الأحداث التي جرت في الساحل السوريتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

الأزمة في الساحل السوري أسبابها وتداعياتها -مقالات مختارة- تحديث 28 كانون الثاني 2026

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

الأحداث التي جرت في الساحل السوري

——————————-

الفلول”.. حقيقة أمنية وأشياء أخرى/ علي خضور

يناير 27, 2026

بسقوط الأنظمة الكبرى لا تسقط السلطة وحدها، بل تسقط معها المفردات القديمة وتولد مفردات جديدة تحاول أن تفسر الواقع وتعيد ترتيبه. في سوريا اليوم، تبدو كلمة “الفلول” واحدة من أكثر المصطلحات حضوراً في الخطاب السياسي والإعلامي، ليس بوصفها توصيفاً لغوياً فحسب، بل كعنوان لمرحلة كاملة تسعى الدولة السورية الجديدة من خلالها أن تضبط الأمن، وتغلق صفحة الماضي، وتمنع عودة الفوضى بأشكال مختلفة.

لغويا؛ “الفلول” تعني ما تبقى بعد الانكسار، أو ما نجا من الهزيمة، أو ما تفرّق من جيش مهزوم. قواميس اللغة لم تشر إلى أن هذه الكلمة ستصبح يوماً واحدة من أكثر المصطلحات السياسية تداولاً في سوريا، ولا إلى أنها ستتحول من توصيف لغوي بسيط إلى تهمة ثقيلة، قادرة على تغيير مصائر أشخاص، وفتح ملفات وإغلاق أبواب. “الفلول” اليوم لم تعد مجرد بقايا نظام، بل أصبحت كلمة مرنة، مطاطية، قابلة لأن تتسع أو تضيق حسب السياق، وحسب من يستخدمها، ولماذا.

في البيئة السياسية الأمنية السورية الجديدة، فالفلول كائنات غامضة متعددة الوظائف، تظهر في البيانات الرسمية، وفي الأخبار العاجلة، وفي أحاديث المقاهي، وحتى أماكن العمل حتى لو همساً، كما تظهر أحياناً في الخصومات الشخصية. إنها كلمة واحدة، لكنها قد تعني مسلحاً  خطيراً.. أو موظفاً سابقاً.. أو حتى خصماً غير مرغوب فيه.. وهنا تبدأ الحكاية.

وفق الرواية الرسمية، الفلول هم مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، مرتبطة ببقايا النظام البائد، ومتورطة بأعمال تخريبية وأمنية في أكثر من منطقة، من الساحل السوري إلى الوسط، وصولاً إلى بعض مناطق الشمال، وإلى أقصى الشمال الشرقي. ويتم تقديمهم بوصفهم خليطاً من مجرمين مطلوبين وعناصر عسكرية سابقة وشبكات صغيرة تستفيد من الجغرافيا المعقدة والدعم الخارجي لتوجيه ضربات متفرقة تستهدف الاستقرار والسلم الأهلي.

وفي هذا السياق، تبدو الحملات الأمنية التي تنفذها الدولة إجراءً منطقياً ومشروعاً، بل ضرورة لا غنى عنها في مرحلة انتقالية حساسة، حيث لا يمكن لأي دولة أن تبني نفسها وهي تترك جيوب العنف تعمل في أطرافها.

لكن، وكما الحال في كل المفاهيم والمصطلحات والقضايا، وبعد الإجابة على جميع الأسئلة، تبقى هناك مساحة معتمة أو ضبابية تفتح الباب أمام جملة تساؤلات. فالإشكالية الحقيقية لا تبدأ من وجود الفلول بحد ذاته، بل من اتساع المفهوم وتحوله أحياناً إلى توصيف فضفاض قابل للاستخدام خارج معناه الأصلي، خارج أطر مؤسسات الدولة الرسمية.

فليس كل من عمل في مؤسسات النظام السابق هو جزء من منظومة إجرامية أو مشروع تخريبي. فملايين السوريين بالعموم كانوا موظفين في الدولة: معلمين وأطباء ومهندسين وإداريين وتقنيين وعمال.. لم يكونوا صناع قرار ولا شركاء في القمع، كانوا مواطنين يعيشون ضمن واقع سياسي لم يختاروه.

اختزال هؤلاء جميعاً في خانة “الفلول” لا يخدم العدالة ولا يخدم الدولة نفسها، بل يسيء إليها مباشرة، ويخلق ظلماً جديداً باسم تصحيح الظلم القديم. الخطاب السياسي للدولة السورية الجديدة لا يقوم على الانتقام بل على المحاسبة القانونية، ولا على التعميم بل على التمييز، ولا على الثأر بل على بناء مؤسسات حديثة تستعيد ثقة الناس.

من هنا يصبح التفريق بين الفلول الحقيقيين وبين المواطنين الذين عملوا في الدولة سابقاً ليس مطلباً أخلاقياً فقط، بل ضرورة سياسية وأمنية في آن واحد، تساعد الدولة على فرض الأمن والاستقرار. فالدولة لا تخلط بين المجرم والموظف، وبين المسلح والمواطن، ومن يعتقد ذلك إنما يضع الدولة نفسها أمام أزمة ثقة خطيرة ستعرقل مشروع الاستقرار أكثر مما تحميه.

الأكثر حساسية في هذا الملف هو أن تهمة “الفلول” قد تتحول في بعض السياقات المحلية إلى أداة جاهزة لتصفية الحسابات، سواء بدافع الخصومة الشخصية أو الصراع على النفوذ، أو حتى الطمع بالمواقع والمصالح. ففي المجتمعات الخارجة من الحرب، تصبح الوشاية سهلة والاتهام رخيصاً والمصطلحات الأمنية مغرية لمن يريد إقصاء خصم أو إبعاد منافس. وهنا يكمن الخطر الحقيقي الذي لا ينحصر فقط في وجود فلول فعليين، بل في استخدام مفهوم “الفلول” خارج سياقه الأمني ليصبح سلاحاً اجتماعياً وسياسياً بيد الأفراد.

الدولة نفسها تدرك أنها إن سمحت بانفلات المصطلح فستفقد قدرتها على ضبطه لاحقاً عندما يكون ذلك ضرورة لا ترفاً، وتدخل في دوامة من الاتهامات المتبادلة. ومفارقة المرحلة الراهنة في سوريا أن الاستقرار لا يتحقق فقط بالقوة الأمنية، بل بالهيبة الرصينة، وبالثقة النفسية التي يشعر بها المواطن حين يعلم أن القانون يحميه من الظلم بقدر ما يحمي الدولة من التخريب.

سوريا الجديدة بحاجة إلى خطاب دقيق بقدر حاجتها إلى أمن قوي، فالخطاب قد يكون بقوة مدفع، والكلمة رصاصة تقتل أو جرعة تنعش الروح. سوريا الجديدة بحاجة إلى مصطلحات محصنة لا تستخدم ضد الناس بل لحمايتهم.. بحاجة إلى دولة موقنة أن قوتها الحقيقية لا تكمن فقط في قدرتها على ملاحقة الفلول، بل في قدرتها على ألا تصنع فلولاً جدداً من الأبرياء.

الدولة التي تميّز بدقة بين المجرم والمواطن، وتضبط الخطاب كما تضبط السلاح، هي وحدها القادرة على طي صفحة الماضي المخجل، من دون أن تفتح جراحاً جديدة باسم المستقبل الموعود

الثورة السورية

————————

العلويون في سوريا.. بين الحماية والارتهان/ بشار عبود

يناير 20, 2026

إن تفكيك العلاقة بين الأسدية والعلوية في سوريا لا يهدف إلى التبرئة الجماعية ولا إلى الإدانة الشاملة، بل يُعد شرطاً ضرورياً لفهم ما جرى ومساءلة الإرث العميق الذي خلّفه النظام.

شكّل الربط بين نظام الأسد والطائفة العلوية أحد أكثر إشكاليات الصراع السوري تعقيداً وحساسية، ولا يزال حتى اليوم مصدر انقسام حادّ بين السوريين. ويكاد ينحصر الجدل غالباً بين خطابين متقابلين: الأول سياسي ـ أخلاقي ينفي تمثيل النظام للطائفة بهدف كسر منطق العقاب الجماعي عنها، والثاني يرى في هذا النفي تعميةً على واقع تشكّل السلطة الأسدية واعتمادها التاريخي على قاعدة اجتماعية من السوريين العلويين داخل الجيش والأجهزة الأمنية لتثبيت حكم النظام واستدامته.

وفي قلب هذا الاستقطاب، ظلّ سؤال واحد يتردّد بإلحاح داخل المجتمع السوري وهو: هل الطائفة العلوية مع نظام الأسد أم ضده؟ هذا السؤال، بصيغته الثنائية الحادّة، لا يعبّر بدقّة عن طبيعة العلاقة المركّبة التي نشأت بين النظام والطائفة، بل يعيد إنتاج منطق تبسيطي يُسقط تعقيدات التاريخ الاجتماعي والسياسي لصالح تصنيفات أخلاقية جاهزة.

فهذه العلاقة لم تكن علاقة تطابق ولا مجرّد إكراه أحادي، بل نتاج مسار طويل من إعادة الهندسة السياسية والاجتماعية، نجحت خلاله السلطة في بناء رابطة خاصّة جعلت الطائفة في آنٍ واحد رافعة أساسية للحكم ورهينة له في الوقت نفسه.

مقاربة هذه الإشكالية، التي خلّفت جرحاً عميقاً ونزيفاً مستمراً في الوعي السوري، وتعمّقت منذ مجازر حماة وصولاً إلى مرحلة انهيار النظام أواخر 2024 وما تلاها، تقتضي تجاوز الاصطفاف الطائفي نحو الانتقال إلى تحليل آليات اشتغال السلطة نفسها.

هنا، يحتل الخوف موقعاً مركزياً في هذا الفهم، لا كحالة عابرة بل كبنية نفسية ـ اجتماعية مستقرة، اشتغلت عليها السلطة بوعي، مستندة إلى ما يمكن تسميته بـ”عبء التاريخ”. فمن الصعب مثلاً افتراض أن أحداثاً مفصليّة، مثل حملة السلطان العثماني سليم الأول على العلويين في حلب عام 1517، قد مُحيت من الذاكرة الجمعية للطائفة. وهي حتى وإن لم تكن حاضرة دائماً في الوعي الصريح، إلّا أنها تعيش في اللاوعي العميق.

رغم كل ما سبق، يظل القول بأن نظام الأسد لا يمثّل الطائفة ضرورياً من ناحيتي الوظيفة والسياسة، لا بوصفه تعبيراً دقيقاً للواقع، بل بوصفه أداة تفكيك وحماية في مواجهة أخطر منطق أنتجته الحرب السورية. هذا المنطق الذي يختزل كل الطائفة في سلطة سياسية قمعية ويبرر عقابها الجماعي. فالإصرار على الفصل، يهدف إلى منع تحميل العلويين، ككتلة اجتماعية، مسؤولية نظام حكم استبدادي حكم باسمهم أحياناً، وبهم غالباً، دون أن يحكم لأجلهم دائماً.

وتزداد أهمية هذا التمييز في سياقات ما بعد السقوط، حيث يُعاد استدعاء التماهي بين الأسدية والعلوية لتبرير الإقصاء أو الانتقام، أو لإعادة إنتاج العنف تحت مسمّيات العدالة أو “تصحيح مسار التاريخ”.

غير أنّ الاكتفاء بهذا القول، حين يُقدَّم بوصفه توصيفاً مكتفياً بذاته، ينطوي على تبسيط سوسيولوجي يُفرغ التحليل من مضمونه. فمن غير الممكن إنكار أنّ السلطة الأسدية قامت، إلى حدّ بعيد، على قاعدة اجتماعية علوية داخل مؤسسات القوة الصلبة، لا بمعنى التمثيل السياسي أو الأخلاقي للطائفة، ولا بوصفها كتلة متجانسة، بل بمعنى اندماج قطاعات واسعة من أبنائها، طوعاً أو قسراً، في شبكات السلطة، واستفادتهم منها مادياً ورمزياً وأمنياً، ضمن شروط ولاء صارمة وحدود لا يمكن تجاوزها.

من هنا، لا تكفي سردية “الاستغلال” الأحادية التي تختزل العلاقة بين النظام والطائفة في ثنائية الجلاد والضحية. فالعلاقة كانت في جوهرها علاقة منفعة متبادلة غير متكافئة، صاغها النظام عبر تقديم وهم الحماية ومسارات للصعود الاجتماعي لفئات مهمّشة تاريخياً، مقابل رأس مال بشري، وولاء سياسي، وغطاء اجتماعي، وصمت أو تواطؤ على القمع بوصفه ثمناً للبقاء.

وكانت هذه العلاقة اعتمادية مشروطة، لا تقوم على الشراكة بقدر ما تقوم على تبادل هشّ للمنافع، سرعان ما تحوّل إلى عبء جماعي مع انهيار النظام. تكمن خطورة هذه الصيغة في إرثها الثقيل بعد سقوط الأسد، حيث أن التداخل (القسري أو الطوعي) بين السلطة والطائفة، ترك الأخيرة مكشوفة سياسياً وأخلاقياً، ومُحمّلة بتبعات نظام لم تكن قادرة على مساءلته أو الانفصال عنه دون كلفة وجودية.

لا ينفي هذا التحليل وجود علويين معارضين أو مهمّشين أو متضرّرين بشكل مباشر من نظام الأسد، ولا يخفّف من مسؤولية السلطة في استخدام الطائفة درعه السياسي والأمني، لكنّه يرفض إنكار الطابع البنيوي للصلة التي نشأت بين الطرفين.

أما السؤال الشائع، “هل السوريون العلويون مع النظام أم ضده؟” فيبقى سؤالاً مُضلّلاً، يفترض طائفة متجانسة غير قابلة للاختراق، بينما تكشف التجربة أنّ الواقع الاجتماعي والسياسي أكثر سيولة وتحوّلاً، وأن “الحالة الأسدية” كبنية سلطوية، أعادت تنظيم المجتمع السوري بأكمله واستخدمت الطائفية كواحدة من أدوات الحكم وليست كمرجعية للنظام.

وداخل هذه البنية، كما في أي نظام سلطوي، (نظام صدام حسين في العراق مثلاً)، وُجدت اتجاهات انغلاقية دفعت نحو العسكرة والتطييف، وأخرى انفتاحية حاولت مقاومة اختزال الطائفة في وظائف أمنية. غير أنّ النواة العسكرية للسلطة اعتمدت دوماً على الاتجاه الانغلاقي، وعملت على تهميش الاتجاهات الأخرى لأنها شكّلت تهديداً مباشراً لاستمراريتها في الحكم.

بهذا المعنى، لا تصبح قراءة العلاقة بين الأسدية والعلوية مسألة تاريخية فحسب، بل شرطاً سياسياً وأخلاقياً لمنع إعادة إنتاجها بصيغ جديدة. فبدون هذا التفكيك، ستظل الهويات رهائن للسلطة، وستبقى الجماعات الاجتماعية عرضة لأن تُستدعى مجدداً لا بوصفها فاعلاً سياسياً حرّاً، بل كأدوات في صراعات لم تخترها.

هنا نصل إلى نقطة مِفصليّة في فهم الخطابات الفئوية والصراعات الهوياتية عموماً. ففي لحظات التوتّر الحاد، تميل الكفّة غالباً لصالح منطق الانغلاق على حساب الانفتاح، ليس لأنه أعمق أخلاقياً أو أقوى جوهرياً، بل لأنه أبسط في المخاطبة، أسرع في إنتاج اليقين، وأكثر قابلية للتعبئة في سياقات الخوف والتهديد الوجودي.

وبهذا المعنى، لا يتمحور الصراع الحقيقي بين الجماعات، وإنما داخل كل جماعة نفسها، بين منطق انغلاق يستمد شرعيته من الخوف، ومنطق انفتاح يسعى إلى إعادة تعريف الذات خارج الحصار والهويّة الضيقة. ونتائج هذا الصراع ليست محسومة، بل تتبدّل بتبدّل اللحظات التاريخية وموازين القوى. واليوم، تقف سوريا أمام مفصل من هذا النوع، تبرز فيه إمكانية واقعية لانتصار منطق الانفتاح لدى قطاعات واسعة من العلويين، بالتزامن مع تفكّك “الحالة الأسدية” نفسها.

وهنا، يجدر التشديد على حقيقة عامة وهي أنه حين تمتلك أي جماعة، أيّاً تكن هويّتها، سلطة وامتيازات بعيداً عن المساءلة والمحاسبة القانونية والديمقراطية، يميل داخلها منطق الانغلاق إلى التغلّب، فالسلطة تُغري بقدر ما تُخيف، وتعيد تشكيل التوازنات الداخلية للجماعة دفاعاً عن الامتيازات بقدر ما هو دفاع عن الوجود.

وهذا ليس خاصاً بالسوريين ولا بالعلويين منهم، بل هو منطق اجتماعي ـ سياسي عام يتكرّر في مختلف التجارب السلطوية المتعدّدة الهويّات.

انطلاقاً من ذلك، فإن تفكّك الأسدية بوصفها بنية سلطة، لا مجرد نظام حكم، يفتح المجال أمام السوريين العلويين اليوم، لإعادة تقديم أنفسهم خارج القوالب التي فرضتها عقود من الخوف.

إتاحة المسار أمام الطائفة العلوية الآن لتظهر كجماعة اجتماعية متعدّدة، منفتحة على محيطها، وقادرة على إعادة تعريف علاقتها بالوطن، يساهم فيه عاملان أساسيان: أولهما غياب مرجعية دينية مركزية قادرة على احتكار تمثيل الطائفة العلوية، ما يفتح المجال أمام تعدّدية الأصوات ويمنع إعادة إنتاج سلطة دينيّة منغلقة.

وثانيهما إدراك متزايد داخل السلطة الجديدة بأن استمرار تهميش السوريين العلويين اجتماعياً ومعيشياً سيقود إلى نتائج عكسية، وهو ما يفسّر توجهاً لإدماجهم في الحياة اليومية والعمل والتعليم والخدمات، دون إعادتهم إلى موقع القرار السلطوي الفردي، كونه كان أحد جذور المأزق الذي تعيشه الطائفة اليوم.

تعكس هذه المقاربة فهماً بسيطاً وحاسماً وهو أن التمييز يولّد الخوف، والخوف يولّد الانغلاق، والانغلاق يولّد العنف. في المقابل، فإن الاندماج الاجتماعي المقترن بمُواطَنة مُتساوية وحقوق مضمونة، يُضعف الخطاب الفئوي نفسه، ويُقلّص الحاجة إلى الاحتماء بالهويات المُغلقة.

وعليه، فالإشكالية الآن، ليست في تبرئة السوريين العلويين أو إدانتهم، بل في خلق شروط تاريخية وسياسية تنتصر فيها ديناميات الانفتاح داخل الطائفة، وأيضاً بمدى استعداد السلطة الجديدة للسماح بهذا الانفتاح. وهذا لا يتحقق عبر الخطاب الأخلاقي وحده، بل عبر تفكيك منطق السلطة الأحادي الذي دائماً ما يحتاج إلى فئات منغلقة لتحميه.

واليوم، إذا أردنا مقاربة الواقع السوري بقدر من الصدق مع الذات، فلا بدّ من الاعتراف بأن أخطر ما يواجه البلاد ليس فقط بقايا النظام الأسدي، بل أيضاً ذاكرة مفتوحة بلا عدالة، وخوف لم يُفكَّك، وغضب لم يُحوَّل إلى مسار قانوني، فبقي قابلاً للانفجار.

وعندما يُقال إن التحدّي يكمن في “نسيان” الجرائم، فالمقصود ليس طمس الحقيقة أو مطالبة الضحايا بتسامح قسري، بل نقل هذه الجرائم من الذاكرة الانتقامية إلى الذاكرة القانونية والسياسية، أي من منطق الثأر إلى منطق العدالة. فالنسيان الحقيقي لا يتحقق إلا حين يشعر الضحية أن حقّه لم يُهمل، وأن الجرائم لم تُبرَّر، وأن مرتكبيها لن يُكافَؤوا أو يُعاد تدويرهم في السلطة.

بهذا المعنى، لا تُعدّ العدالة الانتقالية بشقيها السريعة أو طويلة الأمد، ترفاً أخلاقياً أو بنداً تفاوضياً، وإنما شرطاً تأسيسياً لإغلاق جراح الماضي ومنع إعادة إنتاج الصراع. وهنا تتوزّع المسؤولية بين السلطة والمجتمع المدني.

فالمشكلة السورية ليست سياسية فقط، بل اجتماعية عميقة، تقوم على تفكك الروابط، والخوف المتبادل، والفقر، وغياب الثقة. وهذه التصدّعات أخطر من الخلافات السياسية الظاهرة، ولا يمكن معالجتها دون توجيه خطاب واضح للسلطة، يضغط باتجاه العدالة، والإدماج الاجتماعي، والتنمية، وإعادة بناء الثقة العامة.

في هذا السياق، يبرز خلل بنيوي لم يُعالَج بعد، يتمثّل في غياب فصلٍ واضح بين العلوية بوصفها هوية اجتماعية سورية تاريخية، والأسدية باعتبارها بنية سلطوية إجرامية. وهذا الفصل لا يتحقق تلقائياً، بل يحتاج إلى مبادرة سياسية ومجتمعية وأخلاقية واعية. وتبرز هنا مسؤولية خاصة على عاتق المثقفين العلويين والشخصيات المؤثرة، لاتخاذ موقف واضح من الحقبة الأسدية. ليس اعتذاراً باسم الطائفة، ولا إدانة جماعية لها، بل موقفاً أخلاقياً وسياسياً صادراً عن أولئك الذين كانوا جزءاً من البنية السلطوية، أو صمتوا عنها، أو استفادوا منها أو عجزوا عن مواجهتها بالقدر الكافي.

ويستدعي هذا الموقف الانتقال من العموميات إلى التسمية الدقيقة للممارسات، إذ لا يمكن التعامل مع ما ارتُكب باسم الدولة أو تحت حمايتها ـمن تحويل الحواجز إلى أدوات ابتزاز، والقتل، والتعذيب، والتعفيش، والنهب، والفساد المنهجي- بوصفها أخطاء معزولة أو انحرافات فردية، بل يجب توصيفها وربطها بسياقها المؤسسي والسياسي.

كما لا يمكن إغفال مسألة الامتيازات، ولا سيما التوزيع غير المتكافئ لفرص بعثات التعليم والتأهيل العلمي، التي استفادت منها بنسب مرتفعة شرائح علوية مقرّبة من السلطة، لا باعتبارها استحقاقاً جماعياً، بل كجزء من سياسة زبائنية هدفت إلى إعادة إنتاج نُخب موالية، لكنها في المقابل عمّقت الغُبن الاجتماعي لدى بقية السوريين.

إن اعترافاً من هذا النوع، بوصفه إقراراً بأن الأسدية كانت كارثة على السوريين جميعاً، بمن فيهم العلويون، لا يمثّل ضعفاً، بل قوة أخلاقية وسياسية، وخطوة أساسية لفك الارتباط النفسي بين الهوية والسلطة، وبناء علاقة جديدة قائمة على الثقة والمواطنة.

وبالتوازي، تقع على عاتق السلطة الحالية مسؤولية إطلاق مسار جدي وسريع لمحاسبة المتورطين في الجرائم الكبرى، لأن العدالة المؤجّلة لا تُنتج استقراراً، بل تُراكم غضباً يهدّد السلم الاجتماعي. فترجمة هذا المسار إلى سياسات ملموسة تفتح أفقاً لعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، قائمة على سيادة القانون لا على الحماية الطائفية.

الثورة السورية

—————————————–

من يحكم الساحل السوري… الدولة أم الخوف؟/ سالي علي

الجمعة 23 يناير 2026

“حين يسقط الجلاد ويبقى السوط، لا يكون السقوط قد اكتمل”.

في أحد أحياء اللاذقية، يجلس رجل في الخمسين من عمره أمام منزله المهدّم جزئياً يتحدث بصوت خفيض عن الفصل الجماعي من عمله وعن صديقه الذي اختفى بعد أن خرج من المنزل بلا سبب واضح يقول: “لم نعد نعرف من يمكنه الخروج بأمان، أو من يستطيع الاحتفاظ بوظيفته، لقد أصبح الخوف جزءاً من حياتنا”.

هذا المشهد الصغير يفتح نافذة على ما يحدث في الساحل السوري، فبعد سقوط النظام المركزي لم يُنهِ السقوط العنف بل غيّر شكله وحوّل الخوف من شعور عابر إلى قوة تحكم كل تفاصيل الحياة اليومية. في طرطوس وبانياس وجبلة، لم يعد السؤال عن الدستور أو الانتخابات، بل عن من يعيش؟ من يستطيع العمل؟ ومن سيظل آمناً؟ هذا الخوف أصبح قوة منظمة تتغلغل في العلاقات الاجتماعية، تحدد التصرفات وتعيد رسم خطوط السلطة حتى بعد زوال النظام القديم.

موجة العنف المتحوّل من قوةٍ مركزية إلى تهديدٍ يومي

ما جرى في الساحل لا يقرأ فقط كمجموعة حوادث أمنية أو مواجهات مسلحة عابرة؛ بل هو عمل منهجي لفكِّ خيوط الأمان في نسيج المجتمع. بعد سقوط السلطة المركزية اهتزّت البنى التي اعتاد الناس أن يلجأوا إليها من مؤسسات، قواعد عرفية، ووعود بحماية أقلها مبدئية فانقلبت الآليات لم تعد الرصاصة تُستخدم بالضرورة لإسقاط خصمٍ سياسِي، بل لتسجيل غياب، لتحديد من ينتمي ومن يُستبعد، ولتثبيت حدود جديدة للوجود المقبول داخل المدينة أو الحي.

الآثار مادية ونفسية في آنٍ واحد. أحياءٌ كاملة تحوّلت إلى أغانٍ صامتة؛ الأسواق التي اعتادت الحركة اليومية أصبحت خالية في أوقات الذروة، أبواب البيوت تُغلق مبكّراً، والأطفال يتعلّمون بسرعة أنّ الصمت وسيلة نجاة. الناجون يروون عن جيران اختفوا بلا تبرير، بطرق جديدة للكلام من دون أن تُفسَّر الكلمات كسلوك عدائي؛ عن بطاقات هوية تُخفي أو تُعرض كدليل إدانة. هكذا يصبح التكيّف مع الخوف عادة منظَّمة؛ تغيير في الكلام، في طرق اللبس، حتى في نزاعات مواقع التواصل الاجتماعي، يوضع كل شيء في ميزان حساب الخطر.

أما آليات هذا التحوّل فهي مزيج من العنف المباشر والسياسات غير المباشرة؛ قرارات فصل جماعي تُحوّل العمل إلى معيار للاشتباه، ميليشيات محلية تفرض قواعدها على الأحياء، ومخاوف من الوِشاية تحوّل الجار إلى مراقب محتمل. هذه الأدوات لا تحتاج إلى إعلان؛ يكفي إشاعة حالة من عدم اليقين تعمل كسوط غير مرئي.

لا يقتصر الأمر على التهديد الجسدي فقط، إنما هو هزّ لشرعية الحياة اليومية، لكلمة قد تمثل موقفاً، ولوظيفة تمثل ولاءً، ولذكريات تمثل مخاطر.

هذا ليس انفلاتاً أمنياً عشوائياً ولا فوضى ما بعد سقوط نظام، بل هو إعادة توزيعٍ محسوبة للعنف، تدار على أساس الهوية والاشتباه، وتُستخدم لترسيم حدود جديدة لمن يحق له العيش بأمان، ومن يُدفع إلى الهامش أو الاختفاء.

العواقب أبعد من الخوف اللحظي، عندما يتحوّل الصمت إلى استجابة متكررة، يُفقد المجتمع شيئاً أساسياً وهو القدرة على التبادل الأخلاقي والسياسي، وعلى بناء تضامن مدني يتجاوز الخوف الفردي مما يؤدي إلى عزلة جماعية، إذ ينكمش كلّ فرد على شبكته الضيقة من الأمان، وتضمحل المبادرات المشتركة فيكبر الفراغ الذي تملأه تأويلات العنف والانتقام.

كذلك يترك هذا المشهد أثراً على الأجيال من أطفال يكبرون على قواعد سلوكية مبنية على الحذر والتحيّل، لا على الثقة المتبادلة.

لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى موجات العنف الساحلية بأنها حوادث مؤقتة قابلة للنسيان! إنها عملية إعادة تعريف للوجود الاجتماعي، تغيّر طرق التعايش والاقتصاد والذاكرة. وإدراك هذه الحقيقة هو ما يفرض نوعاً مختلفاً من الاستجابة ليس فقط مواجهة الفاعلين المسلحين، بل استعادة قواعد الحياة اليومية؛ حماية الوظائف والحقوق، آليات اتصال آمنة بين الجيران، وبرامج نفسية واجتماعية تعيد بناء الثقة المفقودة. بدون هذه المعالجات سيبقى الخوف أكثر من شعور سيصبح البنية التي تُدار بها الحياة في الساحل.

الخوف كسلطة بين الانقسام الاجتماعي والاقتصادي

حين تنهار السلطة المركزية يتغيّر ما هو أكثر من قواعد السياسة؛ يتغيّر منطق الحياة اليومية؛ الخوف هنا لا يبقى شعوراً عابراً ينتاب الناس عند سماع خبرٍ سيئ، بل يتحوّل إلى نظامٍ يصوغ من يُسمح له بالوجود الاجتماعي الكامل ومن يُحتفظ له بالبقاء على هامش الحياة.

أولى آليات هذا التحوّل مصدرها الفرز الإداري، قرارات فصل جماعي أو استبعاد من مواقع العمل تُتّخذ بلا شفافية وبصيغٍ تبدو وكأنها تستبدل المعايير المهنية بمعايير الانتماء أو الشبهة. عندما تتحوّل الوظيفة من مصدر معاش إلى علامة انتماء، يصبح المال نفسه أداة تصنيف، الراتب ليس فقط مورد بل شهادة قبول أو إدانة. من يفقد العمل يفقد معه قدرة المشاركة في الشبكات الاجتماعية الأساسية من جمعيات الحي إلى أجور المدارس والقدرة على دفع الإيجار فيدخل تدريجياً إلى مجموعةٍ مُعزولة يقودها الفقر والخوف لأنه حين تُستخدم الوظيفة كسلاح نحن لا نكون أمام خلل إداري إنّما أمام عقاب جماعي مقنّع يُمارَس خارج أي مساءلة، ويُعاد فيه إنتاج منطق الإقصاء الذي ثار الناس عليه أصلاً.

ثانياً، هناك آلية السوق الاجتماعي؛ التجار وأصحاب المحال وحاملو العقود يبدأون بتعديل تعاملهم وفق حسابات مخاطر مبنية على الولاءات أو الشبهات. قد يمتنع صاحب عمل عن توظيف أحدهم ليس لضعفٍ في الكفاءة بل خشية أن يجلب معه اشتباكاً أو اتهاماً. في هذه الحالة الاقتصاد يُشارك في تقنين الإقصاء فيصبح السوق أداة تنفيذية للوصم، مما يعرّض العائلات إلى فقدان دخل طويل المدى ويُعمّق الهوة بين المقبولين والمطرودين.

ثالثاً، تقوم آلية التحيّز الأمني حيث تتحول مجموعات محلية مسلحة أو حواجز أمنية غير خاضعة للمساءلة إلى مرجعية لحماية أو تهديد. الحماية هنا ليست عامة أو مصلحة عامة بل محمية تتبع قواعد ولاءات، من يملك غطاءً يُحمى ومن لا يملك يُترك عرضة. هذا يوجد سوقاً أمنية بديلة تقودها التبعية لا القانون وتتحول المؤسسات التي كان الناس يعتمدون عليها إلى ساحات مفاوضات على الولاء بدل الحماية.

رابعاً، ثقافة الوصم؛ تنتشر الأخبار عن اختفاء أو اغتيال شخص ما تُحوّل أسرته فوراً إلى مصدر خوف اجتماعي من دون تحقيقات شفافة. وتحفّز الشائعات عملية عزل سريعة، فجارك قد يتجنّبك، وصاحب المحل قد يرفض خدمتك، والمعلم قد يتجنب توظيف أحد أبنائك. بهذا الشكل يصبح الخوف آلية للضبط الاجتماعي لا حاجة لقوانين مكتوبة، يكفي أن يعرف الجميع أن هناك ثمناً للخروج عن الخطّ المفترض.

تلك الآليات مجتمعة تُنتج شقوقاً اجتماعية واقتصادية متداخلة؛ طبقة ممن يُعتبرون آمنين تستمر في العمل والتعليم والوصول إلى الخدمات، وطبقة أخرى تُدفع تدريجياً إلى هامشٍ اقتصادي و اجتماعي وربّما جغرافي. هذا الانقسام ليس مؤقتاً دائماً؛ فالفقر المزمن وفقدان الأمل في عدالة تُعيد الحقوق يخلقان جيلًا جديداً من المستبعدين وثقافة عزلة تجعل إعادة الدمج أصعب بكثير لاحقاً.

للنساء أثرٌ خاص في هذا السياق، فغالباً ما يتحمّلن ثقل فقدان الدخل والعنف المنزلي المتزايد ويتعرّضن لتمييز مزدوج بسبب جنسهن ووصمة العائلة مما يجعل معالجات العنف والدمج الاقتصادي بحاجة لصياغات حسّاسة ضد النوع الاجتماعي والأطفال هم الحلقة الأضعف، يكبرون على قواعد حماية مبنية على الصمت والخوف، ليست فقط على المواطنة المشتركة.

إدراك هذا التحوّل يتطلب إعادة تعريف الاستجابة لأن مواجهة الفاعلين المسلحين وحدها لا تكفي؛ إذ يجب استهداف آليات الانقسام نفسها؛ حماية الوظائف كمجال للكرامة، إعادة بناء شبكات التبادل الاجتماعي، وتأمين طرق للحوار المحلي تستعيد الثقة بين الجيران. على سبيل المثال “سياسات توظيف عامة مؤقتة، برامج نقدية طارئة للأسر المفصولة، آليات شكاوى محلية موثوق بها تتيح للناس الطعن في قرارات الفصل، ومبادرات إعادة إدماج نفسية تهدف لإعادة بناء الأواصر المجتمعية”، جميعها خطوات عملية تهاجم مساحة نفوذ الخوف كقوة منظمة.

أخيراً، لا بد من آلية إنصاف واضحة ليست شكلاً رمزياً من التحقيقات فحسب بل آليات عملية تمنع الإفلات من العقاب بشكل انتقائي. عندما يعلم الناس أنّ هناك قنوات فاعلة للمساءلة تعيد الحقوق وتضمن قراءة عادلة للوقائع، يقلّل ذلك من قدرة الخوف على أن يصبح نظاماً دائماً.

الخوف هنا ليس اختلالًا مؤقتاً يمكن تجاهله بعد هدنة قصيرة؛ إنه تجربة تحول بنيوية تغير قواعد العيش المشترك. وفهمه والتحرك ضده يتطلبان سياسات تمس الحياة اليومية والاقتصاد المحلي، لا فقط بيانات صحافية أو بيانات إدانة. هل نملك الإرادة لتحويل الخوف مرة أخرى إلى شعور عابر؟ أم سنتركه يستقرّ كقانون جديد يسوس الناس يومياً؟

أثر العنف على النسيج الاجتماعي

الخطير في العنف الذي يضرب الساحل ليسَ أرقام القتلى أو موجات التهجير بقدر ما هو الطريقة التي يعيد بها تشكيل كلّ ما بين البشر؛ الثقة، الجوار، اللغة، حتى الذكريات المشتركة. عندما تصبح الشهادة عن جارك أو زميلك وسيلة ممكنة للاختطاف أو الاغتيال، تتقلّص دائرة الاتصال الاجتماعي إلى ما يشبه الفقاعة؛ كل واحدٍ يحيط نفسه بحاجز من الحذر. ليس خوفاً لحظياً فحسب بل عادة معيشية تُدرّجها الأجيال لاحقاً كقواعد سلوكية.

فالثقة التي تحتاج إلى سنوات طويلة لتتشكل يمكن أن تنهار في أيام!! الناس يتوقفون عن دعوة بعضهم إلى المنازل، عن مشاركة الأخبار أو الحكايات، وحتى عن تبادل البضائع والخدمات البسيطة. الجار الذي كان يبادل الفائض من الخبز يصبح غريباً محتمل الخطورة. هذا الانكماش يضعف مؤسسات المجتمع الصغرى كالأندية، الجمعيات الخيرية المحلية، أسواق الحي ويجعل من أي مبادرة جماعية معرضة للفشل لأنّ القاعدة الأولية لصياغتها الثقة المتبادلة غائبة.

أمّا الأطفال وحكايتهم مع العنف تبدأ مبكراً حيث يتعلّمون أن الصمت حماية، وأن الأسئلة قد تحمل عواقب. يتكوّن لديهم نموذج للعلاقات الاجتماعية قائم على الحذر والشك، لا على الفضول أو التعاون. هذا يترك أثراً مزدوجاً: فقدان الطفولة نفسها، وتكوين جيل يكبر وهو يجهل آليات التعبير المدني والبحث عن العدالة بطرق سلمية.

النساء يدفعن ثمناً مضاعفاً؛ إذ ينهار دعم الأسرة الاقتصادي فتتزايد حالات العنف المنزلي وتُحمَّل النساء عبء قيادة بقاء العائلة مع موارد أقلّ وشبكات تضامن أضعف. كما أن وصمة الأسرة المشبوهة تصيب النساء بامتياز، فتجد بعضهن مُبعدات عن فرص العمل أو الدعم المجتمعي.

ثقافة الشائعات تزدهر في هذه الفراغات، فأي خبرٍ عن حادث يُنشر شفهياً أو عبر رسائل قصيرة ويتحوّل بسرعة إلى حكمة محلية تُبرّر ردود فعل انتقامية. تحوّل الشائعة إلى قانون بديل يسنّ قواعد السلوك في غياب مؤسسات قادرة على تفسير أو تحقيق الأحداث فحين تُستبدل الحقيقة بالشائعة، لا ينهار القانون فقط بل تُقتل فكرة البراءة نفسها ويُصبح كل فرد مشروع متهم إلى أن يثبت العكس، إن أُتيح له ذلك؟!

والنتيجة ليست فقط عزلة نفسية، بل اقتصادٌ متهالك؛ الشبكات التجارية تتفكك، التبادل يقلّ، والاستثمار يتراجع لأنّ المخاطر الاجتماعية تُترجم إلى مخاطر مالية. وفي غياب فرص بديلة يصبح الاستغلال الاقتصادي والسياسي أكثر سهولة؛ من يعاني الفقر ينحاز إلى دوائر ولاء أو إلى اقتصاد الظل المتصل بالفصائل المسلحة.

لذا استعادة النسيج الاجتماعي تتطلب علاجاً مزدوجاً، إجراءات أمنية وقضائية لوقف العنف ومساءلة الفاعلين، وبرامج اجتماعية ميدانية لإعادة بناء الثقة، مبادرات مصغّرة كملتقيات الأحياء الآمنة، لجان وساطة محلية، دعم نقدي مباشر للأسر المفصولة، وبرامج نفسية تستهدف الأطفال والنساء أولًا. بدون هذه المعالجات المرتكزة على الحياة اليومية، ستبقى محاولات العودة إلى الطبيعي سطحية، وسيستمر المجتمع في إدارة علاقاته بموجب منطق الخوف لا بموجب قانون أو تضامن.

التجربة السورية في سياق عالمي

لو أردنا التمعن في التاريخ، فما يحدث في الساحل السوري لا ينفصل عن نمط متكرر في مراحل ما بعد سقوط أنظمة قمعية؛ حين ينهار جهاز قسري مركزي من دون استبداله بهياكل قادرة على الضبط القانوني والعدالة، يملأ الفراغ بمنطق آخر ليس بالضرورة سياسياً مرئياً، بل أحياناً اقتصاداً أمنياً واجتماعياً جديداً يحكم الناس يومياً. دروس من العراق وليبيا والسودان توضح هذا النمط وتعرض ما قد ينفع كخطة إنقاذ.

أولاً، تجربة العراق بعد 2003 تُظهر كيف يمكن لفراغ السلطة أن يتحوّل سريعاً إلى صراعات طائفية وشرائح انتقامية تُدير الأمن أو انعدامَه بحسب الولاءات. انهيار جهاز الدولة لم يقضِ على منطق السيطرة بل أعاد تشكيله على أسس طائفية ومحلية، مع تأثير عميق على حياة الناس اليومية وعلى بنى الثقة المجتمعية. هذه النتيجة مفهومة جيداً في تحليلات جماعات المراقبة التي رصدت انفلاتًا في بنية المجتمع والسلطة بعد 2003.

ثانياً، ليبيا بعد 2011 تعطينا مثالاً صارخاً على كيف يُستغل فراغ السلطة الأمنية لصالح فصائل مسلحة تصبح بالفعل سلطة بديلة على الأرض؛ ميليشيات محلية وضعت قواعد للأمن، وفرضت سياسات اقتصادية واجتماعية على أساس القوة، مما بدّد فرصة انتقالٍ سلمي من الثورة إلى حكم مدني منظم. هذا الدرس يذكّر أن ضبط السلاح ودمج الفاعلين المسلحين في هياكل مدنية يجب أن يكونا أولوية منذ اللحظة الأولى لنجاح أي انتقال.

ثالثًا، حالة السودان منذ 2023 تُظهر كيف أن انهيار مؤسسات الدولة، وبخاصة مؤسسات الحماية والخدمات الأساسية، يحوّل الخوف إلى أداة ضبط اجتماعي يومية. الصراعات بين عناصر عسكرية متنافسة وغياب آليات حماية فاعلة جعل المواطن العادي يعتمد على ولاءات محلية أو جهوية للبقاء، مما عمّق الانقسام الاجتماعي وأجهضت فرص التماسك المدني. تقارير الأمم المتحدة ومنظمات المعونة تبيّن عمق التدهور ونتائجه على المدنيين.

من هذه التجارب يتبلور درس مركزي؛ الانتقال السياسي الفاعل لا يقتصر على إزاحة نظام مستبد، بل يتطلب مقاربات أمنية وقضائية واجتماعية متزامنة. خبرة منظمات الخبرة في الإصلاح الأمني والعدالة الانتقالية تؤكد أن إجراءات مثل إصلاح قطاع الأمن (Security Sector Reform) وعمليات نزع السلاح والدمج وإعادة الإدماج (DDR) وبرامج العدالة الانتقالية ليست رفاهية أكاديمية، بل عناصر عملية لاحتواء التفكك. أمثلة ناجحة وأخرى فاشلة تُبيّن أن البدء المبكر بآليات ملموسة بما في ذلك آليات محلية للمصالحة وبرامج اقتصادية مؤقتة لامتصاص الصدمات يقلّل من فرص تحول الخوف إلى نظام حكم دائم.

وبعبارة أوضح، إذا لم يرافق أي انتقال إجراءات فورية لحماية المدنيين وإصلاح أجهزة إنفاذ القانون لتكون محايدة ومساءلة، وبرامج اقتصادية تحفظ للبعض القدرة على العيش الكريم، فسيبقى ميزان القوة الميدانية لا القانون هو الفيصل في توزيع الأمن والحقوق. وهذا ما يفسّر لماذا تتحول مناطق مثل الساحل إلى مختبرات لنسخ جديدة من السلطة القائمة على الخوف؛ ليس لأنّ العنف أصبح أكثر شراسة فحسب بل لأن آليات الاحتواء والعدالة التي تمنع تحويل العنف إلى نمط يومي غائبة أو متعثرة.

ما الذي يمكن استعارته كخلاصة عملية؟

البدء الفوري بآليات حماية مدنية محلية مدعومة بمرجعية قضائية مستقلة، شمولية إصلاح قطاع الأمن وإجراءات واضحة لضمّ أو تفكيك المجموعات المسلحة، لا سياسات إقصائية تفاقم الولاءات، برامج اقتصادية واجتماعية طارئة لإبقاء الناس داخل الاقتصاد الرسمي ومنع استغلال الفقر لإعادة تعبئة الولاءات المسلحة.

هذه الدروس لا تقدم وصفة جاهزة تنطبق حرفياً على كل حالة، لكنها تحدد مسارات عملية وضرورية، حماية الحياة اليومية، استعادة سلطة القانون، ومعالجة الأضرار الاجتماعية والاقتصادية بسرعة. وإلا فسيبقى الخوف هو السلطة الحقيقية ليس بالمعنى الرمزي فحسب، بل بوصفه نظامًا مادياً لإدارة الناس والموارد.

عندما نحاول قراءة ما يجري في الساحل السوري، لا تكفي الوقائع وحدها؛ نحتاج إلى أصوات تحلل السياق وتتنبّه إلى الآليات الخفية التي تحوّل العنف إلى نظام حكم واقعي. هنا ثلاثة اتجاهات تحليلية بارزة تساعدنا في تفكيك الحدث مع نقد بنّاء لكل منها.

أولًا، التحذير من إعادة إنتاج منطق السلطة بعد السقوط. المحلل روبن ياسين قِسّاب وغيره من المراقبين يشيرون إلى أن سقوط النظام لا يلغِي منطق السيطرة بل يترك مجالاً لأطرافٍ جديدين، أحيانًا أكثر تشظياً وغموضاً لإعادة إنتاج نفس آليات القهر بوجوه مختلفة. هذا التفسير يفسّر لماذا لا يكفي تغيير القمة السياسية وحده، فبدون آليات مساءلة فاعلة وبدون استعادة لشرعية القانون، تترسّخ أشكال جديدة من القهر الشعبي والمحدود. يمكن توظيف هذا الرأي في المقال كإطار مفاهيمي يفسّر كيف انتقل الخوف من أداة دولة إلى سُلطة اجتماعية؛ لكن ينبغي أن يُصاحَب بنقد عملي؛ ما الذي يعنيه إعادة الإنتاج على الأرض؟ أيّ فواعل بالضبط تعيد إنتاجه؟ وهذا يدعونا لربط الفكرة بأمثلة ميدانية (ميليشيات محلية، إقصاءات إدارية، شبكات تهديد) حتى لا يبقى الوصف مجرد عموم نظري.

ثانياً، قراءة الجغرافيا والطائفة كعامل ميسّر للعنف؛ المحلل فابريس بلانش يقدّم خرائط وتحليلات مكانية توضح أن العنف لم يكن عشوائياً بل ترافق مع خطوط سكانية وتراكمات تاريخية محددة على الساحل؛ هذا يساعد في فهم لماذا استهدِفت بعض الأحياء أكثر من غيرها، وكيف تُترجم الذاكرة السياسية المحلية إلى دوافع انتقامية أو دفاعية. استخدام خرائطه وتحليلاته يدعم فصلًا من المقال يبيّن البُعد المكاني للعنف، لكنه يحتاج أيضا إلى تأطير أخلاقي، التركيز على الطائفة قد يسهم في تأبيد تقسيمات لا تساعد على إعادة بناء مواطنة مشتركة، لذا يجب توظيف هذا التحليل كأداة لفهم الخطاب لا كفتيل لتبرير التعرُّض للمدنيين.

ثالثًا، منظور الأمن والميليشيات؛ محللون مثل ميخائيل نايتس يشدّدون على دور البدائل الأمنية، ميليشيات مسلحة، شبكات إقليمية، وتجار سلاح في ملء الفراغ، مما يحوّل المجال المدني إلى ميدان تفاوض على الحماية مقابل الولاء. هذا يجعل من ضبط السلاح ودمج المقاتلين في هياكل مدنية أولوية عملية في أي برنامج انتقالي. نقد هذا الطرح يوجّهنا إلى ضرورة عدم اختزال الحل بإجراءات عسكرية بحتة (تفكيك أو مواجهة مسلحة) بل ببرامج متكاملة تشمل تحفيزات اقتصادية ومسارات قانونية للفارين من الانخراط العنيف.

إلى جانب هذه الاتجاهات التحليلية، تؤكد منظمات حقوقية كمنظمة العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش” أن المشهد الآن ليس مجرد تداعٍ أمني بل قد يصل إلى مستوى جرائم تستدعي مساءلة دولية أو تحقيقات مستقلة، بخاصة حين تُستهدف مجموعات على أساس هويتها. هذا القول يضيف بعداً إنسانياً وقانونياً لتحليلات المحللين ويقوّي الحجة بأنّ حماية المدنيين ومساءلة الفاعلين يجب أن تكونا أولوية لا تأجيل لها. لكن النقد هنا أنّ مطالبة التحقيقات الدولية وحدها لا تُعالج فراغ الأمن اليومي إذ يجب أن تسير عمليات المساءلة مع خطط حماية عاجلة وإعادة بناء الخدمات

الخطر في الساحل السوري يتجاوز مجرد استمرار العنف؛ إنه خطرُ اعتياد العنف. عندما تصبح القتل والفصل والتهجير جزءًا من السرد اليومي، يفقد المجتمع ردة فعله الأخلاقية والسياسية، لا غضب يترجم إلى مطالبة حقيقية، ولا ذاكرة تؤدي إلى تغيير. وهنا يكمن المأزق!! ليس فقط في العدد الذي نحصيه من ضحايا، بل في الطريقة التي يصفّي بها الخوف القدرة على المطالبة بالحقوق وإعادة بناء حياة مشتركة.

لذا فإنّ المواجهة ليست مجرد إقامة محاكم أو بيانات إدانة رمزية، بل تتطلب حزمة إجراءات متزامنة تراكمية، تجمع بين العدالة والحماية وإعادة البناء الاجتماعي والاقتصادي. على مستوى عاجل يجب أن تتوافر تحقيقات مستقلة وشفافة مع آليات لحماية الشهود وضمانات لعدم الإفلات من العقاب، ونشر آليات حماية مدنية محلية قادرة على حماية الفئات المعرّضة (الأقليات والنازحين والمفصولين من العمل). على مستوى وسيط تحتاج المنطقة إلى برامج إعادة إدماج اقتصادي ودعم نقدي طارئ، فرص عمل مؤقتة في الخدمات العامة، وإعطاء أولويات التوظيف للمناطق المتضررة وأطر قانونية تسمح للطعن في قرارات الفصل الإداري دون تعرّض المستأنف للخطر. وعلى مستوى مركزي وطويل الأمد، لا بدّ من إجراءات لإصلاح أجهزة الأمن والقضاء، وضبط فعلي للسلاح المحلي عبر برامج نزع السلاح والدمج والعدالة الانتقالية التي تعالج الجناة والضحايا بنفس الحزم.

وبدون هذه الخطوات المتكاملة سيستمر الخوف في أن يكون هو السلطة الفعلية على الأرض، نظام غير مكتوب يحكم السلوك والعلاقات والاقتصاد. إنّ استعادة الثقة ليست رفاهية نظرية بل إنها شرط عملي لعودة الناس إلى الشوارع والأسواق والمدارس، وإمكانية بناء عملية سياسية شرعية. السؤال الحقيقي إذاً ليس فقط عمّن سيحكم غداً، بل عمّا إذا كان المجتمع السوري سيجد طريقه لاستعادة كرامته المشتركة قبل أن يتحول الخوف إلى القاعدة التي ستُدرّسها الأجيال القادمة؟! كما أنّ أي انتقال سياسي لا يبدأ بحماية الناس من الخطف والفصل والقتل على الهوية، ليس انتقالاً بقدر ما هو إعادة تدويرٍ للعنف بلغة جديدة، وترك الخوف ليكون السيّد الوحيد بعد سقوط الجلاد.

رصيف 22

——————————

=========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى