقلصت أيضاً مناطق سيطرتها إلى تلك التي يشكل فيها الكرد غالبية سكانية، الحسكة والقامشلي وكوباني والقرى المحيطة بهذه المدن. غير أن الأهم من هذه العوامل، من منظور موازين القوى، هو فقدان حماية الحليف الأمريكي الذي اعتمد سلطة دمشق، بدلاً من قسد، في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية – داعش. فإعادة التموضع الأمريكية هذه هي التي وضعت قسد في أضعف حالاتها أمام سلطة دمشق المدعومة من دول إقليمية ودولية منحته شرعية «الدولة» السورية، لتترك أمام قسد خياراً وحيداً هو الاستسلام الكامل بلا شروط.
من زاوية نظر قسد، ومن ورائها حزب العمال الكردستاني، فهذا تطور كارثي. فقد حلت قيادة «الكردستاني» نفسها، في إطار العملية السياسية الجارية في تركيا منذ نحو سنة ونصف، مقابل وعود غامضة من الدولة التركية، وفي ذهنها أنها تملك ورقة قوة تتمثل في شبه الدولة في مناطق شمال وشرق سوريا تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، لا تقتصر على قوة عسكرية كبيرة محمية من قوات التحالف الدولي، بل تملك أيضاً موارد مادية كبيرة تحصل عليها من الثروة النفطية السورية، ومخزوناً كبيراً من السلاح، وهياكل إدارية تحت مسمى «الإدارة الذاتية» تستمد منها شرعية تمثيلية. فبوجود هذه الإمكانيات الكبيرة يمكن لـ«الكردستاني» أن يحل نفسه ويتخلى عن كفاحه المسلح ضد الدولة التركية، ويخلي مناطق تمركزه في جبال قنديل في شمال العراق، مقابل وعود بحل المسألة الكردية في تركيا على أساس المواطنة المتساوية وضمان الحقوق الثقافية على قدم المساواة مع الأتراك والمكونات الأخرى، بوصف هذه النتيجة المبتغاة تتويجاً لصراع دموي يمتد إلى أواخر السبعينيات من القرن الماضي. إضافة إلى ذلك كانت قيادة «الكردستاني» موعودة بإطلاق سراح زعيمها أوجلان بعدما أمضى في السجن أكثر من ربع قرن، وتسوية أوضاع مقاتلي الحزب من الناحية القانونية بحيث يعودون إلى بيوتهم بعد تسليم سلاحهم، ويعاد إدماجهم في المجتمع ويواصلون نشاطهم السياسي المدني لمن أراد منهم ذلك في إطار الحياة السياسية العادية في تركيا.
هذا هو باختصار تصور أوجلان الذي قام بقيادة هذه العملية من جهة «الكردستاني» بصورة متوافقة مع الزعيم القومي المتشدد دولت بهجلي الذي كان صاحب المبادرة في إطلاقها والضغط على حكومة أردوغان للمضي فيها بلا عراقيل. وقد حققت العملية نتائج مهمة من زاوية نظر الدولة التركية، أهمهما حل «الكردستاني» الذي تقرر في مؤتمر للحزب ولا يمكن التراجع عنه بخفة، وتكريس زعامة أوجلان للحركة السياسية الكردية في تركيا وكذلك في دول الجوار حيثما كان للحزب وجود. تكمن أهمية هذه النقطة في أن هذا الزعيم موجود بين أيدي الدولة التركية العميقة، وتم استخدامه في عدد من المناسبات في مواجهة زعامة صلاح الدين دمرتاش للحركة السياسية الكردية في تركيا، وبخاصة في المعارك الانتخابية التي تموضعت فيها هذه الحركة في الصف المعارض للتحالف الحاكم بقيادة أردوغان وبهجلي. فكانت تتم الاستعانة بتصريحات لأوجلان لاستمالة الناخب الكردي إلى صف السلطة. لنسجل هنا أن ذلك التكتيك لم ينجح، بل أدى إلى زيادة التفاف ذلك الناخب حول حزبه الممثل في البرلمان.
اليوم، وعلى ضوء التطورات السريعة في سوريا، يتردد في الرأي العام التركي كلام عن «نهاية» العملية السياسية في تركيا، أو «موتها السريري» بالنظر إلى تلكؤ السلطة في الوفاء بحصتها من الالتزامات، بعدما أوفى أوجلان وحزبه بكل ما طلب منهما. ونقل نواب «حزب المساواة والديمقراطية» عن أوجلان، بعد آخر زيارة له في السجن، كلاماً يسوده التشاؤم، وحثاً للحكومة على المضي في العملية السياسية، وقلقاً بشأن ما يحدث على الجانب الآخر من الحدود.
تبدو القيادة التركية راضية عن تمديد الهدنة الهشة بين سلطة دمشق وقوات قسد، فقد أعلن عنها وزير الخارجية التركي فيدان قبل وزارة دفاع دمشق، في تجل صريح للطرف الحقيقي صاحب مشروع إخضاع قسد وتفكيكها كجزء من تفكيك حزب العمال الكردستاني. أما قيادة قسد الممزقة بين متطلبات الوقائع الجديدة في سوريا وحاجات قيادة «الكردستاني» المنحل نظرياً، فهي تسعى للاستعانة بما بقي في حوزتها من أوراق قليلة لمواجهة الضغط الهائل الذي تتعرض له، كقيادة إقليم كردستان وفرنسا وأعضاء في الكونغرس الأمريكي، وحتى إسرائيل. ولكن يبدو أن أحداً من هؤلاء لم يستجب لأنهم يجدون أنفسهم أمام قيادة ترامب المصممة على مواصلة دعمها لسلطة الشرع. فلم يبق أمامها غير الاستعانة بالشارع الكردي لتشكيل رأي عام ضاغط على أمل تحسين شروط تفاوضها مع سلطة الشرع، وتخفيف صدمة السقوط. فامتلأت الشوارع في المدن التركية والأوروبية بمظاهرات التضامن مع كرد سوريا الذين أطبق جيش سلطة دمشق الحصار عليهم في كوباني والقامشلي ومناطق أخرى.
يبقى أن سقوط أنظمة وقوى أمر واقع في منطقتنا لا يكون إلا مترافقاً مع سقوط الدولة أو البيئة الاجتماعية المحكومة من قبلها، أو كليهما معاً. فكما كان سقوط نظام صدام حسين في العراق سقوطاً للدولة العراقية نفسها، وسقوط نظام الأسد سقوطاً للدولة السورية، ومثلهما ينطبق على ليبيا واليمن والسودان، يمكن لنهاية قسد أن تشكل نهاية للحلم الكردي، لا في الاستقلال، بل حتى في المواطنة المتساوية. الكرد اليوم، وبصرف النظر عن قسد، لا يثقون بسلطة دمشق، ولا بتعهداتها أو مرسومها الجمهوري، بعدما رأوا ما فعلته قواتها في مدن الساحل وفي السويداء، وحيثما سيطروا في المناطق التي انسحبت منها قسد. تحتاج الثقة إلى وقت وسلوك يعززها، لا بروباغندا إعلامية تطمس الحقائق وتختلق الأكاذيب.
كاتب سوري
القدس العربي
———————————
أميركا “الخائنة للكُرد”/ شعبان عبود
27 يناير 2026
في الخطاب السياسي والإعلامي السائد لكثيرين من النخب الكردية وحتى العوام منهم، يتكرّر توصيف ما جرى بين الولايات المتحدة والكُرد، وخصوصاً في سورية، بأنه “خيانة أميركية”. غير أن هذا التوصيف، على شيوعه، يعكس قراءة عاطفية منفعلة للسياسة الدولية أكثر مما يعكس فهماً واقعياً لمنطقها، فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على الأخلاق أو المشاعر، بل على شبكة معقدة من المصالح المتغيرة، والتوازنات الإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق، يصبح الحديث عن “خيانة” مضللاً، لأنه يفترض وجود التزامات أخلاقية أو سياسية لم تكن قائمة أساساً.
منذ بداية الانخراط الأميركي في الملف السوري، كانت طبيعة العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) واضحة ومحددة. واشنطن لم تقدم أي تعهدات سياسية تتعلق بمستقبل المناطق التي سيطرت عليها هذه القوات، ولم تطرح يوماً دعماً لمشاريع انفصالية أو صيغ حكم ذاتي أو فيدرالية. اقتصر الدعم الأميركي على الجانبين العسكري واللوجستي، وفي إطار مهمّة محدّدة، محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). لم يكن هذا السقف خفياً، بل جرى الإعلان عنه مراتٍ، ما يعني أن أي توقعات سياسية تتجاوز هذا الإطار لم تكن سوى أوهام غذّتها حسابات محلية وخطابات قومية.
تكمن الإشكالية الكبرى في الخلط بين مفهومي التحالف والشراكة الوظيفية. تُبنى التحالفات في السياسة الدولية بين دول ذات سيادة، وتستند إلى مصالح استراتيجية بعيدة المدى، كما هو الحال في تحالف الولايات المتحدة مع تركيا أو مع دول غربية كبرى. أما العلاقة مع “قسد” فلم تكن تحالفاً، بل استخداماً مؤقتاً لقوة محلية لتنفيذ مهمة محددة. وعندما انتهت هذه المهمة، أو تغيّرت أولويات واشنطن، تراجع هذا الدور تلقائياً، من دون أن يعني ذلك خرقاً لتعهّد أو نقضاً لاتفاق سياسي.
يرتبط تصاعد خطاب “الخيانة” أيضاً بشحن قومي عاطفي يستند إلى مظلومية تاريخية عاشها الأكراد في المنطقة، نتيجة فشلهم في إقامة دولة قومية بعد الحرب العالمية الأولى. هذه المظلومية حقيقية من حيث التاريخ، لكنها ليست استثناءً في المنطقة، فالعرب، ولا سيما في بلاد الشام، تعرّضوا لظلم تاريخي تمثل في التجزئة، والانتداب، وتسليم فلسطين للحركة الصهيونية، واقتطاع أجزاء من الجغرافيا السورية. التاريخ الحديث للمنطقة هو تاريخ خسائر جماعية، لا سردية مظلومية واحدة.
في الحالة السورية، جرى دمج هذه المظلومية القومية العامة بحالاتٍ خاصة ومحدودة، مثل قضية حرمان فئة من الأكراد من الجنسية السورية في ظروف تاريخية غير مستقرّة، كان ينبغي معالجتها لاحقاً بشكل إنساني وقانوني. هذا الدمج، مع حالة التهميش والتأخر الاجتماعي التي عاشتها الجزيرة السورية بكل مكوناتها، وفّر بيئة مناسبة لتمدد فكر حزب العمال الكردستاني، بعقيدته الأيديولوجية المختلطة بين ماركسية مشوهة وتعصب قومي.
ومع انهيار الأوهام المرتبطة بمشروع “روج آفا”، ظهرت صدمة سياسية ومعرفية لدى قطاعات من الشارع الكردي، جرى تفسيرها مجدّداً بلغة الخيانة. غير أن الخلل لم يكن في “غدر” الخارج، بل في سوء قراءة الواقع الدولي، والرهان على قوة عظمى لا تتحرّك إلا وفق مصالحها. تجاوز هذه المرحلة يتطلب التخلي عن خطاب الاتهام، والعودة إلى فهم أعمق لمنطق السياسة، حيث لا توجد دول خائنة أو وفية، بل مصالح تتقاطع حيناً وتتصادم حيناً آخر. وأي قراءة بسيطة لتاريخ العلاقات الدولية، ولا سيما إذا كان أحد أطرافها دولة عظمى، تكشف حتمية هذا المآل، وقد حذّر عشرات المحللين والسياسيين
على مدى السنوات العشر من هذه العلاقة. ولطالما ذكروا الأمثلة، وكرروا تلك العبارة الشهيرة التي تكررت حتى ابتذلت: “المتغطّي بأميركا عريان”.
العربي الجديد
—————————————
أكراد سوريا: ما بعد تجربة قسد/ عمر قدور
الثلاثاء 2026/01/27
التصريح الذي أدلى به قائد قوات سوريا الديموقراطية-قسد، قبل يومين، لقناة روداو، يُبدي الاستعداد لتنفيذ اتفاق 18 كانون الأول مع دمشق، خلال فترة الهدنة المعلنة بين الجانبين. مع تنويهنا بأن هناك مؤشرات إلى عمل عسكري قد ينقض الهدنة، وينقض معها الاتفاق الذي يضمر تنازلات من قسد عن اتفاق 10 آذار 2025 الذي أصبح من الماضي. في كل الأحوال، تجربة قسد كما هي معروفة أصبحت من الماضي، وكذلك هو حال الإدارة الذاتية المدنية، بما أن المؤسسات المدنية ستعود لتكون تابعة للمركز، وأيضاً المعابر الحدودية.
الأجواء التي أحاطت بالمعارك بين القوات الحكومية وقسد، توحي بأن الاتفاق لن يأخذ الوجهة الأفضل للأخيرة وما تمثّله، فالعبرة في تطبيق التفاهمات بلا التفاف عليها لجعلها شكلية. على سبيل المثال لا يُعدّ تعيين مساعد لوزير الدفاع من قسد مكسباً، إذ من السهل تفريغ التعيين من مضمونه وجعل المنصب شكلياً، وحتى منصب المحافظ الموعود يمكن تفريغه من صلاحياته بطريقة أو بأخرى.
لكن الإجهاز على تجربة قسد لن يكسر شوكة أكراد سوريا كما يأمل أصحاب الخلطة القومية-الإسلامية، بل على العكس، من المحتمل جداً أن تنمو النزعة القومية الكردية عطفاً على نظيرتها في الجانب المقابل. وبالمقارنة، لا غرابة في أن اللهجة الانتصارية اليوم للأوّلين تشبه اللهجة الانتصارية لأنصار قسد عندما بلغت أوج تمددها، فحينها أيضاً وصل بهم الشطط إلى حدود غير مسبوقة، وغير واقعية إطلاقاً، في التطلعات الكردية.
وكما استقطبت قسد عدداً كبيراً من المؤيّدين، من غير أنصارها الحزبيين والأيديولوجيين، فإن انكسارها سيؤدي إلى انفضاض ذلك الجمهور المؤقت من حولها؛ جمهور الانتصار والسلطة. ومن المحتمل جداً أن ينفض عنها قسم كبير من الأنصار الحزبيين والأيديولوجيين، خصوصاً إذا سار الحزب الأم، العمال الكردستاني، على طريق التسوية التي يقترحها زعيمه التاريخي عبدالله أوجلان.
مع انكسار قسد، برزت أصوات كردية تنتقد تجربتها بهدوء نسبي، وبرزت أصوات غاضبة صبّت نقمتها على العرب، ومن ضمنها أصوات انتقدت قسد فقط لأن لم تعتمد بالمطلق على العنصر الكردي. ومن المأمول أن يتم بسرعة تجاوز الصدمة الحالية، من أجل التفكير فيما بعد قسد. ولعل التفكير في فتح آفاق جديدة يكون على النقيض من اليأس، ومن الانكفاء الذي لن يفيد الأكراد، بل هو ما يتمناه لهم خصومهم. مع التنويه بأن إعادة ما حدث لن يأتي بنتائج أفضل، وهو ما يصحّ على مجمل التجارب السياسية السورية.
لقد بُني جزء كبير من خطاب الحركة السياسية الكردية على أولوية الحقوق القومية للشعب الكردي في مختلف مناطق وجوده، وهذا ما كان يعني تلقائياً انفصال النضالات الكردية عن محيطها، وما كان يؤدي تلقائياً إلى تغليب الرغبة في الانفصال، حتى إذا لم يكن مطروحاً صراحةً على أجندة الحزب. المطالبة بالفيدرالية مثلاً كانت بمعظمها، إن لم نقل كلها، قائمة ضمناً على فكرة الانفصال عن المحيط العربي ضمن كانتون كردي، من دون اكتراث بما يحدث في المحيط والمركز العربيين.
هذه الوضعية جعلت الأبصار شاخصة طوال عقود إلى السلطة، لأنها نظرياً هي القادرة على منح الأكراد ما يناضلون من أجله. ومن المؤكد أن السلطة كانت ولا تزال هي الطرف الأقوى، ما يجعلها تبدو واقعياً الطرف الجدير بالمخاطبة. لكن الوقائع أيضاً تشير إلى أن السلطة (من قبل ومن بعد) لم تدخل في مشروع ديموقراطي لعموم سوريا، ومن الصعب (بل من المستحيل) تخيُّل وجود نظام فيدرالي بلا مشروع مماثل. والحديث هنا ليس عن لامركزية موروثة من ماضٍ إمبراطوري كما نرى في النموذج الروسي مثلاً، الحديث هو عن بلد صغير قليل الموارد مع شهيّة للهيمنة عليها.
خلال عقود حجبت الأولوية السابقة ما هو مشترك بين الأكراد وسواهم من السوريين، أي النضال من أجل بلد تتحقق فيه الحريات والديموقراطية، علماً أن العديد من الحقوق التي تنادي بها الأحزاب الكردية يندرج ضمن هذا المشروع. قضايا مثل الحقوق الثقافية، وحق التعلم باللغة الأم (لا تعلّمها فقط)، والحصول على الجنسية… هذه كلها ينبغي ألا ترتبط بطبيعة النظام السياسي، مركزياً كان أو لا مركزياً، ولا يفترض تالياً أن تكون خاضعة للمساومة السياسية مع أي تنظيم كردي أو ضده.
أن تسعى الحركة الكردية إلى بناء تحالفات مع سوريين آخرين يطالبون بالحريات والديموقراطية؛ هذا لا ينتقص من سعيها للحصول على حقوق قومية بمعزل عن تلك التحالفات. المنطق يفيد بأن تخفُّفَ الأحزاب الكردية من المطالب الأساسية يجعلها أكثر تركيزاً فيما تطالب به من حقوق جمعية للأكراد، ويفيد أيضاً بأن بلداً تتحقق فيه الديموقراطية يكون أكثر تقبّلاً لحقوق الجماعات وللنضال السلمي من أجلها. ومن البديهي أن الحصول على حقوق ضمن بيئة ديموقراطية يمنحها مشروعية واستدامة لا تتوفر لدى سلطة غير منتخبة في مناخ ديموقراطي حقيقي، لأن هذه السلطة المانحة للحق قد تسحبه في أية لحظة، أو قد تفعل ذلك سلطة بديلة مشابهة لها.
ليس الأكراد وحدهم الذين يفكّرون حالياً على هذا النحو: لندع العرب السنة للنظام الذي يقبلون به، والذي تقترحه لهم سلطة هيئة تحرير الشام، ولنبحث عن الخلاص بعيداً عنهم، تحت يافطة الفيدرالية بما أن التقسيم غير وارد دولياً. ومن نافل القول إن هذه النظرة تأتي من ضمن التنميط المتبادل بين الجماعات والمجتمعات السورية عموماً، ولا تأخذ بالحسبان الاختلافات العديدة والعميقة ضمن المجموعة الواحدة المتخيَّلة، ولا تأخذ بالحسبان التغيرات الظرفية لكل مجموعة متخيّلة، حيث قد ينقلب المزاج السياسي بين ليلة وأخرى، والمقارنة بين شعبية هيئة تحرير الشام في إدلب وشعبيتها وهي في السلطة تغني عن الكثير من الشروحات.
لقد جرّبت الحركة الكردية منذ الخمسينات حتى الآن الانفصال عن الحراك السياسي السوري، على علاته، وهذا بالتأكيد ليس ذنب الأكراد. لكن الذهاب في اتجاه مخالف لما سبق يستحق التفكير، وكانت بوادر الانفتاح قد ظهرت مع ربيع دمشق، حيث عُقد العديد من لقاءات التعارف، والقليل من لقاءات التنسيق بين معارضين عرب وآخرين أكراد. ونشير إلى الجهود التي بذلها أشخاص مثل مشعل التمو وإسماعيل عمر وعبدالحميد درويش وغيرهم من كوادر الأحزاب الكردية بمن فيهم أحياناً كوادر من حزب الاتحاد الديموقراطي، وكان يمكن لها أن تثمر عن قواسم مشتركة لا تلغي خصوصية بعض المطالب الكردية.
ليس سهلاً، ولا مستحيلاً، أن تكون الحركة السياسية الكردية جزءاً من تحالف سوري ديموقراطي أوسع، قد لا يكون بالضرورة تحالفاً سياسياً بالمعنى المباشر. نزعم أن الانفتاح هو الحل بعد تجربة الانغلاق، ومن المؤسف أن الانكفاء والانغلاق شرّين لا بد منهما في المدى المنظور، ولا بد لاحقاً من البحث عن حل خارجهما.
المدن
——————————–
الدرس السوري/ غازي العريضي
27 يناير 2026
فصل جديد من فصول لعبة الأمم في سورية: اتفاق قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع النظام في دمشق برعاية أميركية، فشل في مرحلته الأولى. استُدعي قائد هذا التشكيل مظلوم عبدي إلى أربيل للقاء الرمز الكردي مسعود البارزاني بحضور الموفد الأميركي توم برّاك. أُكّد الاتفاق الذي أعلنه برّاك، ثم نُشر رسمياً: “وقف إطلاق نار. انسحاب تشكيلات “قسد” إلى شرقي الفرات. تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً إلى الحكومة السورية بالكامل بما فيها المؤسّسات والمنشآت، وتثبيت الموظفين الحاليين، والتزام الحكومة بعدم التعرّض لمقاتلي قسد، ودمج المؤسّسات الأمنية ضمن مؤسّسات الدولة وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة كل المعابر وحقول النفط والغاز وتأمين حمايتها. تعيين نائب وزير دفاع من قسد، تجنيس الأكراد واعتبارهم جزءاً أساساً من الدولة السورية مع احترام خصوصياتهم”. قضايا مزمنة عالقة منذ عقود، وحقوق لم يُعترف بها سابقاً أُعطيت للأكراد. وكان لأميركا وقطر وتركيا ومسعود البارزاني دور أساس في الوصول إليها وإقناع مظلوم عبدي بالموافقة عليها.
أحد مستشاري البارزاني قال: “ننصح قيادة قسد دائماً بالمبادرة إلى الحوار مع دمشق، ونؤيّد حل القضية الكردية في سورية سلمياً” (!). أكّدت الخارجية القطرية أن “الاتفاق خطوة مهمة لتوطيد السلم الأهلي وتعزيز الاستقرار والاندماج الكامل بين الحكومة وقسد”. وأعلنت الخارجية التركية “نأمل أن يسهم اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الكامل في سورية، وتسريع وتيرة استقرار أمن البلاد”.
الأساس في كل ما أُنجز وثبّت في هذه المواقف: وحدة سورية، والخصوصيات بمختلف أشكالها تُحفظ ضمنها على قاعدة التنوّع ضمن الوحدة. وهذه نقطة مركزية أساسية: لا تقسيم لسورية. وإذا قيل إن الاتفاق يعطي تركيا دوراً ونفوذاً، فهذا أمر طبيعي في إطار الجغرافيا السياسية التي تحيط بأيّ دولة. والمهم هنا أن تكون اتفاقات بشأن ترتيبها وحمايتها. ولذلك كتبت أكثر من مرّة: “نحن اليوم أمام مشروع تقسيم النفوذ في المنطقة، وليس تقسيم الجغرافيا حتى الآن”، وإن كانت ثمة نزعات انفصالية وحالات تقسيمية يُعبّر عنها في الصومال والسودان وليبيا واليمن، وثمة من يرعاها عربياً وإسرائيلياً ويتمنّى أن تتمدّد إلى سورية والعراق ولبنان.
النقطة الأهم هنا أن الأطراف الداخلية، مذاهب أو طوائف أو حركات سياسية، لا يستطيع أيٌّ منها أن يقرّر بنفسه. لا أحد يدخل في حرب، أيّاً كانت أهدافه، ويستطيع أن يديرها ويقودها إلى النهاية من دون رعاية وعناية وحماية دولية بالتمويل والدعم السياسي. ولذلك، في لعبة الأمم والدول هذه الأطراف هي الأضعف. الدول لا تساعد أيَّ فريق لمصلحته، هي تستخدم الأطراف كلّها بما يُعزّز نفوذها ومصالحها ودورها وحضورها. وإذا اقتضى الأمر التخلّي في مرحلة معينة عن أيّ “مُستخدَم”، فلا مشكلة في ذلك. الأدوار والمهام والاستمرار في اللعبة يحدّدها اللاعبون الكبار المتنافسون.
أقول هذا الكلام اليوم ونحن أمام تجربة جديدة تُعلِّم إذا أردنا أن نتعلّم. انتكس اتفاق دمشق، تراجع عنه مظلوم عبدي لأسباب عديدة. أعلنت القوات السورية زحفها، فسيطرت على مناطق عديدة واضطر عبدي للقول: وافقنا حقناً للدماء، ثم أُعلنت هدنة، ثم جاء إلى دمشق واجتمع مع الرئيس أحمد الشرع. وقيل إن الاجتماع لم يكن إيجابياً بعد اجتماعه بمسعود البارزاني، ثم عاد وأكّد التزامه بمضمون الاتفاق وطلب تمديد الهدنة. أيدت التمديد قطر وتركيا، لكن لا أحد يقبل التراجع عن مضمون وجوهر الاتفاق الذي فيه مصلحة جوهرية أساسية للأكراد فيما حصلوا عليه، وثمة إصرار أميركي على تنفيذه.
وعندما لمس الأميركي محاولة التفاف على الاتفاق، قال برّاك: “انتهى الدور الأصلي لقسد قوةً رئيسيةً لمكافحة داعش”. هكذا بكل بساطة ووضوح: “انتهى دوركم”. كنا معكم ونحميكم ونسلّحكم لدور محدّد انتهى. جاءت تسوية لصالحكم وأنتم ترفضونها. هذه مشكلتكم، ثمة رئيس في سورية مستعدّ لمكافحة الإرهاب وقتال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وبالفعل، اتخذت خطوات على الأرض، وثمة حديث عن استعدادات لسحب القوات الأميركية وتقوية الدولة السورية، والسجون التي تكتظّ بآلاف المعتقلين من “داعش” يُنقلون إلى العراق؛ يعني إخلاء سورية منهم. الدولة تتكفّل بالأمن، أميركا تدعم، تركيا تستفيد وتدعم بعلم أميركا التي تشيد برجب طيّب أردوغان ودور بلاده وتدعوه إلى المشاركة في مجلس السلام في غزّة. وعناصر “داعش” الذين سينقلون إلى العراق سيكونون “لغماً” داخلياً مع متغيّرات العراق ومحاولات السيطرة الإيرانية عليه أكثر، وثمة تلويح باستخدامهم ضد إيران في ظلّ التهديدات المتتالية بشنّ حرب عليها تحت عنوان أنها أعادت بناء قدراتها وهي لم تلتزم بما طُلب. وتقع المنطقة كلّها تحت دائرة الاستنفار والحذر من إمكانية الدخول في مواجهة كبيرة، وتدفع إسرائيل بهذا الاتجاه، لكن الإدارة الأميركية تؤكّد أن “قرار الحرب بيد ترامب وحده”. والأساطيل والقوات تُحشد في البحر والمحيطات والقواعد المحيطة، وتلعب إسرائيل وتناور حتى يتحقّق ضرب إيران.
لماذا الاستنجاد بمسعود البارزاني؟… لأن الرجل، مع كل خبرته وحنكته وحكمته، خاض التجربة وغُدر به عام 2017 يوم أراد إجراء استفتاء شعبي على استقلال إقليم كردستان. استقال من الرئاسة، وكتبتُ بتاريخ 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2017 في كتاب “من بلفور إلى ترامب” (الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2017): “سقط الحلم وسقط معه الرئيس. خرج بكرامة مثخناً بجراح مؤكّداً هزيمته وإصراره على الاستمرار في الدفاع عن قضية شعبه كواحد من أفراد البشمركة. موقف كبير من رجل كبير ارتكب الخطأ الكبير والاستعجال بطرح عملية التفاوض مع حكومة بغداد بعد أن خسر الأرض التي كان متنازعاً عليها. وكنا أشرنا سابقاً إلى أن هذه المنطقة ستكون اللغم في وجه الاستفتاء، إما بتعطيله من خلال حرب تحت عنوان (مواجهة داعش) أو بعد إجرائه من خلال الانقلاب عليه. كان بإمكانه أن يفاوض من موقع قوة والأرض المتنازع عليها معه.
اليوم تغيّرت المعادلة وهنا العبرة بل العبر! في هذا المشهد يغادر مسعود البارزاني وعلى كتفيه جبال من الأمانات والهموم” (ص 415). هذا الكبير الخبير تعلّم الكثير. كأني به قال لمظلوم عبدي: هذا ما جرى معنا هنا، لا تكرّر الخطأ هناك. ودفع باتجاه التفاهم مع الدولة على أمل أن يُنفَّذ الاتفاق.
يبقى السؤال: ماذا عن جنوبي سورية في ظلّ هذا الموقف الأميركي والإصرار على وحدة الدولة السورية والمفاوضات للوصول إلى اتفاق أمني سوري – إسرائيلي؟ وهل يتعلّم كثيرون من المراهنين على الانفصال من تجارب الآخرين، من البارزاني إلى مظلوم عبدي اليوم، ويتمعّنون في ماضي لعبة الدول وحاضرها؟
نحن من جيل لم نعش محطّات كثيرة في هذا التاريخ. أنا ممن تعلّموا بالمتابعة والقراءة والنقاش والاطلاع والابتعاد عن تحليلات التمنّيات، لكننا اليوم نعيش اللعبة، نراها أمامنا ونشهد ولادة مرحلة جديدة على المستوى الدولي مع ترامب الفريد الغريب العجيب في مواقفه وتصرّفاته وتصريحاته. وفي منطقتنا من غزّة و”تملّكها” ومجلس سلامها، إلى سورية وأعاجيبها، إلى إيران وما يمكن أن يجري معها وفيها، إلى المنطقة كلّها. فهل يتعلّم مشاهدون آخرون ومشاركون آخرون لحماية وحدة لبنان ووحدة سورية وحماية التنوّع فيهما؟
العربي الجديد
———————————
سوريون أكراد ولا “قسد”/ معن البياري
27 يناير 2026
لم يفاجئ مبعوث الرئيس الأميركي إلى سورية، توم بارّاك، من يعرفون سياقات ولادة ما سمّيت (وما زالت تسمّى؟) قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، قبل نحو 12 عاما، ومساراتها وولاءاتها، عندما جهر بانتهاء هذا التشكيل، الذي يجوز رميُه بالشذوذ عن منطق التاريخ، وبضعف تمثيله السوريين الأكراد الذين ينسب إلى نفسه النُّطق باسمهم والتعبير عن تطلّعاتهم ومظلوميّاتهم. قال الرجل إن ثمّة سلطة واحدة في سورية، هي حكومة الدولة وأجهزتها برئاسة أحمد الشرع. وبدا كلامه مُحرجاً في فائض صراحته، وقد بقّ البحصة، وقال ما يجوز ترجمتُه “المهمّة انتهت”، لمّا أوضح أن مسألة التعامل الأمني والعسكري مع مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابي صارت موكولةً إلى الدولة السورية وحدها. وفي هذا بعض الغرابة، فقد كان الاعتقاد أن الولايات المتحدة تمحض “قسد” تقديراً خاصّاً، وتُعليه بما هو أرفع من هذه “الوظيفية”، غير أن الأمر لم يكن كذلك، ولن يكون. والدرس هنا أن هذا التشكيل العسكري مدعوٌّ إلى أن يعرف حدوده تماما، فلا هو الإطار السياسي (والعسكري) لأكراد سورية الذي له أن ينهض بتأمين حقوقهم ومطالبهم من الدولة السورية ومؤسّساتها. ولا هو الرهان الدائم لدى الغرب، وفي مقدّمته الولايات المتحدة. وأمام هذا الانكشاف المتجدّد له، والذي دلّ على أن أوهام الغلبة والقوة لديه تسوقُه إلى خيباتٍ لا يستطيع التعمية عليها، من الأفيد، والأسلم، أن يبادر إلى مراجعة أحواله، ولا يتعاطى مع المعروض عليه من حلولٍ وصيغٍ وتفاهماتٍ بمكابرة وعناد، ومحاولات استقواء بخارج قريب أو بعيد.
أول ما هو عظيم الأهمية أن كل الحقّ للسوريين الأكراد بمطالب يطرحونها، ويلحّون عليها، وأن عملاً كثيراً لا بد وأن تنهض به الدولة السورية، وتنشط فيه من أجل أن يكون لكل سوري من القومية الكردية صوته وحضوره في مؤسّساتها وبرلمانها وأجهزتها بالتساوي المطلق والتام مع جميع السوريين. الأمر الذي عرفته سورية في عهود ما قبل حكم عائلة الأسد الذي تعامل مع المواطنين الأكراد بكثيرٍ من التمييز، وأنقص حقوقهم الثقافية والسياسية. وأياً تكن مصادر الوجاهة في ملاحظاتٍ على المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، أخيراً، ويقرّر اللغة الكردية لغة وطنية في الجمهورية العربية السورية، ويشدّد على حقوقٍ كاملةٍ لأصحاب هذه اللغة، فلا شك أن هذا تقدّمٌ كبيرٌ في مسار معالجة ما يمكن تسميتها مسألةً كرديةً في سورية، والتي ما كانت لتكون لولا مواريثُ وسياساتٌ تمييزية، وبسبب رؤوسٍ حاميةٍ وعصبياتٍ متشدّدةٍ في الجانبين العربي والكردي، ولولا التشظّي الجهوي والمذهبي والقومي الواسع في البلاد، والذي أحدثته الخيارات البوليسية والأمنية والمخابراتية التي سلكتها دولة العنف والقهر التي بناها حافظ الأسد عقوداً، وكانت من أهم المفاعيل التي أخذت سورية إلى الانتفاضة القوية التي اصبحت ثورة ثم حرباً شنتها سلطة الأسد على المنتفضين، ثم صار ما صار، وأصابنا يأسٌ ثقيل، قبل أن يبهرنا السوريون بإسقاطهم السلطة الظالمة بأقل كلفةٍ من الدماء.
سورية تحت أكثر من مجهر، وتحت أبصار العالم كله ربما، غير أن الأهم أن ناسها هم من لهم الرأي والنظر والموقف، ومنهم أكرادها الذين يستحقون الأفضل من “قسد” وأشباحِها ومن تواليهم ومن يوالونها. وإذ يجري تغليب العقل والاتزان في بناء تفاهمات، وفي الأخذ والعطاء في مداولات ومفاوضات متتالية، من أجل أن تنتهي الأوضاع الشاذّة، والتي بموجبها يستولي تشكيل قومي، لا يملك قراره بالمطلق، يتوهم في ذاته ما ليس في مقدوره وما هو ليس له، على جغرافيا سورية شاسعة، محافظات ومدن وبلدات وقرى، بفلاحيها وصناعها ونخبها وعموم ناسها.
القرار سوري أولاً وأخيراً، قبل أن يقول توم بارّاك وغيره ما يقولون، أن سورية الواحدة الموحّدة لجميع شعبها، في السويداء والرقة وطرطوش ودمشق، في كل نواحي البلد وجهاته، قرار أخير، وليس بعده قرار. هل يتّعظ حكمت الهجري، إذن، بعد انحلال مرتقب لقوات سوريا الديمقراطية، مثلاً؟
العربي الجديد
———————————–
“قوات سوريا الديمقراطية”… النشأة والمصير/ حسين عبد العزيز
27 يناير 2026
استغل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بداية عام 2014 الانقسامات بين فصائل المعارضة السورية للسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي، فوسّع من وجوده بسرعة، فكان صيف 2014 عنواناً لهذا التوسّع عبر سيطرة التنظيم على مدينة تل أبيض وعين العرب ـ كوباني أواخر أغسطس/ آب، ثم إخراجه الجيش السوري من مطار الطبقة العسكري جنوبي محافظة الرقة.
شكل هذا التطور رعباً للغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة، لا بسبب التداعيات الاستراتيجية لهذا التنظيم على قوات النظام السوري والمعارضة ومن ثم المجتمع السوري، فهذا خارج المُفكّر فيه غربياً، وإنما بسبب الخوف من تحول التنظيم (ذي الأيديولوجيا الجهادية العالمية) إلى دولة حقيقية بسيطرته على أراضٍ واسعةٍ فيها بنى تحتية ومؤسّسات قائمة، كما حدث مع تنظيم القاعدة حين وجد في طالبان ـ أفغانستان دولة قائمة.
أسست الولايات المتحدة في سبتمبر/ أيلول عام 2014 التحالف الدولي لمحاربة “داعش” في سورية والعراق، وحاولت على الفور العمل على تشكيل صحوات سورية، مشابهة للتي نفذتها سابقاً في العراق، فكانت البداية مع جبهة ثوار سورية بقيادة جمال معروف، غير أن جبهة النصرة سرعان ما قضت عليها في 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014. انتقلت الولايات المتحدة بعد ذلك إلى البحث عن حلفاء في الجيش السوري الحر لمحاربة تنظيم “داعش”، شرط أن يكون الهدف محاربة هذا التنظيم لا محاربة قوات النظام السوري، على الأقل في تلك المرحلة.
رفضت فصائل المعارضة جميعها المطلب الأميركي، لكن الأخيرة وجدت ضالتها في حركة “حزم” التي كانت قد تأسست بداية 2014 من بعض الفصائل التابعة للمجالس العسكرية، وبمباركة رئيس أركان الجيش الحر آنذاك، اللواء سليم إدريس، وسرعان ما تلقت الحركة دعما عسكرياً أميركياً (صواريخ تاو).
وأيضاً، حظيت الفرقة 13 بدعم عسكري أميركي (صواريخ بي جي إم ـ 71 تاو المضادة للطيران). لكن مصير هذين التنظيمين كان مثل مصير جبهة ثوار سورية، حيث قضت جبهة النصرة عليهما تماماً، واستولت على الأسلحة الأميركية.
بعد ذلك، ومع الانتصارات العسكرية التي حققتها “داعش” في الشمال السوري، أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي المدعوم من حزب العمال الكردستاني (PKK) عن وجود “وحدات حماية الشعب الكردي”، بوصفها جناحه العسكري.
“قسد” و”داعش”
مع نجاح “وحدات حماية الشعب الكردي” في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية، أخذت الولايات المتحدة قرارها بدعم القوات الكردية في مواجهة “داعش”، ولكي تُضفي على الجبهة العسكرية الجديدة صبغة وطنية، أسّست الولايات المتحدة قوة عسكرية من مختلف مكونات الشعب السوري. وفي 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2015، جرى الإعلان عن نشوء قوات سوريا الديمقراطية، المؤلفة من “التحالف العربي السوري، جيش الثوار، غرفة عمليات بركان الفرات، قوات الصناديد، تجمع ألوية الجزيرة، المجلس العسكري السرياني، وحدات حماية الشعب الكردية، وحدات حماية المرأة الكردية”.
وعلى الرغم من هذا التعدّد، بقيت وحدات حماية الشعب الكردية، ووحدات حماية المرأة الكردية العمود الفقري للتنظيم العسكري الجديد، كما بقيت سياسة “قسد” مرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي. وظهر هذا بوضوح بعد شهرين تماماً من تأسيس قوات سوريا الديمقراطية، فمن أجل تمتين خط سياسي موازٍ، بحيث لا يقتصر حضورها على الجانب العسكري فحسب، وإنما تشكيل مؤسّسات تكون بمثابة قاعدة لحكم طويل الأمد، وفق رؤية سياسية واضحة المعالم، جرى في 9 ديسمبر/ كانون الأول 2015 الإعلان عن تأسيس مجلس سورية الديمقراطية (مسد) ممثلاً سياسياً لـ “قسد” التي أطلقت، في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2015، عملية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في ريف الحسكة الجنوبي، هي الأولى منذ تأسيسها، ونجحت في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه بالسيطرة على مدينة الهول في الحسكة، إضافة إلى 196 قرية وعشرات المزارع. وشكلت هذه العملية بداية مسار تحرير سورية من سيطرة “داعش”، ثم ألحقت بعمليات أخرى، نجحت فيها بطرد التنظيم من عين العرب ـ كوباني مطلع 2015، ثم السيطرة على سد تشرين، ثم منبج (أغسطس/ آب 2016) فالرقة (أكتوبر/ تشرين الأول 2017).
في هذه الأثناء، لم تسمح الولايات المتحدة وروسيا لـ “قسد” بمحاربة “داعش” في ريف حلب الشمالي، فقد تُركت هذه المهمة للجيش التركي وفصائل المعارضة المسلحة تحت اسم اختارته تركيا “درع الفرات” التي انتهت في 29 مارس/ آذار 2017.
ومع خسارة التنظيم لريف حلب الشمالي وللرقة، هرب عناصر “تنظيم الدولة” إلى الباغوز في محافظة دير الزور، وجعلوا منها معقلهم الاستراتيجي الأخير، لكن المعركة انتهت في مارس/ آذار 2019 بهزيمة ساحقة لهم، جعلت من الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترمب يُعلن في 22 الشهر ذاته هزيمة التنظيم بنسبة 100%.
أربك هذا الواقع الجديد تركيا، وجعلها تدفع بكل طاقتها لإبعاد “قسد” عن حدودها الجنوبية، فحدثت تفاهمات بين أنقرة وموسكو، وبين أنقرة وواشنطن التي توشك على تحقيق هدفها الرئيس في سورية (تدمير داعش). وبالتالي، حصول تغيير في أولوياتها، أو بعبارة أخرى، العودة إلى سياساتها التقليدية التي تأخذ موازين القوى الإقليمية بالاعتبار. وجرت عملية “غصن الزيتون” التركية بمشاركة فصائل “الجيش الحر” التي انتهت في مارس/ آذار 2018 بالسيطرة على مدينة عفرين والمنطقة المحيطة بها في ريف حلب الشمالي الغربي الخاضعتين لسيطرة “قسد”.
وقد ظهرت البراغماتية الأميركية بشكل أكثر وضوحاً حين غضّت الطرف أيضاً عن عملية نبع السلام التركية التي سيطر فيها الجيش التركي وفصائل المعارضة على شريط حدودي في عمق الأراضي السوري بنحو 30 ـ 40 كلم، يمتد من مدينة تل أبيض في الرقة إلى رأس العين في الحسكة.
ما بعد “داعش”؟
على الرغم من تراجع أهمية “قسد” وفق المعايير الاستراتيجية الأميركية بعيد القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن الاستغناء عنها أميركياً لا يزال بعيداً في ظل اعتبارات عدة: أولا، لا يزال هذا التنظيم يمتلك خلايا نائمة بين شطري الحدود السورية ـ العراقية، وإن كان تأثيرها ضعيفاً، وربما يكون معدوماً لجهة إحداث تغيير مهم في الساحة السورية. ومع ذلك، لن تخاطر الولايات المتحدة بالتخلي عن “قسد” أو إضعافها في بلد يعاني انهياراً أمنياً شديداً، ويمكن، في أية لحظة، أن تحدث مفاجئات غير متوقعة.
ثانياً، امتلاك “قسد” سجوناً عدة تحتفظ فيهم بعناصر التنظيم المعتقلين، أهمها سجون الشدادي، غويران، جركين، ديريك، وهذه السجون تضم نحو تسعة آلاف معتقل من التنظيم، وهو عدد كبير. وقد اعتبرت هذه السجون بمثابة ورقة استراتيجية تمتلكها “قسد” التي هدّدت مراتٍ في حال تعرّضها لهجوم تركي أو من أي جهة أخرى، بإطلاق سراح عناصر التنظيم.
ثالثاً، سيطرة “قسد” على حقول النفط والغاز (العمر في دير الزور الأكبر من حيث المساحة والإنتاج، التنك وكونيكو شرق الفرات، رميلان والسويدية في الحسكة)، بما يمنع نظام الأسد من الاستفادة منها.
رابعاً، يُعتبر وجود “قسد” قوةً عسكرية مُسيطرة على مساحة جغرافية تصل حد 25 % من مساحة سورية، عاملاً ذا أهمية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، إذ يسمح وجودها لواشنطن، ليس بالبقاء في الجغرافية السورية فحسب، بل أيضاً بامتلاك القدرة على إدارة الصراعات المحلية والإقليمية والدولية في سورية، ما جعلها إلى جانب روسيا لاعباً أساسياً.
خامساً، على الرغم من توجّه “قسد” بعد عام 2020 نحو روسيا وإشراكها في التفاهمات الداخلية، إلا أنها ظلت حاجزاً جغرافياً يمنع انتقال المقاتلين المؤيدين لنظام الأسد من العراق.
التحوّل الكبير… سقوط الأسد
شكّل سقوط نظام الأسد ضربة قوية لقوات سوريا الديمقراطية، لا لأنها كانت مؤيدة للنظام السوري السابق، وإنما بسبب أن استراتيجيتها كانت مبنية على استمرار الوضع على ما هو عليه، بحيث يتحول وجودها مع مرور الزمن إلى ما يشبه الدولة في مناطق سيطرتها شمال سورية وشمال شرقها، بما يشبه حالة إقليم كردستان العراق.
كان طبيعيا أن ترفض “قسد” تسليم سلاحها التي عملت عليه سنوات للسلطة الجديدة في دمشق ممثلة بالرئيس أحمد الشرع، وفي بيئة مضطربة أمنياً إثر السقوط المفاجئ لنظام الأسد، وفي ضوء انشغال الشرع ببناء سيطرة أمنية، والانشغالات العسكرية في الجنوب (السويداء) والشمال الغربي (الساحل) وجدت “قسد” الفرصة لإعادة رصّ صفوفها والتمسّك بمطالبها التي تنحصر في الشق السياسي بإقامة نظام سياسي يقوم على التعدّدية والمشاركة، وليس على هيمنة طرفٍ على الأطراف الأخرى، كما ظهر في الإعلان الدستوري في 13 مارس/ آذار الماضي، وتنحصر في الشق العسكري برفض تفتيت “قسد”، وإنما بدمجها في وزارة الدفاع أفراداً.
كانت هذه النقطة الأخيرة السبب الرئيس في الخلاف، لأن البند الرابع من اتفاق 10 مارس (2025) بين الشرع وقائد “قسد”، مظلوم عبدي، جاء فضفاضاً ويحمل تأويلات عدة “دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سورية ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز”. … وفي ظل هذه الأوضاع، كان طبيعيّاً أن تأتي شرارة الصراع في أية لحظة، وكان الأمر يتطلب شعور أحد الطرفين بفائض القوة، كي تتحوّل الشرارة إلى حرب، وقد حصل الشرع على هذا الفائض من الولايات المتحدة التي بدأت تعتبر التحالف مع الدولة السورية أهم بكثير من التحالف مع “قسد” التي تبقى، رغم قوتها، ذات عقلية مليشياوية، بمعنى أن أهدافها تبقى محصورة في نطاق ضيق بخلاف منطق الدولة، وجاء فائض القوة الثاني للشرع من إسرائيل عقب تفاهمات جرت بينهما في باريس برعاية أميركية.
كانت شرارة الحرب مع إطلاق عناصر من “قسد” النار على عناصر من الأمن السوري في 6 يناير/ كانون الثاني الجاري في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، ما أسفر عن مقتل وإصابة عدد منهم، ثم استهدافها منطقة الليرمون ودوار شيحان بالرشاشات الثقيلة. وقد وجد الشرع في هذا الخرق فرصة مؤاتية لبدء عملية عسكرية في حلب، غايتها إخراج “قسد” منها بشكل تام، ونجح خلال أيام قليلة بالسيطرة على الحيين، لتتوسّع تحرّكات الجيش السوري نحو دير حافل في المحافظة، في خطوة بدت مقدّمة نحو التوسع شرقاً في محافظتي الحسكة ودير الزور.
وخلال أيام قليلة، تشبه ما جرى مع نظام الأسد، انهارت جبهات “قسد” بشكل متسارع، وكانت النتيجة سيطرة الجيش السوري على حقل صفيان النفطي وحقل الثورة بالقرب من مدينة الطبقة في محافظة الرقة (17 يناير/ كانون الثاني)، والسيطرة على مدينة الطبقة الاستراتيجية، وسد الفرات المجاور، وانسحاب “قسد” الأحد من حقل العمر النفطي (18 يناير/ كانون الثاني)، والسيطرة على مخيم الهول (21 يناير/ كانون الثاني).
نتيجة هذه التطورات جرى اتفاق جديد بين الحكومة السورية و “قسد” (18 يناير/ كانون الثاني الجاري) ينص على دمج “قسد” وقوى الأمن الكردية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، وتسليم الإدارة الكردية الذاتية محافظتي دير الزور والرقة الى الحكومة، على أن تتولى الأخيرة ملف سجناء “تنظيم الدولة الإسلامية” وعائلاتهم المحتجزين لدى الأكراد. لكن لم يمض يوم واحد “حتى تراجعت “قسد” عن اتفاقها بحجة أن دمشق تريد استسلاماً كاملا لها، وهي حجة غير مقنعة، لأن “قسد” اطلعت على بنود الاتفاق قبيل التوقيع عليه، ويبدو أنّ ثمة تياراً راديكالياً في الأوساط الكردية ممثلا بحزب العمّال الكردستاني قد نجح في فرض رؤيته الرافضة الاتفاق، وربما لم تكن مصادفة أن الحزب أكد، في اليوم التالي، على لسان المسؤول الكبير في جناحه العسكري مراد قره يلان “عدم التخلي أبدا عن أكراد سورية في مواجهة العمليات العسكرية للجيش السوري”.
مع تراجع “قسد” عن اتفاقها، حدث تطور سياسي مهم، جاء من الولايات المتحدة التي أكّدت أولاً عبر المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية توم برّاك (20 يناير/ كانون الثاني الجاري) “أعظم فرصة متاحة للأكراد في سورية حالياً هي في ظل الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.. وأن الغرض الأساسي من قوات سوريا الديمقراطية بوصفها قوة رئيسية في الميدان لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية انتهى إلى حد كبير”، وفي اليوم نفسه، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرئيس السوري أحمد الشرع، بأنه “رجل قوي وصلب ويعمل جاهداً وبجد”. وكان التصريحان بمنزلة التأييد الأميركي العلني للدولة السورية على حساب “قسد”، الأمر الذي أعاد الأخيرة مجدّداً إلى طاولة المفاوضات، فجرى الاتفاق (20 يناير/ كانون الثاني) على وقف إطلاق النار لأيام، تُمنح فيها “قسد” فرصة للتشاور من أجل وضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عملياً.
ويتيح التفاهم لقائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، أن يقترح مرشحين لمنصبي مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، إضافة الى أسماء للتمثيل في مجلس الشعب، بحسب الرئاسة.
ماذا بعد؟
يمكن القول إن مسألة “الإدارة الكردية الذاتية” قد طويت أو في طريقها إلى الطيّ تماماً، وإذا كان هذا الأمر يعزّز سيادة الدولة السورية، ويسمح لها لاحقاً الالتفات إلى ما تبقى من إشكاليات أمنية. لم يُدرك الأكراد، رغم تجاربهم التاريخية المريرة مع الولايات المتحدة، بؤس الجغرافيا الواقعين فيها، وهو عدم إدراك ينطبق أيضاً على شيخ عقل الدروز حكمت الهجري ومشايعيه.
سورية دولة قوية وموحدة مطلب استراتيجي إقليمي ودولي (باستثناء إسرائيل). ومع ذلك، يجب أن ينتهي مسار الاستقرار في سورية في المستوى السياسي، ولا يكفي هنا منح مناصب هنا أو هناك لشخوصٍ من مكونات الشعب السوري في عملية استرضاء بظل هيمنة طرفٍ واحد على السلطة. وإذا كانت هذه الهيمنة ذات ضرورة تاريخية آنية، فالمطلوب من الدولة السورية إعادة النظر في الإعلان الدستوري، بما يجعل الأكراد وغيرهم شركاء حقيقيين في إدارة الدولة، وفق حقوق المواطنة للجميع. ومن دون هذه الصيغة السياسية، ستنتقل التوترات من المستوى العسكري إلى المستويين السياسي والاجتماعي.
العربي الجديد
————————————-
تفاوض على مدّ النظر/ يعرب العيسى
27 يناير 2026
إلى متى ستستمر عملية التفاوض بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)؟ إلى الأبد طبعاً، كما كل مفاوضات في الدنيا، كما هي الدنيا حقاً. الأرجح أن يتغيّر اسما “قسد” وحكومة دمشق، والأرجح أن يحصل هذا بطريقة الحلول التدريجي لشيء محلّ شيء، ولأشخاص محلّ أشخاص. ولكن عملية التفاوض ستبقى مستمرّة، وسيتغيّر شكلها بتغيّر الظروف.
وهذا ما سيحصل أيضاً في السويداء والساحل وإدلب وحماة وحلب ودمشق نفسها. سيأخذ أشكالاً متنوعة، سيكون مرّة على وقع ضربات المدافع، ومرّة على وقع صليل السيوف، وصليات النبال. مرّة على أساس أن العرب والكرد أعداء، ومرّة على أن السنة والشيعة مبدِّلون، ومرّة على أنّ للسنة ثأراً عند العلويين، أو أن للعلويين ثأراً أقدم عند السنة، ومرّة على أن الدروز يغنون جوفيّة تستثير الأجداد، أو أنّ للشمسيين دماً عند القمريين، ولليمانية واحدةً على القيسية.
أياً يكن، سيجد الناس ما ينقسمون عليه، ويتفاوضون حوله. ولأننا، كما تثبت التجارب كل يوم، لسنا شعباً محظوظاً، فسيجري التفاوض دائماً بدماء الناس، أو التلويح بإهراقها.
الشعوب المحظوظة يُقدّر لها أن تحظى بنخبٍ تجري عملية التفاوض باسمها حول طاولات، وفي قاعات دافئة، وأمام كل منهم عبوة ماء وعلبة مناديل. فالتفاوض بين أهل البلد الواحد لا يحتاج لصوت المدفع، بل لصوت الناخب. وأفضل ميدان تفاوض في العالم (حتّى الآن) هو قاعة برلمان مدورة.
قلت إننا أصحاب حظ قليل، لذلك سنبقى في هذه البئر طويلاً، والتي تبدو ملساء الآن، وسيصعب الخروج منها، إلّا على عنكبوت أو دلو مربوط بحبل. لا أربعة أيام ولا عشرة أشهر. ستسير الأمور وكأنها قدر أبدي، سنحصّل المكاسب يوماً بيوم، ونعيد فرزها كجيب معطف من الشتاء الماضي.
في عملية التفاوض الحالية، والجارية منذ أسبوعَين، عثرت على ثلاث قطع مفيدة، بدت نقاطاً مضيئة في ذلك الطريق المعتم.
ففيما كان الجميع يتساءل إن كانت الأمور ستنزلق في لحظة ما، وتفلت من بين أيدي القوى المحلية والدولية، ونذهب إلى حرب طويلة بأثمان باهظة، كانت هناك نقطة ضوء تقول: القرار الدولي حُسم، لا تقسيم لسورية. طبعاً هذا ليس هدف المعركة (التي أسميتها تفاوضاً)، بل عَرَضٌ جانبي ظهر على خدّ الأحداث. وأفعال القوى الدولية والإقليمية، وما دفعت حلفاءها المحليين لفعله وقوله، تشير دون لبس إلى ذلك.
القطعة الثانية المضيئة كانت تقول: القرار الدولي واضح، لا حرب مجدّداً في سورية. وأقصد بذلك حرباً واسعة منفلتة، من تلك التي نجمع فيها أعداد القتلى على جدول إكسل. كالتي كانت بين 2012 و2018.
الثالثة تقول: تم الأمر، عاد العصب العشائري إلى القمقم. فبعد تجربتَين مروّعتَين في مجازر الساحل والسويداء، وثلاث تجارب مصغّرة في جرمانا وأشرفية صحنايا وحمص، صار هذا العصب مركز الرعب الوطني، وغالباً الإقليمي، لأنه حين يفلت استجابةً لنداء فزعات، فهو يفلت عن أيّ سيطرة، ويعود بالبلاد إلى القرن الخامس، ويشكّل خطراً على كل ما حوله، وأول من يعرّضه للخطر، هو السلطة التي “فزع” نصرةً لها. فحين جرى “تصميم” مجزرة مزيفة في القرى العربية بجبل عبد العزيز، أمسك الجميع قلوبهم خشية انفلات ردة الفعل، لكن سرعة تطويق الدعوات، وتبيان زيف المقاطع الصوتية والمصورة، دلّت أيضاً أن هذا الخطر قد تعقلن أيضاً.
بشكل ما، هذه ثلاثة مكاسب حصّلناها من هذه الجولة التي لم تنتهِ بعد.
العربي الجديد
———————————
سوريا واحدة موحّدة؟/ منار شربجي
23 كانون الثاني 2026
قبل أيّام، كان سائق التكسي يستمع إلى تحليلٍ سياسيّ على الراديو. قال المحلّل: ما من هويّة وطنيّة موحّدة في سوريا. لم يعجب هذا الكلام السائق، فردّ قائلاً: شو يعني؟ ليش انت شو مكتوب على هويتك؟ وين ساكن؟ شو هالحكي الفاضي؟
ربّما كان هذا التعليق الوحيد المعبّر الذي سمعته منذ بداية معارك شمال شرق سوريا والمحاولات اليائسة للتفاهم مع قوّات سوريا الديمقراطية. بعد عامٍ على فشل المفاوضات، أطلقت السلطات معركة السيطرة على مناطق «قسد» من حلب. تقدّم الجيش بسرعة غرب الفرات، وأكمل طريقه نحو حقول النفط والغاز والسدود في الجزيرة. حصلت الدولة على جوكر النفط، فتريّثت. صاغت اتفاقاً قدّمته كضمانةٍ للتمثيل وحماية القرى الكرديّة من الانتهاكات، لكنّه بدا كمحاولةٍ لاستقطاب الكرد نحو الدولة من جهة، ومحاصرة «قسد» من جهة أخرى.
قبل الاتفاق، أصدر الرئيس الشرع مرسوماً يمنح الكُرد جنسيّتهم وبعض حقوقهم. هذا المرسوم، كالاتفاق، جاء في سياق معركة كسر شوكة «قسد»، وليس تنفيذاً للتفاهمات. كان يمكن أن نختصر الطريق قبل سنة، وندرج بنود المرسوم بالإعلان الدستوري، لضمان بناء دولة حقوق ومساواة. أو كان يمكن أن يأتي المرسوم من نيّةٍ صافية (أو شعبيّة على الأقل) لإنصاف الكرد بعد عقودٍ من العنصريّة والحرمان. رغم الفارق الإيجابي الذي قد يصنعه، جاء المرسوم أشبه بمراوغة سياسيّة.
لم يتّضح بعد مصير اتفاق 18 كانون الثاني، انتظاراً لانتهاء المهلة التي منحتها الدولة لـ«قسد». وبحال تنفيذه، يبدو صعباً أن يحقّق غرضيه الأساسيين، وهما وحدة سوريا واسترداد الموارد الطبيعية. فقد أصبح الهدفان جزءاً من خطابٍ رسميّ- شعبي يناقض الاتفاق نفسه.
وحدة سوريا
حافظت السلطات على سرديّة توحيد الأراضي السوريّة تحت قيادةٍ مركزيّة. يمكننا تبنّي جزء من هذه السرديّة، من باب أنَّ إعادة بناء ما مزّقته الحرب ليس حكراً على المدن المركزيّة، بل يجب أن يطال كل شبرٍ من سوريا. لكن كي نكون واقعيّين، لا يمثّل هذا التفسير الجو العام. بقيت فكرة توحيد سوريا مشتّتة ومتناقضة، يعتبرها البعض تهديداً للأقليات الإثنية والطائفية، والبعض الآخر فرصةً لإعادة الإعمار، أو سبيلاً للإذلال. للأسف، هيمنت الميول القمعية على مشاريع توحيد سوريا بالمعنى الحقيقي، أي محاولات سدّ الشرخ الذي يتّسع يوماً بعد يوم بين السوريّين. لم يعد التوحيد في المخيّلة السائدة مشروعاً وطنياً يردّ لنا كرامتنا، بل تحوّل أمام أعيننا إلى ترسيخ طبقاتٍ جديدة متفاوتة من المواطنة.
انعكس هذا الخطاب المتناقض على أخذ مناطق «قسد». كان في الظاهر سعياً للوحدة، لكنه بباطنه مزيدٌ من التفرقة. المخجل اليوم أنَّ السرديّة الشعبيّة لم تنشغل فعلاً بتلاحم السوريين والتضامن والحنين لزيارة الجزيرة والفرحة لاحتمال عودة أهلنا الكرد إلى قراهم التي هُجّروا منها قسراً. كان كلّ همّنا استعادة سوريا للنفط والغاز من الجزيرة، وكأنّ سكّانها ليسوا سوريّين ولا يملكون حصّةً من هذه الموارد.
استرداد الموارد الطبيعية
لا أذكر أنّه كان يدور بالفضاء العام مثل اليوم خطاب استرداد الموارد الطبيعية من «قسد»، قبل مقابلة الرئيس الشرع على قناة «شمس». بعد حديثه المفصّل عن الكم الهائل من الموارد التي تحتكرها «قسد»، بدا وكأنّ سوريا عاشت لحظة إدراك جماعيّة واصطفّت خلف هذا الخطاب. تقتصر نشوة النصر اليوم على استعادة الموارد واحتمال توفيرها بأسعار رخيصة. بالفعل، تشعر شرائح واسعة من السوريّين بالظلم بسبب حرمانهم من موارد بلادهم، لكن كالعادة، سيطرت على الأجواء المبالغة بالمظلوميات، التي باتت عصب التواصل بين السوريين، بسبب غياب كل أشكال العدالة.
المشكلة ليست فقط بتعزيز المظلومية، بل أيضاً باختزال الجزيرة السوريّة لحقل نفطٍ ومصدرٍ للمال وتذكرةٍ للازدهار المنتَظر. تُعرّض هذه النظرة الجزيرة لمزيدٍ من الإقصاء وربّما الاستغلال أيضاً. لماذا لم ننشغل، مثلاً، بآليات جبر ضرر الأهالي الذين تعرّضوا للتنكيل من قبل نظام الأسد وبعده داعش؟ لمَ لا تعنينا الأراضي المنهوبة والأبناء المغيّبون والثقافة المهمّشة؟ لماذا لا نفكّر بمعضلة العدالة الانتقالية في الجزيرة؟ أليس ذلك بقدر أهميّة النفط؟
نقف اليوم، إذاً، أمام خطابٍ نردّده ولا ندرك قساوته. خطابٌ يمزّق طموحنا ببناء مجتمعٍ لا يحتقر نفسه وبعضه. منذ سقوط نظام الأسد، يختار معظمنا الزاوية الأكثر تطرّفاً وإقصاءً عند كلّ مفترق طرق. لكنّ هذه الزوايا لن تقتل الضوء الخافت داخل التكسي الأصفر، ولن تُسكِت محاولات النقاش في الغرف المغلقة والدكاكين الصغيرة، ولن تقتل حقيقة أنّ هناك شيئاً ما يجمعنا.
ميغافون
————————————–
واشنطن حذرت إسرائيل من دعم “قسد“
الثلاثاء 2026/01/27
كشفت مصادر مطلعة لـ”المدن”، أن مسؤولين في الإدارة الأميركية حذروا الحكومة الإسرائيلية من تقديم أي دعم لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في ظل تطورات سياسية وأمنية متسارعة تشهدها الساحة السورية، ولا سيما في شمال وشرق البلاد.
وبحسب المصادر، جاء التحذير خلال اتصالات مباشرة بين مسؤولين أميركيين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث نقل عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قوله لنتنياهو: “كفّ يدك عن سوريا، ويجب أن تقوم بمفاوضات جدية مع الحكومة السورية”، في إشارة إلى رفض واشنطن لأي تدخل إسرائيلي مباشر في الملف السوري خلال هذه المرحلة الحساسة.
وأضافت المصادر أن الموقف الأميركي جاء عقب محاولات قادتها شخصيات بارزة في “قسد”، من بينها إلهام أحمد ومظلوم عبدي، لفتح قنوات تواصل غير مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية، بهدف الحصول على دعم سياسي ودبلوماسي يمنح القوات ثقلاً تفاوضياً في أي تسوية سياسية مستقبلية مع دمشق، وتسويق نفسها كشريك محتمل في محاربة الإرهاب وضمان الاستقرار.
وأشارت المصادر إلى أن هذه الاتصالات، رغم محدوديتها وعدم الإعلان عنها رسمياً، أثارت تحفظات داخل الإدارة الأميركية خشية أن يؤدي أي تقارب بين “قسد” وإسرائيل إلى تعقيد المشهد الإقليمي وتصعيد التوتر في سوريا، وإرباك مسارات التفاهم القائمة مع الأطراف الدولية والإقليمية.
مسيرات إيرانية لـ”قسد”
وفي سياق متصل، كشف قيادي في لواء الشاهين، المسؤول عن الطائرات المسيّرة في الجيش السوري، لـ”المدن”، عن رصد وصول دفعة جديدة من الطائرات المسيّرة إلى مناطق سيطرة “قسد” في محافظة الحسكة، من نوعي “مهاجر 6” و”بروسك”، مصدرها إيران.
وأوضح القيادي، المطلع على الوضع الميداني في شمال وشرق سوريا، أن جزءاً من هذه المسيّرات يعود لقوات مرتبطة بالنظام السابق كانت قد تركتها في منطقة الطبقة قبل انسحابها، ليجري لاحقاً نقلها إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرة “قسد”. ولفت إلى أن الضربات باستخدام هذه المسيّرات تركزت بشكل أساسي في ريف الحسكة، مع تسجيل نشاط محدود في حي الشيخ مقصود بحلب قبل أسابيع.
دعم لوجستي
وأكد أن الوجود الإيراني السابق في مناطق مثل دير حافر شرق حلب، منبج، والميادين شرق دير الزور، ساهم في تسهيل نقل وتسليم هذا النوع من الأسلحة، في ظل تعاون ميداني سابق بين الطرفين، مشيراً إلى أن القواعد الإيرانية في دير الزور شكّلت نقاطاً لوجستية أساسية سمحت بانتقال المسيّرات نحو شمال البلاد، خصوصاً مع الحدود المفتوحة عملياً بين مناطق “قسد” وإقليم كردستان العراق.
واعتبر أن هذا التطور يعكس دعماً إيرانياً مباشراً أو غير مباشر لـ”قسد” في المرحلة الحالية، بالتزامن مع تصاعد التوترات العسكرية في مناطق التماس مع الجيش السوري وريف حلب الشرقي، ما يضيف بعداً جديداً للتعقيدات السياسية والأمنية التي تحيط بدور “قسد” الإقليمي والدولي
—————————–
ثقافة الأنفاق: حين يتحول الاختباء إلى سياسة/ علي سفر
الثلاثاء 2026/01/27
مع تقدّم قوات الحكومة السورية في مناطق الجزيرة، وانسحاب تنظيم قسد منها، لم تكن المفاجأة الكبرى هي سرعة الانهيار العسكري فحسب، ولا حتى التفكك المفاجئ لمنظومة سياسية وإدارية أقامها خلال سنوات. فرغم ضخامتها، كشف ذلك الانهيار أمراً كان يمكن توقّعه: هشاشة الولاءات، وسرعة انقلاب كثيرين ممن عملوا ضمن هذه التركيبة، أو استفادوا منها، إلى خطاب الانشقاق والتبرؤ، كأن تلك السلطة لم تكن يوماً جزءاً من حياتهم اليومية.
موظفون، وناشطون، كوادر محلية من قوى متحالفة، انتقلوا فجأة من موقع الدفاع إلى موقع الاتهام، ومن خطاب التماهي إلى لغة المسافة الفاصلة والقطيعة. لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن هنا. بل جاءت من مكان آخر، من تحت الأرض حرفياً. فبعد انسحاب القوات وانكشاف المواقع، ظهرت شبكة أنفاق واسعة، متقنة البناء، مكسوّة بأفخم أنواع الحجر، مضاءة ومنظمة، إلى درجة جعلتها تبدو عالماً موازياً، أُنجز بعناية وصبر، في حين تُركت المدن والبلدات فوق الأرض تخرب وتُهمل، وتُدار بأدنى مستويات الاستثمار والخدمة. مقابل فضاء آخر صُنع بعناية فائقة تحتها.
السؤال، لم يعد: كيف انهارت المنظومة بهذه السرعة؟ بل: على ماذا كان يُبنى هذا المشروع فعلاً؟ وأين وُضع الجهد الحقيقي: في بناء مجتمع، أم في التحصّن منه؟
هذا التناقض لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلاً تقنياً أو خياراً عسكرياً محضاً. فحين تُترك المدن فوق الأرض للخراب، وبينما يُستثمر الجهد والمال والوقت في بناء عالم تحتها، فإننا نكون أمام اختيار سياسي وثقافي، لا مجرد تكتيك أمني. اختيار يقول الكثير عن طبيعة السلطة المسيطرة، وعن علاقتها بالمجتمع، وعن الكيفية التي تتخيّل بها المستقبل.
في السياق العسكري، يُفهم اللجوء إلى الأنفاق كوسيلة دفاع في مواجهة تفوق جوي أو تقني للخصم. وعليه، فإن استخدامها من قبل قسد، التي تهيمن عليها قيادات من حزب العمال الكردستاني، لم يكن ظاهرة معزولة، بل شكّل أحد الأساليب المعروفة في تاريخ الحركات اليسارية الثورية، خصوصاً تلك التي خاضت حروب عصابات طويلة ضد دول متفوّقة عسكريًا. في فيتنام، وكما في الصين الماوية، لجأت حركات يسارية في أميركا اللاتينية إلى العمل السري وشبكات تحت الأرض. غير أن هذه التجارب تعاملت مع النفق كوسيلة مؤقتة في صراع مفتوح، لا كنمط حياة وحكم دائمين أو بديل من السياسة والفضاء العام.
هذا الاستدعاء للتاريخ لا يبرر الظاهرة أو يجعلها طبيعية، بل يهدف إلى وضعها في سياقها المقارن. فالتشابه الشكلي في الأدوات لا يعني بالضرورة تشابهاً في الوظائف أو في المآلات. إذ إن ما يحدد معنى النفق سياسياً ليس وجوده، بل موقعه من المشروع العام: هل هو وسيلة عابرة في صراع مفتوح، أم بنية دائمة تُبنى عليها السلطة وتُدار من خلالها العلاقة مع المجتمع؟
هنا، لا يعود النفق مجرد ممر تحت الأرض، بل يتحول إلى استعارة لعلاقة السلطة بالمجتمع: علاقة تقوم على الخوف، والشك، والانفصال. ومن هذا المعنى تتشكل ما يمكن تسميته بـ”ثقافة الأنفاق”، أي انتقال النفق من أداة عسكرية ظرفية، إلى منطق حكم ونمط تفكير عام يطبع السياسة والخطاب والممارسة الثقافية معاً. في التجارب التاريخية، كان النفق أداة عبور نحو لحظة سياسية، لا بديلاً منها. أما حين يصبح أفقاً دائماً، فإن الثورة تتحول إلى إدارة للخوف، وتتحول السياسة إلى أمن. المشكلة تبدأ حين لا يعود النفق استثناءً ظرفياً، بل يتحول إلى بنية دائمة تُدار من خلالها السلطة وتعيد إنتاج منطق الحصار والخوف باستمرار. سلطة كهذه لا ترى المجتمع شريكاً، بل عبئاً أمنياً يجب التحصن منه أو التحكم به، وتعيش في حالة طوارئ مستمرة حتى في غياب الخطر المباشر.
ثقافة الأنفاق تقوم على مجموعة من المُسلّمات: الخطر دائم، حتى إن لم يكن مرئياً. والنقد فائض عن الحاجة، غير مسموح به. أما الحقوق فهي مؤجلة إلى أجل غير مسمى. وأي اعتراض يُقرأ تلقائياً بوصفه خدمة للعدو. وبهذا المعنى، لا يُطلب من المجتمع أن يشارك في صنع القرار، بل أن يختبئ معنوياً: وأن يدافع عن سلطة يعرف كثيرون طبيعتها القمعية، لكنهم يفضلون تجاهل ذلك باسم الضرورة.
Image-1769496627
لا يمكن فعلياً، فهم نجاح ثقافة الأنفاقمن دون التوقف عند الخوف الحقيقي الذي عاشه ويعيشه الأكراد في سوريا. تاريخ طويل من الإنكار، القمع، والتهميش، جعل من فكرة التهديد الوجودي أمراً محسوساً. هذا الخوف مشروع، ولا يمكن القفز فوقه أو الاستهانة به. لكن المشكلة تبدأ حين يُستثمر بوصفه رأسمال دائماً، لا بهدف الحماية، بل لضبط المجتمع وإغلاق المجال العام وتحويل أي مساءلة إلى خيانة محتملة. هنا يصبح الدفاع عن الذات ذريعة لتعليق حقوق الذات نفسها وكذلك إخفاء صوتها، وفرط تعدديتها.
في هذا المناخ، يتشكّل خطاب ثقافي وسياسي يبرّر الاستبداد من دون إنكاره: نعم، هناك قمع، لكن الخطر أكبر. نعم، هناك قوة عسكرية غاشمة مهيمنة، لكن المرحلة لا تحتمل التعددية. نعم، هناك اعتقالات، لكن البديل أسوأ. هذه الـ”لكن” هي المدخل الحقيقي إلى ثقافة الأنفاق: لا تنفي الواقع، لكنها تطلب التعايش معه، وتجعل القمع مقبولاً أو على الأقل مفهوماً. ومع الزمن، يتحول هذا الخطاب إلى وعي عام يدافع عن السلطة لا لأنها عادلة، بل لأنها “تحمينا”. هكذا يُطلب من المثقف المعارض لسلطة القسديين أن يصمت، ومن الناشط أن يؤجل الرؤى المختلفة حتى وإن كانت سلمية، ومن المجتمع أن يتكيف مع كل الأذى الذي يصيبه.
السؤال الجوهري الذي تطرحه تجربة قسد، ليس عسكرياً ولا أمنياً، بل أخلاقياً وسياسياً: هل يمكن لشعب أن يحمي نفسه عبر التنازل الدائم عن السياسة؟ هل يمكن بناء أمان طويل الأمد داخل نفق، مهما كان متيناً؟ التاريخ يقول إن الاستبداد الذي يُبرَّر بالخوف لا يحمي، بل يراكم أسباب الانفجار. وأن السلطة التي تعلّم مجتمعها كيف يختفي في السراديب، تعلّمه في الوقت نفسه كيف يتنازل. وما يُنتزع باسم الضرورة، نادراً ما يُستعاد طوعاً.
ليست المشكلة في النفق بوصفه أداة عسكرية، بل في ما ينتجه حين يصبح أفقاً دائماً للحكم والتفكير، وحين تُدار السياسة بعقلية الحصار لا بمنطق المجتمع. المجتمعات لا تُبنى تحت الأرض، ولا تُدار إلى الأبد بعقلية الحصار. الخروج إلى السطح ليس مغامرة غير محسوبة، بل شرط الحياة السياسية نفسها: شرط الاعتراف بالتعدد، بالنقد، وبأن الأمان الحقيقي لا يُبنى عبر السكوت، بل عبر عقد اجتماعي واضح، مؤسسات، ومسؤولية، لا عبر أنفاق مكسوّة بالحجر بينما المدن فوقها تتآكل. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً ومؤلماً: هل يريد البشر حماية الحياة، أم مجرد النجاة؟ النجاة يمكن تحقيقها في نفق، أما الحياة فلا تكون إلا فوق الأرض.
المدن
——————————
الأكراد في سوريا: خفضٌ أمريكي هادئ للدعم/ جو الخولي
ما يبدو وكأنه انهيار لنفوذ الأكراد في سوريا يمكن فهمه بصورة أدق على أنه المرحلة الأخيرة من مسار تدريجي لخفض الدعم الأمريكي.
وقال مسؤول كردي مقرّب من «معهد واشنطن الكردي» لجو الخولِي من شبكة MBN إن هذا التحول لم يبدأ في يناير/كانون الثاني. وأضاف: «لم يكن هذا تخلياً، بل سحباً بطيئاً للضمانات. ظل الأكراد شركاء، لكنهم لم يعودوا محميين».
وأوضح المسؤول أن الولايات المتحدة كانت، منذ أشهر، ترسل إشارات تفيد بأن محاربة تنظيم داعش لم تعد المبدأ المنظِّم الأساسي لسياستها في سوريا. فقد تقدّم على أولوية الحكم الذاتي الكردي كلٌّ من إدارة المخاطر مع تركيا، والحد من النفوذ الإيراني، وتجنّب التصعيد بين القوى الكبرى. وأضاف: «عندما تغيّرت هذه الأولويات، أصبح موقعنا أضعف بنيوياً».
وأصبح هذا التحول حاسماً في منتصف يناير/كانون الثاني، حين تحرّكت قوات الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، الائتلاف الذي يقوده الأكراد وشكّل شريكاً للولايات المتحدة في الحرب على داعش. وانضم مقاتلون من عشائر عربية إلى الهجوم، ما سرّع خسارة الأراضي التي كانت «قسد» تسيطر عليها منذ سنوات.
ومن منظور واشنطن، لم يكن القرار تعبيراً عن موافقة بقدر ما كان قبولاً بالأمر الواقع.
وقال أحد المساعدين في الكونغرس الأمريكيين والمطّلع على المداولات الداخلية، لشبكة MBN إن الإدارة لم تعتبر الهجوم تجاوزاً للخطوط الحمراء الأمريكية. وأضاف: «كانت الحدود محدودة ومحددة: حماية القوات الأمريكية، ومنع انهيار سجون داعش، وتفادي التصعيد بين الدول. وإذا تحققت هذه الشروط، فلن تتدخل الولايات المتحدة».
وقد تحققت تلك الشروط بالفعل. فلم تتعرض القوات الأمريكية لتهديد، وبقيت مراكز الاحتجاز تحت السيطرة، وظل القتال محصوراً جغرافياً. وأوضح المساعد أن هذا الانضباط كان أهم، في نظر واشنطن، من هوية القوى التي فقدت مواقعها على الأرض.
ووصف المسؤول الكردي النتيجة بأنها تجسيد لسيناريو طالما خشيه الأكراد. وقال: «كنا أساسيين حين كانت أولوية داعش هي المهمة. ومع تغيّر المهمة، أصبحنا عبئاً».
وحذّر من أن الخطر على المدى الطويل يتمثل في ارتدادات استراتيجية محتملة. فبينما قد يسهم تآكل الحكم الذاتي الكردي في تبسيط العلاقات مع أنقرة ودمشق على المدى القصير، فإنه يترك أسئلة أساسية بلا إجابة بشأن الحوكمة، وحماية الأقليات، واستدامة ترتيبات مكافحة داعش مع احتمال تقليص الوجود العسكري الأمريكي في نهاية المطاف.
ومن جانب واشنطن، أقرّ المسؤول في الكونغرس بوجود هذه المفاضلة. وقال: «هذا جزء من إدارة الأعباء. الأمر ليس بلا كلفة، لكن التقدير هو أن البدائل أسوأ، ونحن نقيّم الوضع الميداني باستمرار».
وعند سؤاله عن تفسير هذا التغيير، قال مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية: «يتماشى ذلك مع استراتيجيتنا الأوسع للأمن القومي، التي تقوم على تقليص الالتزامات العسكرية المفتوحة، وإدارة مخاطر التصعيد بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى، ودفع الفاعلين المحليين إلى تحمّل أعباء الأمن بعد تأمين المصالح الأمريكية الأساسية».
هذا التقرير مترجم عن النص الأصلي باللغة الإنجليزية.
الحرة
————————-
مرسوم حقوق الأكراد ووحدة سورية/ سمر يزبك
27 يناير 2026
القضية الكردية في سورية ليست طارئةً، ولا هي نتاج العقد الماضي فقط. إنها قضية شعب أصيل من شعوب هذه البلاد، تعرّض، كغيره من السوريين، لسياسات إقصاء وتهميش، لكنّه تعرّض، فوق ذلك، لظلم خاص مرتبط بالهُويّة واللغة والثقافة والانتماء. هذا التمييز لا يمكن إنكاره أو القفز فوقه بشعارات عامّة عن “المواطنة المتساوية”، لأن المساواة الشكلية، حين تُفرغ من الاعتراف بالتمايز، تتحوّل أداةً جديدةً للإنكار بدلاً من أن تكون ضمانة للعدالة.
وفي كل مرّة كانت تُطرح فيها المسألة الكردية في سورية خلال سنوات الثورة، كان يعود الخلل نفسه إلى الواجهة: خلطٌ منهجي بين السوريين الكرد وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والوقائع التي فرضتها الحرب بوصفها استثناءً تاريخياً لا يجوز تحويله قاعدةً. هذا الخلط أربك علاقة السوريين بعضهم ببعض، وفتح الباب أمام حلول مؤقّتة تُراكم الأزمات.
الأكراد في سورية مواطنون ذوو خصوصية ثقافية ولغوية واضحة، ومجتمع متجذّر جغرافياً في مناطق تشكّل، في أحيانٍ كثيرة امتداداً تاريخياً واجتماعياً متّصلاً. تجاهل هذا المُعطى هو ما جعل “دولة البعث”، عبر عقود، تتعامل مع المسألة الكردية بوصفها “مشكلة أمنية” بدلاً من أن تراها مسألة حقوق وسياسات عامة. وهنا تحديداً اختُزلت قضايا الاعتراف والمواطنة في أدوات الضبط والسيطرة، وبالتالي فقدت الدولة حيادها تجاه جزء عزيز من مواطنيها، وتحوّلت من إطار جامع إلى طرف في النزاع. غير أن الخطأ الأكبر الذي سبّبه تعنّت نظام الأسد وتفاقم خلال سنوات الحرب هو ربط الحقوق الكردية بوجود تنظيمات عسكرية مسلّحة خارج سلطة الدولة تدّعي حصر صفة الناطق باسم مجتمع كامل وتمثيل الحقوق الكردية بناءً على منطق القوة لا منطق العقد الاجتماعي. إن التعامل مع تنظيم عسكري على أنه ممثّل سياسي لمجموعة إثنية أو ثقافية يحمل في طيّاته خطرَين متلازمَين: الأول أنه يختزل المجتمع في هذا التنظيم المسلّح، ويصادر تنوّعه الداخلي، ويُخضع حقوقه لحسابات القوة والتحالفات. والثاني أنه يُدخل الدولة في مسار تفاوضي غير دستوري، فتصبح الحقوق موضوع مساومة لا التزاماً قانونياً ثابتاً. في الحالتين تكون النتيجة واحدة: إضعاف فكرة الدولة، وإلحاق ضرر مباشر بالمجتمع الذي يُفترض الدفاع عن حقوقه.
لا تُقاس عدالة الدول بما ترفعه من شعارات جامعة، بقدر ما تُقاس بقدرتها على إدارة الاختلاف حين يتحوّل هذا الاختلاف واقعاً اجتماعياً وسياسياً لا يمكن تجاهله. فمهمّة الدولة الأسمى تتجلّى في تنظيم الهُويّات المتعدّدة ضمن عقد سياسي جامع. وحين تُختزل المواطنة في مساواة مجرّدة تتجاهل الفوارق الثقافية والتاريخية تتحوّل من ضمانة للحقوق إلى أداة إنكار صامتة، ويصبح الدستور نصّاً قانونياً منزوع الذاكرة بدلاً من أن يكون سجّلاً سياسياً يعكس حقيقة المجتمع.
في السياق السوري، يُعدّ الدفاع عن الحقوق الكردية جزءاً من الدفاع عن وحدة البلاد، فالوحدة لا تُصان بالقوة بقدر ما تُرسَّخ عبر عقد وطني يعترف بالجميع من دون استثناء. الإقرار الدستوري أخيراً باللغة الكردية، وضمان حقّ التعليم والثقافة، وإزالة آثار السياسات التمييزية السابقة، ليست “تنازلات” بقدر ما هي تصحيحات تاريخية متأخّرة. وهي في جوهرها خطوات تعيد تعريف الدولة بوصفها دولة مواطنين لا دولة هُويّة واحدة، بشرط ألا تكون مجرّد تزيينات شكلية؛ فالعبرة بتطبيق المراسيم لا بمضامينها.
إنكار اللغة أو الثقافة فعل سياسي كامل الدلالة والآثار، وغالباً ما يدفع المجتمعات المُهمَّشة إلى البحث عن أشكال تعبير بديلة خارج إطار الدولة. وحدها الدولة التي تعترف بتعدّدها قادرةٌ على منع أن يتحوّل التمايز قطيعةً، وعلى تحويل التنوّع من مصدر قلق إلى رصيد وطني. وفي هذا السياق، كان يمكن للمرسوم المتعلّق بالحقوق الوطنية للأكراد في سورية، رغم أهميته، أن يكتسب معنىً أعمق لو تضمّن تجريماً صريحاً لكل أشكال التمييز الديني أوالطائفي أو الإهانة بحقّ سائر المكوّنات السورية، باعتباره تأسيساً لمبدأ عام يحمي الجميع.
تصحيح ظلم تاريخي بحقّ جماعة بعينها يظلّ ناقصاً ما لم يُربط بإطار قانوني شامل يمنع إعادة إنتاج الإقصاء بأسماء مختلفة. إن تحويل الاعتراف بالحقوق الكردية قاعدةً دستوريةً عامّةً كان سيمنح هذا المرسوم بُعداً وطنياً جامعاً، ويجعله خطوةً في اتجاه عقد سياسي جديد. فوحدة البلاد تُبنى في شعور السوريين المشترك بالكرامة والأمان، والتوحيد يبدأ في الوعي قبل أن يكتمل في الجغرافيا.
العربي الجديد
———————————
المرسوم 13 بعيون كردية: تشريع للحقوق أم مناورة سياسية؟/ أحمد الكناني
27 يناير 2026
أدّى تسارع الأحداث في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب إلى متغيرات سياسية وجغرافية على الأراضي السورية، إذ امتدت عمليات الجيش السوري على عدة محاور، فارضةً تقدمًا سريعًا أدّى إلى انهيار الدفاعات الخاصة بـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في أرياف حلب والرقة ودير الزور، حيث استعاد الجيش بعملياته السريعة مناطق غرب الفرات، ثم محافظتي الرقة ودير الزور وأجزاء من محافظة الحسكة، فيما فرضت دمشق اتفاقًا جديدًا لوقف إطلاق النار والاندماج الكامل مع الدولة السورية برعاية ووساطة أميركية وإقليمية.
لكن اللافت، قبل العمليات العسكرية للجيش غرب الفرات، هو المرسوم الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في 16 كانون الثاني/يناير، المكوّن من ثماني مواد، يشير صراحةً إلى التزام الدولة السورية بحماية الهوية الكردية، وحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق المواطنين الأكراد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم الأم في إطار السيادة الوطنية.
وقد أثار المرسوم، الأول من نوعه، جدلًا في الداخل الكردي بين مؤيد له ومعارض لبنوده، واعتبرته “الإدارة الذاتية” خطوة أولى، لكنه لا يلبّي طموحات وآمال الشعب السوري، رغم أنه حظي بإشادة من إقليم كردستان العراق.
طموحات كردية
يتفق الجميع على أن المرسوم يُعدّ الأول من نوعه في معالجة القضية الكردية تشريعيًا، وهو أحد أبرز النقاط الخلافية في الوقت نفسه، حيث تتناول بنوده العديد من القضايا التي ناضل من أجلها الكرد خلال العقود الماضية، بما فيها الثورة السورية عام 2011.
يشير مدير المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية، عصمت رمضان، إلى أن المرسوم يُلبّي التطلعات الشعبية الكردية بشكل تشريعي، ويقرّ حقوقهم اللغوية والثقافية، ويطالبهم بالمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية وبناء سوريا بشكل رسمي، وهي أبرز المطالب الكردية التي ناضلوا من أجلها لسنوات طويلة، لافتًا إلى أهمية المرسوم، الأول في تاريخ سوريا، والمتضمن اعترافًا رسميًا بالمكوّن الكردي.
فيما يرى المحلل السياسي ميهفان عيسى أن المرسوم خطوة إيجابية يتخللها العديد من الثغرات الواجب تصحيحها، ومنها الحالة التشريعية، إذ كان الأجدر أن يكون المرسوم معدّلًا في الإعلان الدستوري، ومن ثم تثبيته في الدستور السوري الدائم، لا في مرسوم يمكن إلغاؤه بقرار رئاسي، أو من مجلس الشعب، أو بإعلان من المحكمة الدستورية العليا، مما يجعله عرضة للتراجع في أي وقت.
من جانبه، اعتبر الأكاديمي والباحث السياسي مروان حمي المرسوم خطوة تكتيكية من دمشق لامتصاص الغضب الكردي بعد عقود من التهميش، خاصةً في ظل الضغوط الدولية والداخلية بعد سقوط نظام الأسد، ويعترف ببعض الحقوق، إلا أنه لا يلبّي المطالب الرئيسية بمنح اللامركزية السياسية، ولا يضمن تمثيلًا سياسيًا حقيقيًا، ولا يعالج الاستيلاء على الأراضي الكردية، معتبره “هدية مسمومة” تُعطي بيد وتأخذ بالأخرى، ولا يرتقي إلى مستوى دستوري يحمي الحقوق كمكوّن أصيل، بل يؤجلها، مطالبًا بدستور يعترف بالفيدرالية أو الإدارة الذاتية الكاملة، لا مرسومًا مؤقتًا يمكن إلغاؤه.
نقاط جدلية
يحمل المرسوم في طيّاته العديد من النقاط التي أثارت العديد من الإشكاليات، ولا تزال بحاجة إلى التوضيح، أبرزها، بحسب رمضان، المتعلقة ببند إلغاء القوانين الاستثنائية وتبعات إحصاء عام 1962، الذي جُرِّد بموجبه المواطنون الكرد من الجنسية، وما ترتب عليه من حرمان الآلاف من الفلاحين الكرد من أراضيهم الزراعية، كنتيجة جائرة لقانون الإصلاح الزراعي في ذلك الوقت.
فيما يشير الباحث حمي إلى قضية اللغة الكردية غير الواضحة كنشاط اختياري في مناطق “ملحوظة”، دون أن يحدد التمويل أو الكتب أو التأهيل للمعلمين، وعدم جعلها لغة رسمية في المناطق الكردية، مع إلزامية التعليم كلغة أم، كذلك فإن “عيد النوروز” في المادة الخامسة يجعله عطلة “ربيع وتآخي”، محذوفًا رمزه الكردي والاعتراف ببعده الثقافي الكردي، منتقدًا افتقار المرسوم لبنود التمثيل السياسي (مثل حصص البرلمان) والحماية من التعريب، وعليه جعلت هذه الثغرات المرسوم غير ملزم، ويتوجب نقلها إلى دستور دائم لضمان الاستمرارية.
سحب البساط من “قسد”
يؤكد المحلل السياسي ميهفان عيسى أن النضال الكردي ممتد لعقود طويلة وغير مرتبط بـ”قسد”، وبالتالي فهي ليست الوصية أو المسؤولة عن المكوّن الكردي، لافتًا إلى أن المطالب تتمثل بالمطالبات الشعبية والسياسية عبر الأحزاب الكردية.
وينوّه رمضان إلى قضية التمثيل الحزبي والسياسي للأكراد في سوريا، ولا سيما أحزاب المجلس الوطني الكردي، الذي يشكّل قاعدة جماهيرية واسعة بين الكرد، وعليه حظي المرسوم بقاعدة جماهيرية مرحِّبة، بعيدًا عن الاصطفاف العسكري شرق الفرات، الذي لا يعبّر عن التطلعات الشعبية.
يختم الباحث والأكاديمي حمي بأن المرسوم رقم 13 يسحب البساط من تحت “قسد” لصالح دمشق، وهذا مقصود سياسيًا، إذ يعيد المرسوم التمثيل إلى دمشق عبر “الاعتراف الرسمي” بالكرد كجزء من الشعب السوري، مما يقلل من شرعية قسد ككيان مستقل، ويفتح الباب للتفاوض المباشر مع دمشق دون وسيط كردي قوي، كما يضعف نفوذ قسد دوليًا، خاصة مع الضغوط التركية، ويمهّد لإعادة دمج المناطق الكردية تحت سيطرة مركزية، مما يهدد استقلال الكرد، وعليه تجدر المطالبة بدستور يعترف بالمكوّن الكردي من خلال مرجعية سياسية كردية كجزء من الحل، لا مرسوم يهمشها.
الترا سوريا
———————————-
فهرماني ژمارە 13… مرسوم الحقوق الثقافية للكرد ينتظر الدستور والتطبيق/ شفان إبراهيم
27 يناير 2026
أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مرسوماً تشريعياً يعترف فيه رسمياً بالمواطنين الكرد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، ويقول إنه يكفل لهم حقوقاً ثقافية ولغوية واجتماعية ضمن إطار الهويّة الوطنية الموحدة، وفقاً لما جاء في المرسوم.
لنتفق، إن “ما لا يُدرك كُله، لا يُترك جُله”. والواقع أن المرسوم هو أول وثيقة سورية رسمية تقرّ بالوجود الكردي في سورية، وربما سيقول بعضهم إنها لحظة تاريخية في العلاقة بين الدولة السورية والشعب الكردي. ورغم ما يعتري المرسوم من نواقص حقوقية وناظم قانوني – دستوري، لكنه ذو أهمية تتجسد في نقاط رئيسية، هي: أول مرسوم بهذا المستوى يذكر هذه الحقوق بشكل صريح، وتُشكل أرضية خصبة لكثير من الحوار والنقاش والتواصل. وهي أرضية يمكن بناء الكثير عليها. وربما كان أهم ما في المرسوم الفقرة المتعلقة بإلغاء آثار الإحصاء عام 1962 التمييزي التدميري للمجتمع والوجود الكردي، والذي بموجبه حرمت أعداد ضخمة من الكرد في الحسكة من الحقوق المدنية. وهذا المرسوم سيفتح الباب على مصراعيه لمعالجة قضايا طويلة الأمد، ومنها ضرورة تضمين جبر الضرر لمكتومي القيد والمجردين من الجنسية ضمن اللائحة التنفيذية، أو على الأقل شمولها بمسار العدالة الانتقالية. وأيضاً يمكن لهذا المرسوم أن يساهم في تخفيف التوترات الاجتماعية وتحقيق اندماج أكبر بين مكونات الشعب السوري.
وفي شرح الأبعاد الإيجابية للمرسوم: جعل من اللغة الكردية لغة وطنية، يُتيح تدريسها في المناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة معينة، بعد أن كان مجرّد التحدث بها يُعتبر مساساً بسيادة الدولة وهيبتها. وكان هذا الموضوع فادحاً إلى درجة مضحكة عقوداً. أتذكر في إحدى الدورات الامتحانية لشهادة الثانوية العامة، وقبيل بدء الامتحانات بلحظات، اجتمع بنا مدير المركز الامتحاني في القامشلي مُهدداً كُل من يتحدث بغير العربية بوصفها لغة أجنبية تستوجب المساءلة. حينها سألته: وماذا عن اللغتين الفرنسية والإنكليزية التي سيتقدم الطلبة إلى امتحاناتها، ساد صمت، ثم قال: هذا شأنٌ أخر، لا تتحدّثوا الكردية وشكراً. لذلك يعزّز إصدار المرسوم الهويّة الثقافية من دون فصلها عن الهويّة الوطنية، ويعترف للمرة الأولى بأن سورية بلد متعدّد اللغات والثقافات، كما معظم الدول، ومن حق أي شخصٍ أن يتحدّث بلغة أجداده.
أضاف المرسوم إلى منح حقوق الجنسية لكل الكرد، والمساواة في الحقوق والواجبات، اعتماد يوم النوروز عيداً وطنياً رسمياً مدفوع الأجر، وهو تعبيرٌ عن تقدير للثقافة الكردية، وخطوة رمزية لبناء الثقة وتعزيز الهويّة الجامعة من دون فصلها عن الهويّة الوطنية. والجميل جداً في هذا المرسوم أنه يحظر التمييز والتحريض، ويفرض عقوبات على من يحرّض على الفتنة القومية، خصوصاً في المناهج التربوية والإعلام. وهي خطوة جبارة للتقليل من خطاب الكراهية وتعزيز التعايش.
في المقابل، للمرسوم سلبيات أو نواقص لا بد من البحث فيها، منها: لا يمكن اعتبار اللغة الكردية ثانوية أو للتثقيف أو لغة اختيارية، وهي اختيارية مثل كل اللغات الأخرى، إضافة إلى ضرورة افتتاح قسم الأدب واللغة الكرديين. كما أشار إلى السماح “بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكّل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان”، ما هي هذه النسبة، ومن يُحددها؟ مثلا هل سيتم تدريسها في ريف الرقة الشمالي لأنه يحتوي على قرى تعيش فيها نسبة كردية وازنة؟ ماذا عن “زروافا-وادي المشاريع” أو “ركن الدين” في دمشق، الشيخ مقصود والأشرفية في حلب التي تضم نسبة كبيرة من الكرد، أو القرى الكردية في اللاذقية؟ أو لنذهب أبعد ونسأل: هل يمكن للعائلات الكردية في مدينة حماة الذين لا يتحدثون الكردية أن تعلمها لأولادها في المدارس إذا ما رغبت بذلك؟ هذا الأمر سيُحدث تقديراتٍ غير دقيقة، أو تفاهماتٍ محلية غير مستقرّة. إضافة إلى أن الهويّة الكردية لا تستقر بهذا المنطق، فاللغة بوصفها حاملاً جمعياً للهويّة تحتاج إلى رسوخها في المناهج المدرسية، في كُتب القراءة والتاريخ والجغرافيا، وفي سرد قصص الكرد القدماء وتواريخهم، في الحديث عن الجغرافيا الكردية وآثارها وقراها. أو ليكن منهاجاً موحداً بأكثر من لغة، أو…إلخ. التجارب كثيرة لدولٍ فيها عشرات اللغات الرسمية في مختلف القارّات، ولنا في جنوب أفريقيا والهند وألمانيا وكندا وماليزيا خير دليل ومثال، إضافة إلى جعلها لغة التدوين، على الأقل في المناطق الكردية، إلى جانب العربية.
لأول مرة يتم اعتماد 21 مارس/ آذار عطلة باسم عيد النوروز، لكن يتوجب اعتباره عيداً قومياً ورأس السنة الكردية، ولحظة الانعتاق من الظلم والطغيان في الميثولوجيا الكردية، وليس فقط عيد الربيع. يُشير المرسوم إلى تركيب واضح “المكون الكردي” و”السوريون الكرد”. وفي المقابل، لا يزال الآخر يعرّف نفسه على قاعدة “عربي سوري” و”الشعب العربي السوري” و”الجيش العربي السوري”، وهذه تتعارض وتتنافى مع مواد المرسوم نفسها، وسببها أن تسمية الجمهورية هي “العربية السورية”، ولتتمة صون الهويّات غير العربية لا بد من إلغاء “العربية” أو إزالتها من اسم الجمهورية، ولنا في اسم عشرات الدول العربية التي لا تحتوي على لفظة “العربية” خير مثال. كما يُخشى أن تكون آليات التنفيذ الفعلي غير واضحة بالشكل المطلوب، فتمنح بعض الجهات فرصة سانحة للتراجع عن تطبيقها، خصوصاً في ظل حمولة العداء وخطاب الكراهية الموجود عبر “السوشيال ميديا”، أو بسبب النزاع بينهم وبين “الإدارة الذاتية”. لذا، لا يمنح التركيز على الحقوق الثقافية واللغوية حلولاً فورية لقضايا إدارة الدولة والشراكة السياسية ونظام الحكم والتمثيل السياسي الموسّع، وهي مطالب أساسية لدى الشعب الكردي. ولا بديل عن الحوار والتوافق السياسي الذي يحمي هذا المرسوم نفسه.
إضافة إلى أن المرسوم تعتريه بعض النواقص، منها: غياب تثبيته في الإعلان الدستوري، وغياب الإطار التشريعي الكامل، فهو لا يتضمن تشريعات تفصيلية واضحة لضمان تطبيق الحقوق، مثل آليات حماية اللغة في وسائل الإعلام أو الحياة اليومية، على الرغم من إسناد مهمة ذلك للوزارات المتخصّصة، ولكن هذه الجهات لم تصدر عنها أي لوائح تنفيذية، عدا عن ضرورة الحوار والتشاور مع المتخصصين والأكاديميين من الكرد الذين يُمكن أن يُقدّموا مقترحات عملية كثيرة، في ظل كثافة مؤسسات الإدارة الذاتية والفائض في عدد موظفيها، في ظل إصرار السلطة على دمج المؤسّسات بعضها مع بعض. كما لم يتطرّق المرسوم إلى تعديل القوانين الأمنية والانتخابية والتقسيمات الإدارية التي تُستخدم فعلياً في تنظيم الحياة العامة، والتي قد تبقى عقبة أمام الحقوق المتساوية. فالتقسيمات الإدارية تُشكل كارثة بالنسبة للكرد ومناطقهم، وهي من صُلب هويّة المنطقة الكردية، والتي شوهها النظام البائد. وعلى مبدأ القطيعة مع ذلك النظام، يجب إلغاء تراكمية نتائج قراراته ومراسيمه، وهذا التفصيل رُبما سيتطلب دمجه مع ما جاء في البند 13 من الاتفاق المبرم بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي حول استعادة حقوق الملكية المتراكمة من العقود السابقة، وهي جزء من قضية التقسيمات الإدارية وأملاك الكرد المستولى عليها في مناطقهم التي يُشكلون غالبية سكانية فيها، من دون نسيان ضرورة تشكيل هيئة إشراف مستقلة أو آلية واضحة لتلقي الشكاوى ومعالجتها، في حال لجأت بعض الأطراف للإخلال أو إيجاد عراقيل أمام تنفيذ اللائحة التنفيذية للمرسوم.
قصارى القول: المرسوم خطوة مهمة ووثيقة ضرورية لتعزيز الاندماج الثقافي والحقوقي للكرد في سورية، يعترف بهم باعتبارهم جزءاً أساسياً من المجتمع السوري، ويمنحهم حقوقاً ثقافية ولغوية واجتماعية. مع ذلك، يظل التنفيذ العملي والتشريعات التفصيلية العنصر الحاسم لنجاح هذا المرسوم، مع تثبيت الحقوق السياسية. وإلا قد يبقى أحادياً في النصوص دون تأثير جذري في واقع الحياة اليومية. والجديد في الأمر: كان إصرار الدول الفاعلة في مجلس الأمن يوم 22/1/2026، على الإشادة بمضمون المرسوم واعتباره خطوة جيدة في سبيل تحقيق الاستقرار.
العربي الجديد
——————————-
التناقض السوري في ذروته: قراءة في إسقاط تمثال هبون عرب/ رامي العاشق
27 يناير 2026
مع بدء تحرك عشائر الرقة ودير الزور ضد “قسد” في الأيام السابقة، عادت التناقضات السورية إلى السطح، وعاد الاستقطاب والتخوين والشتم ليكون طقسًا سوريًا يُمارس عند كل مناسبة. ولكننا لا نزال غير قادرين على رؤية ما يجري إلا من خلال منظورنا الضيق، وفق اصطفافاتنا الأيديولوجية أو السياسية أو الطائفية.
إسقاط تمثال هبون عرب في الطبقة هو أحد أشكال التعقيدات التي يعيشها السوريون اليوم أكثر من أي وقت مضى. يقع التمثال الذي حُطّم في دوار المدخل الشمالي لمدينة الطبقة، عند بداية الطريق المؤدي إلى سد “الثورة” على نهر الفرات. المفارقة، أن هبون عرب يرمز إلى المقاتلة العربية في صفوف “وحدات حماية المرأة” التي حاربت “داعش”.
هبون عرب هو الاسم الحركي للفتاة “رحاب السلمو”، وهي شابة من بلدة تل حميس في محافظة الحسكة انضمت في العام 2013 إلى صفوف “وحدات حماية المرأة”، وشاركت، حسب الروايات المتداولة، في معارك متعددة ضد تنظيم “داعش” في عدد من مناطق شمال وشرق سوريا، لتُقتل لاحقًا في معارك مدينة الرقة في 16 حزيران/يونيو 2017.
يرمز تمثال هبون عرب إلى النضال والمقاومة والخلاص من حقبة سوداء كانت سِمتها القتل والتنكيل. إسقاطه، أيضًا، يرمز إلى الخلاص من حقبة قاسية لسلطة تصرفت كسلطة احتلال ومارست القمع والإفقار والظلم.
لذلك، لا توجد قراءة أخلاقية واحدة للتمثال كخير مطلق أو شرّ مطلق، إنما كتركيبة من التناقضات التي نعيشها كسوريين منذ عقد ونصف. وهذا التعقيد لا يلغي تضحيات من حاربوا داعش، ولا يبرر استمرار سلطة قمعية باسم تلك التضحيات.
على صعيد الجمهور، تحيلنا أحداث الجزيرة السورية إلى نفَس أبيض استعلائي لطالما مورس ضد أهل الجزيرة، تحديدًا العرب منهم، ونراه اليوم يمارس من قبل أصواتٍ أقلّويّة ترى قسد حليفًا. نفَس معجون بإسلاموفوبيا ليست ضد السلطة وحسب، بل ضد الناس العاديين. ثمة فوقيّة عنصرية تمارس ضد أهالي الرقة ودير الزور بسبب فرحهم بخروج “قسد” من مدنهم.
هذا النفس يصف الناس بـ”الدعشنة” لتحررهم من سلطة أمر واقع حكمتهم وهمّشتهم ونكّلت بهم لفترة طويلة. وهؤلاء الذين يمارسون لغة مسيئة تصف أهل الجزيرة بأنهم لا يستحقّون عظمة قسد، وبأنهم ناكرون للجميل، وأن قسد من حررتهم من داعش.
ومع أنهم في معظم هذه الأصوات من معارضي سلطة الشرع، إلا أنهم لا يختلفون بالخطاب عن جمهور “من يحرر يقرر”. يقبلونه على غيرهم ويرفضونه على أنفسهم، وكأنّ على أهل الرقة أن يقبلوا بالظلم والقهر والإفقار لمجرّد أن قسد حررتهم من داعش. أليس هذا مبدأ “الخطيفة التي لا تسأل من حررها إلى أين يأخذها” كما شبه وزير الخارجية الشيباني؟
على الطرف الآخر، في معسكر المؤيدين للحسم العسكري، ثمة فرح ظهر عند كثير من الأصوات باستعادة الثروات في الجزيرة أكثر من فرحهم بأهلها، وكأن القضية هي مجرد صراع على الثروة، لا على عدم شرعية سلطة أمر واقع ظالمة وخانقة، ولا على مصائر سوريين عانوا من هذه السلطة ما عانوه، وكأن مشهد خروج النساء والأطفال من سجون قسد لا يعني شيئًا!
هناك اختزال لحيوات الناس وتهميشهم مرة بعد مرة، سواء من قبل السلطات أو من قبل الخطاب أو حتى الترميز، مع تسطيح تام لطبقات الصراع الذي أنهك السوريين. اختزال يرى كل شيء عبر ثنائية أبيض وأسود، معي أو ضدي، ويرفع ويضع بالكلّيات. اختزال يريد هزيمة الآخر بكليّته مهما كلّف الأمر من خسائر، وهذا اختزال عدميّ لا يفضي إلا للخسارة، وآن الأوان ليسقط هو قبل أي شيء آخر.
الترا سوريا
————————-
أزمة خبز خانقة تعمّق معاناة السوريين/ نور ملحم
27 يناير 2026
تشهد مناطق الجزيرة السورية، ولا سيما مدينة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي، واحدة من أسوأ الأزمات الخدمية والمعيشية منذ سنوات، في ظل تراجع حاد في توافر الخبز والكهرباء والمياه، وتدهور واسع في البنية التحتية، عقب انسحاب (قوات سوريا الديمقراطية) “قسد” من عدد من المناطق، تنفيذاً لاتفاق وقف إطلاق النار، ما خلّف فراغاً خدمياً انعكس مباشرة على حياة المدنيين.
تبدأ الأزمة مع ساعات الفجر الأولى، إذ يصطف عشرات السكان يومياً أمام أفران مدينة الشدادي، في مشهد بات مألوفاً منذ سنوات، إلا أن حدّته ازدادت خلال الأسابيع الأخيرة نتيجة النقص الحاد في مادة الطحين والمحروقات المخصصة للأفران. ويعود كثيرون إلى منازلهم من دون خبز بعد ساعات من الانتظار، وسط شكاوى من توقف الأفران بشكل مفاجئ أو نفاد مخصصاتها قبل تلبية الطلب.
في السياق، تروي رجاء الجبور، وهي مدرسة في الثلاثينيات من عمرها وأم لطفلين، تفاصيل يومها مع ما تصفه بالرغيف المر وتقول لـ”العربي الجديد” إنها تخرج من منزلها قبل شروق الشمس لتأمين ربطة خبز، لكنها كثيراً ما تعود خالية الوفاض، مضيفة: “أحياناً يُغلق الفرن قبل أن يصل دورنا، فنُجبر على شراء الخبز السياحي بأسعار لا نقدر عليها، أو نكتفي بوجبة واحدة في اليوم”.
ولا تتوقف المعاناة عند الخبز، إذ تعيش المدينة انقطاعاً شبه كامل للتيار الكهربائي، ما أدى إلى توقف ضخ المياه، وشلل في الحركة التجارية، وانقطاع شبكات الاتصال والإنترنت، لتتحول الشدادي، وفق وصف سكانها، إلى مدينة معزولة عن العالم. ويربط مسؤولون محليون هذه الأزمة بتوقف حقول الغاز التي كانت تغذي المنطقة بالكهرباء.
في المقابل، يقول المسؤول المكلف بتسيير أمور مدينة الشدادي، عدنان الدرويش، إن الإدارة الجديدة باشرت فور تسلّمها مهامها بتنفيذ إجراءات إسعافية لمعالجة الانهيار الخدمي. ويؤكد لـ”العربي الجديد” أن الخطة شملت دعوة موظفي المؤسسات الخدمية للعودة إلى أعمالهم، تمهيداً لعقد اجتماع موسّع لوضع خريطة طريق تقنية تهدف إلى إنهاء ما وصفه بالترهل الخدمي المزمن. ويشير الدرويش إلى استجابة سريعة لتأمين مادة الطحين، مع صدور توجيهات بتشغيل أفران المنطقة بطاقتها القصوى على مدار الساعة، بما في ذلك أيام العطل، لسد الفجوة الكبيرة في إنتاج الخبز.
كذلك لفت إلى اعتماد خطة ثلاثية المحاور لتنظيم توزيع الخبز، تضمن العدالة بين السكان المحليين والنازحين، من خلال تخصيص مخبز محدد لتموين مخيم الهول حصرياً، وتشغيل فرن ناحية الهول بنظام الورديات الدائمة، مع إبقاء بعض الأفران كخيار تدخل إسعافي عند رصد أي نقص ميداني.
وفي السياق، أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة إرسال كميات إضافية من المواد الأساسية إلى أفران محافظة الحسكة، شملت 367 طناً من الطحين، و20 ألف ليتر من المازوت، وطناً من الخميرة، إضافة إلى الملح وأكياس التعبئة، في محاولة لضمان استمرارية إنتاج الخبز. وقالت الوزارة في بيان صحافي إن هذه الخطوة تأتي ضمن جهود الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك لتأمين الخبز من دون انقطاع، ومتابعة واقع الأفران وفق الأولويات.
بدوره، شدد المدير العام للمؤسسة السورية للمخابز، محمد الصيادي، على ضرورة ضمان استمرارية الإنتاج وتحسين جودة الخبز، مؤكداً لـ”العربي الجديد” أهمية تشديد الرقابة على توزيع الدقيق وآليات التشغيل بهدف تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين. وأشار إلى توزيع نحو أربعة آلاف ربطة خبز إسعافية في الشدادي، وتأهيل أكثر من 33 مخبزاً في محافظات عدة بتمويل سعودي ودعم أممي، إضافة إلى تركيب 21 خط إنتاج جديداً دخل معظمها الخدمة بالفعل.
في المقابل، لا تبدو الصورة أفضل في المناطق التي لا تزال تحت سيطرة قسد، حيث أثار تطبيق نظام التوزيع اليومي للخبز في مدينة الحسكة موجة استياء واسعة. ويقضي النظام بتخصيص ربطة واحدة يومياً للعائلات التي تضم بين شخص وخمسة أشخاص، وربطتين للعائلات الأكبر، بسعر 3000 ليرة سورية للربطة، عبر 144 “كومينة” تشرف عليها لجان تابعة للإدارة الذاتية.
بينما، يقول أرام الحسينو، من سكان مدينة الحسكة، إن القرار الذي تفرضه الإدارة الذاتية لا يعكس الواقع الفعلي لاستهلاك العائلات، معتبراً أن تخصيص ربطة خبز واحدة يومياً لعائلة من خمسة أفراد غير كافٍ إطلاقاً، ولا سيما في ظل رداءة جودة الخبز. من جانبه، يشير أبو خالد إلى تفاوت واضح في آلية التوزيع بين الكومينات، ما يعكس، برأيه، خللاً في الرقابة، متسائلاً عن أسباب استمرار ارتفاع سعر الربطة رغم تأمين القمح والمازوت، ومؤكداً أن القرار بصيغته الحالية بحاجة إلى مراجعة فورية.
ومع دخول النظام حيز التنفيذ، بدأت تظهر تداعياته سريعاً على الحياة اليومية، حيث اضطر كثير من السكان إلى اللجوء إلى الأسواق غير الرسمية لشراء الخبز بأسعار أعلى، ما زاد من أعبائهم الاقتصادية وتسبب بازدحام متزايد أمام بعض الكومينات. في ظل هذه المعطيات، تتصاعد مطالب الأهالي بإعادة النظر العاجلة في سياسات توزيع الخبز، ورفع الكميات المخصصة بما يتناسب مع حجم العائلات، إلى جانب تحسين الجودة وتعزيز الشفافية والرقابة. وبين وعود الإدارات المتعاقبة وخططها الإسعافية، يبقى الخبز في الجزيرة السورية عنواناً لأزمة أعمق، تتقاطع فيها السياسة بالأمن والخدمات، وتدفع ثمنها يومياً آلاف العائلات.
————————–
زيارة غير معلنة.. الشرع يلتقي بشخصيات كردية من عين العرب في الطبقة
27 يناير 2026
أفاد موقع “ميدل إيست آي” البريطاني بأن الرئيس السوري، أحمد الشرع، أجرى الأسبوع الماضي زيارة إلى مناطق كانت خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، شمال شرقي سوريا.
وقال الموقع، نقلًا عن مصادر كردية، إن الشرع أجرى زيارة غير معلنة إلى سد الفرات في مدينة الطبقة بمحافظة الرقة، الذي سيطرت عليه الحكومة السورية مؤخرًا، حيث التقى بعدد من الشخصيات الكردية من مدينة عين العرب/كوباني شمالي محافظة حلب.
وأضاف أن الاجتماع عُقد بين الشرع و15 شخصية كردية فكرية واجتماعية مؤثرة من المدينة، تمثّل تيارات مختلفة من المشهد السياسي الكردي، من بينها شخصيات قريبة من “قسد”، وأخرى معارضة لها.
وذكر الموقع، نقلًا عن المصادر، أن الشرع شدد خلال الاجتماع على ضرورة التنفيذ الكامل للمرسوم الأخير المتعلق بالاعتراف بالحقوق المدنية والثقافية للأكراد، مؤكدًا أن حقوقهم ستكون مصانة في ظل الدولة السورية الجديدة.
في المقابل، وجّه الشرع خلال الاجتماع انتقادات حادة لـ”قسد”، معتبرًا أنهم “لا يهتمون بحقوق الأكراد”، وأن “كل ما يريدونه هو قطعة أرض يسيطرون عليها ويقاتلون منها”، مضيفًا: “لن أسمح بحدوث ذلك. نريد وقف القتال وتوحيد سوريا”.
وأشار الموقع، نقلًا عن المصادر الكردية، إلى أن الوفد غادر الاجتماع وهو يشعر بقدر كبير من الطمأنينة إزاء تعهدات الشرع، رغم استمرار مخاوف مرتبطة بقضايا سياسية أوسع.
وفي سياق متصل، لا تزال الحكومة السورية و”قسد” يتبادلان الاتهامات بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، لا سيما في محيط مدينة عين العرب/كوباني، حيث أصدرت “قسد” عدة بيانات متتالية حول خرق الحكومة للاتفاق باستهداف ومهاجمة القرى المحيطة بالمدينة، فيما نقلت الوكالة السورية للأنباء “سانا” عن هيئة العمليات في الجيش أن “قسد” استهدفت عدة مواقع للجيش في المنطقة بالطائرات المسيّرة.
——————————
عين العرب أو «كوباني»…. خلاف التسمية والتاريخ
زيارة عبد الله أوجلان المدينة عام 1979 أحدثت تأثيراً كبيراً داخل بيئة كردية عشائرية
دمشق: «الشرق الأوسط»
26 يناير 2026 م
مع انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» باتجاه المناطق ذات الغالبية الكردية شمال الحسكة، ثم إلى منطقة عين العرب (كوباني)، (130 كيلومتراً أقصى شمال شرقي محافظة حلب قريباً من الحدود مع تركيا)، تتركز الأنظار على تلك المنطقة التي باتت معزولة عن بقية مناطق القوات الكردية، وسط تبادل الاتهامات بخرق اتفاق الهدنة بين الجيش السوري، وقد بات على تخوم عين العرب (كوباني)، وقوات «قسد» التي أعلن قائدها مظلوم عبدي أن «المناطق الكردية خط أحمر».
ووفق المصادر، فإن مدينة عين العرب (كوباني) تعدّ حديثة العهد نسبياً، وارتبط إنشاؤها بمشروع «سكة حديد بغداد»، الذي عملت على تنفيذه شركة ألمانية داخل أراضي الدولة العثمانية بداية القرن العشرين، وهدَف إلى ربط برلين ببغداد عبر إنشاء سكة حديد تمتد من إسطنبول؛ مروراً بالأناضول وشمال سوريا والعراق، وانتهاءً ببغداد.
زار عالم الآثار الإنجليزي، ليونارد وُولي، المنطقة التي تشكل اليوم مدينة عين العرب (كوباني) ومحيطها في بداية القرن العشرين، ووصفها بأنها موطن لقبائل من الأكراد تعيش نمطاً مختلطاً من الترحال والاستقرار، مع وجود قرى صغيرة متناثرة بين الأودية، كما أن بعض القبائل العربية سكنت إلى الغرب من المنطقة باتجاه نهر الفرات.
وتكتسب مدينة عين العرب (كوباني) أهمية خاصة لدى الأكراد بوصفها معقلاً لـ«حزب العمال الكردستاني»، حيث كان لزيارة مؤسس «الحزب» في تركيا، عبد الله أوجلان، المدينةَ عام 1979 تأثير كبير في إحداث تغيير اجتماعي داخل بيئة كردية عشائرية غالبية سكانها ممن هاجروا من تركيا عام 1925 لأسباب سياسية.
كما كانت من أولى المناطق التي انسحب منها نظام الأسد في 19 يوليو (تموز) 2012، بعد اندلاع الاحتجاجات ضده، ليسيطر عليها «حزب الاتحاد الديمقراطي» (الفرع السوري لـ«العمال الكردستاني»)، ومن ثم إعلانها منطقة «حكم ذاتي» شمال سوريا بداية عام 2014، الذي أتى بعد تصدي «قوات حماية الشعب» الكردية لهجوم من مقاتلي تنظيم «داعش» الذي تمكن من السيطرة على عشرات القرى التابعة للمدينة؛ مما أدى إلى نزوح آلاف الأكراد إلى تركيا.
يعود نشوء مدينة عين العرب (كوباني)، التي تعيش فيها غالبية كردية إلى جانب أقليات من العرب والأرمن والتركمان، إلى بداية القرن العشرين عندما نفذت شركة ألمانية مشروع «سكة حديد بغداد» في عهد الدولة العثمانية عام 1912، بهدف ربط برلين ببغداد بواسطة خط يمتد من إسطنبول؛ مروراً بالأناضول وشمال سوريا والعراق، وانتهاءً ببغداد.
تشير المصادر التاريخية إلى أن المدينة التي كانت محطة على هذا الخط، شهدت جانباً من «مجازر الأرمن» عام 1915، وفق رسالة القنصل الألماني في حلب، والتر روسلر، بتاريخ 3 يناير (كانون الثاني) 1916 التي أرسلها إلى مستشار الإمبراطورية بيتمان هولويغ، وجاء فيها أن «الطريق بين منطقتي (عين العرب) و(هراب ناس) ممتلئة برائحة الجثث المتعفنة، حتى إن المضطر إلى اجتياز الطريق على الحصان عليه ربط أنفه».
وعند ترسيم الحدود بين سوريا وتركيا، انقسمت المنطقة إلى قسمين: قسم داخل الحدود السورية اسمه «عرب بينار» من وحي اسم المنطقة «عين العرب»، وقسم آخر في تركيا اسمه «مرشد بينار» أي «عين مرشد»؛ نظراً إلى احتوائه أبنية إدارية. وشكل القسم السوري «عرب بينار» في نهاية 1915 ملاذاً للأرمن الفارين من المجازر.
وجاءت التسمية القديمة للمدينة من التسمية العثمانية «عرب بينار» وتعني «عين العرب» أو «نبع العرب»؛ لأن العرب البدو رعاة الماشية كانوا يمرون بها للسقي.
أما اسم كوباني (Kobanê)، فقد جاء من تحوير محلي لاسم الشركة الألمانية «Company/Kompanie»؛ إذ أطلق الأهالي هذا الاسم على موقع المحطة ومقر الشركة المؤقت الذي أقيم خلال تنفيذ المشروع.
ظلت تسمية المدينة محط خلاف بين الأكراد، الذين يشكلون غالبية سكان المدينة، والدولة السورية، وتعمق الخلاف مع اتباع سلطة البعث في سوريا على مدى عقود سياسة إقصاء المكون الكردي ومنع اللغة الكردية وكل ما يتصل بالهوية الثقافية الكردية، وتجريد مئات الآلاف من الأكراد من حق الحصول على الجنسية السورية.
عانت عين عرب (كوباني) لعقود من التهميش والحرمان من الخدمات الأساسية، دون أن يمنع ذلك من نشوء أحزاب سياسية وتيارات وقوى تطالب بحقوق الأكراد لسنوات طويلة. وتعدّ «الإدارة الذاتية» مناطق عين العرب (كوباني)، التي تضم نحو 440 قرية صغيرة ويقطنها أكثر من 300 ألف نسمة غالبيتهم من الأكراد السنة؛ وفق التقديرات المتداولة، من المناطق الكردية إلى جانب مدينتي الحسكة والقامشلي وأجزاء واسعة من شمال محافظة الحسكة، حيث تتركز الآن القوات الكردية بعد انسحاب «قسد» من الرقة ودير الزور وشرق حلب وأجزاء واسعة من جنوب محافظة الحسكة.
الشرق الأوسط
————————
تفاصيل افتتاح مراكز لتسوية أوضاع عناصر من “قسد” في الرقة ودير الزور
أحمد العكلة
دمشق- أعلنت وزارة الداخلية السورية، اليوم الاثنين، افتتاح مراكز في محافظتي دير الزور والرقة لتسوية أوضاع عناصر قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تمهيدا لتسليم أسلحتهم ومعداتهم. وقالت إنها خصصت مراكز لاستقبال طلباتهم “بهدف تمكينهم من العودة إلى حياتهم الطبيعية وتعزيز الاستقرار في المنطقة”، بحسب وكالة سانا.
وحددت الوزارة في دير الزور مركزا ضمن مبنى قيادة الأمن الداخلي، كما خصصت آخر في الرقة في مبنى نقابة العمال سابقا.
يأتي ذلك في حين استهدفت “قسد” بلدة صرين والقرى المحيطة بها في محيط مدينة عين العرب (كوباني)، منذ ظهر اليوم، بأكثر من 15 طائرة مسيرة انتحارية، مما أسفر عن أضرار مادية في آليات ومنازل المدنيين، دون تسجيل أي خسائر بشرية.
أحمد العكلة_الرقة_سوريا_تاريخ اليوم _الرقة_الحكومة السورية تقوم بضم عناصر قسد_ الجزيرة نت
الحكومة السورية تقوم بضم عناصر من قسد (الجزيرة)
تعزيز الاستقرار
وأفاد محمد أحمد، مدير مركز التسوية في الرقة، بأن وزارة الداخلية السورية، متمثلة بقيادة الأمن الداخلي في المحافظة، أطلقت مركزا متخصصا لتسوية أوضاع العاملين السابقين مع “قسد”. وأكد للجزيرة نت أن الهدف الرئيسي من إنشاء المركز هو تسوية أوضاع جميع العاملين السابقين في صفوف هذه القوات، سواء كانوا في المجال الأمني أو العسكري أو الحراسات.
وأشار إلى أن المبادرة تهدف إلى تسهيل عودتهم إلى حياتهم الطبيعية، مع تعزيز الأمن والاستقرار في الرقة، التي شهدت توترات أمنية سابقة.
وفي اليوم الأول من إطلاقه، أشار مدير المركز إلى وجود إقبال كثيف من قبل العاملين السابقين مع قوات “قسد”، معتبرا ذلك انطلاقا ناجحا للمشروع، ودعا جميع من سماهم “المتورطين” إلى المبادرة بالحضور لتسوية أوضاعهم، مؤكدا ضرورة تسليم الأسلحة والمعدات والآليات والوثائق، وكل ما كان بحوزتهم من ممتلكات تعود لهذه القوات.
كما دعا الجميع إلى التوجه إلى المركز لتسوية أوضاعهم، مؤكدا أن هذه الخطوة من شأنها الإسهام في بناء مجتمع أكثر أمانا وتماسكا، وسط جهود حكومية أوسع لإعادة دمج العناصر السابقة في المجتمع المدني.
من جانبها، نبهت وزارة الداخلية السورية إلى ضرورة أن يصطحب القادمون لتسوية أوضاعهم الأوراق الثبوتية والأمانات والمعدات، إضافة إلى الوثائق والمستندات الورقية والإلكترونية التي تسلموها من “قسد”، مؤكدة أن التخلف عن إجراء التسوية يعرّض الشخص للمساءلة القانونية.
أحمد العكلة_الرقة_سوريا_تاريخ اليوم _الرقة_الحكومة السورية تقوم بعملية تسوية لعناصر قسد_ الجزيرة نت
الجيش السوري أعلن في 17 يناير/كانون الثاني الجاري فتح باب الانشقاق أمام السوريين المنضمين إلى قسد (الجزيرة)
شهادة
وكانت هيئة العمليات في الجيش السوري قد أعلنت في 17 يناير/كانون الثاني الجاري فتح باب الانشقاق أمام السوريين المنضمين إلى “قسد”، من الكرد والعرب، داعية إياهم إلى ترك التنظيم والتوجه إلى نقاط انتشار الجيش.
ويروي عبد الله أحمد الحمد (28 عاما)، من محافظة دير الزور، وهو مقاتل سابق في قوات سوريا الديمقراطية، قصته للجزيرة نت عقب إجرائه تسوية أمنية، وتحدث عن تجربته العسكرية والمخاوف التي رافقته خلال سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، وكيف تغيرت حياته بعد دخول الجيش السوري إلى المنطقة.
وأشار إلى أنه انضم إلى قوات الأمن الداخلي التابعة لـ”قسد” في يوليو/تموز 2023، حيث عمل في المجال العسكري ضمن مهام حماية المؤسسات وتنفيذ أعمال الحراسة.
وأضاف الحمد “بعد سنة ونصف، انشق شقيقي أثناء سقوط نظام الأسد، ومع دخول الجيش السوري وتحرير المنطقة، بادر شقيقي إلى تنفيذ خطته مستفيدا من كونه أعزب، فتوجه إلى دير الزور وانشق عن “قسد” لينضم إلى الصفوف الجديدة التي تشكلت عقب تغيّر موازين السيطرة”.
ضغوط
وأشار الحمد إلى الضغوط التي واجهها خلال فترة عمله، قائلا “تعرضت لملاحقة قانونية أكثر من مرة، فتمت معاقبتي وإرسالي إلى الحدود للعمل في محطة وقود، وبعد ذلك بدأنا نسمع عن دخول الجيش السوري إلى المناطق، وكنا خائفين بسبب الإشاعات التي كانوا يروجونها لنا عن الكرد وغيرهم”.
ويصف اللحظات الأولى عقب دخول الجيش، موضحا “بكل شفافية، بعد دخول الجيش بقيت نحو 10 أيام في المنزل لا أستطيع الخروج، فالجيران يقولون هذا كان مع قسد، فكنا متخفين في بيوتنا خوفا من المجهول”.
أما عن عملية التسوية، فقال “سمعنا أن الرئيس أحمد الشرع أعلن تسوية شاملة لجميع عناصر التنظيم بمختلف فئاتهم، فتوجهنا إلى المركز، حيث استقبلتنا قوات الوزارة بود واحترام، ولم يتعرض لنا أحد بأي أذى، لا بكلمة ولا بتصرف”.
في هذا السياق، أكد وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة في تغريدة على منصة “إكس”، أن الوزارة بدأت اتخاذ الإجراءات اللازمة لافتتاح مديريات التجنيد والتعبئة في المنطقة الشرقية، بما يضمن عملها وفق المعايير المعتمدة، ويعكس طبيعة الجيش السوري بوصفه جيشا منضبطا، كما وجه التحية لأهالي المنطقة، مثمنا حماسهم وثقتهم بالجيش.
من جانبه، قال هوزان إبراهيم المقاتل السابق في صفوف قوات سوريا الديمقراطية إن الجيش السوري، بالتنسيق مع وزارة الداخلية، أنشأ مركز تسوية في محافظة الرقة مخصصا للمنشقين عن “قسد”.
وأضاف في حديثه للجزيرة نت أن حملة ترويجية تجري حاليا للتعريف بهذا المركز، مشيرا إلى أنه ينصح كل منشق أو من يرغب في تسوية وضعه بالتوجه إليه، لما يتيحه ذلك من إمكانية الحركة والسفر بحرية.
إعلان
كما دعا جميع العناصر العسكرية في صفوف “قسد” إلى المبادرة بإجراء التسوية، مؤكدا أن هذه الخطوة تتيح لهم حرية التنقل دون تدخل أي جهة، وتسهم في تصحيح أوضاعهم السابقة عند الحاجة.
المصدر: الجزيرة
——————–
“الوطني الكردي” في دمشق.. لقاء مرتقب مع الرئيس الشرع لبحث خفض التوتر شرقي سوريا
2026.01.27
يعقد “المجلس الوطني الكردي” لقاءً مع الرئيس السوري أحمد الشرع خلال الأيام المقبلة في العاصمة دمشق، وفق ما أكده مصدر كردي مسؤول لموقع “تلفزيون سوريا”.
وقال المصدر إن اللقاء “يأتي في ظل مشهد أمني وسياسي معقّد تشهده مناطق شمال شرقي سوريا”، وذلك بدعوة رسمية من مكتب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.
ووفق المصدر، سيجمع اللقاء الرئيس الشرع ووزير الخارجية مع أعضاء الهيئة الرئاسية في “المجلس الوطني الكردي”، مشيراً إلى أنه لن تحضر اللقاء أي شخصيات سياسية من خارج المجلس أو من حزب “الاتحاد الديمقراطي”.
وأكد المصدر أن “المجلس رحّب بالدعوة وأبدى دعمه لمسار الحوار مع الحكومة السورية، بهدف خفض التوتر في الحسكة وعين العرب، والعمل على حل الخلافات بعيداً عن الخيار العسكري، بما يضمن حماية المدنيين والحفاظ على السلم الأهلي في المنطقة”.
وأشار المصدر إلى أن المجلس مستمر في التواصل مع الحكومة السورية لترتيب اللقاء وتحديد موعده، لافتاً إلى أن من المتوقع أن يتوجه الوفد غداً إلى إقليم كردستان العراق قبل التوجه منه إلى دمشق.
تمديد وقف إطلاق النار
ومساء السبت الماضي، أعلنت وزارة الدفاع السورية تمديد مدة وقف إطلاق النار في شمال شرقي سوريا، والذي كانت قد أعلنته الثلاثاء الفائت، عقب توصل الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” إلى تفاهمات جديدة، أكدت الأخيرة التزامها بها.
وقالت وزارة الدفاع السورية إنها ستُمدّد وقف إطلاق النار في جميع قطاعات عمليات الجيش العربي السوري لمدة 15 يوماً، وذلك “دعماً للعملية الأميركية الخاصة بإخلاء سجناء تنظيم داعش من سجون قسد إلى العراق”.
من جانبها، قالت “قسد” في بيان إنه جرى تمديد الاتفاق بوساطة دولية، وبالتزامن مع استمرار الحوار، مؤكدة التزامها بالاتفاق الذي اعتبرته “خطوة تهدف إلى خفض التصعيد وحماية المدنيين، إضافة إلى تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الاستقرار في المنطقة”.
الاتفاق بين الحكومة و”قسد”
وكانت الرئاسة السورية قد أعلنت في وقت سابق التوصل إلى تفاهم جديد مع “قسد”، تضمن مهلة أربعة أيام للتشاور، ووفق نص التفاهم، فإن القوات السورية لن تدخل مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي في حال المضي بالاتفاق، على أن يُناقش لاحقاً الجدول الزمني والتفاصيل الخاصة بالدمج السلمي لمحافظة الحسكة، بما في ذلك مدينة القامشلي.
وذكرت الرئاسة السورية أن قوات الجيش لن تدخل كذلك إلى “القرى الكردية”، حيث “لن تتواجد أي قوات مسلحة، باستثناء قوات أمن محلية من أبناء المنطقة”.
ويتيح التفاهم لقائد “قوات سوريا الديمقراطية”، مظلوم عبدي، اقتراح مرشحين لمنصبي مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، إضافة إلى أسماء للتمثيل في مجلس الشعب، وفق بيان الرئاسة السورية.
———————
الصحفي فراس البرجس يكشف ظروف اعتقاله لدى “قسد”
كشف الصحفي فراس البرجس، في إفادة خاصة لعنب بلدي، ظروف اعتقاله في سجن “الأقطان”، بعد أن احتجزته “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بتهمة تعامله مع الحكومة السورية.
وأفرجت وزارة العدل السورية، أمس الإثنين 26 من كانون الثاني، عن الصحفي، البرجس، عقب سيطرة الحكومة على السجن، حيث اعتقلته “قسد” في 8 من كانون الأول 2025، خلال فترة سيطرتها على الرقة.
وقال البرجس، إن اعتقاله جاء نتيجة عمله الإعلامي مع شبكة “الخابور”، مؤكدًا أن الأجهزة الأمنية التابعة لـ“قسد” اعتقلته على خلفية نشاطه الصحفي وليس لأي أسباب قانونية حقيقية.
وأضاف أن الجهات التي اعتقلته مارست بحقه ضغوطًا جسدية ونفسية قاسية، بهدف إجباره على الاعتراف بوجود أشخاص يعملون معه ضمن الشبكة الإعلامية، مشيرًا إلى أنه تعرض لأساليب تعذيب ممنهجة أثناء التحقيق، في محاولة لانتزاع اعترافات قسرية.
ووصف ظروف الاحتجاز داخل سجن “الأقطان” بأنها “سيئة للغاية”، ولا سيما بحق الناشطين والإعلاميين، مبينًا أن إدارة السجن اعتمدت أساليب الترهيب والتخويف كنهج دائم، من خلال الضرب المبرح، والمعاملة المهينة، إضافة إلى الزج بالمعتقلين في الزنازين الانفرادية لفترات طويلة.
وأشار البرجس إلى أن السجن يضم “مئات المعتقلين الأبرياء”، وأن العديد منهم وُجّهت إليهم تهم “العمالة” دون وجود أدلة حقيقية، وإنما “بناءً على تقارير أمنية كيدية” صادرة عن الأجهزة التابعة لـ”قسد”.
وذكر الصحفي البرجس، أن ما كان يجري داخل السجن يعكس انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وحرية الصحافة، داعيًا المنظمات الحقوقية والإعلامية إلى فتح تحقيق مستقل في ظروف الاعتقال والانتهاكات التي تعرض لها الإعلاميون والناشطون في مناطق سيطرة “قسد”.
وقال مصدر من عائلة البرجس لعنب بلدي، إنه وصل إلى منزل عائلته في مدينة الكرامة بريف الرقة الشرقي، بعد أن أفرجت عنه لجنة قضائية تابعة لوزارة العدل السورية.
وأضاف المصدر، أنه ومنذ تسلم وزارة الداخلية السورية زمام إدارة سجن “الأقطان”، اضطرت العائلة إلى إطلاق عدة مناشدات لمعرفة مصير ابنها، وسط تضارب الأنباء حول احتمالية أن تكون “قسد” قد نقلته إلى خارج الرقة قبل خروجها من المحافظة.
تهمة التعامل مع الحكومة
وكانت دورية أمنية تابعة لـ”قسد” اعتقلت البرجس من مكان سكنه في منطقة المساكن الشبابية في مدينة الرقة، وهي مساكن مخصصة للإعلاميين، دون إبراز مذكرة اعتقال رسمية.
ووجهت “قسد” للبرجس تهمًا تتعلق بـ”التعامل الإعلامي مع جهات تابعة للحكومة السورية”، وذكر مراسل عنب بلدي في دير الزور، حينها، ان ملف البرجس سيتم تحويله إلى “محكمة الإرهاب” التابعة لـ”لإدارة الذاتية” في المدينة.
وفي 24 من كانون الثاني الحالي، قال وزير الإعلام حمزة المصطفى، إن مصير الصحفي فراس البرجس لا يزال مجهولًا، بعد تأكد ذويه من عدم وجوده في سجن الأقطان بمدينة الرقة، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وأضاف الوزير، أن بعض المصادر ذكرت أن قوات سوريا الديمقراطية نقلت البرجس إلى سجن سري تحت الأرض في مدينة عين العرب/ كوباني، بعد أن مورس عليه التعذيب الجسدي والنفسي.
ناشظون خرجوا من “الأقطان”
وذكرت محافظة الرقة في صفحتها الرسمية على “فيسبوك”، أن اللجنة القضائية المكلفة بالإشراف على سجن “الأقطان” بالرقة أفرجت عن سبعة أشخاص، معظمهم من الناشطين الذين اعتقلتهم “قسد”.
وزارة العدل السورية، قالت، الأحد، 25 من كانون الثاني، إن اللجان القضائية المختصة، تتابع بصورة مستمرة، أوضاع الموقوفين في سجن “الأقطان” بالرقة.
وأوضحت في بيان، نشرته في معرفاتها الرسمية، أن ذلك في إطار مسؤولياتها القانونية والدستورية الهادفة إلى إحقاق الحق، وصون الحريات، وحماية المجتمع من مختلف أشكال الجريمة.
وسيطرت الحكومة السورية خلال الأيام الأخيرة على عدد من السجون التي كانت تسيطر عليها “قسد”، مثل “الأقطان” و”الشدادي” ومخيم “الهول”.
وواجه الصحفيون والناشطون تحديات مرتبطة بممارسة العمل الإعلامي في مناطق سيطرة “قسد” شمال شرقي سوريا، بحسب إعلاميين محليين تحدثوا إلى عنب بلدي.
ويعيش الصحفيين بمناطق سيطرة “قسد” حالة من الترقب المستمر، وسط بيئة عمل يصفونها بأنها “عدائية” وتفتقر لأدنى مقومات حرية التعبير، إذ بات نقل الواقع المعيشي أو توثيق الانتهاكات بمثابة مغامرة قد تنتهي في أروقة التحقيق لدى الأجهزة الأمنية.
وأكد الصحفيون أن التهم الجاهزة غالبًا ما تُلقى على الصحفيين بناء على “خلافات شخصية” أو “كيدية”، الأمر الذي يحول العمل الصحفي في المنطقة إلى “اضطهاد ممنهج” بحسب وصف الصحفيين.
وكانت “قسد” اعتقلت مراسل قناة “العربية” السعودية، جمعة عكاش، في 25 من نيسان 2025، بالقامشلي في ريف الحسكة، بعد كشفه ملفات فساد داخل “الإدارة الذاتية” (المظلة الإدارية لقسد) وذلك إثر نشره منشورًا على “فيسبوك” تحدّث فيه عن قضايا فساد واعتقال مسؤولين أمنيين بتهمة الاتجار بالمخدرات في الرقة.
كما وثقت “رايطة الصحفيين السوريين” احتجاز الإعلامي عثمان درويش “أبو أحمد” من قبل “قسد” في حي الشيخ مقصود، حيث بقي محتجزًا لأكثر من شهرين، قبل الإفراج عنه في حزيران 2025.
واعتقلت “قسد” كلًا من الإعلامية هبة كوسا في تموز الماضي بالرقة، واحتجزتها في ظروف مهينة وتعذيب جسدي ونفسي، بحسب الرابطة، قبل الإفراج عنها في 31 من تموز الماضي، بالإضافة لاحتجاز زميلتها آية حميدي، دون تهمة معلنة، بعد أن تم اعتقالها من منزلها مع جميع أفراد أسرتها وضيف كان في المنزل، ثم أُفرج عن الجميع باستثنائها، واستمر احتجازها حتى أيلول الماضي.
عنب بلدي
———————–
=====================
تحديث 26 كانون الثاني 2026
———————————
من التفاهم الهشَ إلى إعادة فرض الاندماج :مسار الاتفاقات بين الحكومة السورية الانتقالية وقسد/ سمير العبد الله
نشر في 25 كانون الثاني/يناير ,2026
تقدّم هذه الدراسة قراءة لمسار الاتفاقات بين الحكومة السورية الانتقالية و«قسد» خلال عامي 2025–2026، بوصفها عملية معقّدة لإعادة إنتاج السيادة في مرحلة ما بعد النزاع. وتُظهر الورقة أن هذه الاتفاقات لم تتقدم بشكل تراكمي، بل تشكّلت تحت ضغط الفشل السياسي والتصعيد العسكري، وصولًا إلى منطق «التفاوض بعد الهزيمة». من اتفاقات بلا آليات تنفيذ، إلى حسم عسكري ثم ترتيبات انتقالية لتقليل كلفته، وترصد الدراسة تحوّل السيادة من تفاوضية إلى قسرية ثم إدارية-تنظيمية. وتخلص إلى أن الاستقرار لا يتحقق بالتفوق العسكري وحده، بل بقدرته على التحول إلى بناء مؤسسي مستدام.
تحميل المقالة كاملة
————————
سورية بين ربيع الأقليات وانهيار شراكة المظلومية/ عبير نصر
26 يناير 2026
في السياق السوري، برز مفهوم “تحالف الأقليات” بوصفه سرديةً إشكاليةً تفتح الباب أمام تساؤلاتٍ شائكةٍ وعميقة حول ملامح الدولة الجديدة المنشودة. من الناحية النظرية على الأقلّ، لا يمكن مقاربة هذا المفهوم بوصفه خياراً أخلاقياً ينطلق من حسّ المبادرة الاستباقية، بل بصفته نتاجاً وضعياً لنزاعات غير محسومة، تُدار فيها الهُويّات بوصفها وقوداً للصراع أكثر منها مدخلاً للحل. وعبر إعادة إنتاج روايات قديمة تقوم على حماية الخصوصية الاجتماعية والدينية في بيئة مضطربة، بحثاً عن مظلات حماية خارجية بديلة، تنشّطت ديناميات “الربيع الأقلوي” لابتكار هندسة جديدة للعمل السياسي في علاقته التاريخية الملتهبة بـ”الفزّاعات” الإسلامية.
تعزّز هذا “الربيع” القصير بتصريحات إسرائيلية (علنية) تحدّثت عن تحالف طبيعي مع مستضعفي المنطقة، وصولاً إلى مؤتمر أقيم في تل أبيب نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي (2025) لدعم السوريين الكرد والدروز والعلويين والمسيحيين، ما أعاد إلى الأذهان سيناريوهات التحالفات الهُويَّاتية التي ظلّت تلجأ إلى الشعارات الفضفاضة بعيداً من الإدراك الحيوي للمتغيّرات، حتى أخضعتها شروط الواقع وإكراهاته. غير أنّ تحليل الواقع الميداني والسياسي أشار دائماً إلى تناقض جلي بين الممارسة وخطاب “الأقليات”؛ لأنه نتيجة تقاطع مصالح ظرفي بين مجموعات بعينها، خلقت آمالاً منتفخة غير واقعية قابلة للانفجار في أيّ وقت، وغالباً ما بُرِّر هذا التجاوز بأحكام الضرورة، التي تنطوي على مساحاتٍ ضبابيةٍ تُعنى بإدارة اللحظة الوجودية خارج المعطيات القائمة.
على التوازي، تبنّت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) زعامة هذا “الربيع” الطارئ ممثّلاً عابراً للطوائف والقوميات، فاختارت توقيتاً مدروساً لعقد “كونفرانس وحدة الموقف لمكوّنات شمال شرق سوريا” في الحسكة (8 أغسطس/ آب 2025)، قبيل جولة تفاوضية مرتقبة في باريس مع موفدين عن الحكومة السورية، واستقطبت في المؤتمر أبرز الشخصيات المعارضة، مستثمرةً سرديات القلق الوجودي والخوف من الاستباحة والإقصاء.
لم يكن المؤتمر فعاليةً تنظيميةً مارقةً، بل محاولةٌ لإيجاد مشهد سياسي واعد يوحي بوجود إجماع مكوّناتي على خيار اللامركزية الإدارية، وتقديم هذا الخيار بوصفه ضمانةً للتمثيل والحماية في مرحلة ما بعد الصراع، لا مطلباً خاصاً بالإدارة الذاتية، متمخّضاً من صيغة حكم تضمن الشراكة من دون عودة، ما تصفها بـ”المركزية الإقصائية”، عبر إيجاد قواسم مشتركة نفسية وسياسية بين مكوّنات تجتمع على اختلافها العضوي مع قيادات الدولة الجديدة ذات اللون الواحد.
الهدف القريب من هذا المسار كان ممارسة ضغط سياسي وازن على الحكومة الجديدة، عبر تقديم “قسد” نفسها وسيطاً معبّراً عن مصالح “الأقليات”، وليس طرفاً تفاوضياً يسعى لتثبيت مكاسب سلطوية خاصّة بها. غير أن هذا التكتيك، وعلى الرغم من زخمه الإعلامي، ظلّ هشّاً من حيث المضمون، إذ اصطدم بواقع أن دمشق تنظر إلى مثل هذه التحالفات الغائمة أدواتٍ وظيفية تهدف إلى التقسيم، لا تعبيراً حقيقياً عن توافق وطني، ما يحدّ من قدرتها على إحداث اختراق فعلي في مسار التفاوض أو فرض وقائع سياسية دائمة.
واليوم تتسارع الأحداث بوتيرة غير مسبوقة بعد الطوفان الكردي في الإقليم، إثر تخلّي الولايات المتحدة عن حليفها الوفي “قسد”، ما يعكس تحوّلات عميقة في موازين القوى بعد تمكّن الجيش السوري من بسط سيطرته الكاملة على المناطق الواقعة غربي نهر الفرات، إضافة إلى مدينتَي الرقّة ودير الزور، مع إحكام قبضته على حقول نفطية استراتيجية شرق النهر. لا يمكن قراءة هذا التحوّل إنجازاً عسكرياً معزولاً، بل يأتي في سياق صراع مركّب تتداخل فيه العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول وحدة الجغرافيا ومستقبل المشاريع المتنازعة على الأرض السورية.
فعلياً، بدأ الهجوم العسكري على “قسد” بعد اجتماع باريس أوائل يناير/ كانون الثاني الجاري بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين برعاية وسيطة أميركية وفرنسية، ومن ثم صدور مرسوم رئاسي أعلن ضمان حقوق الكرد وخصوصياتهم الثقافية واللغوية بنصّ القانون، مستهدفاً في العمق نزع الذريعة السياسية التي بنت عليها “قسد” مشروعها سنوات: الادعاء بأنها الحامي الوحيد لحقوق “الأقليات” في مواجهة مركز متشدّد ورافض. فالدولة، عبر المرسوم، وجّهت رسالةً مزدوجةً: الأولى إلى المجتمع الكردي أنّ حقوقه ليست رهناً ببقاء قوة مليشياوية معادية لدمشق، بل يمكن صونها ضمن الإطار الوطني الجامع؛ والثانية إلى “قسد” نفسها بأن وظيفتها السياسية قد استُنفدت، وأن استمرارها قوةً مستقلّةً لم يعد مُبرَّراً، لا أخلاقياً ولا سياسياً. والمأمول إغلاق صفحة كاملة من الصراع القائم على الهُويّات المسلّحة، وفتح مسار جديد تُدار فيه الخصوصيات عبر القانون، لا عبر السلاح والرهان على الخارج.
في ضوء ما سبق، لم يسقط مشروع “قسد” نتيجة هزيمة عسكرية مباشرة بقدر ما كان ثمرة مسار طويل من التآكل الداخلي والارتهان الخارجي وفقدان الرؤية السياسية الثاقبة التي ستحصّنه مستقبلاً. فمنذ نشأته، بُني هذا المشروع على دعم أميركي مكثّف وفّر له قوة ميدانية ونفوذاً تفاوضياً، لكنّه في الوقت ذاته وضعه في موقع التابع لإرادة خارجية متقلّبة.
إقليمياً، اصطدم مشروع “قسد” بجدار صلب من الرفض والقلق، خصوصاً تركيا التي رأت فيه تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ومع تغيّر أولويات واشنطن، انكشف المشروع سريعاً، إذ لم يمتلك شبكة أمان دولية بديلة، ولا قدرة ذاتية على الصمود في وجه التحوّلات الكبرى. تزامن ذلك مع إخفاق “قسد” في الداخل في إنتاج شرعية وطنية جامعة مع المكوّن العربي، الذي ينظر إليها قوةً كرديةً تحاول تغليف مشروعها بخطاب جذّاب مكوّناتي وحقوقي.
وبالتالي؛ لم تنجح “قسد” في تحويل تفوّقها العسكري مكسباً سياسياً دائماً. ومع تغيّر موازين القوى وتراجع الغطاء الخارجي، تحوّلت هذه السياسة عبئاً ثقيلاً، لتجد نفسها أخيراً أمام لحظة حاسمة لم تعد فيها قادرةً على فرض شروطها أو حتى الحفاظ على مشروعها؛ لأنه كان (دائماً) بلا عمق سيادي حقيقي: بلا دعم دولي ثابت، وبلا شرعية وطنية واسعة، وبلا توافق إقليمي يسمح له بالتحوّل واقعاً مستداماً. وعندما تلاقت هذه العوامل في اللحظة المناسبة، لم يعد سقوطها احتمالاً، بل نتيجة حتمية لمسار مشوّه منذ البداية.
ويمكن القول إنّ نهاية “قسد” تعني نهاية مشروع “حلف الأقليات”، ليس رهاناً كاملاً على فيدراليات يُعاد إنتاج شرعياتها التفاوضية فحسب، عبر ما يمكن وصفها “شراكة المظلومية”، بل أيضاً لفشلها الذريع في نزع الجاذبية الأيديولوجية المتمسّحة بالدين للجماعات السلفية الفاعلة. وهكذا تضع جميع الأطراف المنضوية ضمن هذا الحلف أمام واقع جديد ومُعقَّد: إما الاندماج ضمن الدولة السورية الموحّدة وفق شروطها وتوصياتها، أو مواجهة تداعيات سياسية وأمنية لا يمكن التنبّؤ بمآلاتها الكارثية على الإطلاق.
بالمختصر، شكّل “الربيع الأقلوي” (وتداعياته) مرحلةً مفصلية عزّزت مفهوم المظلومية المُستعصِية، وربما لم يعد ممكناً النظر إلى مشاريع الحكم الذاتي إلّا بوصفها مسارات غير قابلة للحياة خارج إطار الدولة السورية، باعتبارها رهانات سياسية وُلدت في ظلّ فراغ القوة واختلال التوازنات، ثم ارتبطت، على نحوٍ مباشر أو غير مباشر، بإمكانية نجاح نموذج “قسد” بوصفه حالةً رائدةً يمكن استنساخها. ومع انكشاف هذا الواقع اليوم، تصبح العودة إلى الدولة، مهما كانت الملاحظات على أدائها، الخيار الأقلّ كلفةً مقارنةً بمغامرات سياسية بلا غطاء أو أفق.
العربي الجديد
—————————————
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: كيف يمكن لسوريا أن تنجح في دمج الكرد؟
ربى خدام الجامع
2026.01.25
يُحذّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) من أن تصاعد التوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية قد يهدّد العملية الانتقالية الهشّة في سوريا، خصوصًا مع انتهاء وقف إطلاق النار المؤقت. ويشير المركز إلى أن قسد بالغت في تقدير قوتها وفقدت دعمًا أميركيًا، بينما يواجه الرئيس أحمد الشرع خطر المبالغة في استعراض قوته، ما قد يجرّ البلاد إلى تصعيد واسع. ويخلص التحليل إلى أن الحل يكمن في تقديم تنازلات مدروسة لدمج الكرد وضمان حقوقهم، ما قد يفتح طريقًا لاستقرار شامل ويمنح الأقليات الأخرى الثقة في سوريا المستقبل.
يعرض موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذا التحليل مع نتائجه ضمن سعيه لتغطية الملفات المعنية بالأمن في سوريا خلال فترة عمليتها الانتقالية، من دون أن يعتبر ذلك تبنياً لهذا الطرح أو تماهياً مع مخرجاته.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
مثّل تصاعد النزاع بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية أشد خطر يهدد العملية الانتقالية الهشة في سوريا حتى اليوم، فقد بالغت قسد في تقدير قوتها في المفاوضات بينها وبين الحكومة السورية، إلا أن الرئيس الحالي أحمد الشرع مهدد هو الآخر بالوقوع في فخ المبالغة نفسها، إذ من المقرر لوقف إطلاق النار الهش الممتد لأربعة أيام أن ينقضي في 24 كانون الثاني، وهنالك بوادر حسن نية أبداها الشرع لرأب الصدع بين الضرورات التي تستدعي قيام سوريا موحدة، وما يطلبه الكرد من حماية لهم إلى جانب مطالبتهم باستقلال ذاتي في المناطق ذات الغالبية الكردية، وفي ذلك أهمية كبيرة، كونه يمثل مخرجاً مهماً لتجنب النزاع، لأن ذلك إن لم يتم فإنه يمكن أن يهدد بحرف العملية الانتقالية السورية عن مسارها، وما يترتب على ذلك من تداعيات مهمة في عموم سوريا والمنطقة.
خلفيات التوتر
في بداية العملية الانتقالية بسوريا بعد الأسد، ظهرت مسألة إدماج الكرد كواحدة من أعقد المشكلات التي تواجه الحكومة الانتقالية، ولهذا كان هدف اتفاق الاندماج الموقع في آذار 2025 يركز على البدء بعملية لدمج الإدارة ذات القيادة الكردية، والكيانات الأمنية التابعة لها ضمن الحكومة في دمشق بنهاية عام 2025، ونص هذا الاتفاق على وضع المعابر الحدودية ومنشآت النفط والغاز الموجودة ضمن المناطق التي تخضع لسيطرة “قسد” في شمال شرقي سوريا تحت سيطرة الحكومة الانتقالية، من دون تقديم تفاصيل حول التحدي الأعقد المتمثل بدمج قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية.
ظلت عملية تنفيذ الاتفاق مجمدة خلال الشهور الفاصلة بين توقيعها ووقوع التوتر، تلك الشهور التي تخللتها فترات من التوتر بل حتى الاشتباكات ما بين الحكومة وقسد، وقد وصل التوتر إلى ذروته في مطلع شهر كانون الثاني، عندما تطورت الخلافات الكامنة بين الطرفين إلى نزاع أكبر في حلب، فنجحت قوات الحكومة بإخراج المقاتلين الكرد من حيين في حلب، ليكون ذلك مقدمة لهجوم خاطف أوسع شنته دمشق وأفضى لإخراج القوات الكردية من المناطق ذات الغالبية العربية في محافظتي الرقة ودير الزور.
مبالغة قسد بدورها وأهميتها
أسهمت حسابات خاطئة عديدة وأساسية في إخراج قسد بهذا الشكل، كان أولها الخطأ في الحسابات الذي ارتكبته قسد بالنسبة لمدى تغير ديناميات القوة لصالح الحكومة السورية. إذ بالتدريج، ضمن الرئيس الشرع لنفسه مكانة دولية، ثم انصب تركيزه على وحدة الأراضي السورية. والمحادثات التي توسطت لقيامها الولايات المتحدة بين السوريين والإسرائيليين في باريس في مطلع كانون الثاني عملت على خفض التوتر في الجنوب السوري، وسمحت للشرع بالتركيز على شمال شرقي سوريا. ولكن، وعلى الرغم من تعاظم قوة الشرع، واصلت قسد تبنيها لموقف متشدد في المحادثات المعنية بقضية الدمج، ورفضت تقديم أي تنازل.
ما بعد انحسار “قسد”.. كيف تتبدل حسابات تركيا في سوريا والمنطقة؟
أما الخطأ الثاني في الحسابات فحدث عندما بالغت قسد في تقدير حجم الدعم الأميركي، لأن الحكومة السورية حلت محل “قسد” حقيقة، فأصبحت الشريك الأساسي للولايات المتحدة في سوريا، وخاصة بعد أن قرار الشرع بالانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة في تشرين الثاني 2025، ما أدى إلى تراجع القيمة الفريدة لقسد في عين الولايات المتحدة بشكل كبير. وخلال الأشهر التي أعقبت ذلك، أبدت الحكومة السورية قدرة على التعاون والإسهام في الجهود الرامية لمحاربة تنظيم الدولة وذلك عبر عدة عمليات نفذتها بالتعاون مع القوات الأميركية. وتحدثت تقارير عن طرح الحكومة السورية فكرة تنفيذ عمليات داخل مناطق تسيطر عليها قسد مع مسؤولين أميركيين وإسرائيليين خلال اجتماعات باريس، فلم يعترض على ذلك أحد. كما كشفت العملية التي نفذتها دمشق ضد المقاتلين الكرد في حلب عن صمت أميركي تجاه فكرة الضغط على الحكومة لوقف عملياتها المناهضة لقسد.
أما الخطأ الثالث في الحسابات فيتمثل في فشل “قسد” بتأمين دعم للسكان المحليين في معظم الأجزاء ذات الغالبية العربية في المناطق التي تخضع لسيطرتها، إذ مع تقدم الحكومة السورية، انشقت العناصر العربية عن قسد وهبّ الأهالي دعماً للحكومة السورية. كما خسرت قسد السيطرة على منشآت استراتيجية مهمة، مثل حقول النفط والغاز، والسدود، ومصادر أساسية أخرى للنفوذ، بعد أن سيطرت دمشق على كل ذلك.
الشرع وخطر المبالغة في دور حكومته
بالغت قسد في أهمية دورها وقيمته، ولهذا يجب على الشرع ألا يحذو حذوها، فلو انهار وقف إطلاق النار وتقدمت الحكومة السورية نحو مراكز المدن ذات الغالبية الكردية، مثل الحسكة وكوباني، فلابد أن يتصاعد العنف بشكل كبير. وحتى لو ضمنت الحكومة السيطرة على تلك المناطق، يرجح ظهور تمرد طويل الأمد يقوده الكرد في تلك المناطق. ثم إن التقدم السريع للحكومة السورية دفع مسؤولين أميركيين لإطلاق تحذيرات، وقد كان من بينهم السيناتور ليندسي غراهام الذي هدد بإمكانية العودة لفرض عقوبات أميركية على سوريا مرة أخرى. وهنالك تقارير تتحدث عن حصار وانتهاكات مورست بحق المقاتلين والمدنيين الكرد، بما يهدد بتصعيد التوتر العرقي بشكل كبير، لا سيما بعد قطع شبكة الإنترنت عن كوباني بشكل متعمد.
لاشك أن الأقليات السورية الأخرى، مثل الدروز في الجنوب السوري، تراقب عن كثب ما يجري من أحداث في شمال شرقي سوريا، لذا، وحتى يتجنب الشرع جولات أخرى من الصراع، يتعين عليه أن يثبت أن سعيه لترسيخ سيادته على كامل التراب السوري لا يمثل أي تهديد وجودي على الفرقاء الذين تتزعمهم أقليات، ومن الضروري هنا تقديم مزيد من التنازلات والخروج بتدابير لبناء الثقة.
إن عدم نزع فتيل التوتر بين الكرد السوريين والحكومة الانتقالية قد تترتب عليه مزيد من التداعيات السلبية، فاستمرار الصراع مع الكرد يمكن أن يسمح لتنظيم الدولة بالعودة إلى الظهور في كل من سوريا والعراق. وفي ظل العنف القائم حالياً، ظهرت تقديرات عسكرية أميركية تشير إلى هروب مئتي مقاتل متدني الرتبة يتبع لتنظيم الدولة من سجن الشدادي، على الرغم من أن معظمهم ألقي القبض عليه من جديد، ولذلك نفذت القيادة الوسطى الأميركية عملية لنقل معتقلي تنظيم الدولة من سوريا إلى العراق خوفاً من احتمال حدوث عمليات هروب أوسع من ذلك السجن، وبذلك نقلت 150 سجيناً وتحدثت عن احتمال نقل سبعة آلاف آخرين إلى العراق.
لاشك أن الفوضى التي ستترتب على تصاعد الصراع بين الكرد والحكومة السورية قد تخلق ظروفاً مواتية لعودة تنظيم الدولة، وذلك لأن خلايا التنظيم باتت في موقف يساعدها على استغلال الفراغ الأمني وفي السلطة بما يمكنها من الظهور من جديد في أماكن داخل تلك المناطق. والأعظم من ذلك هو أن قوات الأمن لدى الحكومة السورية قد لا تلتفت لتأمين أماكن احتجاز عناصر تنظيم الدولة ومن يتبع لهم بشكل جيد، نظراً لانشغالها بالتهديدات الكردية من جهة، ولعدم انضباطها في بعض الأحيان من جهة أخرى، مما قد يتسبب بحدوث عمليات هروب من السجن قد تساعد قوات تنظيم الدولة على ملء الفراغ الحاصل على الأرض. ومما يزيد هذا الخطر وجود حدود قابلة للاختراق بكل سهولة بين سوريا والعراق، ما يعني بأن هذا الخطر لا يقتصر على سوريا، بل قد يصل إلى العراق.
كما قد يسهم ظهور حركة تمرد للكرد في شمال شرقي سوريا بزعزعة الاستقرار الاقليمي بصورة أوسع، مما يزيد من النزعة الانفصالية في المنطقة.
سبق للتهديدات بالانفصال والعمليات الانفصالية أن تسببت بزعزعة الاستقرار بشكل كبير في كل من جنوبي اليمن والسودان والصومال، لذا فإن الفشل بدمج الكرد في سوريا بشكل ناجح قد يزيد في طنبور الصراع الانفصالي النشط في المنطقة نغماً جديداً، كما يمكن أن يشجع انفصاليين سوريين آخرين على المطالبة بالانفصال، وخاصة في المناطق ذات الغالبية الدرزية في الجنوب السوري.
بناء الثقة
في الوقت الذي خرجت الحكومة السورية بموقف أقوى بعد وصلة العنف الأخيرة، يمكن للفشل في دمج الكرد أن يتسبب بحرف العملية الانتقالية عن مسارها، ولذلك، يمكن تعديل بنود اتفاق الدمج الموقع في 18 كانون الثاني لرأب أخطر الصدوع الحاصلة، وذلك على النحو الآتي:
لعل أشد طلب إلحاحاً لدى قسد هو حماية المناطق ذات الغالبية الكردية، والتي وصفها الجنرال مظلوم عبدي قائد قسد بالخط الأحمر، لذا، فإن تأسيس قوات شرطة من الكرد في المناطق ذات الغالبية الكردية بحيث يتبع هذا الجهاز لوزارة الداخلية، قد يخفف من حدة تلك المخاوف.
أما المرسوم الرئاسي الذي تم بموجبه تعيين محافظ للحسكة فيجب أن ينص صراحة على تعيين الجنرال مظلوم عبدي محافظاً لهذه المدينة، مع منحه سلطة على مجموعة من عناصر قسد التي ستخدم في مناصب قيادية ضمن جيش الحكومة المركزية وأجهزتها الأمنية.
ينبغي للمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 والذي يعترف بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد أن يتحول لتعديل دستوري بغية تكريس هذه الحقوق بموجب القانون. كما أن تغيير اسم سوريا من الجمهورية العربية السورية إلى الجمهورية السورية يعتبر مؤشراً أكبر على الحرص على مشاركة معظم الأقليات في سوريا.
إن هذه الحلول البديلة قد تقطع شوطاً كبيراً في تعزيز وقف إطلاق النار والمضي قدماً بعملية دمج الكرد في سوريا الجديدة، لأنه في حال نجاح تلك الاتفاقية فإنها ستتحول إلى نموذج مهم لبقية الأقليات وخاصة الدروز، كما قد تتحول إلى بداية للتوصل إلى تسوية تضمن كسب إحدى الأقليات الرئيسية في سوريا، وهذا من شأنه أن يخلق ثقة لدى بقية الأقليات وقدرتها على إيجاد مكان لها في سوريا الموحّدة الجديدة.
تلفزيون سوريا
———————–
ما علاقة معارك “قسد” في سوريا بمفاوضات الأكراد في تركيا؟/ عمر اونهون
هناك تغير واضح على تفضيلات الولايات المتحدة لشركائها الأمنيين في سوريا
آخر تحديث 26 يناير 2026
غيّرت العملية العسكرية التي أطلقها الجيش السوري ضد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من حلب في الأسبوع الأول من يناير/كانون الثاني، المشهد السياسي والأمني في سوريا، وأعادت رسم خارطة البلاد. فقد طُردت “قوات سوريا الديمقراطية” من حلب ودير الزور والرقة، وحُوصرت في جزء من محافظة الحسكة. واستولى الجيش السوري على سدي تشرين والطبقة، وعلى المعابر الحدودية، وحقول النفط، مع استثناءات قليلة للغاية.
وأُجبرت “قوات سوريا الديمقراطية”، التي وقعت اتفاق العاشر من مارس/آذار قبل عام إلا أنها امتنعت عن تنفيذه، أُجبرت اليوم على توقيع “اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل” في 18 يناير.
وعقب الاجتماع الذي عقد بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي في دمشق يوم 20 يناير، أُعلن وقف إطلاق النار لمدة أربعة أيام. وما زال وقف إطلاق النار صامدا إلى حد كبير، بيد أن القتال بين الجيش و”قوات سوريا الديمقراطية” مستمر في مناطق متفرقة.
وتعمل “قوات سوريا الديمقراطية” على تقييم المقترحات التي طرحت في ذلك الاجتماع، وأعلنت ردها خلال يومين. فإذا ما رفضت “قوات سوريا الديمقراطية” التوصل إلى جميع بنود الاتفاق، فسوف يُستأنف القتال، مع ما ينطوي عليه هذا الاحتمال من وقوع خسائر فادحة في صفوف القوات الحكومية، وتداعيات على البلدان المجاورة ذات الوجود الكردي، إلا أن “قوات سوريا الديمقراطية” ستهزم في النهاية.
ورغم الشكوك التي تلوح في الأفق، فمن المرجح أن تبدي “قوات سوريا الديمقراطية” استجابة إيجابية. وستعتمد إمكانية تحقيق سلام دائم على مدى تنفيذ الاتفاق.
ولا بد لنا من النظر أيضا إلى التطورات في سوريا من منظور يتجاوز حدودها ضمن السياق الأوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
إن تأثير الجهات الفاعلة الخارجية، وفي مقدمتها تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل والخليج، مع الدور المحوري الذي تضطلع به الولايات المتحدة، لا يقل أهمية عن الديناميكيات الداخلية في تحديد مستقبل سوريا.
فإسرائيل، التي وسعت احتلالها ليشمل مرتفعات الجولان بأكملها، أعلنت منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا عمليا، وتدير التطورات في تلك المنطقة من خلال نفوذها على الدروز. وخلال المعارك الأخيرة، التزمت الصمت، وأوقفت عملياتها العسكرية في سوريا، في الوقت الراهن على الأقل.
يمكن ربط صمت إسرائيل بمحادثاتها مع سوريا التي رعتها الولايات المتحدة في باريس، حيث وقع البلدان اتفاقا لإنشاء آلية تنسيق وتواصل مشتركة، والتي يبدو جليا أنها بدأت تؤتي ثمارها. ويمكن تفسير موقف إسرائيل هذا على أنه استجابة لمعالجة مخاوفها بشأن حكومة الشرع والوجود التركي في سوريا.
إلا أن التحول الأبرز هو التغير الذي طرأ على تفضيلات الولايات المتحدة لشركائها الأمنيين في سوريا، فبدلا من “قوات سوريا الديمقراطية” تحالفت مع الجيش السوري وتركيا. قبل بضعة أيام، نشر السفير توم باراك، الممثل الخاص للولايات المتحدة في سوريا، بيانا على وسائل التواصل الاجتماعي يوضح فيه كيف تنظر الولايات المتحدة إلى “قوات سوريا الديمقراطية” في الوقت الحالي، بالإضافة إلى خارطة طريق ودعوة للأكراد السوريين.
وقال السفير باراك إن الوضع قد تغير بشكل جذري بانضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، ونتيجة لذلك “انتهى الغرض الأصلي لـ(قوات سوريا الديمقراطية) باعتبارها القوة الرئيسة المناهضة لتنظيم (داعش) على الأرض إلى حد كبير”.
ويقول توم باراك أيضا: “ثمة فرصة فريدة للأكراد الآن حيث يوفر الاندماج في الدولة السورية الجديدة حقوق المواطنة الكاملة، والاعتراف بهم كجزء لا يتجزأ من سوريا، ويؤمن الحماية الدستورية للغة والثقافة الكردية، بالإضافة إلى المشاركة في الحكم”، وهو ما يصفه بأنه “أكثر بكثير من الحكم الذاتي الجزئي الذي تمتعت به (قوات سوريا الديمقراطية) وسط فوضى الحرب الأهلية”.
كما أشار الرئيس دونالد ترمب إلى السياسة الأميركية الجديدة بشكل مباشر، وبأسلوبه الفريد، قائلا إنه يحب الأكراد ويحميهم ويعمل الآن مع الحكومة السورية على القضايا الأمنية.
إن إعلان القيادة المركزية الأميركية عن نقل سبعة آلاف معتقل من تنظيم “داعش” من سوريا إلى العراق، بالتنسيق مع الشرع، يوضح الجهود الدبلوماسية متعددة الأطراف التي تبذلها الولايات المتحدة بفعالية كبيرة.
ومما لا شك فيه أن “قوات سوريا الديمقراطية” اقترفت عدة أخطاء في حساباتها وتقديراتها، وفي مقدمتها المبالغة في تقدير قوتها والاستهانة بقدرات الجيش السوري. فموقفها المتشدد في المفاوضات مع دمشق بخصوص تنفيذ اتفاق العاشر من مارس وتصرفاتها المتهورة على الأرض أحبطت الجميع، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، ولعل أحد أخطر أخطائها تجلى في تجاهل مخاوف تركيا ومطالبها.
وقد طفت على السطح الاختلافات داخل صفوف “قوات سوريا الديمقراطية”، و”وحدات حماية الشعب”، و”حزب العمال الكردستاني”، مع النظر إلى مظلوم عبدي على أنه أكثر واقعية وانفتاحا على التسوية، وأكثر ميلا إلى الاستماع إلى الولايات المتحدة.
حيث اتخذت جماعات خاضعة لنفوذ كوادر “حزب العمال الكردستاني” في جبال قنديل موقفا متشددا مؤيدا لمواصلة القتال، ووصف زعيم الحزب المسجون عبد الله أوجلان الأحداث في سوريا بأنها محاولة لتقويض عملية السلام في تركيا، وقال إن قنديل تتجاهل توجيهاته.
وفي كلمته خلال اجتماع حزبه الأسبوعي، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن القتال ليس ضد الأكراد، بل ضد “حزب العمال الكردستاني”.
أما التصريح الأكثر إثارة للدهشة فقد جاء من مسعود بارزاني، الزعيم الأكثر احتراما في العالم الكردي، الذي قال: “لقد أصبح (حزب العمال الكردستاني) عبئا على الأكراد”.
إن أكثر ما تريده تركيا هو القضاء على “حزب العمال الكردستاني” في أراضيها، وفي سوريا، وفي كل مكان آخر. وينصب اهتمام الأتراك الذين يخوضون عملية تفاوض مستمرة مع الأكراد في تركيا على أن لا تتسبب التطورات في سوريا بعرقلة هذه العملية أو ترسي سابقة سلبية.
يتضمن الكثير من الوثائق التي جرى الاتفاق عليها أو إصدارها من جانب واحد خلال الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة الماضية بنودا وقضايا بالغة الحساسية قد تكون قابلة للتأويل أثناء التنفيذ. فعلى سبيل المثال، تشير المادة الرابعة من اتفاقية الاندماج إلى “مراعاة الوضع الخاص للمناطق الكردية”.
وبناء على ذلك، ستحتاج الحكومة السورية إلى وضع ترتيب يسمح للأكراد بممارسة حقوقهم الثقافية واللغوية، على النحو المنصوص عليه في المرسوم رقم 13 الذي وقعه الرئيس السوري الأسبوع الماضي. ويبقى أن نرى ما هي الصيغة التي يمكن التوصل إليها في ظل الظروف الحالية، فحتى في محافظة الحسكة، التي تضم أكبر تجمع سكاني كردي، لا يشكل الأكراد سوى حوالي 30 في المئة من إجمالي السكان هناك.
ثمة اختبار آخر بالغ الأهمية، يتجلى في رد فعل الدروز والعلويين على الاتفاق مع الأكراد. ولا يبدو مستبعدا أن يطالبوا بتوسيع نطاق الامتيازات الممنوحة للأكراد بغية أن تشملهم أيضا. ومن جانب آخر تعتبر كيفية إدراج هذه الامتيازات في الدستور الجديد قضية بالغة الأهمية يجب معالجتها.
وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من النكسات والهزائم الجسيمة، فإن “قوات سوريا الديمقراطية” ما زالت موجودة ولم تختفِ كليا.
وعلى الرغم من أن واشنطن قد انحازت في هذه المرحلة إلى سوريا كحليف ضد تنظيم “داعش” وإلى شراكة أردوغان، فإنها ستبقى راغبة في إبقاء “قوات سوريا الديمقراطية” بوصفها “احتياطي” لاستخدام مستقبلي محتمل.
كما يمكن النظر إلى التوسط في إبرام اتفاقية تمنح حقوقا خاصة للأكراد السوريين وتدمج وحدات “قوات سوريا الديمقراطية” في الجيش السوري، حتى لو نصت الوثيقة على أن يتم الدمج على أساس فردي، على أنه إضفاء للشرعية على الهيكل القائم وتلميعه، وبالتالي الحفاظ عليه.
وإذا سارت الأمور بسلاسة، فسوف يسود السلام، الأمر الذي يسمح للحكومة السورية بأن تولي جلَّ اهتمامها لإعادة بناء البلاد، وإرساء نظام سياسي يمكنها من المضي قدما خلال الفترة الانتقالية، وجذب المستثمرين الأجانب الذين تشتد حاجة البلاد إليهم.
أما البديل فهو المزيد من المعاناة والخراب الذي سوف يرخي بظلال قاتمة على كافة الأطراف.
————————————
دمج “قسد” نهاية لمشاريع تقسيم سوريا؟/ عبدالوهاب بدرخان
يناير 26, 2026
تنظر مراجع دولية وإقليمية عديدة إلى تجربة “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) مع الولايات المتحدة على أنها آخر مثال لخذلان “حليف كردي” قاتل معها ضد تنظيم إرهابي وفقد الكثير من أبنائه. ولأن هذا الخذلان لن يكون الأخير من نوعه، فإن استخلاص عدم الوثوق بالسياسات الأميركية بات حُكماً صحيحاً عموماً، بناءً على تجارب وحالات عدة حول العالم. وهكذا، فلا ثقة بأميركا ولا بدّ منها. كان تنظيم “داعش” قد بادر إلى استهداف الكرد في عين العرب/كوباني فاحتاجوا إلى الدعم الأميركي لصدّه، ثم اندفعوا إلى الترشّح لمحاربته، وبدأوا يبنون حلم “دولتهم” أو “إقليم حكم ذاتي” خاص بهم.
لكن، بعيداً عن الدفاع عن أميركا وأهدافها، يجدر التذكير بأن أي مسؤول أميركي لم يتعهد علناً أو سراً بدعم مشروع “روج آفا”، والمعروف عموماً أن الأميركيين شجعوا قادة “قسد” على “الحوار” مع النظام السوري السابق على إقامة حكمهم الذاتي، وحصلت مفاوضات طويلة لم تتوصّل إلى “تفاهم”. يمكن التذكير أيضاً بأن واشنطن التي دعمت وتدعم بقوة “استقلالية” إقليم كردستان العراق، لم تتردد في خذله عندما أجرى استفتاءً عام 2017 للانفصال عن العراق. وقبل التطورات الأخيرة في شمال شرقي سوريا دُعي زعيم “قسد” إلى اجتماع في أربيل بحضور الزعيم الكردي مسعود بارزاني والمبعوث الأميركي توم برّاك الذي أبلغ مظلوم عبدي، كما أبلغ الإسرائيليين في باريس، أن الولايات المتحدة تجد مصلحة في دعم نظام أحمد الشرع ووحدة الأراضي السورية. ربما تخذله لاحقاً، لكن هذه مسألة أخرى.
إزاء تسارع الأحداث أخيراً صعُب على الجانب الكردي السوري استيعاب انهيار مشروعه، أو رؤية أن مصلحته تكمن في الاتفاق مع الدولة السورية والمساهمة في استكمال بنائها، مع أنه أدرك منذ اتفاق 10 آذار/مارس الماضي، الذي أبرم بضغط أميركي وتركي، أن دمج المؤسسات المدنية والعسكرية هو الهدف. لكنه حاول التمرد على هذا المسار وتغييره، بالمماطلة ومحاولة تركيب “تحالف أقليات” مع الدروز والعلويين، أو استدراج تدخلات إقليمية من إسرائيل خصوصاً أو ربما من إيران. وعندما ارتسمت الإرادة الأميركية بوضوح لم يعد لديه أي هامش للمناورة، بل بقي أمامه التنسيق والتعاون الجادّان مع دمشق لدمج المؤسسات بسلاسة والحفاظ على أسس التعايش. أما امتناعه عن سلوك هذا المسار فلم يجلب له سوى الخسائر والمآسي. ما يتردد الآن هو أن الجناح المتطرف في “قسد”، أي “حزب العمال الكردستاني”، كان وراء التصلّب بدءاً من حلب وصولاً إلى الحسكة، وبخاصة إلى إفلات سجون “داعش” الذي أساء إلى “قسد” وأظهرها كمجرد ميليشيا بعيدة جداً عن أن تكون دولة.
من الطبيعي أن ينظر الكرد السوريون إلى فشل مشروع “قسد” من زاوية “الظلم التاريخي” الذي وقع على عموم الكرد، منذ “سايكس-بيكو” قبل أكثر من مئة عام وما تلاه (معاهدتا “سيفر” ثم “لوزان”) وتشظي “دولتهم التاريخية” المفترضة بين تركيا وإيران والعراق، وسوريا بدرجة أقلّ. لكن هذه الدول الأربع تتخوّف على الدوام من الكرد كمصدر تهديد لـ”وحدة الدولة” وعنصر تقسيمي بأهداف معلنة، خصوصاً أن هناك تواصلاً جغرافياً بين المناطق الكردية فيها. وقد وجدت الدول الكبرى (تحديداً روسيا والولايات المتحدة، مع أدوار ثانوية لفرنسا وبريطانيا) في قضية الكرد أداة للضغوط الجيوسياسية، لكن العبث بأمن الدول الأربع واستقرارها لم يذهب إلى حدّ تغيير الخرائط والتبني الرسمي لإعادة توحيد أجزاء “الدولة الكردية”.
وفيما تكفّل عنف الدولة في تركيا وإيران باستبعاد أي مشروع تقسيمي، حتى الآن، فإن الخطر ظلّ ماثلاً في العراق إلى أن قرر نظام صدام حسين إنهاء الحروب مع الكرد باتفاق نصّ على منح كردستان العراق حكماً ذاتياً بدءاً من 1970. أتاحت هذه الصيغة للإقليم أن يبني نواة دولة، وما لبث دستور 2005 (بعد الغزو الأميركي) أن أقرّ صيغة فيدرالية حفّزت الإقليم على تطوير الوضع الخاص الذي يتمتع به في إطار الدولة العراقية. لكن سعيه إلى الاستحواذ على الموارد المتوافرة في مناطقه، وإعلان الاستقلال/الانفصال، واجه معارضة واسعة داخل العراق وخارجه وقاد إلى تداعيات اقتصادية ومالية وسياسية لما تنتهِ حتى الآن. قام الإقليم العراقي بهذه المحاولة متجاهلاً أنها خطوة أولى نحو تقسيم العراق، ومعتقداً أنها ستلقى دعماً من حلفاء وأصدقاء دوليين، لكنه صُدم بمعارضتهم. في الوقت نفسه كانت الأزمة السورية دفعت بالكرد إلى دور مميّز برعاية التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وبات يُنظر إلى تنظيمهم، “قسد”، باعتباره قاطرة التقسيم المستقبلي لسوريا، لكن الدول المتدخّلة (روسيا وأميركا وتركيا وإيران وإسرائيل) لم تتوافق على اعتماد تصوّرٍ كهذا، حتى لو كانت ممارسات النظام السوري السابق تدفع في اتجاهه. فهل انهيار “قسد” والبدء بدمجها يقنع دروز حكمت الهجري وفلول العلويين والدول التي تدعمهم بعدم جدوى مشاريع التقسيم؟ الجواب يتطلّب أيضاً من “نظام الشرع” قبولاً أكبر للتعددية والمشاركة.
النهار”
—————————-
حسابات الشرع بين واشنطن والحسم الميداني في شرق سوريا
24 يناير 2026
سلطت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، في تقرير لها، الضوء على أبرز التطورات التي شهدها شمال شرقي سوريا خلال الأسبوعين الماضيين، بعد سيطرة القوات الحكومية على مساحات واسعة من مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وما تبعه من تغيّر في موازين السيطرة، ونقاش داخل واشنطن حول مستقبل الوجود العسكري الأميركي في البلاد.
تقدم “وول ستريت جورنال” في بداية تقريرها ملخصًا لأهم التطورات الميدانية التي شهدها شمال شرقي سوريا خلال الأسبوعين الماضيين، مشيرةً إلى أن الرئيس أحمد الشرع استطاع، عقب الهجوم الخاطف على “قسد”، إثبات قدرته على المناورة العسكرية واستعداده للمخاطرة بعلاقته مع واشنطن لتحقيق أهدافه.
وأضافت الصحيفة أن الشرع أمر بتنفيذ عملية عسكرية ضد “قسد”، رغم تهديد واشنطن بإعادة فرض العقوبات الأميركية على سوريا، فضلًا عن مخاوف الجيش الأميركي من أن يؤدي التصعيد إلى تعريض جنوده في المنطقة للخطر، وفتح الباب أمام فرار آلاف معتقلي تنظيم “الدولة الإسلامية”.
وبحسب “وول ستريت جورنال”، في المحصلة، نجحت مقامرة الشرع. فقد تمكن مساعدوه من إقناع فصائل عربية داخل “قسد” المدعومة من الولايات المتحدة بالانشقاق والانضمام إلى الحكومة، ما أدى إلى تفكك “قسد” التي يقودها الكرد خلال أيام قليلة، وانسحابها من مساحات واسعة في شمال شرقي سوريا.
وتعليقًا على ذلك، تقول الصحيفة إن هذه التطورات تحمل تداعيات بعيدة المدى على سوريا، وكذلك على الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، مشيرةً إلى أن مسؤولين عسكريين كبار في الإدارة الأميركية يناقشون حاليًا احتمال تنفيذ انسحاب أوسع، بعد أكثر من عقد من الوجود العسكري في البلاد.
وأشارت “وول ستريت جورنال” إلى أن الشرع استطاع بناء علاقة استثنائية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي دعمته لتفادي فراغ خطير في السلطة عقب سقوط الرئيس السابق بشار الأسد عام 2024.
وأضافت أن تحركاته الأخيرة لم تؤدِ إلى خسارة هذا الدعم، رغم استمرار حذر بعض المشرعين والمسؤولين العسكريين الأميركيين من ماضيه المسلح. كما ذكّرت الصحيفة بتصريحات ترامب، التي أشادت بـ”التقدم الهائل” الذي حققه الشرع، مضيفًا: “أعتقد أنه سيضع كل شيء في مكانه الصحيح”.
واعتبرت الصحيفة أن سيطرة القوات الحكومية على معظم مناطق شمال شرقي سوريا يُعد أهم انتصار استراتيجي للشرع منذ قيادته الهجوم الذي أطاح بحكم الأسد، لافتةً إلى أن ذلك الهجوم أسقط نظام الأسد خلال 11 يومًا فقط، منهيًا 13 عامًا من الحرب التي أودت بحياة نحو نصف مليون شخص ودمّرت المدن السورية.
ولفتت إلى أن العملية العسكرية الأخيرة أنهت حالة الجمود التي استمرت لأكثر من عام من المفاوضات بين “قسد” والحكومة الجديدة، معيدةً التذكير بأن قائد “قسد”، مظلوم عبدي، كان قد وافق العام الماضي على الاندماج ضمن الجيش السوري الجديد، لكنه طالب خلال محادثات بوساطة أميركية بالحفاظ على قدر من الحكم الذاتي وبقاء وحداته العسكرية، بحسب دبلوماسيين ومحللين غربيين مطلعين على المفاوضات.
وقال الدبلوماسي السوري، بسام برابندي، لـ”وول ستريت جورنال”: “أساء كثيرون تقدير قدرات هذا الرجل”. وأضاف: “اعتقدوا أن الحرب ضد قوات سوريا الديمقراطية ستستغرق أسابيع، لا ساعات أو أيام. ما حصل أنهم انهاروا ببساطة. لم يقاتلوا”.
من جانبها، أعادت المستشارة البارزة في مجموعة الأزمات الدولية، دارين خليفة، في حديثها لـ”وول ستريت جورنال”، التذكير بتصريحات سابقة لها. وقالت: “كنا نقول هذا دائمًا عنه. إنه يغامر كثيرًا، وأحيانًا ترتد عليه المخاطرة”.
وتقارن الصحيفة في تقريرها بين الهجوم الذي أطاح بنظام الأسد، وبين الهجوم الخاطف في شمال شرقي سوريا. وتعليقًا على ذلك تقول إن الشرع شن الهجوم على نظام الأسد عندما كانت روسيا غارقة في حرب أوكرانيا، وإيران متضررة من الضربات العسكرية الإسرائيلية، ما جعل النظام في أضعف حالاته.
أما بالنسبة للهجوم ضد “قسد”، فترى “وول ستريت جورنال” أن الشرع قدّر أن خصمه في موقع ضعف، لا سيما أن “قسد” أظهرت منذ فترة طويلة انقسامات بين مكوناتها الكردية والعربية وغيرها. كما مال السكان العرب في مدن كبرى خاضعة لسيطرتها، مثل الرقة ودير الزور، سياسيًا نحو الحكومة الجديدة في دمشق.
ومع ذلك، فإن الانتصار في الشمال الشرقي يعود إلى تحركات سياسية أكثر منه إلى تفوق عسكري. بحسب التقرير ذاته، فإن عددًا من المقربين من الشرع، بينهم رئيس جهاز الاستخبارات ووزير الخارجية، ينحدرون أصلًا من شرق سوريا، وقد استثمر تلك الروابط في مناطق ظلت خاضعة لسيطرة “قسد” لسنوات.
وأشارت إلى أن الشرع، في العام الماضي، كلف مسؤولًا بارزًا، جهاد عيسى الشيخ، المعروف باسم “أبو أحمد زكور”، بإدارة ملف التواصل مع العشائر العربية في المنطقة، مشيرة إلى أن ذلك أسهم، بحسب دبلوماسيين ومحللين، في إقناع مجموعات عشائرية قرب دير الزور بتغيير ولائها. وأضافت أن العشائر ساعدت القوات الحكومية خلال الأسبوع الماضي في السيطرة على أهداف استراتيجية، من بينها حقول نفط سورية رئيسية.
وقال المحلل المستقل المقيم في دمشق، ألكسندر ماكيفر، لـ”وول ستريت جورنال”: “استخدموا العشائر لفرض وقائع على الأرض دون إدخال الجيش مباشرة في البداية، ما أدى إلى انهيار قوات سوريا الديمقراطية في الرقة ودير الزور”، مشيرًا إلى أن “الانسحاب كان سريعًا إلى حد بدا كارثيًا بالنسبة لهم، خصوصًا في دير الزور”.
كما رأى الخبير المخضرم في الشأن السوري والمحلل الأمني في معهد “سينتشري إنترناشيونال”، آرون لوند، أنه “كان من المتوقع دائمًا أن يحدث شيء كهذا”، لافتًا إلى أن “ميزان القوى على الأرض يميل بقوة لصالح الشرع”.
وأعاد التقرير التذكير بمنشور المبعوث الأميركي باراك على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، الذي كتب قائلًا: “اليوم تغيّر الوضع جذريًا. دمشق باتت راغبة وقادرة على تولي المسؤوليات الأمنية، بما في ذلك السيطرة على مرافق احتجاز تنظيم الدولة الإسلامية والمخيمات”.
لكن السيطرة على شمال شرقي سوريا، وفقًا لـ”وول ستريت جورنال”، لا تخلو من مخاطر جسيمة بالنسبة للشرع والحكومة الناشئة في دمشق، إذ أدى الهجوم بالفعل إلى تعبئة بعض الكرد في سوريا والمنطقة ضد الحكومة. كما يكتنف الغموض مستقبل القوات الأميركية المنتشرة في عدة قواعد في شمال شرقي سوريا.
ولفتت الصحيفة إلى أنه مع ضعف “قسد” إلى حد كبير، أو احتمال تفككها، ليس من الواضح ما إذا كان بإمكان هذه القوات البقاء في البلاد، وفق مسؤولين أميركيين. وأضافت أنه خلال الهجوم، أسقطت القوات الأميركية طائرة مسيّرة واحدة على الأقل تابعة للحكومة السورية قرب إحدى القواعد التي تستخدمها، بحسب مسؤولين أميركيين. وأضاف أحدهم أن قوات الشرع أطلقت النار على ثكنات “قسد” داخل القاعدة.
وختمت “وول ستريت جورنال” تقريرها بالإشارة إلى أن التحدي الأكبر أمام الشرع قد يتمثّل في الحفاظ على الانضباط داخل قواته، مشيرةً إلى أن أي انتهاكات لحقوق الإنسان بحق المدنيين الكرد أو مقاتلي “قسد” المنسحبين قد تقلب الرأي العام السوري والدولي ضده سريعًا، مستندة في ذلك إلى أحداث العنف الطائفي التي شهدها الساحل السوري في آذار/مارس، والسويداء في تموز/يوليو 2025.
———————————
كيف تعمل التنظيمات القومية الراديكالية العنيفة؟/ د. عبد الرحمن الحاج
يناير 26, 2026
تُدرس التنظيمات الراديكالية العنيفة أو المتطرفة بين حقول متعددة في السياسة والأمن، من منظورات مختلفة، بصفتها فاعلاً ما دون الدولة في العلوم السياسية، أو بصفتها تهديداً إرهابياً في الدراسات الأمنية، أو بصفتها منظومة عنف يهدد الاجتماع السياسي، أو غير ذلك، وحتى الدراسات النفسية صار لديها ما يطلق عليه علم نفس الراديكالية والتطرف.
بمعنى آخر، سلوك هذه التنظيمات الذي كان أحد مشاغل الفروع العلمية المختلفة لعقود أمر معروف؛ إلى درجة يمكن التنبؤ في سلوكها بناء على عدد من المؤشرات.
ثمة تصور مغلوط أن التنظيمات الراديكالية التي تعتنق أيديولوجيا ذات خلفية دينية أكثر عنفاً من التنظيمات القومية، على أساس أن تلك التنظيمات تضع العنف الذي تمارسه في سياق أكبر للحياة والموت، وسياق من معارك الماضي الملحمية الممتدة بين الخير والشر، في حين عنف التنظيمات الراديكالية العلمانية القومية محصور في نهاية المطاف بـ”الأرض”.
لكن هذا التصور يغفل حقيقة أن العقائد القومية يمكن أن تكون إطلاقية، ويمكن للعنف المتولد منها أن يكون بلا حدود، لأنه مبني على عقائد عنصرية ماورائية تمنح عرقاً ما تفوقاً خاصاً على البشر وتنسب الشرور المطلقة لقوميات أخرى.
وبطبيعة الحال، يشكل خطاب التضحية جزءاً رئيساً من خطاب أي حركة تتبنى العنف، لأن العنف يعني حضور الموت ، هذا يدفع الحركات لتبني خطاب عقائدي يجعل للتضحية بالنفس معنى، لكن يكون اسم التضحية “عملية فدائية” غالباً. مع ذلك، فهذه الظاهرة الحديثة، التي رافقت ظهور التنظيمات الراديكالية عموماً، كانت إلى حد كبير غير مقبولة لديها حتى وقت متأخر، في حين بدأتها أساساً الحركات القومية، ابتداءً من الكاميكاز الياباني سنة 1944، مروراً بالجيش الأحمر الياباني، وصولاً إلى نمور التاميل في منتصف الثمانينيات، والحزب القومي السوري سنة 1985.
وخلافاً للأفكار السائدة، فإن التنظيمات ذات المرجعية الدينية هي التي قلدت التنظيمات العلمانية الراديكالية في العمليات الانتحارية، والتي افتتحتها التنظيمات الشيعية ثم انتقلت إلى السنية. فقد كان حزب الله أول تنظيم استخدمها حين قام بعمليتين انتحاريتين عام 1983، ولم تظهر هذه العمليات في التنظيمات السنية إلا بعد أكثر من عشر سنوات عام 1994.
والعمليات الانتحارية هي في النهاية بوصفها خيارات أشخاص راشدين، لكن ماذا لو استُخدم الأطفالُ في هذه العمليات؟ الواقع أن هذا لم يحدث على الإطلاق في أي من التنظيمات العنيفة السابقة، لا الدينية ولا اليسارية ولا الشيوعية، لم يفعلها إلا حزب العمال الكردستاني PKK، الواقعة الأخيرة الصادمة كانت في العمليات الانتحارية التي قام بها أربعة أطفال في حي الشيخ مقصود يوم 10 كانون الأول/يناير الجاري تحت مسمى “عمليات فدائية”، واحتفى بها التنظيم!
على كل حال، حين تفشل التنظيمات القومية الراديكالية في معارك تعتبرها مصيرية، تقع في هوة من خيبة الأمل وتدخل في لحظات انكسار، ثم تشتغل آليات الدفاع النفسي: فتندفع إلى إعادة تعريف ذاتها عبر إكساب الصراع هالة الصراع المقدس ونقله إلى مستوى الصراع الكوني والأزلي، ولكن من الناحية العملية بقدر ما يسهم هذا الخطاب في التعبئة والتجنيد ويعيد تشكيل وعي أعضائها، بقدر ما يفصلها عن الواقع ويحول دون القدرة على ممارسة السياسة بعيدة المدى.
وتتناقص كفاءتها بشكل حاد في التكتيكات والمناورات السياسية القصيرة المدى والجزئية، إذ ترتفع المواقف السياسية إلى مرتبة العقائد، ويؤدي ذلك إلى مزيد من التمترس خلف مواقفها السياسية والذهاب نحو معارك صفرية، بحيث يصبح “الكل أو لا شيء” هو قاعدة التفاوض، وتصبح متصلبة إلى درجة أنها يمكن أن تفوت الكثير من المكاسب المتاحة في لحظة تعنت تفضي إلى خسارتها كل شيء.
فإذا كانت السياسة تعني في هذا السياق التفاوض والوصول إلى الحقوق بأقل قدر من الكلفة البشرية، فإن الحقيقة أن الحركات الراديكالية العنيفة لا تمارس السياسة عموماً، هي فقط تمارس العنف كأداة وحيدة للوصول للأهداف السياسية وفق تصور متخيل عن الواقع.
تنتج التنظيمات المتطرفة عبر سرديتها خطاباً ينزع الإنسانية عن الآخرين، يسمح باستخدام العنف ضدهم إلى حدود قصوى، وحين تتعرض لهزيمة، تبدأ أولاً بإنكارها وإعادة تأويلها أو تأطيرها أيديولوجياً ضمن السردية الرئيسية حفاظاً على اتساقها.
يتم إنكار الطابع البنيوي للهزيمة، ويتم توصيفها كهزيمة مرحلية، والتي سيكون بعدها الانتصار العظيم “الذي سيأتي يوماً ما، وقريباً ولا ريب”، وتوصف على أنها “مرحلة تكتيكية” مؤقتة، أو أنها حدثت بـ”خيانة داخلية” ولكنها بالتأكيد ليست فشلاً للتنظيم، الذي يمتلك “الحق” و”الحقيقة”، هذه آلية حماية لإبقاء أعضاء التنظيمات تحت السيطرة، وامتصاص الصدمات.
وبدل أن تدفع الإخفاقات والهزائم إلى نقد ذاتي معمق يقوم الحزب بالتخلص من الخونة (تتصاعد حملات التخوين)، بعد إلقاء اللائمة عليهم، والذهاب نحو مزيد من التشدد العقائدي والانغلاق التنظيمي، واستعادة القراءة الأكثر تشدداً للنصوص المؤسسة له، فالتنظيم الذي يتعرض هو ومشروعه إلى خطر وجودي، يضيّق هامش الاجتهاد والمناورة السياسية إلى الحدود القصوى، ويصبح أكثر تصلباً بدلاً من أن يصبح أكثر واقعية وعقلانية، فكل مرونة تشكل خطراً وجودياً. المرونة والواقعية لا توجد في قواميس تلك التنظيمات إلا نادراً، وفي معظم الحالات تنتهي مثل هذه المنعطفات إلى انقسام التنظيم نفسه أو انفجاره وتشظيه.
يقوم التنظيم أيضاً بإعادة تعريف العدو، في سياق ضمان تماسك النواة الصلبة، وتوسيع دائرة الصراع، فيُوسَّع قائمة الأعداء من عدو خارجي لتشمل “أعداء داخليين”، ومن صراع محدد إلى حرب وجودية مفتوحة، ويفيد هذا الانتقال تلك الأحزاب المتطرفة في تعزيز الصفوف الداخلية، وفي التعبئة، وحيث يُعاد رسم الصراع بوصفه مؤامرة “مؤامرة كونية” وحرباً على الهوية والقومية في التنظيمات القومية، أي يولد خطاب مطابقة بين “التنظيم” وبين الهوية القومية، بين معركة ضد التنظيم ومعركة ضد المكون الذي ينحدر منه. تستعمل هنا مصطلحات مثل “حرب إبادة”، وتطهير عرقي.
مع هذا الانتقال في الخطاب، يكون التنظيم قد نقل المسؤولية إلى البيئة المحيطة، ووسع من قاعدة دعمه الاجتماعي بما يتجاوز الخلاف السياسي مع التنظيم، ولأنها قد تكون مختلطة، يتبنى التنظيم خطاباً مزدوجاً، خطاب داخلي متطرف ونابذ واستئصالي، وخطاب آخر يحاول كسب ود الجماعات التي لا تنتمي لهويته ولا تهتم بقضيته، أو حتى تناصبه العداء، لكنه لا يستطيع أكثر من تخفيف الخطاب العلني دون تغيير أهدافه، لذلك غالباً ينظر الحزب إلى أنه خطاب تكتيكي لتصدير صورة “عقلانية” للمجتمع الدولي والمحيط ولو أنه لا يقدم أي فائدة عملية.
وإذا فشل في تحقيق سيطرة مستقرة على الأرض، فغالباً ما يتجه التنظيم إلى الانتقال إلى “حرب العصابات”، والعمل الشبكي في إدارة العمليات، واستخدام أسلوب “الذئاب المنفردة”. يصاحب ذلك عملية انكفاء اجتماعي، والذهاب نحو العمل السري وممارسة العنف الانتقامي والنكائي، ويبدو كما لو كان استمراراً للعمل من أجل القضية إلا أنه في الواقع يكون عبثياً وبلا أفق سياسي، فلم تنتج مثل هذه الممارسات إلا في حالات نادرة تحقيق مكاسب سياسية.
ويتم في مثل هذا الظرف الذي قد يمر به التنظيم إعادة إنتاج الذاكرة والانتظار، وإدماج السرديات البطولية في سرديات الجيل المؤسس، للحفاظ على ذاكرة حية وممتدة، بانتظار ظرف تاريخي جديد مناسب، وإذا وصل التنظيم إلى هذه النقطة يكون التنظيم قد تحول من فاعل سياسي إلى مشكلة أمنية مزمنة.
الثورة السورية
———————————
مسار التفاوض مع قسد بين الفرص المهدورة وسوء التقدير/ ماجد عبد النور
يناير 26, 2026
شهدت العلاقة بين الحكومة السورية وقسد خلال العام الماضي مساراً تفاوضياً مكثفاً تمثل في سلسلة طويلة من الاجتماعات واللقاءات التي عقدت في دمشق واستمرت قرابة عام كامل، وبلغت ذروتها بتوقيع ما عرف باتفاق 10 آذار. يثير هذا الحجم من الحوار والتواصل المباشر سؤالاً أساسياً: إذا لم تكن هذه اللقاءات المتواصلة تعبيراً عن حوار وطني ومسار تفاوضي فعلي يهدف إلى الوصول لتفاهم يجنب الاقتتال ويحقن الدماء، فكيف يمكن توصيف ما جرى طوال تلك الفترة؟
على مدى عام كامل، اتخذت الحكومة السورية خطوات عملية واضحة لتفادي التصعيد مع قسد وسعت إلى معالجة الخلاف معها عبر الحوار، وفتحت دمشق أبوابها لممثلي قسد ودعتهم مراراً إلى تنفيذ بنود اتفاق آذار، من دون أن تلقى استجابة، بل العكس: كان التصعيد والمماطلة ومحاولة نسف الاتفاق هو ديدن قيادة قسد خلال الأشهر الماضية.
في الوقت الذي التزمت فيه دمشق بسياسة متوازنة ومرنة تمثلت في تجنب التصعيد الإعلامي ضد قسد وامتنعت عن استقبال أحزاب كردية منافسة أو استقطاب شخصيات كردية فاعلة مناوئة لها حرصاً على عدم استفزازها وتهيئة مناخ ملائم للحوار.
لقد هدفت الحكومة السورية إلى إيصال رسالة واضحة مفادها أن دمشق لا تسعى إلى تشكيل معارضة كردية في مواجهة قسد بل تعمل على أن تكون هي الشريك في بناء الدولة وحل المشاكل بالطرق السلمية وتجنب الانجرار نحو الحرب والاقتتال. إلا أن قيادة قسد قرأت هذه المرونة السياسية والرسائل الإيجابية بوصفها مؤشراً على الضعف، ورأت فيها فرصة للمماطلة والتهرب من تنفيذ اتفاق آذار.
وسعت إلى استغلال أحداث السويداء وظروف التدخل الإسرائيلي في جنوب سوريا لتأجيل استحقاقات الاتفاق، وعززت من خطابها القائم على التحالفات الأقلوية والنزعات الطائفية، واستقطبت فلول النظام البائد من ضباط وعسكريين في محاولة للضغط على الحكومة السورية للقبول بأجندات انفصالية ومشاريع تتعارض مع المصلحة الوطنية.
أخفقت قسد في إدارة علاقتها مع الحكومة السورية وأساءت تقدير التوازنات الإقليمية والدولية ما أوقعها في إشكاليتين أساسيتين في قراءتها للمشهد.
تمثلت الأولى في التقاطها إشارات خاطئة من إسرائيل ورهانها على خشية دمشق من فتح مواجهة عسكرية في الشمال عقب أحداث السويداء، في حين أخفقت في استيعاب طبيعة التفاهمات غير المعلنة بين تركيا وإسرائيل بشأن مناطق النفوذ والخطوط الحمراء في سوريا، فالمعادلات السائدة في الجنوب لا تنسحب بالضرورة على الشمال، كما أن إسرائيل لا تبدو معنية بدعم كيانات تصنفها أنقرة على أنها معادية بشكل مباشر، لما قد يترتب على ذلك من ردود فعل تركية لا تحتمل إسرائيل تبعاتها.
ويضاف إلى ذلك تعويل قسد على تدخل أميركي مشابه للتدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري لحماية وجودها، وهو رهان لم يستند إلى معطيات واقعية، فلطالما أكدت الولايات المتحدة أن علاقاتها مع قسد لا تتجاوز دورها في محاربة تنظيم داعش.
أما الإشكالية الثانية فتمثلت في سوء قراءة قسد للمؤشرات الواضحة على التغير التدريجي في الموقف الغربي حيال سوريا، والذي تجسد باعتراف الولايات المتحدة بالحكومة السورية ورفع العقوبات بصورة وصفت بأنها أشبه بالمعجزة، وتوج بمنحها شرعية مكافحة الإرهاب، وربما كان هذا التحول هو العامل الأبرز في انضمام سوريا إلى قوت التحالف الدولي، ما أدى إلى سحب الغطاء عن شرعية بقاء قسد كشريك وحيد أو رئيسي في هذه المعركة وإعادة هذا الدور إلى الدولة المركزية.
إن التباين الواضح بين ما تريده دمشق وما تسعى إليه قسد قد وصل إلى مفترق طرق لم يعد للحوار فيه أي معنى، فالاتفاق الذي وقع عليه مظلوم عبدي وتعهد بتنفيذه كان هو أول من خرقه وحاول التهرب من التزامات تطبيقه، ولا يمكن الجزم ما إن كان مظلوم عبدي يملك القرار الفعلي في تنظيم قسد أم أنه مجرد واجهة أمام قيادات حزب العمال الكردستاني التي تمتلك القرار الفعلي في قنديل إلا أن النتيجة واحدة.
بدا واضحاً أن مظلوم عبدي قد فشل في تصدير سردية مقنعة لما يريده تنظيمه من خلال مفاوضاته مع الحكومة السورية، هذا الفشل هو انعكاس حقيقي لأجندة قسد اللا وطنية التي تخشى البوح بمطالبها علناً وبشفافية واضحة، وقد شكل مرسوم الرئيس الشرع الخاص بمنح الأكراد حقوقهم الاجتماعية والثقافية أكبر حرج لقيادة قسد أمام جمهورها وأمام الوسطاء الإقليميين والدوليين، وحشرهم في زاوية صعبة بدت علاماتها واضحة من خلال تخبطهم في التصريحات، ولعبهم على ورقة المظلومية المكشوفة وادعاءات الإبادة ومحاولتهم تحويل الأزمة إلى صراع هوياتي وعرقي.
إن حالة الارتباك وعدم التوازن تلك قد دفعت بتنظيم قسد إلى رمي ورقتيه الأخيرتين ما قبل الهزيمة النهائية، وهما استغلال ورقة أسرى تنظيم داعش لابتزاز العالم ومحاولة أقلمة الصراع بنداءات النفير العام لأكراد الإقليم. ولأنها اعتادت على المقاربات الخاطئة والقرارات السياسية والميدانية الفاشلة، فقد أعدمت نفسها سياسياً وعجلت بانفراط عقدها وتخلي الوسطاء عن المضي في منحها فرصاً أخرى.
لا شك أن تلك الفرص التي أُتيحت لقسد على مدار عام كامل كانت استثنائية، وكان يمكن لهم استثمارها لتحقيق مكاسب واسعة ودخول التاريخ من أوسع أبوابه كقوة وطنية أسهمت في توحيد الجغرافيا السورية وسعت إلى حقن الدماء.
غير أن موقفها السياسي غير الوطني وقرارها الذي يصدر من جبال قنديل ومشروعها العابر للحدود وسلوكها الميداني القائم على تغذية النزعات الانفصالية وزعزعة الاستقرار في سوريا، حوّلها في نظر السوريين إلى طرف لا يمكن الوثوق به وبأجنداته كي يكون شريكاً حقيقياً في تجاوز هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد.
الثورة السورية
———————————
ما بعد الهول.. هل تنجح الدولة في كسر الحلقة الأخيرة من التطرف؟/ هناء محمد درويش
يناير 26, 2026
يُعدّ ملف النساء والأطفال الذين جرى الإفراج عنهم من مخيم الهول أحد أخطر الملفات التي تواجه الدولة السورية في مرحلة ما بعد هزيمة تنظيم داعش، ليس فقط لما يحمله من أبعاد إنسانية بل لما يختزنه من تداعيات سياسية وأمنية ومجتمعية طويلة الأمد. فالتعامل مع هذا الملف لا يقتصر على إنهاء حالة احتجاز أو نقل أفراد من المخيم إلى مناطقهم الأصلية، بل يتصل بشكل مباشر بمسألة السيادة الوطنية وقدرة الدولة على إدارة إرث الإرهاب ومنع إعادة إنتاجه بأشكال جديدة.
لقد كشفت الدراسات والمقابلات التي أُجريت مع النساء والأطفال قبل الإفراج عنهم عن وجود مشكلات بنيوية عميقة في مقدمتها ترسّخ الفكر التكفيري لدى نسبة غير قليلة منهم نتيجة سنوات طويلة من العيش في بيئة مغلقة خضعت لهيمنة خطاب متطرف من دون أي برامج ممنهجة لإعادة التأهيل الفكري أو الدعم النفسي.
الخطورة هنا لا تكمن في وجود هذا الفكر فحسب، بل في تركه من دون معالجة بما يحوّل هذه الشريحة إلى بيئة هشّة قابلة لإعادة الاستغلال سياسياً وأمنياً سواء عبر خلايا نائمة أو عبر مشاريع إقليمية تسعى إلى الاستثمار في الفوضى الاجتماعية.
الأطفال الذين نشؤوا داخل المخيمات هم الفئة الأكثر عرضة لهذه المخاطرـ إذ تشكّل وعيهم الأولي في ظل ثقافة التكفير والعنف بعيداً عن أي منظومة تعليمية أو تربوية سليمة. هؤلاء الأطفال لا يمكن تحميلهم مسؤولية خيارات لم يكونوا طرفاً فيها إلا أن تجاهل حاجتهم إلى برامج إعادة تأهيل نفسية وتربوية متخصصة يفتح الباب أمام إعادة إنتاج التطرف بعد سنوات ويُبقي المجتمع أمام تهديد مؤجل.
وقد أظهرت تجارب دول مثل العراق ونيجيريا أن غياب التدخل المبكر مع الأطفال المتأثرين بالتطرف يؤدي إلى ارتفاع معدلات العنف والانحراف ويُضعف فرص الاستقرار المستدام. إلى جانب البعد الفكري، تبرز إشكالية الدمج المجتمعي بوصفها تحدياً سياسياً واجتماعياً لا يقل خطورة. فعدد من النساء كنّ زوجات لمقاتلين أجانب مجهولي الهوية الحقيقية وبعضهن أُعيد دمجهن في مجتمعات كانت من أكثر المتضررين من جرائم تنظيم داعش.
إن تجاهل هذا الواقع قد يخلق توترات داخل المجتمع المحلي، ويعرّض النساء وأطفالهن للنبذ أو الاعتداء، ويُعيد فتح جراح لم تندمل بعد، خصوصاً لدى عائلات الضحايا. وعليه، فإن أي عملية دمج غير مدروسة قد تتحول من خطوة إنسانية إلى عامل تفجير اجتماعي.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال البعد القانوني لا سيما فيما يتعلق بالأطفال المولودين لآباء أجانب مجهولي الهوية ممن عُرفوا بأسماء وكنى حركية لا يمكن اعتمادها رسمياً. إن ترك هؤلاء الأطفال خارج منظومة التسجيل المدني والتعليم سيحوّلهم إلى فئة مهمشة محرومة من الحقوق الأساسية ويجعلهم عرضة للتنمر والوصم الاجتماعي ما قد يُعيد إحياء النزعات المتطرفة لديهم بدل احتوائها.
وقد واجهت دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا تحديات مشابهة عند التعامل مع أطفال مقاتليها العائدين واضطرت إلى اعتماد أطر قانونية استثنائية توازن بين مصلحة الطفل ومتطلبات الأمن القومي.
في المقابل، فإن الإبقاء على النساء والأطفال في المخيمات ليس خياراً واقعياً بل يكرّس حالة من العزل والإقصاء ويُسهم في صناعة جيل ناقم يحمل شعوراً عميقاً بالظلم تجاه الدولة والمجتمع. كما أن فصل الأطفال عن أمهاتهم في ظل غياب بدائل رعاية متخصصة قد يؤدي إلى أضرار نفسية جسيمة ويزيد من احتمالات الانحراف بدل الحد منها.
ولا يمكن فصل هذا الملف عن مسؤولية الدولة ومؤسساتها في إدارة مرحلة ما بعد الإرهاب ضمن رؤية سيادية واضحة. فالتعامل مع النساء والأطفال المُفرج عنهم يجب أن يتم ضمن إطار مؤسساتي متكامل يحدّد بدقة أدوار الجهات الأمنية والقضائية والتربوية والاجتماعية.. ويمنع تضارب القرارات أو خضوعها للاجتهادات الفردية.
إن غياب التنسيق المؤسسي لا يشكل فراغاً ادارياً فحسب بل يفتح المجال أمام فوضى أمنية واجتماعية ويُضعف ثقة المجتمع بقدرة الدولة على ضبط هذا الملف الحساس. كما أن إشراك منظمات المجتمع المدني الوطنية يمكن أن يشكّل عنصر دعم في الجوانب النفسية والتعليمية شرط أن يتم ذلك ضمن ضوابط صارمة وتحت إشراف الدولة منعاً لأي اختراق خارجي أو تسييس لهذا الملف.
فالتجارب الدولية كما في المغرب وإندونيسيا تؤكد أن نجاح برامج إعادة الإدماج مرتبط بوجود مرجعية وطنية جامعة تُمسك بزمام القرار وتوازن بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن والاستقرار. إن ملف مخيم الهول ليس قضية إنسانية معزولة بل اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على إدارة تداعيات الحرب على الإرهاب وحماية المجتمع من إعادة إنتاج التطرف.
فإما أن يُعالج هذا الملف ضمن استراتيجية وطنية شاملة، تُراعي العدالة والأمن معاً أو يُترك دون إدارة رشيد ليتحول في المستقبل إلى عبء سياسي وأمني يفوق كلفته الحالية بأضعاف.
الثورة السورية
———————————
أول الضحايا وآخر الناجين/ سيلفا كورية
يناير 26, 2026
لم تكن صور الأطفال الخارجين من سجون قسد حدثاً استثنائياً للأسف، بل أصبحت مشهدا متكررًا في ذاكرة اعتادت القسوة. أطفال بأجساد نحيلة، شعور محلوقة، وأقدام حافية، يقفون أمام الكاميرات ليرووا ما لا يُفترض بطفل أن يعرفه: الجوع، العزل، الضرب، الكهرباء، والخوف الدائم. ومع ذلك، تمر هذه الصور اليوم دون أن تُحدث كسراً حقيقيًا في الوعي العام، وكأن مأساة الطفولة السورية فقدت قدرتها على الإدانة.
منذ صور الطفل حمزة الخطيب، مروراً بآلاف الصور لأطفال تحت الأنقاض، أو الراحلين في مجازر الكيماوي الرهيبة، وليس انتهاء بصورة طفل بانياس والشريطة السوداء التي تشد بنطاله الواسع، أو الطفلة الشهيدة تالا الشوفي من السويداء، ما يرويه هؤلاء الأطفال هو جزء من واقع سوري حزين جداً، ليس لهول الخسارة فقط بل أيضاً لأن المأساة قد تحولت إلى مادة جدل سياسي، تُشكَّك فيها الروايات، ويُسأل الأطفال عمّا “ارتكبوه” بدل السؤال عمّن انتهك طفولتهم.
هذا الانقسام يكشف خللًا عميقًا في الوعي الجمعي، حيث تُفقد الطفولة حصانتها الأخلاقية، ويُنظر إلى الطفل لا بوصفه ضحية، بل كامتداد لصراع لا علاقة له به، وفي هذا المناخ تصبح المعاناة قابلة للتبرير، ويغيب أي إجماع على أن حماية الأطفال يجب أن تكون خطًا أحمر لا يُمس.
سوريا الخارجة من سنوات عنف ممنهج مارسه النظام وسلطات الأمر الواقع على مدى أربعة عشر سنة، تحاول منذ عام أن توحد جغرافيتها وتعيد بناء مؤسساتها، لكنها لم تتمكن بعد، فما زالت لا تمتلك بنية مؤسساتية قادرة على حماية الأطفال أو إنصافهم.
تشير تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى وجود ما يزيد عن خمسة آلاف طفل ما زالوا قيد الاختفاء القسري، معظمهم ضمن ملف المعتقلين لدى نظام الأسد، وهو ملف ما زال معلقاً بلا مساءلة حقيقية أو نتائج تحقيق واضحة. ولعل قضية أطفال المعتقلة الشهيدة رانيا العباسي أشهر تلك القصص المؤلمة والتي ما زالت حاضرة بقوة بفضل إصرار عائلتها على متابعة البحث.
المأساة لا تتعلق فقط بالاعتقال في سجون النظام أو سجون قسد، بل بجيل كامل نشأ في بيئة غير آمنة، بلا تعليم مستقر، ولا خدمات أساسية، ولا أفق واضح. مدارس مدمّرة، مشافٍ عاجزة، وبرامج دعم محدودة لا تلامس حجم الحاجة. ووفق أرقام اليونيسف، يحتاج أكثر من 7.5 مليون طفل سوري إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
قضية الطفولة في سوريا لم تعد مسألة إنسانية تحتمل التأجيل أو يمكن حلها ببيانات الشجب أو التوضيح، بل اختباراً أخلاقياً حقيقياً، فإما أن تُبنى منظومة تحمي الأطفال وتضمن حقوقهم في التعليم والحياة الآمنة، وإما أن يستمر إنتاج جيل مثقل بالخوف والحرمان والغضب.
المطلوب ليس تعاطفاً عابراً، بل سياسات واضحة، وتشريعات رادعة، وبرامج دعم نفسية واجتماعية واسعة، إضافة إلى دور فعّال للمنظمات الدولية والمجتمع المدني.
كل يوم تأخير يعني مزيدًا من الأطفال المكسورين، ومزيدًا من الفرص الضائعة لإصلاح ما يمكن إصلاحه. سوريا اليوم لا تُختبر في خطابها السياسي فقط ولا في قدرتها على إعادة الإعمار وإنعاش الأوضاع الاقتصادية وبناء المؤسسات، بل في قدرتها على حماية أضعف أبنائها.
.
الثورة السورية
——————-
وصول مساعدات أممية إلى كوباني والجيش السوري يفتح ممرين إنسانيين
شهادة عن “تعذيب” أطفال سجناء في الرقة… والإدارة الذاتية: بعضهم جنّدهم “داعش”
الأحد 25 يناير 2026
تظاهر آلاف الأشخاص في باريس، أمس السبت، دفاعاً عن الأكراد في سوريا مطالبين فرنسا بتكثيف دعمها لشمال شرقي البلاد. وذكرت الشرطة الفرنسية أن نحو 7500 شخص شاركوا في التظاهرة.
وصلت قافلة مساعدات من الأمم المتحدة الأحد إلى كوباني (عين العرب) ذات الغالبية الكردية التي تدفق إليها آلاف النازحين جراء أعمال العنف في الأسابيع الأخيرة، بينما أعلن الجيش السوري فتح ممر إنساني للمدينة.
ويأتي إرسال المساعدات للمدينة الواقعة في أقصى شمال سوريا، غداة إعلان وزارة الدفاع السورية تمديد مهلة اتفاق وقف إطلاق النار مع القوات الكردية 15 يوما.
وأفاد سكان من كوباني وكالة فرانس برس هذا الأسبوع عن نقص في الغذاء والماء والكهرباء، بينما تدفّق آلاف الفارين من مناطق تقدّم إليها الجيش السوري في شمال وشرق البلاد إلى المدينة.
وقالت المتحدثة باسم مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة سيلين شميت لفرانس برس إن “القافلة وصلت”.
وكان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية (أوتشا) في سوريا أعلن عبر منشور على منصة إكس في وقت سابق أنه بالتنسيق مع السلطات “تتجه قافلة مدعومة من الأمم المتحدة مكوّنة من 24 شاحنة إلى كوباني (عين العرب)، محمّلة بمساعدات منقذة للحياة، تشمل الوقود والخبز ووجبات جاهزة، لدعم السكان المتضرّرين من التطورات الأخيرة”.
يأتي ذلك بعدما أعلن الجيش السوري في وقت سابق الأحد في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية (سانا) فتح ممرين إنسانيين أحدهما مع كوباني والآخر مع محافظة الحسكة في شرق البلاد من أجل “إدخال المساعدات والحالات الإنسانية”.
وانسحبت قوات سوريا الديموقراطية (قسد) منذ نهاية الأسبوع الماضي من محافظتي الرقة (شمال) ودير الزور (شرق) حيث غالبية السكان عربية، مقابل تقدّم للقوات الحكومية.
وباتت القوات الحكومية على تخوم كوباني الواقعة في أقصى شمال محافظة حلب قرب الحدود مع تركيا، والمعزولة عن بقية مناطق القوات الكردية التي انسحبت الى معقلها في الحسكة (شمال شرق).
واتهمت القوات الكردية الجيش السوري بفرض “حصار” على المدينة.
وكان حزب المساواة وديموقراطية الشعوب المناصر للأكراد في تركيا دعا السبت إلى رفع “الحصار” المفروض على كوباني، محذرا من “مأساة إنسانية”.
في عام 2015، شهدت كوباني أربعة أشهر من معارك ضارية خاضها المقاتلون الأكراد ضد تنظيم الدولة الإسلامية وتمكنوا من طرده من المدينة التي تحوّلت الى رمز للصمود.
ودفع ذلك باتجاه تلقي الأكراد دعما أميركيا مباشرا، فأصبحت وحدات حماية الشعب الكردية التي قادت قوات سوريا الديموقراطية رأس حربة في التصدي للجهاديين.
ويسري منذ أيام وقف لإطلاق النار في إطار تفاهم أوسع بين الحكومة والأكراد نصّ على استكمال البحث في مستقبل دمج المؤسسات الكردية في محافظة الحسكة في إطار المؤسسات الحكومية بعد انسحاب قوات سوريا الديموقراطية من المناطق التي كانت تحت سيطرتها.
وأعلنت وزارة الدفاع السورية مساء السبت تمديد وقف إطلاق النار بهدف استكمال الولايات المتحدة لعملية نقل سجناء من تنظيم “داعش” من سوريا إلى العراق، والتي كانت بدأتها الأربعاء.
ونقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) شهادة مصورة لطفل تحدث خلالها عن “تعذيب بالكهرباء ضمن صور التعذيب أثناء احتجازه في سجن الأقطان بالرقة من قبل تنظيم قوات سوريا الديمقراطية.
لكن في المقابل قالت الإدارة الذاتية للأكراد إن “قسماً مخصصاً من سجن الأقطان في مدينة الرقة كان يضم عدداً من الأحداث، بعضهم كان تورط في جرائم متنوعة ورفعت في شأنها شكاوى رسمية من المواطنين، فيما وقع آخرون ضحايا للتجنيد والاستغلال من قبل تنظيم ’داعش‘ الإرهابي”.
وأكدت في بيان أنه “نظراً إلى الظروف الأمنية، قامت إدارة السجون بنقل هؤلاء الأحداث قبل نحو ثلاثة أشهر من سجن الأحداث إلى سجن الأقطان. وخلال فترة وجودهم في السجن، خضعوا لمعاملة خاصة تتوافق مع المعايير الدولية، وجرى توفير البرامج التأهيلية المتكاملة التي تهدف إلى إصلاح السلوك، وتأهيلهم نفسياً واجتماعياً، وضمان اندماجهم بصورة سليمة في المجتمع بعد انتهاء مدد احتجازهم”.
قافلة إلى حلب
من جانبها أعلنت اللجنة المركزية لاستجابة حلب، وبالتنسيق مع منظمات الأمم المتحدة، عن إرسال قافلة مؤلفة من 24 شاحنة محماة بالمواد الطبية والإغاثية واللوجيستية إلى منطقة عين العرب في ريف محافظة حلب، دعماً لحاجات الإنسانية والخدمية للأهالي.
وأكدت “سانا” اليوم الأحد “وصول 20 صهريجاً محملة بالنفط الخام، قادمة من حقلي العمر والتنك في ريف دير الزور، إلى الشركة السورية للنفط في بانياس، كأول دفعة من النفط الخام تصل الشركة بعد بسط الجيش العربي السوري سيطرته على المنطقة”.
أعلنت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مساء أمس السبت، تمديد اتفاق وقف إطلاق النار بينهما 15 يوماً، إفساحاً في المجال أمام استكمال العملية الأميركية لنقل معتقلي تنظيم “داعش” إلى العراق.
وبدأت واشنطن عملية نقل آلاف المعتقلين، الذين كانوا في سجون تشرف عليها “قسد” في سوريا إلى العراق، بعد تقدم القوات الحكومية على حساب الأكراد في شمال وشمال شرقي سوريا.
وبعدما كان الطرفان اتفقا على وقف إطلاق النار لأربعة أيام تنتهي ليل السبت، أعلنا تمديد هذا التفاهم.
وقالت وزارة الدفاع السورية، في بيان، “نعلن عن تمديد مهلة وقف إطلاق النار في كافة قطاعات عمليات الجيش العربي السوري لمدة 15 يوماً، وذلك اعتباراً من الساعة 23:00 (20:00 ت غ)”. وأكدت أن ذلك يأتي “دعماً للعملية الأميركية لإخلاء سجناء تنظيم ’داعش‘ من سجون قسد إلى العراق”.
“قسد” تؤكد التزامها الاتفاقية
بدورها، أكدت قوات سوريا الديمقراطية تمديد الاتفاق، وقالت إن ذلك تم “بوساطة دولية، تزامناً مع استمرار الحوار مع دمشق”، وتابعت “تؤكد قواتنا التزامها الاتفاقية، وحرصها على احترامها بما يسهم في خفض التصعيد وحماية المدنيين وتهيئة الظروف اللازمة للاستقرار”.
ويسري منذ أيام وقف لإطلاق النار في إطار تفاهم أوسع بين الحكومة والأكراد نص على استكمال البحث في مستقبل دمج المؤسسات الكردية في محافظة الحسكة (بشمال شرقي سوريا) في إطار المؤسسات الحكومية بعد انسحاب “قسد” من مناطق واسعة في شمال البلاد وشرقها على وقع مواجهة بينها وبين القوات الحكومية.
وكانت مصادر عدة تحدثت لوكالة “الصحافة الفرنسية”، في وقت سابق أمس السبت، توقعت تمديد اتفاق وقف النار لفترة قد تصل إلى شهر. وأوضح مصدر حكومي سوري أن “إتمام عملية نقل معتقلي تنظيم داعش أحد الأسباب خلف التمديد”.
تزامناً مع وقف إطلاق النار، بدأت واشنطن نقل معتقلين من التنظيم المتطرف من سوريا إلى العراق، قالت إن عددهم “يصل إلى 7 آلاف معتقل”.
ووصلت دفعة من 150 عنصراً تضم قادرة بارزين في التنظيم بينهم أوروبيون من أحد سجون الحسكة إلى العراق، الأربعاء الماضي، بحسب ما قال مسؤولان عراقيان الجمعة.
والسبت، أفرجت الحكومة السورية عن 126 قاصراً في الأقل كانوا معتقلين في سجن الأقطان في الرقة (شمال)، وفق ما أفاد الإعلام الرسمي، بعد تسلمها المنشأة من القوات الكردية.
وأظهرت لقطات بثها التلفزيون الرسمي استقبالاً حاشداً للقصّر المفرج عنهم، في حين نشرت وكالة الأنباء الرسمية “سانا” أسماء من لا يزالون في السجن لإتاحة البحث عنهم عبر الإنترنت.
وأفاد التلفزيون بالإفراج عن “126 معتقلاً دون سن 18 سنة من سجن الأقطان” الذي كان يستخدم لاحتجاز عناصر التنظيم.
مستقبل المؤسسات الكردية
كانت الرئاسة السورية أعلنت، الثلاثاء الماضي، التوصل إلى تفاهم جديد مع قوات سوريا الديمقراطية تضمن مهلة أربعة أيام “للتشاور”.
وبحسب نص التفاهم الذي نشرته الرئاسة، لن تدخل “القوات السورية مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي” في حال المضي بالاتفاق، على أن يناقش لاحقاً “الجدول الزمني والتفاصيل الخاصة بالدمج السلمي لمحافظة الحسكة بما في ذلك مدينة القامشلي” ذات الغالبية الكردية.
وذكرت أن قوات الجيش لن تدخل كذلك إلى “القرى الكردية”، حيث “لن توجد أي قوات مسلحة، باستثناء قوات أمن محلية من أبناء المنطقة”.
ويتيح التفاهم لقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي أن يقترح مرشحين لمنصبي مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، إضافة إلى أسماء للتمثيل في مجلس الشعب، بحسب الرئاسة.
وقال المصدر الكردي، إن قوات سوريا الديمقراطية قدمت “مقترحاً عبر الوسيط الأميركي توم براك إلى الحكومة السورية” في إطار المشاورات حول مستقبل المؤسسات الكردية، يتضمن طرحاً بأن “تتولى الحكومة إدارة المعابر والحدود بما يضمن أمن المنطقة ويحافظ عليهاً”.
وقال، إن قوات سوريا الديمقراطية سمت مرشحها لمنصب مساعد وزير الدفاع وسوف تسمي كذلك “قائمة للبرلمانيين”.
وأدت قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد والتي ضمت مقاتلين عرباً، دوراً محورياً في سنوات النزاع السوري. وهي قاتلت بدعم أميركي، تنظيم “داعش”، ونجحت في القضاء عليه تقريباً في سوريا.
وتمكنت نتيجة ذلك من بسط سيطرتها على مناطق واسعة في شمال البلاد وشرقها تضم حقول نفط كبيرة، وأقامت فيها إدارة ذاتية، واعتقلت آلاف المتشددين، قدرت منظمة العفو في أغسطس (آب) 2023 عددهم بقرابة 10 آلاف.
إلا أنه منذ سقوط الرئيس بشار الأسد، أعلنت السلطات السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، تصميمها على توحيد البلاد تحت راية القوات الحكومية. وأجرت مفاوضات مع الأكراد لدمج قواتهم ومؤسساتهم في المؤسسات الحكومية. وتعثرت المفاوضات، وصولاً إلى وقوع مواجهة عسكرية.
تظاهرة في باريس
تظاهر آلاف الأشخاص في باريس، أمس السبت، دفاعاً عن الأكراد في سوريا مطالبين فرنسا بتكثيف دعمها لشمال شرقي البلاد. وذكرت الشرطة الفرنسية أن نحو 7500 شخص شاركوا في التظاهرة.
وردد المتظاهرون هتافات بينها “سينتصر الأكراد” و”لن تسقط كوباني”، ورفعوا لافتات كُتب على عدد منها “دافعوا عن روج آفا” الاسم الكردي للمنطقة ذات الحكم الذاتي في شمال سوريا.
وتأتي هذه التظاهرة في ظل تصاعد التوترات بين الأكراد في سوريا والحكومة في دمشق التي تسعى إلى بسط سيطرتها على كل أنحاء البلاد.
وأكدت فرنسا، الخميس الماضي، أنها لم تتخلَّ عن الأكراد الذين لعبوا دوراً محورياً في محاربة تنظيم “داعش”، إلا أن هذا الموقف لم يُقنع المشاركين في التظاهرة.
وفي وقت سابق هذا الأسبوع، أوقف 24 شخصاً في فرنسا، وأصيب 21 شرطياً بجروح جراء حوادث وقعت على هامش تجمعات مماثلة.
وفي مرسيليا في جنوب فرنسا، حظرت السلطات تظاهرة كانت مقررة أمس، بعد احتجاجات سابقة مماثلة قالت السلطات إنها شهدت “إخلالاً بالنظام العام”.
ويُقدر عدد أفراد الجالية الكردية في فرنسا بما بين 320 و400 ألف نسمة، مما يجعلها ثاني أكبر جالية كردية في أوروبا بعد ألمانيا، بحسب تقديرات المعهد الكردي في باريس، أقدم مؤسسة كردية في أوروبا.
————————
خبير عسكري: هذا ما ستفعله “قسد” لعرقلة الجيش السوري شرق الفرات
تحاول قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تحقيق بعض المكاسب خلال المفاوضات بتنفيذ عمليات خاصة تحت مظلة الهدنة التي قررت الحكومة السورية تمديدها أسبوعين، كما يقول الخبير العسكري العميد حسن جوني.
وتسعى قسد للتملص من التزامات معيَّنة أو تأجيلها أو تحسين ظروف الاتفاق عبر هذه المناوشات التي تقوم بها بعض جيوبها ضد القوات الحكومية، وفق ما قاله جوني في تحليل للجزيرة.
ويتطلب اتفاق الهدنة آلية محدَّدة لتنفيذ عملية دمج قسد في مؤسسات الدولة، وتقدُّم القوات الحكومية في مناطق يقول جوني إن الاتفاق منحها خصوصية وتحديدا عين العرب-كوباني.
وتسعى قسد -على ما يبدو- لتحقيق مكتسبات معيَّنة في عين العرب، لكنها لن تكون قادرة على فرض رؤيتها بالنظر إلى فرض الجيش السوري سيطرة إستراتيجية على مناطق شرق الفرات، برأي الخبير العسكري.
استفزاز واستهداف
ومن المتوقع أن تسعى قسد لاستفزاز القوات الحكومية أو استهدافها لتعطيل إكمال بسط السيطرة شرق الفرات، على غرار الهجوم بالمسيَّرات الذي أعلنه الجيش، وفق جوني، الذي يقول إن المرحلة المقبلة تتطلب معالجة خاصة.
وأمس الأحد، قال الجيش السوري إن قسد نفذت العديد من الخروق للهدنة، وإنه تعامل مع 24 مسيَّرة كانت تستهدف مواقع حكومية وألحقت أضرارا بـ4 سيارات عسكرية.
وفي المجمل، لا تشي المعطيات الميدانية بأن القوات التي تهيمن عليها الوحدات الكردية ستحقق شيئا ملموسا، وإن تمكنت من توجيه بعض الضربات تحت مظلة النقاط التي تتطلب معالجة وتنسيقا في الاتفاق، كما يقول الخبير العسكري.
ووفق تقرير تفاعلي أعده محمود الكن للجزيرة، فقد شهدت عين العرب-كوباني وريف الحسكة اشتباكات بين القوات الحكومية وقسد خلال الساعات الماضية.
واتهمت الحكومة قسد بشن هجمات مدفعية في ريف جرابلس خلال الساعات الـ24 الماضية، وباستخدام مسيَّرات في صرين شرق حلب. في المقابل، اتهمت قسد الحكومة بشن هجمات بمنطقة خراب العاشق في عين العرب، وقرية الصفا بريف الحسكة.
تسليم الأسلحة
في غضون ذلك، قال مراسل الجزيرة إن عناصر من قسد بدأت تسليم أسلحتها إلى قوات الأمن الداخلي بمدينة الرقة. كما افتتحت الحكومة مبنى لمراجعة حالات قسد وتسويتها وتسلُّم أسلحتها في دير الزور.
وأعلنت وزارة الدفاع السورية تفكيك العديد من العبوات الناسفة التي زرعتها قسد، في وقت سابق، شرقي مدينة حلب.
ومدَّدت الحكومة هدنة الأيام الـ4 أسبوعين لتهيئة ظروف نقل سجناء تنظيم الدولة الذين كانوا في سجون قسد إلى العراق، وقالت إن لديها خيارات للتعامل مع أي تراجع عن اتفاق الاندماج.
المصدر: الجزيرة
——————-
مظلوم عبدي: نستغل فترة الهدنة لإجراء تقدم عملي في اتفاق 18 ديسمبر
القائد العام لـ«قسد»: الجيش لن يدخل كوباني لكن مؤسساتنا ستندمج مع المؤسسات الحكومية
26 يناير 2026 م
أعلن القائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، مظلوم عبدي، أن مساعي تُبذل منذ فترة من أجل وقف إطلاق النار، موضحاً أن الوقف الحالي جاء بـ«طلب من الجيش الأميركي».
وقال: «نحن مستعدون لتطبيق الاتفاق خلال المدة القصيرة القادمة، وهناك تفاهمات على أمور عديدة»، لافتاً في حديث لقناة «روناهي» الكردية: «سنستغل فترة الهدنة ونحاول إجراء تقدم عملي في اتفاق 18 ديسمبر (كانون الأول) خلال هذه الفترة».
وأوضح أنه «حسب الاتفاق، لن تدخل القوات الحكومية المناطق الكردية؛ لكن مؤسساتنا ستندمج مع المؤسسات الحكومية».
وتابع بأنه تم الطلب من دمشق عدم دخول المدينة، وقد أبدت الأخيرة موافقتها، معرباً عن أمله في الالتزام بذلك. وذكر أن أي حل بشأن كوباني وقامشلي، يجب أن يشمل سري كانيه (رأس العين) وعفرين أيضاً.
وتابع: «نحن من جانبنا نسعى لاغتنام فترة وقف إطلاق النار لتنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه». وبيَّن أن «ما هو قائم هو مفاوضات، وهناك بعض النقاط التي اتفق عليها الطرفان. وبالتأكيد، هناك بعض المطالب الموجهة إلينا أيضاً».
ولفت إلى أن المهلة الحالية ستُستكمل بخطوات جدية نحو الاندماج، موضحاً أن «قوات سوريا الديمقراطية» مستعدة لتطبيق اتفاق 18 ديسمبر مع دمشق خلال فترة قصيرة، مؤكداً أنه تم اقتراح أسماء لتولي منصبَي مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، دون التوصل حتى الآن إلى قائمة متفق عليها.
عبدي أشار خلال حديثه إلى أن المفاوضات مع دمشق تتم برعاية دولية، وبمشاركة الولايات المتحدة بمؤسساتها السياسية والعسكرية، إضافة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مؤكداً في الوقت ذاته أن ما يجري لا يمكن اعتباره اتفاقاً نهائياً، وأوضح أن المساعي الدولية للتهدئة يعتمد نجاحها على التزام دمشق وتنفيذها للمطالب المطروحة، مؤكداً أن هذه الجهود ستنجح ما لم تُفرَض شروط «غير مقبولة».
في السياق، نوَّه القائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، إلى أن «هناك خطَّ اتصالٍ مفتوحاً» مع دمشق، و«وفقاً للاتفاق المبرم، لا ينبغي للجيش أن يدخل المناطق ذات الغالبية الكردية».
وأكد عبدي مواصلة «المقاومة» إلى حين التوصل إلى اتفاق وحل مع الحكومة السورية؛ مشيراً إلى أن كوباني -كما في عام 2014- ستقود هذه المقاومة.
وكانت قوات «قسد» قد أفادت، الاثنين، بأن اشتباكات عنيفة اندلعت مع فصائل تابعة للحكومة السورية جنوب شرقي كوباني، بعد قيام الأخيرة بشن هجمات منذ فجر اليوم على قواتها.
وأضافت -في بيان- أن الاشتباكات لا تزال مستمرة؛ خصوصاً في بلدة الجلبية «في ظل إقدام الفصائل المعتدية على جلب تعزيزات عسكرية إضافية تشمل دبابات وآليات مدرعة، بالتزامن مع تحليق مكثف للطيران المسيَّر التركي في أجواء المنطقة».
واتهمت وزارة الدفاع السورية، أمس، «قسد»، بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، وقصف مواقع الجيش بمحيط مدينة كوباني بأكثر من 25 طائرة مُسيَّرة.
——————————
حقل العمر.. موقع جيوسياسي تحوّل إلى كابوس بيئي واقتصادي
23 يناير 2026
رصدت كاميرا “الترا سوريا”، في حقل العمر النفطي بمحافظة دير الزور، مشاهد صادمة لخراب بيئي واقتصادي كبير خلّفته سنوات الحرب، حيث يغيب أي أثر للعمل أو الإنتاج عن هذا المرفق الحيوي الذي كان يمثّل شريان الاقتصاد السوري.
وظهرت في اللقطات برك نفط راكدة وحفر تغلي بمزيج من المياه الملوثة والغازات المتصاعدة، في مؤشر على تسرّبات نشطة مستمرة، فيما تبدو البنى التحتية للمنشأة الصناعية العملاقة مهدمة ومتهالكة تمامًا، وهو مشهد يختزل تحوّلات الحقل المصيرية عبر سنوات الحرب.
فقد شكّل الحقل، الذي اكتُشف عام 1987 ويحوي احتياطيات تقارب 800 مليون برميل، العمود الفقري للاقتصاد السوري قبل الحرب، حيث كان ينتج لوحده ما يصل إلى 40% من إجمالي الإنتاج النفطي للبلاد.
ومع اندلاع الحرب، تحوّل الحقل ذو الموقع الجيوسياسي الحاكم بالقرب من الحدود العراقية، إلى نقطة التهاب كبرى وهدف استراتيجي. فانتقلت السيطرة عليه من يد النظام السوري السابق إلى فصائل المعارضة، ثم استولى عليه تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الذي استغله مصدرًا رئيسيًا للتمويل عبر عمليات تهريب منظمة وإنتاج بدائي.
وبعد ذلك، دخل الحقل مرحلة طويلة من السيطرة العسكرية غير المباشرة للقوات الأميركية عبر “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، حيث تحوّلت منشآته إلى قاعدة عسكرية متكاملة لإدارة العمليات في المنطقة، مستفيدة من طبيعته الصحراوية المكشوفة وبنائه الصناعي الواسع الذي يجعله موقعًا حصينًا.
وترك هذا التسلسل المعقّد من السيطرة، حيث تنقّلت إدارة الحقل بين أطراف متعددة أولوياتها عسكرية وسياسية في الغالب، وراءه دمارًا هائلًا في البنى التحتية الصناعية، وأضرارًا بيئية بالغة تبدو واضحة في المشاهد الحالية.
—————————-
وزارة التربية تصدر التعليمات التنفيذية لتدريس اللغة الكردية
26 يناير 2026
أصدر وزير التربية والتعليم، محمد عبد الرحمن تركو، اليوم القرار رقم /943/ المتضمن التعليمات التنفيذية للمرسوم الجمهوري رقم /13/ لعام 2026، الذي يتعلق بتنظيم عمل الوزارة. ويهدف القرار إلى ترجمة أحكام المرسوم إلى إجراءات عملية تضمن تعليمًا متكافئًا لجميع الأطفال السوريين.
وأوضح الوزير أن التعليمات تركز على الالتزام بمبدأ تكافؤ الفرص واحترام التنوع الثقافي والحضاري في سوريا، في إطار تعزيز الهوية الوطنية الموحدة. وتشمل التعليمات إعداد مناهج اللغة الكردية وفق معايير تربوية معتمدة، وتأمين الكوادر التعليمية المؤهلة وتدريبها، بالإضافة إلى تعديل الخطط الدراسية بما يتوافق مع الخطة الوطنية.
كما حددت التعليمات آلية اختيار المدارس التي ستُدرّس فيها اللغة الكردية، وذلك في المناطق التي يشكل فيها المواطنون الكرد نسبة ملحوظة من السكان. وشمل القرار تشكيل لجنة متابعة وإشراف مركزية ودائمة برئاسة الوزير، لمتابعة التنفيذ ومعالجة أي معوقات فنية أو لوجستية لضمان انتظام العملية التعليمية.
وأكد تركو أن هذه الخطوة تعكس التزام الوزارة بتعليم شامل وعادل لكل طفل سوري، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، بما يساهم في إثراء النسيج المجتمعي السوري.
وسبق أن أعلنت وزارة التربية البدء الفوري في إعداد التعليمات التنفيذية والإطار التنظيمي اللازم لتطبيق المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع، وينص على اعتماد اللغة الكردية لغةً وطنيةً والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية.
جاء ذلك في بيان رسمي للوزارة أكدت فيه أن هذه الخطوة تمثل ترجمة عملية للتوجه الوطني الرامي إلى تعزيز قيم المواطنة المتساوية وترسيخ الحقوق الثقافية واللغوية للمواطنين الكرد، باعتبارهم مكونًا أصيلًا من النسيج المجتمعي السوري.
وأوضح البيان أن العمل جارٍ حاليًا على استكمال جميع المتطلبات التنظيمية والتربوية، بما يضمن تطبيقًا متوازنًا يراعي الأصول التعليمية والمعايير الأكاديمية المعتمدة.
———————————
المجلس الوطني الكردي لـ”عبدي”: خيار الحرب مع دمشق كارثي ولن ندعمه
2026.01.26
كشف مصدر مطّلع لموقع تلفزيون سوريا، عن تحذير “المجلس الوطني الكردي” لقائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي، من اتخاذ قرار المواجهة العسكرية مع الحكومة السورية، مؤكداً أن هذا الخيار يُعدّ “كارثياً” على الكرد السوريين.
ولفت المصدر إلى أن “المجلس الوطني” أكد لقائد “قسد” عدم دعمه لهذا الخيار، حيث جاء ذلك خلال اجتماع عُقد بين الطرفين، أمس الأحد، في قاعدة “استراحة الوزير” بالحسكة، لبحث آخر التطورات الميدانية والسياسية شرقي البلاد.
وشدد المجلس خلال اللقاء على رفض اللجوء إلى المواجهة العسكرية مع الحكومة السورية، وضرورة دعم “قسد” جميع الجهود المحلية والإقليمية والدولية لإنجاح اتفاق 18 آذار/يناير، وحل الخلافات عبر المفاوضات والحوار.
“المجلس الوطني” يحمّل “قسد” مسؤولية ما يحصل
وبحسب المصدر، فإن “المجلس الوطني” حمّل “قسد” و”حزب الاتحاد الديمقراطي” مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع شرقي البلاد، من جراء تفردهم باتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بـ”الأكراد”.
وقال المصدر إن عبدي عبّر خلال الاجتماع عن دعمه لإنجاح الاتفاق مع دمشق، ودعمه لجهود واشنطن وباريس وإقليم كردستان، بهدف حل الخلافات عبر الحوار.
وأشار عبدي إلى أن التواصل مستمر مع دمشق على مدار الساعة للحفاظ على وقف إطلاق النار، وإحراز تقدم في تطبيق بنود الاتفاق، وفقاً للمصدر.
ويرى “عبدي” أن هناك حاجة لتوضيح وفهم بعض تفاصيل الاتفاق، بما يضمن حفاظ “قسد” على “المكتسبات” في المناطق الكردية بسوريا، من عفرين وعين العرب (كوباني) إلى الحسكة، بحسب ما ذكر المصدر.
وأمس قال عبدي، خلال لقاء مع قناة “روناهي”، إن “اتفاقية وقف إطلاق النار مع الحكومة السورية جاءت برعاية أميركية”، مؤكداً أن “الحوار مستمر مع دمشق، وهناك تفاصيل أخرى سيتم مناقشتها”.
وأوضح عبدي أنه “بعد انقضاء هذه المهلة سيتم اتخاذ خطوات جدية نحو الاندماج، ووفق هذه الاتفاقية فإن الجيش السوري لن يدخل المنطقة”.
وقال إن جميع الأطراف تريد حلولاً سياسية بعيداً عن العسكرة، ولا تزال قنوات الحوار والمفاوضات مستمرة مع الحكومة السورية برعاية دولية.
اتفاق وقف إطلاق النار
وكانت وزارة الدفاع السورية أعلنت، مساء السبت، تمديد مدة وقف إطلاق النار في شمال شرقي سوريا، الذي بدأ الثلاثاء الفائت، عقب توصل الحكومة السورية و”قسد” إلى تفاهمات جديدة، حيث قالت الأخيرة إنها ستلتزم به.
وقالت وزارة الدفاع السورية، عبر معرّفاتها الرسمية، إنها ستمدد وقف إطلاق النار في جميع قطاعات عمليات الجيش العربي السوري لمدة 15 يوماً، وذلك اعتباراً من الساعة 23:00 من يوم 24 كانون الثاني/يناير 2026.
بدورها، أوضحت “قسد”، في بيان، أن الاتفاق جرى تمديده بوساطة دولية، بالتزامن مع استمرار الحوار، بحسب ما ذكرت وكالة أنباء “هاوار”.
وبحسب البيان، فإن “قسد” ستلتزم بالاتفاق، معتبرةً إياه “خطوة تهدف إلى خفض التصعيد وحماية المدنيين، إضافة إلى تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الاستقرار في المنطقة”.
وأعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، مساء الأحد، عن تصاعد خروقات “قسد” لاتفاق وقف إطلاق النار في محيط منطقة عين العرب بريف حلب الشمالي، مؤكدةً أن الجيش يدرس حالياً خياراته الميدانية للرد على استهداف مواقع انتشاره والأهالي.
وقالت الهيئة في تصريحات لوكالة الأنباء السورية (سانا) إن “قسد” استهدفت مواقع انتشار الجيش السوري بأكثر من 25 مسيّرة انتحارية من نوع FPV، ما أدى إلى تدمير أربع آليات عسكرية.
وأضافت أن “قسد” صعّدت اعتداءاتها عبر استهداف طريق M4 والقرى المحيطة به عدة مرات، الأمر الذي أسفر عن إصابة عدد من المدنيين.
وأشارت الهيئة إلى أن “قسد” واصلت نهج الاعتقال الممنهج بحق الأهالي، حيث أقدمت على حصار بعض العائلات في محيط قرية الشيوخ بهدف اعتقال أبنائهم، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات مع عدد من الأهالي ووقوع إصابات بينهم.
————————————————
نداء «أبناء الجزيرة» ضد خطاب الكراهية
إن الموقعين على هذا النداء، على اختلاف انتماءاتهم، يدعون إلى نبذ جميع أشكال خطاب الكراهية، ورفض الترويج للحرب، ورفض منطق التعميم.
كما نحمّل الأفراد والفاعلين الاجتماعيين، والنخب السياسية والثقافية والإعلامية، مسؤولية أخلاقية خاصة في مواجهة هذا الخطاب، وندعوهم إلى الالتزام بلغة مسؤولة، تُدرك أن الكلمة قد تكون أداة إنقاذ وبناء، كما قد تتحوّل إلى أداة هدم وخراب.
لقد تحوّل الفضاء الإلكتروني، خلال سنوات الأزمة السورية، ومع تعقّد الظرف الراهن، إلى مساحة مفتوحة لترويج خطاب الكراهية والتحريض والانقسام القومي والديني؛ خطابٍ لا يخدم سوى تعميق الشرخ المجتمعي، وجرّ الناس إلى صراعات وكوارث لن يكون لأي طرف فيها مصلحة أو مكسب.
من الواضح أن هذا الخطاب الذي ظهر خلال تعقيدات الأزمة السورية يُغذّى اليوم عبر حملات منظّمة، وذباب إلكتروني، وتضخيم ممنهج تؤديه خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، بما يكرّس صورًا نمطية مشوّهة عن أبناء المنطقة، ويهدّد السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي.
وإذ نؤكد أن التعدد القومي والديني ظاهرة موضوعية ومتجذّرة في تاريخ سوريا، وأن الاختلاف السياسي ظاهرة طبيعية ومشروعة، وأن الخلافات العامة يجب أن تُدار بالحوار والتفاوض والوسائل السلمية، فإننا نميّز بوضوح بين ذلك كله وبين خطاب الكراهية والتحريض والثأر والانتقام، الذي يستند إلى الغرائز، ويقوّض أسس المجتمع، و يمكن أن يحوّل الخلاف إلى صراع وجودي مدمّر.
إن نداءنا هذا ليس موجّهًا ضد أي جهة، بل ضد خطاب الكراهية ذاته، أيًا كان مصدره أو مبرراته. وهو دعوة مفتوحة إلى جميع أبناء الجزيرة، عربًا وكردًا وسريانًا آشوريين وأرمن، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين، كموقف جماعي يحمي مجتمعنا من الانزلاق إلى العنف والانقسام، ويصون قيم العيش المشترك والاحترام المتبادل.
1- بشير خلف حسن .مهندس
2- ذو النون خزنوي .طبيب
3- عبد المسيح قرياقس كاتب. معتقل سياسي سابق
4- محمد اليساري شاعر – كاتب
5- عبد الفتاح حسين مهندس وناشط سياسي
6- عبد الحكيم عبد القادر ناشط حقوقي
7- عروبة الغبراوي ناشطة سياسية
8- منتهى العيادة روائية
9- مروان شكرو مهندس
10- إبراهيم يوسف كاتب وشاعر رئيس مجلس أمناء حقوق الانسان ماف
11- عطية العلي مدرس
12- بكر الحسيني ناشط سياسي
13- عوينان العاصي الجربا
14- عبد الله الشاهين دكتور مهندس
15- احمد كورمي شاعر وناشط
16- طلعت اليونس محامي
17- جميل داري. شاعر
18- ريمون القس. صحفي
19- علي عبدالله. مهندس
20- احمد إسماعيل كاتب
21- دلدار آشتي .شاعر
22- عمران علي. شاعر
23- فايز العباس. شاعر
24- خلات احمد. شاعرة ومترجمة
25- علي جنيدي. مترجم
26- محسن سيدا. مترجم
27- خالد بهلوي. كاتب
28- عصام حوج. اعلامي
29- عارف حمزة كاتب وناشط حقوقي
30- عيسى الشيخ حسن شاعر وروائي
31- جان دوست. روائي
32- راج آل محمد. مترجم
33- عبدالله الفارس. دكتور جامعة حلب
34- كابي شمعون. ناشط
35- حسن الشاحوت – شاعر
36- ميديا محمود صيدلانية – ناشطة مستقلة
37- علي أحمد شاعر
38- نصار فرجو مهندس
38- جميل داري شاعر
39- . ولات محمد ناقد
40- حواس محمود باحث
41- حفيظ عبد الرحمن شاعر- مدرب في مجال حقوق الانسان
42- نصر محمد كاتب وشاعر
43- ايهم اليوسف صحفي وكاتب
44- ريبر هبون كاتب وباحث
45- فواز المطلق صحفي
46- عمران شيخو مهندس وناشط سياسي
47- زياد حسن محامي وناشط حقوقي
48- فايز علي، طبيب وناشط انساني
49- محمد محمود الفاضل محامي
50- شفان عبد الله مدرس
51- د. محمد صالح الزوبع
52- عامر النعمان مدرس
53- زهير احو مدرس
54- ميعاد حسن مهندس
55- حوتي الياس حوتي محامي
56- قحطان العبوش صحافي
57- محجوب موسى كاتب
58- صبحي دقوري كاتب .مترجم
59- وليد حسني شاعر
60- عامر الحاج حسين محامي
61- احمد سلي محامي
62- عبد العزيز شيخو – نقابي
63- عادل خليل مهندس
64- رسمية بدران. فنانة تشكيلية
65- علي جمعة الكعود شاعر
66- محمد صالح علي ناشط سياسي
67 -خوشناف خليل
68- مانوك ليون ناشط مدني
69- كاميران خلف مهندس
70- رضوان احمد ناشط سياسي
71- جان رسول نقابي
72- جان سعدون مهندس
73- صالح نمر ناشط سياسي
74- كريم العفنان صحفي
75 – اسامة ادوارد – صحفي
76- الشبكة الاشورية لحقوق الانسان
77- محمد السموري – كاتب
78- متيوت حسن مدرّس
79- عبد الحليم قجو مدرّس
80 جورج قرياقس . فنان
81-ديلان بشير طبيبة
82- محمد راشد احمد
83- محمد لطيف احمد محاسب قانوني
84 – انور عبد القادر الخطيب مدرس
85 رضوان محمد امين مدرس
86 -د.محمد فارس استاذ جامعي
87- د.فاروق اسماعيل استاذ جامعي
88 – حسين جانكير طبيب
89 عمران عبد الباقي الحسين مدرّس
90- نيروز محمود مدرسة
91 – فريد ملا أحمد روائي
92- شكري الداود . مسرحي
93- ميرزا عيسى
94 – خضر الخضر
95 خليل حسين – محرر بموقع السفينة
اتمنى من الاصدقاء والصديقات نشر المنشور واضافة اسمائهم او التواصل لاضافة الاسماء لمن يرغب مع كل كل المودة
—————–
اعتقلته “قسد”وعثر عليه في سجن “الأقطان”.. الإفراج عن الصحفي فراس البرجس في الرقة
2026.01.26
أفادت وكالة الأنباء السورية “سانا”، اليوم الإثنين، بإطلاق سراح الصحفي فراس البرجس في مدينة الرقة وذلك بعد تغييب دام أكثر من شهرين في سجن “الأقطان” الذي كانت تديره “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
ونشرت “سانا” صوراً للبرجس عقب الإفراج عنه من السجن وذلك بعد تسلّمه من قبل وزارة العدل السورية عقب خروج مقاتلي “قسد” منه قبل أيام.
ونشرت صفحات محلية على مواقع التواصل، اليوم، قائمة بأسماء الموقوفين في سجن “الأقطان” الذي حوّلته “قسد” إلى مركز اعتقال ضخم على خلفيات أمنية وسياسية، وكان البرجس واحداً منها، وذلك بعد تضارب الأنباء حول مصيره.
اعتقال الصحفي فراس برجس
وكانت دورية أمنية تابعة لقسد قد اعتقلت الناشط الإعلامي فراس البرجس في 8 كانون الأول الفائت من مكان سكنه في حي المساكن الشبابية بمدينة الرقة، من دون إبراز مذكرة اعتقال رسمية.
وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تعرض البرجس للضرب في أثناء اعتقاله، ونُقل إلى مقر الاستخبارات في شارع النور بالرقة، حيث احتُجز حتى 16 كانون الأول الفائت، مع منعه من التواصل مع عائلته أو توكيل محام، في انتهاك واضح لحقوقه القانونية.
أحالته إلى “محكمة الإرهاب”.. الشبكة السورية تدين اعتقال “قسد” صحفياً في الرقة
وأشارت الشبكة إلى نقله لاحقاً إلى ما يسمى “محكمة الإرهاب” في مدينة عين العرب، حيث وُجهت إليه اتهامات بالتعامل مع مؤسسات إعلامية حكومية.
ودانت الشبكة اعتقال البرجس واحتجازه التعسفي، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه، ووقف ممارسات الاعتقال التعسفي بحق الصحفيين والإعلاميين، وضمان عدم ملاحقتهم بسبب عملهم المهني أو آرائهم.
—————-
سفارة ألمانيا بدمشق: صور الأطفال المحررين من الرقة صادمة
الاثنين 2026/01/26
قال القائم بأعمال السفارة الألمانية في دمشق كليمنس هاخ، في تصريح لـ”تلفزيون سوريا”، إن الصور القادمة من الرقة للأطفال المحررين “مؤثرة جدا وصادمة”، معرباً عن أمله في أن يتمكن هؤلاء الأطفال بسرعة من العودة إلى حضن عائلاتهم، ومشدداً على ضرورة الكشف الكامل عن ظروف احتجازهم “بلا أي استثناء”.
View this post on Instagram
A post shared by Syria TV تلفزيون سوريا (@syr_television)
ويأتي تصريح هاخ في سياق موجة تفاعل واسعة رافقت الإفراج عن عشرات القاصرين من سجن الأقطان في ريف الرقة، بعد تسلم السلطات السورية السجن من “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن ترتيبات انتقال السيطرة على منشآت أمنية وسجون في شمال شرقي البلاد.
وأفادت وسائل إعلام رسمية وتقارير دولية بالإفراج عن 126 محتجزاً دون سن 18 عاماً من سجن الأقطان، مع نقلهم إلى مدينة الرقة وتسليمهم لعائلاتهم، وسط تجمعات كبيرة للأهالي.
وتداول ناشطون مقاطع فيديو لشهادات مصورة لبعض الأطفال المفرج عنهم تتضمن سوء معاملة وتعذيب، بينها رواية طفل تحدث عن التعذيب بالكهرباء خلال احتجازه، في المقابل، قال بيان منسوب لإدارة السجون التابعة لـ”قوات سوريا الديموقراطية” تحدث عن وجود قسم مخصص للأحداث، وعن تصنيفات مختلفة لمن وضعوا هناك، مع حديث عن دوافع أمنية ونقل سابق من سجن أحداث.
————————–
=====================
تحديث 25 كانون الثاني 2026
———————————
رهانات “قسد” الخاطئة… وتحديات دمشق/ إبراهيم حميدي
ما تكشفه الأيام الأربعة عشر ليس نهاية “قسد” كقوة محلية، لكنه نهاية مرحلة كاملة من الرهان السياسي. مرحلة افترضت أن الجغرافيا محصّنة، وأن الخارج ثابت
25 يناير 2026
لم تكن سيطرة قوات الحكومة السورية على معظم مناطق “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بآقل من أسبوعين، مجرد تطور ميداني سريع، بل كانت نتيجة مباشرة لمسار من سوء الحسابات لدى قيادة “قسد”. ما جرى كشف أن المشكلة لم تكن في ميزان القوة وحده، بل في القراءة الخاطئة لتحولات الداخل السوري، وتبدّل حسابات الإقليم، وحدود الالتزام الدولي ودعم الحلفاء.
لسنوات، بنت “قسد” استراتيجيتها على افتراض أن الزمن يعمل لصالحها. دولة مركزية ضعيفة، بيئة دولية منقسمة، وحماية أميركية يُفترض أنها ثابتة. لكن هذه الفرضية بدأت تتآكل تدريجيا مع تغيّر المعادلات نهاية العام الماضي، إلى أن انهارت نهائيا خلال أسبوعين فقط، نتيجة أربعة رهانات خاطئة.
الأول كان سياسيا بامتياز: الرهان على فشل الرئيس أحمد الشرع. قرأت “قسد” المرحلة الجديدة في دمشق بعد سقوط الأسد نهاية 2024 باعتبارها لحظة ارتباك، وتوقعت أن يقود الانتقال السياسي إلى عزلة خارجية للنظام الجديد وانقسامات داخلية وحروب فصائلية تتيح تكريس واقع “الإدارة الذاتية” والانفصال غير المعلن شرق الفرات. رهانها على بقاء النظام في العزلة تعزز بعد انتهاكات الساحل والسويداء. ورهان “الإدارة الكردية” تعزز بعد حصول “الإدارة الذاتية” في السويداء على حماية إسرائيلية، بل ان تطرح ادارتها نموذجا لحكم كل البلاد او ان تكون “شريكة في صوغ سوريا المستقبل”.
غير أن هذا الرهان تجاهل أن السلطة الجديدة اختارت البرغماتية بدل المغامرة، ونجحت خلال فترة قصيرة في إعادة فتح قنوات دولية، وتقديم نفسها بوصفها شريكا ممكنا في ملفات الأمن والاستقرار، بل أصبحت شريكة لأميركا بقتال”داعش”. وهذا التحول لم يمنح دمشق شرعية مجانية، لكنه أعاد لها هامش المبادرة، وقلّص المساحة التي كانت تراهن عليها “قسد” للمناورة السياسية، سواء في علاقتها مع الخارج أو في إدارة مناطق نفوذها.
الرهان الثاني كان على القوة الذاتية. افترضت “قسد” أن بنيتها العسكرية والأمنية وسلاحها الأميركي وعقيدتها كافية لفرض توازن ردع طويل الأمد. لكنها أغفلت عنصرا حاسما: البيئة الاجتماعية. فالعشائر العربية التي شكّلت جزءا من معادلة السيطرة، أو وفّرت غطاء اجتماعيا لها وترددت في الانشقاق في زمن نظام الأسد، لم تجد في المواجهة المقبلة ما يستحق القتال. بعض هذه العشائر شعر بالتهميش، وبعضها ضاق بالسياسات الأمنية والاقتصادية، وبعضها قرأ التحول مبكرا وفضّل عدم الوقوف في الخندق الخاسر. وهكذا، تحوّل التفوق العسكري إلى عبء، وسقطت السيطرة بسرعة غير متوقعة في المناطق العربية شرق الفرات.
الرهان الثالث كان إقليميا، وتحديدا على إسرائيل. توقعت “قسد” أن يؤدي أي تمدد حكومي في مناطق نفوذها إلى تدخل إسرائيلي، مباشر أو غير مباشر، يعيد خلط الأوراق ويوقف المسار، بناء على “وعود” مسؤولين إسرائيليين بعثوا بها في هذا المعنى لقيادات في “قسد”.
لكن إسرائيل لم تتدخل، لأن حساباتها لم تكن يوما معنية بحماية ترتيبات محلية مؤقتة، بل محكومة بأولوياتها الأمنية الخاصة، ومنع تهديدات استراتيجية كبرى. ولا يمكن تجاهل التفاهمات التي حصلت في الاجتماع السوري الإسرائيلي في باريس، بحضور أميركي ومساهمة تركية.
أما الرهان الرابع، والأكثر حساسية، فكان على الولايات المتحدة الأميركية. لسنوات، تصرفت “قسد” على أساس أن الوجود الأميركي ضمانة سياسية وعسكرية طويلة الأمد. لكن التجربة أثبتت مرة أخرى أن السياسة الأميركية لا تُدار بمنطق الوفاء للحلفاء المحليين، بل وفق حسابات الكلفة والمصلحة، خصوصا في إدارة دونالد ترمب صديق رجب طيب أردوغان وبنيامين نتنياهو.
هذا التحول لم يبقَ ضمنيا، بل جرى التعبير عنه بوضوح في البيان الصادر قبل أيام عن توم باراك صديق ترمب ومبعوثه. فقد أكد أن أعظم فرصة متاحة أمام الأكراد هي “الاندماج الكامل” في الدولة الجديدة، وأن مبررات الشراكة الأميركية مع “قسد” لمكافحة “داعش” قد “انتهت صلاحيتها” بعد قيام حكومة مركزية معترف بها، راغبة وقادرة على تولي المسؤوليات الأمنية، وأصبحت عضوا بالتحالف الدولي ضد “داعش”.
الأهم في هذا الموقف أنه رسم حدود المستقبل بوضوح: لا مصلحة أميركية في وجود عسكري طويل الأمد، ولا دعم للانفصال أو الفيدرالية، بل تركيز على تيسير اندماج “قسد”، وتسليم سجون “داعش” والمخيمات والمنشآت الحيوية إلى دمشق. بهذا المعنى، لم يعد الرهان على الغموض الأميركي ممكنا، لأن السقف السياسي بات معلنا وصريحا.
لكن حسم ملف “قسد” لا يعني أن الطريق بات ممهدا بالكامل أمام دمشق. فالأيام المقبلة تضع الحكومة السورية أمام أربعة تحديات أساسية سيُقاس على أساسها نجاح ما بعد الحسم. الأول، خطر عودة “داعش”، في ظل التقارير عن هروب عناصر من التنظيم من السجون. الثاني. مشاركة مقاتلي “حزب العمال الكردستاني” إلى جانب “وحدات حماية الشعب” في بعض المناطق ذات الغالبية الكردية، وهو ملف بالغ الحساسية داخليا وإقليميا لارتباطه بتركيا وغيرها.
أما التحدي الثالث فهو خطر الانتقامات المتبادلة، ولا سيما بين العشائر البدوية وبعض المكونات الكردية، بعد سنوات من الاحتقان والتوتر. ويبقى التحدي الرابع مرتبطا بضرورة ضبط سلوك المقاتلين على الأرض، ومنع أي انتهاكات أو تجاوزات. فالنجاح الطويل لن يُقاس فقط بالسيطرة، بل بفرض القانون، ومنع الفوضى، وبناء الثقة في مرحلة ما بعد الصراع. وآخر ما تريده دمشق، “تمرد كردي” بامتداد إقليمي أو اقتتال عرقي بجروح قديمة.
ما تكشفه الأيام الأربعة عشر ليس نهاية “قسد” كقوة محلية، لكنه نهاية مرحلة كاملة من الرهان السياسي. مرحلة افترضت أن الجغرافيا محصّنة، وأن الخارج ثابت، وأن الداخل قابل للإدارة بالقوة. غير أن المشهد السوري دخل طورا جديدا، أكثر سيولة وأقل يقينا. ومن يواصل القراءة بعقلية الأمس، سيجد نفسه خارج المعادلة، لا بسبب هزيمة عسكرية فقط، بل بسبب سوء تقدير سياسي.
المجلة
————————-
لماذا مددت دمشق و”قسد” وقف إطلاق النار؟ وما المنتظر الآن؟
أثار إعلان الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” تمديد اتفاق وقف إطلاق النار بينهما لمدة 15 يوما تساؤلات بشأن دوافع هذه الخطوة، في ظل التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة في الشمال السوري، وتزامنها مع بدء عملية أمريكية لنقل معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية إلى العراق.
فقد أعلنت وزارة الدفاع السورية، في بيان مقتضب مساء السبت، تمديد مهلة وقف إطلاق النار لمدة 15 يوما، قائلة إنه يأتي دعما للعملية الأمريكية لإجلاء سجناء تنظيم الدولة من سجون قسد إلى العراق.
بدورها، أكدت قسد تمديد الاتفاق، وقالت إن ذلك تم “بوساطة دولية، تزامنا مع استمرار الحوار مع دمشق”.
الدور الأمريكي
تشير المعطيات المتوفرة وآراء الخبراء إلى أن الطرف الأمريكي يقف في صلب قرار تمديد الهدنة.
فقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” الأربعاء الماضي إطلاق عملية لنقل معتقلي تنظيم الدولة من شمال شرقي سوريا إلى العراق، مشيرة إلى نجاح قواتها في نقل 150 عنصرا كانوا محتجزين في مركز اعتقال بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا إلى موقع داخل الأراضي العراقية.
وفي هذا السياق، قال الأكاديمي والباحث السياسي كمال عبدو للجزيرة إن واشنطن تدخلت بشكل مباشر لطلب الهدنة، في سياق مرتبط بعملية نقل الآلاف من معتقلي تنظيم الدولة من سجون كانت تشرف عليها قسد.
وأضاف عبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى تجنب أي تصعيد عسكري قد يعرّض قواتها المنتشرة في منطقة جغرافية محدودة شمال شرقي سوريا لخطر الاستهداف، سواء عن طريق الخطأ أو نتيجة احتكاك مباشر بين القوات السورية وقوات قسد.
كما تهدف الهدنة، بحسب كمال عبدو، إلى توفير ظروف آمنة لاستكمال نقل المعتقلين من مقاتلي تنظيم الدولة إلى خارج سوريا، بالتوازي مع تقليص الوجود العسكري الأمريكي في سوريا.
وتنسجم هذه القراءة مع ما أعلنته وزارة الدفاع السورية، التي أكدت أن تمديد وقف إطلاق النار يأتي “دعما للعملية الأمريكية لإخلاء سجناء تنظيم داعش (تنظيم الدولة)”، ومع إعلان القيادة المركزية الأمريكية بدء نقل مئات المعتقلين، على أن تشمل العملية ما يصل إلى 7 آلاف عنصر.
إعلان
الهواجس الإقليمية
ولا ينفصل قرار التمديد، بحسب كمال عبدو، عن مخاوف من تداعيات إقليمية أوسع، محذرا من تصاعد التحريض والتوتر بين العرب والأكراد في المنطقة، وما قد يحمله ذلك من مخاطر انتقال الصراع إلى دول الجوار، لا سيما تركيا والعراق.
وفي هذا السياق، يبدو وقف إطلاق النار محاولة لاحتواء التوتر ومنع انفجار عسكري واسع في مرحلة تشهد إعادة رسم لموازين القوى في شمال سوريا، بعد تقدم القوات الحكومية وانسحاب قسد من مناطق عدة، من بينها مخيم الهول ومحيطه.
وقال عبدو: “نحن أمام مشهد معقد لا يقتصر تأثيره على الأراضي السورية، بل يمتد إلى كامل المنطقة، فواشنطن أنهت مهمتها في سوريا وما تبقى منها هو شيء بسيط جدا يتعلق بنقل مقاتلي تنظيم الدولة وسحب قواتها”.
هدنة مؤقتة أم تسوية دائمة؟
داخليا، يعكس التمديد واقعا انتقاليا لم تُحسم ملامحه بعد. فدمشق، التي تؤكد سعيها إلى بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد، ترى في الهدنة فرصة لترتيب ملفات أمنية حساسة، أبرزها ملف السجون والمعتقلين، وتهيئة الأرضية لدمج المؤسسات المحلية ضمن هياكل الدولة.
ولفت مراسل الجزيرة في سوريا عمرو حلبي إلى أن بيان وزارة الدفاع بخصوص تمديد الهدنة، سبقه بيان شديد اللهجة من هيئة عمليات الجيش السوري اتهمت فيه قسد بأنها استقدمت تعزيزات عسكرية من عناصر من حزب العمال الكردستاني وجلبتهم من جبال قنديل إلى ريف الحسكة. واتهمتها بارتكاب انتهاكات واسعة في مناطق سيطرتها.
في المقابل، تتمسك قسد بالهدنة باعتبارها مدخلا لمواصلة الحوار حول مستقبل مؤسساتها العسكرية والإدارية، خاصة في محافظة الحسكة ومدينة القامشلي، في ظل تراجع نفوذها العسكري واعتمادها المتزايد على الوساطة الدولية.
سيناريوهات مفتوحة
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على عدة سيناريوهات، لعل أبرزها التمديد الإضافي لوقف إطلاق النار، في حال احتاجت عملية نقل المعتقلين أو الانسحاب الأمريكي من الأراضي السورية إلى وقت أطول.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في تحوّل الهدنة إلى مسار تفاوضي أوسع، يفضي إلى ترتيبات سياسية وأمنية بشأن دمج المؤسسات الكردية ضمن الدولة السورية.
وفي السياق، قال الكاتب والباحث السياسي محمود علوش للجزيرة إن مهلة الأسبوعين الإضافيين ستكون كافية لاختبار رغبة قسد في المضي قدما في خيار التسوية السياسية.
لكنه أكد أنه على الأرض لا توجد أي مؤشرات تشير إلى الاقتراب من حل سياسي.
فإلى جانب الحشود التي تدفع بها قسد إلى محافظة الحسكة، فإن الخطاب السياسي “المرتفع” لقسد ومحاولة اللعب على وتر الهوية القومية، وحشد المجتمعات الكردية في الخارج تشير إلى أن قسد لا تعتقد بأنها ذاهبة باتجاه الخيار السياسي.
من جهته، قال مراسل الجزيرة إن الحكومة السورية تؤكد أن المباحثات مستمرة مع قسد التي تقول إن خطها مع دمشق أيضا مفتوح ومستمر إلى حين التوصل لتسويات عملية على الأرض.
وأضاف أنه إلى حين انقضاء مدة 15 يوما، يكون أمام الدولة السورية خياران: إما استمرار المباحثات، أو اللجوء إلى الحل العسكري الذي لا تفضله، بحسب تعبيره.
وبالتالي فإن عودة المواجهات العسكرية خيار محتمل إذا تعثرت المفاوضات أو تجددت الخروقات، في ظل تاريخ متقلب من الاتفاقات بين الطرفين.
وفي ظل كل هذه المعطيات، لا يبدو تمديد وقف إطلاق النار خطوة نهائية بقدر ما هو إجراء مرحلي فرضته اعتبارات أمنية أمريكية وحسابات داخلية وإقليمية متشابكة.
وبينما تتقدم عملية نقل معتقلي تنظيم الدولة، يبقى مستقبل العلاقة بين دمشق وقسد مرهونا بمآلات المفاوضات، وحدود الدور الأمريكي، وشكل التوازنات الجديدة في شمال سوريا.
المصدر: الجزيرة + وكالات
————————
ماذا بعد استعادة الأرض من قسد؟/ صبا ياسر مدور
الأحد 2026/01/25
تكاد مرحلة قسد أن تنتهي بأقل خسائر ممكنة، وذلك سيغلق ملفاً معقداً، ويفتح الباب نحو تطور آخر في مسيرة سوريا. في الوقت ذاته، قام الأميركيون بنقل آلاف السجناء المحسوبين على داعش إلى العراق. وهذا كان أيضاً لصالح سوريا للتخلص من عبء هؤلاء وحراستهم ومحاكمتهم وغلق ملفاتهم، ما قد يستغرق سنوات من جهد شاق ومحفوف بالمصاعب والتكاليف التي تضيف إلى أعباء سوريا الكثير.
حسم هذين الملفين سيكون تقدماً ملفتاً في جهود الانتقال في سوريا إلى مرحلة الاستقرار وضمان وحدة التراب والسيادة على كافة الأراضي والمواقع الحدودية. إلا أن بلوغ الاستقرار وعودة المؤسسات إلى كافة أنحاء البلاد، والانتهاء من آثار وتداعيات السنوات القاسية الماضية، لن يتحقق بمجرد سيطرة الدولة على دير الزور والرقة ومحاصرة الحسكة وعين العرب. فالأمر لا يتعلق فقط بقسد، ونواياها، ولا بالخاصرة المعقدة في السويداء والقنيطرة، بل أيضاً يتعلق بالسيطرة الحقيقية على الصراع المجتمعي والأحقاد المتبادلة، بسبب سنوات من القهر والظلم والمجازر، التي مع مرور الوقت قد تكون كيانات صغيرة، وربما مجهرية، تتعود العيش من دون حاجة إلى انتماء أو دولة، وبسبب الاضطرار أو الطموحات والأطماع أو بسبب فراغ السلطة، تآلفت مع حكم نفسها بنفسها، ما يعني مواجهة جيل كامل لا يعرف غير قياداته المحلية من زعامات عشائرية ومناطقية، وبنى لنفسه مؤسساته الخاصة وجيوشه المحلية، متسلحاً بعصبياته وانحيازاته. وكانت تلك هي الصورة غير المرئية خارج “سوريا المفيدة” كما كان يحلو لنظام الأسد أن يسميها.
إعادة إدماج هذه التشققات المجتمعية لا يقل خطورة وصعوبة عن إنهاء تمرد قسد أو الهجري أوأي جماعات متمردة في الساحل، بل أنها ربما تكون أكثر تعقيداً بالنظر الى أنها تحتاج إلى ما هو أكثر كثيراً من القوة التي تجيدها القوات الأمنية السورية، وأنها تحتاج إلى نضج قيادي خاص وجهد حكومي ومؤسسي ووقت، لإقناع جيل التصدعات بأنه ينتمي لوطن كبير مركزه في دمشق، وأن مآسيه التي اضطرته لإدارة نفسه وتنصيب قياداته الخاصة وبناء جيشه المحلي قد انتهت أو تكاد، وقد حان وقت العودة لسوريا الموحدة، ليس بالجغرافيا فقط، بل بالعقل والضمير والمواطنة والانتماء.
أكثر من هذا، فإن الأمر الثاني هو الكيانات القبلية العربية التي عانت من قسد واضطر بعضها لمجاراتها، وبعضها الآخر لقتالها. جميع هؤلاء دفعوا تكاليف عالية من أبنائهم وأموالهم وأعمارهم في هذا الصراع، وسيكون من العسير إقناع عدد من هؤلاء بالتخلي عن رغبتهم بالانتقام من قاتليهم وآسريهم وسارقي أموالهم وسنواتهم، لمجرد أن الدولة توصلت إلى اتفاقات تنسحب فيها قسد من الأرض التي يقطنها العرب مقابل حصولهم على مشاركة في الدولة وإدماج عناصرهم في الجيش وإدارة أنفسهم في مجتمعاتهم المحلية. مثل هذا الاتفاق، واقعي وأفضل الممكن بالمفهوم السياسي، لكنه لا يناسب المجتمعات القبلية التي ترى أن حقوقها ما زالت مستلبة، بل أن بعض السجناء المتهمين بالانتماء للإرهاب، قد يكونون من أبناء هذه المجتمعات، وقد اعتقلتهم قسد ولفقت لهم تهم الإرهاب بمجرد أنهم تمردوا عليها، وسيجري نقلهم للعراق. وهناك لن يفرق أحد بين بريء ومذنب، بل أن بعض من مريدي الميليشيات هناك بدأوا بإطلاق دعوات علنية لقتل السجناء جميعاً، وهناك من يقدم مقترحات لكيفية قتلهم من دون أن ينتبه المجتمع الدولي أو يهتم.
في مثل هذا الوضع ربما سيكون على الدولة السورية أن تقوم بمهام صعبة تتعدى بالطبع تهدئة الخواطر. فالقبائل العربية في سوريا، لا تتنازل عما تراه حقوقاً لها بسهولة، كما أنها تاريخياً تهتم بأخذ هذه الحقوق بنفسها، لا سيما بعد نحو 15 عاماً من غياب الدولة أو ضعفها.
كيف ستتعامل القيادة في دمشق بهذا الملف؟ ذلك أمر لا يمكن أن تحسد عليه، بالرغم من نجاحها في تخطي تحديات خطيرة ومعقدة، لكنه أمر شديد الأهمية لبناء سوريا. فالتنمية ليست مجرد إعمار ما تهدم من المباني، بل الأهم هو ما تحطم من المجتمع وقيم الوحدة والمواطنة. كذلك، إن سوريا ليست فقط في دمشق وحلب وحمص اللاذقية وبقية المدن الكبرى، بل هي أيضاً الأطراف من قرى وبلدات في أقصى الشرق بدير الزور وفي أرياف الرقة وتدمر والجزيرة، وسواها.. ومن دون استيعاب السكان المتضررين من قسد أو من النظام السابق أو من الإرهاب ومن الهجري والجماعات المتمردة من الفلول، فإن الجرح سيبقى، والمشاكل لن تزول. هو جهد معقد وطويل، يجب أن نقر بذلك، لكنه يستحق، بل يتوجب الانتباه له وتأسيس كيانات داخل الدولة لمعالجته، سواء ضمن آليات العدالة الانتقالية أو أية آليات أخرى، لسوريا مستدامة.
المدن
————————-
“قسد”… سيرة أداة/ عبسي سميسم
25 يناير 2026
بمجرد تصريح رسمي للمبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك، انتهت عملياً “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي سيطرت على أكثر من ثلث الجغرافية السورية لأكثر من عقد من الزمن، وأصبح موضوع إقصائها نهائياً عن المشهد، لا يتعدى بعض الترتيبات التي تحول أو تخفف من تبعات أمنية قد تنجم عن هذا الإقصاء، بعد أن استخدمت الولايات المتحدة هذه القوات أداةً من أجل ممارسة دور وحيد هو محاربة تنظيم داعش، والذي انتهى عملياً مع اعتماد الحكومة السورية شريكاً في التحالف الدولي لمحاربة “داعش”.
وتعود سيرة “قسد” إلى بدايات الثورة السورية حين استخدم نظام بشار الأسد النواة الصلبة التي تشكّلت منها “قسد” لاحقاً (أي الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي) أداة في قمع الثورة السورية، إذ بدأ بعض عناصر هذا الحزب بالعمل شبيحة لقمع التظاهرات، بدعم من النظام السابق ومن حزب العمال الكردستاني، منذ منتصف عام 2011. ثم ما لبث هذا الحزب أن شكّل في بدايات عام 2012 “وحدات حماية الشعب” لتكون جناحاً عسكرياً لحزب الاتحاد الديمقراطي لذات المهمة، ولكن من خلال العزف على وتر تحقيق كيان مستقل للأكراد في شمال شرق سورية. وفي بداية 2013 شكّل جسماً عسكرياً نسائياً عرف باسم “وحدات حماية المرأة”، وتمكنت هاتان القوتان من قمع الثورة السورية في محافظة الحسكة وجزء من ريف محافظة حلب الشمالي، وتهجير الموالين لها من الكرد والعرب.
في عام 2015 سوّقت هذه القوات نفسها للولايات المتحدة بأنها محارب لتنظيم داعش، بسبب رفض بعض الفصائل الثورية للشرط الأميركي (محاربة داعش فقط، واستثناء النظام)، وتم اعتمادها رسمياً بعد تغيير شكلي في هيكليتها التي اشترطت واشنطن ألا تقتصر على المكون الكردي، فأسست ما عُرف باسم “قوات سوريا الديمقراطية” تماهياً مع التوجهات الغربية بضم ممثلين ليكونوا “ديكوراً” من الأعراق والطوائف السورية الأخرى، تحت اسم مجالس عسكرية يعود قرارها المركزي لـ”وحدات حماية الشعب” عسكرياً ولحزب الاتحاد الديمقراطي سياسياً.
واعتمدت “قسد” نظام التجنيد الإجباري في المناطق التي سيطرت عليها لزيادة عديد قواتها من المكونات الأخرى، وكانت الذراع البرية لقوات التحالف الدولي في القضاء على تنظيم داعش الذي أعطى القضاء عليه زخماً كبيراً لهذه القوات، التي بدأت تروج إعلامياً تجربة ديمقراطية مستفيدة من الدعم الذي تتلقاه من الولايات المتحدة ومن الموارد الهائلة التي تتمتع بها المنطقة التي تسيطر عليها. وبعد سقوط نظام بشار الأسد، فرضت واشنطن على “قسد” اتفاق مارس/آذار 2025 الذي يقضي بدمج تلك القوات ضمن هيكلية الدولة الجديدة، خلال مهلة حددت بنهاية عام 2025. ولكن محاولات “قسد” التملص من تنفيذ هذا الاتفاق دفع الحكومة السورية إلى تنفيذه من خلال عملية عسكرية، دفعت بـ”قسد” إلى العودة لخطابها الأول الانفصالي والتخلي عن الخطاب الديمقراطي لتعلن نفسها حاميةً للمكون الكردي، ملاذاً أخيراً لإطالة عمرها الذي أنهته عملياً واشنطن.
العربي الجديد
———————————
شمال سورية في عهدة الشرع/ فاطمة ياسين
25 يناير 2026
بعد الحدث الكبير في شمال شرق سورية، بات واضحاً أن الرئيس أحمد الشرع ينال ثقة كبيرة من الإدارة الأميركية، فمن دون اعتراضٍ، توغلت القوات السورية عميقاً في المنطقة التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بما فيها حقول النفط والغاز والمساحات الشاسعة التي كانت تزرع بالقمح، ما يعني أن الحكومة قد وضعت يدها على الثروة السورية الطبيعية، وقد ساهم الموقف الأميركي في تمكين القوات السورية من الدفع باتجاه تراجع “قسد” إلى الوراء بأقصى سرعة وأبعد مسافة، حتى انكمشت في منطقة القامشلي والمثلث الحدودي في أقصى الشمال الشرقي.. تبدو مهلة الأيام الأربعة التي منحتها السلطة لها بمثابة طوق نجاة لها لتُجري مراجعة شاملة، ولا يبدو أن لديها خيارات كثيرة إلا القبول بالاتفاق الذي جرى أخيراً برعاية المبعوث الأميركي، لأنها إذا اختارت المواجهة فالمعركة محسومة، وقد أبدى الجوار، بما فيه كردستان العراق، موقفاً مسانداً للموقف الرسمي السوري الذي يرغب بفرض سيادته على كامل تراب الشمال، وهو مطلب سيادي تفهمته أميركا وبنت مواقفها من سورية في صالحه.
سيطرت القوات السورية على كامل سجون المنطقة التي ما زال بعضها يضم مقاتلين من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وعائلاتهم، وتظهر في الأفق رغبة أميركية في تصفية هذا الملف نهائيّاً. تقدّمت القوات الحكومية على طريقتها السريعة، وأحكمت السيطرة على السجون، وبذلت مجهودات كبيرة في القبض على كل من تمكّن من الفرار من تلك السجون في أثناء خلو المناطق من عناصر “قسد”. وأثنت الولايات المتحدة رسمياً على هذا المجهود السوري، وهي تعدّ العدّة لنقل غير السوريين إلى العراق، ومن تبقى منهم سيخضع لمحاكم سورية للبتّ النهائي في مصيره، وبتسليم ملفٍّ كهذا لسورية، تبدو الولايات المتحدة مرتاحة تماماً لسلوك الإدارة السورية، ونحّت أية شكوك حولها بمساندة الإرهاب، واستبدلت هذا الموقف بتبنٍ كاملٍ للقوات السورية، واعتمادها شريكاً لمواجهة أي تحدّيات إرهابية قد تنشأ، أو مجموعات ربما تستغل فترة الارتباك التي قد تظهر بعد تغيّر شكل الوجود العسكري في المنطقة.
ما يعزّز الشعور بأن الولايات المتحدة تعتبر سورية شريكاً وثيقاً هي الأخبار التي تتردّد بقوة عن نية ترامب سحب من تبقى من قواته في سورية. ورغم أن أخباراً من هذا النوع قد تسرّبت في السابق، وكان إعلانٌ كهذا سبباً في استقالة وزير الدفاع الأميركي في فترة ترامب السابقة، وحينها بقي قرابة ألف جندي أميركي موزّعين على عدة قواعد في الشمال، ارتفع عددهم لاحقاً ووصل إلى ألفين، فيما يبدو ترامب هذه المرّة عازماً على إخراجهم جميعاً. ويتماشى مثل هذا القرار مع سياسة ترامب الرامية إلى إخماد أكبر قدر من الحروب في العالم، ومنه سورية، ويعني هذا القرار أن القوات الوحيدة التي ستبقى في الشمال هي السورية، وبذلك تنتقل مهمّة الإبقاء على المنطقة هادئة وخالية من مجموعاتٍ متطرّفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية إلى القوات السورية بديلاً عن “قسد”، حيث لن يكون مسموحاً لـ”قسد” بالوجود المسلح في المنطقة، بينما ستنفّذ القوات السورية هذه المهمة بنفسها.
يعتبر الشرع أنه سجل نقطة مضيئة لنفسه بقدرته على مسح ما كانت تؤمن به أميركا حياله وفي سياق مكافحة الإرهاب، حيث جرى تحوّل في مفهوم الساسة الأميركان إلى ما يشبه القناعة بحكّام سورية الجدد، بدأ بإزالة تدريجية لكل العقوبات القديمة والجديدة، وتضمّن زيارة الشرع البيت الأبيض. وتتويجاً لذلك، جاءت خطوات توحيد سورية تحت راية واحدة ونشيد وطني واحد. ويمكن اعتبار المرسوم الرئاسي الذي صدر قبل أيام بخصوص السوريين الكرد تسويةً نهائية لكل الحيف الذي لحق بهم خلال العهد البائد، ومن الممكن أن يعتمد أسلوب التعامل مع “قسد” نموذجاً في أماكن أخرى، مثل الجنوب السوري، خصوصاً إن ثبّت نجاحه العسكري الذي جاء سريعاً وخاطفاً.
العربي الجديد
————————–
بين الخطاب والواقع.. عن اليسار و”قسد”/ أحمد عسيلي
في الأيام الماضية، أعلنت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) حالة النفير العام، داعية الكرد في مختلف أنحاء العالم إلى التوجه نحو سوريا للدفاع عمّا وُصف بـ”آخر معاقلها”، هذه الدعوة لاقت تفاعلًا إيجابيًا واضحًا، لا سيما في أوساط اليسار الراديكالي، وعدد من ناشطي المقاطعة الإسرائيلية، وبعض المتضامنين مع القضية الفلسطينية، لم تُستقبل “قسد” هنا كقوة عسكرية فحسب، بل كحامل رمزي لمشروع تقدّمي، يساري، وعابر للهويات الضيقة، كما قُدِّمت منذ تأسيسها.
يعود هذا الاستقبال إلى الصورة التي راكمتها “قسد” عن نفسها: خطاب “وحدة الشعوب”، لغة تحررية، حضور نسوي، ومسافة معلنة من التيار الإسلامي بشقيه السياسي والجهادي، كما يرتبط ذلك بالمرجعية الفكرية المنسوبة إليها، أي أفكار عبد الله أوجلان، حيث يختلط الإرث الماركسي بعناصر قومية وتنظيمية ومجتمعية، في توليفة تُقدَّم بوصفها بديلًا عن نماذج الدولة القومية التقليدية، ضمن هذا الإطار، يبدو التعاطف مع “قسد” امتدادًا لتعاطف أيديولوجي سابق، أكثر مما هو قراءة راهنة لطبيعة ممارساتها وتحالفاتها الفعلية.
غير أن هذا الخطاب النظري يصطدم، عند الاقتراب من الواقع، بتناقضات يصعب تجاهلها، فـ”قسد”، في الممارسة، قوة حليفة للولايات المتحدة، المعقل الأساسي للنظام الرأسمالي العالمي، هذا التناقض لا يُنكر عادة، بل يُبرَّر بوصفه تحالفًا مرحليًا تفرضه الضرورة والمصلحة، لا تحالفًا استراتيجيًا يعكس تطابقًا أيديولوجيًا، لكن المفارقة لا تقف هنا، إذ نسجت “قسد” بالتوازي علاقات مع بنى محلية دينية وعشائرية، كما في علاقتها مع حكمت الهجري في السويداء، بما يمثّله من سلطة دينية أبوية واضحة، تقوم على الزعامة الرمزية والولاء الجماعي، أي على نقيض تاريخي مع القيم اليسارية الكلاسيكية.
كما أن هذا النمط لا يقتصر على السويداء، بل يندرج ضمن سياسة أوسع من التحالفات المرحلية مع العشائر العربية في منطقة الجزيرة السورية، هنا يبرز سؤال أساسي: إذا كانت كل التحالفات تُقدَّم بوصفها مؤقتة، فما الذي يبقى من الادعاء بوجود مشروع سياسي متماسك يتجاوز إدارة اللحظة؟ وفي هذا السياق، يلفت إعلان النفير العام النظر إلى تشابهه مع سياسات “الفزعات” التي اعتمدتها سلطات تقليدية في المنطقة، والتي شكّلت أحد أسباب معارضة السلطة في دمشق، الفارق أن الفزعة، حين تُعاد صياغتها بلغة يسارية حديثة، تصبح فجأة مقبولة، بل مرحّبًا بها، وكأن تغيير الاسم كافٍ لتغيير الجوهر.
هنا نصل إلى لبّ القضية، فـ”قسد” يمكن اختصارها بوصفها خطابًا أيديولوجيًا يساريًا تقدميًا على المستوى النظري، يقابله في الواقع جهاز قوة، وتحالفات غربية، وأدوات خشنة (تمادت بخشونتها أحيانًا) تحكمها موازين المصالح، هذا التوصيف لا يُطرح بقصد النقد أو التقييم، ولا للحكم على تجربة “قسد” إيجابًا أو سلبًا، بل بوصفه مدخلًا لتحليل نفسي لعلاقة بعض القوى اليسارية بها، فالسؤال ليس: هل “قسد” محقّة أم مخطئة؟ بل: لماذا يُصرّ بعض اليسار على قراءتها كتمثيل يساري صافٍ، رغم هذا الانفصام الواضح بين الخطاب والممارسة؟
يمكن فهم هذه العلاقة بوصفها شكلًا من التماهي الإسقاطي، فـ”قسد” تحوّلت إلى وعاء تُسقَط فيه رغبة عميقة بوجود مادي لمشروع يساري لم يعد له حضور فعلي على الأرض، أفكار أصبحت مجردة، بلا حوامل اجتماعية أو سياسية حقيقية، جرى البحث لها عن جسد يحتضنها، حتى ولو لم يكن مطابقًا لها، هو إلباس قسري لغير ثوبها، لا بدافع الخداع الواعي، بل بدافع إنقاذ فكرة من التلاشي.
من هنا تبرز فكرة اليسار كهوية جريحة، فاليسار العربي، والسوري تحديدًا، فقد منذ زمن طويل أي حضور مادي فعلي: لا تمثيل سياسي، ولا قاعدة اجتماعية، ولا قدرة على التأثير، في هذا الفراغ، يتحوّل الدفاع عن “قسد” إلى دفاع عن الذات، أي نقد لها يُختبر كتهديد مباشر للهوية اليسارية نفسها، لا كتقييم لتجربة سياسية محددة، وهكذا، يُستبدل التبرير بالتفكير النقدي، والفعل الإيماني بالسياسة.
ومن الضروري التمييز هنا بين هذا السياق، وبين اليسار العالمي عمومًا، فاليسار في بلدان أخرى ما زال يمتلك حضورًا فعليًا، كما في فرنسا حيث يتمتع حزب “فرنسا الأبية” بثقل برلماني واضح، أو في البرازيل حيث عاد إلى السلطة عبر المسار الديمقراطي.
ما نتحدث عنه هنا هو يسار عربي غائب، يبحث عن أي تجسيد يخفف وطأة اختفائه.
ومن باب الإنصاف نفسه، يمكن القول إن مصلحة “قسد” ذاتها تقتضي الخروج من هذا الالتباس، فالأدق أن تلبس لباسها الخاص: الكردي، والقومي، والعشائري، كما هو قائم فعليًا على الأرض، هذا توصيف واقعي، وربما حق سياسي، لا اتهام، فـ”قسد” تمثّل نفسها، وتمثّل جزءًا من الكرد، ولا يمكن مطالبتها بتمثيل مشروع لم تُبنَ عليه، وقد ظهر ذلك بوضوح حين لجأت، في لحظات الضعف، إلى طلب الدعم من عائلة بارزاني، بما تمثّله من ثقل سياسي ومالي وعشائري في كردستان العراق، هذا السلوك ينسجم مع منطق القوة القومية (مرة أخرى هذا ليس جريمة ولا اتهامًا بل واقع) لا مع مشروع يساري أممي.
في الخلاصة، لا يبدو المخرج أمام اليسار سوى الوعي الحقيقي بالواقع والاعتراف به كما هو، فـ”قسد” ليست يسارًا فعليًا، ولا تمثّل اليسار فكرًا أو تطبيقًا، حتى لو أُريد لها أن تُقدَّم كذلك، وإذا كان لليسار السوري أن يستمر، فلن يكون ذلك عبر التماهي مع تجارب الآخرين، بل عبر رؤية الفراغ القائم، ومحاولة تشكيل نواة لقوة يسارية حقيقية، صغيرة وصادقة، تكون بداية عمل فعلي، لا بحثًا دائمًا عن جسد يسكنه الحلم.
عنب بلدي
————————————
أنا لست كردياً/ ثائر الزعزوع
يناير 25, 2026
عام 1988 وفدت إلى دمشق قادماً من مدينتي البوكمال القابعة في أقصى الشرق، للدراسة في كلية الآداب، لم تكن دمشق غريبة كلياً، لكن انتقالي إلى جامعتها العريقة، وضعني في قلبها، في قلب تناقضاتها، ويومياتها، وشعوبها المختلفة. وحين أقول شعوبها المختلفة، فلن يكون في الأمر أي نوع من المبالغة، لشاب قادم من بيئة بسيطة غير معقدة، ومن مدينة مهملة، تتعرف على العالم من خلال شاشة التلفزيون الحكومي لا أكثر.
فالبوكمال ليست مدينة سياحية يزورها الآخرون، وليست مدينة ساحلية يقصدها المصطافون، ورغم أنها مدينة حدودية إلا أن الحدود المقفلة بين سوريا وبين العراق، إبان حقبة القطيعة بين النظامين البعثيين في كلا البلدين، جعل منها مدينة مغلقة كلياً.
وكعادة أي غريب، بحثت عمن يشبهني من دون دليل جاهز أحمله بين يدي، فوجدتني أميل إلى “الجزراويين”، هكذا نسمي أنفسنا نحن أبناء الجزيرة السورية، التي صار يطلق عليها هذه الأيام، تسمية “شمال شرق سوريا”، ديريين وحسكاويين ورقاويين. هكذا تجمعنا، وشيئاً فشيئاً، شكلنا تجمعاً صغيراً خاصاً بنا، نتحدث لهجاتنا من دون أن نشعر بحرج، لأن الآخرين لا يفهمون علينا، ونتبادل النكات ونضحك عليها. كنا من دون أي ترتيب عرباً وكرداً وآشوريين، يجمعنا فقر الحال، مهما حاولنا أن نتظاهر عكس ذلك، وفقر الحال لم يكن بمعناه المادي، لكنه كان جهل الآخرين بنا، فلم يكن غريباً أن يسألك زميل لك عما إذا كنت تعيش في خيمة من حيث جئت، أو إذا ما كان أهلك من البدو الرحل، مثلاً.
في تلك السنة، تعرفت على “الأكراد”، بشكل حقيقي. في البوكمال كان ثمة عائلات كردية، أحد أبنائها واحد من أبرع عازفي العود الذين رأيتهم في حياتي، وهو ملحن وفنان مبدع، لكنه كان بوكمالياً بالنسبة لي، ولم يكن كردياً، لكن أن تلتقي الكردي القادم من حيث يقيم الكرد، من حيث يدفنون آلامهم وأحلامهم، وأسماءهم، لأن بعض موظفي النفوس كانوا يرفضون أن يطلق الكرد أسماء كردية على أبنائهم، فهذه كانت المرة الأولى بالنسبة لي؛ أنا الذي نشأت على أفكار يسارية، وحفظت عن ظهر قلب أغنيات الحرية، و العدالة و السلام.
قال لي صديقي حسين الكردي القادم من المالكية إن اسمه في البيت هو شيرو، لكن حسين هو اسمه في الدولة، ساعتها شعرت بالمرارة، لماذا لا يحق له أن يحمل اسمه الحقيقي؟
ربما وقتها بدأت أهتم أكثر بالمسألة الكردية، واعتبرتها جزءاً من نضال شخصي بالنسبة لي، أقله هكذا أقنعت نفسي، في بلد كان محكوماً بقبضة أمنية، لا يستطيع الواحد فيها أن يناضل، سوى لتأمين لقمة عيشه، تعلمت بعض المفردات الكردية، و صرت أرددها: روج باش، سباس، سرجافا.
عام 2004 وخلال الانتفاضة الكردية، التي بدأت في الجزيرة وامتدت إلى بعض مناطق دمشق، وقعت علي كالصاعقة جملة قالها زميل في العمل في وزارة الإعلام آنذاك، خلال حديثنا عما يحدث: هؤلاء يلزمهم حافظ الأسد، يؤدبهم مثلما أدب أهل حماة.
شعرت بهول تلك الجملة، ووحشيتها، فلم أتمالك نفسي، ولم أستطع الصمت، أذكر وقتها أني قلت كلاماً قاسياً، لكني لم أكن أعلم أن ذلك الكلام سوف يوصلني في اليوم التالي إلى فرع الأمن السياسي، حيث خضعت لتحقيق مطول، من قبل ضابط، سألني عن علاقتي بالكرد، وفيما إذا كنت أنسق معهم في دمشق، لم يكن لنفي اتهاماته معنى، والحقيقة أن الضابط قرر عدم توقيفي، لكنه اكتفى بتهديدي، وقال لي حرفياً: هذه فركة إذن.
خلال سنوات الثورة، لم يغب الكرد عن مشهدها منذ يومها الأول من عامودا إلى عفرين، وإلى ركن الدين، كما لم يكن مشعل التمو رجلاً عابراً في مسيرة الثورة في بداياتها، وكانت جمعة آزادي رداً عظيماً من الشعب السوري، على محاولات النظام البائد السخيفة لاستمالة الكرد إلى طرفه، باعتباره حامياً لمن يسميهم الأقليات، وقال الكرد: نحن لسنا أقلية، نحن سوريون، قبل أي شيء.
لكن شيئاً ما تغير بعد ذلك، ليس لدى الكرد وحدهم، بل لدى السوريين كلهم، وجدنا أنفسنا، نبتعد عن مركز فكرة الثورة وثقلها، ونتبدد تباعاً، بنزعات مختلفة، في ظل وحشية النظام البائد، ودخول منظمات دولية، وأفكار مختلفة، ومشاريع بدأت تنشأ هنا وهناك، من بينها ما بات يعرف لاحقاً باسم “الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا” التي هيمنت مدعومة بطيران التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، على ثلاث محافظات رئيسة في البلاد، هي الرقة والحسكة ودير الزور.
وبرز الذراع العسكري لذلك المشروع كقوة مهابة، ويبدو أن حالة التشتت دفعت الكثيرين للتمسك بذلك المشروع باعتباره خلاصاً، في وقت كان اليأس قد غلب الكثيرين، فاعتقدوا أن الثورة فشلت، وأن سوريا آيلة للتقسيم لا محالة، وخاصة حين بدا أن النظام البائد بدأ يستعيد ثقته بنفسه، بعد الدعم الروسي الهائل له، والذي مكّنه من استعادة السيطرة على مناطق كثيرة، فيما بدت المناطق التي تسيطر عليها “قسد” وكأنها خارج الحسابات كلها.
ففي الوقت الذي كانت الحمم والبراميل المتفجرة تنهال على إدلب ومناطق الشمال السوري المحرر، باعتبارها آخر قلاع الثورة، كانت تلك المناطق تنعم بالهدوء، ظاهرياً على الأقل، وقد ظلت كذلك حتى في أعقاب إسقاط النظام، ففيما كانت المدن السورية كافة تحتفل بالتحرير، لم تسمح قسد للمواطنين بإظهار فرحهم.
لن أستطرد في حديث تاريخي بات يعلمه الجميع، لكني شخصياً استقبلت توقيع اتفاق العاشر من آذار بفرح كبير، لأني كنت أعتبر نفسي، ومازلت، نصف كردي، وفاء لقضية دافعت عنها طيلة سنوات عمري، لكن الاتفاق ظل حبراً على ورق.
للأسف، ماطلت قسد محاولة كسب الوقت، ولا أدري ما الذي كانت تراهن عليه، سوى أنها كانت تؤمل نفسها بأن تفشل الدولة السورية الجديدة، رغم أن المعطيات كلها كانت تشير إلى أن الدولة في طريقها للنجاح، مشفوعة بدعم عربي وإقليمي ودولي، وقاعدة شعبية تكبر يوماً بعد يوم. واستمرت المماطلة حتى بدا أننا وصلنا إلى حالة استعصاء، لا حل لها.
ولكن، حين أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم 13، والذي يشكل خطوة استثنائية في التاريخ السوري، بحيث يعيد للكرد حقوقهم التي حرموا منها على مدى عقود، توقعت، بسذاجة، أن هذا المرسوم سوف يسد الذرائع كلها، فكتبت على صفحتي الشخصية على الفيسبوك، تهنئة من القلب لأهلنا الكرد، لكن تهنئتي تلك قوبلت بعاصفة من ردود غاضبة، من أصدقاء كرد أعلم أنهم ميالون إلى قسد، فاضطررت لحذف التهنئة، والاعتذار عنها. أحد التعليقات الغاضبة على منشوري كانت لشاب يضع علم قسد صورة شخصية له، وهو حر طبعاً، كتب: إذا كنتم تعتقدون بأنني ساذج لأخدع بهذا المرسوم، فأنا لست كردياً، بل أنا قسدي، فهل تغلب الأيديولوجيا الوطنية؟
لست متحاملاً على قسد، فأنا أفهم الظرف الذي وجدت فيه، وربما كنت في وقت ما ألتمس العذر لبقائها، لكن ما هو مبرر عنادها، ومحاولاتها إفشال تجربة سورية، نتمنى جميعاً أن تتقدم إلى الأمام، فقد تعبت سوريا وتعب السوريون كثيراً، وآن لهم أن يستريحوا؟، هل هي فعلاً تناضل لأجل حقوق الكرد؟
الثورة السورية
—————————
الجزيرة السورية: هدن واتفاقيات وضغط/ منهل باريش
تتزايد مؤشرات هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار في شرق الفرات، وسط تبادل الاتهامات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، بعد أن تحوّل الاتفاق من تهدئة مؤقتة إلى اختبار سياسي وأمني مفتوح. فالحكومة السورية تتهم «قسد» بخرق التفاهمات ومواصلة «سياسات فرض الأمر الواقع خارج إطار الدولة»، بينما تؤكد الأخيرة أن الوقائع الميدانية لا تعكس أي التزام فعلي بالتهدئة.
وفي هذا السياق، قال الدبلوماسي في وزارة الخارجية السورية إياد هزاع إن أولوية دمشق تتمثل في بسط سلطة القانون، وحماية المدنيين، وإنهاء أي وجود للسلاح خارج مؤسسات الدولة، مؤكدًا احتفاظ الحكومة بحقها في حماية السيادة والأمن الوطني. وربط هزاع فشل اتفاق العاشر من آذار بـ«غياب الجدية ومحاولات فرض واقع انفصالي»، مشيرًا إلى أن الاتفاق الجديد الموقّع في 18 كانون الثاني/يناير جاء بعد استنفاد المسارات السياسية وتصاعد المخاطر الأمنية، مع التشديد على تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى الدولة، والتلويح ببقاء جميع الخيارات مفتوحة في حال انهيار وقف إطلاق النار مجددًا.
حل عقدة سجن الأقطان
على الأرض، برز ملف سجن الأقطان في محافظة الرقة كأحد أبرز اختبارات اتفاق وقف إطلاق النار. فقد أعلنت وزارة الداخلية السورية تسلّمها السجن، ووصفت الخطوة بأنها المرحلة الأولى من تنفيذ اتفاق 18 كانون الثاني/يناير، مؤكدة بدء فحص أوضاع السجناء وملفاتهم القضائية، وتكليف فرق متخصصة من مكافحة الإرهاب بتأمين السجن وضبط الوضع الأمني داخله، وفق المعايير القانونية والإنسانية.
كما أعلنت الوزارة تفكيك عبوات ناسفة قالت إن مجموعات تابعة لـ«قسد» زرعتها داخل السجن قبل انسحابها، في حين أعلن الجيش العربي السوري نقل عناصر من «قسد» من محيط السجن إلى مدينة عين العرب (كوباني)، في إطار ترتيبات تمهّد لتسليم إدارة السجن بالكامل إلى وزارة الداخلية.
في المقابل، قدّمت «قسد» رواية مغايرة، مؤكدة أن مقاتليها المكلّفين بحماية السجن نُقلوا إلى أماكن آمنة «بمساعدة التحالف الدولي»، ومشيرة إلى أن السجن، الذي يضم معتقلي تنظيم «داعش»، تعرّض لهجمات عنيفة. واتهمت فصائل تابعة لدمشق بشن هجمات باستخدام طائرات انتحارية وإطلاق نار كثيف، محذّرة من تداعيات أمنية خطيرة قد تطال ملف معتقلي التنظيم وتتجاوز حدود الرقة.
وقف نار هش
أعلنت وزارة الدفاع السورية وقفًا لإطلاق النار لمدة أربعة أيام اعتبارًا من 20 كانون الثاني/يناير، في إطار تفاهمات مع قوات سوريا الديمقراطية تهدف إلى تهيئة الأجواء للحوار وتطبيق الاتفاق. وقالت الوزارة إن وقف إطلاق النار يشمل جميع الجبهات، بالتوازي مع مشاورات داخلية تجريها «قسد» لإعداد خطة لدمج المناطق الخاضعة لسيطرتها ضمن مؤسسات الدولة.
ورغم عدم استخدام مصطلح «مهلة تنفيذ» صراحة، فإن تحديد مدة أربعة أيام عُدّ إشارة سياسية إلى انتظار دمشق خطوات عملية من «قسد»، وهو ما دعمته تصريحات رئاسية تحدثت عن مهلة للتشاور وتقديم تصور واضح لعملية الدمج، مع بقاء القوات الحكومية خارج مراكز الحسكة والقامشلي مؤقتًا.
في المقابل، تؤكد «قسد» أن الواقع الميداني لا يعكس أي تهدئة، متهمة فصائل موالية لدمشق بمواصلة القصف على مناطق كوباني ومحيطها، إضافة إلى قطع المياه والكهرباء ومنع إدخال الوقود، معتبرةً ذلك خرقًا مباشرًا لوقف إطلاق النار وتهديدًا أمنيًا وإنسانيًا.
وأكدت القيادة العامة لـ«قسد» التزامها بوقف إطلاق النار وعدم المبادرة إلى أي عمل عسكري، مع الاستعداد لمواصلة المسار السياسي. وبينما ترى دمشق في الاتفاق فرصة أخيرة لفرض التزامات عملية، تعتبره «قسد» مفرغًا من مضمونه ما دامت العمليات مستمرة، لتبقى الأيام المحددة اختبارًا حاسمًا بين التهدئة أو التصعيد.
تفجير اليعربية يشعل الاتهامات
أعاد الانفجار الذي وقع في منطقة اليعربية شمال شرقي سوريا فتح باب الاتهامات المتبادلة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، في توقيت حساس يتزامن مع محاولات تثبيت وقف إطلاق النار والتفاهمات السياسية والعسكرية في شرق الفرات.
وحملت السلطات السورية «قسد» مسؤولية الانفجار، معتبرةً أنه استهدف مستودعًا للذخيرة، ما أسفر عن مقتل سبعة جنود وإصابة نحو عشرين آخرين من عناصر الجيش السوري. واعتبرت دمشق الحادث خرقًا للتفاهمات الأمنية، مؤكدة احتفاظها بحق الرد وحماية السيادة، ومشددة على أن أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة يقوّض الاستقرار، ولا سيما في المناطق الحدودية.
في المقابل، نفت «قسد» هذه الاتهامات بشكل قاطع، ووصفتها بالمضللة، مؤكدة أنها لم تنفذ أي عمل عسكري في تل كوجر. وقالت إن الانفجار نجم عن حادث أثناء نقل ذخيرة من قبل فصائل موالية لدمشق، معتبرةً أن تحميلها المسؤولية يأتي في سياق سياسي وإعلامي يهدف إلى تبرير تحركات ميدانية لاحقة.
النفط والحدود في قلب معركة شرق الفرات
يأتي هذا السجال في سياق أوسع تشهده محافظة الحسكة وشرق الفرات خلال كانون الثاني/يناير الجاري، مع تحوّل واضح في طبيعة الصراع من اشتباكات محدودة إلى مواجهة مركّزة على السيطرة على النفط والمعابر الحدودية. فبعد سنوات انحصر فيها النزاع حول نقاط عسكرية وأمنية، باتت الموارد السيادية وحدود الدولة في صلب التنافس الميداني والسياسي.
ومن منظور دمشق، تندرج التطورات الأخيرة ضمن مسار «استعادة السيادة» وبسط سلطة الدولة على حقول النفط والغاز والمعابر، التي شكّلت لسنوات مصدر تمويل رئيسي للإدارة الذاتية و«قسد». وتقدّم الحكومة تحركاتها، المدعومة بحراك عشائري في بعض المناطق، على أنها خطوة تهدف إلى إعادة هذه الموارد إلى مركز القرار وتوظيفها في إعادة الإعمار وتحسين الخدمات.
في المقابل، تراجع نفوذ «قسد» وخسرت السيطرة على مساحات جغرافية وموارد نفطية ومعبر اليعربية مع العراق، في حين ما زالت تحتفظ بسيطرتها على الحدود مع تركيا، وجزء لا بأس به من الحدود المشتركة مع العراق، بما يؤمّن لها طريق إمداد مع إقليم كردستان العراق. غير أن خسارتها النفط والمعابر ومساحات واسعة في دير الزور والرقة تستهدف جوهر قدرتها على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها، إذ يعني فقدان هذه الموارد تراجعًا في القدرة على دفع الرواتب وتمويل الأجهزة الأمنية، ما ينعكس مباشرة على تماسكها الداخلي، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية العربية.
ويبرز معبر اليعربية كنقطة اشتباك حساسة، لكونه شريانًا لوجستيًا وتجاريًا ورمزًا للقرار السيادي. وبينما سعت دمشق للسيطرة عليه، أضعفت خسارته الموقف التفاوضي لـ«قسد»، التي كانت تتمسك بالسيطرة عليه وترفض نقاش ملف الحدود قبل التفاهم على دمجها في الجيش السوري ضمن ثلاث فرق مستقلة.
محاسبة مخالفين
أعلنت وزارة الدفاع السورية مباشرتها اتخاذ إجراءات قانونية بحق عدد من العناصر المخالفين للضوابط والقوانين المسلكية خلال العمليات العسكرية الجارية في شمال شرقي سوريا، مؤكدة أنها لن تتهاون مع أي تجاوز يمسّ الانضباط العسكري أو النظام العام.
وقالت قيادة الأمن والشرطة العسكرية، في بيان صدر الخميس، إن وحداتها رصدت مخالفات مسلكية وقانونية خلال فترة العمليات الأخيرة، على الرغم من التوجيهات والتعليمات الصريحة التي جرى تعميمها مسبقًا على جميع الوحدات والجهات المعنية. وأوضح البيان أن هذه المخالفات وُثّقت وفق الأطر المعتمدة، بما يتيح التعامل معها قانونيًا.
وأضافت القيادة أن الشرطة العسكرية باشرت باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين وفق الأنظمة النافذة، بما يضمن محاسبتهم ومنع تكرار أي تجاوزات من شأنها الإخلال بالنظام العام أو التأثير في سير العمل الميداني والانضباط العملياتي.
وشددت قيادة الأمن والشرطة العسكرية على أن الانضباط المسلكي والعسكري يشكّل ركيزة أساسية في أداء القوات، مؤكدة أنها لن تتساهل مع أي مخالفة، ومشيرة في الوقت ذاته إلى أن غالبية الوحدات العسكرية أظهرت مستوى عاليًا من الالتزام والانضباط، وأن المخالفات المسجّلة تندرج في إطار حالات فردية ستُعالج وفق الأطر القانونية المعتمدة.
واشنطن تعلن انتهاء دور «قسد» العسكري
قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك إن الدور الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية، بوصفها قوة برية أساسية في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية»، «قد انتهى»، معتبرًا أن المشهد السوري شهد تحوّلًا جذريًا مع وجود حكومة مركزية معترف بها دوليًا باتت جزءًا من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.
وأوضح براك، في منشور على منصة «إكس» الثلاثاء، أن الشراكة الأمريكية مع «قسد» قامت في السابق على غياب شريك سوري مركزي قادر على مواجهة تنظيم «داعش». وذكّر بالدور الحاسم الذي لعبته «قسد» في هزيمة التنظيم عام 2019، واحتجاز الآلاف من مقاتليه وعائلاتهم في سجون ومخيمات مثل الهول والشدادي، في وقت كانت فيه دمشق ضعيفة ومتنازعًا عليها وغير صالحة للتعاون بسبب تحالفاتها.
وحسب براك، تبدّل هذا الواقع بعدما باتت الحكومة السورية «مستعدة وقادرة» على تولي المسؤوليات الأمنية، بما في ذلك إدارة مرافق احتجاز عناصر التنظيم. وأشار إلى أن واشنطن تعمل على تسهيل انتقال منظم للدور الأمني، بدل الإبقاء على وضع منفصل لقوات سوريا الديمقراطية.
وحدّد براك ثلاثة مسارات رئيسية لهذا التحول: أولها الانخراط مع دمشق وقيادة «قسد» للتوصل إلى اتفاق تكامل وُقّع في 18 كانون الثاني/يناير، مرفق بجدول زمني للتنفيذ؛ وثانيها معالجة ملفات حساسة تشمل دمج مقاتلي «قسد» أفرادًا ضمن الجيش السوري، وتسليم البنى التحتية الحيوية والمعابر، إضافة إلى إدارة السجون والمخيمات؛ وثالثها التأكيد على أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى وجود عسكري طويل الأمد في سوريا، مع التركيز على هزيمة بقايا تنظيم «داعش» ودعم مسار المصالحة والوحدة الوطنية.
وفي بُعدٍ سياسي، اعتبر براك أن المرحلة الحالية تمثل «فرصة تاريخية للكرد في سوريا» ضمن مسار اندماج في دولة موحّدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، مع ضمان حقوق المواطنة والحماية الثقافية والمشاركة السياسية. ورغم إقراره بمخاطر هشاشة وقف إطلاق النار، شدد على ضرورة العمل لتأمين ضمانات لحقوق الكرد وتعزيز التعاون في مواجهة «داعش»، في تحول واضح في الخطاب الأمريكي يضع «قسد» أمام مرحلة مفصلية.
استقبل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، يوم الخميس، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، يرافقه الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد، في لقاء خُصص لبحث تطورات الأوضاع في سوريا، في ظل تصاعد التوترات في شمال وشرق البلاد.
وأكد بارزاني خلال اللقاء استمرار جهوده واتصالاته مع مختلف الأطراف للحفاظ على وقف إطلاق النار واحتواء التوترات، ودعم الاستئناف الفوري للحوار بين «قسد» والحكومة السورية في دمشق، مشددًا على أن الحوار يبقى السبيل الأنجع لتسوية الخلافات.
كما جدّد التأكيد على أهمية ضمان حقوق الكرد وجميع المكونات ضمن إطار سوريا موحّدة، معتبرًا أن التعايش والاستقرار والتفاهم المتبادل تشكّل ركائز أساسية لمستقبل البلاد. من جانبه، أعرب عبدي عن تقديره لدور رئاسة إقليم كردستان في تهدئة الأوضاع، مؤكدًا استعداد «قسد» للحل السلمي عبر الحوار، بما يضمن الحقوق المشروعة للشعب الكردي ضمن دولة سورية موحّدة.
وتناول اللقاء كذلك المخاطر الأمنية المرتبطة بعودة نشاط تنظيم «الدولة الإسلامية»، مع التشديد على ضرورة استمرار التنسيق لحماية الأمن والاستقرار. وجاء الاجتماع عقب لقاء عبدي بالمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك في أربيل، في إطار حراك دبلوماسي متزايد.
وفي سياق متصل، أكد الرئيس مسعود بارزاني، من إيطاليا، أن حماية مدينة كوباني تمثّل أولوية قصوى، محذرًا من أي اعتداء يستهدف الكرد، ومشددًا على أن كرامة ووجود الشعب الكردي فوق كل اعتبار. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه مناطق شمال سوريا، ولا سيما ذات الغالبية الكردية، تصاعدًا في التوترات الميدانية والسياسية، وسط مخاوف من تطورات قد تهدد الاستقرار في كوباني ومحيطها.
مقتل 22 مدنيًا في الرقة
أعلنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان توثيق مقتل ما لا يقل عن 22 مدنيًا، غالبيتهم قضوا قنصًا، إضافة إلى إصابة آخرين بجروح، خلال أحداث شهدتها محافظة الرقة مؤخرًا، محمّلة قوات سوريا الديمقراطية المسؤولية عن هذه الانتهاكات.
وقالت الشبكة، في تقرير لها، إن ذلك اليوم شهد تصعيدًا ميدانيًا تمثّل باندلاع حراك شعبي ضد «قسد» في عدد من القرى والبلدات وأحياء مدينة الرقة، تزامن مع انسحاب جزئي لعناصرها، وتمركز قناصة على أسطح أبنية سكنية استهدفوا مدنيين بصورة مباشرة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف السكان.
وأدانت الشبكة استهداف المدنيين، معتبرة أن استخدام القنص ضد أشخاص خارج نطاق الأعمال القتالية يشكّل قتلًا متعمدًا وانتهاكًا صارخًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين.
كما انتقدت تفجير جسري الرشيد والمنصور، معتبرة أن ذلك ألحق أضرارًا واسعة بالبنية التحتية المدنية، وأدى إلى قطع حركة السكان داخل المدينة، مع ما يترتب على ذلك من آثار إنسانية وخدمية جسيمة.
ودعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في هذه الانتهاكات، وتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم وفق أحكام القانون الدولي، مؤكدة ضرورة حماية المدنيين ومنع تكرار مثل هذه الجرائم. وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع إعلان الجيش العربي السوري بسط سيطرته على مناطق في محافظة الرقة عقب انسحاب «قسد»، في ظل تصعيد ميداني وسياسي تشهده المنطقة.
في المحصلة، يقف اتفاق وقف إطلاق النار في شرق الفرات عند مفترق حاسم، تحكمه هشاشة عميقة ناتجة عن غياب الثقة، وتضارب الروايات، وتشابك ملفات السلاح والسجون والنفط والحدود. ومع غياب جدول زمني واضح وآليات تنفيذ ملزمة، يبقى الاتفاق عرضة للاهتزاز في أي لحظة.
وفيما تتحرك دمشق و«قسد» ضمن هوامش سياسية وأمنية ضيقة، يظل العامل الإنساني الحلقة الأضعف في معادلة الصراع. وبين خيار تثبيت تهدئة مشروطة أو الانزلاق مجددًا نحو التصعيد، تبقى الأيام المقبلة العامل الحاسم في تحديد مسار منطقة ما كان يسمى اصطلاحا سياسيا بـ«شرق الفرات».
القدس العربي
———————————
من اتفاق الدمج إلى الحسم الميداني: كيف أُغلق ملف «قسد» في الرقة ودير الزور؟/ عمر الهويدي
منذ توقيع اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين الحكومة السورية الانتقالية وقيادة قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، دخل ملف الجزيرة السورية مرحلة جديدة اتسمت بالغموض في الشكل والحسم التدريجي في المضمون. من بين بنود الاتفاق المتعددة، برز دمج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة كبند يعكس جوهر التسوية السياسية. وشكّل هذا البند إعلاناً غير مباشر عن نهاية مرحلة كاملة من السيطرة خارج إطار السيادة السورية، وبداية مسار تفكيك مشروع الإدارة الذاتية الذي نشأ في ظروف استثنائية واستمر بدعم الحليف الدولي الأبرز المتحكم بالتوازنات الإقليمية والدولية. وأسّس الاتفاق بذلك نقطة تحوّل فارقة، أدركت معها «قسد» أن المرحلة المقبلة تعني الذوبان التدريجي في بنية الدولة، لا استمرار صيغة الاستقلالية أو الحكم الموازي.
جاء الاتفاق في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تزامنت مع تحولات واضحة في المقاربة الدولية للملف السوري، ولا سيما في الموقف الأمريكي. فقد أكّد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، مراراً منذ توقيع الاتفاق أن واشنطن تدعم دمج قوات «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية، باعتباره مدخلاً لمنع التصعيد واستعادة الاستقرار، مشدداً على أن الولايات المتحدة لا تدعم أي كيان منفصل، بل ترى في الدمج خطوة نحو سوريا موحّدة تحافظ على مؤسساتها وتحدّ من الانقسام الداخلي. في هذا السياق، لم يكن بند الدمج تعبيراً عن شراكة سياسية متكافئة بقدر ما كان انعكاساً لواقع سياسي جديد لم يعد يسمح باستمرار كيان عسكري–إداري موازٍ للدولة. فالمسار المطروح يقوم عملياً على إنهاء صيغة الحكم الموازي عبر إدماج عناصر «قسد» ضمن الجيش والمؤسسات الرسمية، بما يضع حداً للترتيبات التي ترسخت خلال سنوات الحرب.
غير أن التطبيق العملي سرعان ما كشف عن صعوبات بنيوية، لا تعود إلى غموض النصوص بقدر ما ترتبط بإدراك مسبق لدى الأطراف المعنية لحجم التنازلات السياسية والأمنية التي يفرضها الاتفاق. ومع اقتراب انتهاء المهلة الزمنية المحددة للتنفيذ، بدأت هذه التناقضات تطفو بوضوح، لا سيما في الساحة الحلبية.
فقد شهدت مدينة حلب جولات تصعيد ومواجهات انطلقت من حيي الأشرفية والشيخ مقصود الخاضعين لسيطرة «قسد»، في مؤشر على تعثّر التنفيذ وتحول بعض الجبهات إلى أدوات ضغط سياسية. ورغم توقيع اتفاق لاحق خاص بالحيين في 1 نيسان/ابريل الماضي، بوصفه مكمّلاً لاتفاق آذار ويهدف إلى ضبط الوضع الأمني وتهيئة الانسحاب، فإن عدم الالتزام العملي به أبقى الحيين بؤرتي توتر مفتوحتين، واستخدمتهما «قسد» كورقة تفاوضية أخيرة في مواجهة استحقاقات الدمج والانسحاب.
شرعية قسد المتآكلة في الرقة ودير الزور
لم تكن الأزمة في الجزيرة السورية، ولا في الرقة تحديداً، أزمة مكونات أو صراع هوياتي كما حاولت بعض الأطراف تصويرها، بل كانت أزمة حكم سلطوي. فقد أدارت «قسد» المنطقة بعقلية أمنية اعتمدت على السيطرة العسكرية أكثر من الشرعية المجتمعية، مستندة إلى دعم خارجي وفّر لها مظلة حماية لم تدرك أنها مؤقتة.
في الرقة، المدينة التي خرجت مدمّرة من حرب تنظيم «داعش»، لم تتحول السيطرة العسكرية إلى مشروع إعادة إعمار حقيقي، واستمرّت المدينة رهينة ضعف الخدمات وتراجع الاقتصاد المحلي، وغابت المؤسسات الفاعلة، بينما ظلّت ملفات الفساد والاحتكار والاعتقالات والتجنيد الإجباري شبحاً يخيّم على الحياة اليومية. امتداد هذا الفراغ الاجتماعي جعل الرقة أرضاً خصبة لتفشي المخدرات بين الشباب في سن المراهقة، كأنه انعكاس مباشر لتراكم سنوات من العنف والغياب الإداري، حيث أصبح جيل كامل يكبر وسط حالة من الفراغ والضياع النفسي.
ما يلفت الانتباه هو التناقض الحاد بين الإمكانات الكبيرة للمدينة وما تحتويه تحت الأرض وفوقها، وبين الواقع اليومي لسكانها؛ المدينة تحمل مقومات زراعية وصناعية وبنية تحتية يمكن أن تجعلها مركزاً اقتصادياً حيوياً بمفردها، لكنها بقيت شبه متوقفة عن الزمن، وكأنها محكومة بدائرة متكررة من الانكسار والحصار الاجتماعي والسياسي. طوال سنوات سيطرة «داعش» ثم «قسد»، استمر العنف بأشكاله المختلفة، ولم تتوقف سياسات الإقصاء والتحكّم بالقرار المحلي عن تآكل الشرعية، لتبقى الرقة صورة حية لمأساة مستمرة. بهذا المعنى، الرقة ليست مجرد مدينة مدمّرة، بل مرآة لتجربة الجزيرة السورية، حيث تتقاطع أبعاد السيطرة العسكرية، الفشل السياسي، والانكسار الاجتماعي لتنتج واقعاً حضارياً متأخراً، يكاد يقفز عن الزمن. وكانت هذه الصورة الواقعية لما تبقى من «قسد» عاملاً حاسماً في سياق ما بعد توقيع اتفاق 18 كانون الثاني/يناير 2026، إذ بدا واضحاً أن عامل الزمن كان يعمل ضدها؛ فمحاولات المماطلة وإعادة تفسير البنود لم تغيّر من حقيقة أن المشروع الذي قامت عليه الإدارة الذاتية فقد مبررات استمراره. الدولة السورية تعاملت مع الاتفاق بوصفه مرحلة انتقالية محددة السقف، وليست مدخلاً لإعادة تدوير صيغة حكم ذاتي موسّع. في المقابل، بدأت تظهر تصدعات داخل بنية «قسد»، بين من يدرك حتمية الاندماج، ومن يسعى للحفاظ على مكتسبات سياسية وأمنية لم يعد لها غطاء دولي فعلي. ومع تراجع الدعم الخارجي، تحولت «قسد» من لاعب إقليمي مؤثر إلى قوة عابرة للحدود محاصرة سياسياً ومجتمعياً.
الانهيار الميداني
لا يمكن تفسير ما جرى في الرقة ودير الزور بوصفه تطوراً ميدانياً عسكرياً مفاجئاً، بمعزل عن الحيين الحلبيين، الأشرفية والشيخ مقصود، اللذين شكّلا لأشهر طويلة ورقة ضغط رئيسية بيد قوات سوريا الديمقراطية للتأثير على مسار مفاوضات اتفاق 10 آذار أو تعطيلها. غير أنّ هذه الورقة فقدت فعاليتها بعد خروقاتها لاتفاق 1 نيسان/ابريل 2025، التي أدت إلى تصعيد الأحداث، ما استدعى تدخّل وساطة دولية لتنظيم انسحاب مقاتليها من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية نحو مناطق سيطرتها في الجزيرة السورية، عقب مواجهات محدودة مع القوات الحكومية.
ورغم الانسحاب بوساطة دولية، تكشف تطورات دير حافر ومسكنة شرقي حلب هشاشة قدرة «قسد» على السيطرة الميدانية واستدامة نفوذها في مناطق حساسة.
فالاشتباكات المتجددة واستهداف المباني الحكومية، بما فيها القصر البلدي الذي احتضن مؤتمراً صحافياً لمسؤولين كبار، لم تكن مجرد عمليات عسكرية، بل مؤشراً على فقدان أوراق الضغط التقليدية واستثمارها بشكل خاطئ. الحشود العسكرية التي ضمّت عناصر من فلول النظام السابق، والقصف المدفعي المصاحب، عكست محاولة «قسد» الحفاظ على توازنها الميداني، لكنها بدلاً من ذلك أسهمت في تفاقم ضعفها، وكشفت هشاشة بنيتها العسكرية والسياسية، فضلاً عن فقدان السيطرة على الحاضنة الشعبية. اللجوء إلى قصف مدينة حلب بالطائرات المسيّرة من دير حافر ومسكنة يُظهر أيضاً تحولاً تكتيكياً دفاعياً يعكس أزمة الثقة بالنفس الاستراتيجية لديها، ما يجعل من تصعيدها الأخير مؤشراً على الانحدار التدريجي لقدرتها على إدارة الصراع.
مع تصاعد الموقف، بدأ الجيش السوري بحشد قواته باتجاه ريف حلب الشرقي، في خطوة أبرزت جدية الدولة في استعادة السيطرة وفرض الأمن. بالتوازي، صدر المرسوم الرئاسي رقم 13 في 16 كانون الثاني/يناير 2026، الذي أعاد رسم الخريطة السياسية بين الإدارة الذاتية السابقة وأطرافها الاجتماعية، وفصلها عن المكوّن الكردي، مؤكداً حق المواطنة الكاملة للسوريين الأكراد ضمن إطار الدولة. ولم يقتصر أثر المرسوم على إضعاف مشروع الحكم المحلي وأوراق ضغط «قسد» المتبقية، بل شكّل قاعدة سياسية جديدة عززت موقف الحكومة، موفرةً أرضية لتعزيز الضغط العسكري على الرقة، أكثر مناطق سيطرة «قسد» تحصيناً واستراتيجية، ضمن مسار متكامل يجمع بين الحسم السياسي والتقدم الميداني.
هذا التوازن غير المسبوق بين الضغطين السياسي والعسكري مهّد الطريق لتحرّك شعبي واسع على الأرض، إذ شكّل دافعاً لتقدم الجيش السوري بشكل أسرع نحو الضفة الغربية لنهر الفرات، وتحويل المنطقة الممتدة من الريف الغربي للرقة وحتى الحدود الإدارية لمحافظة دير الزور إلى منطقة عسكرية، ما مثّل عاملاً استراتيجياً للضغط على «قسد». بدا تحرّك السكان في ريف دير الزور الشرقي طبيعياً ومتوقعاً، في ظل بركان محتدم من الاحتقان المحلي تراكم خلال ثماني سنوات من سيطرة «قسد»، حيث اختزنت طبقات المجتمع صراعات كامنة مع العشائر المحلية، تجلت أبرز انفجاراتها في المواجهات العنيفة التي اندلعت في 27 آب/أغسطس 2023 عقب اعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل، حين شنّ تحالف من القبائل هجمات مسلحة على عشرات المواقع احتجاجاً على ما اعتبروه إقصاءً ممنهجاً وتحكّماً بالقرار المحلي.
لم تكن تلك الأحداث عابرة، بل كشفت هشاشة السيطرة الميدانية وعمّقت الشرخ مع الحاضنة الاجتماعية، ما جعل الحراك الشعبي الحالي في قرى وبلدات الرقة ودير الزور امتداداً منطقياً لاحتقان قديم، تمدّد تدريجياً حتى بلغ مركز مدينة الرقة.
مع هذه الهزيمة الميدانية والانكسار السياسي، بدأت «قسد» تفقد السيطرة تدريجياً، حيث تجلّى ذلك في انسحابها من مقراتها في الرقة وإخراج عوائل عناصرها، وهو ما شكّل اعترافاً عملياً بفقدان القدرة على الصمود وانهيار صورة القوة التي حكمت بها المنطقة لسنوات.
ورغم وجود بعض مظاهر المقاومة المتفرقة، تمثلت في تحصينات محدودة وتدمير الجسرين الرئيسيين اللذين يربطان ضفتي نهر الفرات بهدف عرقلة تقدّم القوات الحكومية، كشف الانهيار السريع لمنظومة القرار هشاشة السيطرة السابقة، وبعد ذلك، جرى توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و«قسد» في 18 كانون الثاني/يناير 2026، بالتزامن مع انتفاضة الشعب في الرقة ودير الزور، والذي نصّ على وقف شامل وفوري لإطلاق النار، انسحاب التشكيلات إلى شرق نهر الفرات، وتسليم المحافظتين إدارياً وعسكرياً بالكامل، بما يشمل المؤسسات والمنشآت المدنية، مع تثبيت الموظفين ضمن وزارات الدولة، وضمان عدم التعرّض للمقاتلين والإدارة المدنية، والسماح بترشيح قيادات محلية لتولي مناصب عليا بما يضمن التمثيل المحلي.
حتى بعد الاتفاق، حاولت «قسد» إعادة استخدام المماطلة في التنفيذ، لكنها واجهت ضغطاً سياسياً وميدانياً غير مسبوق، إلى جانب رفض شعبي متزايد لسياسات الإدارة الذاتية، ما قلّص هامش المناورة إلى أدنى مستوياته.
تحولات المشهد
دخل المشهد في الجزيرة السورية طوراً جديداً اتّسم بالتصعيد السياسي والميداني، تجلّى بوضوح في انسحاب «قسد» من مراكز الثقل السكاني العربية. لم يكن هذا الانسحاب خطوة ميدانية معزولة، بل مثّل تحوّلاً استراتيجياً في سلوك «قسد»، تمثّل في التخلي عن منطق السيطرة المفتوحة مقابل البحث عن أدوات ضغط بديلة بعد تآكل قدرتها العسكرية بدءاً من الأشرفية والشيخ مقصود حتى الرقة ودير الزور. وفي هذا السياق، حمل الانسحاب بعداً رمزياً مدروساً، حاولت من خلاله إعادة تأطير الصراع سياسياً، عبر تقديم ما جرى وكأنه استهداف للقومية الكردية، لا كقوة عسكرية معزولة ومهزومة، مستغلة في الوقت نفسه آخر ورقة ضغط متاحة لديها بعد انهيارها ككتلة عسكرية فاعلة.
غير أن هذا التحول تزامن مع انحسار نفوذها الجغرافي وتراجع غطائها الدولي، ما أفقد هذه المقاربة قدرتها على إنتاج مكاسب سياسية أو فرض شروط تفاوضية جديدة. وعلى هذا الأساس، دخل المشهد ما بعد الرقة ودير الزور مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحسابات الأمنية والسياسية. فبينما تسعى الحكومة إلى تثبيت سيطرتها على المناطق المستعادة، مستفيدة من التحول الأمريكي الذي منحها موقع الشريك الرئيسي في مكافحة الإرهاب، تبدو المرحلة الراهنة محكومة بإدارة توتر محسوب، لا بحسم فوري. مرحلة انتقالية يقف فيها السكان بين أمل الاستقرار ومخاوف التصعيد، فيما يتقدّم مسار إنهاء الأدوار الوظيفية القديمة ببطء، لكن بثبات، نحو إعادة رسم معادلة السيطرة والشرعية في الجزيرة السورية، ما يشير إلى أن ما جرى لا يمثل نهاية الصراع، بل نهاية مرحلة وبداية أخرى مختلفة في أدواتها وتوازناتها.
القدس العربي
————————————
شمال شرقي سوريا.. دمشق تطيح بمشروع «قسد» ودعم أمريكي دولي نحو سوريا موحدة/ حسام محمد
في ظل تسارع التحولات السياسية والعسكرية في سوريا، يتصدر ملف دمج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في مؤسسات الدولة المشهد، وسط تأكيد رسمي سوري على مبدأ السيادة ورفض أي قوة مسلحة خارج إطار الدولة. وبينما تتقاطع المواقف السورية والأمريكية حول إنهاء دور «قسد» كقوة مستقلة، تتجه المرحلة المقبلة نحو إعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي في شمال وشرق البلاد ضمن دولة موحدة.
منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، كثّفت إدارة الرئيس السوري أحمد الشرع جهودها لبسط الأمن واستعادة السيطرة على كامل الجغرافيا السورية. وكانت الحكومة قد وقّعت في آذار/مارس 2025 اتفاقًا مع «قسد» ينص على احترام الحقوق الكردية ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية، إلا أن التنظيم تنصّل لاحقًا من تنفيذه.
قبل أيام، أطلق الجيش السوري عملية عسكرية في شرقي وشمال شرقي البلاد، استعاد خلالها مناطق واسعة بعد خروقات متكررة من «قسد»، وتزامن التقدم مع مقتل 22 مدنيًا على يد «قسد»، بينهم ثلاثة أطفال، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، نتيجة عمليات انتقامية نفذها التنظيم.
وعقب ذلك، وقع الرئيس الشرع اتفاقًا جديدًا لوقف إطلاق النار يقضي بإدماج عناصر «قسد» ضمن مؤسسات الدولة، بما في ذلك الإدارة المكلفة بسجناء ومخيمات تنظيم «داعش»، لتتولى دمشق المسؤولية القانونية والأمنية الكاملة عنها.
ومع استعادة الحكومة السيطرة الكاملة على حقول النفط والغاز، تتشكل انعطافة اقتصادية مهمة منذ عقود، تتيح إنهاء التبعية للخارج في تأمين الطاقة، وتوفير مئات الملايين شهريًا كانت تُنفق على الواردات، وزيادة الإيرادات الحكومية من النفط والغاز.
على الصعيد الدولي، نقلت «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن نجاح الجيش السوري دفع إلى التشكيك في جدوى استمرار الوجود العسكري الأمريكي، فيما بدأت واشنطن نقل محتجزي «داعش» إلى العراق، وأكدت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة دوروثي شيا قدرة الحكومة السورية على السيطرة على هذه المراكز ودعم جهود الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، شدّد مصدر دبلوماسي في وزارة الخارجية السورية على أن خيارات الدولة «مفتوحة» لحماية السيادة شرق نهر الفرات، مؤكداً أولوية بسط سلطة القانون وإنهاء أي سلاح غير شرعي، مع تحميل «قسد» مسؤولية خرق اتفاقات وقف إطلاق النار.
دمشق: لا قوة عسكرية خارج الدولة
في ظل الجدل المتصاعد حول مآلات اتفاق 18 الجاري الخاص بدمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة السورية، أوضح دبلوماسي في وزارة الخارجية السورية، في تصريح خاص لـ «القدس العربي»، أن الدولة تتعامل مع الملف بمنهج تدريجي محسوب، بدون التنازل عن ثوابتها الوطنية أو حقها الكامل في حماية الأمن والاستقرار.
وقال إياد هزاع، الدبلوماسي في وزارة الخارجية السورية، إن آخر تطورات ملف دمج قوات «قسد» تشير إلى أن العملية تسير وفق مبدأ التدرج والالتزام بالثوابت الوطنية، لافتا إلى أن الدولة منحت هذا المسار فرصته الكاملة، انطلاقا من حرصها على تجنب أي فراغ أمني أو صدام داخلي، مع التأكيد على أن هذا التدرج لا يعني القبول بأمر واقع خارج إطار السيادة.
وأوضح هزاع أن آلية الدمج تقوم على إدماج العناصر ضمن مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش العربي السوري، وفق القوانين والأنظمة النافذة، مشددا على أنه لا يمكن القبول بوجود أي قوة عسكرية أو أمنية خارج مؤسسات الدولة الرسمية، وأن مستقبل العناصر مرهون حصرا بآليات الدمج القانونية والمؤسساتية، مؤكدا أن أي دور عسكري أو أمني خارج مؤسسات الدولة مرفوض بشكل قاطع.
وحول ما بعد مساء السبت في حال تعثر عملية الدمج، أكد هزاع أن الدولة تحتفظ بحقها الكامل في تقييم الموقف واتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية الأمن والسيادة، مع إبقاء باب الحلول السياسية مفتوحا، ولكن ضمن سقف زمني واضح، وليس إلى ما لا نهاية.
وفي معرض حديثه عن الأخطاء الجوهرية التي أدت إلى تعقيد علاقة «قسد» مع دمشق، أشار الدبلوماسي إلى أن أبرز هذه الأخطاء، تلك التي تمثلت في الارتهان إلى خيارات خارج الإطار الوطني، وطرح صيغ سياسية وأمنية لا تنسجم مع وحدة الدولة، إضافة إلى التأخر في الانخراط الجدي في حوار وطني حقيقي تحت سقف السيادة السورية.
أما عن تأثير هذا الاتفاق على الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، فرأى هزاع أن الحكومة السورية تقيم هذا الملف انطلاقا من مبدأ السيادة، مع الأخذ في الاعتبار تداخل العوامل الداخلية والخارجية، مشيرا إلى أن أي تطور في هذا السياق سيبقى مرتبطا بمدى انسجامه مع وحدة الدولة السورية واستقرارها، وهي نتائج لا يمكن حسمها بشكل نهائي في هذه المرحلة.
دعم أمريكي لمعالجة ملف «قسد»
قال السفير والباحث في مركز الدراسات الدولية في واشنطن، بسام بربندي، إن سوريا انتقلت بشكل تلقائي من موقع سياسي إلى آخر بعد سقوط نظام الأسد وانهيار محور إيران في سوريا، معتبرا أن الإعلان الفعلي عن هذا الانتقال جرى في المملكة العربية السعودية خلال اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس السوري أحمد الشرع، وأن كل ما تلا ذلك يأتي في إطار نتائج هذا اللقاء.
وأوضح بربندي، في تصريح خاص لـ «القدس العربي»، أن هناك توافقا في وجهات النظر بين سوريا والولايات المتحدة حول مستقبل سوريا الموحدة، مشيرا إلى أن واشنطن تساعد دمشق في معالجة ملف «قسد»، وتقدم دعما في مسار التفاوض مع إسرائيل، إضافة إلى المساعدة في معالجة قضية السويداء، لافتا إلى أن هذا الدعم يشمل دعم الاقتصاد السوري ورفع العقوبات وفتح الأبواب الدولية أمام سوريا.
وأشار إلى وجود تنسيق أمني–عسكري سوري–أمريكي يشمل عدة محاور، من بينها محاربة تنظيم الدولة، ومكافحة المخدرات، وتهريب السلاح، والتصدي للنفوذ الإيراني، مؤكدا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شدد في تصريحاته على ضرورة أن تكون سوريا مستقرة ومزدهرة اقتصاديا، وأن الازدهار الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق بدون استقرار اجتماعي وأمني. وأضاف أن الخطوات التي جرت مع قوات «قسد» تندرج في إطار بسط الاستقرار تمهيدا لمرحلة جديدة عنوانها التعاون الاقتصادي.
وبين بربندي أن الولايات المتحدة لن تساعد سوريا كحكومة بشكل مباشر، إلا أن القطاع الاقتصادي الأمريكي الخاص سيكون له اهتمام واضح بالسوق السورية بعد انتهاء مرحلة الاستقرار في البلاد.
وأكد أن المرحلة الحالية تشهد تعاونا حقيقيا ومؤسساتيا بين الحكومتين السورية والأمريكية، موضحا أن رؤية واشنطن تقوم على عدم التعاون مع مجموعات مسلحة خارج إطار الدولة، وأن دور قوات قسد قد انتهى، وهو ما لم تخفه الولايات المتحدة عن هذه القوات منذ لقاء ترامب–الشرع، معتبرا أن دمشق هي الشريك الحقيقي.
وأضاف بربندي، أن النظرة إلى الجزيرة السورية هي نظرة سيادية تقوم على دولة واحدة وعلم واحد وعاصمة واحدة، لتأتي بعد ذلك مرحلة الاستثمارات، مؤكدا أن الدولة السورية هي الجهة المسؤولة الأولى والأخيرة عن محاربة تنظيم الدولة وحماية السجون. وأشار إلى أنه في مرحلة لاحقة سيتم سحب القوات الأمريكية من سوريا ووقف المساعدات لقوات «قسد»، بما يعزز سلطة الدولة وشرعيتها.
وفيما يتعلق بالملف الكردي، قال بربندي إن الحكومة السورية منحت السوريين الأكراد كامل حقوقهم القانونية بموجب المرسوم الرئاسي الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، معتبرا أن الإشكالية الحقيقية تكمن في بناء قنوات التواصل، وإسكات الجهات التي تعمل على إثارة الفوضى بين العرب والكرد، وتسعى إلى افتعال فتنة عربية–كردية، خدمة لأطراف لا تريد حلا سوريا–سوريا.
وختم بالإشارة إلى أن المرحلة القريبة المقبلة ستشهد عقد اجتماع رفيع المستوى يضم الولايات المتحدة وتركيا وسوريا والعراق، للتنسيق لمرحلة ما بعد «قسد»، والتي تتضمن محورين أساسيين: مكافحة تنظيم الدولة بكل، واحتواء تنظيم حزب العمال الكردستاني. بكل تفاصيله.
لماذا مشروع «قسد» انتهى أو في نهايته؟
قال د. باسل الحاج جاسم، مستشار سياسي سوري، إن الواقع على الأرض يشير إلى نقطة مفصلية، وهي أن الحكومة السورية الجديدة بسطت سيطرتها على مساحات واسعة كانت تدار فعليا من قبل «قسد»، بما في ذلك الرقة ودير الزور، وكذلك حقول النفط والغاز. وقد أدى ذلك إلى انهيار الهيمنة العسكرية والسياسية التي كانت تمتلكها «قسد» في شمال وشرق البلاد، إضافة إلى اتفاق 18 يناير 2026 بين دمشق و«قسد»، الذي يشمل الانسحاب التدريجي للقوات من المشهد كقوة مستقلة، وتسليم المعابر والمناطق الحيوية للدولة السورية، ودمج عناصرها في مؤسسات الدولة بشكل فردي وليس كقوة معيارية.
وأوضح أن هذا يعني عمليا تفكيك الهيكل التنظيمي العسكري والسياسي لهذه المجموعة المسلحة كما كان معروفا. ولفت إلى أن النقطة الأهم تتمثل في تصريحات المسؤولين الأمريكيين الصريحة بأن واشنطن تعتبر أن الحاجة لوجود «قسد» كقوة مستقلة بعد داعش قد انتهت، وأن الحكومة السورية الجديدة باتت قادرة على تولي الأمن بشكل كامل، وهو تحول واضح في الموقف الأمريكي من دعم مباشر إلى إغلاق هذا الفصل من التعاون.
وأشار إلى أن التحول في السياسة الأمريكية يعكس توجها أوسع لا يتعلق فقط بمكافحة داعش، بل بإعادة تأهيل سوريا ضمن إطار سياسي موحد، وتجنب دورات طويلة من الدعم العسكري لقوات غير حكومية داخل الدولة.
وأضاف أنه عندما بدأت واشنطن تتحدث بصراحة عن محدودية مستقبل «قسد» بعد الحرب على داعش، كانت ترسل إشارة مزدوجة: الأولى أن المهمة الوظيفية التي أنشئت من أجلها «قسد» تقترب من نهايتها، والثانية أن الولايات المتحدة لا تريد الارتباط بمشروع سياسي طويل الأمد في شمال شرق الجمهورية العربية السورية. وبيّن أن هذا النوع من الخطاب في السياسة الأمريكية يستخدم عادة عندما تقرر إدارة ما تقليص التزاماتها أو إعادة توزيع نفوذها بما يتناسب مع أولويات استراتيجية أكبر.
واشنطن: لا تستثمر في كيانات مسلحة
وأوضح د. باسل الحاج جاسم أن هناك أربعة أسباب رئيسية تقف خلف هذه القناعة، تتمثل أولا في انتهاء الحاجة العسكرية المباشرة، إذ تشكلت «قسد» كأداة برية لمحاربة داعش مكملة للقوة الجوية الأمريكية، وبعد انحسار التنظيم أصبح المبرر الأمني الذي كان يحمي هذا التحالف أضعف.
وأضاف لـ«القدس العربي»: أن الولايات المتحدة لا تستثمر في كيانات مسلحة إلا إذا كانت تحقق هدفا أمريكيا واضحا ومستداما، ومع تراجع ذلك الهدف أصبح استمرار دعم «قسد» عبئا سياسيا أكثر منه مكسبا.
وأشار إلى أن من بين الأسباب أيضا أهمية تركيا وإعادة ترتيب العلاقة معها، إذ تعتبر أنقرة «قسد» تهديدا أمنيا وجوديا، في وقت تحتاج فيه الولايات المتحدة إلى تركيا في ملفات أهم، مثل حرب أوكرانيا، وتوازن القوى مع روسيا، ومستقبل الناتو، والنفوذ في البحر الأسود والقوقاز.
كما لفت إلى أن واشنطن أدركت أن التضحية بالملف الكردي أقل كلفة من خسارة تركيا أو دفعها أكثر باتجاه موسكو.
النقطة الأبرز، وفق المتحدث، تبقى في عدم قابلية مشروع «قسد» للتحول إلى كيان سياسي معترف به، إذ تفتقر إلى عمق اجتماعي عربي واسع، فالمناطق التي كانت تحت سيطرتها ذات أغلبية عربية مطلقة في بعضها وشبه مطلقة في بعضها الآخر، كما تفتقر إلى سند إقليمي أو اعتراف دولي، ولا تمتلك اقتصادا مستقلا، ما يجعلها قوة وظيفية لا مشروع دولة. وعندما تفقد القوة الوظيفية وظيفتها تنتهي الحاجة إليها.
وختم د. باسل الحاج جاسم بالقول إن عامل توازن القوى في سوريا بعد الحرب يشكل اتجاها مهما بالنسبة لواشنطن، لأنه يخرجها من عبء إدارة منطقة دون أفق سياسي.
في ظل الجدل المتصاعد حول مستقبل «قسد» والمرسوم الرئاسي المتعلق بالحقوق الكردية، تقول آراء المحليين، إن «قسد» صادرت القرار الكردي والتمثيل الكردي كونها سلطة أمر واقع منظمة، تمتلك قوة عسكرية وموارد هائلة وغطاء سياسيا خارجيا، كما همّشت كل القوى الكردية الأخرى، ما دفع الدولة السورية إلى التعاطي معها. وأشار إلى أن حقوق المكوّن الكردي جرى تثبيتها في أحد بنود اتفاق آذار 2025.
سحب ورقة الحقوق من «قسد»
مع انتهاء مهلة تنفيذ اتفاق آذار، كان التصعيد سيد الموقف، فبعد أن خسرت «قسد» أوراقها عبر عرقلة مسيرة العهد الجديد، لم يبق لها من شرعية أمام الداخل والخارج سوى رفع مظلومية الكرد والقتال تحت هذا العنوان.
واعتبر المحلل السياسي باسل أورفه لي أن خطوة الرئيس الشرع كانت موفقة زمنيا، إذ منح المكوّن الكردي كامل حقوقه، وسحب من تنظيم قسد ذريعة القتال من أجل نيلها، كاشفا زيف ادعاءاتها بالتمسك بمكاسبها الحالية إلى حين الإقرار بالحقوق.
وأضاف أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع قوى دون الدولة إلا في حال كانت تلك الدولة عدوة لها أو في خصومة معها، لافتا إلى أن تعامل واشنطن سابقا مع تنظيم «ب ي د»، جاء في مرحلة كانت فيها حكومة نظام الأسد غير صديقة للولايات المتحدة. ومع إسقاط الأسد، برزت فرصة لقيام حكومة سورية جديدة صديقة لواشنطن، وهو ما تحقق فعليا، ما أدى إلى انضمام سوريا إلى التحالف الدولي، وانتفاء الحاجة إلى منظمات دون الدولة تكون متخاصمة مع الحكومة وتنافسها وتتمتع في الوقت ذاته بعلاقة خاصة مع أمريكا.
وأشار إلى أن مسار التخلي عن «قسد» بدأ منذ اتفاق آذار، موضحا أن الولايات المتحدة أرادت حل «قسد» ودمجها في الدولة السورية بطريقة تتيح لها الظهور أمام الرأي العام الدولي بأنها لا تتخلى عمن ساعدها سابقا، ولذلك خدم صدور المرسوم الرئاسي في هذا التوقيت السردية الأمريكية التي تبرر التخلي عن» قسد» بذريعة حصول الكرد على كامل حقوقهم من الحكومة المركزية، الحليف الجديد لواشنطن.
وأكد أورفه لي أن شرعية «قسد» كانت مستمدة خارجيا من كونها شريكا محليا للتحالف الدولي في الحرب على الإرهاب، وداخليا من ادعائها السعي لنيل الحقوق الكردية بقوة السلاح. ومع رغبة الولايات المتحدة في الاعتماد على الحكومة المركزية في الحرب على تنظيم الدولة وإدارة السجون الخاصة بعناصره، نظرا لخبرة دمشق السابقة والمجربة في محاربة التنظيم وتجفيف منابعه الفكرية، جرى سحب هذه الورقة الجوهرية من «قسد»، ليتزامن ذلك مع صدور المرسوم رقم 13 الذي انتزع منها ملف الحقوق، ما جعلها، وفق تعبيره، ميليشيا مفلسة على الأرض بلا مهام واضحة. ورأى أن تصرف «قسد» بإطلاق سراح سجناء من تنظيم الدولة في سجن الشدادي ومخيم الهول تصرف هستيري، يكشف أنها ليست سوى امتداد لحزب العمال الكردستاني، وأن عقلية الفصيل ما زالت تتحكم بسلوكها. واعتبر أن «قسد» انتهت عمليا عند هذه المرحلة، لا سيما مع تصريحات توم براك الصريحة بالتخلي عنها ودعم الحكومة السورية، ثم تصريحات الرئيس ترامب التي أكدت موقف مبعوثه إلى سوريا، ما سهّل على الأمريكيين تبرير التخلي عنها بوصفها ميليشيا غير مسؤولة لا يمكن استمرار التعاون معها في ظل توفر البديل الموضوعي المتمثل بالحكومة السورية المركزية في دمشق.
وختم أورفه لي بالقول إن الولايات المتحدة لم تنظر إلى «قسد» يوما إلا بوصفها شريكا عسكريا لمهام محددة، ولم تعترف بقيادتها السياسية المسماة مسد، ولم تضغط لإشراك ممثليها في مسارات الحل السياسي التي كانت ترعاها الأمم المتحدة قبل إسقاط النظام السابق، سواء في مسار جنيف أو اللجنة الدستورية.
كما لم تعترف بجناحها المدني المسمى الإدارة الذاتية، ولم تدعم أي من خطواته. وأضاف أنه حتى بعد إعلان الرئيس ترامب في ولايته الأولى هزيمة تنظيم الدولة وانتهاء مهمة «قسد» كقوة عسكرية، أبقت الولايات المتحدة على وجودها ودعمها خشية أن يملأ الفراغ شرق الفرات محور نظام الأسد والحرس الثوري الإيراني والروس.
إلا أن سقوط النظام السابق بدّل كل المعطيات، حيث أعلنت واشنطن أنها لا تخطط لبقاء طويل لقواتها في سوريا، وأنها ستتعاون مع الحكومة السورية في الحرب على الإرهاب وإدارة السجون، مؤكدا أن الولايات المتحدة تتحرك وفقا لمصالحها أولا، لا لحماية أقليات أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
القدس العربي
————————–
أفول الإدارة الذاتية كنقطة تحول استراتيجية في سوريا/ فاضل خانجي
2026.01.25
أعادت سرعة الانهيار في صفوف “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) إلى الأذهان سرعة انهيار جيش نظام الأسد في أثناء معركة ردع العدوان، إذ اشترك كلا الطرفين بعامل مشترك: عدم القدرة على الصمود على الجبهات في ظل غياب الدعم الخارجي، لا سيَّما الجوي من نوعه. لم تصمد قوات قسد في مناطق سيطرتها في غرب الفرات سوى أيام، في حين أنها انهارت في ظروف ساعات معدودة في دير الزور والرقة غرب الفرات. أفضى هذا الانهيار المتتالي والمتسارع إلى الإعلان عن توقيع اتفاقية تقضي في جوهرها ببسط دمشق لسيادتها على جميع مناطق شمال شرقي سوريا، أي الإعلان الرسمي لأفول مشروع “الإدارة الذاتية”، سردية قسد السياسية على مدار السنوات الماضية. وبغض النظر عن قبول قسد بتطبيق الاتفاق أم لا، فإنَّ أفول هذا المشروع لم يعد محل النقاش، بل أصبحت كيفية تطبيق الشكل النهائي للحل، وانعكاساته الأمنية والسياسية الأسئلة المحورية الراهنة.
لا شكَّ بأنَّ الأسبوع الفائت بما حمله من تطورات ميدانية وسياسية يقدِّم دلالات ذات أهمية بالغة على مستويات عديدة: بدءاً من الهشاشة التنظيمية وثبات الأكواد الأيديولوجية والحسابات الاستراتيجية لقسد، مروراً بطبيعة السياسية الأميركية تجاه التنظيم كوكيل محلِّي، وانتهاءً بأفول الإدارة الذاتية كنقطة تحول على مستوى المرحلة الانتقالية في سوريا.
قسد لم تمر بمسار تحوُّل حقيقي
من المعروف الارتباط البنيوي والأيديولوجي لقوات قسد بـ”حزب العمال الكردستاني” (ب ك ك)، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الطبيعة الأيديولوجية والبنية التنظيمية لمشروع “الإدارة الذاتية”، بدءاً من ارتكازها على فلسفة مؤسس المنظمة الأم حزب (ب ك ك) أوجلان على المستوى التنظيري وانتهاءً باعتمادها على كوادر الحزب للسيطرة على وإدارة جميع البنى العسكرية والإدارية. كما لم يكن سرَّاً الاحتقان الشعبي-المحلي من النموذج الذي سعت قسد لفرضه، رغم انفصاله الكامل عن السياق الثقافي-الاجتماعي السوري عموماً والعربي-العشائري خصوصاً. الأمر الذي سرَّع من انهيار هذا النموذج في أوَّل امتحان حقيقي له.
لم يكن من الممكن ألَّا ينعكس الارتباط التنظيمي والأكواد الأيديولوجية لقسد على الحسابات الاستراتيجية خاصتها، لا سيَّما فيما يتعلق بالهدف النهائي للتنظيم في الساحة السورية ونظرته لـ8 كانون الاول/ديسمبر وسقوط نظام الأسد. فعلى عكس فصائل المعارضة (السابقة) التي بدأت بالاندماج في مسار بناء الدولة الجديدة – الأمر الذي يرتبط بتحقيق هذه الفصائل لهدفها النهائي المتمثِّل بإسقاط النظام – لم يكن إسقاط نظام الأسد هدفاً نهائيَّاً لقسد، التي تبنَّت خطّاً ثالثاً على مدار سنوات الصراع بهدف تأسيس ما تسميه “الإدارة الذاتية” بشكل منسجم مع الأكواد الأيديولوجية الخاصة بحزب الـ (ب ك ك). في هذا السياق، دخلت قسد مفاوضات مع نظام الأسد لتحقيق هذا الهدف قبل 8 كانون الأول/ديسمبر، ولم تنظر بشكل مختلف لمحادثاتها مع دمشق بعد سقوط النظام.
باختصار، لم تشهد قسد تحوُّلا حقيقيا على مستوى الأكواد الأيديولوجية أو الارتباط التنظيمي أو الحسابات الاستراتيجية، وهو ما أدخل اتفاق آذار في حالة استعصاء نتيجة رهانات التنظيم على استمرار ديناميات ما قبل 8 ديسمبر، الأمر الذي جعل الصدام العسكري حتميَّاً.
قسد كوكيل محلِّي (بروكسي) في الحسابات الأميركية
من المعروف في دراسات العلاقة بين الدولة الراعية والوكيل المحلي في الأدبيات الأكاديمية بأنَّ شكل هذه العلاقة تتحدد بعوامل رئيسية أهمها مرتبط بالهدف النهائي لهذا الدعم، أي هدف طموح (كالإطاحة بنظام حكم مثلاً) أو محدود؛ وهو ما ينعكس على طبيعة الدعم ومدى استمرارية العلاقة. تاريخيَّاً تلقَّى حزب العمال الكردستاني (ب ك ك) دعماً من فواعل مختلفة: الاتحاد السوفييتي – إذ لا يمكن فصل نشأة الحزب عن سياق الحرب الباردة – وإيران ونظام الأسد. في حين كانت واشنطن الراعي الرئيسي لقسد، إلَّا أنَّ الأخيرة لم تدرك بأنَّ طبيعة هذه العلاقة كانت مرتبطة بهدف محدود – وهو ما صرَّح به المسؤولون الأميركيون مراراً – وهو مكافحة تنظيم داعش.
بهذا المعنى، كان السياق الجيوسياسي على مر عقود العامل الأبرز الذي مكَّن حزب (ب ك ك) وفرعه المحلي من البقاء ونسج علاقات مع فواعل دولية وإقليمية مختلفة، إلَّا أنَّ سقوط نظام الأسد وانحسار النفوذ الإيراني وبروز سوريا الجديدة كشريك للتحالف الدولي غيَّر من هذه المعادلة بشكل جذري. بالنسبة لقسد، قرأ التنظيم هذه التحولات في سياق العلاقات التاريخية لـ(ب ك ك) مع فواعل مخلتفة عن بعضها البعض، وهو ما تجلَّى بمساعي قسد لنسج علاقات مع إسرائيل، لا سيَّما مع وضوح نوايا الأخيرة وسياساتها المزعزعة للاستقرار في سوريا والمنطقة.
باختصار، كانت العلاقة بين واشنطن وقسد بجوهرها علاقة مؤقتة، إلَّا أنَّ السياق التاريخي لارتباطات حزب (ب ك ك) الخارجية جعله يرفض قبول واقع جيوسياسي جديد يضيِّق الخناق عليه، وهو ما اتَّضح باستجداء قادة قسد لدعم إسرائيلي.
أفول الإدارة الذاتية كنقطة تحول استراتيجية
بالنسبة لدمشق، يشكِّل أفول “الإدارة الذاتية” نقطة تحوُّل محورية على مستوى المرحلة الانتقالية السورية ككل، إذ تقطع الطريق أمام تحويل سوريا إلى عراق ثانٍ. فهي خطوة جديدة ومفصلية في تعزيز استقرار مركزي لم تكن إسرائيل ترغب بنشأته، وتغلق الباب أمام أحلام فلول النظام الذين انضموا لصفوف قسد، وتزيد من عزلة المجموعات الانفصالية في السويداء السورية، وتشكِّل فرصة لاستثمار الموارد الطبيعية السورية في مسار إعادة الإعمار. كما أنَّها تحمل دلالات استراتيجية بما يتعلق بالسياسة الخارجية السورية على مستوى عمق التنسيق السوري-التركي – لا سيما فيما يخص أحد أهم وأعقد الملفات السياسية الأمنية – وكذلك من ناحية تشكيلها لنقطة انعطاف إيجابية في مسار العلاقات السورية-الأميركية.
بالنسبة لقسد، فقد ضاقت مساحات المناورة خاصتها إلى حد كبير جداً. فالخيارات أمام التنظيم أصبحت واحد من اثنين: إمَّا قبول الواقع الجديد والاندماج وفق شروط الاتفاقية الأخيرة أو التحوُّل لتنظيم “تحت الأرض”. في الوقت الذي يقدِّم فيه الخيار الأوَّل فرصة استثنائية لانخراط قسد في العملية السياسية مع ضمان بسط سيادة الدولة بكلفة أمنية أقل، سيحمل الخيار الثاني كلفة أمنية أكبر على دمشق، لكنه سيكون بمنزلة الضغط على كل الأزرار بالنسبة لقسد، أي خطوة انتحارية بامتياز.
تلفزيون سوريا
—————————
تقرير: حسابات الشرع بين واشنطن والحسم الميداني في شرق سوريا
24 يناير 2026
سلطت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، في تقرير لها، الضوء على أبرز التطورات التي شهدها شمال شرقي سوريا خلال الأسبوعين الماضيين، بعد سيطرة القوات الحكومية على مساحات واسعة من مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وما تبعه من تغيّر في موازين السيطرة، ونقاش داخل واشنطن حول مستقبل الوجود العسكري الأميركي في البلاد.
تقدم “وول ستريت جورنال” في بداية تقريرها ملخصًا لأهم التطورات الميدانية التي شهدها شمال شرقي سوريا خلال الأسبوعين الماضيين، مشيرةً إلى أن الرئيس أحمد الشرع استطاع، عقب الهجوم الخاطف على “قسد”، إثبات قدرته على المناورة العسكرية واستعداده للمخاطرة بعلاقته مع واشنطن لتحقيق أهدافه.
وأضافت الصحيفة أن الشرع أمر بتنفيذ عملية عسكرية ضد “قسد”، رغم تهديد واشنطن بإعادة فرض العقوبات الأميركية على سوريا، فضلًا عن مخاوف الجيش الأميركي من أن يؤدي التصعيد إلى تعريض جنوده في المنطقة للخطر، وفتح الباب أمام فرار آلاف معتقلي تنظيم “الدولة الإسلامية”.
وبحسب “وول ستريت جورنال”، في المحصلة، نجحت مقامرة الشرع. فقد تمكن مساعدوه من إقناع فصائل عربية داخل “قسد” المدعومة من الولايات المتحدة بالانشقاق والانضمام إلى الحكومة، ما أدى إلى تفكك “قسد” التي يقودها الكرد خلال أيام قليلة، وانسحابها من مساحات واسعة في شمال شرقي سوريا.
وتعليقًا على ذلك، تقول الصحيفة إن هذه التطورات تحمل تداعيات بعيدة المدى على سوريا، وكذلك على الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، مشيرةً إلى أن مسؤولين عسكريين كبار في الإدارة الأميركية يناقشون حاليًا احتمال تنفيذ انسحاب أوسع، بعد أكثر من عقد من الوجود العسكري في البلاد.
وأشارت “وول ستريت جورنال” إلى أن الشرع استطاع بناء علاقة استثنائية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي دعمته لتفادي فراغ خطير في السلطة عقب سقوط الرئيس السابق بشار الأسد عام 2024.
وأضافت أن تحركاته الأخيرة لم تؤدِ إلى خسارة هذا الدعم، رغم استمرار حذر بعض المشرعين والمسؤولين العسكريين الأميركيين من ماضيه المسلح. كما ذكّرت الصحيفة بتصريحات ترامب، التي أشادت بـ”التقدم الهائل” الذي حققه الشرع، مضيفًا: “أعتقد أنه سيضع كل شيء في مكانه الصحيح”.
واعتبرت الصحيفة أن سيطرة القوات الحكومية على معظم مناطق شمال شرقي سوريا يُعد أهم انتصار استراتيجي للشرع منذ قيادته الهجوم الذي أطاح بحكم الأسد، لافتةً إلى أن ذلك الهجوم أسقط نظام الأسد خلال 11 يومًا فقط، منهيًا 13 عامًا من الحرب التي أودت بحياة نحو نصف مليون شخص ودمّرت المدن السورية.
ولفتت إلى أن العملية العسكرية الأخيرة أنهت حالة الجمود التي استمرت لأكثر من عام من المفاوضات بين “قسد” والحكومة الجديدة، معيدةً التذكير بأن قائد “قسد”، مظلوم عبدي، كان قد وافق العام الماضي على الاندماج ضمن الجيش السوري الجديد، لكنه طالب خلال محادثات بوساطة أميركية بالحفاظ على قدر من الحكم الذاتي وبقاء وحداته العسكرية، بحسب دبلوماسيين ومحللين غربيين مطلعين على المفاوضات.
وقال الدبلوماسي السوري، بسام برابندي، لـ”وول ستريت جورنال”: “أساء كثيرون تقدير قدرات هذا الرجل”. وأضاف: “اعتقدوا أن الحرب ضد قوات سوريا الديمقراطية ستستغرق أسابيع، لا ساعات أو أيام. ما حصل أنهم انهاروا ببساطة. لم يقاتلوا”.
من جانبها، أعادت المستشارة البارزة في مجموعة الأزمات الدولية، دارين خليفة، في حديثها لـ”وول ستريت جورنال”، التذكير بتصريحات سابقة لها. وقالت: “كنا نقول هذا دائمًا عنه. إنه يغامر كثيرًا، وأحيانًا ترتد عليه المخاطرة”.
وتقارن الصحيفة في تقريرها بين الهجوم الذي أطاح بنظام الأسد، وبين الهجوم الخاطف في شمال شرقي سوريا. وتعليقًا على ذلك تقول إن الشرع شن الهجوم على نظام الأسد عندما كانت روسيا غارقة في حرب أوكرانيا، وإيران متضررة من الضربات العسكرية الإسرائيلية، ما جعل النظام في أضعف حالاته.
أما بالنسبة للهجوم ضد “قسد”، فترى “وول ستريت جورنال” أن الشرع قدّر أن خصمه في موقع ضعف، لا سيما أن “قسد” أظهرت منذ فترة طويلة انقسامات بين مكوناتها الكردية والعربية وغيرها. كما مال السكان العرب في مدن كبرى خاضعة لسيطرتها، مثل الرقة ودير الزور، سياسيًا نحو الحكومة الجديدة في دمشق.
ومع ذلك، فإن الانتصار في الشمال الشرقي يعود إلى تحركات سياسية أكثر منه إلى تفوق عسكري. بحسب التقرير ذاته، فإن عددًا من المقربين من الشرع، بينهم رئيس جهاز الاستخبارات ووزير الخارجية، ينحدرون أصلًا من شرق سوريا، وقد استثمر تلك الروابط في مناطق ظلت خاضعة لسيطرة “قسد” لسنوات.
وأشارت إلى أن الشرع، في العام الماضي، كلف مسؤولًا بارزًا، جهاد عيسى الشيخ، المعروف باسم “أبو أحمد زكور”، بإدارة ملف التواصل مع العشائر العربية في المنطقة، مشيرة إلى أن ذلك أسهم، بحسب دبلوماسيين ومحللين، في إقناع مجموعات عشائرية قرب دير الزور بتغيير ولائها. وأضافت أن العشائر ساعدت القوات الحكومية خلال الأسبوع الماضي في السيطرة على أهداف استراتيجية، من بينها حقول نفط سورية رئيسية.
وقال المحلل المستقل المقيم في دمشق، ألكسندر ماكيفر، لـ”وول ستريت جورنال”: “استخدموا العشائر لفرض وقائع على الأرض دون إدخال الجيش مباشرة في البداية، ما أدى إلى انهيار قوات سوريا الديمقراطية في الرقة ودير الزور”، مشيرًا إلى أن “الانسحاب كان سريعًا إلى حد بدا كارثيًا بالنسبة لهم، خصوصًا في دير الزور”.
كما رأى الخبير المخضرم في الشأن السوري والمحلل الأمني في معهد “سينتشري إنترناشيونال”، آرون لوند، أنه “كان من المتوقع دائمًا أن يحدث شيء كهذا”، لافتًا إلى أن “ميزان القوى على الأرض يميل بقوة لصالح الشرع”.
وأعاد التقرير التذكير بمنشور المبعوث الأميركي باراك على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، الذي كتب قائلًا: “اليوم تغيّر الوضع جذريًا. دمشق باتت راغبة وقادرة على تولي المسؤوليات الأمنية، بما في ذلك السيطرة على مرافق احتجاز تنظيم الدولة الإسلامية والمخيمات”.
لكن السيطرة على شمال شرقي سوريا، وفقًا لـ”وول ستريت جورنال”، لا تخلو من مخاطر جسيمة بالنسبة للشرع والحكومة الناشئة في دمشق، إذ أدى الهجوم بالفعل إلى تعبئة بعض الكرد في سوريا والمنطقة ضد الحكومة. كما يكتنف الغموض مستقبل القوات الأميركية المنتشرة في عدة قواعد في شمال شرقي سوريا.
ولفتت الصحيفة إلى أنه مع ضعف “قسد” إلى حد كبير، أو احتمال تفككها، ليس من الواضح ما إذا كان بإمكان هذه القوات البقاء في البلاد، وفق مسؤولين أميركيين. وأضافت أنه خلال الهجوم، أسقطت القوات الأميركية طائرة مسيّرة واحدة على الأقل تابعة للحكومة السورية قرب إحدى القواعد التي تستخدمها، بحسب مسؤولين أميركيين. وأضاف أحدهم أن قوات الشرع أطلقت النار على ثكنات “قسد” داخل القاعدة.
وختمت “وول ستريت جورنال” تقريرها بالإشارة إلى أن التحدي الأكبر أمام الشرع قد يتمثّل في الحفاظ على الانضباط داخل قواته، مشيرةً إلى أن أي انتهاكات لحقوق الإنسان بحق المدنيين الكرد أو مقاتلي “قسد” المنسحبين قد تقلب الرأي العام السوري والدولي ضده سريعًا، مستندة في ذلك إلى أحداث العنف الطائفي التي شهدها الساحل السوري في آذار/مارس، والسويداء في تموز/يوليو 2025.
الترا سوريا
———————————
استمرار اختفاء الصحفي فراس البرجس يثير مخاوف من “إخفاء قسري” بعد نقله إلى سجن سري
25 يناير 2026
لا يزال مصير الناشط الإعلامي فراس البرجس مجهولًا، وفقًا لما أعلنه وزير الإعلام، حمزة المصطفى، بعد أن تأكدت عائلته من عدم وجوده ضمن المعتقلين في سجن الأقطان بمدينة الرقة، الذي كانت تديره “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) سابقًا.
وأوضح المصطفى، في منشور عبر منصة “إكس”، أن معلومات وردت من مصادر موثوقة تشير إلى قيام “قسد” بنقل البرجس إلى سجن سري تحت الأرض في مدينة عين العرب (كوباني)، وذلك بعد أن تعرض لـ “تعذيب جسدي ونفسي شديد” خلال فترة اعتقاله.
يأتي هذا الإعلان ليفاقم المخاوف الإنسانية والقانونية حول وضع البرجس، حيث يخشى نشطاء ومؤسسات حقوقية من احتمالية تعرضه لـ “إخفاء قسري”، خاصة مع عدم وجود أي اعتراف رسمي من “قسد” بمكان احتجازه أو بمحاكمته بشكل علني.
وقد أثار اختفاء البرجس، الذي امتد لعدة أشهر، احتجاجات حقوقية واسعة، طالبت بالكشف الفوري عن مصيره، وضمان سلامته الجسدية، ومحاسبة المسؤولين في “قسد” عن الانتهاكات الجسيمة المزعومة بحق الصحفيين والنشطاء في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وسبق أن وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اعتقال “قسد” للبرجس من مكان سكنه في مدينة الرقة، في 8 كانون الأول/ديسمير الماضي واحتجازه تعسفيًا دون إبراز مذكرة اعتقال رسمية، قبل تحويله إلى ما يُسمّى بـ”محكمة الإرهاب” في مدينة “عين العرب” (كوباني)، مؤكدةً إدانتها حادثة “الاعتقال التعسفي”، مشيرةً إلى أن ما جرى يشكّل انتهاكًا لحقوقه القانونية الأساسية، واعتداءً مباشرًا على حرية العمل الصحفي في مناطق سيطرة “قسد”.
وأوضحت الشبكة أن دورية أمنية تابعة لـ”قسد” اعتقلت البرجس من مكان سكنه في منطقة المساكن الشبابية في مدينة الرقة، وهي مساكن مخصصة للإعلاميين، دون إبراز مذكرة اعتقال رسمية. وبحسب المعلومات التي حصلت عليها الشبكة، تعرّض فراس البرجس “للاعتداء بالضرب أثناء عملية الاعتقال”، قبل أن يتم اقتياده إلى “مقر الاستخبارات في منطقة شارع النور داخل مدينة الرقة”.
وأضافت أن البرجس بقي محتجزًا في مقر الاستخبارات في مدينة الرقة حتى تاريخ 16 كانون الأول/ديسمبر، مشيرةً إلى أنه “مُنعت عائلته بشكل كامل من زيارته أو التواصل معه طوال فترة الاحتجاز، كما لم يُسمح له بتوكيل محامٍ، في انتهاك واضح لحقوقه القانونية الأساسية”.
وذكر البيان أنه “في يوم الثلاثاء 16 كانون الأول/ديسمبر، تم نقل فراس البرجس إلى ما يُعرف بـ”محكمة الإرهاب” في مدينة عين العرب (كوباني) شمال شرق محافظة حلب، دون تقديم أي توضيحات رسمية حول وضعه القانوني أو الأساس القانوني لاحتجازه”. ووفقًا لمعلومات الشبكة، وُجّهت إليه “اتهامات بالتعامل مع مؤسسات إعلامية تابعة للحكومة السورية”.
وبحسب بيان الشبكة، البرجس من مواليد عام 1998، وخضع “لعدة دورات في الصحافة والإعلام ضمن أكاديميات تدريبية” تابعة لـ”قسد”، ويعمل حاليًا في إذاعة “صوت الحياة”، كما عمل سابقًا منذ عام 2018 في وكالة “هاوار” ثم قناة “روناهي”، وهي مؤسسات إعلامية تعمل ضمن مناطق سيطرة “قسد”، مضيفة أنه كان خلال الفترة الأخيرة “يعمل مقدّم محتوى مرئي في الإذاعة ذاتها”.
وتعد قضية البرجس جزءًا من ملف أوسع يتعلق بممارسات الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري الذي تتهم منظمات حقوقية عدة أطراف في الصراع السوري بارتكابها، وسط مطالب دولية متكررة باحترام القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان.
————————–
قسد تقر بتخصيص قسم في سجن الأقطان بالرقة لـ”القصّر“
الرياض- العربية.نت
25 يناير ,2026
وسط موجة الغضب التي عمت مدينة الرقة في شمال سوريا، إثر تحرير القوات الحكومية عشرات القصر من سجن الأقطان، أقرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بأنها خصصت قسماً من السجن للقاصرين.
وأوضحت قسد في بيان اليوم الأحد أن قسماً من السجن المذكور كان “يضم عدداً من الأحداث، بعضهم كان قد تورط في جرائم متنوعة وُرِفعت بشأنها شكاوى رسمية من المواطنين، فيما وقع آخرون ضحايا للتجنيد والاستغلال من قبل تنظيم داعش الإرهابي”.
“معاملة خاصة”
كما أضافت أنه “نظراً للظروف الأمنية، قامت إدارة السجون بنقل هؤلاء الأحداث قبل نحو ثلاثة أشهر من سجن الأحداث إلى سجن الأقطان”.
إلى ذلك، أكدت أن القصر “خضعوا خلال فترة وجودهم في السجن، لمعاملة خاصة تتوافق مع المعايير الدولية، وتم توفير البرامج التأهيلية المتكاملة التي تهدف إلى إصلاح السلوك، وتأهيلهم نفسياً واجتماعياً، وضمان اندماجهم بشكل سليم في المجتمع بعد انتهاء مدد احتجازهم”.
تعذيب وصعق بالكهرباء
أتى ذلك، بعدما خرج العديد من الأطفال من سجن الأقطان خلال اليومين الماضيين، وتحدث بعضهم عن تعرضهم لتعذيب وصعق بالكهرباء.
كما شوهد بعض الصغار حفاة الأقدام وبملابس خفيفة وسط موجة البرد القارس.
الإفراج عن 126 قاصراً
وكانت الحكومة السورية أعلنت أمس السبت الإفراج عن 126 قاصرا على الأقل كانوا معتقلين في سجن الأقطان في الرقة، الذي كان يستخدم لاحتجاز عناصر من تنظيم داعش.
فيما بدأ يوم الجمعة الماضي نقل مقاتلين أكراد من سجن الأقطان إلى مدينة عين العرب المعروفة أيضا باسم كوباني والخاضعة لسيطرة الأكراد بريف حلب، في إطار “الترتيبات الأمنية المتفق عليها بين الطرفين”.
يذكر أن “قسد” كانت انسحبت خلال الفترة الماضية من مناطق واسعة في شمال البلاد وشرقها على وقع مواجهات بينها وبين القوات الحكومية التي تقدمت في هذه المناطق، وسيطرت على محافظتي الرقة ودير الزور.
كما تقدمت القوات السورية نحو الحسكة، قبل أن يعلن الجانبان عن اتفاق لوقف إطلاق النار.
—————–
السفارة الألمانية بدمشق تؤكد ضرورة الكشف الكامل عن ظروف احتجاز أطفال الرقة
2026.01.25
قال القائم بأعمال السفارة الألمانية في دمشق، كليمنس هاخ، اليوم الأحد، إن الصور الواردة من مدينة الرقة للأطفال المحرَّرين “مؤثرة للغاية وصادمة”.
وأضاف هاخ، في تصريح خاص لتلفزيون سوريا، أن بلاده تأمل أن يتمكن هؤلاء الأطفال في أقرب وقت من العودة إلى حضن عائلاتهم، مؤكداً على ضرورة الكشف الكامل عن ظروف احتجاز هؤلاء الأطفال دون أي استثناء، داعياً إلى معرفة ملابسات ما تعرضوا له.
أطفال وأحداث داخل سجن الأقطان
وأمس السبت، أفاد مراسل تلفزيون سوريا بوصول دفعة من سجناء سجن الأقطان إلى القصر العدلي في مدينة الرقة، تمهيداً لتسليمهم إلى ذويهم، مشيراً إلى أن جميع المفرج عنهم من الأحداث دون سن 18 عاماً.
من جهتها، ذكرت الإخبارية السورية نقلاً عن مصدر أمني أن قوى الأمن الداخلي أفرجت عن 126 سجيناً من نزلاء سجن الأقطان، وجميعهم من القاصرين، في خطوة وُصفت بأنها تهدف إلى معالجة أوضاعهم القانونية والإنسانية.
كما نشرت الإخبارية صوراً أظهرت تجمع عشرات الأهالي أمام القصر العدلي في مدينة الرقة، بانتظار الإفراج عن أبنائهم، بعد نقلهم من سجن الأقطان في ريف المحافظة إلى القصر العدلي، تمهيداً لتسليمهم رسمياً إلى ذويهم.
وكانت وزارة العدل السورية قد أعلنت، الجمعة، عن اكتمال تسلّم سجن الأقطان رسمياً من الجهات الأمنية المختصة، عقب خروج عناصر “قوات سوريا الديمقراطية” من المبنى، مؤكدة متابعة أوضاع السجناء وسلامتهم وتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وقالت الوزارة إنها شكّلت لجاناً قضائية مختصة لدراسة أوضاع السجناء وملفاتهم بشكل عاجل، وفق القوانين النافذة، مع الالتزام بالشفافية لضمان حقوقهم وتعزيز الثقة بالمؤسسات القضائية.
—————————-
“يا محلاها الحرية”.. مشهد خروج الأطفال من سجن الأقطان التابع لقسد يهز المنصات
بعد تسلّم الجيش السوري سجن الأقطان التابع لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في ريف الرقة، خرجت إلى العلن عشرات المشاهد الصادمة لأطفال كان تنظيم قسد يعتقلهم في سجونه.
وقال مراسل سوريا الآن إنه تم الإفراج عن 126 سجينا من نزلاء سجن الأقطان، جميعهم أحداث دون سن 18 عاما.
وبدأ الأهالي بالتوافد إلى بوابات السجن للتعرف على أطفالهم، في حين أجرت وكالة الأنباء السورية لقاءات مع عدد من هؤلاء الأطفال. وروى أحدهم كيف كانت قسد تعاملهم قائلا: “عذبونا بالكهرباء”.
هذا الطفل نفسه انتشرت له صورة وهو يصرخ فرحا بخروجه من السجن، لتتحول اللقطة إلى أيقونة للحرية على منصات التواصل الاجتماعي.
وعلق مستشار الرئاسة السورية للشؤون الإعلامية أحمد زيدان على الصورة بالقول: “فضيحة مكتملة الأركان لعصابات خارج سياق الزمان والمكان، تتشدّق بالحداثة والعلمانية والقانون، وتتصرف بعقلية قروسطية عبر احتجاز القصّر من الأطفال.. بأي ذنب تُختطف وتسجن براءة الأطفال؟ هذا ما حصل في سجون قسد”.
كما كتب سوريون متعجبين من وجود الأطفال في سجون قسد قائلين: “126 طفلا.. 126 جرحا مفتوحا في قلوب الأمهات والآباء. أطفال قاصرون خرجوا من سجن الأقطان، سجن ما يسمى قسد، خرجوا حفاة، شبه عراة، يتضورون جوعا وعيونهم مذعورة تحمل ذاكرة القهر وخوف المجهول”.
وأضاف هؤلاء أنها “ليست مأساة عابرة، إنها جريمة مكتملة الأركان تغلف زورا بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان”.
وكتب مدونون: “تخيل هذا الطفل خلف قضبان سجون قسد، في زنازين لا تختلف عن سجون أخطر عصابات الإجرام. الجريمة التي مارسها نظام الأسد بحبس الأطفال، تمارسها اليوم قسد بلا خجل ولا رادع”.
وأضافوا أنه لا فرق بين جلاد وآخر عندما يكون الضحية طفلا، ولا فرق بين إرهاب يرتدي بدلة نظام وإرهاب يتخفى بشعارات كاذبة.
مؤكدين أنه “من يسجن الأطفال هو تنظيم إرهابي مهما حاول تلميع صورته، ومهما غطّته الأكاذيب”.
وكتب حقوقيون أن مليشيا قسد عاشت سنوات طويلة على كذبة أنها تحارب الإرهاب وتنظيم داعش، وأضافوا: “الصورة من الرقة.. لعدد ممن كانت تعتقلهم مليشيا قسد بذريعة أنهم دواعش، فيما أطلقت الدولة السورية سراحهم اليوم. يبقى أن يفكر داعمو عصابة قسد في موقفهم من هذه المليشيا التي كانت تمارس أبشع أنواع الإرهاب باعتقال الأبرياء من الأطفال، وخطف الفتيات وتجنيدهن قسريا”.
ومن أمام سجن الأقطان في الرقة، الذي شبهه ناشطون بسجن صيدنايا التابع للنظام من حيث الشكل والمضمون، تجمّع المئات من الأهالي لأيام، يحمل كل منهم صورة مفقود غيّبته المليشيات، بحثا عن أي خبر عنه.
ليختم ناشطون بالقول: “الأسد وقسد وجهان لعملة واحدة”.
المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي
————————-
تقرير حقوقي يدعو الحكومة السورية إلى صون الأدلة في سجون “قسد“
2026.01.25
أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اليوم الأحد، تقريراً أكدت فيه الضرورة العاجلة لصون مسارح الجريمة في مراكز الاحتجاز السابقة التي كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، محذّرة من مخاطر فقدان الأدلة المرتبطة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وأوضح التقرير أن انتقال السيطرة على عدد من مراكز الاحتجاز في شمال شرقي سوريا من “قسد” إلى الحكومة السورية يمثّل تحدياً عاجلاً يتمثل في حماية الأدلة ومنع ضياعها أو العبث بها، ولا سيما في ظل إفراغ بعض السجون، أو نقل السيطرة عليها، أو استمرار إدارة بعضها من قبل “قسد”، ما ضاعف من أخطار فقدان أدلة حاسمة.
انتهاكات موثقة داخل مراكز الاحتجاز
ووفقاً لتوثيق الشبكة، شملت هذه المرافق سجوناً في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور، وضمت فئات متنوعة من المحتجزين، بينهم معتقلون على خلفيات سياسية وأمنية، وناشطون معارضون، وأشخاص محتجزون بقضايا جنائية، إضافة إلى نساء وأطفال، وعناصر من تنظيم “داعش”.
وأشار التقرير إلى أن قاعدة بيانات الشبكة تُظهر تحمّل “قسد” مسؤولية واسعة عن أنماط احتجاز تعسفي وانتهاكات ممنهجة، شملت القتل، والاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب، وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز التابعة لها. وخلال الفترة الممتدة بين 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 و23 كانون الثاني/يناير 2026، وثّقت الشبكة مقتل 204 مدنيين، بينهم 24 طفلاً و19 سيدة، إضافة إلى 819 حالة اعتقال تعسفي، و15 حالة تعذيب وسوء معاملة، مؤكدة أن عمليات التحقق والتحديث لا تزال جارية.
مسؤوليات قانونية ومنع الإفلات من العقاب
وأكد التقرير أن انتقال السيطرة على مرافق الاحتجاز يحمّل الدولة السورية مسؤولية قانونية مباشرة في التحقيق بالانتهاكات السابقة، وصون الأدلة، ومنع الإفلات من العقاب، مشيراً إلى أن القانون الدولي يُلزم بإجراء تحقيقات فورية ومستقلة وفعّالة في حالات الوفاة والانتهاكات الجسيمة، والتعامل مع مراكز الاحتجاز بوصفها مسارح جريمة مع الحفاظ على سلسلة حيازة الأدلة.
ولفت التقرير إلى أن أي خلل في جمع الأدلة أو حفظها أو توثيقها قد يؤدي إلى استبعادها قضائياً، بما يقوّض حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة، محذراً من أخطار فقدان الأدلة بسبب التدمير المتعمد، أو الوصول غير المنضبط، أو التدهور البيئي.
اقرأ أيضاً
فريق الخوذ البيضاء يزيل التراب عن رفات أحد المفقودين قبل أن يسلمه لسارة ملحم المسؤولة عن تصنيف الرفات وفقاً لتصنيفات الطب الشرعي – المكان: ريف دمشق – تاريخ الصورة: 6 تشرين الثاني 2025
بين المقابر الجماعية وأرشيف السجون.. عائلات سوريّة تلاحق الحقيقة
توصيات عاجلة وحماية الأدلة
وفي ختام التقرير، دعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان السلطات السورية إلى تأمين جميع مراكز الاحتجاز التي أصبحت تحت سيطرة الحكومة بصورة فورية، عبر نشر أفراد أمن مدربين، وتطبيق بروتوكولات دخول صارمة، ومنع أي إزالة أو إتلاف أو نقل للأدلة.
كما طالبت بالإسراع في إبرام اتفاقيات تعاون مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة لسوريا، واللجنة الدولية لشؤون المفقودين، ولجنة الأمم المتحدة للتحقيق، ومنحها حق الوصول لجمع الأدلة وفق المعايير الجنائية الدولية.
وفيما يخص مخيم الهول، شدد التقرير على ضرورة توثيق هويات المحتجزين وظروف احتجازهم، وصون السجلات المتعلقة بحالات الاحتجاز التعسفي وفصل الأسر والوفيات في أثناء الاحتجاز، مؤكداً أن حماية الأدلة تمثل شرطاً أساسياً لتحقيق المساءلة وكشف الحقيقة.
—————————-
لماذا تصاعدت مخاوف العراقيين مما يحدث في سوريا؟/ أحمد الدباغ
بغداد- وصلت قوات الجيش السوري إلى الحدود الفاصلة مع العراق بعد أيام من تقدُّم قوات الحكومة السورية إلى مناطق شمال شرقي سوريا وتراجع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نحو مدينتي الحسكة والقامشلي آخر معاقلها، بعد أن كانت تسيطر قبل أيام قليلة على نحو ثلث مساحة البلاد.
وبالتزامن مع ذلك، تصاعدت مخاوف العراقيين مما يحدث في الجارة الغربية، ولا سيما مع أنباء عن هروب المئات من سجناء تنظيم الدولة من سجنَي الشدادي والرقة السوريين، بما أعاد إليهم ذاكرة صيف عام 2014 واحتلال التنظيم للعديد من المدن العراقية نحو 3 سنوات قبل أن يتمكنوا من استعادتها في صيف 2017.
لكنَّ الموقف والواقع الميداني اليوم يشير إلى خلاف ما كانت عليه الأوضاع قبل سنوات، وذلك بحسب ما أكده المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية صباح النعمان.
دفاعات عراقية
وأكد النعمان في حديثه لوكالة الأنباء العراقية أن “القائد العام وجَّه باستكمال بناء الجدار الكونكريتي مع سوريا الذي اكتمل بنسبة 80%”، لافتا إلى أن مقاتلي “تنظيم الدولة” المنقولين إلى بغداد “مطلوبون في قضايا إرهابية وسيوضعون في سجون محصنة”.
وأشار إلى أن العراق لديه 3 دفاعات في الحدود مع سوريا، تشمل الجدار الكونكريتي والأسلاك الشائكة والخندق الشقي بعمق 3 أمتار على طول الحدود، موضحا أن هذه المناطق مزودة بمئات الكاميرات الحرارية التي ترصد كل شيء ليلا ونهارا وتعمل على مدار الساعة.
في السياق، قال الخبير الأمني والإستراتيجي فاضل أبو رغيف إن “القيادات الأمنية العراقية بمختلف صنوفها ليس لديها أي مخاوف مما يحدث في سوريا، خاصة أن الجهد المخابراتي والجوي مستمر على مدار الساعة، فضلا عن وجود حرس الحدود وانتشار قطعات جديدة من الجيش العراقي على الحدود المشتركة بين البلدين”.
وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح أبو رغيف أن المخاوف التي شهدها الشارع العراقي انطلقت من الإعلام الذي بث روح الهلع لدى المواطنين، وأن الأجهزة الأمنية العراقية لا تزال تتعاطى بأريحية رغم هذه الضجة الإعلامية التي تحاول إثارة مخاوف قديمة.
إعلان
وبشأن نقل نحو 7 آلاف سجين من “تنظيم الدولة” إلى الداخل العراقي، يرى أبو رغيف أن بقاءهم تحت أنظار الأجهزة الأمنية العراقية أفضل بكثير من مراقبتهم من بعيد، مشيرا إلى أن القضاء سيتولى محاكمة هؤلاء “ممن تلطخت أيديهم بدماء العراقيين”، وأن بغداد كانت قد استقبلت نحو 3 آلاف منهم كانوا محتجزين لدى “قسد” في السنوات الماضية.
مخاوف جزئية
من جانبه، قال المحلل السياسي والإستراتيجي رعد هاشم إن ما يجري في سوريا لا يثير مخاوف جميع العراقيين بالدرجة نفسها، مبيّنا أن تخوف بعضهم يأتي من عدم الثقة الكاملة بالسياسيين والتشكيك في قدرتهم على الإيفاء بالتزاماتهم الأمنية والقانونية تجاه السجناء الذين جرى ترحيلهم إلى العراق، خاصة ما يتعلق بضبط السجون التي تعاني اكتظاظا كبيرا قدَّرته وزارة العدل بنحو 300%، مع استدعاء العراقيين ذاكرة هروب السجناء من سجن أبو غريب عام 2013.
وتابع في حديثه للجزيرة نت أن هناك تخوفا أيضا من تسارع الأحداث في سوريا وخشية تكرار السيناريو ذاته في البلاد، ولا سيما مع عدم ثقة الساسة العراقيين بالتحركات الأمريكية في المنطقة.
ويعتقد هاشم أن إدارة ملف التعامل مع سوريا تتطلب رويّة وحكمة، في ظل ضبابية المشهد القانوني داخل العراق بشأن بملف السجناء واحتمال بقائهم في البلاد مؤقتا كما أكدت واشنطن، مقابل تصريحات عراقية تؤكد محاكمتهم خاصة مع وجود المئات منهم من جنسيات أوروبية وآسيوية وأفريقية.
كما أشار إلى وجود عراقيين “أبرياء” كانوا قد نزحوا إلى سوريا خلال العمليات العسكرية العراقية ضد تنظيم الدولة، و”تقطعت بهم السبل في مخيم الهول وسجون ‘قسد’ دون أن يكون لهم يد في ما حصل بالعراق قبل سنوات”.
شأن داخلي
أما رئيس “مركز التفكير السياسي العراقي” إحسان الشمري، فيرى أنه ليس من المبرر إشاعة القلق في العراق تجاه أحداث سوريا، إذ إن ما يجري فيها يُعَد شأنا داخليا يرتبط بإنهاء النظام السوري الجديد لملف السلاح الرديف والجماعات المسلحة التي لا تأتمر بأوامر دمشق.
وبخصوص مخاوف العراقيين قال الشمري، الذي يعمل أستاذا للدراسات الإستراتيجية والعلاقات الدولية في جامعة بغداد، إن “هناك أطرافا داخلية في العراق أشاعت أن ما يجري في سوريا قد يعيد صورة هدم الأسوار كما حدث عام 2014، وقبلها هروب السجناء وتهريبهم من السجون العراقية، وأشاعت هذه المخاطر من أجل مصالح سياسية لا أكثر”.
ويرى في حديث للجزيرة نت، أنه لا بد من تنسيق أمني مشترك بين بغداد ودمشق لأجل ضبط الحدود وتبادل المعلومات بما قد يجهض هذه المخاوف، خاصة أن الجهات الأمنية العراقية كانت قد نسقت مع الدولة السورية الجديدة في العديد من المناسبات خلال الأشهر الماضية في عمليات أمنية أعقبت سقوط النظام السوري السابق.
من جهته، نشر السياسي العراقي السني مشعان الجبوري منشورا على منصة إكس، قال فيه “يُروَّج لقلق متزايد من سيطرة الدولة السورية على الحدود مع العراق والحديث عن هروب سجناء دواعش، تبيَّن أن عددهم 39 فقط، والخطر لا يكون حقيقيا إلا إذا وُجدت له حاضنة، وهذا غير موجود لأن السُّنة العراقيين سيدافعون عن دولتهم ونظامهم السياسي ويرفضون أي تدخُّل، وقناعتي أن سوريا الجديدة لا تنوي ذلك”.
—————————-
قبيلة شمر تؤكد التزامها بوحدة سوريا
شدَّد الشيخ مانع حميدي الجربا، شيخ مشايخ قبيلة شمر في سوريا، على ضرورة بسط الحكومة سيطرتها على جميع الأراضي السورية، محذرا في الوقت ذاته من تأهب لاقتتال عسكري كبير في منطقة الجزيرة السورية.
وأكد الجربا خلال مداخلة للجزيرة أن قبيلته تقف مع وحدة سوريا وسيادتها بشكل طبيعي، مع تأكيد أهمية الوصول إلى نتائج دبلوماسية وسياسية عبر الحل التفاوضي.
وحذر شيخ مشايخ قبيلة شمر من خطورة الوضع الراهن في الجزيرة السورية، إذ يجري حاليا تأهب لمواجهة عسكرية كبيرة ضمن المنطقة. ودعا إلى حلول تفاوضية تريح المنطقة من أي اشتباكات عسكرية، وتحقن الدم السوري.
وفي السياق ذاته، شدَّد الجربا على متانة العلاقات العربية الكردية في منطقة الجزيرة السورية، مؤكدا أهمية العيش المشترك ومنع الانزلاق إلى الصراعات العرقية أو الطائفية. وأوضح أن القبائل العربية كلها تربطها علاقات أساسية ووثيقة مع المكوّن الكردي الموجود في المنطقة.
كما أشار شيخ قبيلة شمر إلى أن الجزيرة السورية تمثل المركز الأساسي للعيش الحقيقي والمشترك بين المكونات المختلفة، إذ لم يكن هناك شعور بالفوارق العرقية بين الكردي والعربي وغيرهما من المكونات.
وأعرب الجربا عن امتنانه لعبور المنطقة الفترة الماضية بسلام، متمنيا أن تكون البوادر الجديدة الحالية فرصة لحلول سلمية تمنع تحوُّل الأمور إلى صراعات عرقية أو طائفية.
المشاركة ضد قسد
وتُعَد قبيلة شمر إحدى أهم وأبرز القبائل العربية التي تقطن منطقة الجزيرة السورية، وتحديدا في محافظة دير الزور وما حولها.
وتنحدر قبيلة شمر من أصول عربية عريقة في شبه الجزيرة العربية، ويمتد تاريخ وجودها واستقرارها في مناطق على ضفاف نهر الفرات إلى عصور قديمة، مما منحها حضورا ديموغرافيا وسياسيا قويا في النسيج الاجتماعي للشرق السوري.
وبرز دور قبيلة شمر بشكل واضح في الأحداث العسكرية الأخيرة في شرق سوريا، إذ شاركت ضِمن التجمع العشائري العربي الموحد الذي انتفض ضد سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
إعلان
وأسهم هذا الدور الجماعي، إلى جانب دور عشائر كبرى أخرى مثل العقيدات والبقارة، في العامل الحاسم الذي أدى إلى إخضاع “قسد” خلال ساعات، انسجاما مع خطاب الحكومة السورية الداعي إلى تنفيذ الاتفاقات المُوقعة.
المصدر: الجزيرة
——————
====================



