تأسيس أرشيف وطني في سوريا والاستفادة من التجارب الأخرى/ سعود يوسف أقيوز

2026.01.21
تداعى منذ أشهر عدد من المؤرخين والباحثين السوريين والعرب والأجانب تحت اسم “مبادرة حفظ الأرشيف السوري” وهي مبادرة مستقلة تهدف إلى التفكير في مسألة بالغة الأهمية تتصل بتاريخ سوريا ومستقبلها، تتمثل في ضرورة تأسيس أرشيف وطني في سوريا. فحتى اللحظة تفتقر سوريا إلى مؤسسة أرشيف وطني مركزية، كما لا يوجد قانون عام ينظم عمليات حفظ الأرشيف وإدارته أو وضعه في خدمة الدولة والباحثين.
في عام 1959 أُسِّس ما يعرف بـ”مركز الوثائق التاريخية” التابع للمديرية العامة للآثار والمتاحف في وزارة الثقافة، وأودعت في هذا المركز السجلات الشرعية، وسجلات الأوامر السلطانية، والوثائق التاريخية المتبقية من العهد العثماني. غير أن هذا المركز لم يشهد تطوراً يُذكر منذ تأسيسه، إذ غابت عنه عمليات الترميم والتصنيف العلمية المتطورة، ولم تتوفر فيه الشروط اللازمة لحفظ الوثائق، مما جعلها عرضة لعوامل التلف الطبيعي، فضلًا عن محدودية الخدمات البحثية المقدمة فيه وبقائها في إطار بدائي.
ويقع المركز في بيت دمشقي قديم يعود بناؤه إلى القرن الثامن عشر، خُصص نصفه لمتحف دمشق التاريخي في حين خصّص الجزء الثاني للوثائق التاريخية التي يبلغ عددها تقريبا خمسة ملايين وثيقة، و2800 سجل محاكم وعدد من سجلات الأوامر السلطانية، وأقدم وثيقة فيه تعود إلى سنة 1536.وهو موقع يفتقر بطبيعته إلى المقومات الفيزيائية اللازمة لاحتضان أرشيف وطني حديث. كما أن القائمين على إدارة المركز خلال العقود الأخيرة لم يكونوا في كثير من الأحيان من ذوي الاختصاص والخبرة الأرشيفية وذلك وفقاً لشهادة باحثين منهم الصديق عمار السمر الذي عمل باحثاً في مركز الوثائق قرابة عقد من الزمن، واطلع عن كثب على مشكلاته البنيوية والإدارية.
إلى جانب ذلك، لا يوجد في سوريا قانون ينظم عمليات أرشفة وثائق مؤسسات الدولة، على خلاف ما هو معمول به في معظم دول العالم، وتحتفظ المؤسسات السورية بأوراقها ووثائقها في مستودعات خاصة، في ظروف غير معروفة المعايير، في حين تُتلف الوثائق التي تُعد منتهية الصلاحية – بحسب تقدير تلك الجهات – في ظل غياب إطار قانوني أو علمي واضح، الأمر الذي يفتح الباب أمام ضياع وثائق ذات قيمة بالغة تاريخية أو حقوقية.
ولا يخفى على أحد أن أرشيف الدولة يمثل ركيزة أساسية في حفظ حقوق الشعب السوري وممتلكاته، وصون تراثه الفكري والثقافي وذاكرته الجماعية. كما تزداد أهمية الأرشيف في المرحلة الراهنة التي تمر بها سوريا بوصفها مرحلة إعادة بناء الدولة، إذ يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في مسار العدالة الانتقالية، ولا سيما من خلال العودة إلى أرشيفات المحاكم والأجهزة الأمنية، التي ترتبط تقاريرها بمصائر آلاف الضحايا من معتقلين وقتلى ومخفيين قسراً.
لا شك أن تأسيس أرشيف وطني سوري يبدأ بإعادة افتتاح مركز الوثائق في مقر ملائم فنياً وفيزيائياً وجغرافياً، تمهيداً لتحويله لاحقاً إلى مؤسسة عامة مستقلة للأرشيف الوطني. وقد تداولت بعض الأوساط في الآونة الأخيرة أخباراً عن تعرض مركز الوثائق لسرقة عدد من وثائقه، وهو ما يؤكد الحاجة الملحّة إلى الإسراع في إعادة افتتاحه.
وتُعد التجربة التركية في تأسيس أرشيف وطني نموذجاً يمكن الاستفادة منه في مسار تأسيس الأرشيف السوري، فقد مرت التجربة التركية بمراحل متعددة وتجارب معقدة خلال فترة طويلة امتدت من عهد التنظيمات وتحديداً سنة 1846 وهو تاريخ تأسيس أول مؤسسة للأرشيف على يد الوزير صفوتي باشا حتى سنة 2018 حيث وصلت إلى شكلها النهائي كمؤسسة أرشيف حديثة تتبع لرئاسة الجمهورية وتعمل وفق أحدث المعايير العالمية للأرشفة.
وقد مرت هذه التجربة بصعوبات كبيرة في جمع الأرشيفات تحت إدارة مركزية واحدة، كما رافقت هذه العملية بعض الإشكالات في التصنيف والتنظيم، جرى تداركها لاحقًا. وتتيح دراسة هذه التجربة إمكانية الاستفادة منها في السياق السوري، من خلال تجنب الأخطاء السابقة، لاختصار الزمن والجهد، والاستفادة من النموذج النهائي الذي وصلت إليه مؤسسة الأرشيف التركي اليوم، سواء على مستوى الأبنية والتجهيزات التقنية، أو من حيث نظم العمل، وتأهيل الكوادر، وتراكم الخبرات المؤسَّسية سواء في حفظ الأرشيف التاريخي أو إدارة الأرشيف الجاري للدولة، أو في تسهيل سبل العودة للأرشيف من قبل الدولة أو الباحثين.
والأرشيف التركي يُعد من أكبر الأرشيفات في العالم، إذ يضم ما يقارب 95 مليون وثيقة و400 ألف دفتر من العهد العثماني إضافة إلى وثائق العهد الجمهوري التي تزيد عن 30 مليون وثيقة و65 ألف سجل، كما أن الأرشيف التركي يمثل أرشيفاً مشتركاً لجميع الدول التي خضعت للحكم العثماني حيث يحتوي على وثائق وسجلات كثيرة متعلقة بتاريخ تلك الدول خلال العهد العثماني، فعلى سبيل المثال يحوي الأرشيف التركي آلاف الوثائق والسجلات عن سوريا، إضافة إلى وثائق ذات أهمية كبيرة لتاريخ مناطق واسعة من العالم.
وفي الثاني عشر من الشهر الجاري (كانون الثاني)، قامت “مبادرة حفظ الأرشيف السوري” -التي سعدت بكوني من المشاركين فيها- بعقد الورشة الأولى لها في جامعة دمشق برعاية وزارتي التعليم العالي والثقافة، وبمشاركة شخصية من وزيري التعليم العالي والثقافة، ورئيس جامعة دمشق، والمدير العام للآثار والمتاحف. وكذلك بمشاركة باحثين سوريون وعرب وأجانب، وتناولت محاور أساسية تتعلق بأهمية الأرشيف في الدول الحديثة، مع استعراض تجارب عربية ودولية في تأسيس الأرشيف الوطني وإدارته، وسبل الإفادة منها في الحالة السورية.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تشكل هذه الورشة خطوة أولى على طريق إعادة افتتاح مركز الوثائق التاريخية، وتحويله إلى مؤسسة أرشيف وطني حديثة، تحفظ تراث الشعب السوري وحقوقه الفكرية والثقافية، وتواكب متطلبات سوريا الجديدة.
تلفزيون سوريا



