العدالة الانتقالية تحديث 28 كانون الثاني 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
———————————–
تصنيف الضحايا في سوريا: نحو تعميم العدالة الانتقالية/ منصور العمري
يُعد التصنيف الدقيق للضحايا شرطًا أساسيًا لنجاح العدالة الانتقالية في سوريا وجبر الضرر ومنع تكرار الانتهاكات.
January 21, 2026
من هو الضحية؟
للوهلة الأولى، تبدو إجابة هذا السؤال بديهية، لكنها في الواقع أكثر تعقيدًا مما نتصور، خصوصًا حين نغوص في السياقات السياسية المتشابكة.
طرح عالم الاجتماع البارز ريتشارد كويني هذا السؤال عام 1972، وخلص إلى أن ”الضحية“ ليست حالة موضوعية ثابتة، بل بناء اجتماعي يتحقق فقط عندما يتفق المجتمع على الاعتراف بشخص أو مجموعة ما كضحية. منذ ذلك الحين، أصبح هذا السؤال محورًا مركزيًا في عِلم الضحايا، مطلقًا موجة من الأبحاث التي تحاول الإجابة عنه.
إجابة هذا السؤال في سوريا، التي تمرّ اليوم بمرحلة انتقالية حساسة، لا تزال غائمة، رغم أنها إحدى المحددات الرئيسة لنجاح تدابير العدالة الانتقالية. لا يوجد إجماع أو نقاش مجتمعي جاد ومنظم بشأن تعريف الضحية. بل إن التعريف يُختطف أحيانًا ليصبح رهينة لاعتبارات سياسية حول هوية الضحايا أو انتماءاتهم، أو انتماءات من ارتكب بحقهم الانتهاكات.
وتبرز الحاجة إلى تعريف الضحية مع النقاشات الجارية حول مسودة قانون العدالة الانتقالية في سوريا الذي يهدف إلى وضع إطار قانوني شامل لعمل ”الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية“، وهي الجهة المنوط بها جبر الضرر وتحقيق العدالة لضحايا صراع السنوات الماضية. فبدون تصنيف دقيق للضحايا في نص القانون، يظل التشريع عاجزًا عن التمييز القانوني بين الاحتياجات المتباينة لملايين المتضررين.
نتناول في هذا المقال مسألة تعريف الضحية من منظور تقني، ونطرح أمثلة من الفظائع الجماعية التي ارتكبها نظام الأسد، بهدف فتح نقاش حول الدور المحوري الذي تلعبه هذه المسألة في تعزيز شمولية آليات العدالة الانتقالية من دعم للسلم الأهلي ومحاسبة الجناة من كل الأطراف، وتعويض الضحايا بغض النظر عن انتمائهم السياسي أو الاجتماعي، بالإضافة إلى إصلاح مؤسسات الدولة لضمان عدم تكرار انتهاكات الماضي.
تعريفات عامة وتعريفات محددة
يذهب التعريف المتداول للضحايا في سياق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بأنهم الأفراد الذين لحقهم أذى جسدي أو نفسي أو اقتصادي، أو حُرموا من حقوق أساسية نتيجة أفعال إجرامية أو إساءة في استعمال السلطة. ويُعدّ الشخص ضحية بغضّ النظر عن معرفة الجاني أو توقيفه أو محاكمته، ويمتدّ المفهوم ليشمل أفراد الأسرة المباشرين ومن تضرروا أثناء مساعدة الضحية أو محاولة منع الإيذاء. كما وردت تعريفات أخرى للضحايا في سياق الحق في الانتصاف وجبر الضرر، أو اتفاقيات دولية خاصة بجرائم محددة، مثل الاختفاء القسري.
وفي السياق السوري، يبرز تعريف الضحايا كأداة تقنية متخصصة يمكن لـ”الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية“ الاعتماد عليها من أجل تحقيق العدالة للضحايا وتعويضهم بالشكل الأمثل. ويشمل ذلك تعريف الضحايا وتصنيفهم في فئات محددة، والانتقال من تعريف الضحية العام إلى خارطة طريق تفصيلية تربط فئة الضحية بنوع الجريمة والضرر، ونوع الاستجابة المطلوبة. وبذلك يصبح تصنيف الضحايا العدسة التي تستطيع هيئة العدالة الانتقالية والجهات التنفيذية في سوريا من خلالها أن ترى بوضوح، وأن تعالج جذور الضرر ونتائجه المتنوعة، بدلاً من تقديم حلول عامة وموحدة قد لا تلبي احتياجات الضحايا المعقدة والمتنوعة.
ولتحقيق ذلك، ينبغي لآليات العدالة الانتقالية أن تتبع نهجًا يكون فيه للضحايا دور مركزي، لتصبح حقوقهم واحتياجاتهم في صلب عملية التصميم والتنفيذ. وهكذا يمكن تحديد فئات الضحايا بما يضمن شمولية العدالة وإنصافها وفعاليتها، ويوجه جبر الضرر بالشكل المناسب، ويمنع إهمال الفئات الأقل ظهورًا أو الأكثر ضعفًا، كضحايا العنف الجنسي والأطفال المجندين على سبيل المثال. كما يتيح تحديد نوع الجبر التمييز بين الجبر الفردي (مثلًا، التعويض المالي عن فقدان المنزل أو الانقطاع عن العمل) والجبر الجماعي/الهيكلي (مثلًا، إصلاح مؤسسات الدولة) الذي يهدف لمنع تكرار حدوث الانتهاكات.
كما لا يمكن معالجة جميع الأضرار بنوع واحد من الجبر، فمثلًا، عائلات ضحايا الإخفاء القسري والمفقودين بحاجة في الدرجة الأولى إلى الحق في معرفة مصير أحبائهم، والوصول إلى رفاتهم. الجبر هنا كشف الحقيقة، والدعم النفسي-الاجتماعي، وتسهيل الإجراءات القانونية لإثبات الوفاة وما يرتبط بها من إجراءات الميراث أو الوصاية أو الطلاق والزواج وغيرها، والتعرف على الرفات وإعادتها للعائلة لتحظى بدفن لائق، وقبر يُزار.
ويسهم تصنيف الضحايا على المستوى الرسمي في تعزيز الجهود التي تبذلها روابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في الضغط والمناصرة وتوثيق الشهادات ، كما يدعم السلطات الرسمية والهيئات المعنية المشكلة حديثًا في مواجهة التحديات اللوجستية الهائلة الناتجة عن العدد الكبير للضحايا والحاجة إلى الموارد الكبيرة.
تصنيف الضحايا وإنشاء الفئات
تشمل معايير تصنيف الضحايا نوع الجريمة، ومدى الضرر، والاستجابة المتوقعة أو المطلوبة، وأيضًا تحديد الضحايا حسب المهنة أو الجنس أو المواصفات المشتركة وغيرها. وبما أن أثر الجريمة وامتداده بداية من مستوى الفرد وصولًا إلى المجتمع ككل يختلف حسب نوعها، لا بد أن يختلف نوع العدالة والاستجابة المناسبة. وهنا تبرز أهمية تحديد نطاق تأثير الجريمة سواء على المستوى الفردي والعائلي والفئوي والمجتمعي، ما يسمح بالانتقال من التعويض الفردي إلى الإصلاح الجمعي.
كما أن الفهم الشامل لمدى تأثير الجريمة عبر تصنيف ضحاياها من الفرد إلى المجموعات إلى المجتمع ككل، يدعم التوصية الأممية بـ”ضرورة اتخاذ تدابير..لمنع تكرار حدوث نوع الانتهاك موضع البحث. وقد تقتضي هذه التدابير إجراء تغييرات في قوانين الدولة الطرف أو ممارساتها“.
نستعرض في القسم التالي أمثلة للآثار التي خلفّها استهداف فئات مهنية واجتماعية محددة في سوريا على المجتمع ككل. كما نبين كيف يمكن لتصنيف هؤلاء الضحايا أن يضمن شمولية العدالة الانتقالية من خلال الجمع بين التعويض الفردي والإصلاح الهيكلي الشامل. وتشمل الأمثلة أولى الفئات التي تعرضت للاستهداف منذ 2011، وأكثرها هشاشة.
استهداف القطاع الصحي في سوريا
كان القطاع الصحي، بما فيه الأطباء والكوادر الصحية إحدى أولى الفئات المستهدفة بسبب عملها منذ عام 2011. وتقدر منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان أن نظام الأسد وحلفاءه مسؤولون عن 90 بالمئة من وفيات الكوادر الطبية. لكن رغم أن الضحية المباشرة هي الطبيب أو الممرض، إلا أن تأثير الجريمة يمتد إلى عائلاتهم، وأيضًا إلى المجتمع الذي يقدمون له الخدمات الصحية. بحسب منظمة أطباء بلا حدود، وصل نظام الرعاية الصحية عام 2021 في سوريا إلى شفير الانهيار، وبلغت الإمدادات والطواقم الطبية حدّها الأدنى في حين أغلقت المرافق الصحية أبوابها أو توقفت عن العمل. ينتج عن غياب الخدمات الطبية عواقب خطيرة منها تفشي الأمراض والوفاة ومفاقمة الإصابات، بالإضافة إلى التهجير القسري.
استهداف مقدم الخدمات الصحية يحرم المجتمع ككل من الحق في هذه الخدمات، وهنا يتجاوز جبر الضرر الحالة الفردية للطبيب أو الممرض او العائلة، ليشمل تعويض المتضررين من الحرمان من الخدمات الصحية، والإصلاحات المؤسسية التي تضمن حماية المؤسسات الطبية والكوادر الصحية والنقابات وتعزيز دورها وحرياتها.
استهداف الإعلاميين
أعلنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عام 2024 عن مقتل 717 من الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام منذ مارس/آذار 2011 بينهم 53 بسبب التعذيب، على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا. حين يُستهدف الإعلاميون بالقتل أو الاعتقال والتعذيب أو الترهيب، لا يكون الضحية الإعلامي فحسب، بل يمتد تأثير الجريمة من الإعلامي الضحية المباشرة إلى عائلته، ثم إلى المجتمع بشكل عام بحرمانه من الحق في المعرفة. هنا يستلزم الجبر تصنيف الإعلاميين كضحايا مباشرين لنوع الجريمة كالقتل أو الاعتقال والتعذيب والإخفاء، بالإضافة إلى الجبر المجتمعي أو الهيكلي بتدوين الحقائق وتعميمها على المجتمع، وإصلاح القوانين لضمان حرية الإعلام وحماية الصحفيين.
استهداف الأطفال والمدارس
عانى الأطفال بشكل خاص في سوريا من الحرمان من التعليم. فقد تعرضت ما لا يقل عن 1714 مدرسة ورياض أطفال للاعتداءات منذ مارس/آذار 2011 وحتى 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، على يد قوات النظام السوري، والقوات الروسية وغيرها من الأطراف المشاركة في الحرب.
نتج الحرمان من التعليم بشكل أساسي عن استهداف نظام الأسد الطلاب ومدارسهم، واستخدام الجماعات المسلحة المعارضة المنشآت التعليمية في أغراض عسكرية، وذلك بالإضافة إلى النزوح وعدم الاستقرار الذي عاناه ملايين السوريين. يحتم حرمان أعداد كبيرة من الأطفال من التعليم لسنوات عديدة إعداد استجابة مناسبة لتعويض ما فاتهم من التعلم، ما يبرز الحاجة إلى إنشاء فئة خاصة بالضحايا من الأطفال.
آليات التصنيف وتصميم الاستجابة
تستدعي الأمثلة السابقة (من قطاعات الصحة والإعلام والتعليم) من السلطات تطبيق منهجية تصنيف تتجاوز الحصر العددي إلى تصميم الاستجابة. فبدلاً من التعامل مع الضحايا ككتلة واحدة، يمكن للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية استخدام آليات تصنيف تدمج بين نوع الجريمة (كالإخفاء أو القتل) والمواصفات المشتركة للضحايا (كالمهنة أو النوع الاجتماعي) لفهم مدى امتداد التأثير من الفرد إلى المؤسسة والمجتمع.
ومع ضخامة أعداد الضحايا في سوريا، يمكن تصميم نظام أولويات يهدف لا للتمييز، بل لتعظيم كفاءة الجبر. كأن يتم وضع الأولويات بناءً على معيارين: الأول هو جسامة الضرر واستمراريته، حيث تُمنح الأولوية لفئات مثل ضحايا الإخفاء القسري والعنف الجنسي نظرًا للحاجة الملحة إلى الوصول إلى الحقيقة والرعاية الطبية الفورية. الثاني هو ”الأثر الهيكلي“، حيث يتم منح الأولوية لجبر ضرر الفئات التي يشكل إنصافها مدخلًا لإصلاح مؤسسات الدولة (كالأطباء والمعلمين)، لضمان استعادة الخدمات الأساسية للمجتمع ومنع تكرار الانتهاكات. بهذا المعنى، لا يعني وضع الأولويات إهمال فئة لحساب أخرى، بل بناء خارطة طريق زمنية تضمن وصول الحقوق لأصحابها وفق منهجية تمنع انهيار آليات العدالة تحت ضغط الأرقام الهائلة.
التجربة الكولومبية
شهدت كولومبيا إحدى أبرز تجارب تصنيف الضحايا في سياق العدالة الانتقالية. فقد مر البلد اللاتيني منذ عام 1964 بنزاع مسلح داخلي استمر لأكثر من 50 عامًا بين الحكومة والميليشيات (مثل الفارك FARC). وفي عام 2011، وقبل التوصل لاتفاق سلام نهائي في البلاد عام 2016، أصدرت كولومبيا قانون الضحايا وجبر الضرر عن الأراضي. صنف هذا القانون الضحايا بشكل دقيق وشامل، ولم يكتفِ القانون بوضع تعريف نظري، بل أنشأ فئات قانونية واضحة يترتب على كل منها حزمة مختلفة من حقوق جبر الضرر.
تتقاطع الحالة السورية مع الكولومبية في ضخامة أعداد الضحايا وتنوع الانتهاكات، وهي المعضلة التي تعاملت معها كولومبيا عبر اعتماد ”سجل الضحايا الوطني“ كأداة لإدارة الاستجابة. صُنِّف الضحايا في السجل الوطني ضمن قوائم مخصصة، واختلفت طبيعة التعويض المخصص للضحية بناءً على هذا التصنيف. شمل التصنيف فئات الوفاة، والإخفاء القسري، والإعاقة، والاغتصاب، والتعذيب، والإصابات، والنزوح القسري، والعنف الجنسي، والاختطاف، والتجنيد القسري، والاحتجاز التعسفي، والقاصرين، وغير الموثقين. كما شمل فئات المستفيدين أفراد عائلات المتوفين أو المفقودين، بمن فيهم الزوج/الزوجة، والأبناء، والوالدين. ومع نهاية عام 2025، عالجت وحدات خدمة الضحايا 16 مليون طلب لنحو 9 ملايين شخص، بعد 13 عامًا من بدء عملها عام 2012. لم يكن ممكناً الاستجابة لهذا العدد الهائل من الضحايا والطلبات لولا التنظيم الدقيق والمقنن لعمل الجهات المنفذة لتدابير العدالة الانتقالية في كولومبيا، بما فيه تصنيف الضحايا في فئات متسقة.
تجاوز التعريف العام
يتطلب تحقيق العدالة الانتقالية بشكل شامل في سوريا تجاوز التعريف العام للضحية إلى تبني منهجية تحليلية وتصنيفية دقيقة كأداة استراتيجية مستندة إلى تصنيف الضحايا ضمن فئات في النص القانوني. يتطلب ذلك أن تعمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية—بعد التشاور مع مجموعات الضحايا ومنظمات المجتمع المدني السوري وآليات الأمم المتحدة المعنية—على إنشاء وحدة متخصصة لإدارة جبر الضرر، تضم خبراء قانونيين، وخبراء في علم الضحايا (Victimology)، ومحللي بيانات من بين آخرين.
كما يجب إدراج تعريف الضحايا وفئاتهم في قانون العدالة الانتقالية بشكل واضح غير قابل للتفسير السياسي اعتمادًا على هوية المرتكب، أو انتماء الضحية السياسي أو الاجتماعي أو العرقي. كأن يعتمد القانون تعريف الضحية بناءً على الفعل الجرمي والضرر، وليس بناءً على هوية المرتكب أو الضحية، وينص على أن تتمتع لجنة جبر الضرر التابعة للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بحصانة ضد التدخلات الحكومية، وأن تدار من قبل خبراء تقنيين لا يشغلون مناصب سياسية أو حزبية. كما أن تضمين تصنيف الفئات المهنية في هذا القانون يضمن مأسسة العدالة للفئات والقطاعات المتضررة، وهو ما يكفل تلقائيًا دعم إنصاف الأفراد المتضررين بمعايير حقوقية مجردة تتجاوز صراعات الهوية والانتماء.
منصور العمري: مدافع سوري عن حقوق الإنسان وباحث قانوني، يحمل درجة الماجستير في القانون في العدالة الانتقالية والنزاعات، ويركّز في عمله على ترجمة أطر العدالة إلى سياسات وممارسات عملية وإصلاحات داخل المؤسسات في سياقات ما بعد النزاع.
معهد التحرير لدراسات الشرق الأوسط
—————————
لماذا نحتاج لتصنيف الضحايا قانونيًا في سوريا؟
يعد التصنيف الدقيق للضحايا شرطًا أساسيًا لنجاح مسار العدالة الانتقالية في سوريا، وضمان جبر الضرر ومنع تكرار الانتهاكات التي شهدتها سوريا على مدار السنوات الماضية، بحسب ورقة بحثية نشرها “معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط” (TIMEP).
وبحسب الورقة التي أعدها الصحفي والحقوقي منصور العمري، ونشرت في 21 من كانون الثاني، فإن الوصول إلى تعريف “الضحية” وتصنيفها ضمن فئات واضحة ليس مجرد إجراء تقني، بل هو بناء اجتماعي وقانوني يحمي ملف العدالة من التسييس ويضمن شمولية آليات المحاسبة.
سوريا، التي تمر بمرحلة انتقالية حساسة في عام 2026، بحاجة ماسة لتعريف “الضحية” بناء على الفعل الجرمي والضرر اللاحق، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية أو هوية المرتكب أو انتماءات المتضررين.
ومهدت هذه الرؤية البحثية، وفقًا للعمري، للإجابة عن تساؤلات ملحة تتعلق بمسودة قانون العدالة الانتقالية الجاري نقاشه، عبر التركيز على عدة ركائز:
الأولى: تعريف الضحية لضمان حقوق الفئات الأقل ظهورًا (ضحايا العنف الجنسي، الأطفال المجندين).
الثانية: التمييز بين الجبر الفردي (تعويضات) والجبر الجماعي الهيكلي (إصلاح مؤسسات الدولة).
نظام أولويات: الحقيقة للمغيبين أولًا
أوضحت الورقة أن ضخامة أعداد الضحايا تفرض تصميم “نظام أولويات” لتعظيم كفاءة جبر الضرر.
وحث منصور العمري، الذي يحمل درجة الماجستير في العدالة الانتقالية والنزاعات، على منح الأولوية القصوى لفئات مثل ضحايا الإخفاء القسري، نظرًا للحاجة الملحة للوصول إلى الحقيقة.
وبيّن العمري أن عائلات المفقودين بحاجة، قبل أي تعويض مادي، إلى معرفة مصير أحبائهم والوصول إلى رفاتهم لتسهيل الإجراءات القانونية المتعلقة بالإرث والوصاية، ما يجعل “كشف الحقيقة” والدعم النفسي حجر الزاوية في إنصاف هذه الفئة الأكثر تضررًا.
إصلاح المؤسسة عبر الفرد
يفرض استهداف نظام الأسد المنهجي لقطاعات محددة مثل الصحة والإعلام والتعليم، نوعًا خاصًا من “جبر الضرر”.
ففي القطاع الصحي، الذي تشير تقديرات منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” إلى أن النظام وحلفاءه مسؤولون عن 90% من وفيات كوادره، لا يقتصر جبر الضرر على الطبيب كفرد، بل يمتد ليشمل إصلاح المنظومة الصحية لضمان حماية المؤسسات الطبية مستقبلًا، والأمر ذاته ينطبق على قطاع التعليم، الذي تعرضت فيه ما لا يقل عن 1714 مدرسة للاعتداءات منذ 2011.
وكذلك الحال بالنسبة للإعلاميين، إذ سجلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 717 صحفيًا منذ 2011، وهنا يبرز “الجبر الهيكلي” عبر إصلاح القوانين لضمان حرية الإعلام وحماية حق المجتمع في المعرفة.
الاستفادة من تجربة كولومبيا
استعرضت الورقة البحثية التجربة الكولومبية كنموذج رائد، حيث أصدرت كولومبيا عام 2011 “قانون الضحايا وجبر الضرر”، والذي أنشأ “سجلًا وطنيًا للضحايا” أتاح معالجة 16 مليون طلب تعويض لـ9 ملايين شخص.
وبيّن التقرير أن التنظيم الدقيق والمقنن، وتصنيف الضحايا في فئات متسقة (وفاة، إخفاء قسري، تعذيب، نزوح)، هو ما مكن كولومبيا من إدارة حجم الطلبات الهائل، وهو ما تحتاجه سوريا لمواجهة التحديات اللوجستية في توثيق وجبر ضرر ملايين السوريين.
ضمانات استقلالية ملف العدالة
دعا منصور العمري إلى إنشاء وحدة متخصصة لإدارة جبر الضرر تضم خبراء قانونيين ومحللي بيانات، مع التأكيد على ضرورة إدراج فئات الضحايا في نص قانون العدالة الانتقالية بشكل واضح لا يقبل التفسير السياسي.
واقترحت الورقة أن تتمتع لجنة جبر الضرر التابعة للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بحصانة كاملة ضد التدخلات الحكومية، وأن تُدار من قبل خبراء تقنيين لا يشغلون مناصب حزبية، لضمان استمرارية إنصاف المتضررين بمعايير حقوقية مجردة تتجاوز صراعات الهوية والانتماء.
عنب بلدي
————————
عالقات في المجهول: التحديات القانونية والاجتماعية لزوجات المختفين في سوريا/ لينا غوتوق
لا تزال زوجات المختفين في سوريا محرومات من الحقوق والحماية، في ظل غياب إصلاحات عاجلة تمنع إعادة إنتاج الظلم والتهميش.
December 22, 2025
بعد عام على سقوط نظام الأسد، ما تزال زوجات المختفين في سوريا عالقات في تيهٍ قانوني واجتماعي واقتصادي. لم يحمل التحول السياسي التاريخي الذي شهدته البلاد لهنّ إجابات شافية أو عدالة أو حتى تخفيفًا عن أعباء الحياة اليومية المرتبطة بالشلل القانوني المترتب على الفقد. قضت كثيرات منهنّ الأسابيع والشهور التالية لسقوط النظام في البحث عن أزواجهن، إلا أنّ معظمهن لم تعثرن على أي أثر يكشف عن مصيرهم. وهكذا تصبح سوريا معرّضة لإعادة إنتاج الظلم الذي اتسم به نظام الأسد إذا لم تُقَرّ إصلاحات وإجراءات ملموسة لدعم هؤلاء النساء.
إن حجم جريمة الاختفاء القسري في سوريا هائل. فقد وثّقت منظمات حقوقية اختفاء ما لا يقل عن 177 ألف شخص خلال النزاع، فيما تقدّر أعداد الضحايا غير المباشرين — أي أفراد الأسرة القريبين — بمئات الآلاف. وتعاني زوجات المختفين تحديدًا من التبعات القاسية لهذه الجريمة، رغم الاعتراف المتزايد بمعاناتهن والإشارات الرمزية الصادرة عن الحكومة الانتقالية، لتبقى حياتهن اليومية مليئة بعدم اليقين والمشقة والتهميش. وبما أن معظم المختفين في سوريا من الرجال الشباب، وغالبيتهم متزوجون ولديهم أطفال، فإن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والنفسية لاختفائهم عميقة.
يخلق الاختفاء القسري شكلاً فريدًا من المعاناة النفسية المرتبطة بـ”الفقدان الغامض“. يعجز الأقارب عن الحداد التقليدي لغياب اليقين، ما يمنعهم من الاعتراف الكامل بالفقدان، بينما يتبقى لهم في الوقت نفسه بصيص أمل بعودة الغائب. ويضاف على ذلك ما واجهته الكثير من العائلات المقيمة في مناطق سيطرة النظام من قيود على الحديث العلني عن تجاربها أو الوصول إلى الدعم النفسي والمجتمعي.
عالقات في فراغ قانوني
وفقاً لقانون الأحوال الشخصية السوري رقم 59 لعام 1953، لا تستطيع زوجة المختفي أن ترثه أو تتزوج أو تُطَلق أو تباشر بإجراءات الحضانة أو تُسجَّل أرملة ما لم تُقدَّم شهادة وفاة رسمية. هذا الإطار — الذي لم يطرأ عليه أي تعديل لعقود — يعاقب النساء عمليًا على اختفاء أزواجهن، ويتركهن في فراغ قانوني خانق.
وعلى الرغم من سقوط نظام الأسد، لم تقم السلطات الانتقالية حتى الآن بوضع سياسة شاملة لتنظيم أوضاع المختفين أو تقديم مسارات إدارية تساعد العائلات على حل المسائل القانونية والمالية المعلقة. وتقول كثير من النساء أن حياتهن ”متوقفة“، وأنهن غير قادرات على اتخاذ أبسط الخطوات القانونية أو الاقتصادية.
تقول مريم حسن، التي اختفى زوجها وابنها: ”سمعتُ أن الموظفين الحكوميين الذين فُصلوا لأسباب سياسية أو أمنية يمكنهم استعادة وظائفهم ورواتبهم. حاولتُ تقديم طلب لاستعادة راتب زوجي المختفي، لكن قيل لي إنني لن أحصل على ذلك ما لم أعلن وفاته. هذا قرار كبير، وهو عملية قانونية معقدة ومكلفة“.
من الناحية القانونية، يبقى التعامل مع ممتلكات وأموال المفقود أمرًا شديد التعقيد. يقول المحامي جرير كاسوحة، المقيم في دمشق:
”من منظور إنساني، نرغب جميعًا بمساعدة هؤلاء النساء. لكن من الناحية القانونية، الإطار الحالي غير كافٍ. لا تستطيع المحاكم إصدار أحكام اعتمادًا على الاختفاء وحده. نحن نتعامل مع حقوق بشر، ومن دون دليل وفاة يفترض القانون إمكانية عودة الشخص. هذه حالة استثنائية وتتطلب تشريعًا استثنائيًا“.
في العديد من المجتمعات السورية، ما يزال من الشائع إبقاء الملكية العقارية للمنازل التي تقطنها أسر ممتدة مسجّلة باسم الجد حتى بعد وفاته، بدلاً من تقسيمها أو نقلها إلى الورثة. وهذا يعقّد تسوية الملكيات بعد وفاة المالك الأصلي. وعندما يحدث اختفاء، تصبح العملية أكثر صعوبة. إذ غالبًا ما تواجه زوجات وأطفال المختفين نزاعات مع أهل الزوج حول الملكية. ويترك هذا التقليد، المتجذر في البنية الاجتماعية لا القانونية، كثيرًا من النساء دون أي حق رسمي في المنازل الاتي عشن فيها.
وتضيف مريم: ”في معظم الأحياء التي عاش فيها المعتقلون، الملكية مسجّلة غالبًا باسم الجد. زوجي وأنا بنينا منزلنا فوق منزل أهله، لكن قانونيًا، البيت يعود إلى والده. بعض العائلات ترفض منح هذه المنازل لزوجات أو أبناء المختفين، ومن الصعب جداً إثبات الملكية“.
تكلفة الانتظار
بالنظر إلى التحديات القانونية والعملية التي تواجه زوجات المختفين، خاصة تلك المتعلقة بالإرث والحقوق الأسرية، يتّضح أن حل هذه القضايا سيستغرق وقتاً طويلاً، رغم بعض التقدم الذي تحقق في هذا الملف خلال الفترة الماضية.
فقد أنشأت الحكومة الانتقالية ”الهيئة الوطنية للمفقودين“ في مايو\أيار 2024، وكلفتها بتوضيح مصير المختفين ودعم عائلاتهم. وبالفعل، بدأت الهيئة بالتواصل مع العائلات وجمع البيانات في مختلف مناطق سوريا. وتضم الهيئة فريقًا من المستشارين من أقارب الضحايا ومتخصصين سوريين معروفين بمهنيتهم.
ومع ذلك، لم تُعلن أي سياسة شاملة حتى الآن لتوضيح حقوق أو الوضع القانوني لعائلات المختفين. وخلال عدة فعاليات عامة في دمشق، تحدَث بعض أعضاء الهيئة على نحو غير رسمي عن فكرة إصدار ”بطاقة“ أو وثيقة مؤقتة لعائلات المفقودين، كاعتراف رسمي بوضعهم. لكن هذه الفكرة لم تُترجم إلى قرار رسمي، وحتى إن تم تبنّيها، فإن تنفيذها سيستغرق أشهرًا بسبب ضرورة التحقق من البيانات وجمع المعلومات بدقة.
لكن أغلب هذه العائلات لا تملك ترف الانتظار. فكثير منها ينحدر من مناطق دُمرت أثناء الصراع، ويعاني أفرادها الفقر والنزوح، بعد أن أنهكتهم سنوات من الخوف والقلق والاستنزاف المادي من أجل الحصول على أي معلومات عن ذويهم. فقد ابتزت أجهزة نظام الأسد الأهالي واستغلت محنتهم، وأجبرتهم على دفع رشاوى مقابل وعود كاذبة بأخبار أو إفراج لم يتحقق.
ولذلك، فغالبًا ما تكون التداعيات الاقتصادية للإخفاء كارثية على الأهالي، حيث قالت 72% من العائلات في استطلاع قامت به منظمة ”اليوم التالي“ عام 2024 إن الاختفاء أثّر سلبًا على أوضاعها الاقتصادية. وتظهر بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن أعلى نسب الاختفاء كانت في ريف دمشق ودير الزور وحلب — وهي أيضًا مناطق شهدت دمارًا واسعًا.
ومع استمرار هذه المشكلة، يُحرم المزيد من الأطفال من التعليم لأن أمهاتهم لا يستطعن الوصول إلى رواتب أو معاشات أو ممتلكات الآباء المختفين. ويُطرح إعلان وفاة الزوج كحل للوصول إلى هذه الحقوق، لكنه خيار قاسٍ ومكلف ومعقّد. تقول مريم:
”عندما ذهبتُ لإعلان وفاة زوجي، طلبوا مني تقديم إثبات لوفاته. كنت محظوظة لأن لدي تقرير شرطة يفيد بأنه مفقود، وهذا نادرًا ما يحدث لأن نظام الأسد توقف عن إصدار مثل هذه الوثائق. كان بإمكاني إكمال الإجراءات رغم تكلفتها العالية، لكنني قررت في النهاية عدم الاستمرار… لا أريد حلًا استثنائيًا لحالتي فقط. أريد حلًا لكل النساء اللواتي اختفى أزواجهن في مراكز الاعتقال.“
إن اشتراط الإثبات قبل إعلان الوفاة مفهوم من منظور قانوني وحقوقي، فالعائلات لا ترغب في إعلان وفاة أحبائها دون دليل. لكن يجب ألا يمنع هذا الدولة من اتخاذ تدابير فورية وبسيطة لدعم العائلات والاعتراف بمعاناتهن.
ويسمح قانون الأحوال الشخصية رقم 59 لعام 1953 للمحكمة بإعلان وفاة المفقود عند بلوغه سن الثمانين، أو بعد مرور أربع سنوات على اختفائه إذا كان الغياب نتيجة نزاع مسلح أو عمليات عسكرية. كما يوفّر المرسوم التشريعي رقم 15 لعام 2019 إطارًا خاصًا للمفقودين من العسكريين، يسمح للمحاكم بإعلان وفاتهم ومنح عائلاتهم حقوقًا اقتصادية وقانونية معينة. إلا أن هذه القوانين كانت دائمًا تُطبّق بشكل انتقائي في عهد النظام السابق.
إلا أن أغلب القضاة لا يلتزم بتطبيق هذه المواد بانتظام على أرض الواقع. ففي كثير من الحالات، تمنع النزاعات بين الزوجة وأهل الزوج صدور إعلان الوفاة حتى بعد انتهاء الفترة القانونية، لتبقى العائلات عالقة في حالة طويلة من عدم اليقين. ومن غير الواضح كيف ستطبّق الحكومة الانتقالية هذه القوانين أو متى ستصدر إصلاحات جديدة. ومن دون آليات مؤقتة تقدم مسارًا قانونيًا ورعاية اجتماعية، ستظل آلاف العائلات معلّقات بين الفقدان والتحديات القانونية.
الاعتراف بعائلات المختفين
إن معاناة المختفين في سوريا تتطلب تحركًا عاجلًا وعمليًا. ورغم أن تحديد وفاة شخص ما يتطلب خطوات قانونية طويلة، يجب على الدولة ألا تواصل التأخير في تقديم المعلومات الموجودة في مؤسسات النظام السابق وأن تستخدمها في منح وضع قانوني للمختفين، أو بطاقات تعريف لعائلاتهم، ما يسمح للزوجات والأطفال بالحصول على الخدمات الأساسية وممارسة حقوقهم الأساسية.
كما يجب أن تُمنح عائلات المختفين أولوية ضمن الفئات الأكثر ضعفًا في خدمات الدولة. وينبغي الاعتراف بالأثر الجندري للاختفاء، وأن تأخذ البرامج الإنسانية والتنموية المحلية والدولية في الاعتبار هشاشة وضع زوجات وأطفال المختفين، لضمان حصولهم على دعم دون مزيد من التأخير.
إن دعم هؤلاء النساء ليس مجرد واجب أخلاقي — بل هو شرط أساسي لبناء سوريا ما بعد النزاع على أساس الحقوق والعدالة. ومن دون إجراءات فورية ودقيقة لمعالجة أوضاعهن، فإن الفترة الانتقالية مهددة بإعادة إنتاج نفس أنماط الإهمال والظلم التي سادت في عهد الأسد.
لا يمكن لسوريا أن تأمل بمستقبل عادل ومستدام بينما تترك هذه العائلات عالقة في الضياع القانوني والتهميش الاجتماعي، رغم التضحيات الهائلة التي قدمتها.
لينا غوتوق زميلة غير مقيمة في معهد التحرير لدراسات الشرق الأوسط، حيث تعمل على قضايا العدالة الانتقالية في سوريا.
معهد التحرير لدراسات الشرق الأوسط
———————————
وفاة رفعت الأسد: المساءلة واسترداد الأصول والبنية غير المكتملة للعدالة السورية/ فضل عبد الغني
2026.01.22
يمثل رحيل رفعت الأسد في 21 من كانون الثاني/ يناير 2026 في دولة الإمارات العربية المتحدة وعن عمر ناهز 88 عامًا، محطة مفصلية في مسار محاسبة المسؤولين عن واحدة من أبشع الفظائع الجماعية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. وبصفته نائب الرئيس السوري السابق وأحد أبرز مهندسي مجزرة حماة عام 1982، فإنَّ وفاته قبل مثوله أمام قضاء سوري تُجسّد اكتمال الإفلات من العقاب على المستوى الوطني، لا بوصفها مصادفة بيولوجية، بل بوصفها نتيجة لسياسة ممنهجة اتبعها نظام حافظ الأسد في حماية أعمدة العنف المؤسسي، بما في ذلك رفعت نفسه، عبر توفير الغطاء السياسي والأمني لعمليات ارتُكبت بتنسيق مباشر وتحت إشراف أعلى مستويات السلطة، وعلى امتداد لأكثر من شهر. ومع أنَّ الوفاة تُغلق الباب أمام الملاحقة الجنائية المباشرة للشخص المتوفى، إلا أنَّها لا تُنهي أشكال المساءلة الأوسع نطاقًا التي تعمل بمعزل عن بقاء المتهم حيًا، ولا تُسقط إمكانات استرداد الأصول، ولا مساءلة الشبكات التي سهّلت الجريمة أو استفادت من عائداتها.
حدود الملاحقة الجنائية والاختصاص القضائي العالمي
واجه رفعت الأسد اتهامات في ثلاث ولايات قضائية رئيسة، غير أنَّ أيًّا منها لم يُفضِ إلى محاكمة مكتملة بالمعنى الإجرائي الكامل.
وقد شكّل تحرّك سويسرا في تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الأشد خطورة بصرف النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية الجاني أو الضحايا، تطورًا بالغ الدلالة حين وجّه مكتب المدعي العام السويسري في آذار/ مارس 2024 اتهامات لرفعت بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على خلفية أحداث حماة. وقد شملت لائحة الاتهام ادعاءات تفيد بمسؤوليته عن إصدار أوامر بالقتل والتعذيب والمعاملة القاسية والاحتجاز التعسفي، الأمر الذي وضعه في مصاف أعلى المسؤولين المتهمين بارتكاب هذه الجرائم ممن خضعوا لإجراءات قضائية استنادًا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية.
غير أنَّ القانون السويسري، شأنه شأن غالبية الأنظمة الجنائية، لا يجيز الاستمرار في ملاحقة جنائية بحق شخص متوفى، الأمر الذي يجعل لائحة الاتهام وثيقة قانونية وتاريخية ذات قيمة إثباتية ورمزية، لا أساسًا لمحاكمة لاحقة.
وفي المقابل، شهد المسار الفرنسي اكتمالًا قضائيًا من زاوية أخرى قبل وفاة رفعت؛ فقد دانت محكمة باريس الابتدائية عام 2020 رفعت بتهمة الاستيلاء على عقارات في فرنسا بملايين اليوروات عبر اختلاس أموال عامة، وصدر بحقه حكم بالسجن أربع سنوات، ثم ثُبّت الحكم نهائيًا بقرار محكمة النقض في أيلول/ سبتمبر 2022. ويظل هذا الحكم نافذًا من حيث آثاره القانونية، ويُشكّل سندًا مركزيًا لإجراءات المصادرة واسترداد الأصول الجارية. أما في إسبانيا، فقد بدأت التحقيقات عام 2017، ووجّه القضاء تهمة غسل الأموال إلى رفعت وأربعة عشر شخصًا آخرين، مع تحديد 503 عقارات في أنحاء البلاد تُقدّر قيمتها بنحو 691 مليون يورو. وتمتاز القضية الإسبانية بأنَّها تستهدف شبكة أوسع من الأفراد والكيانات، بما يسمح باستمرارها بصورة مستقلة عن وفاة رفعت، وبإمكانها أن تُفضي إلى ملاحقات تطول أفرادًا من عائلته أو من عملوا كواجهات لإدارة الأصول وإخفائها.
وعليه، يقدّم بُعد المساءلة الجنائية صورةً مجزأة: إدانة مكتملة في فرنسا، وإجراءات اتهام توقفت بحكم الوفاة في سويسرا، وتحقيق جارٍ متعدد المتهمين في إسبانيا. ويؤكد ذلك أنَّ توسّع مبدأ الولاية القضائية العالمية، على أهميته المتزايدة، ما يزال محكومًا بقيود بنيوية، أبرزها ما يتصل بالزمن السياسي والبيولوجي للجناة، وبالتفاوت في الإرادة القضائية بين الأنظمة المختلفة.
استرداد الأصول كآلية بديلة للمساءلة
ثمة تمييز جوهري بين الملاحقة الجنائية بوصفها مساءلة عقابية شخصية، وبين المساءلة المالية بوصفها استجابة قانونية تُركّز على تجريد الجناة وشبكاتهم من عائدات الجريمة وإعادتها إلى أصحاب الحق. ففي إطار القانون الدولي لمكافحة الفساد، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، تبرز المصادرة غير القائمة على الإدانة بوصفها آلية تسمح بمصادرة الأصول وإعادتها عندما يتعذر تحريك الدعوى الجنائية، أو استكمالها بسبب الوفاة، أو الفرار، أو الغياب. وتقوم هذه الآلية على معيار إثبات مدني أقرب إلى ترجيح الأدلة، بدلًا من معيار الإثبات الجنائي المشدد، ما يخفف عبء الإثبات الإجرائي ويجعل استرداد الأموال ممكنًا حتى مع انقضاء المسؤولية الجنائية الشخصية بالوفاة.
في هذا السياق، أعلنت فرنسا مبادرة استرداد ذات طابع غير مألوف في مقاربة الأصول المصادرة، عبر تحويل 32 مليون يورو من الأصول المصادرة مبدئيًا إلى الحكومة السورية الانتقالية الجديدة، مع خطط لرفع القيمة المستردة إلى 80 مليون يورو أو أكثر. ويستند هذا المسار إلى القانون الفرنسي الصادر في تموز/ يوليو 2021 بشأن التنمية ومكافحة عدم المساواة عالميًا، الذي يتيح إعادة الأصول غير المشروعة المصادرة لصالح السكان المتضررين عبر قنوات تنموية خاضعة للأطر القانونية الفرنسية. وقد ثبّتت إدانة محكمة باريس عام 2020، ثم تأكيدها عام 2022، أنَّ ثروة رفعت موضوع الدعوى نتجت عن اختلاس أموال عامة، وأنَّ أوامر المصادرة لا تتوقف على استمرار حياته، ولا تستلزم استمرار إجراءات عقابية لاحقة لتنفيذها.
كما أنَّ الأصول المجمدة والممتلكات المحددة في إسبانيا، بما في ذلك ما قُدّر بـ 691 مليون يورو من العقارات و76 حسابًا مصرفيًا مجمدًا، تظل خاضعة لإجراءات يمكن أن تُستكمل بمعزل عن محاكمة رفعت، سواء عبر ملاحقات غيابية وفق ما يتيحه القانون الوطني، أو عبر مسارات المصادرة المدنية التي تستهدف ذات الأصول محل الاشتباه. وبذلك، يصبح استرداد الأصول شكلًا من أشكال العدالة التصالحية الملموسة، يختلف في غايته ومنطقه عن العدالة الجنائية، ويستند إلى قواعد دولية تُقرّ أولوية إعادة العائدات المصادرة إلى الدولة الطالبة أو إلى المالكين الشرعيين السابقين، وبما يخدم، كأولوية عملية، ضحايا الجرائم.
المساءلة العائلية والمسؤولية الثانوية
يُعدّ بُعد المساءلة بعد الوفاة أكثر تعقيدًا حين يتصل بشبكات الأسرة التي سهّلت إخفاء الأصول أو أسهمت في إدارتها أو استفادت من عائداتها. ويعكس إدراج خمسة عشر فردًا من العائلة ضمن التحقيقات الرسمية في إسبانيا اتجاهًا قانونيًا عمليًا مفاده أنَّ الانتفاع الواعي بعائدات الجرائم، أو الاشتراك في إخفائها وإعادة تدويرها، قد يفضي إلى مسؤوليات مدنية، وربما جنائية، لا سيما في قضايا غسل الأموال. وقد أظهر التحقيق القضائي نمطًا من إخفاء الأصول عبر استخدام أفراد من العائلة كواجهات قانونية، بحيث غدت زوجات رفعت وابنه الأكبر مالكين مسجلين ومديرين لشركات وأوعية استثمارية مرتبطة بحيازة العقارات وإدارتها.
وبموجب القانون الإسباني، يمكن ملاحقة من يثبت اشتراكه عن علم في غسل الأموال بصفته فاعلًا أصليًا، أو شريكًا بالمساعدة، أو التحريض أو التآمر، تبعًا لتكييف الأفعال والوقائع. وعلى نحو موازٍ، تتيح الأطر القانونية في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي مسارات لمصادرة الأصول المتأتية من سلوك غير مشروع، بما يشمل أصولًا تكون بأسماء أفراد استفادوا من مكاسب غير مشروعة، حتى إن لم يكونوا الجناة الأصليين. كما تسمح أنظمة العقوبات الموجهة بتحديد أفراد من الدوائر القريبة ممن استفادوا ماليًا من الجرائم أو وفروا غطاءً لاستدامة أثرها الاقتصادي. والخلاصة القانونية هنا واضحة: الاستفادة المالية من عائدات الجريمة لا تمنح المستفيد حصانة، ولا تُحوّل العائد غير المشروع إلى ملكية مشروعة بمرور الزمن أو بانتقال الحيازة داخل الأسرة. وعليه، فإنَّ أبناء رفعت وأفراد عائلته، ما داموا يحتفظون بأصول متأتية من اختلاس أموال عامة أو لديهم قدرة على الوصول إليها أو إدارتها، يظلون عرضة لإجراءات المصادرة المدنية، وإمكانات إدراجهم ضمن أنظمة عقوبات، بل وللملاحقة الجنائية متى ثبت التواطؤ المباشر أو العلم بالمصدر غير المشروع للأموال.
في الوقت ذاته، أتاح انهيار نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 هامشًا مؤسسيًا جديدًا لإطلاق مسارات عدالة انتقالية، حتى إن بقيت بنيتها الوطنية غير مكتملة من حيث التشريع والإدارة والقدرة على الإنفاذ. ورغم استحالة محاكمة رفعت أو سجنه، فإنَّ وفاته لا تمنع توثيق الجرائم توثيقًا كاملاً، ولا تمنع تثبيت المسؤولية في سرديات قضائية أو شبه قضائية، ولا تحفظ شهادات الضحايا ضمن أرشيف رسمي يضمن عدم طمس الذاكرة. وتحتفظ الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان بسجلات تفصيلية لضحايا مجزرة حماة عام 1982، وترى أنَّ الضحايا وذويهم من بين الأحق بالانتفاع من أي تعويضات تُموّل من الأموال المستردة من رفعت الأسد. كما أنشأت الشَّبكة قواعد بيانات تُبيّن أنماط الانتهاكات وتربطها ببنية القيادة والمسؤولية التي حكمت سياق المجزرة.
خاتمة
يمثل موت رفعت الأسد نموذجًا للمساءلة خارج قاعات المحاكم، بوصفه اختبارًا لقدرة القانون على إنتاج أثره في غياب الجسد الذي كان ينبغي أن يمثل أمام القاضي. فالثروات المنهوبة يمكن أن تعود إلى سوريا عبر آليات استرداد الأصول التي لا تتوقف على الإدانة الجنائية أو على بقاء الجاني حيًّا. كما يبقى أفراد عائلته عرضة للتحقيقات والملاحقات المرتبطة بغسل الأموال وإخفاء الأصول والانتفاع بعائدات غير مشروعة. وتُرسّخ النتائج القانونية الدولية، بما فيها لائحة الاتهام السويسرية، والإدانة الفرنسية، والتحقيق الإسباني، صفة المسؤولية المقرونة باسمه في السجل القانوني والسياسي. وعلى المستوى الوطني، تستطيع آليات العدالة الانتقالية أن تُنتج سجلات رسمية، وتفتح منصات للشهادات، وتؤسس لحق الضحايا في الحقيقة والاعتراف، بما يحفظ الذاكرة العامة من التلاشي أو التسييس.
تلفزيون سوريا
——————————-
في مواجهة موت رفعت الأسد/ ضل عبد الغني
24 يناير 2026
توفي في 21 يناير/ كانون الثاني الجاري في دبي رفعت الأسد (88 عاماً)، شقيق الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، والقائد الأبرز للقوات التي دمّرت مدينة حماة عام 1982. وبالنسبة إليّ، ابن تلك المدينة، يُقرأ هذا الموت بوصفه ثِقَلاً يتجاوز الواقعة إلى معنى الفقد المتجدّد، فهو يُغلق أملاً رافق الناجين أكثر من أربعة عقود في أن يروا مهندس دمار مدينتهم مُهاناً خلف القضبان، وأن يُواجَه علناً بما اقترفه من قتلٍ واغتصابٍ وتهجيرٍ قسري ونهبٍ منهجي. … يترك موت هذا الرجل، الذي حوّل حماة مسرحاً لفظائع جماعية، جروحاً محفورة في الذاكرة الجمعية لأهلها. ولا يكمن الألم الأشدّ المحيط بوفاة رفعت الأسد في حقيقة موته، بل في توقيته. فقد مات من دون أن يواجه ضحاياه، ومن دون اعتراف، ومن دون محاكمة كان من شأنها أن تُعيد قدراً من الكرامة إلى الذكرى، وأن تمنح العدالة إطارها العلني المُستحَقّ. ويُجسّد هذا الغياب المفارقة الأخلاقية التي تُلازم الناجين: فالموت، الذي يُفترض أن يكون متساوياً بين الجميع، يتحوّل في هذا السياق أداةً للهروب، تُتيح لمرتكب جرائم ضد الإنسانية الإفلات من المساءلة العامة التي تستحقّها أفعاله.
لا تزال المجزرة في حماة التي نُفِّذت تحت قيادته المباشرة، ضمن حملة عسكرية امتدت أسابيع، واحدةً من أكبر الفظائع الجماعية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. وتشير تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى مقتل ما بين 30 و40 ألف مدني، إضافة إلى قرابة 17 ألف شخص أُخفوا قسراً، وما زال مصيرهم مجهولاً. وتتجاوز الجرائم الموثّقة القتلَ الجماعي لتشمل التعذيب المنهجي، والعنف الجنسي أداةً للإرهاب، والاختفاء القسري واسع النطاق، والتدمير الواسع للأحياء والبنى المدنية. ولم تكن هذه النتائج عوارضَ عرضيةً للقتال، بل هي سمات ملازمة لحملةٍ مُخطّط لها، استهدفت إخضاع مدينةٍ بكاملها عبر الرعب والعقاب الجماعي.
هناك مسارات قضائية لم تكتمل، إذ واجه رفعت الأسد مسارات متعدّدة للمساءلة في أكثر من ولاية قضائية، إلّا أن وفاته حالت دون اكتمال ما كان يمكن أن يكون إحدى أبرز المحاكمات المرتبطة بحقبة الحكم الأسدي. ففي سويسرا، أحالت النيابة العامة الفيدرالية ملفّه إلى المحكمة الجنائية الفيدرالية بتهم تتعلّق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مرتبطة بما نُسب إليه من إصدار أوامر بالقتل والتعذيب والمعاملة القاسية والاحتجاز غير المشروع في سياق أحداث حماة في فبراير/ شباط 1982. وفي فرنسا، انتهت إجراءات قضائية إلى إدانته بجرائم مالية مرتبطة بغسل أموال واختلاس أموال عامة، وأُكّد الحكم بصورة نهائية من محكمة النقض في 7 سبتمبر/ أيلول 2022، مع مصادرة أصوله العقارية. أما في إسبانيا، فقد حُقّق في شبكة ممتلكات واسعة نُسبت إليه وإلى أفراد من عائلته، مع رصد مئات العقارات وتقدير قيمتها الإجمالية بمئات ملايين اليوروهات.
ورغم أن هذه المسارات لم تبلغ ذروة المساءلة الجنائية على الجرائم الأشدّ، فإنها تُرسّخ سجّلاً قضائياً لا يمحوه موت رفعت الأسد، بل يُثبّته بوصفه وثائق رسمية تتجاوز حدود الرواية إلى حقل الإثبات والإجراءات.
ما الذي يبقى ممكناً بعد موت الجاني؟… لا تتوقّف بعض أشكال المساءلة بوفاة الجاني، سيّما ما يتعلّق بالأصول المنهوبة واستردادها؛ فآليات المصادرة واسترداد الموجودات قد تستمرّ في عدد من النظم القانونية حتى عندما تتعذّر الملاحقة الجنائية بسبب الوفاة أو الغياب، بما في ذلك صور المصادرة التي لا تشترط إدانةً جنائيةً نهائيةً في بعض الحالات. وفي هذا السياق، أخبرتني وزارة الخارجية الفرنسية عن توجّهٍ فرنسي إلى تحويل جزء من الأصول المصادرة إلى السلطات السورية، بوصفه خطوةً أولى ضمن مسار أطول لاسترداد الأموال.
كذلك، تبقى الشبكات التي سهّلت إخفاء الثروة أو إدارتها أو الانتفاع منها عرضةً للتحقيق، وفي مقدّمتهم زوجاته وأبناؤه وبناته، وذلك متى توافرت عناصر العلم والمشاركة والانتفاع غير المشروع وفق القواعد الوطنية ذات الصلة. ومن هنا، لا يتصل النقاش بالمسؤولية الأخلاقية وحدها، بل بمسؤولية قانونية محتملة حين تتقاطع صلات القرابة مع أفعال الإخفاء أو التمويه أو غسل العائدات.
موت الطغاة من دون أن يتمكّن شعبهم من محاسبتهم يُعدّ رحمةً غير مُستحقَّة، لأنه يكثّف الغضب الأخلاقي ويكشف، في الوقت نفسه، عجز البنى المؤسّسية عن إنفاذ العدالة في وقتها. مات رفعت الأسد بعد أن أنجب أكثر من 16 ابناً وبنتاً، وربما عشرات الأحفاد، وبعد أن تنقّل في العالم في رغدٍ واسع، مستنداً هو وعائلته إلى ثروةٍ نُهبت من السوريين، في زمنٍ يعيش فيه أكثر من 80% من السوريين تحت خطّ الفقر، بمن فيهم ملايين النازحين في الخيام. لقد أفلت من الإذلال العلني للمحاكمة، ومن النطق القضائي الذي يضع الجريمة في اسمها القانوني، ومن العقوبة السالبة للحرية التي يقتضيها العدل.
ومع ذلك، فإنّ العدالة الناقصة لا تعني انعدام العدالة. فالسجل التاريخي قابل للتثبيت الرسمي، ومسارات استرداد الموجودات يمكن أن تتقدّم، والتحقيقات المرتبطة بالشبكات المالية قد تستمرّ، ولجان العدالة الانتقالية في سورية يمكن أن تُوثّق حقيقة حماة وتُقرّها في ذاكرة الدولة لا في ذاكرة الضحايا وحدهم. وبالنسبة إليّ، ابن حماة، يبقى هذا هو العزاء المرير المتاح بعد أن تلاشت إمكانية رؤية الجاني خلف القضبان: أن تُلاحق آثاره، وأن تُستعاد الأموال المنهوبة، وأن يُقدَّم من شارك أو انتفع أو برّر إلى المساءلة حيثما كان ذلك ممكناً.
وسيبقى الخزي والعار يلاحقانه، ويلاحقان من دافع عنه أو انتفع بجرائمه؛ فقد سجّل التاريخ اسمه بوصفه واحداً من أبشع مجرمي العصر، ولا ينبغي أن يُذكر إلّا مقروناً بصفته التي تختصر فعله: “جزّار حماة”. وسأعمل ما حييت على تكريس هذا المعنى، بوصفه شكلاً من العزاء الشخصي، وواجباً أخلاقياً وطنياً تجاه مدينةٍ لم تُنصفها العدالة بعد.
العربي الجديد
———————————
اختفاء وظهور معراج أورال/ عبد القادر المنلا
2026.01.22
رغم امتلاء الذاكرة السورية بالوجع والأحداث الدامية، وبصور الجرائم غير المسبوقة التي ارتُكبت بحق السوريين، ورغم أن تلك الذاكرة لا تكاد تجد فراغًا لأحداث أخرى يمكن تخزينها من جديد، إلا أن قدر الشعب السوري مرتبط بتلك الذاكرة، وليس لديه الرفاهية التي تتيح له مسح أحداث لا يمكن مسحها أو تجاوزها، وخاصة تلك المرتبطة بقهره ومعاناته الطويلة وجراحه التي لم تشفَ بعد.
ورغم ضخامة حدث سقوط نظام الأسد، وآثاره الإيجابية التي ساهمت في خلق حالة من الترفّع عن الكثير من التفاصيل المؤلمة، إلا أن ذاكرة الدم وذاكرة الجريمة تبقى أثرًا محفورًا لا يمحوه الزمن ولا يموت بالتقادم، ومن المؤكد أن شفاء تلك الجروح لا يمكن أن يتم إلا من خلال مراجعة التجاوزات وأصحابها، والتدقيق في مفهوم المسامحة بحيث لا يشمل مرتكبي الجرائم، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تحقيق العدالة.
ثمّة أحداث تستبعدها الذاكرة في فترة معينة ولفترة محددة، حيث تنشغل بترتيب الأولويات، لكن ما كان يبدو مؤجّلًا يعود في لحظة حين يفرض نفسه على تلك الذاكرة. وهذا ما حصل حينما ظهر اسم معراج أورال فجأة، وعاد للتداول في الأيام الأخيرة، بعد انتشار خبر عودته إلى المشهد السوري من البوابة القَسَدية، الأمر الذي نكأ جرحًا عميقًا كان السوريون يؤجلون التفكير فيه، وفي الوجع المرافق له، بسبب ازدحام المهام والأولويات في يومياتهم المتعبة.
وكما يعود القاتل الطليق إلى مكان جريمته ليتفقد آثارها، ويطمئن على اكتمال عناصر تلك الجريمة، وليتأكد من أنه لم يترك أدلة قد تساهم في الكشف عن هويته، ينبش أرشيف الإجرام نفسه تلقائيًا في لحظات تاريخية فارقة، ليعيد تصدير جريمته القديمة، ويذكّر الضحايا والباحثين عن العدالة بضرورة إعادة ترتيب الأولويات، وملاحقة مجرمي الحرب الذين ظنوا أنهم أفلتوا من الذاكرة، وأن باستطاعتهم استئناف عملهم المتوحش كما لو أنهم يدافعون عن قضية، فيما هم مجرد مرتزقة تحت الطلب.
ذلك ما فعله المجرم معراج أورال في سياق ظهوره المفاجئ، حين دخل إلى مناطق سيطرة قسد، معلنًا جاهزيته للمشاركة في فتح صفحة جديدة في سجل الجريمة، قبل أن يعود ويختفي إثر المتغيرات الكبيرة التي شهدتها منطقة الجزيرة العربية، والتي أفشلت مشروعه ومشروع داعميه، من خلال انتصارات عديدة حققتها الإدارة السورية على التنظيم؛ أحدها عسكري، تمثل في المواجهة السريعة التي حصلت في حلب، وأدت إلى طرد قسد منها، ومن بعدها من الرقة ودير الزور، وثانيها سياسي يمكن تلخيصه في الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية وقسد، والذي يقضي بانسحاب قسد من أماكن سيطرتها السابقة، وتسليم مناطقها للحكومة السورية، رغم تهرّب مظلوم عبدي من استحقاقات هذا الاتفاق، إضافة إلى انتصار دبلوماسي كبير تمثل في المرسوم الذي أصدره الرئيس الشرع، ونصّ على الاعتراف بكل حقوق الكرد الوطنية والثقافية، وتحقيق مطالبهم المشروعة، مما أدى إلى سحب الذرائع التي كانت جماعة قسد تتخفى وراءها، وتعتمد عليها لصناعة حالة عداء بين الكرد والعرب.
ورغم الغياب الطويل لمعراج أورال عن المشهد السوري، إلا أن ارتكاباته المتوحشة التي مارسها ضد السوريين تُعد صفحة شديدة السواد، لكنها كانت مطوية بشكل مؤقت بسبب ازدحام الملفات التي يشهدها الواقع السوري الجديد. فبعد فترة قصيرة من اندلاع الثورة السورية ضد النظام البائد، ظهرت مجموعات كثيرة تبنت الدفاع عن كرسي الأسد؛ كان منهم متطوعون على أسس طائفية، مثل الميليشيات التابعة لإيران وحزب الله، ومنهم مجرد مجموعات مرتزقة تقتل من أجل المال، دون أن تلتفت إلى هوية القتيل، أو تعنيها هوية القاتل أيضًا.
لكن الكيالي، أو (أورال)، كان من ضمن أخطر من ناصر نظام الأسد حينها على الأساسين معًا: الطائفي والارتزاقي. وهو الملقب بـ«جزار بانياس»، والذي تزعم ما يسمى المقاومة السورية في لواء إسكندرون، وجاء حينها إلى سوريا لينافس على الجريمة، وقد استطاع أن يثبت تفوقه في هذا المجال، ولهذا احتفى النظام البائد به، ونال حظوة كبيرة لدى محور الممانعة، قبل أن يختفي عن المشهد بعد أن أتم مهمته الإجرامية المتوحشة، التي أودت بحياة الآلاف من الأبرياء السوريين.
ساهمت الهزيمة التي تعرض لها محور الممانعة في صناعة صدمة مدوية للمحور برمته، لكن كثيرين ممن ينتمون إلى ذلك المحور لم يعترفوا بالهزيمة، ولا سيما بعد حالة التسامح التي أعلن عنها الرئيس الشرع بعد التحرير، والتي فهمها الكثيرون ممن يُحسبون على ذلك المحور على أنها حالة ضعف. ومن خلال هذا التفسير الخاطئ، بدأت فلول الحلف بمحاولة تجميع ذاتها من جديد، وهي تبحث عن خاصرة رخوة تستطيع من خلالها إفساد النصر الكبير على الأسد، وإفساد فرحة السوريين في استرداد بلدهم، بعد أن ظنوا لسنوات طويلة أن ذلك سيبقى مجرد وهم، من جراء الوقائع المتلاحقة التي كانت تشير إلى إمكانية بقاء الأسد في السلطة.
ورغم أن اسم معراج أورال لم يظهر ضمن الأسماء التي قادت تحركات فلول الأسد بعد أحداث الساحل، إلا أنه عاد للظهور فجأة حين احتدم الصراع بين الحكومة السورية وتنظيم قسد. ظهر أورال في اللحظة الخاطئة، حيث اعتقد، ككثيرين غيره، أن تنظيم قسد يمكن أن يكون حصان طروادة لإعادة احتلال سوريا من قبل المنظومة المهزومة ذاتها. ويبدو أنه اختار أن يغتنم الفرصة التي يستطيع من خلالها احتلال موقع هام، فيما لو نجح تنظيم قسد في تحقيق أوهامه وأوهام داعميه، وتلك هي طبيعة المجرمين الانتهازيين الذين لا يتورعون عن الاصطفاف مع الجريمة، مهما كان مدى وحشيتها، من أجل تحقيق مصالح شخصية على حساب الدم الذي يُراق على مذبح المصالح.
ظاهرة معراج أورال تتكرر في المشهد السوري الحاضر اليوم، فهناك نسخ كثيرة عنه؛ منها من هو أقل إجرامًا، ومنها من هو مشابه، لكن التطابق في التفكير الإجرامي يوحد ما بين القتلة، بصرف النظر عن كمّ الجرائم المرتكبة، ويوحد أيضًا العقاب الذي يجب أن يُفرض على المرتكب. فمحاسبة المجرم تستهدف الفعل الإجرامي ذاته، أما عدد الجرائم، فذلك يمكن أن يوسّع العقاب، لكنه لا يخفف من فكر الجريمة، حتى لو كان عدد الجرائم المرتكبة أقل.
وهنا لا بد من العودة إلى مفهوم العدالة، والتفريق بينه وبين مفهوم المسامحة، الذي استغله كثيرون وفسروه على أنه حالة ضعف يمكن الركوب عليها لإعادة الحياة السورية إلى المستنقع القديم. فلا تزال ثمة أعداد كبيرة ممن يتبنون فكر معراج، ويتحيّنون الفرصة للعودة من أية بوابة يمكنهم من خلالها الوصول إلى غاياتهم. وها هنا يأتي دور الدولة الجديدة، التي يتوجب عليها إغلاق كل البوابات في وجه أولئك المتسللين، أو من يحاولون التسلل لارتكاب جرائم جنائية أو سياسية أو أخلاقية، وتحديدًا أمام أولئك الذين فقدوا امتيازاتهم، ولا يزالون يبحثون عن طريقة لاستردادها.
يتفاقم ألم الضحايا وهم يرون كثيرًا من جلاديهم، أو من أعوان جلاديهم، أو ممن ساهموا في المطالبة بجلدهم وإبادتهم، طلقاء. وبعض هؤلاء يُعاد تصديرهم إلى الواجهة من جديد، ويُمنحون مساحات في تخصصات مختلفة لممارسة أدوار قيادية في بعض المؤسسات، التي من المفترض أن تكون نظيفة ومقطوعة الصلة بالعهد البائد. وكما عاد معراج أورال، يمكن لكثير من الخلايا النائمة المضادة لمفهوم الدولة أن تتحيّن الفرص للعودة وممارسة التخريب، وهذا نوع من الجريمة في ظل بحث السوريين عن آليات بعيدة كل البعد، ومقطوعة الصلة بآليات نظام الفساد والقتل والإبادة، الذي أسس له الوريث المخلوع.
تلفزيون سوريا
———————————
سوريا الجديدة وذاكرة التاريخ: لماذا يجب أن نتذكر؟/ حسن محمد العميّر
يناير 18, 2026
مع انطلاق مسار العدالة الانتقالية في سوريا، تدخل البلاد مرحلة مفصلية لا تقل أهمية عن سنوات المواجهة نفسها. إنها مرحلة مواجهة الماضي بعين مفتوحة، لا للهروب منه ولا للغرق فيه، بل لفهمه وتفكيكه وبناء مستقبل لا يعيد إنتاج مآسيه. تعمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية التي تأسست لهذا الغرض وفق رؤية متعددة المسارات، تعكس فهما عميقا لتعقيد التجربة السورية. وقد توزعت مهامها على ست لجان رئيسية، بينها لجنة الذاكرة الوطنية، المعنية بحماية السردية السورية الجامعة، لتشكل بمجملها إطاراً متكاملاً لمعالجة آثار الماضي وبناء أسس المستقبل.
ضمن مسارات العدالة الانتقالية، تحتل الذاكرة الوطنية موقعا محوريا، ليس باعتبارها ملفا ثقافيا أو توثيقيا فحسب، بل بوصفها القلب الأخلاقي للعدالة الانتقالية. فالذاكرة ليست ترفا فكريا ولا حنينا عاطفيا إلى الماضي، بل شرطا من شروط قيام الدول السليمة. ومن دون ذاكرة وطنية صادقة، تتحول العدالة إلى إجراءات تقنية بلا روح، وتغدو المصالحة شعارا سياسيا لا جذور له في الواقع.
تعمل اللجنة على توثيق وجرائم وانتهاكات نظام الأسد منذ 1970 وأرشفتها، بالاعتماد على تقارير لجان تقصي الحقائق، لتكون قاعدةً للمساءلة القضائية مستقبلاً. كما تتعاون مع كافة الجهات التي وثَّقت تلك الانتهاكات لبناء شبكة توثيقية قوية وتجنُّب ازدواجية الجهود.
تركز اللجنة أيضاً على حفظ شهادات الضحايا وعائلاتهم كدليل حيّ على وحشية النظام ووسيلةٍ لتخليد ذكرى الثورة. وتسعى لنشر هذه الذاكرة محلياً ودولياً من خلال عرض المواد الوثائقية، لضمان وصول قصّة الثورة وانتهاكات النظام إلى أوسع جمهور ممكن.
وتُعدّ اللجنة قواعد بيانات موثقة عن الجرائم والضحايا والجناة، لتكون جاهزةً للاستخدام من قبل أي جهة قضائية أو تحقيقية في المستقبل، في مسارٍ يهدف إلى تحقيق العدالة والحفاظ على الذاكرة الجمعية للثورة السورية.
في سوريا اليوم، ومع الانتقال من زمن المعركة إلى زمن البناء، يبرز سؤال جوهري لا يمكن القفز فوقه: كيف نحفظ سردية النصر والحرية؟ وكيف نمنع تزوير ما كلف السوريين دما وأعمارا وأحلاما؟ الذاكرة الوطنية هي الضمير الحي للأمة، وهي الحارس الذي يمنع عودة الاستبداد بأقنعة جديدة، ويقطع الطريق على محاولات اختزال الثورة إلى حوادث أمنية عابرة أو تحويل التضحيات إلى أرقام صامتة في تقارير باردة. فالتاريخ الذي لا يروى بصدق، يعاد ارتكابه بصيغ مختلفة.
تجارب الشعوب تؤكد هذه الحقيقة. النسيان لم يكن يوما طريقا للسلام، بل وصفة مؤجلة لانفجار جديد. الأمم التي اختارت دفن جراحها دون اعتراف، اكتشفت لاحقا أن الجروح المدفونة تنمو في الظلام، وتتحول إلى عقد جماعية تورث للأجيال. في المقابل، واجهت شعوب أخرى ماضيها بشجاعة، ففتحت الأرشيفات، وحولت مواقع القمع إلى شواهد حية، وجعلت من الذاكرة أساسا لمصالحة حقيقية لا تقوم على الإنكار ولا على تبرئة الجناة من المسؤولية الأخلاقية.
في الحالة السورية، الذاكرة ليست أرشيفا مغلقا ولا ملفا إداريا يوضع على الرف. هي حكايات بشر من لحم ودم: سجين خرج من الزنزانة حاملا جسده كشهادة حية، أم ما زالت تنتظر خبرا عن ابنها الغائب منذ سنوات، مدينة دمرت ثم نهضت من تحت الركام محاولة استعادة حياتها. هذه القصص الفردية ليست تفاصيل هامشية، بل هي لبنات السردية الوطنية الجامعة، سردية لا تهمش أحدا، ولا تحتكر البطولة، ولا تفرّق بين دم ودم.
والذاكرة التي تحتاجها سوريا اليوم ليست ذاكرة انتقام، بل ذاكرة تحصين. كشف الجرائم وتسميتها بأسمائها ليس لإذكاء الأحقاد، بل لمنع تكرارها. شهداء لا أرقام، تعذيب لا تحقيقات، ثورة كرامة لا أحداث. استعادة اللغة هنا جزء لا يتجزأ من استعادة الحقيقة، بعدما جرى لعقود تشويه المعاني، وتحويل الجلاد إلى بطل، والضحية إلى متهم، والجريمة إلى ضرورة أمنية
من هذا المنطلق، تبرز أهمية الجهد الوطني المنظم الذي تضطلع به لجنة الذاكرة الوطنية ضمن الهيئة، بوصفه عملا وجوديا لا رمزيا. جمع الوثائق، حفظ الشهادات، فتح الأرشيفات، وتوثيق كل ما جرى، ليس استدعاء مرضيا للألم، ولا سعيا للتشفي، بل محاولة لفهم كيف تحولت الدولة إلى آلة قمع، وكيف يمكن بناء دولة تمنع تكرار هذه الآلية. الذاكرة، بهذا المعنى، فعل مقاومة يومي ضد النسيان المخطط له وضد تزييف التاريخ.
ولا تكتمل الذاكرة الوطنية من دون فضاءات حية تنقلها للأجيال القادمة. متاحف تروي القصة كما كانت، مناهج تعليمية تنقل التجربة بصدق، فن وأدب يجسدان الألم والأمل معا، ومساحات عامة تعترف بالمعاناة وتحولها إلى حكمة جماعية. فالذاكرة ليست حبسا في الماضي، بل جسرا متينا نحو غد أفضل.
اليوم، يروّج البعض لفكرة طي الصفحة سريعا باسم المستقبل والاستقرار. لكن أي مستقبل يبنى على مقابر الذاكرة هو مستقبل هش وقابل للانهيار. المصالحة الحقيقية لا تقوم على النسيان، بل على الاعتراف. حين يسمع كل صوت، وتحترم كل ضحية، ويعترف المجتمع بجراحه، يصبح الغفران خيارا أخلاقيا حرا، لا تنازلا مفروضا ولا صفقة سياسية.
سوريا الجديدة التي يحلم بها السوريون ليست طرقا معبدة ومباني حديثة فقط، بل ضمير جمعي قادر على القول بثقة: نحن نتذكر. نتذكر كي لا نكرر، نتذكر كي نكرم، نتذكر كي نبني. ذاكرة وطنية قوية، شفافة، جامعة، هي حجر الزاوية في دولة العدالة والحرية، والضمانة الحقيقية ألا تضيع التضحيات في زحمة المصالح.
في النهاية، الذاكرة ليست عبئا نحمله على ظهورنا، بل هوية نعيشها ونصوغها بوعينا. وحين نكتب سرديتنا بأيدينا، نكون قد حمينا المستقبل الثورة السورية
———————————
القمع داخل المخابرات السورية.. نموذج “الفرع 300″/ فضل عبد الغني
شكل جهاز الأمن السوري في عهد بشار الأسد أحد أكثر أنظمة السيطرة السياسية اتساعا وتشعبا في الشرق الأوسط الحديث؛ وضمن هذه الشبكة الواسعة من أجهزة الاستخبارات، احتل الفرع (300)، المسمى رسميا فرع “مكافحة التجسس” التابع لإدارة المخابرات العامة، موقعا بالغ الأهمية.
فعلى الرغم من التفويض الاسمي المتمثل في رصد التهديدات الخارجية ومواجهة أنشطة التجسس، تحول الفرع (300) عمليا إلى أداة مركزية للقمع الداخلي، واستهدف المدنيين والمعارضين السياسيين والصحفيين والناشطين المدنيين بصورة ممنهجة.
وتجسد ممارسات هذا الفرع التحول الأوسع الذي طرأ على أجهزة الأمن السورية، من مؤسسات صممت ظاهريا لحماية الدولة إلى آليات شاملة للسيطرة المجتمعية والاضطهاد؛ ويقتضي فهم الفرع (300) تناول أصوله المؤسسية، وهيكله التنظيمي، وممارساته التشغيلية، والأطر القانونية التي تحكم مسؤولية القيادة عن الانتهاكات المنسوبة إليه.
النشأة المؤسسية والبنية التنظيمية
تأسست إدارة المخابرات العامة، المعروفة باسم “أمن الدولة”، رسميا بموجب المرسوم التشريعي رقم “14” لعام 1969، غير أن ملامحها العملياتية تبلورت بوضوح في عهد حافظ الأسد بعد توليه الرئاسة عام 1970.
وفي هذا الإطار المؤسسي الأوسع، يرجح أن الفرع (300) ظهر في أواخر السبعينيات، أو أوائل الثمانينيات، في سياق سعي النظام إلى تعزيز قدراته على رصد الأنشطة السياسية والاجتماعية ذات الصلة بالكيانات الأجنبية.
وتشير مذكرة صادرة عن الفرع بتاريخ 2 مارس/آذار 2011، استنادا إلى القرار رقم “598” لعام 2002، إلى أن الفرع (300) عمم توجيهات بإنشاء فرق لمكافحة التجسس تابعة له في جميع المحافظات السورية، بما يدل على اتساع نطاق عملياته على المستوى الوطني.
ووفقا للهيكل الهرمي، يخضع الفرع (300) لإدارة مديرية المخابرات العامة، التي ترفع تقاريرها إلى مكتب الأمن القومي، ومن ثم إلى رئاسة الجمهورية؛ وقد ربطت هذه السلسلة القيادية عمل الفرع بأعلى مستويات القرار في النظام.
إعلان
وبصفته فرعا مركزيا، تمتع بمرتبة أعلى من الفروع الإقليمية، ومارس صلاحيات واسعة على مستوى البلاد. ويتألف هيكله الداخلي من إدارات رئيسية متعددة، من بينها إدارة التحقيقات المركزية، وإدارة المتابعة الخارجية، وإدارة التحليل والمراسلات، وإدارة التوقيف، والتحقيق، والاستجواب. وعادة ما كانت القيادة بيد ضابط برتبة عميد أو لواء، يعاونه رؤساء الإدارات وأفراد الأمن.
ويعكس موقع الفرع في دمشق، داخل حي كفر سوسة الأمني بالقرب من مجمع مقر أمن الدولة، اندماجه في البنية التحتية الأمنية الأساسية.
وقد صمم المبنى على نمط فروع أمن الدولة الأخرى، بما يتسم به من سرية مشددة، وجدران خرسانية عالية، وغياب شبه تام للعلامات الدالة على طبيعة المنشأة.
ويضم الطابق السفلي زنزانات فردية وجماعية، وغرف استجواب، وغرف تعذيب، بينما يضم الطابق العلوي مكاتب الضباط والمحققين، إلى جانب أقسام الأرشيف والاتصالات.
الوظائف التشغيلية وآليات القمع
على الرغم من تصنيف الفرع (300) رسميا كفرع استخباراتي وقائي يركز على مكافحة التجسس، فإن مهامه الفعلية تجاوزت بكثير رصد التهديدات الخارجية؛ إذ شمل نطاق عملياته مراقبة العلاقات الخارجية للسوريين، وملاحقة المعارضين السياسيين، واتهام النشطاء والمدنيين بالتجسس، أو التعامل مع جهات أجنبية؛ ذريعة للاعتقال التعسفي والتعذيب.
وقد أدى هذا التفسير الموسع للولاية إلى تحويل الفرع إلى أداة رئيسية لترسيخ مناخ الخوف، جامعا بين المراقبة الداخلية والخارجية، ومشاركا في شبكات تنسيق أمني استخدمت لإسكات المجتمع بدلا من حماية الدولة.
اتسمت أنشطة الرصد التي اضطلع بها الفرع بطابع شامل واسع النطاق؛ فقد راقب الدبلوماسيين وموظفي المنظمات الدولية والمغتربين ذوي الصلات الخارجية، بغض النظر عن طبيعتها، ضمن سياسة تقوم على الشك الدائم.
كما تتبع دخول وتحركات الأجانب غير السوريين والعرب إلى البلاد، ورصد المؤسسات الحكومية والخاصة التي تتعامل مع كيانات أجنبية، وتابع أنشطة الأحزاب السياسية والشخصيات ذات الصلات الخارجية.
وتؤكد وثائق مؤرخة في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 أن الفرع (300) رصد أنشطة الأحزاب اللبنانية، بما في ذلك الحزب الشيوعي اللبناني، وتابع اجتماعات عقدت مع شخصيات من المعارضة السورية في بيروت، بما يشير إلى امتداد عملي لصلاحياته إلى مراقبة عابرة للحدود.
ومن أبرز أوجه نشاطه استهداف السوريين الذين يتواصلون مع وسائل الإعلام الأجنبية أو منظمات حقوق الإنسان، عبر اتهامهم بتلقي تمويل أجنبي، أو التعاون مع جهات معادية.
وقد استخدمت هذه الاتهامات الفضفاضة لتبرير الاعتقال التعسفي دون أدلة جوهرية. وتظهر وثيقة صادرة في مارس/آذار 2014 أن الفرع (300) راقب عن كثب أنشطة المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك اجتماعات اللجان الجنائية الدولية في غازي عنتاب، واقترح اتخاذ تدابير عقابية بحق بعض المشاركين، وهو ما يعكس استمرار الاستهداف حتى خارج الأراضي السورية.
عمل الفرع (300) كجزء من شبكة أمنية مترابطة لتبادل المعلومات والتعليمات وتنسيق عمليات المراقبة والاعتقال؛ وقد ضمن هيكل الإدارة تدفقا مستمرا للبيانات بين الفروع المحلية والمركزية، بما أتاح سيطرة واسعة على الأفراد والمجتمع.
إعلان
ونسق الفرع على نطاق واسع مع فرع المعلومات (255)، والفرع الخارجي (279)، والفرع الداخلي (251)، وفروع التحقيق، بما يبرز دوره بوصفه حلقة وصل بين الأبعاد الداخلية والخارجية لعمل الجهاز.
كما تظهر وثائق الفترة الممتدة بين 2011 و2014 كثافة المراسلات بين الفرع (300) والفروع (251) و(325) و(331)، بما يوضح الطابع الشبكي المتكامل لعمليات هذه المنظومة.
أنماط الانتهاكات والتجاوزات الموثقة
اتبعت الانتهاكات المنسوبة إلى الفرع (300) أنماطا تتسق مع الانتهاكات الممنهجة الأوسع التي ارتكبتها أجهزة الأمن السورية بعد عام 2011.
فقد شارك الفرع بنشاط في عمليات قمع ميدانية شملت الاعتقال التعسفي، والاستجواب تحت التعذيب، والإخفاء القسري بحق مدنيين، من بينهم ناشطون وصحفيون وموظفون في مؤسسات حكومية. كما مثل الفرع حلقة ضمن شبكة أوسع من مراكز الاحتجاز التابعة لأمن الدولة، التي اشتركت في أنماط متكررة من التعذيب والمعاملة القاسية والإخفاء القسري.
واتسمت ممارسات الفرع بعنصرين رئيسيين:
أولهما؛ الطابع الفضفاض للاشتباه، حيث جرى توسيع مفهوم التعامل مع كيانات أجنبية ليشمل أي شخص يعتقد أنه منخرط في نشاط معارض، أو على صلة بجهات خارجية، دون اشتراط أدلة ملموسة.
وثانيهما؛ أن التنسيق الأمني الرأسي بين المستويات القيادية والتنفيذية أدى إلى نقل أعداد كبيرة من المحتجزين إلى مراكز احتجاز أخرى بعد استجوابات أولية داخل الفرع (300)، من دون أي إجراءات قضائية.
وتظهر الوثائق التي أشارت إليها الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن الفرع (300) وجه تعليمات ومقترحات مباشرة إلى فروع أخرى لتنفيذ اعتقالات أو متابعة قضايا محددة، وأكدت أنها وثقت ما لا يقل عن 17 ألفا و438 حالة اعتقال تعسفي، و2463 حالة وفاة نتيجة التعذيب نسبت إلى هذا الفرع وحده، وأن الضباط ركزوا على أسئلة تتعلق بالتمويل الأجنبي وبالعلاقات مع الصحفيين الأجانب، وأن جلسات الاستجواب كانت تقترن بصورة متكررة بتعذيب جسدي لإجبار المحتجزين على توقيع اعترافات معدة مسبقا.
وتشمل الانتهاكات الموثقة كذلك حرمان المحتجزين من الرعاية الصحية، وحرمانهم من ضمانات المحاكمة العادلة نتيجة عدم عرض معظمهم على قاضٍ، إضافة إلى الابتزاز المالي عبر مطالبة عائلاتهم بمبالغ كبيرة مقابل معلومات عن ذويهم أو مقابل وعود بالإفراج، فضلا عن مراقبة الاتصالات دون التقيد بإجراءات قضائية.
المسؤولية القانونية ومساءلة القيادة
يفرض مبدأ مسؤولية القيادة في القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان مسؤولية جنائية على القادة والضباط عن الأوامر التي يصدرونها، وكذلك عن الانتهاكات التي يرتكبها مرؤوسوهم إذا كانوا على علم بها أو كان ينبغي لهم أن يكونوا على علم بها، ولم يتخذوا التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
ويبين تحليل الوثائق أن الفرع (300) يتبع إداريا وتنظيميا مدير إدارة المخابرات العامة، ومن ثم يخضع لسلطة مكتب الأمن القومي ورئاسة الجمهورية. وترتب هذه العلاقة الهرمية مسؤولية على هذه المستويات عن السياسات والممارسات التي انطوت على الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري، ضمن نطاق اختصاص الفرع.
وخلال أربعة عشر عاما، من عام 2011 وحتى سقوط النظام، لم يتولّ قيادة إدارة المخابرات العامة سوى ثلاثة أفراد: اللواء زهير حمد من عام 2011 إلى 2012، واللواء محمد ديب زيتون من عام 2013 إلى 2019، واللواء حسام محمد لوقا من عام 2020 إلى 2024.
ويعكس هذا العدد المحدود من القادة، واستمرارية كل منهم، ولا سيما اللواء زيتون الذي شغل المنصب سبع سنوات متتالية، اعتماد النظام على قيادة مستقرة لضمان تنفيذ السياسات الأمنية العليا. كما يلقي تركز السلطة في دائرة ضيقة بظلاله على المسؤولية المباشرة لهؤلاء القادة عن القرارات والسياسات الأمنية، وعن الانتهاكات التي ارتكبتها الوكالة خلال فترات ولايتهم.
إعلان
وترتبط بمحاسبة مرتكبي انتهاكات الفرع (300) مبادئ قانونية متعددة؛ فجرائم كالقتل والتعذيب والإخفاء القسري لا تسقط بالتقادم، ولا سيما عندما ترتكب في إطار هجوم واسع النطاق، أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين، بما يندرج ضمن توصيف الجرائم ضد الإنسانية وفقا للمادة “7” من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ويعد الإخفاء القسري جريمة مستمرة ما دام مصير الضحية مجهولا أو مكان احتجازها غير مفصح عنه، ومن ثم لا يبدأ سريان أي مدد زمنية إلا بعد كشف الحقيقة.
كما لا تقبل أوامر الرؤساء أو ذرائع الأمن بوصفها مبررا للانتهاكات الجسيمة، وأي اعترافات أو معلومات تنتزع تحت التعذيب أو المعاملة القاسية تفتقر إلى الحجية ولا تصلح دليلا أمام القضاء.
خاتمة
يمثل الفرع (300) التابع لإدارة المخابرات العامة نموذجا كاشفا لكيفية تحول المؤسسات الأمنية من وظائفها الحمائية الاسمية إلى أدوات قمع ممنهج. فقد أنشئ لرصد التهديدات الخارجية ومكافحة التجسس، ثم تطور ليغدو مركزا محوريا في الجهاز الأمني السوري، منخرطا في الاعتقالات التعسفية والتعذيب والإخفاء القسري. وجاءت ممارساته ضمن سياسة قمع منسقة على مستوى الدولة نفذت عبر شبكة مترابطة من الأجهزة الأمنية تحت قيادة مركزية.
وتبرز الانتهاكات الموثقة المنسوبة إلى الفرع (300)، بما في ذلك أكثر من سبعة عشر ألف حالة اعتقال تعسفي، ونحو 2500 حالة وفاة نتيجة التعذيب، حجم المعاناة الإنسانية التي أنتجتها هذه المنظومة.
وفي سياق المرحلة الانتقالية في سوريا، تكتسب وثائق دور الفرع (300) أهمية مزدوجة بوصفها سجلا تاريخيا من جهة، وأساسا لمساءلة قانونية من جهة أخرى.
وتقتضي مبادئ العدالة الانتقالية تمكين الضحايا وعائلاتهم من الوصول إلى الحقيقة، وملاحقة الجناة على مختلف المستويات، واعتماد إصلاحات هيكلية تضمن عدم تكرار الانتهاكات. وبذلك تقدم تجربة الفرع (300) دروسا عملية لإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية ضمن رقابة قانونية ومؤسسية فعالة، تستند إلى سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، حاصل على الماجستير في القانون الدولي، ومتوّج بالجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان عام 2023
الجزيرة
———————-
هل تأخرت العدالة الانتقالية؟ تفكيك السؤال وإدارة التوقعات/ منصور العمري
يناير 28, 2026
تواجه مسارات العدالة الانتقالية في سوريا اليوم تحدياً يتجاوز العقبات القانونية والتقنية البحتة. إذ تلوح في الأفق أزمة ناتجة عن اتساع الفجوة بين الممكن من تدابير العدالة وبين المأمول في الوجدان الشعبي. قد يصطدم قانون العدالة الانتقالية والخطوات التنفيذية لهيئة العدالة الانتقالية الوطنية، خاصة في ملفات المحاسبة الجنائية وصياغة السردية التاريخية، بمعارضة شعبية واسعة نتيجة لغياب التمهيد الواقعي وضعف التواصل الاستراتيجي مع القاعدة الشعبية الأوسع.
تتمحور اليوم الآراء الشعبية بشأن العدالة الانتقالية بشكل محق حول فكرة التأخير وعواقبها. فيرى البعض أن السلطات تؤخرها عمداً، بينما يرى آخرون أن الدولة لا تضع العدالة ضمن أولوياتها الراهنة.
تبرز أمثلة تؤجج هذا الشعور بالتأخير، فمبدأ “اذهبوا فأنتم الطلقاء” الذي اعتمدته قوى إدارة العمليات في معركة التحرير أثناء إسقاط نظام الأسد كضرورة عسكرية لحقن الدماء حينها وطمأنة فئات من الشعب، يُنظر إليه اليوم من قبل البعض كإفلات مبكر من العقاب. كما أن تسوية وضع رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق، عبر لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، أحدثت هزة في الثقة الشعبية، حيث اعتبرها البعض محاولة لإعادة تأهيل أركان النظام الاقتصادي السابق.
سعياً للإجابة على هذا السؤال، لا أطرح في هذا المقال إجابة له، بل أحاول تفكيك بنية السؤال نفسه، لإزالة اللبس عند المتلقي بحثاً عن تشخيص موضوعي يجيب السائل. يحمل سؤال التأخير افتراضاً مسبقاً بأن العدالة الانتقالية لم تبدأ بعد. وهنا يجب أن نسأل: هل المتأخر المقصود هو التدابير التي ستنفذها هيئة العدالة الانتقالية حصراً؟ أم أي إجراءات تندرج ضمن الطيف الواسع للعدالة الانتقالية، حتى لو لم تنفذها الهيئة؟
كثير من التحضيرات والجهود التي تبذلها السلطات السورية بما فيها وزارة العدل بشكل رئيسي، في هذه المرحلة الانتقالية تندرج في إطار تدابير العدالة الانتقالية، سواء من خلال تأسيس “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، أو عبر تدابير أخرى عاجلة للانتقال العادل بالبلاد، تنفذها الدولة خارج إطار عمل هيئة العدالة الانتقالية، أو تحت المسمى الحرفي للعدالة الانتقالية، كإنشائها أو رعايتها للجان السلم الأهلي وتفكيك المؤسسات المنتهكة، وإصلاح مؤسسات الدولة، وإبطال أو معالجة القرارات التعسفية السابقة، والتهم والأحكام السياسية.
بدايةً، العدالة الانتقالية ليست عيناً ملموساً ولا حدثاً محدداً، كحافلة قد تتأخر عن موعد وصولها، بل هي طيف واسع من التدابير القضائية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية المتنوعة التي يستلزم تنفيذها التدريجي والتراكمي سنوات طويلة. كما أنها ليست مفهوماً مجرداً يُحاك في فراغ أفلاطوني، بل هي ابنة سياقها، وتخضع حكماً لظروف البلد السياسية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية، وتستند حدودها ومدى شموليتها إلى محددات قسرية عديدة بما فيها موارد البلاد والكوادر البشرية والإرادة السياسية والتقبل المجتمعي.
لذا، إن كان السؤال: “هل تأخرت هيئة العدالة الانتقالية عن موعد بدء تنفيذ تدابير العدالة الانتقالية؟”، فهو ليس من فصيلة الأسئلة التي تجاب بنعم أو لا، بل يستلزم حزمة من الإجابات على أربعة أسئلة على الأقل:
الموعد المفترض: التأخير هو إرجاء الأمر عن موعده، فما هو الموعد في الحالة السورية، ومن يحدده؟ هل هو الموعد العاطفي والمثالي الذي يراه كثير من الضحايا بشكل محق لحظة وقوع الانتهاك؟ أم هو الموعد المؤسسي الذي يربطه الخبراء باستكمال الأرضية التحضيرية؟ أم هو الموعد السياسي المرتبط ببسط السيطرة الكاملة والاستقرار الأمني في البلاد؟ عدم استكمال المجلس التشريعي مثلاً يعطل بالنتيجة التشريعات الناظمة للعدالة الانتقالية، ولكن هل يعطل مناقشات مسودة التشريعات ونقاشها المجتمعي؟
هل “التأخر” أو “التأخير” ناتج عن عوائق موضوعية كضعف الموارد وغياب التشريعات؟ أم هو فعل عمدي خلفه قصد سياسي، أو ترتيب مختلف للأولويات لدى السلطة الحاكمة؟ هل المقصود بالتأخير هو التأخر في التحضير وبناء الأرضية الذي تقوم به هيئة العدالة الانتقالية حالياً، أم في التنفيذ، كبدء المحاكمات وصرف التعويضات؟
من يقيس التأخير أو الزمن؟ لكي نحكم بوجود تأخير، لا بد من وحدة قياس. يقيس الضحايا الزمن بمرارة الانتظار، بينما يقيسه السياسيون بمدى نضج الظروف، ويرى الخبراء أن بناء المؤسسات من الصفر يتطلب مرحلة تأسيسية دقيقة. وبأداة القياس التاريخي، نجد أن التجارب الدولية مثل تونس أو جنوب أفريقيا استغرقت سنوات للبدء في تنفيذ تدابير العدالة الانتقالية، ولا تزال أمم أخرى تنفذ تدابير العدالة الانتقالية منذ عشرات السنين.
التسرع في المراحل التأسيسية للمؤسسات الموكل إليها تنفيذ تدابير العدالة الانتقالية يخاطر بالتأسيس لتنفيذ فاشل أو منقوص، وقد يؤدي إلى تأخير العملية بشكل أكبر نتيجة لإجراءات إعادة النظر والتصحيح.
بالمقابل، يمكن التعامل مع الإحساس المحق بالتأخير لدى الضحايا بعدة أساليب منها اتخاذ تدابير أولية لجبر الضرر، بما فيه تقديم الخدمات الصحية والمنح التعليمية، وتخليد الذكرى والفعاليات الوطنية الدورية التي تؤكد للضحايا أنهم غير منسيين. بالإضافة إلى اعتماد الشفافية والوضوح وتسليط الضوء على العمل والتحضيرات المتعلق بالعدالة الانتقالية.
هناك حاجة ملحة لتحرك وزارة العدل ومؤسسات الدولة المعنية والمجتمع المدني والإعلام للإجابة على كل هذه الأسئلة وغيرها بشفافية شجاعة، لتوضيح حجم المسافة بين الحق المصان في العدالة وبين القدرة على إنفاذها على المدى القريب والمتوسط والطويل.
لن تكون العدالة الانتقالية في سوريا وردية، والمصارحة هنا واجبة لإدارة التوقعات وتفادي التسبب بخيبة الأمل. بدون هذه المصارحة والتمهيد للتنفيذ، ستجد هيئة العدالة الانتقالية نفسها ضحية لصدام مع الشارع الذي وُجدت لإنصافه، فالعدالة الانتقالية في سوريا هي عقد اجتماعي جديد يحتاج إلى إقناع قبل التنفيذ.
الثورة السورية
———————————-
===========================



