تشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

تطور الاقتصاد السوري تحديث 28 كانون الثاني 2026

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:

تطور الإقتصاد السوري

——————————————

تحديث 28 كانون الثاني 2026

————————————–

الأرقام الصادمة: حين تُدفع فاتورة الكهرباء السورية من موائد الطعام/ مازن الشاهين

الجباية قد تسد فجوة مؤقتة في الموازنة، لكنها تفتح فجوة أعمق في المجتمع

2026-01-28

مع وصول أولى فواتير الكهرباء بالأسعار الجديدة إلى المنازل والمحال التجارية السورية، انتشرت صور فواتير بملايين الليرات على وسائل التواصل، مع تعليقات مثل: “فاتورة تفوق الدخل الشهري” و”ندفع للحكومة ونبقى في الظلام”، حيث يواجه السوريون صدمة جديدة تضاف إلى سلسلة الأزمات المعيشية المتلاحقة، فالقرار الذي رفع قيمة الفواتير إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تجاوزت فواتير بعض العائلات 500 ألف ليرة سورية شهرياً، أثار جدلاً واسعاً حول فلسفة إدارة الاقتصاد السوري وموارده، فهذه الفواتير كانت بمثابة “إعلان صريح” عن تبدل الهوية الاقتصادية للمؤسسات الخدمية في البلاد.

فمن منطق الرعاية الاجتماعية والدعم الذي قامت عليه الدولة لعقود، انتقلت سوريا فجأة وبلا تمهيد إلى منطق “التاجر والمحل التجاري”، فالنقاش الأعمق يتجاوز أزمة الكهرباء ليصل إلى جوهر النموذج الاقتصادي المتبع، فالوزارات الحكومية، كما يرى العديد من المحللين، تتحول إلى “وحدات جباية” بدلاً من كونها مؤسسات خدمية، حيث الربح والجباية هما المعيار الوحيد، حتى لو كان الطرف الآخر في الصفقة شعباً يرزح 90% منه تحت خط الفقر.

ومع صدور أولى فواتير الكهرباء بالأسعار الجديدة، يبقى السؤال: هل ستكون صدمة فواتير الكهرباء ناقوس خطر لإعادة النظر في النموذج الاقتصادي بأكمله، أم مجرد حلقة جديدة في سلسلة تراجع القدرة الشرائية للسوريين؟ الإجابة ستعطيها الفواتير القادمة، والأهم من ذلك، قدرة السوريين على الصمود في وجه هذا العبء الجديد.

لغة الأرقام: فواتير تفوق الدخل

يرى الخبير الاقتصادي هلال العلي في تصريحات لـ”963+” أن في فقه الاقتصاد، المؤسسات الخدمية في دول الأزمات يجب أن تعمل بمبدأ “النفع العام” وليس “نقطة التعادل الربحي”، وأن صدمة صدور الدورة الأولى لفواتير الكهرباء بالتسعيرة الجديدة، لم تكن في الأرقام الفلكية فحسب، بل في الفلسفة الاقتصادية التي تدار بها البلاد، فبينما كان المواطن ينتظر “انفراجات” في ساعات التغذية، جاءت الفاتورة لتعلن عن تحول مؤسسات الدولة الخدمية إلى “شركات استثمارية” تهدف للربح والتحصيل لسد فجوة الموازنة، دون اعتبار للواقع المعيشي المتردي.

ويضيف: “شكلت الفواتير صدمة بلغة الأرقام، حيث قفزت أسعار الكيلو واط الساعي في بعض الشرائح المنزلية والصناعية بنسب تجاوزت 200% إلى 500%”. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة يقع أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر.

اقتصادياً، يعني هذا أن أي زيادة في الرسوم الخدمية تُقتطع مباشرة من “صحن الغذاء” لا من “رفاهية الاستهلاك”، وبينما بلغت الفواتير الأولى من 600 ألف إلى 2 مليون ليرة للأسر ذات الاستهلاك المحدود، ومتوسط الرواتب لا يتجاوز 100 دولار شهرياً، أي أقل من 1.2 مليون ليرة بسعر صرف حالي، مما يجعل الفاتورة الواحدة تعادل دخل شهر كامل، وقد بررت الحكومة الزيادة بتغطية خسائر القطاع وتحسين التغذية، لكن التقنين مستمر، مما يدفع المواطنين لدفع فواتير مزدوجة عبر مولدات خاصة، بحسب العلي.

ويختم العلي: الإشكالية ليست في ضرورة تعديل الأسعار مع التكاليف، بل في غياب الرؤية التنموية، فلدينا موارد طبيعية هائلة من نفط وغاز وفوسفات، وإمكانيات زراعية وسياحية لو أُحسنت إدارتها، لكانت كافية لتغطية دعم أساسيات الحياة، فالمواطن ليس زبوناً في متجر حكومي، بل شريك في الوطن، وعندما تتحول الخدمات الأساسية إلى سلع فاخرة، والسياسات الاقتصادية إلى أدوات جباية، فإننا لا ندمر الاقتصاد فحسب، بل نفتت النسيج الاجتماعي نفسه، والحل ليس في رفع الأسعار، بل في رفع الكفاءة ومحاربة الهدر واستثمار الموارد، والزيادة الأخيرة تضع سوريا أمام مفترق طرق، إما الاستمرار في نموذج “إدارة الأزمة بالجباية”، أو البدء ببناء نموذج تنموي حقيقي يعيد الاعتبار للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.

المواطن: “شريك في الخسارة.. مستبعد من الربح”

في جولة ميدانية لـ”963+” بدمشق، يقول محمد، صاحب ورشة خياطة صغيرة: “أتعامل مع وزارة الكهرباء وكأنني أشتري القماش من تاجر في الحريقة، إذا ارتفع السعر عليه، رفعه عليّ. لكن الفرق أن التاجر يربح، أما أنا فأخسر مهنتي لأن الزبون لم يعد قادراً على دفع تكاليف الخياطة المرتبطة بسعر الكهرباء. إذا كانت الوزارة شركة خاصة، فأين حصتنا من أرباح الثروات الأخرى؟”.

 محمد علي طالب جامعي يقول: في الاقتصادات المتعافية الدولة تدعم الطاقة لتحفيز الإنتاج، وتزيد الدخل قبل رفع الأسعار، وتحمي الشرائح الهشة بتعرفة تصاعدية حقيقية، أما في الحالة السورية فالأسعار تُرفع أولاً، والدخل ثابت أو يتآكل، والدعم يُرفع دون بدائل، وفاتورة الكهرباء الجديدة ليست مجرد رقم، بل مرآة لطريقة إدارة الاقتصاد.

أما عادل وهو محامي من حمص فيرى أن أحد أخطر ما يكشفه القرار، بحسب رأيه، هو تحول المؤسسات العامة إلى ذهنية التاجر: فكل خدمة تساوي فاتورة أعلى، وكل تعامل يساوي ربح فوري، حيث لا اعتبار للدخل، ولا للأثر الاجتماعي، فإذا كانت الوزارة شركة، فالمواطن شريك فيها، لا زبوناً يُستنزف، لكن ما يحدث هو خصخصة الجباية دون خصخصة الكفاءة.

أما أحمد وهو موظف حكومي في حلب فيقول لـ”963+”: “وزارة الطاقة تتصرف مع المواطنين وكأنها شركة خاصة خاسرة تريد تحسين ميزانيتها عبر رفع أسعار منتجاتها، لا كدولة تمتلك موارد وثروات وتُدار لمصلحة المجتمع”.

بينما تقول مريم علي وهي من سكان ريف دمشق: “زوجي موظف حكومي يتقاضى مليون و200 ألف ليرة، وفاتورة الكهرباء وصلت إلى800 ألفاً، كيف نعيش؟ وإيجار البيت يعادل الراتب، فمن أين ندفع فاتورة الكهرباء؟! هل نطفئ الأنوار ونعتمد على الشموع، ونقلص وجبات الطعام؟! الحكومة تتحدث عن دعم، لكن الدعم الحقيقي كان في خفض الأسعار”.

وجهة نظر رسمية: ضرورة اقتصادية أم خيار إداري؟

أعلن القرار الرسمي برفع أسعار تعرفة الكهرباء بشكل واسع بعد سنوات من الدعم شبه الرمزي في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وقد دخلت التعرفة الجديدة حيز التنفيذ في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وقالت وزارة الطاقة إن الهدف من الزيادة هو وقف الخسائر الكبيرة في قطاع الكهرباء وتوفير الموارد اللازمة للحفاظ على تزويد الطاقة وتوسيع ساعات التيار، بحيث لا ينهار القطاع تماماً.

وأوضحت الوزارة أن هناك فجوة كبيرة بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر البيع للمستهلكين، وأن دعم الأسعار القائم لم يعد قابلاً للاستمرار بسبب كلفة التشغيل، خصوصاً مع الحاجة لشراء الغاز أو الوقود لتشغيل محطات التوليد.

وجعلت التعريفة الأولى للشرائح المنخفضة (حتى حد معين من الاستهلاك، مثلاً 300 كيلوواط ساعي) مدعومة جزئياً لكن بزيادة كبيرة عن السعر القديم، بينما الشرائح التي تتجاوز ذلك تدفع أسعاراً أعلى بكثير.

فخ الجباية: هل نعالج العجز أم نعمقه؟

الحجة الحكومية الدائمة هي “تغطية العجز في الموازنة العامة”، لكن اقتصادياً الجباية القسرية من فئات لا تملك فائضاً مالياً هي “انتحار اقتصادي” مؤجل، فعندما ترتفع الفاتورة لتصبح بمئات الألوف والملايين، نحن لا نسحب فوائض الأموال من جيوب الأغنياء (الكماليات)، بل ننتزع ثمن الرغيف والدواء من بطون الفقراء (الأساسيات)، هكذا علق الباحث الاقتصادي الدكتور عبدالعزيز خيربك على زيادة أسعار الكهرباء.

ويقول في تصريحات لـ”963+” إن تحويل الوزارات إلى “شركات خاصة” تبحث عن توازن الميزانية من خلال رفع الأسعار فقط، يغفل حقيقة اقتصادية كبرى، بأن الإدارة هي فن استثمار الموارد، وليست فن استنزاف المستهلك، أين هي الإدارة الاحترافية للثروات الباطنية والنفطية؟ ولماذا يظل المواطن “شريكاً في الخسارة” فقط، بينما تغيب ملامح شراكته في إيرادات موارد بلاده الضخمة التي يفترض أن توازن كفة الدعم؟ فإذا كانت الحكومة تتعامل بعقلية التاجر، فمن حق المواطن أن يطالب بحقه كـ “مساهم” في هذه الشركة الكبيرة التي تسمى “الدولة” فقد تأسست هذه الوزارات بأموال الشعب ولخدمته، وتحويلها إلى أداة لتحقيق الأرباح دون تحسين جودة الخدمة أو مراعاة الدخل، يكسر العقد الاجتماعي.

يوضح خيربك بالأرقام كيف تتجاوز الفواتير الجديدة في كثير من الأحيان الدخل الشهري للموظف السوري، وهذا الخلل البنيوي سيؤدي حتماً إلى “انكماش استهلاكي” حاد؛ فالليرة التي ستدفع لشركة الكهرباء، ستُحرم منها محلات الخضار، والحرفيين، وصيدليات الأدوية، فنحن أمام دورة اقتصادية متعثرة، تزداد فيها الخزينة العامة “أرقاماً”، بينما يزداد الواقع المعيشي “بؤساً”، ففي علم الاقتصاد الجباية لا تصنع نمواً وإن الاعتماد على “الجباية السهلة” من الفواتير والرسوم هو اعتراف ضمني بالعجز عن ابتكار حلول استثمارية حقيقية.

ويختم خيربك بالقول: الحكومة بحاجة إلى “عقل” لا إلى “جيب” والمطلوب اليوم ليس مجرد “تعديل أسعار”، بل إعادة هيكلة العقلية التي تدير الموارد، فالإدارة الاحترافية تعني مكافحة التهرب الضريبي لكبار المتمولين، وتفعيل الإنتاج الحقيقي، واستثمار الموارد الباطنية بشفافية، لتكون هي الرافد للموازنة، لا فاتورة كهرباء تقصم ظهر عائلة لا تجد ثمن عيشها، وإن استمرار نهج “الجباية لتغطية العجز” دون رؤية تنموية شاملة، سيحول المجتمع إلى هيكل استهلاكي متهالك، فالكهرباء ليست مجرد طاقة، إنها اختبار لما تبقى من قدرة المواطن على الاحتمال، واختبار لمدى قدرة الحكومة على التخلي عن دور “الجابي” والعودة لدور “الراعي”.

+963

———————————

 سوريا تكشف عن فساد بالمليارات في شركة النفط الحكومية

اكتشاف مخالفات تلاعب بالأسعار وبالمواصفات العامة لتوريد المعدات

الرياض – العربية

28 يناير ,2026

كشف الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن فساد مالي بقيمة 6 مليارات ليرة وفق العملة السورية القديمة في الشركة السورية للنفط، وذلك من خلال مخالفات تلاعب بالأسعار وبالمواصفات العامة ضمن عقد توريد مجموعة توليد كهربائية لعمل الحفارات في منطقة الحقول الوسطى بحمص، وذلك في عهد النظام السابق.

وفي تفاصيل التحقيقات، ثبت قيام الشركة السورية للنفط بإبرام عقد توريد مجموعة توليد كهربائية لعمل الحفارات بأسعار مرتفعة عن السوق بنسبة تصل إلى 70%.

كما أظهر التحقيق قيام اللجنة الفنية باستلام مجموعة التوليد رغم وجود اختلاف في المواصفات الفنية عن المواصفات المطلوبة في دفتر الشروط، والتي من المفترض أن تكون جديدة وليست مستعملة أو مجددة، وبالتالي فإنها لم تحقق الغاية التي تم التعاقد من أجلها، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

سوريا تعلن عن مفاجأة في القطاع السياحي.. ماذا حدث بعد التحرير؟

سياحة وسفر اقتصاد سوريا سوريا تعلن عن مفاجأة في القطاع السياحي.. ماذا حدث بعد التحرير؟

وبعد التدقيق بالقضية تبيّن وجود مخالفات بالمواصفات المطلوبة بالإضافة لتلاعب بالأسعار من قبل المتعهد المسؤول عن التوريد، وإهمال وتقصير من قبل مدير عام الشركة وأعضاء لجنة الاستلام، ما أدى إلى إلحاق الضرر بالمال العام نتج عنه أثر مالي بنحو 6 مليارات ليرة.

وأشار الجهاز المركزي للرقابة المالية إلى تطبيق الحجز الاحتياطي على المتعهد بجرم الغش، وإحالة أعضاء لجنة الاستلام ومدير الحقول والمدير المالي للقضاء بجرم الإهمال المؤدي للضرر بالمال العام.

———————————

رغم غناهما بالنفط.. هكذا يعاني سكان الحسكة ودير الزور من تردي الخدمات

تُعَد حقول النفط والغاز بشمال شرقي سوريا من الأهم في البلاد، إذ تتركز في محافظتي الحسكة ودير الزور، وتشكّل العمود الفقري لإنتاج الطاقة السوري.

وخلال سنوات الحرب، خرجت هذه الحقول عن سيطرة الدولة وتناوبت عليها قوى مختلفة، ثم عادت أخيرا إلى إدارة الدولة عقب دخول الجيش الحكومي المنطقة وانسحاب قوات سوريا الديمقراطية منها، وهو ما يعوّل عليه سكان المنطقة لتحسين الخدمات فيها.

وتعيش قرى وبلدات في ريفي الحسكة ودير الزور شمال شرقي سوريا أوضاعا معيشية صعبة، رغم قربها من آبار النفط والغاز، إذ يعاني الأهالي غيابا شبه كامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية.

وسائل بدائية

وبحسب مراسل الجزيرة منتصر أبو نبوت، فإن البيوت الطينية تنتشر في قرى المنطقة التي تفتقر إلى خدمات المياه والكهرباء والطرق، في مشهد يعكس تناقضا صارخا بين الثروة النفطية القريبة وحياة الفقر التي يعيشها السكان.

يقول أبو هاني -وهو أحد سكان ريف الحسكة- إن آبار النفط لا تبعد سوى 200 متر عن أراضيهم، لكنهم محرومون من الاستفادة منها حتى في أبسط الاحتياجات مثل الوقود والغاز، مما يضطرهم إلى استخدام وسائل بدائية للتدفئة والطهي، تتسبب في أضرار صحية لأطفالهم.

ولا يُعَد هذا الواقع استثناء، إذ تشترك عشرات القرى بريفي الحسكة ودير الزور في ظروف مماثلة، وسط تهميش ممتد منذ عقود، وغياب لأي مشروعات تنموية أو دعم إنساني حقيقي، رغم النشاط المستمر في الحقول المجاورة.

تحسين الخدمات

ومع عودة عشرات الآبار إلى سيطرة الدولة السورية، يأمل الأهالي أن تنعكس هذه الثروة على حياتهم عبر تحسين الخدمات والبنية التحتية.

وتشير السلطات المحلية إلى وجود نقاشات لإصلاح بعض الطرق الحيوية في دير الزور والحسكة، لكن السكان يؤكدون أن المطلوب يتجاوز الترقيعات المؤقتة إلى مشروعات تنموية شاملة تنهي سنوات الحرمان.

إعلان

وبين مشاهد ألسنة اللهب المتصاعدة من حقول النفط ونيران المواقد في بيوت الطين، يبقى الأمل قائما لدى سكان هذه المناطق بأن تتحول ثروات أرضهم يوما ما إلى تحسين حقيقي لواقعهم المعيشي بعد عقود من التهميش.

المصدر: الجزيرة

———————————

سورية | أسواق الفضة تجذب مدخرات الطبقة الوسطى/ نور ملحم

28 يناير 2026

مع استمرار صعود أسعار الفضة عالمياً، بدأ السوريون يلتفتون بشكل أكبر نحو هذا المعدن الثمين، ليس كخيار للزينة، بل كوسيلة للتحوط والادخار، خصوصاً مع ارتفاع الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت أونصته الـ 5000 دولار، حيث وجد الكثير من الأهالي في الفضة بديلاً أقل كلفة يمنحهم مرونة أكبر في البيع والشراء، ويعدّ وسيلة آمنة لمواجهة التقلبات الاقتصادية.

وشهدت الأسعار عام 2025 ارتفاعاً لافتاً تواصل مع بداية العام الجاري ليتجاوز 100 دولار للأونصة، وهو أعلى مستوى له منذ الثمانينيات، وسط توقعات باستمرار ارتفاع أسعاره خلال الفترة المقبلة ولا سيما في حال تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة وتحديداً في إيران التي يهدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن الحرب عليها.

سلوك المستهلك

في أسواق دمشق القديمة، يشير الحرفي منير داود، الذي يعمل في صناعة المشغولات الفضية منذ أكثر من عشرين عاماً لـ”العربي الجديد”، إلى أن الإقبال على الفضة ارتفع بشكل ملحوظ خلال الأشهر الماضية، “الكثير من الأهالي لم يعودوا يشترون الفضة فقط للزينة، بل لأغراض الادخار والاستثمار”. يعتقد الناس أن الفضة أكثر مرونة من الذهب، ويمكن بيعها بسرعة عند الحاجة. ويضيف منير أن الطلب على الأونصات بالوزن أصبح اليوم جزءاً أساسياً من السوق، وهو ما يحافظ على سيولة المعدن ويزيد من جاذبيته للمقتنين.

أما الحرفي خالد الحاج، فيرى أن هذا التوجه نحو الفضة يعكس تغيراً في سلوك المستهلك السوري: “الناس أصبحوا يفكرون بعقلية استثمارية، يوازنون بين التكلفة والفائدة، ويبحثون عن معدن يوفر لهم حماية مالية بأسعار معقولة. الفضة توفر لهم ذلك، بالإضافة إلى إمكانية استخدامها في أعمال الزينة وتطعيم القطع التراثية، وهو ما يخلق سوقاً مزدوجة بين الاستخدام الجمالي والاستثماري”.

تحديات كبيرة تواجه صناعة الفضة

من جانبه، يشير المدير العام للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، مصعب الأسود، إلى أن صناعة الفضة في سورية تواجه تحديات كبيرة بسبب الاعتماد شبه الكامل على العمل اليدوي والأدوات التقليدية مثل المطرقة والسندان والمبارد، فضلاً عن الأفران البسيطة للصهر. ويؤكد الأسود أن غياب التقنيات الحديثة انعكس على تنوع وجودة المنتجات، لكنه يعبر عن أمله في أن تشهد المرحلة المقبلة تحديثاً في المعدات ورفع كفاءة العاملين، بما يمكن المنتج الوطني من المنافسة محلياً وخارجياً ومواكبة الموديلات الحديثة القادمة من بعض الدول الآسيوية.

ويضيف لـ “العربي الجديد”: “المادة الأولية متوفرة محلياً، مع استيراد كميات إضافية لتلبية الطلب المتزايد. نحن نسعى لتطوير الصناعة لتصبح أكثر قدرة على المنافسة، بما يعزز دور الحرفيين السوريين ويجعلهم قادرين على منافسة المنتجات الأجنبية من حيث الجودة والتصميم”. ويشير الخبراء إلى أن الطلب العالمي على الفضة يتجاوز الإنتاج بنحو 230 مليون أونصة سنوياً، ما يخلق عجزاً مستمراً في السوق ويزيد الضغوط على الأسعار.

ويؤكد مراقبون أن هذا العجز، إلى جانب توجه بعض الصناديق السيادية للاستثمار في الفضة باعتبارها بديلاً للذهب، كان له الدور الأكبر في الارتفاعات التي شهدتها الأسواق العالمية خلال الأشهر الماضية. كما يؤثر هذا الارتفاع مباشرة على الأسعار المحلية في سورية، سواء في قطاع المجوهرات أو الاستخدامات الاستثمارية الأخرى، نظراً للارتباط الوثيق بين الأسواق المحلية والعالمية.

وبحسب منصة “ياهو فاينانس”، بلغت قيمة سوق الفضة العالمية 22.50 مليار دولار عام 2024، ومن المتوقع أن ينمو القطاع بمعدل سنوي مركب قدره 4.5% خلال الفترة من 2025 إلى 2034، ليصل إلى نحو 34.94 مليار دولار بحلول نهاية العقد المقبل.

الحفاظ على المدخرات

بدوره يرى الخبير الاقتصادي يحيى السيد أن الإقبال على الفضة بدلاً من الذهب يعكس حالة من الحذر لدى المواطنين تجاه الأسواق المالية، وفي الوقت نفسه رغبتهم في الحفاظ على قيمة مدخراتهم: “فهي تقدم حلاً عملياً للتحوط، فهي أقل كلفة من الذهب، وتتيح سيولة أسرع. بالإضافة إلى أن الطلب على الفضة يرتبط بعامل نفسي مهم، إذ يشعر الناس أنها أكثر ملاءمة للادخار الفردي، خصوصاً للفئات المتوسطة التي تبحث عن بدائل يمكن تحويلها نقداً عند الحاجة”.

ويضيف السيد لـ “العربي الجديد” أن التوجه نحو الفضة ليس مجرد تفضيل شخصي، بل يعكس تحولات في الأسواق العالمية، حيث ارتفع سعرها بفعل الطلب الصناعي الكبير على المعدن في الصناعات الحديثة، مثل الألواح الشمسية، والإلكترونيات، والأجهزة الطبية، وصناعة السيارات الكهربائية. وشهدت أسعار الفضة تقلبات حادة، إذ تجاوزت 40 دولاراً عام 1980 لشهر واحد، قبل أن تهبط إلى 3.51 دولارات عام 1993، وعادت لفترة قصيرة فوق 40 دولاراً في 2011، ثم تراجعت إلى 11.73 دولاراً في 2020، قبل أن تتجاوز 50 دولاراً في 2025 وتصل إلى أكثر من 100 دولار عام 2026.

ويبقى السؤال مطروحاً حول السعر الذي قد تسجله الأونصة مع نهاية 2026 في ظل التوقعات بمزيد من الارتفاعات، نتيجة استمرار الطلب الصناعي والاستثماري، واعتماد السوريين على الفضة كأداة للحفاظ على قيمة مدخراتهم وربما لتحقيق أرباح مستقبلية، من المعدن الذي طالما شكّل جزءاً من الثقافة المالية والحرفية في البلاد.

العربي الجديد

—————————–

======================

تحديث 27 كانون الثاني 2026

———————————

الانكشاف الاقتصادي مقياساً للهشاشة الوطنية في سورية/ جمعة حجازي

27 يناير 2026

إظهارالملخصicon

في العصر الجيوسياسي الحالي، حيث تتحوّل مصادر القوة الوطنية من القوة العسكرية الخام إلى القوة الاقتصادية المعرفية، لم يعد مفهوم السيادة يقتصر على حدود سياسية غير قابلة للاختراق، بل امتد ليشمل قدرة الدولة على التحكّم في سلاسل القيمة الاقتصادية، وتوجيه مسار التنمية، وحماية المجتمع من الصدمات.

الرقم الصادم البالغ 44% الذي سجله اقتصاد سورية كـ “انكشاف اقتصادي” ليس مجرّد نسبة إحصائية جافة، بل هو تشخيص لحالة مركّبة من التبعية البنيوية. وفقاً لإطار تحليل “الهشاشة الهيكلية” الذي طوّره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن تجاوز نسبة الانكماش 30% يشير إلى انتقال الاقتصاد من مرحلة “الاعتماد الطبيعي” إلى مرحلة “التبعية المزمنة”. وهذا بالضبط ما تعيشه سورية اليوم: اقتصاد تحول من فاعل إقليمي متوسط القوة إلى كيان هش يعتمد في بقائه على تدفقات خارجية غير مستقرة.

التحليل الأعمق يكشف أن هذه النسبة لا تعكس فقط اختلال الميزان التجاري، بل تكشف عن ثلاث أزمات متداخلة: أزمة إنتاجية حيث انكمشت القدرة التصنيعية بنسبة تفوق 60% منذ 2011، وأزمة مؤسسية حيث فقدت أجهزة الدولة قدرتها على التخطيط الاستراتيجي الفعال، وأزمة معرفية حيث هاجرت الكفاءات العلمية والتقنية التي تشكل عماد الاقتصاد الحديث. السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: كيف يمكن لمجتمع أن يحافظ على استقلاليته السياسية بينما يعتمد في غذائه وطاقته وأدويته وحتى في أفكاره التنموية على قوى خارجية؟ هذا ما يجعل من معالجة الانكشاف الاقتصادي لا مجرد أولوية اقتصادية، بل قضية أمن قومي وجودي.

التشوهات الهيكلية المتراكمة

لفهم عمق الأزمة الحالية، يجب العودة إلى تحليل البنى الاقتصادية التي تأسست في سورية عبر عقود. خلال فترة التسعينيات وأوائل الألفية، تبنت سورية نموذجاً اقتصادياً هجيناً جمع بين بقايا التخطيط المركزي واقتصاد السوق المشوّه، مما أنشأ ما يسميه الاقتصاديون “اقتصاد المحسوبية المؤسسية” (institutional cronyism). وفق تحليل البنك الدولي (2017)، كانت 70% من الاستثمارات الصناعية الكبيرة تتركز في أيدي شبكات اقتصادية مرتبطة بالنخبة الحاكمة في النظام السابق، ما أوجد اقتصاداً ذا قطاعين: رسمي هامشي وشبه رسمي مسيطر.

جعل هذا الهيكل المشوّه الاقتصاد السوري عاجزاً عن تحقيق التحول الإنتاجي الذي شهدته دول مجاورة مثل تركيا والأردن. بينما كانت تلك الدول تستثمر في البحث والتطوير (بنسب بين 0.8% إلى 1.5% من ناتجها المحلي)، ظلت الاستثمارات السورية تركز على القطاعات الريعية قصيرة الأجل. النتيجة كانت اقتصاداً ضعيف المرونة، حيث انخفضت مساهمة الصناعات التحويلية من 18% من الناتج المحلي عام 2000 إلى 6% فقط عام 2023 (ESCWA, 2023).

لم تُحدث الحرب هذه الهشاشة، بل كشفتها وعمّقتها بشكل غير مسبوق. فقدان 90% من الحقول النفطية لم يكن مجرّد ضربة مالية، بل كان انهياراً لنموذج اقتصادي كامل. التحول من دولة مصدرة للنفط (بإيرادات بلغت 4.5 مليارات دولار سنويا قبل الحرب) إلى دولة مستوردة (بتكلفة 2.4 مليار دولار سنويا) يمثل تحوّلاً جذرياً في الهوية الاقتصادية. أثّر هذا التحول في كل شيء: من قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية (حيث انخفضت حصة الصحة والتعليم في الموازنة من 22% إلى 8%)، إلى تآكل العملة الوطنية (بانخفاض قيمتها 98% منذ 2011)، إلى انهيار القطاع الخاص المنتج الذي اعتمد على سياسات حمائية غير كفؤة.

عندما يصبح الفساد نظاماً

الأزمة السورية في جوهرها أزمة مؤسّسات وحوكمة. مفهوم “الريع المؤسسي” يقدّم إطاراً تحليلياً قوياً لفهم الآلية التي أدت إلى تآكل المؤسسات السورية. الريع المؤسسي يحدث عندما تتحول المؤسسات من أدوات لخدمة المصلحة العامة إلى أدوات لخلق امتيازات لفئات محددة.

في الحالة السورية، تشير تقارير منظمة الشفافية الدولية إلى تطور ثلاث دوائر للفساد المؤسسي ارتبطت عضوياً ببنية النظام السابق وإدارته: دائرة سياسية حيث يتم توجيه العقود الكبيرة لشركات مرتبطة بالنخبة الحاكمة، ودائرة بيروقراطية حيث أصبحت الرشوة آلية لتسيير المعاملات اليومية، ودائرة اقتصادية حيث تحالفت شبكات الأعمال مع المسؤولين لإيجاد احتكارات مشوّهة. هذا النظام الثلاثي الذي ترسخ في عهد النظام السابق أوجد ما يعرف بـ “اقتصاد الندرة المصطنعة”، حيث يجري إبقاء السلع الأساسية في حالة نقص متعمد لخلق فرص ربح غير مشروع. تأثير هذا النظام كان مدمراً على الكفاءة الاقتصادية: 40% من تكلفة المشاريع العامة كانت تهدر بسبب الفساد في مرحلة التنفيذ وحدها (World Bank, 2019).

النتيجة كانت مؤسسات اقتصادية عاجزة عن الاستجابة للتحديات. البنك المركزي فقد فاعليته في إدارة السياسة النقدية، وزارة الصناعة فقدت قدرتها على التخطيط الاستراتيجي، وهيئة الاستثمار تحولت إلى أداة بيروقراطية معيقة. وقد تجلى فشل الحوكمة هذا بشكل واضح في تعطيل الخطة الخمسية العاشرة (2006-2010) التي وضعت أهدافاً طموحة للنمو والتنمية، حيث أدت الممارسات الإدارية الفاسدة وشبكات المحسوبية إلى تحويلها إلى وثيقة تخطيطية هامة ولكن بلا مضمون تنفيذي، ما وسّع الفجوة بين الطموحات التنموية المعلنة والواقع الاقتصادي المتردي. ولو أن الإدارة السورية وقتها أدركت أهمية الإطار الاسترتيجي للخطة العاشرة ومشروعاتها الواعدة وأسلوب التحليل الذي اعتمدته، لتجنب الاقتصاد هذا الانهيار الذي وصل إليه. الانهيار المؤسسي طرح تحدياً وجودياً لإعادة الإعمار: كيف يمكن بناء مؤسسات جديدة في ظل ثقافة مؤسسية فاسدة متجذرة؟ التجارب الدولية تشير إلى أن إصلاح المؤسسات أصعب بمراحل من إعادة بناء البنية التحتية المادية.

التشخيص التفصيلي للاختلال الإنتاجي

يكشف تحليل هيكل الواردات السورية لعام 2024 عن قصة أعمق من مجرد أرقام وإحصاءات. التركيبة الحالية، حيث تبلغ 55-60% من الواردات من السلع الاستهلاكية الأساسية (الطاقة والغذاء)، تعكس اقتصادا فقد قدرته على إنتاج ضروريات الحياة نفسها. فيما يتعلق بفجوة الطاقة، كانت سورية قبل الحرب تصدر 150 ألف برميل يوميا من النفط، أما حاليا فتستورد 85 ألف برميل مكافئ يوميا، بتكلفة سنوية تصل إلى 2.4 مليار دولار تمثل 35% من إجمالي الواردات، حيث تكلّف كل زيادة دولار في سعر البرميل الاقتصاد السوري 25 مليون دولار إضافية سنويا. وبالنسبة لفجوة الغذاء، انخفض الاكتفاء الذاتي من القمح من 95% إلى 30%، مع تكلفة استيراد غذائي تتراوح بين 1.8-2.1 مليار دولار سنويا، ويعتمد 70% من الأسر السورية على المساعدات الغذائية بشكل كلي أو جزئي (WFP, 2024). وفيما يخص فجوة المعرفة والتكنولوجيا، فإن حصة الآلات والمعدات من الواردات لا تتجاوز 5% فقط مقارنة بـ 25% في الدول ذات الاقتصادات الناشئة الناجحة، بينما يبلغ الإنفاق على البحث والتطوير 0.1% من الناتج المحلي مقارنة بـ 1.5% في الأردن و2.5% في تركيا.

لا يعكس هذا الهيكل المشوّه فقط أزمة إنتاجية، بل يكشف عن غياب رؤية استراتيجية للتجارة الخارجية. ظلت السياسات التجارية السورية ردات فعل، تهدف إلى سد العجز الآني، بدلا من أن تكون أداة لتحفيز التحول الهيكلي. المقارنة مع فيتنام مثيرة للتفكير: بين 1995-2010، خصصت فيتنام 30% من وارداتها للآلات والتكنولوجيا، ونجحت في رفع مساهمة الصناعة التحويلية من 15% إلى 25% من الناتج المحلي، بينما كانت سورية تستورد السلع الاستهلاكية.

العجز المالي الموسّع والتداعيات الاجتماعية: انهيار العقد الاجتماعي وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن

الأزمة المالية السورية تجاوزت بكثير مفهوم “العجز المالي التقليدي”. نحن أمام نموذج متكامل للانهيار المالي الذي يصفه صندوق النقد الدولي بـ “الدورة المفرغة للانهيار المالي” (IMF, 2023) والتي تبدأ بانهيار الإيرادات حيث انخفضت الإيرادات العامة من 18% من الناتج المحلي عام 2010 إلى 4% عام 2024، ثم تضخم الإنفاق الجبري مع زيادة الإنفاق الأمني والعسكري إلى 40% من الإنفاق العام، وتمويل العجز بالطباعة حيث تضخم عرض النقد بنسبة 250% سنويا في المتوسط، مما أدى إلى انهيار العملة بانخفاض قيمة الليرة السورية 98%، وتآكل القدرة الشرائية بانخفاض الأجور الحقيقية 85%.

كانت لهذه الدورة المدمرة تأثيرات اجتماعية عميقة أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. لقد تحوّل دور الدولة من مزود للخدمات إلى كيان تحصيلي، حيث انخفضت ميزانية الصحة من 6% إلى 1.5% من الناتج المحلي، وأصبح 40% من المدارس مدمراً أو غير صالح للاستخدام، وبات 90% من السوريين خارج نطاق أي حماية اجتماعية رسمية. كما تغيرت التركيبة الطبقية للمجتمع جذرياً، حيث اختفت الطبقة الوسطى تقريبا من 60% من السكان إلى 10% فقط، وتمدّد الفقر المدقع ليشمل 90% تحت خط الفقر و60% تحت خط الفقر المدقع، بينما ظهرت طبقة طفيلية جديدة حيث يسيطر 3% من السكان على 70% من الثروة المتبقية. وتشكل هجرة العقول خسارة استراتيجية كبرى، حيث هاجر 30% من الأطباء و40% من المهندسين و50% من الباحثين الأكاديميين، بتكلفة اقتصادية مقدرة تصل إلى 15 مليار دولار من حيث تكلفة التعليم والخسارة الإنتاجية.

انهيار العقد الاجتماعي هذا يُحدث تحدّيات عميقة لأي عملية إعادة إعمار. كيف يمكن بناء اقتصاد منتج في مجتمع فقد ثقته في الدولة؟ كيف يمكن استعادة الكفاءات المهاجرة في ظل بنى مؤسسية فاسدة؟ هذه أسئلة جوهرية تتطلب إجابة قبل أي حديث عن النمو الاقتصادي.

إطار تحليلي للخروج من الفخاخ الهيكلية

يكشف تحليل التجارب الدولية الناجحة في إدارة الأزمات الاقتصادية الحادة عن أربعة مبادئ استراتيجية مشتركة يمكن لسورية الاستفادة منها. الأول هو الأولوية للإنتاج لا للاستهلاك، كما تجسّد في حالة رواندا بعد الإبادة الجماعية، حيث رفعت الاستثمار في الزراعة من 3% إلى 10% من الميزانية خلال خمس سنوات، مما خفض الاعتماد على استيراد الغذاء من 40% إلى 20%، والدرس هنا هو التركيز على سلاسل القيمة المحلية القصيرة التي تخلق فرص عمل سريعة وتقلل الواردات. المبدأ الثاني الحوكمة من حيث هي أولوية لا رفاهية، كما ظهر في جورجيا بعد ثورة الورود حيث خفضت الوقت اللازم لبدء عمل تجاري من 45 يوما إلى يومين، ورفعت تحصيل الضرائب من 12% إلى 25% من الناتج المحلي خلال خمس سنوات، والدرس أن الإصلاح المؤسسي السريع والملموس يوجِد ثقة ويعيد توجيه الاقتصاد نحو القطاع الرسمي. المبدأ الثالث هو التركيز على القطاعات ذات الميزة النسبية الديناميكية، كما حدث في فيتنام بعد حربها حيث ركزت على خمسة قطاعات رئيسية، ورفعت صادراتها من ملياري دولار إلى 280 مليار دولار خلال 30 عاما، والدرس أن محاولة إحياء كل القطاعات تسبّب تشتيت الموارد الشحيحة. المبدأ الرابع الشراكة مع المغتربين بوصفهم رأس مال بشرياً ومعرفياً، كما شوهد في لبنان في فترة إعادة الإعمار حيث استقطب استثمارات المغتربين بلغت 15 مليار دولار شكلت 40% من إجمالي الاستثمارات، والدرس أن المغتربين ليسوا فقط مصدر تحويلات مالية، بل هم جسر للمعارف والتكنولوجيا والأسواق.

لا تعني هذه الدروس نسخ النماذج، بل تعني فهم المبادئ الكامنة وراءها. المبدأ الأعمق هو: الخروج من الأزمات العميقة يتطلب قرارات استراتيجية جريئة لا إصلاحات تدريجية. يحتاج الاقتصاد السوري اليوم “صدمة إصلاحية” توجه كل الموارد نحو القطاعات المنتجة، وتعيد بناء الثقة بالمؤسسات، وتخلق أملا ملموسا لدى المواطنين.

نحو استراتيجية التحول الاستراتيجي – إطار زمني ومؤسّسي متكامل

يتطلب الخروج من فخ الانكشاف الاقتصادي البالغ 44% أكثر من سياسات اقتصادية تقليدية. نحن أمام حاجة إلى استراتيجية تحول استراتيجي، تعيد تعريف مفهوم التنمية في سورية. يجب أن تقوم هذه الاستراتيجية على أربعة أركان: الأول إعادة تعريف السيادة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، حيث لم تعد السيادة تعني الاكتفاء الذاتي الكامل، بل تعني السيادة الإنتاجية، وهي القدرة على إنتاج المعرفة والتحكّم في سلاسل القيمة الاستراتيجية، والتفاوض من موقع القوة في السوق العالمية، ويتطلب ذلك تحقيق نسبة انكشاف 30% خلال خمس سنوات هدفاً وطنيّاً جامعاً بمؤشّرات أداء ربع سنوية ومساءلة علنية. الثاني بناء المؤسّسات الاقتصادية الجديدة على أنقاض القديمة، حيث تفيد التجربة التاريخية بأن المؤسسات الفاسدة نادرا ما تصلح من الداخل، والمطلوب مؤسسات موازية تبدأ صغيرة ونظيفة وتتوسع تدريجيا مثل صندوق سيادي للاستثمار الإنتاجي برقابة دولية وهيئة اقتصادية خاصة للمناطق المحررة بنظام حوكمة مختلف ومحاكم تجارية خاصة بنزاهة مضمونة. الركن الثالث التركيز على القطاعات ذات التأثير المضاعف العالي، حيث تتطلب الموارد الشحيحة أولويات صارمة، فيجب التركيز على الطاقة المتجددة لتحقيق 40% من الاحتياجات خلال خمس سنوات، ما يوفر مليار دولار سنويا، وعلى الزراعة الذكية مناخيا لزيادة إنتاج القمح من 1.2 مليون طن إلى ثلاثة ملايين طن خلال ثلاث سنوات، وعلى الصناعات الدوائية لتحقيق 50% من الاكتفاء الذاتي للأدوية الأساسية. الركن الرابع إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس جديدة، حيث تتطلب إعادة الثقة توظيف مليون شاب في مشاريع إنتاجية خلال سنتين، وإعادة 50% من الكفاءات المهاجرة من خلال حزمة حوافز غير مسبوقة، وإقامة نظام ضريبي تصاعدي عادل، يبدأ بفرض ضرائب على الثروة لا على الدخل.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المرحلة الجديدة، حيث تتولى الإدارة الجديدة مهمّة قيادة عملية التحول الاقتصادي الاستراتيجي. تمثل هذه الإدارة فرصة تاريخية لتعزيز الشفافية المؤسّسية من خلال آليات رقابية مستقلة وفتح البيانات المالية للتدقيق العام، وتفعيل مبادئ الحوكمة الرشيدة في كل المستويات. كما تلتزم بتحفيز الاستثمارين، المحلي والأجنبي، عبر بيئة تنظيمية مبسطة وحوافز ضريبية استثنائية، وضمان سيادة القانون لحماية حقوق المستثمرين. وتسعى إلى زيادة الكفاءة الإنتاجية عبر تبني التقنيات الحديثة وتحسين إدارة سلسلة التوريد، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية.

يتطلب الخروج من الأزمة السورية جرأة في الرؤية لا تقل عن جرأة التحدّيات. نسبة الانكشاف 44% ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة خيارات متراكمة. يتطلب تغيير هذه الخيارات قيادة اقتصادية تدرك أن المعركة الحقيقية هي الإنتاجية، وأن السيادة الحقيقية تبدأ بقدرة المجتمع على إطعام نفسه وتشغيل مصانعه وإبداع حلوله. التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الأمم التي خرجت من حروب أهلكت الحرث والنسل استطاعت أن تبني اقتصادات أقوى مما كانت عليه، ولكن بشروط: الرؤية الواضحة، الإرادة الصلبة، والمؤسسات النزيهة. هذا هو التحدي، وهذه هي الفرصة أمام سورية اليوم.

العربي الجديد

——————————–

نفط سورية… يا فرحة ما تمّت/ عدنان عبد الرزاق

27 يناير 2026

خبر مفرح للسوريين، كان سيغيّر واقعهم المعاشي وبنية اقتصادهم ويعيد الوفرة للأسواق، لو أنه لم يتبع بخبر آخر، يُرجئ الفرح إنْ لم نقل قتله، فحينما يتعلق الأمل بسنين مقبلة وطويلة، يفتر الحماس للفرح والانفراج ببلد لم يعتد، منذ عقود، على الفرح والبحبوحة. الخبر المفرح جاء بإعلان الشركة السورية للبترول استعادة تسعة حقول نفط وغاز (العمر، التنك، كونيكو، الجفرة، العزبة، طيانة، جيدو، مالح والأزرق) شمال شرقي سورية، بعد اندحار قوات سوريا الديمقراطية “قسد” أخيراً، من محافظتَي الرقة ودير الزور، والتي كانت تسيطر منذ عقد من الزمن، على خزان سورية النفطي والغازي والمائي والغذائي. ليبقى حقلا الرميلان والسويدية تحت سيطرة “قسد” بعد أن سلمت للدولة السورية حقل الجبسة الغازي بمحافظة الحسكة التي لمّا تزل تسيطر عليها.

وتعاظمت فرحة السوريين، بعد أنباء استعادة الإنتاج وبعض جاهزية الآبار والمنشآت، وبدء نقل النفط الخام، من آبار المناطق المحرّرة من “قسد” إلى مصفاتَي حمص وبانياس لتعود، أو هكذا يطمح السوريون، مشتقات نفطية تكسر حدة الأسعار وتعيد السوري لزمن الكفاية. بيد أن خبراً آخر، بدّد تلك الفرحة، أو أجلها على الأقل، نقلته الجهة ذاتها (وزارة الطاقة) التي سوقت الفرح المنقوص، بأن الإنتاج الحالي من هاتيك الآبار، لن يتجاوز 80 ألف برميل يومياً، وتقديرات بوصوله إلى 100 ألف برميل بعد أربعة أشهر، مضيفة “ولكن”، وكما تعلمون أن المعنى والمقصد لا يستويان بعد لكن، “سورية تحتاج إلى نحو 200 ألف برميل نفط يومياً لتلبية احتياجاتها”، ما يعني أنّ البلاد ستظلّ تعاني من عجز بنحو 100 ألف برميل نفط، ستستوردها من الخارج، ريثما تستعاد بقية آبار نفط محافظة الحسكة وتجري الصيانة وعمليات الترميم والتأهيل للآبار جميعها، وربما ريثما يجري اقتسام كعكة النفط ويعرف السوريون من هي الشركات التي ستربح عقود الاستثمار والاستكشاف والاستخراج، وما هي النسبة التي ستنالها.

قصارى القول: ربما من الصعوبة بمكان إطلاق إجابة واضحة ومسؤولة على سؤال: هل سورية بلد غني أم فقير؟ لأنّنا إن ابتعدنا عن غنى سورية بطاقتها البشرية وموقعها الجغرافي، فهي بلد فقير رغم الثروات الباطنية والإنتاج الزراعي والتراكم الصناعي والتجاري. وذاك الفقر ليس قدراً بقدر ما هو سوء إدارة وعدم القدرة على الاستفادة من الثروات والطاقات المتاحة، فإنْ عرفنا أنّ إنتاج القطن وصل في سورية يوماً إلى أكثر من مليون طن، فسنقول وفق هذا المؤشر إنها بلد غني، ولكن حين نعلم أن جلّ الإنتاج كان يصدر خاماً أو نصف مصنّع “غزل” نعرف أنها مفقرة، وكذا بالنسبة لبقية الثروات بما فيها الفوسفات والنفط، التي تصدر من دون الاستفادة من القيم المضافة.

بيد أنّ إنتاج النفط الذي لم يقل، حتّى مطلع الثورة عام 2011، عن 380 ألف برميل يومياً، كان يستر عورة فقر سورية أو تفقيرها، ويغطي على سوء الإدارة واستثمار الموارد، ويزيد، بالآن ذاته، صعوبة الإجابة على سؤال، أسورية غنية أم فقيرة؟ ولعل بقراءة خريطة مساهمة النفط، توضيح لما نرمي إليه وإعطاء فكرة عن دور هذه الثروة الباطنية بتحويل الاقتصاد السوري إلى شبه ريعي يعتمد على النفط والفوسفات بصادراته وحتى ناتجه القومي، ويوضح أهمية النفط بوقوف الاقتصاد السوري على قدميه، حتّى في سِنِيّ الأزمات والسرقة الفساد.

فمساهمة النفط فقط، وحتى عام 2011، بلغت 40% من عائدات الصادرات السورية ونحو 24% من الناتج الإجمالي وأكثر من 25% من موارد الخزينة العامة، وطبعاً هذه المساهمات وفق ما كان يصرّح به نظام الأسدَين (حافظ وبشار) بعد أن رفعا جزئياً سرية هذا القطاع وإنتاجه وصادراته، إذ بقي النفط السوري واستثماراته لعقود، من أسرار الدولة الممنوع تداولها.

نهاية القول: سرّان يمكن كشفهما للسوريين المنتظرين فرحاً، سيزيدان على الأرجح، من تحملهم المعاناة وإرجاء الفرح، لعامين أو ثلاثة أعوام، ريثما يعود النفط لسابق إنتاجه ويعيد هيكلة الاقتصاد السوري المقبل على سيناريوهات إعادة إعمار واستقطاب أموال واستثمارات ستعوّض، مجتمعة، الشعب عن سِنِيّ العوز خلال ثورته التي انتهت بمشهد اقتلاع عصابة الأسد.

السر الأول أنْ تفصح وزارة الطاقة السورية عن الإنتاج الحقيقي بكامل الآبار السورية، المحررة حديثاً أو التي كانت تحت سيطرة نظام الأسد شرقي مدينة حمص، وكم هو الاستهلاك المحلي والمستوردات والميزان التجاري النفطي، وتكشف عن الاحتياطي المقدر عالمياً بنحو 2.5 مليار برميل، ويضع سورية بالمرتبة 32 عالمياً بين أكبر الدول في احتياطات النفط.

بل ولا تضنّ الوزارة بالمعلومات وتكشف عن احتياطيات الغاز والفوسفات، وأن أجزاء كبيرة من مساحات الجزيرة السورية (شمال شرق) غير منقبة وثمة احتياطي وآمال طاقوية هائلة على الشواطئ السورية تحت مياهها الإقليمية.

والسر الثاني الذي أبقاه النظام البائد سراً إلى يوم هروبه، وهو قيمة صادرات النفط وتوظيفها وطرق منح عقود الاستكشاف والإنتاج للشركات الأجنبية، لأنّ الثروات الباطنية السورية، ومنها النفط، يراها كثيرون من أسرار التهافت على سورية ما بعد التحرير ومحاولات الأخذ بيدها، لنيل حصة أكبر من تلك الكعكة. والسوريون إلى اليوم، يسمعون من نشرات الأخبار، خاصّة بعد رفع العقوبات وعودة سورية إلى الاندماج بالنظام المالي الدولي “استئناف تحويلات سويفت” أنّ الإمارات (شركة دانة) وقعت عقداً لإعادة تطوير حقول الغاز، وشركتَين أميركيتَين (كونيكو فيليبس ونوفا تيرا إنرجي) أبرمتا مذكرات تفاهم لتأهيل الحقول المهدّمة، وشركة شيفرون للتنقيب في مربعات بحرية.

ويسمعون أخباراً أخرى عن عودة روسيا لقطاع الطاقة السوري بالبر والبحر، رغم ما فعلت بالسوريين وأطالت بعمر نظام الأسد، وشركات فرنسية وبريطانية وتركية تتحضر للتوقيع، بعد أن وقعت أربع شركات سعودية، عقود المسج الجيوفيزيائي والاستكشاف واتفاقات دعم فني. المعرفة وفضلاً على أنها حق السوريين الذين ثاروا على نظام مصادرة حقوقهم وكبت حرياتهم وإساءة توزيع ثرواتهم، يمكن أن تصبّرهم على سِنِيّ الانتظار، ريثما يبدل النفط من واقعهم عبر زيادة موارد الخزينة، واستعادة التوازن النقدي، وفعالية أدوات الإدارة المالية، فعائدات تصدير 200 ألف برميل نفط، تنقل سورية والواقع المعيشي وسعر صرف الليرة، من إلى.

العربي الجديد

———————————

سوريا.. ثروات ضخمة وتحول اقتصادي بعد استعادة المنطقة الشرقية/ شام السبسبي

تعيش سوريا مرحلة تحول اقتصادي مع استعادة الحكومة السيطرة على معظم المنطقة الشرقية، لا سيما محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، نظرا لما تختزنه هذه المنطقة من ثروات باطنية وزراعية تشكل ركائز أساسية للاقتصاد السوري.

ويترقب السوريون خلال أيام تطبيق اتفاق 18 يناير/كانون الثاني بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الذي يقضي بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة، وتسلم دمشق إدارة المنشآت الحكومية والمعابر الحدودية والسجون وحقول النفط والغاز.

وأعلنت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية قبل أيام تمديد اتفاق وقف إطلاق النار بينهما 15 يوما.

معلومات عن منطقة الجزيرة

وتقع منطقة الجزيرة في أقصى شمال شرقي سوريا وتمتد بين نهري دجلة والفرات وعلى تماس مباشر مع الحدود العراقية التركية، وتضم محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، مشكّلة نحو 41% من مساحة البلاد، وتعد إحدى أكثر المناطق السورية تركيزا للموارد الطبيعية.

وتعرف الجزيرة بأنها سلة الغذاء السورية وخزانها المائي والنفطي، إذ تحتوي على نحو 64% من الموارد المائية في البلاد، وتنتج أكثر من نصف محصول القمح السوري بما يتجاوز مليوني طن سنويا، تتركز 45% منه في محافظتي الحسكة والرقة، بإجمالي يناهز مليونا و800 ألف طن.

كما تسهم المنطقة بنحو 62% من إنتاج القطن الذي يمثل ركيزة أساسية لصناعة النسيج، وتتصدر محافظة الحسكة هذا الإنتاج بنسبة 38%.

وتشير التقديرات إلى أن إسهام الإقليم في الاقتصاد الوطني بلغ 27% مطلع الألفية، ثم تراجع إلى 19% قبيل عام 2011، نتيجة النزاعات التي أصابت أحد أعمدة الاقتصاد السوري بالشلل.

ووفق معطيات صادرة عن وزارة الزراعة الأميركية (خدمة الزراعة الخارجية) توزع إنتاج القمح السوري خلال موسم 2024/2025 بين محافظات المنطقة على النحو التالي:

إعلان

    الرقة 23% من الإنتاج الوطني.

    الحسكة 22%.

    دير الزور 10%.

ولا تقل الثروة الحيوانية في الجزيرة أهمية، إذ تمثل أكثر من 37% من الإنتاج الزراعي بقيمة تقدر بنحو 3 مليارات دولارات و170 مليون دولار.

وكانت محافظة الحسكة تضم قبل الأزمة أكبر قطيع أغنام في سوريا بأكثر من 3 ملايين رأس.

إعادة تنشيط الاقتصاد

يرى المستشار الأول في وزارة الاقتصاد والصناعة الدكتور أسامة القاضي أن استعادة السيطرة على محافظات الجزيرة السورية، وفي مقدمتها الحسكة، تمثل دفعة مباشرة لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني.

ويوضح القاضي للجزيرة نت أن نحو ثلث الناتج القومي السوري قبل عام 2011 كان يعتمد على النفط والغاز المتركزة حقولهما في هذه المنطقة.

ويشير إلى أن عودة الحسكة تتيح للدولة تأمين موارد مهمة للخزينة العامة، ما ينعكس على تحسين مستوى المعيشة وتعزيز القدرة على إدارة المالية العامة.

كما أن عودة الحسكة إلى الدولة تمكن الحكومة – بحسب القاضي – من ضبط المعابر الخارجة عن السيطرة، والحد من تهريب البضائع، ولا سيما القادمة من الأسواق المجاورة، إضافة إلى تنظيم تسويق محاصيل القمح والقطن وضمان وصول عائداتها إلى الخزينة بدل تسربها خارج القنوات الرسمية.

ويؤكد القاضي أن هذه التطورات قد تفتح الباب أمام فرص عمل واسعة في قطاعات النفط والزراعة والتصنيع الزراعي، بالتوازي مع خطط لإعادة إحياء محافظات عانت من الإهمال لعقود، فضلا عن دعم الكهرباء والقطاع الصناعي، بما يشجع دخول الاستثمارات ويجعل الجزيرة السورية قاطرة محتملة للتنمية.

معادلة الأمن الغذائي

من جهته يرى الباحث الاقتصادي عبد السلام العمر أن استعادة الدولة السيطرة على مناطق الجزيرة السورية تشكل متغيرا بنيويا في معادلة الأمن الغذائي والميزان التجاري، نظرا للوزن النسبي المرتفع الذي تمثله هذه المناطق في إنتاج الحبوب، ولا سيما القمح، وفق تقديرات المؤسسات الدولية المعتمدة.

ويقول العمر للجزيرة نت إن مساهمة محافظات الرقة والحسكة ودير الزور بما يزيد على نصف الإنتاج الوطني من القمح تتيح للدولة هامشا واسعا لإعادة هيكلة سياسة القمح، عبر الانتقال من نمط الاعتماد على الاستيراد إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي الجزئي.

بدوره، يؤكد المحلل الاقتصادي يونس الكريم للجزيرة نت أن المناطق الشرقية تواجه تحديات كبيرة في قطاع زراعة القمح، أبرزها الحاجة إلى استقرار أمني وعسكري، إضافة إلى تأثيرات الجفاف.

ويشدد الكريم على أن معالجة هذه التحديات تتطلب دعما تركيا حقيقيا، خصوصا في ما يتعلق بتأمين المياه وإعادة تشغيل معمل الأسمدة، بما يساهم في دعم الزراعة وخفض تكاليف الإنتاج.

احتياطات النفط والغاز

بالعودة إلى ثروات المنطقة المستعادة، تشير تقديرات رسمية سورية وتقارير دولية إلى أن سوريا تمتلك احتياطياً نفطيا يقدر بنحو 2.5 مليار برميل، وفق بيانات متداولة عن وزارة النفط السورية وتقارير طاقة دولية، مع وجود تقديرات أعلى غير مؤكدة ترفع الرقم إلى نحو 7 مليارات براميل.

وتتركز النسبة الكبرى من الحقول النفطية المنتجة تاريخيا في المنطقة الشرقية، ولا سيما في دير الزور والحسكة.

وبحسب دراسات بحثية وتقارير طاقة، كانت حقول شرق الفرات تمثل قبل الحرب نحو 70% إلى 80% من القدرة الإنتاجية النفطية السورية، مع وجود حقول بارزة مثل العمر، والتنك، والجفرة، والسويدية، والرميلان.

إعلان

أما في قطاع الغاز، فتقدر الاحتياطيات المؤكدة بنحو 285 مليار متر مكعب، وفق بيانات حكومية سورية نقلتها تقارير متخصصة، ويستخرج جزء مهم من الغاز المصاحب للنفط من حقول شرق البلاد، ما يمنح المنطقة وزنا مضاعفا في ملف الطاقة.

ويوضح الخبير الاقتصادي علي محمد في تعليق للجزيرة نت أن سوريا تمتلك احتياطيا جيولوجيا كبيرا من النفط والغاز يتركز معظمه في منطقة الجزيرة، وأن التطورات الأخيرة تعني إمكانية استعادة الإنتاج النفطي والغازي تدريجيا لتلبية متطلبات الاستهلاك المحلي أولا، ثم الانتقال إلى التصدير.

وأشار إلى أن آبار الفرات تشكل النسبة الأكبر من الإنتاج اليومي الذي يصل اليوم إلى نحو 100 ألف برميل، مع إمكانية مضاعفة الإنتاج خلال فترة زمنية قصيرة في حال توافر الخبرات والشركات المختصة، ما يفتح الباب أمام وقف الاستيراد وتحويل الفائض إلى مورد تصديري.

وتضم الحسكة حقولا نفطية أبرزها:

    حقل السويدية الذي كان ينتج نحو 116 ألف برميل يوميا قبل 2011 لكن إنتاجه حاليا لا يتجاوز 7 آلاف براميل، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور.

    حقل رميلان الذي كان ينتج 100 ألف برميل يوميا في 2011، وانخفض حاليا إنتاجه أيضا إلى نحو 7 آلاف براميل فقط.

    حقل الجبسة الذي يضم أحد أكبر معامل إنتاج الغاز في سوريا، بطاقة كانت تتجاوز 3 ملايين متر مكعب يوميا قبل عام 2011، إلى جانب معمل غاز السويدية الذي كان ينتج آلاف أسطوانات الغاز يوميا.

    حقول أخرى أصغر كحقل كراتشوك وحقل الهول إلى جانب مئات الآبار النفطية المنتشرة على كامل جغرافية المحافظة.

إدارة قبل الاستثمار

وحول استغلال ثروات الطاقة، يجمع خبراء اقتصاد وطاقة على أن أي مسار لتعافي الاقتصاد السوري أو إعادة الإعمار سيبقى مرتبطا بشكل مباشر باستقرار وإدارة موارد المنطقة الشرقية، نظرا لما تختزنه من ثروات قادرة، في حال استثمارها بشكل مؤسسي وقانوني، على إعادة تحريك عجلة الاقتصاد الوطني.

ويقول الخبير المالي والمصرفي فراس شعبو للجزيرة نت إن المسألة لا تقتصر على السيطرة الجغرافية على المنطقة الشرقية فحسب، بل تتطلب إدارة واستثمارا وتوظيفا اقتصاديا فعالا، مشددا على أن قوات قسد بددت الموارد خلال فترة سيطرتها على تلك المناطق، وفق تعبيره.

ويضيف أن قطاع الطاقة من نفط وغاز يمثل عاملا أساسيا في تخفيف الأعباء عن الحكومة عبر تقليل الاستيراد، والتحول التدريجي من دولة مستوردة إلى دولة مصدرة، الأمر الذي ينعكس إيجابا على الميزان التجاري السوري.

وفي شأن حقول النفط يوضح شعبو أنها ستعود إلى العمل، لكنها تحتاج إلى وقت لإجراء عمليات الجرد والدراسة الفنية لمعرفة الاحتياجات والقدرة الإنتاجية ومتطلبات الصيانة، إضافة إلى ما يعرف بعملية “العمرة” أي إعادة التأهيل الشامل.

ويقول المحلل الاقتصادي يونس الكريم، إن الحديث عن دمار شامل في البنية التحتية للحقول النفطية فيه قدر من المبالغة، ويضيف أن الخيار الأكثر جدوى يتمثل في توجيه النفط نحو التكرير لتلبية احتياجات السوق المحلية، ثم بيعه داخليا بالسعر العالمي بعد تحرير أسعار الطاقة.

ويشير إلى أن هذا المسار يحقق عوائد أعلى للدولة، ويسهم في تغطية الطلب المحلي وخفض الضغط على الدولار، محذرا من أن أي خطوة استثمارية في الوقت الراهن ستشكل خسارة مؤكدة، فالشركات الدولية – كما يقول – ستدخل بشروط قاسية مستفيدة من ضعف إمكانيات الحكومة وقلة البيانات المتوفرة لديها.

المصدر: الجزيرة

——————————-

فاتورة الكهرباء الأولى للسوريين بعد رفع الأسعار… تفوق الراتب/ نور ملحم

27 يناير 2026

لم ينتظر سوريون كثيرون طويلاً لاكتشاف أثر رفع الحكومة لتعرفة الكهرباء، إذ جاءت الفاتورة الأولى بعد القرار كفيلة بإشعال موجة من الغضب والقلق، خصوصاً لدى أصحاب الدخل المحدود من موظفين ومتقاعدين، وجدوا أنفسهم أمام أرقام لا تتناسب مع رواتبهم الثابتة ولا مع ساعات التغذية المحدودة.

وكانت وزارة الطاقة قرّرت تنفيذ التعرفة الجديدة بدءاً من شهر يناير/ كانون الثاني الجاري، في إطار مشروع إصلاح قطاع الكهرباء وتحقيق الاستدامة وتحسين الخدمة، حيث توزع التعرفة على أربع شرائح تراعي الفئات الاجتماعية ومستويات الاستهلاك المختلفة. الشريحة الأولى، لأصحاب الدخل المحدود، حتى 300 كيلو واط سيكون سعر الكيلو واط الواحد 600 ليرة سورية، والشرائح الأخرى تتراوح بين 1400 و1800 ليرة (الدولار = نحو 11800 ليرة).

صدمة الفاتورة الأولى

يقول الموظف في إحدى الدوائر الحكومية بدمشق فادي زكريا إن فاتورة الكهرباء الأخيرة شكّلت “صدمة حقيقية”، موضحاً لـ”العربي الجديد” أن الاستهلاك لم يتغير مقارنة بالأشهر السابقة، لكن القيمة تضاعفت. ويضيف أن راتبه الشهري بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية، متسائلاً: “كيف يمكن تحمّل زيادة جديدة على خدمة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها؟”.

وتقول جميلة الشجاع، متقاعدة تقيم في ريف دمشق، إن الفاتورة التهمت جزءاً كبيراً من دخلها التقاعدي، رغم محاولات الأسرة المستمرة لتقليل الاستهلاك.

وتقول لـ”العربي الجديد” إن إطفاء الإنارة وتقنين استخدام الأجهزة الكهربائية لم يعودا كافيين للتخفيف من العبء، مؤكدة أن المتقاعدين من أكثر الفئات تضرراً في ظل دخل ثابت لا يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة. ويشير عدد من المواطنين الذين راجعوا مكاتب جباية الكهرباء في دمشق وريفها إلى أنهم فوجئوا بقيم فواتير مرتفعة، من دون القدرة على التحقّق منها إلكترونياً بعد إيقاف خدمة الاستعلام عن الفواتير عبر المنصات الرقمية.

ويقول هؤلاء إنهم لم يعرفوا قيمة الفاتورة إلا عند مراجعة المكتب، حيث صُدموا بأرقام مضاعفة مقارنة بالأشهر السابقة، في وقت يرون فيه أن أسعار الكهرباء في دول عديدة باتت أقل كلفة رغم تحسن الخدمة. ويؤكد بعضهم أنهم لن يتمكنوا من تسديد هذه الفواتير في ظل أوضاعهم المالية الصعبة، معتبرين أن عدم الدفع أصبح خياراً قسرياً أكثر منه قراراً.

الفاتورة أكثر من ضعف الراتب

يقول محمد النابلسي، وهو موظف أربعيني، إن فاتورة الكهرباء أخيراً بلغت نحو مليوني ليرة سورية، في حين لا يتجاوز راتبه الشهري 900 ألف ليرة. ويوضح لـ”العربي الجديد” أن هذا الرقم يفوق قدرته على الدفع، ما دفعه إلى اتخاذ قرار بعدم تسديد الفاتورة في الوقت الحالي، حتى لو أدى ذلك إلى فصل العداد. ويضيف أن إعادة العداد لم تعد أولوية بالنسبة له في ظل الظروف المعيشية القاسية، معتبراً أن الوضع “أصبح صعباً جداً ويحتاج إلى تدخل سريع” قبل أن تتفاقم الأزمة أكثر.

في المقابل، تبرر المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء آلية التسعير الجديدة بالاستناد إلى دراسات فنية. ويؤكد مدير المؤسسة خالد أبو دي، لـ”العربي الجديد”، أن تحديد استهلاك الأسر التي لا تمتلك عدادات كهربائية بـ400 كيلو واط ساعي شهرياً جاء بناءً على دراسات أظهرت أن الاستهلاك الوسطي للأسر المزودة بعدادات يبلغ نحو 300 كيلو واط ساعي، في حين يتراوح استهلاك الأسر غير المزودة بعدادات بين 550 و600 كيلو واط ساعي. ويشير إلى أن اعتماد رقم 400 كيلو واط ساعي اعتُبر حداً أدنى عادلاً وأقل كلفة على المواطنين مقارنة بالاستهلاك الفعلي.

ووفق أبو دي، تُحتسب أول 300 كيلو واط ساعي من هذا الاستهلاك ضمن الشريحة الأولى بسعر 600 ليرة سورية للكيلو واط، بينما تُحتسب المئة كيلو واط المتبقية وفق الشريحة الثانية بسعر 1400 ليرة سورية للمشتركين على الخطوط غير المعفاة من التقنين. أما الخطوط المعفاة من التقنين، فيُحتسب الاستهلاك ذاته بسعر ثابت يبلغ 1700 ليرة سورية لكل كيلو واط ساعي. لكن هذه التوضيحات لا تبدّد مخاوف مواطنين يرون أن المشكلة لا تكمن فقط في طريقة الاحتساب، بل في الفجوة الواسعة بين الدخل والأسعار. ويقول العامل في ورشة خاصة أبو جمعة، لـ”العربي الجديد”، إن دخله غير ثابت ويتأثّر بتراجع العمل، ومع ذلك تُفرض عليه فواتير “لا تراعي الواقع المعيشي”، مضيفاً أن الكهرباء، رغم التقنين الطويل، تحولت إلى عبء إضافي يثقل كاهل الأسر.

تركيب عدادات كهربائية

وفي ما يتعلق بمطالب المواطنين بتركيب عدادات كهربائية، يفيد أبو دي بأن المؤسسة تعمل على معالجة النقص، مشيراً إلى التواصل مع دول شقيقة ومجاورة لتأمين عدادات، إضافة إلى إطلاق مناقصات جديدة بعد تعديل دفاتر الشروط الفنية. ويوضح أن موعد إغلاق المناقصة الجديدة سيكون مطلع فبراير/ شباط 2026، على أن يبدأ توريد العدادات بعد أربعة أشهر، تمهيداً لبدء التركيب مع مطلع آب من العام نفسه.

وتخطط المؤسسة، بحسب مديرها، لتأمين نحو ستة ملايين عداد أحادي الطور و500 ألف عداد ثلاثي الطور (قدرة تحمل أكبر)، بما يتناسب مع عدد المشتركين البالغ نحو 6.5 ملايين مشترك في مختلف المحافظات، على أن تستغرق عملية الاستبدال بين ثلاث سنوات وثلاث سنوات ونصف السنة، مع هدف معلن بأن تكون جميع الأسر في سورية مزودة بعدادات كهربائية بحلول منتصف عام 2027. وبينما ترى الجهات الرسمية أن رفع التعرفة ضرورة مرتبطة بتكاليف الإنتاج، يؤكد مواطنون أن أي إصلاح في قطاع الكهرباء لا يمكن أن يكون ناجحاً ما لم يترافق مع تحسين حقيقي في مستويات الدخل، محذرين من أن الفاتورة الأولى بعد الرفع لم تكن مجرد رقم جديد، بل مؤشراً إضافياً على عمق الأزمة المعيشية.

العربي الجديد

———————————

الطبقة الوسطى في سورية… إلى أين؟/ فاتح كلثوم

27 يناير 2026

الطبقة الوسطى إحدى الركائز الرئيسية في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السورية، منذ نشأتها إلى أن بدأت الأمراض التي رافقت بدايتها تغزو جسدها بشكل صريح مع  دخولنا الألفية الثالثة، حتى وصلت إلى ذروة تآكلها في السنوات العشر الأخيرة، لتترك فراغاً خطيراً.

تراجع الخطاب الوطني الجامع لحساب الخطابين الطائفي والعرقي إلى درجة خلط الأوراق. من هنا، يصبح البحث في مسار هذه الطبقة التي لعبت دور صمام الأمان لعقود سابقة ضرورة لفهم الماضي، ومردّه على الحاضر، ومن ثم الولوج إلى المستقبل بخطوات ضامنة لتحقيق الحد الأدنى كبداية من تلك الطموحات؟

النشأة والتطور التاريخي

منذ أواخر العهد العثماني، ونتيجة حتمية للتطورات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية والإقليمية، التي رافقت تلك المرحلة، وما تلاها من تقلباتٍ سياسيةٍ واقتصادية كان لها أثر مباشر على تفكيك البنية الاجتماعية والاقتصادية السابقة في سورية الوليدة في تلك المرحلة المضطربة، وتوازياً مع حالة الفقر التي كانت سائدة بشكل واسع في الأوساط الشعبية الريفية والحضرية على حدَ سواء، والبحث عن مصادر أقلّ شقاءً للعيش، بدأت بالظهور تدريجياً شرائح اجتماعية جديدة في (دمشق – حلب – حمص – حماه) قوامها الحرفيون من أصحاب المهن اليدوية المعتمدة في إنتاجها بشكل رئيسي على مستلزمات البيوت الفقيرة، والأدوات الزراعية البسيطة، تُجاورها شريحة ثانية من التجار الصغار الذين سيتجاوزون دور الوساطة الاقتصادية بين الريف والمدينة ليلعبوا دوراً موازياً مهماً في نشر الوعيين المدني والقومي، من خلال نقل المعرفة والأخبار بين المدينة والريف، تحت إشراف شريحة من رجال الدين وموظفي الدولة المحليين الذين بدأوا بعد الاستقلال بالظهور باعتبارهم جزءاً اجتماعياً لا يُستهان بدوره في نمو التعليم بين أفراد المدن، لينتقل بدوره إلى الأرياف المجاورة، ليفسح لهم تدريجياُ، ومن دون قصد، مكاناً صلباً في الوظائف الحكومية يخوّلهم التحكّم بمسيرة شركائهم الأوائل من الحرفيين والتجار الصغار (البرجوازية الصغيرة) من أبناء المدن، التي رأت في التعاون مع البيروقراطية الحكومية الصاعدة سبيلاً للصعود بطموحاتها الاقتصادية، بينما رأى جزء من شريحة الموظفين الجدد من أهل النشأة الريفية بشكل خاص أن توأمها عدوٌّ لها، خصوصاً بعدما بدأ الأول بتطوير منشأته الحرفية، وتجارته، بالتعاون مع ملاكي الأراضي السابقين، من الذين باتوا على قناعة بأن الاستثمار في مجال التجارة والصناعة سيخوّلهم ليكونوا جزءاً من أصحاب القرار، بعدما خسروا الجزء الأكبر منه توازياً مع التقلبات السياسية والاقتصادية، المتنامية بشكل ملحوظ، بعد أفول نجم الدولة العثمانية. وقد أفسح هذا الصراع الناعم المجال لظهور الطبقة الوسطى، بطموحاتٍ سياسيةٍ وطنية، منقسمة بين الدفاع عن مصالح النخبة البرجوازية الناشئة في (حمص – حلب ـ حماه) الذين يرون في الإسلام السياسي طريقاً لإحياء الماضي من أجل بناء هوية اقتصادية وطنية عربية إسلامية للوطن الجديد، وبين “البرجوازية الدمشقية” برؤيتها الليبرالية، المستمدة نظرياً من التجربة الغربية، والفئة الثالثة من الطبقة الوسطى الناشئة كانت ممثلة بامتياز لطموحات الشريحة الاجتماعية المهمشة ونخبتها المتعلمة من مختلف المدن والقرى والبلدات السورية، وهم الذين آمنو بضرورة الأخذ بالتجربة الاشتراكية لتحيق العدالة الاقتصادية بين أبناء الوطن الواحد. ومع أن هذا الصراع قد أدّى بالطبقة الوسطى الناشئة إلى حالة من التأرجح الدائم بين تلك الإيديولوجيات، إلا أنها استطاعت مجتمعة نشر الوعي القومي، وتعميم المعرفة والتعليم في أنحاء البلاد، وإنشاء جيش وطني، وجهاز بيروقراطي تحاكي مؤسساته التنفيذية تراتبية الدولة الحديثة، إضافة إلى الحالة البرلمانية المتقدّمة في تلك المرحلة على البلدان المجاورة، والتي ستبدأ بالتخلي عن ريادتها التمثيلة الحيادية للقرارات التشريعية والسياسية، مع هيمنة حزب البعث في العام 1964 بشكل شبه مطلق على مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.

التحوّلات البنيوية في المجتمع السوري (1963-2011)

منذ وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، دخلت سورية مرحلة جديدة من التحوّلات البنيوية، التي أعادت تشكيل الطبقات الاقتصادية والاجتماعية بشكل يتوافق مع الرؤية السياسية الاشتراكية، التي استطاعت إبعاد خصومها من التيارين الليبرالي والإسلامي من ذوي المرجعية التابعة للمدن الكبرى، وأعادت تشكيل طبقة وسطى جديدة أنضوت تحت لوائها من أبناء المدن نخبة من البرجوازية الصغيرة وكتلة صلبة من الموظفين الحكوميين العسكريين والمدنيين، معظمهم من أبناء الريف، تلك الطبقة سيكون لها الفضل في تحسين البنية التحتية في كثير من المناطق الريفية (مدارس – طرقات – كهرباء) وفتح أبوب التعليم العالي المجاني للجميع ومن الجنسين، وإيصال المهمّشين في المدن وأبناء الفلاحين والنساء إلى الوظائف الحكومية، بدأّ من محيطهم الجغرافي وصولاً إلى مكاتب القرار في المدن الكبرى، ما عزّز  كسر البنية الريفية التقليدية لصالح واجهات اجتماعية متعلّمة معتمدة في صعودها على المراكز الوظيفية الحكومية، والمساهمة في إيجاد فضاء أزال الفوارق الاجتماعية والطبقية التقليدية في الريف والمدينة نتيجة اندماج أبناء الريف مع سكان المدن. إلّا أن الإيجابيات تلك حملت، في الوقت نفسه، سلبيات سيكون لها تأثير على بنية الدولة والاقتصاد والمجتمع، ففي الريف تراجع الاستثمار الزراعي إلى حدود 18% بين عامي 1964-2000 بسبب هجرة 30% من شباب الريف إلى المدينة للالتحاق بعمل وظيفي. ومع ارتفاع حدة الهجرة من الريف استمر تراجع الاستثمار في الاقتصاد الزراعي ليصل في العام 2011 إلى نسبة تراوح بين40 و50% مقارنة مع ما كانت عليه ببداية حكم “البعث”، فالريف السوري استفاد من التعليم والخدمات، لكنه دفع ثمناً باهظاً بسبب فقدانه دوره الإنتاجي التقليدي، واعتماده على الدولة.

غيّرت هذه التحولات البنية الاجتماعية للريف جذرياً، من مجتمع زراعي مستقل إلى مجتمع مرتبط بالبيروقراطية والوظائف الحكومية. وعلى صعيد المدن، أدّت الهجرة غير المنظمة من الريف إلى قضم مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية لصالح أحياء عشوائية، ما أدّى إلى تشويه الوجه الجمالي للمدينة، وتراجع في الخدمات العامة، تزامن مع مضايقة وتشويه متعمد لدور البرجوازية التقليدية والبرجوازية الصغيرة المرتبطة بها لصالح الطبقة الوسطى المرتبطة بالولاء للسلطة الحاكمة، ورعاية الدولة لتلك الطبقة أدّت إلى تضخم جهازها بموظفين ضعيفي الكفاءة، معتمدين في الترقيات على الولاءات الحزبية والأمنية والمحسوبيات البعيدة عن المصلحة العامة، ما أدّى منذ ثمانينيات القرن المنصرم إلى عجز بالميزانية العامة للدولة، انعكس على الوضع المعيشي. وسيتابع هذا الوضع ارتفاعاً في معدله البياني، ليصل إلى مدى الانفلات من السيطرة عليه من الدولة مع سياسات التحرّر الاقتصادي، غير المنضبطة، التي اعتمدتها الحكومة المرتبكة في العقد الأول من الألفية الجديدة، وأدّت إلى توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وارتفاع تكاليف المعيشة لشريحة كبيرة من العاملين في الدولة، فيما وجد أصحاب المهن الصغيرة، والمصانع المتوسّطة، أنفسهم خارج السوق، بسبب عدم قدرتهم على منافسة البضاعة المستوردة جرّاء ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة تراجع الليرة السورية أمام الدولار، والفساد البيروقراطي الذي بات عائقاً أمام تطورها. ومع ذلك، لم تصل الأمور إلى الانهيار الكامل، إذ بقيت الطبقة الوسطى قادرة على الصمود جزئياً بفضل شبكاتها الاجتماعية، لكنها فقدت تدريجياً قدرتها على الادخار أو الاستثمار، ما جعلها أكثر هشاشة وارتباكاً أمام أي أزمة سياسية أو اقتصادية. هذا الارتباك بات يرتقي في العام 2011 إلى مرتبة التوتر، ويطالب الشريحة المثقفة من هذه الطبقة بالدعوة إلى الثورة.

دور الطبقة الوسطى في الثورة السورية

لم يكن اندلاع شرارة الثورة السورية مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل عمره نصف قرن، فقد الريف خلاله دوره الإنتاجي، والمدينة تضخمت بلا أفق اقتصادي واضح، وسجل تراجع مستمر في الميزانية العامة للدولة بسبب تضخم الجهاز البيروقراطي، وتراجع الإنتاج في الكثير من القطاعات الحكومية، وتفشى الفساد على أوسع نطاق، كل تلك العناوين العريضة التي تنضوي تحتها آلاف التفاصيل، وفر للشريحة المثقفة من أفراد الطبقة الوسطى الدعوة إلى التغيير والأرضية الصلبة لتستلم دور الريادة في الحراك السلمي المدني، من خلال تنظيم الاحتجاجات والمظاهرات السلمية، ولجان التنسيق بين القوى المؤثرة وباقي أفراد الشعب من الذين انضووا تحت راية الثورة في المناطق المحلية، وربط القيادات والشعارات مع مدن وبلدات ثائرة أخرى، إضافة إلى ادارة شبكات دعم محلية وعربية ودولية مؤيدة وداعمة للحراك السلمي، بالتوازي مع إنتاج شعاراتٍ تطالب بالحرية والديمقراطية وضرورة التغيير السياسي، شعارات ثورية بعيدة عن المناطقية والطائفية والطبقية، كانت قادرة على أن توحد كل مكونات الشعب السوري تحت لوائها، يرافقها إعلام بديل لإعلام النظام الذي كان سائداً بين شرائحها المتعددة قبل 2011. ومع ارتفاع حدّة التوتر، وتعرّض الشريحة الريادية للاعتقال والتهجير، وتصاعد القبضة الأمنية للسلطة وأعمال العنف المرافقة لها، انزلقت الأوضاع نحو الحرب خياراً لا بد من أن يترافق مع تشكل فصائل مسلحة (معظمها من الأرياف التي عانت التهميش) برؤى وأهداف مختلفة، غيّرت طبيعة الثورة، ما ساهم في أن تفقد الطبقة الوسطى مهامّها الرئيسة، بوصفها عامل استقرار واستقطاب لجميع السوريين، وتتحوّل إلى مجموعات مشتتة تحت راية خطاب دموي – طائفي، أدخل البلاد في سراديب متاهات اقتصادية، تتفاقم يوماً بعد يوم، مع العقوبات الدولية، وانهيار قيمة الليرة السورية، ليفقد الجزء الأكبر من هذه الطبقة مصادر دخله ويلتحق بالطبقة الأكثر فقراً في البلاد، ما أدى إلى سيطرة هاجس مغادرة البلاد على كثيرين. أما من بقوا في الداخل، فقد اضطر قسم منهم للعمل في اقتصاد الحرب تحت حماية سلطات المليشيا المسيطرة في بقعته الجغرافية، أو الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

الانعكاسات الاجتماعية: 2011-2025

مع تصاعد وتيرة الحرب والانقسامات الطائفية والسياسية، وانخفاض معدّل النمو المرافق لتراجع القيمة الشرائية لليرة السورية، والعقوبات الدولية، والسياسات الاقتصادية المرتبكة للدولة، وتفشي الفساد في الجهاز البيروقراطي الحكومي بشقّية المدني والعسكري، الذي امتهن جني الإتاوات، كل ذلك ساهم بإضعاف المهنيين والتجار الصغار، وأبرز طبقة ريعية من أثرياء الحرب الذين امتهنوا التهريب ونقل الأموال إلى خارج البلاد، تلاها بعد سقوط النظام تسريح أكثر من 40% من العاملين في القطاع العام، معظمهم من جهازي الجيش والشرطة وأصحاب العقود الموسمية والسنوية، إضافة إلى انخفاض طلب العمالة في القطاع الصناعي الخاص، وتراجع القوة الشرائية في الأسواق التجارية.

وتفيد البيانات بأن نسبة الطبقة الوسطى انخفضت من 60% قبل اندلاع شرارة الحرب إلى أقل من 10% بعد انقضاء عام على سقوط النظام البائد في نهاية 2024، بينما انضمت الغالبية منها إلى طبقة الفقراء، التي وصلت إلى 90% من المجتمع السوري. تلك الأسباب مجتمعة أدّت إلى دخول هذه الطبقة مرحلة الانهيار بشكلٍ شبه كامل، وفقدان البلاد الفئة التي كانت (رغم هشاشتها، واضطرابها، واعتماد اقتصادها على الدولة) قادرة على تحقيق التوازن الاجتماعي والأخلاقي والأمني، ما أدّى في السنوات العشر الأخيرة إلى اتساع الفجوة الطبقية بين الثراء والفقر، ترافق مع اتساع وارتفاع حدة الخطاب الطائفي والمناطقي، الانفصالي، بعد سقوط النظام، ما تسبب في فقدان الأمل وعدم الرغبة بالعودة لدى الكثيرين ممن أجبروا على مغادرة البلاد من النخبة المتعلمة، من أطباء ومهندسين، وناشطين سابقين في المجتمع المدني، لا بل من بقي منهم داخل البلاد بات يبحث عن حلول فردية معظمها داعية إلى الهجرة، ما تسبّب في إضعاف البنية الاجتماعية والمعرفية، وتراجع في المجال الوطني العام، إذ لم تعد هناك قوة اجتماعية قادرة على الضغط على أصحاب القرار السياسي من أجل الإصلاح، أو إنتاج خطاب مدني، وطني، جامع لكل السوريين.

خريطة طريق لإعادة إحياء الطبقة الوسطى

في الظروف الحالية التي تعاني منها سورية، بسبب التمزق الجغرافي، وتقاسم مناطق النفوذ بين قوى محلية ودولية، الذي يترافق مع تفكك اجتماعي جراء عدم قدرة الدولة في الوقت الراهن على خلق بيئة ملائمة لإعادة سكان المخيمات إلى مناطقهم السابقة، واستمرار النزوح والهجرة داخل البلاد وخارجها، وفقدان الثقة بين مكونات الشعب، وتراجع الروابط المناطقية والاجتماعية التقليدية، إضافة إلى الصعوبة التي تقف عائقاً أمام استقدام مستثمرين، يصبح الحديث عن إمكانية تشكّل طبقة وسطى وطنية قادرة على إعادة التوازن للمجتمع أمراً معقداً للغاية، إلا أنه في الوقت ذاته ليس بالمستحيل. يرى الكثير من الباحثين والناشطين المدنيين أن المعرفة والمهارات التي ما زالت لدى السوريين، في الداخل والخارج، يمكن أن تكون بذرة حية لاستعادة هذه الطبقة دورها التقليدي إلى واجهة المجتمع، والبداية تبدأ من إصلاح إداري وسياسي يضمن لجميع المكونات والخبرات حقها ضمن عقد اجتماعي واقتصادي جديد يعيد الاعتبار للرأسمالية الوطنية، والمنظمات النقابية، والوظائف العامة في أجهزة الدولة، يترافق مع دعم التعليم، وتمكين الشباب، والمرأة، وتعزيز الهوية الوطنية، وإعادة الخدمات العامة، والإنتاج المحلي، من خلال تقديم التسهيلات والدعم للمهن الأساسية في القطاعات الخدمية، والصناعية والتجارية، والزراعية بشكل خاص. وإذا كانت تلك الأولوية تمثل رأس الهرم لإعادة الطبقة الوسطى إلى أخذ دورها الاجتماعي، الاقتصادي، والسياسي، فإن انجازها يتجاوز مداه ثلاث سنوات. قد يستغرق إنجاز الأولوية الثانية سبع سنوات على الأقل، وعلى عاتقها إعادة الإعمار، لكونه الضامن لإعادة اللاجئين، وإيجاد فرص عمل للشباب، وجذب الأموال من الخارج للاستثمار في هذا المجال. الأولوية الثالثة يقع على عاتقها العمل على تنمية مستدامة ذات أرضية صلبة تؤهلها للاندماج في النشاط الاقتصادي الإقليمي، وتكون جزءاً مالكاً منه. ولا بد هنا من القول إن تزامن تلك الأولويات بعضها مع بعض، مع وجود تشاركية في ما بينها، ضمن استراتيجية واضحة وشفيفة من الدولة، سيفسح المجال أمام الطبقة الوسطى لاستعادة مجدها التقليدي، وأخذ دورها الوطني باعتبارها عامل استقرار للبلاد بعيداً عن الاستقطابين الطائفي والإثني الذي يمزّق البلاد والعباد ويمنع الأحلام التي قامت من اجلها الثورة من أن تصبح حقيقة لكل السوريين، لكن من دون إصلاح سياسي واقتصادي عميق ستظل إي محاولات مجرد مسكنات غير قابلة لتقديم الشفاء من أمراض مزمنة تجاوز عمرها نصف قرن من عمر الدولة السورية.

العربي الجديد

———————————–

وزارة الطاقة تخلق أزمة حلها بين يديها/ عبد القادر العبيد

يناير 26, 2026

لا يمكن مقاربة إشكالية الكهرباء في سوريا بوصفها مسألة تقنية محضة، أو خللاً إدارياً قابلاً للمعالجة عبر تعديل تعرفة أو إعادة ضبط شرائح الاستهلاك. فالمسألة، في جوهرها، تعكس اختلالاً أعمق في منهج إدارة القرار العام، حيث تُصاغ السياسات الاقتصادية بمعزل عن إطارها القانوني والاجتماعي، وتُدار المرافق العامة بمنطق مالي تجريدي يتجاهل طبيعتها كخدمات أساسية خاضعة لمبادئ العدالة والمشروعية.

من منظور الفقه الإداري، لا يُعد تسعير خدمات المرافق العامة إجراءً مالياً صرفاً، بل عملاً تنظيمياً محكوماً بمجموعة من المبادئ المستقرة، في مقدمتها مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، ومبدأ التناسب، ومبدأ حماية الحد الأدنى من الحقوق المعيشية. وأي سياسة تسعير تتجاهل هذه المبادئ، حتى وإن بدت منسجمة حسابياً، تكون مختلة من حيث المشروعية، لا من حيث الأرقام فحسب.

الخلل الجوهري في مقاربة ملف الكهرباء يتمثل في التعامل مع السعر بوصفه قيمة مستقلة عن السياق الاجتماعي والاقتصادي. ففي التجارب المقارنة التي يُستشهد بها لتبرير رفع تعرفة الكهرباء، لا يُفصل السعر عن منظومة متكاملة تشمل مستوى الدخل، ونظم الحماية الاجتماعية، وآليات الدعم الموجّه. السعر في هذه الحالات لا يُفهم كرقم مطلق، بل كنسبة من القدرة على الدفع، وهو ما يمنحه مشروعيته الاجتماعية والقانونية.

في الحالة السورية، جرى اعتماد تعرفة قريبة من السعر العالمي في اقتصاد يفتقر إلى الشروط التي تجعل هذا السعر قابلاً للتحمّل. لا شبكات أمان اجتماعي فاعلة، ولا دخل متناسب، ولا سياسات تعويضية مرافقة. وبهذا المعنى، لم تعد الكهرباء تُدار بوصفها مرفقاً عاماً خاضعاً لمنطق الخدمة، بل تحولت إلى عبء بنيوي يُضاف إلى سلسلة أعباء معيشية متراكمة.

تستند وزارة الطاقة في تبرير هذه السياسة إلى حجة مفادها أن الغاز المستخدم في توليد الكهرباء يُشترى بالدولار، وأن شح القطع الأجنبي يفرض تحميل المستهلك جزءاً من الكلفة. غير أن هذه الحجة، عند إخضاعها لتحليل قانوني واقتصادي متكامل، تكشف خللاً واضحاً في ترتيب الأولويات. فهي تتعامل مع العجز بوصفه معطىً خارج السياسة، لا نتيجة مباشرة لخيارات قابلة للمراجعة وإعادة التوجيه.

ويزداد هذا الخلل وضوحاً حين يُلاحظ أن هذه الحجة ترافقت مع تخفيض أسعار المحروقات. فمن منظور السياسات العامة، تُعد المحروقات مورداً سيادياً شديد الحساسية، وقابلاً للنزف عبر التهريب، بخلاف الكهرباء التي تُعد خدمة محلية غير قابلة للتهريب أو التخزين أو التحويل. الإبقاء على أسعار المحروقات قريبة من السعر العالمي لا يُعد إجراءً جبائياً، بل أداة ضبط اقتصادي تهدف إلى منع تسرب الثروة، وتحقيق استقرار مالي، وخلق وفر حقيقي في الموارد.

هذا الوفر، لو أُدير ضمن سياسة طاقوية متكاملة، كان كفيلاً بتغطية جزء معتبر من كلفة توليد الكهرباء، أو على الأقل بتخفيف العجز من دون تحميله مباشرة للمستهلك المنزلي. غير أن تجاهل هذه المعادلة أدى إلى نتيجة معاكسة. استنزاف مورد قابل للتهريب، وتشديد العبء على خدمة غير قابلة له، في خلل واضح في ترتيب الأولويات المالية.

بهذا المعنى، لا يمكن توصيف السياسة الطاقوية بوصفها استجابة اضطرارية لظرف قاهر، بل بوصفها منظومة قرارات متناقضة افتقرت إلى الاتساق الداخلي، وأعادت إنتاج أنماط إدارة قديمة لم تخضع لمراجعة جذرية. ويتجلى ذلك بوضوح في نظام الفوترة والشرائح المعتمد، الذي لا يمكن فصله عن الإرث الإداري والمالي الذي كرّسه النظام السابق، حيث استُخدمت آليات التسعير كأدوات ضغط اجتماعي وإفقار مقنّع، لا كوسائل تنظيم عادلة للاستهلاك.

من الناحية القانونية، لا تكمن الإشكالية في مبدأ الشرائح بحد ذاته، بل في الإطار الزمني الذي يُطبّق فيه. فاعتماد دورة فوترة تمتد لشهرين يفرغ نظام الشرائح من وظيفته الحمائية، ويحوّل الحد الأقصى للاستهلاك من أداة تنظيمية إلى قيد تعجيزي لا يراعي أنماط الاستهلاك المنزلي الطبيعي. ويمكن توضيح ذلك بمثال رقمي دال.

مواطن يستهلك 400 كيلو واط خلال شهرين، في حين أن سقف الشريحة المحددة هو 300 كيلو واط. ووفق ما تعلنه وزارة الكهرباء، تُحتسب الـ 300 كيلو واط الأولى بالسعر الأدنى البالغ 600 ليرة للكيلو، أي بقيمة 180 ألف ليرة، فيما تُحتسب الـ 100 كيلو واط الزائدة بالسعر الأعلى البالغ 1400 ليرة للكيلو، أي 140 ألف ليرة إضافية، ليبلغ مجموع الفاتورة 320 ألف ليرة. غير أن الإشكالية لا تكمن في هذا الاحتساب، بل في أن دمج شهرين في دورة واحدة يجعل تجاوز السقف أمراً شبه حتمي حتى عند الاستهلاك الرشيد، ما يدفع شريحة واسعة من المستهلكين إلى الأسعار الأعلى من دون أن يكون ذلك نتيجة إفراط فعلي.

بهذا المعنى، لا يُعاقَب السلوك الزائد، بل يُعاد تعريف الاستهلاك المعتدل بوصفه استهلاكاً مرتفعاً بفعل تصميم إداري لا يراعي الواقع المعيشي. الزمن هنا يتحول من عنصر محايد إلى عامل تضخيم، في إخلال واضح بمبدأ التناسب وبمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة.

وكان بالإمكان اعتماد مسار مختلف، أكثر انسجاماً مع القانون ومع منطق السياسات العامة. مسار يُبقي أسعار المحروقات ضمن مستواها الحقيقي للحد من التهريب، ويُخفّض تعرفة الكهرباء باعتبارها خدمة محلية غير قابلة للنزف، مع اعتماد دورة فوترة شهرية، ومنح حد أدنى معقول للاستهلاك يحمي الحق في العيش الكريم. هذا المسار لا يتطلب موارد إضافية بقدر ما يتطلب إعادة ترتيب عقلانية للأولويات.

غير أن جوهر المشكلة لا يقف عند حدود القرار الاقتصادي، بل يتجاوزها إلى طبيعة صناعة القرار داخل المؤسسات العامة. فالدوائر الحكومية ما زالت، في كثير من الحالات، تتخذ قراراتها بصورة ارتجالية، بمعزل عن أي تقييم قانوني للأثر الاجتماعي، وكأن القانون يقتصر على الأنظمة الداخلية أو النصوص التنظيمية، لا على الإطار الأشمل الذي يحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع.

القانون، في الدول المتحضرة، لا يُختزل في التشريع، بل يُفهم بوصفه منظومة عدالة ومساواة وتكافؤ أعباء. ورجل القانون، في هذا السياق، ليس موظفاً شكلياً، بل هو “الجوكر”. هو حجر الزاوية في صناعة القرار العام. لا يُتخذ قرار مالي أو خدمي من دون استشارته، ولا تُرسم سياسة عامة من دون أن تكون منسجمة مع رؤية قانونية شاملة تحكم عمل المؤسسة. غياب هذا الدور يحوّل القرارات، مهما بدت منضبطة محاسبياً، إلى إجراءات مرتجلة تفتقر إلى الشرعية الاجتماعية.

في هذا المعنى، لا تُعد الكهرباء مجرد ملف طاقة. إنها معيار عدالة، ومؤشر كفاءة، واختبار صريح لقدرة الدولة على الانتقال من منطق الجباية إلى منطق العدالة. ومن دون هذا الانتقال، ستبقى السياسات تدور في الحلقة ذاتها، مهما تغيّرت الأسماء، ومهما أُعيد تسعير العدّادات.

الثورة السورية

—————————-

ثمانية عوامل لكي تصبح سوريا “فيتنام الشرق الأوسط”/ د. أسامة القاضي

يناير 27, 2026

مساحة فيتنام ضعف مساحة سوريا حيث تبلغ 331 ألف كم مربع، وعدد سكانها خمسة أضعاف سكان سوريا حيث بلغ 102 مليون نسمة، وفيها 54 مجموعة عرقية معترفاً بها من قبل الحكومة الفيتنامية، وسبعة فئات دينية ولادينية.

خرج آخر جندي أميركي من فيتنام في آذار 1973، ولكن ظل الفيتناميون الشماليون مصرّين على استرجاع فيتنام الجنوبية، وظلوا كذلك في حرب حتى كانون الأول 1975 واحتفلوا بدخول سايغون 30 نيسان 1975، وظلت المأساة الاقتصادية والشعب الفيتنامي في بؤسه وفقره حتى بعد خروج الأميركيين.

اتبعت فيتنام سياسات انعزالية بينما عملت الولايات المتحدة بجد لعزل فيتنام اقتصادياً، والذي أتى بنتائج كارثية كما هي حال العقوبات الاقتصادية الغربية والأميركية على النظام السوري. في عام 1976، أعلن المؤتمر الوطني الرابع أن فيتنام ستكمل تحولها الاشتراكي في غضون عشرين عاماً وثبت أن هذا التفاؤل لا أساس له. وبدلاً من ذلك، خرجت فيتنام من أزمة اقتصادية إلى أخرى.

سارت الخطة الخمسية الثانية بشكل سيء للغاية، وانهارت 10000 من أصل 13246 تعاونية اشتراكية بحلول عام 1980، وانخفض دخل الفرد الشهري في الشمال من 82 دولاراً في عام 1976 إلى 58 دولاراً في عام 1980. (وهي بالمناسبة نفس معدل دخل الفرد السوري الآن الذي وصل إلى 25-50 دولار)

بعد الانفتاح على العالم –بعد إزالة العقوبات الاقتصادية والسياسية- وتوقيع اتفاقيات مع الولايات المتحدة والانضمام لعضوية المنظمات الدولية من مثل منظمة التجارة العالمية، ارتفع ناتج الدخل القومي الفيتنامي من 14 مليار دولار عام 1985 إلى 261 مليار دولار عام 2019. وبالعملة المحلية، ارتفع 214 ضعفاً من 28 تريليون دونغ فيتنامي إلى 6 كوادريليون.

معدل النمو الاقتصادي الفيتنامي ارتفع من 3.85% عام 1985 إلى 7% عام 2019 ووصل إلى 9.54% عام 1995. وحصة الفرد من ناتج الدخل القومي الفيتنامي ارتفعت 21 ضعفاً من 377 دولار عام 1985 إلى 8041 دولار عام 2019، ووصلت صادرات فيتنام إلى 248 مليار دولار (2019)، والاحتياطي النقدي إلى 49.5 مليار دولار (2017).

انتعش إنتاج الأرز بشكل كبير، مما جعل فيتنام واحدة من أكبر مصدري الأرز في العالم، كما نمت صادرات الشاي والقهوة بشكل ملحوظ في المدن، بدأت المصانع الجديدة في إنتاج الأحذية والملابس وأجهزة الكمبيوتر التي سيتم بيعها في بلدان أخرى، وبحلول عام 2001  كان الاقتصاد الفيتنامي ينمو بسرعة بنحو ثمانية بالمئة سنوياً.

كان على الفيتناميين الانتظار حتى عام 1986 حتى يبدأوا إصلاحات السوق أو ما أسموه “دوي موي” والتخلي عن التخطيط المركزي. وانفتح الاقتصاد على قوى السوق من العرض والطلب في المناطق الريفية، وأنهت الحكومة العمل الجماعي وسمحت للمزارعين بالاحتفاظ بما زرعوه وبيعه في الأسواق.

لا يصدق المرء عمق العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة الأميركية وفيتنام، رغم كل ما يعلق بالأذهان من صور الحرب الفيتنامية سابقاً، ولكن هي السياسة والمصالح التي تفتح صفحة جديدة مع التاريخ من أجل النهوض بفيتنام لتعويضها عن المآسي، وقد بدأت خطوات  التطبيع في أوائل التسعينيات في عهد الرئيس بيل كلينتون. ففي 1994 رفعت الولايات المتحدة الحظر التجاري المفروض على فيتنام، وبحلول عام 1995 بدأ النهج التدريجي للتطبيع بين البلدين وبناء الثقة، وكأن التاريخ يعيد نفسه مع سوريا حيث استغرق إزالة قانون قيصر عاماً كاملاً تقريباً.

ثم انضمت فيتنام إلى منظمة التجارة في عام 2001، وبعد ست سنوات وقعت اتفاق التجارة الثنائية مع الولايات المتحدة عام 2007. وبموجب الاتفاقية، منحت الولايات المتحدة الأميركية فيتنام وضع الدولة الأكثر تفضيلاً، وبذلك نزلت الرسوم الجمركية من 40% إلى 3%، الجدير بالذكر أن الرسوم الجمركية الأميركية الحالية المفروضة على سوريا هي 41%،  وهناك عمل حكومي على تخفيضها إلى 3%!

قامت فيتنام بإصلاح نظامها التجاري والاستثماري من خلال فتح أسواق الخدمات. وبذلك قفز التبادل التجاري بين البلدين ليصل 451 مليار دولار، حيث وصل حجم الصادرات الفيتنامية للولايات المتحدة 123 مليار دولار عام 2022، بينما كانت 1.5 مليار دولار عام 2001، وباتت فيتنام ثاني أكبر شريك للولايات المتحدة.

السوق الفيتنامية مغرية، حيث تزايدت الاستثمارات الأمريكية لفيتنام بحدود 10-12 مليار دولار سنوياً في بلد يسكنها 100 مليون نسخة، وباتت قاعدة أساسية لتصنيع العلامات التجارية الأميركية مثل نايكي وآبل وأمكور تكنولوجي، وإنتل وغيرها.

إن أهم الدروس المستفادة من التجربة الفيتنامية هي سياسة تصفير المشاكل مع العالم، والالتفات لنهضة فيتنام الوطنية، وكذلك الانفتاح على العالم وخاصة الولايات المتحدة لأنها مفتاح الاستثمارات ونقل التكنولوجيا إلى البلاد، وبفضل العقلية المتصالحة مع العالم باتت فيتنام مركز سلاسل التوريد للتكنولوجيا المتقدمة في العالم.

الأهم من كل ماسبق هو تأهيل العمالة السورية وتعاملها مع الصناعة المتقدمة والتكنولوجيا بحيث يكون لدينا عمالة مؤهلة وتكلفتها منافسة ومغرية بالنسبة للشركات، فمتوسط تكلفة العمالة في فيتنام بعد عقود من الخبرات هي أقل من دولارين في الساعة.

فيتنام لديها خطة تأهيل 50 ألف مهندس متخصص في أشباه الموصلات، رغم كل ما لديها من كوادر، فكم ألف مهندس يجب تأهيله في سوريا لاستقبال شركات أشباه الموصلات والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية؟ في الأشهر الستة الأولى فقط من عام 2025، تم إنشاء ما يزيد عن 152700 مؤسسة جديدة في فيتنام، بزيادة قدرها 26.5 في الائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

بحسب الإحصاءات الحكومية، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في فيتنام أكثر من 322 مليار دولار أميركي بنهاية عام 2024، أي ما يعادل ثلثي الناتج المحلي الإجمالي للبلاد تقريباً. وتتبنى الحكومة سياسات جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر، لا سيما للشركات العاملة في مجال التصنيع الموجه للتصدير.

علينا أن نعمل على ترسيخ ثماني عوامل أساسية لجذب المستثمرين المحليين والأجانب، الاستقرار السياسي، القوانين التي تسهل عمل الاستثمارات، النمو الاقتصادي القوي، تأهيل شريحة سكانية شابة، تكاليف العمالة التنافسية، العمل على  المزيد من الاتفاقيات التجارية، تأهيل البنية المصرفية، وتأهيل البنية الرقمية التكنولوجية.

لو عملت سوريا بجد على تأهيل العمالة السورية في السنوات العشرة القادمة وانفتحت على العالم واستقدمت أكبر عدد ممكن من الشركات العالمية وحافظت على تكلفة معقولة ومنافسة للعمالة ستكون بحول الله جاهزة لتستقطب شركات عالمية وتصبح “فيتنام الشرق الأوسط”.

———————————

قراءة جيوستراتيجية في مستقبل سوريا دولة ومجتمعا بعد عام 2024

———————————

التجارة الإلكترونية في سوريا.. سوق بلا سقف ومستهلك بلا حماية/ مازن الشاهين

فوضى رقمية.. هكذا تُدار التجارة الإلكترونية في سوريا!

2026-01-27

في المسافة بين الحاجة والجرأة، وُلدت السوق الإلكترونية السورية، حيث تتقاطع الرغبة في الشراء بسعر أقل مع غياب الأمان القانوني، يتجول المستهلك يومياً بين الصفحات، يبحث عن صفقة “مغرية” ربما تتحول في لحظة إلى خسارة كاملة، وهكذا تغيّرت عادات السوريين في الشراء خلال سنوات قليلة، فالمحال الواقعية تراجعت أمام زحف المحال الافتراضية، والبيع عبر الشاشة أصبح القاعدة لا الاستثناء، لكن خلف هذه الشاشة تختبئ سوقٌ أكبر من القانون وأسرع من الرقابة، إنه الاقتصاد الرقمي الذي ينمو بلا خريطة واضحة، فقد يربح فيه البعض كثيراً ويخسر آخرون كل شيء.

صفحات تفتح كل صباح ومتاجر رقمية تولد كل ساعة، تبيع كل شيء من الإبرة إلى الهاتف، ومن الهوية الافتراضية إلى آخر صيحات الموضة، خلف شاشة الهاتف، تنهض سوق ضخمة بلا بوابات ولا حراس، تفتح شهية السوري المرهق بأسعار مغرية، وتتركه في اللحظة التالية وجهًا لوجه مع المجهول.

هنا، في قلب “الإنترنت السوري”، صار البائع مجهولاً، والمستهلك وحده في مواجهة الخطر، رسالة على “واتساب” تكفي لإتمام صفقة، وصورة منقولة من “غوغل” قد تُغري بشراء منتج لا وجود له، أما القانون، فيطلّ من بعيد متعباً ومتأخراً، لا يملك سرعة تلك الصفحات التي تتكاثر كالفطر في فضاء لا سقف له، وبينما تتسع رقعة السوق الإلكترونية بلا ضفاف، يبقى السؤال معلّقاً فوق كل شاشة: من يحمي المشتري في عالم بلا عنوان؟ وهل ستتمكن الجهات التشريعية والرقابية من اللحاق بهذا التحول قبل أن يتحول إلى فوضى رقمية كاملة؟ أم أن التجارة الإلكترونية في سوريا ماضية لتصبح سوقاً موازية لا تحكمها إلا الثقة الفردية ومبدأ “جرب حظك”؟

بين توسّع المنصات الإلكترونية وتباطؤ التشريعات

في الوقت الذي تتسابق فيه الأسواق حول العالم إلى الرقمنة والبيع عبر الإنترنت، يعيش المستهلك السوري تجربة مختلفة من انفتاح إلكتروني سريع لا تقابله سرعة في الضوابط أو القوانين، لتتشكل أمامه سوق رقمية واسعة، مجهولة الملامح أحياناً، تَعِدهُ بسلعة أرخص لكنها قد تسلبه حقه عند أول خلاف، هكذا يرى خبير التسويق الالكتروني رأفت العثمان السوق الالكتروني السوري.

ويضيف في تصريحات لـ”963+” أن هذه الظاهرة تعكس معادلة دقيقة وهي سوق تتطور بمرونة تفوق قدرة المؤسسات الحكومية، ومستهلك يبحث عن السعر الأدنى في ظل ضعف الدخل، فيما تقع الرقابة الحكومية بين مطرقة التكنولوجيا وسندان الإمكانيات المحدودة.

ويبين العبدالله أبرز مشاكل السوق الإلكتروني السوري هو الدفع المسبق حيث 90% من المعاملات تتم بدفع مسبق عبر التحويل البنكي أو “كاش أون ديلفيري” مع غياب الفواتير الرسمية، فمعظم البائعين لا يقدمون فواتير معتمدة، إضافة إلى عدم وجود ضمانات، فالمنتجات المباعة إلكترونياً نادراً ما تكون مغطاة بضمان، وكذلك صعوبة التتبع، فالعديد من الصفحات تستخدم أسماء وهمية، وخاصة أن كثيراً من الباعة عبر الإنترنت ليس لديهم سجل تجاري أو متجر ثابت أو مكان محدد.

ويتابع: لهذا نجد بعضهم يرفض تبديل السلعة أو إرجاعها، إضافة إلى أن أغلبهم يروِّج لمنتجاته دون تسعير واضح بل يتوج منشوراته الترويجية بعبارة (السعر على الخاص) ما يعني أنه يبيع حسب مزاجيته بأسعار متفاوتة تختلف من زبون لآخر، وفي كثير من الحالات، لا يعرف المستهلك سوى اسم صفحة وصورة منتج، بينما تغيب المعلومات الأساسية مثل مصدر البضاعة وشروط الاستبدال والضمان وحتى هوية البائع، فتحدث الإشكالية من منتج لا يطابق الصورة، وسعر يختلف عند التسليم، وبضاعة معيبة دون إمكانية الإرجاع، واختفاء البائع بعد التحويل أو الدفع المسبق.

ورغم ذلك يرى العبدالله أن هذه السوق تستمر في التوسع، مستفيدة من ضعف الرقابة الميدانية وصعوبة ضبط الفضاء الرقمي، حيث لم تعد “الأسواق الإلكترونية” في سوريا مجرّد صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي أو مبادرات فردية لبيع منتجات من المنزل، بل تحولت إلى سوق موازية كاملة تنافس الأسواق التقليدية، وتتفوق عليها أحياناً بسهولة الوصول، وتنوع المعروض، وانخفاض التكاليف التشغيلية.

ماذا تقول الجهات الرسمية؟

تشير تقديرات غير رسمية إلى أن آلاف الصفحات والحسابات على “فيسبوك” و”تلغرام” و”إنستغرام” تمارس البيع اليومي في سوريا، دون سجل تجاري، أو عنوان واضح، أو فاتورة نظامية، لكن مع هذا التوسع المتسارع، يبرز سؤال جوهري: من يضبط هذه الأسواق؟ ومن يحمي المستهلك الإلكتروني؟

في الإدارة العامة للتجارة الداخلية، التقت “963+” أحد المعنيين “فضل عدم ذكر اسمه” حيث أكد أن القوانين الحالية لا تستوعب خصوصية التجارة عبر الشبكة، موضحاً أن كثيراً من المعاملات الإلكترونية تُدار من خارج البلاد أو عبر وسطاء يصعب ضبطهم، وأن المشكلة بالنسبة للصفحات المحلية لا تكمن في غياب التشريع، بل في ضعف آليات التنفيذ، فمراقبة متجر تقليدي أسهل بكثير من مراقبة آلاف الصفحات الرقمية المتغيرة، والتي يمكن إغلاقها وفتح غيرها خلال دقائق، فالتجارة الإلكترونية تتحرك بسرعة الضوء، بينما تتحرك أدوات الرقابة بالسرعة التقليدية نفسها.

ويضيف: كثير من البائعين يستفيدون من غموض الصفة القانونية، وغياب نظام دفع إلكتروني رسمي، وضعف ثقافة الشكوى لدى المستهلك، والخوف من التعقيد الإداري، وهناك بائعون غير أخلاقيين، وهناك صفحات وهمية تمارس الاحتيال، وفي ظل هذا الواقع يبقى المستهلك السوري هو الطرف الأضعف، فحتى عند وقوع الضرر، لا يعرف كثيرون إلى أين يتقدمون بالشكوى؟ وهل تشملهم الحماية القانونية فعلاً؟ وهل يمكن إثبات عملية الشراء رقمياً؟ وهنا تتحول التجارة الإلكترونية من فرصة لتسهيل الحياة، إلى مخاطرة محسوبة أو غير محسوبة.

وأكد المصدر في الوقت نفسه أن التجارة الإلكترونية ليست خارج الرقابة، وأنها منظمة بموجب القرار رقم 917 لعام 2019 الخاص بالتجارة الإلكترونية والتعامل الإلكتروني، والمستند إلى القانون رقم 3 لعام 2014، والذي يفرض القرار شروطاً واضحة، أبرزها تسجيل النشاط التجاري والإفصاح عن هوية البائع والالتزام بالإعلان الحقيقي عن السعر والمواصفات وضمان حق المستهلك في الاستبدال أو الإرجاع وخضوع النشاط للرقابة التموينية.

لكن السؤال الذي يطرحه المستهلكون: إذا كانت القوانين موجودة، فلماذا لا يشعر بها أحد؟ وهنا يجيب المصدر أن تنظيم التجارة الإلكترونية لم يعد خياراً، بل ضرورة عبر تبسيط تسجيل المتاجر الإلكترونية، وإطلاق منصة رسمية أو سجل إلكتروني معتمد، وتفعيل الرقابة الرقمية لا الميدانية فقط، ونشر ثقافة الشكوى وحقوق المستهلك الإلكتروني، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين.

وقائع لا استثناءات

التقت “963+” عدداً من المستهلكين الذين خاضوا تجربة الشراء الإلكتروني، لتكشف شهاداتهم نمطاً متكرراً من التجاوزات، ورغم وجود مديريات لحماية المستهلك، إلا أن معظم المتضررين يؤكدون أنهم لم يلجؤوا لتقديم شكوى، إما لعدم معرفتهم بالإجراءات، أو لاعتقادهم المسبق بأن الشكوى “لن تعيد الحق”.

هذه الشهادات لا تمثل حالات فردية، بل تعكس نمطاً شبه يومي من الانتهاكات في سوق غير منظم.

فريال (35 عاماً من دمشق) تقول لـ”963+”: اشتريت غسالة عبر صفحة معروفة، السعر كان أقل من السوق بـ300 ألف ليرة، عند التسليم اكتشفت أنها مستعملة، حاولت التواصل معهم فحظروا رقمي واختفت الصفحة بعد أيام.

عبدالله (28 عاماً من ريف حلب) يروي تجربة مشابهة لـ”963+”: دفعت عربوناً لشراء هاتف محمول، وبعد التحويل طلبوا مني الانتظار يومين، بعدها أغلقوا الصفحة، لا فاتورة ولا اسم حقيقي ولا جهة أشتكي لديها.

أما ريم (42 عاماً من حمص) فتقول لـ”963+”: المنتج وصل مخالفاً تماماً للصورة، عندما طالبت بالاستبدال قالوا: هذا الموجود، إن لم يعجبك لا تطلبي مرة ثانية، كيف أشتكي على صفحة في فيسبوك؟ لا عنوان ولا اسم حقيقي، أشعر أن القانون لا يراني.

ومن وجهة نظر بعض التجار الإلكترونيين، فإن المشكلة لا تكمن في غياب الرقابة فحسب، بل في ضعف الحوافز القانونية والمالية لتقنين النشاط.

ويقول أحد أصحاب المتاجر الإلكترونية (فضّل عدم ذكر اسمه) لـ”963+”: نريد أن نعمل بشكل نظامي، لكن التسجيل والترخيص يعني ضرائب ورسوم لا نستطيع تحملها. لذلك يفضّل معظمنا البقاء خارج المنظومة الرسمية.

سوق بلا رقيب والمستهلك يدفع الثمن

بينما تؤكد الجهات الرسمية أن التجارة الإلكترونية في سورية “منظمة وخاضعة للرقابة”، يعيش المستهلك السوري واقعاً مغايراً تماماً، حيث تحولت آلاف الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أسواق مفتوحة بلا عناوين، بلا فواتير، وبلا مساءلة.

الخبير الاقتصادي عادل الحسين يقول في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن التجارة الإلكترونية لم تعد خياراً ثانوياً، بل أصبحت بديلاً رئيسياً للأسواق التقليدية، مدفوعة بارتفاع الأسعار، وضعف القدرة الشرائية، وتكاليف التنقل، وسهولة التسوق من الهاتف المحمول، لكن هذا التوسع السريع جرى خارج أي إطار رقابي فعلي، فالرقابة التقليدية لا تصلح للسوق الرقمية، والإشكالية الحقيقية تكمن في محاولة ضبط سوق إلكترونية بعقلية رقابة تقليدية، فالمراقب التمويني الذي يضبط محلّاً على الأرض، عاجز عن ملاحقة مئات الصفحات المتغيرة، والتي يمكن إغلاقها وإعادة فتحها خلال ساعات بأسماء جديدة، وهو ما فتح الباب أمام فوضى تجارية يتحمل المستهلك وحده كلفتها، وهنا تتحول التجارة الإلكترونية إلى منطقة رمادية، القانون موجود، لكن المستهلك لا يشعر به، والبائع المخالف لا يخشاه.

ورغم ذلك يرى الحسين أن التجارة الإلكترونية في سوريا لن تتراجع، بل ستتوسع أكثر، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإيجارات وضعف الأسواق التقليدية وتحوّل الشباب نحو العمل الرقمي، ولكن استمرارها بهذا الشكل العشوائي يهدد حقوق المستهلك، والمنافسة العادلة وإيرادات الدولة وثقة الناس بالتجارة الرقمية وتكريس اقتصاد الظل الرقمي، فترك التجارة الإلكترونية بهذا الشكل يعني عملياً التخلي عن حماية المستهلك في أحد أسرع القطاعات نمواً.

ويشدد الحسين أن المسؤولية هنا لا تقع على المستهلك الذي “غامر بالشراء”، ولا على بائع استغل الفراغ، بل على جهات رقابية لم تطور أدواتها، وتشريعات لم تُترجم إلى أنظمة تنفيذية فعالة، وغياب منصة رسمية تنظم السوق، فالحلول لم تعد مؤجلة، وأبرزها تأسيس سجل وطني للتجار الإلكترونيين بإجراءات مبسطة عبر الإنترنت، مع إعفاءات ضريبية جزئية في السنوات الأولى، وتفعيل بوابة شكاوى إلكترونية موحدة تتيح للمستهلك تتبع حالته واسترداد حقه بسهولة، وإطلاق حملات توعية رقمية لتعريف المواطنين بحقوقهم وكيفية التحقق من المتاجر الموثوقة، وتشجيع التعاون بين وزارة الاتصالات وحماية المستهلك والمصارف لإنشاء منظومة دفع إلكتروني آمنة وشفافة، وتدريب الكوادر الرقابية على تتبع النشاط الإلكتروني وتمييز الصفحات التسويقية الوهمية من الحقيقية، وإلزام الصفحات التجارية بالإفصاح عن سجل تجاري واضح.

ويختم الحسين بأن القول الضمني “المستهلك يجب أن يكون أكثر حذراً” هو هروب من المسؤولية، فدور الوزارة ليس تقديم النصائح، بل فرض النظام، وفي الدول التي نجحت بتنظيم التجارة الإلكترونية، لم يُطلب من المواطن أن يكون محققاً، بل طُلب من الجهات المعنية أن تكون حاضرة.

+963

————————–

 سوريا وعُمرانها/ فارس الذهبي

2026.01.27

في كل نقاش عن إعادة إعمار سوريا، يطلّ السؤال الذي لا يُطرح بصراحة: هل نعيد بناء بلدٍ كامل، أم نُرمّم مركزاً واحداً في البداية ونترك الباقي ينتظر؟

على مدى عقود، جرى التعامل مع دمشق بوصفها نقطة الثقل الوحيدة، المكان الذي تُختصر فيه الدولة، وتُسحب إليه الموارد، وتُعاد صياغة الجغرافيا على مقاسه. المدن الأخرى لم تكن شريكة في القرار، بل هوامش واسعة تُغذّي المركز بالسكان واليد العاملة والضرائب، ثم تعود لتتلقى الفتات. هذا النموذج لم يصنع دولة متماسكة، بل راكم اختلالاً عميقاً انفجر اجتماعياً وعمرانياً قبل أن ينفجر سياسياً.

اليوم، مع الحديث المتزايد عن إعادة الإعمار، تبدو العودة إلى المنطق نفسه ضرباً عبثياً. وفق الأرقام المتداولة، يبلغ عدد سكان سوريا نحو 25 مليون نسمة. رقم يبدو كبيراً، لكنه في الحقيقة لا يروي سوى نصف القصة. فإذا أُخذت بعين الاعتبار موجات الهجرة المتلاحقة منذ عام 2011، والهجرات الأقدم منذ ستينيات القرن الماضي، فضلاً عن الشتات السوري الذي استقر منذ بدايات القرن العشرين في أميركا اللاتينية وأستراليا وأميركا الشمالية، فإننا نقترب من كتلة بشرية سورية قد تتجاوز 50 مليون إنسان.

هؤلاء ليسوا رقماً رمزياً ولا حنيناً عاطفياً. إنهم امتداد حيّ للبلد، وحقهم في العودة والمواطنة – أو في الارتباط الفعلي بوطن قابل للحياة – لا يمكن فصله عن شكل المدن والقرى التي ستُبنى. فلا عودة من دون مدن وقرى، ولا مدن من دون بنية تحتية عادلة وموزّعة.

الحديث عن التنمية اللامركزية غالباً ما يُختزل في شعارات سياسية، ويتم تحويلها إلى قرار سياسي لا مركزي، وهذا يفترق بشدة عن ذاك. لكن الواقع السوري يضعها في خانة الضرورة الوجودية. بلد تُكدَّس فيه الخدمات والفرص في العاصمة، في حين تُترك الأطراف بلا جامعات كافية، وبلا مستشفيات حديثة، وبلا شبكات نقل فعّالة، كما قضى النظام السابق وحكم ونفّذ طوال نصف قرن، هو بلد يدفع سكانه دفعاً إلى الهجرة الداخلية أولاً، ثم الخارجية لاحقاً.

المعادلة بسيطة وواضحة: فما يُقدَّم في دمشق يجب أن يكون متاحاً، بمستوى مقارب، في دير الزور، وفي إدلب، وفي درعا، وفي أقصى الشرق والشمال. هذا ليس ترفاً تنموياً، بل استثمار في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وفي منع تكرار أسباب الانفجار نفسه.

من بين أكثر الأمثلة فجاجة على سوء توزيع التنمية المتبعة سابقاً، تبرز دير الزور. مدينة يشقّها نهر الفرات، وتحوطها سهول زراعية واسعة قادرة على خلق مئات آلاف فرص العمل، وتجلس فوق واحد من أهم أحواض الطاقة في البلاد، فضلاً عن موقعها الطبيعي كنقطة وصل بين سوريا والعراق والخليج وآسيا.

كل عناصر المدينة الكبرى متوافرة، لكن القرار غائب. دير الزور لا تحتاج إلى إعانات مؤقتة، بل إلى مشروع شامل: مطار دولي يخدم شرقي البلاد، شبكة سكك حديدية سريعة تربطها بالعاصمة وبالشمال، استثمارات زراعية وصناعية حقيقية، ودور إقليمي يعكس موقعها من دون أن يُنكره.

إبقاؤها على الهامش لم يكن قدراً جغرافياً، بل نتيجة مباشرة لعقل إداري يرى في الأطراف عبئاً لا فرصة.

أما حلب، المدينة التي حملت لعقود قلب الاقتصاد السوري، فلا تزال تمتلك كل المقومات للعودة لاعباً مركزياً، ليس على المستوى الوطني فقط، بل على مستوى بلاد الشام بكاملها. قاعدتها السكانية، تاريخها الصناعي، شبكاتها التجارية، وموقعها الجغرافي، تجعل منها مرشحة طبيعية لتكون عاصمة الاقتصاد السوري. إعادة إعمار حلب ليست مسألة تعويض عن دمار، بل استعادة وظيفة تاريخية أُفرغت قسراً. والمشهد نفسه يتكرر، بدرجات متفاوتة، في مدن مثل حمص، وحماة، والسويداء، ودرعا، وطرطوس، واللاذقية، حيث تتقاطع فرص السياحة والصناعة والزراعة، لكنها تبقى رهينة غياب القرار والاستثمار.

ليس هذا النقاش منفصلاً عن تاريخ التقسيم الإداري في سوريا. فالتحوّل من نظام الولايات العثماني إلى المحافظات الحديثة لم يكن مجرد تحديث إداري، بل انتقالاً إلى دولة مركزية أعادت تعريف الجغرافيا بوصفها وظيفة ضبط وتنظيم. منذ تثبيت نظام المحافظات عام 1960، أُديرت البلاد بعقل واحد: مركز يخطّط، وأطراف تنتظر. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا النموذج إلى عبء ثقيل، غير قادر على استيعاب التحولات السكانية والاقتصادية والاجتماعية. اليوم، لم يعد ممكناً بناء سوريا جديدة بأدوات الأمس.

إعادة إعمار سوريا ليست مشروع خرسانة، بل مشروع تخيّل سياسي-اجتماعي جديد: دولة بمراكز محافظات متينة وقوية ومستقلة اقتصادياً، تدعم القرار السياسي الواحد في المركز، مع الحفاظ على حقوق تنموية كاملة تعزّز من قوة الأطراف لتردف المركز.

وسوريا التي تستطيع استعادة أبنائها، هي سوريا التي تمنح حق المواطنة المتساوية، وتعطي كل مدينة حقها في أن تكون مركزاً لحياتها، لا ظلاً لغيرها.

تلفزيون سوريا

————————–

=====================

تحديث 26 كانون الثاني 2026

———————————

تقرير أممي يقيّم أضرار المساكن خلال الحرب في سوريا

لا تزال سوريا تواجه فجوة في المساكن والبنية التحتية بعد أكثر من 14 عامًا من الحرب وتعدد الأزمات، وهو ما يلقي بظلاله على الاستقرار المجتمعي، وجهود التعافي، وإمكانيات توفير ظروف معيشية آمنة وكريمة للسكان.

وعلى الرغم من التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا بسقوط النظام أواخر عام 2024، فإن الآثار المادية للصراع طويل الأمد لا تزال حاضرة بقوة في البيئة العمرانية، وفق ما تشير إليه خطة الاحتياجات الإنسانية والاستجابة لعام 2025.

جاء ذلك بناء على تقييم الأضرار السكنية على مستوى سوريا، الذي أُنجز خلال الثلاثة أشهر الأخيرة من عام 2025، بتكليف من قطاع المأوى والمواد غير الغذائية في سوريا (Syria SNFI Sector)، بدعم وتنسيق من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ونشر اليوم، الاثنين 26 من كانون الثاني.

ثلث المساكن متضررة

أفاد التقرير بأن نحو ثلث المخزون السكني في البلاد قد تضرر أو دمر، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية الحيوية، من طرق وشبكات مياه وكهرباء وأنظمة صرف صحي، تعاني من اختلالات واسعة النطاق، ما يحد من فعاليتها وقدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

وحتى كانون الأول 2025، يقدر عدد النازحين بنحو 7.4 مليون شخص، من بينهم أكثر من 1.5 مليون يعيشون في خيام أو مبانٍ غير مكتملة أو مراكز إيواء جماعية مكتظة، لم تُصمم أصلًا للاستخدام طويل الأمد.

وزاد زلزال شباط 2023 من حدة هذه الهشاشة، بعدما أدى إلى تدمير نحو 47 ألف منزل إضافي وتشريد أكثر من 50 ألف عائلة، ما فاقم الضغط على قطاع السكن المنهك أساسًا.

في هذا السياق الهش اجتماعيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وفقًا للتقرير، لا تزال ديناميكيات النزوح والعودة تشهد تطورات متسارعة. فحتى كانون الأول 2025، تشير التقديرات إلى عودة نحو 1.26 مليون شخص كانوا لاجئين خارج البلاد منذ كانون الأول 2024، عاد كثير منهم إلى منازل متضررة أو منهوبة أو غير آمنة إنشائيًا، ولا سيما في محافظات دمشق وحلب وإدلب وحمص.

وفي المقابل، لا يزال شمال غربي سوريا يستضيف قرابة مليوني نازح في أكثر من 1150 مخيمًا وتجمعًا عشوائيًا، يعيش نحو 700 ألف منهم في ملاجئ دون المستوى المطلوب، ويتعرضون بشكل متكرر لمخاطر موسمية.

وعلى مستوى أوسع، يبقى الوضع الإنساني مقلقًا، إذ يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، فيما احتاج 16.5 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2025.

ورغم الجهود المستمرة، لم يتمكن قطاع المأوى والمواد غير الغذائية من الوصول سوى إلى 45% من المستفيدين المستهدفين، والبالغ عددهم 811 ألف شخص حتى كانون الأول 2025، ما يعكس حجم الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات والاستجابة.

قاعدة بيانات لتوجيه التعافي

أجرى قطاع المأوى والمواد غير الغذائية في سوريا تقييمًا وطنيًا شاملًا لأضرار المساكن، بهدف دعم التخطيط الاستراتيجي لدورة التمويل الإنساني المقبلة. ويُعد هذا التقييم أول مراجعة وطنية شاملة لأضرار المساكن منذ كانون الأول 2024، وقد أُنجز في سياق يتسم بتحول سياسي جارٍ وإعادة هيكلة في بنية التنسيق الإنساني.

ويهدف التقييم إلى التحقق من صحة البيانات التاريخية المتوفرة وتحسينها، لجهة مدى ونوع وشدة أضرار المساكن التي جرى تحديدها سابقًا عبر المراجعات التحليلية للقطاع.

ومن خلال جمع بيانات ميدانية مستهدفة في المجتمعات التي أبلغت تاريخيًا عن مستويات مرتفعة من الأضرار، سعى التقييم إلى استكمال المعلومات الثانوية والتحقق منها، بما يتيح بناء قاعدة أدلة متسقة وقابلة للمقارنة على مستوى البلاد، استنادًا إلى منهجية موحدة.

ولا يقتصر التقييم على قياس حجم الضرر، بل يتوسع ليشمل حالة إشغال المساكن، والظروف الاجتماعية والاقتصادية للسكان، والمخاطر الصحية والحماية المرتبطة بالمساكن غير الآمنة أو المدمرة، بما في ذلك قضايا السكن والأرض والممتلكات، كما يقيّم مستوى عمل البنية التحتية والخدمات الأساسية، ويحدد أولويات إعادة التأهيل.

ومن خلال ربط نتائجه بأحدث البيانات المتعلقة بحركات العودة ونياتها، يربط التقييم بين الاحتياجات الإنسانية وأولويات التعافي المبكر، بما يدعم تخطيط العودة، وإعادة تأهيل الملاجئ، والبرامج القائمة على المناطق، ويعزز التنسيق بين الفاعلين على المستويين الوطني ودون الوطني. وتوفر هذه المعطيات مجتمعة أساسًا أكثر متانة، قائمًا على البيانات، لجهود التعافي وبناء القدرة على الصمود على المدى الطويل في مختلف أنحاء سوريا.

أضرار واسعة وشروط سكن غير آمنة

تشير نتائج التقييم إلى أن أضرار المساكن منتشرة على نطاق واسع في المجتمعات التي شملها التقييم، وإن كانت تختلف في حجمها وشدتها بين منطقة وأخرى. وأفاد بوجود درجة ما من الأضرار في 89% من المجتمعات.

وبيّن أن قرابة النصف إلى أن أكثر من نصف المخزون السكني قد تضرر، وسجلت أعلى مستويات الضرر غير المتناسب في المحافظات الجنوبية والشمالية الغربية، ما يعكس تباين ديناميكيات الصراع والصدمات عبر البلاد.

ورغم هذا الانتشار، يتسم الملف الوطني للأضرار عمومًا بشدة منخفضة إلى متوسطة، إذ شكّلت الأضرار الطفيفة نحو 48% من المساكن المتضررة، تلتها الأضرار الجزئية بنسبة 35%، فيما لم تتجاوز الأضرار الكاملة 17%، وارتبطت الأضرار الناجمة عن النزاع بمستويات شدة أعلى، مقابل أضرار أقل حدة ناجمة عن المخاطر البيئية.

وكشفت النتائج عن استمرار السكن في المساكن المتضررة على اختلاف درجات الضرر، بما في ذلك الوحدات المتضررة إنشائيًا، وهو نمط يبرز بشكل خاص بين العائدين، مما يظهر ذلك فجوة واضحة بين ديناميكيات العودة وظروف السكن الفعلية، إذ تجري العديد من عمليات العودة في سياقات تعاني من أضرار جسيمة، مدفوعة بخيارات محدودة وارتباطات قوية بالأرض والممتلكات، ما يؤكد الحاجة الملحة لتدخلات إصلاح سكنية موجهة.

كما بيّن التقرير وجود ارتباط وثيق بين حجم وشدة الأضرار السكنية وتراجع وظائف الخدمات الأساسية، حيث تسجل المجتمعات الأكثر تضررًا مستويات أدنى من توفر الكهرباء والمياه والصرف الصحي والتعليم والصحة، ما يعوق السكن الآمن ويقوض فرص التعافي.

وعكس تقييم الأضرار السكنية على مستوى سوريا صورة مركبة لأزمة سكنية عميقة، تتقاطع فيها آثار الصراع مع الفقر والنزوح وضعف البنية التحتية، وفي ظل استمرار العودة إلى مساكن متضررة وغير آمنة، تبرز الحاجة إلى استجابات أكثر شمولًا، توازن بين الإغاثة الفورية والتعافي المبكر، وتضع إصلاح المساكن في صلب أي رؤية لعودة آمنة وكريمة ومستدامة.

واختتم التقرير، بملاحظة، مفادها أن النتائج تعكس اتجاهات إرشادية على مستوى المجتمع، ولا تمثل تقديرات إحصائية تمثيلية على المستوى الوطني، ويجب التعامل معها ضمن حدودها المنهجية.

معالجة الملف أولوية

كان وزير الأشغال العامة والإسكان السوري، مصطفى عبد الرزاق، أكد خلال مقابلة مع قناة “الإخبارية” الحكومية، في 19 من أيلول 2025، أن معالجة ملف العشوائيات والمناطق المدمرة يشكل أولوية في خطط الوزارة.

وأشار إلى أن ربع السكان في سوريا يعيشون في مساكن غير آمنة، مبينًا أن العمل يتركز بداية على النازحين والمناطق المدمرة بالكامل، مع خطط لاحقة لمعالجة التجمعات الأخرى.

——————————

المياه والنفط وبداية التعافي/ د. يحيى السيد عمر

يناير 26, 2026

استعادة الحكومة السورية السيطرة على السدود المائية وحقول النفط نقطة تحوُّل مُهمَّة. سنوات طويلة بَقِيَت الموارد خارج الإدارة، جعلت الاقتصاد بحالة طوارئ. اليوم، الثروات تَعُود إلى الدولة، تَفتَح مَسَاراً جديداً لإدارة المرحلة المقبلة، تُعِيد القُدْرة على التخطيط والاستقرار.

الأثر الأول يَظْهَر في الكهرباء، السدود المائية تعني عَوْدة جُزْء من التوليد المحلِّي.

ليس حلاً كامِلاً، ولا نهاية للتحدِّيات، لكنه مَصدر ثابت يُخفِّف الضغط على المحطات الحرارية. يَحُدّ مِن ساعات التقنين، والانقطاعات المفاجئة، يمنحْ الشبكة قُدرة أعلى على التخطيط.

الكهرباء المستقِرَّة ليستْ رفاهية، شَرْط أساسي لأيّ نشاط اقتصادي، فمع تحسُّن التغذية الكهربائية، تَتراجَع كُلفَة الإنتاج. المصانِع تَعمل لساعات أطول، الوِرَش تُخَفِّف الاعتماد على المُولِّدَات، الزراعة تَسْتفيد منَ انتظام الضَّخِّ والرَّي. التحسُّن هنا لا يَحتاج إلى مشاريع ضَخمة، بل إلى انتظام الخدمة. في اقتصاد مُرهَق، الاستقرار البسيط يساوي الكثير.

في قطاع الوقود، لحقول النَّفط أثَر مُباشِر، الإنتاج المحدود يُغَيِّر المعادلة، كلّ برميل نفط محلِّي يعني تَخفيف الاستيراد، وخَفض الطلب على القَطع الأجنبي، وضَغط أقلّ على السوق. عند توافر الوقود، يَفقِد صفة أداة المُضارَبَة، يتحوَّل إلى سِلعَة خَاضِعَة للإدارة.

الأثر الأهمّ هو كَسْر الفَوْضَى، خلال سنوات الانقسام، الوقود كان ساحة تَجاذُب ومضاربة، الأسعار مُتقلِّبَة، التوزيع غير مُتوازِن، السوق بلا مَرجِعيَّة، عودة الدولة تُعِيد الحدّ الأدنى منَ الضَّبط. تَقِلّ الهوامش غير المُبَرَّرَة، ينخفض الاحتكار، يتحسَّن وصول المستهلِك إلى المادة.

على مستوى المالية العامة، الدولة تَدْخُل مرحلة مختلفة، النفطْ والمياه مَوارِد تُدْرَج بالمُوازَنَة، حتى الإيرادات المحدودة، عندما تكون مُنتظِمَة، تَسْمَح بالتخطيطْ، تُقلِّل اللجوء إلى التمويل التَّضخُّمي، تُخَفِّف الضَّغْط على المصرف المركزي. ينعكس في المدى المتوسِّط على قيمة الليرة السورية؛ من خلال تخفيف الطَّلَب على الدولار وتحسين تَوازُن السوق.

الزراعة عُنصُر أساسي في هذه المُعادَلَة، القَمح مَحصُول استراتيجي في سوريا، متوسِّط إنتاجه قبل الحرب كان نحو 4 ملايين طن، وصَل في بعض السنوات إلى قرابة 5 ملايين طن. الاستهلاك المحلي كان بحدود 2.5 مليون طن، ما يَعني وجود فائض للتصدير يتراوح بين 1.2 و1.5 مليون طن في العام. انتظام المياه والطاقة تعني عودة الدور الزراعي، وزيادة الصادرات الزراعية تعني تراجُع الطَّلَب على الدولار، وتحسُّن تدريجي في قيمة الليرة، حتى وإن لم يكن سريعاً.

من ناحية اقتصادية، ينعكس هذا المسار على سوق العمل، انتظام الإنتاج يَعني فُرَص عَمَل، تَخفِيف البَطالة، تَحَسُّن تدريجي في مستوى الدخل.

على المدى القريب، لا يظهر تَعافٍ واسع، لا قفزات ولا طفرات، يَظهَر تَحسُّن تَدْرِيجي، وقود أكثر انتظاماً، كهرباء أقل انقطاعاً. إنفاق عام أكثر. النتائج قد تبدو محدودة، لكن ثقيلة الوزن.

السيطرة على الموارد الأساسية تُعْطِي إشارة واضحة على الاستقرار، صورة الدولة المُوحَّدَة، القادرة على إدارة الماء والطاقة، تنعكس على الاقتصاد، تُقدِّم للمجتمع الدولي مَشْهداً مُختلِفاً: دولة مستقرة، لا تُواجِه مَخاطِرْ تفكيك أو تقسيم، قادرةْ على الإمساك بالأدوات السيادية.

الخلاصة: استعادة السدود وحقول النفط لا تَعني نهاية الأزمة الاقتصادية. بل تعني بداية مسار مُختلِف، قائم على الإمساك بالأدوات، بطيء لكن ثابت، مع الوقت، يتحوَّل الاستقرار الصغير إلى قاعدة أوسع للتعافي.

———————————

نعمل فقط كي نأكل”: البطالة والأجور تدفع شباب سوريا نحو طرق التهريب/ شمس الدين مطعون

جيل بلا أفق: لماذا يعود شباب سوريا للتفكير بالهجرة غير النظامية؟

2026-01-26

لم يعد التفكير بالمستقبل رفاهية متاحة لشريحة واسعة من الشباب، بل تحوّل إلى عبء يومي مثقل بالأسئلة والخيبات، تدور النقاشات في المقاهي الشعبية، وعلى أطراف الحقول، وداخل ورش العمل عن البطالة وتدنّي الأجور، والبحث عن طرق هجرة غير نظامية (التهريب)، رغم ما تحمله من مخاطر متزايدة، وكلفة تفوق قدرة معظم العائلات.

جيل كبر قبل آوانه

معظم الشباب الذين يناقشون اليوم فكرة التهريب هم في العشرينات أو أوائل الثلاثينات من العمر. لم يعرفوا سوريا قبل عام 2011، ولم يعيشوا سوى سنوات الثورة والحرب والحصار، سواء في مناطق كانت تحت سيطرة النظام، أو في مناطق شهدت اشتباكات وقصفاً وتبدّلاً مستمراً في الواقع الأمني والمعيشي.

هذا الجيل، كما يصفه أحد الشبان، “كبر قبل أوانه”، وحُرم من فرص التعليم المستقر والعمل الطبيعي، ليجد نفسه اليوم أمام واقع اقتصادي لا يمنحه سوى خيارات محدودة.

يقول سامر (27 عاما) من ريف دمشق، وهو يعمل في ورشة خياطة: “نحن جيل لم يعرف الاستقرار يوما. عشنا أزمات متتالية. واليوم نعمل فقط كي نأكل لا أكثر”.

ويشير سامر لـ”963+” إلى أن العمل المتوفر لا يمنحه شعوراً بالأمان، فالأجر لا يكفي لتغطية الإيجار، ولا يسمح حتى بالتفكير بتأسيس عائلة أو بناء مستقبل.

وهذا الإحساس بالعجز، كما يقول، هو ما يدفع كثيراً من أصدقائه إلى التفكير بالهجرة، حتى لو كانت عبر طرق غير نظامية.

اقرأ أيضاً: أين ذهبت الليرة الجديدة؟ المواطن بين أكوام الليرات القديمة وندرة الجديدة – 963+

أجور متدنية

في المدن والأرياف على حد سواء، يعمل معظم الشباب في أعمال يومية أو مؤقتة. كمهن الزراعة، وورشات البناء، وفي المحال التجارية الصغيرة،و كلها وظائف لا تضمن دخلاً ثابتاً، وتخضع لتقلبات الموسم والسوق. ومع الارتفاع المستمر في الأسعار، باتت الأجور عاجزة عن ملاحقة تكاليف الحياة.

يقول خالد (30 عاما) وهو من سكان ريف إدلب لـ”963+”: “ليس لدي دخل ثابت وما أجنيه بالكاد يكفي للطعام. فلا يمكنني الادخار، ولا حتى التخطيط لشيء”.

هذا الواقع لا يختلف كثيراً في المدن الكبرى ففي العاصمة دمشق يعمل محمد (28 عاما) في متجر صغير، يوضح أن راتبه الشهري لا يغطي سوى جزء من إيجار منزله.

ويقول لـ “963+” :”كل شيء غالٍ السكن، النقل، والطعام، والراتب لا يتغير، لكن الأسعار ترتفع باستمرار”.

الهجرة مجدداً

ليس كل من يفكر بالهجرة اليوم لم يسبق له أن غادر سوريا من قبل. فمن جرّب الاغتراب، وعاد بدافع الحنين أو الرغبة في الاستقرار العائلي، اصطدم بواقع اقتصادي أصعب مما توقع.

أيهم (34 عاما) من دمشق، عاد من مصر قبل عدة أشهر بعد أن عمل هناك في مجال المطاعم يقول “تركت عملي وعدت لأنني اشتقت لأهلي، واعتقدت أن الوضع تحسّن قليلًا”.

ويضيف أيهم لـ “963+”: “العودة لم تكن سهلة ولم أتوقع أن تكون الإيجارات مرتفعة جدا، والرواتب لا تكفي. شعرت أنني بدأت من الصفر”.

ورغم المبلغ الذي أنفقه سابقاً ليغترب، يجد نفسه اليوم يفكر مجددا بالمغادرة “بعد أن رأيت أهلي واطمأننت عليهم، عدت لأفكر بالرحيل مرة أخرى. العاطفة وحدها لا تكفي للعيش” قال أيهم.

اقرأ أيضاً: رسوم جديدة على السوريين في تركيا: بين ضغوط اقتصادية وتراجع الدعم الأوروبي – 963+

لماذا التهريب؟

في ظل هذه الفجوة الواضحة بين الدخل وتكاليف المعيشة، أصبح التفكير بالهجرة محاولة للنجاة أكثر منه بحثا عن الرفاهية.

ويرى كثير من الشباب أن التهريب، رغم كلفته المرتفعة، يبقى أقل تعقيداً من محاولة السفر النظامي. فالحصول على تأشيرة يتطلب أوراقاً وضمانات مالية لا يملكها معظمهم، إضافة إلى رسوم مرتفعة واحتمال الرفض بعد انتظار طويل.

طرق التهريب صعبة

خلال السنوات الأخيرة، ازدادت صعوبة طرق التهريب بشكل ملحوظ. وشهدت الحدود التركية تشديداً غير مسبوق، مع وجود جدار فاصل ومراقبة مكثفة، ما جعل محاولات العبور أكثر خطورة، وأدى إلى تراجع هذا المسار بالنسبة لكثيرين.

في المقابل، تبقى الحدود اللبنانية خياراً مطروحاً، لكنه لا يخلو من المخاطر، سواء من حيث الاعتقال أو الإعادة، أو الابتزاز من قبل سماسرة الطريق.

ولا توجد إحصاءات دقيقة توثق عدد السوريين الذين فقدوا حياتهم خلال محاولات التهريب، غير أن الأرقام العالمية للهجرة غير النظامية تعكس حجم الخطر.

وخلال السنوات الأخيرة، سُجلت آلاف حالات الوفاة بين المهاجرين على طرق الهجرة المختلفة، سواء عبر البحر أو البر، في أرقام تشير إلى أن هذه الطرق لا تزال من بين الأكثر خطورة في العالم.

ووفق تقرير تابع للمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، تم توثيق وفاة أو اختفاء أكثر من 63,000 شخص على طرق الهجرة غير النظامية حول العالم (معظمهم بسبب الغرق في البحر الأبيض المتوسط) خلال الفترة 2014–2023، من بينهم 1270 سوريا تم توثيقهم باعتبارهم من بين القتلى والمفقودين في هذه الرحلات.

التهريب خلال 14 عاما

منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، وخلال سنوات حكم نظام بشار الأسد المخلوع، تحوّلت الهجرة غير النظامية إلى مسار واسع اتّبعه ملايين السوريين، هرباً من القتال أولاً، ثم من الانهيار الاقتصادي وفقدان سبل العيش لاحقاً.

وخلال هذه السنوات، لم تكن طرق التهريب مجرّد خيار فردي، بل ظاهرة ارتبطت بتفكك سوق العمل، وتراجع الأجور، وغياب أي أفق اقتصادي واضح، خاصة لدى فئة الشباب.

ومع سقوط النظام أواخر عام 2024 الذي شكّل لحظة مفصلية في تاريخ البلاد، إلا أن هذا التحول السياسي لم ينعكس مباشرة على الواقع المعيشي.

في المقابل، شهدت سوريا حركة عودة كبيرة للاجئين السوريين من الدول المجاورة منذ سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024 وفق تقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد نحو 860  ألف سوري إلى البلاد حتى بداية أيلول 2025، عبر الحدود الرسمية من لبنان وتركيا والأردن والعراق ومصر.

وتشير بعض التقديرات إلى أن الرقم قد يكون أعلى إذا احتُسب العائدون غير المسجلين رسميا، ليصل إلى أكثر من مليون شخص بحلول نهاية العام.

ورغم هذه العودة الملحوظة، يواجه العائدون تحديات كبيرة على صعيد الإيجار والأجور البسيطة والقدرة على تأمين المعيشة الأساسية، ما يجعل بعضهم يفكر مجددا في الهجرة أو البحث عن طرق بديلة لتحسين ظروفه.

هذه الأرقام تعكس تعقيد المشهد السوري بعد سقوط النظام، حيث تتقاطع حركة العودة مع استمرار ضيق الفرص الاقتصادية، مما يجعل السؤال عن الاستقرار في الوطن مسألة صعبة ومستمرة.

—————————

حقل العمر.. موقع جيوسياسي تحوّل إلى كابوس بيئي واقتصادي

23 يناير 2026

رصدت كاميرا “الترا سوريا”، في حقل العمر النفطي بمحافظة دير الزور، مشاهد صادمة لخراب بيئي واقتصادي كبير خلّفته سنوات الحرب، حيث يغيب أي أثر للعمل أو الإنتاج عن هذا المرفق الحيوي الذي كان يمثّل شريان الاقتصاد السوري.

وظهرت في اللقطات برك نفط راكدة وحفر تغلي بمزيج من المياه الملوثة والغازات المتصاعدة، في مؤشر على تسرّبات نشطة مستمرة، فيما تبدو البنى التحتية للمنشأة الصناعية العملاقة مهدمة ومتهالكة تمامًا، وهو مشهد يختزل تحوّلات الحقل المصيرية عبر سنوات الحرب.

فقد شكّل الحقل، الذي اكتُشف عام 1987 ويحوي احتياطيات تقارب 800 مليون برميل، العمود الفقري للاقتصاد السوري قبل الحرب، حيث كان ينتج لوحده ما يصل إلى 40% من إجمالي الإنتاج النفطي للبلاد.

ومع اندلاع الحرب، تحوّل الحقل ذو الموقع الجيوسياسي الحاكم بالقرب من الحدود العراقية، إلى نقطة التهاب كبرى وهدف استراتيجي. فانتقلت السيطرة عليه من يد النظام السوري السابق إلى فصائل المعارضة، ثم استولى عليه تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الذي استغله مصدرًا رئيسيًا للتمويل عبر عمليات تهريب منظمة وإنتاج بدائي.

وبعد ذلك، دخل الحقل مرحلة طويلة من السيطرة العسكرية غير المباشرة للقوات الأميركية عبر “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، حيث تحوّلت منشآته إلى قاعدة عسكرية متكاملة لإدارة العمليات في المنطقة، مستفيدة من طبيعته الصحراوية المكشوفة وبنائه الصناعي الواسع الذي يجعله موقعًا حصينًا.

وترك هذا التسلسل المعقّد من السيطرة، حيث تنقّلت إدارة الحقل بين أطراف متعددة أولوياتها عسكرية وسياسية في الغالب، وراءه دمارًا هائلًا في البنى التحتية الصناعية، وأضرارًا بيئية بالغة تبدو واضحة في المشاهد الحالية.

—————————-

 قمح الجزيرة يعود إلى دمشق: هل تنتهي فاتورة الاستيراد؟/  أحمد علي

الاثنين 2026/01/26

لطالما وُصفت سهول الجزيرة السورية بأنها سلة غذاء للبلاد، وبالعودة إلى سنوات ما قبل عام 2011، نجد أن محافظات الجزيرة (الحسكة ودير الزور والرقة) ساهمت في تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح لسوريا، بل وتصدير الفائض في بعض المواسم. كانت أراضي هذه المحافظات الخصبة تنتج ملايين الأطنان سنوياً، فوفرت أكثر من نصف حاجة البلاد من القمح، إلى جانب إنتاج معظم القطن والشعير الذي يدعم الثروة الحيوانية.

ولم تكن تلك الأرقام مجرد إحصاءات زراعية، بل شكلت عصب الأمن الغذائي واستقرار سعر الرغيف، لكن الحرب غيّرت المشهد رأساً على عقب، ودفع السوريون ثمن ذلك كثيراً وصولاً إلى لحظات باتت تستورد فيها البلاد القمح لإنتاج الخبز.

سلة القمح السورية تعود

على امتداد عقد مضى، خرجت منطقة الجزيرة السورية عن سيطرة الدولة المركزية، حيث بسطت قوات سوريا الديمقراطية نفوذها على حقول القمح ومشاريع الري الكبرى هناك. وهذا الواقع حرم دمشق من الجزء الأكبر من خيرات تلك المنطقة، فتراجعت كميات القمح التي تصل إلى صوامع الدولة إلى مستويات هزيلة.

ومع غياب الدعم الحكومي عن الفلاحين وتهالك البنية التحتية الزراعية وتكرار موجات الجفاف، انخفض الإنتاج بشكل حاد. وتشير المعطيات إلى أن محصول القمح في شرق سوريا خلال سنوات سيطرة قسد لم يتجاوز بضع مئات الآلاف من الأطنان سنوياً، مقارنة بملايين الأطنان قبل الحرب. وبنتيجة ذلك، فُقدت قدرة البلاد على إدارة دورة اقتصادية متكاملة تشمل الإنتاج والتخزين والتسعير والدعم، واضطرت سوريا لتعويض النقص عبر الاستيراد المكلف.

اليوم، بعد التطورات الأخيرة وانسحاب قسد من مساحات شاسعة شرق الفرات، عادت سلة القمح الشرقية إلى حضن الدولة المركزية. وأثارت استعادة الحكومة السورية السيطرة على هذه المناطق، بما فيها مشاريع ري حيوية وأراضٍ كانت خارج الخدمة لسنوات، موجة تفاؤل حذر. فمع عودة تلك السهول الخصبة، يعود الأمل بأن تستعيد سوريا قدرتها على زراعة ما يكفي لتأمين خبز أبنائها وتقليص اعتمادها على الأسواق الخارجية.

في حديث له، وصف المدير التنفيذي في شركة “أكمافيد” العاملة في حقل الإنتاج والتصنيع الزراعي هذه المناطق بأنها كانت القلب النابض للزراعة السورية قبل الأزمة، إذ كانت الحسكة وحدها تنتج ثلث القمح المحلي وتساهم بوفرة في محاصيل أخرى. الآن، وهذا القلب يعود للنبض تحت إشراف دمشق، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ستتمكن الدولة من ترجمة هذا المكسب الجغرافي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة؟

الأمن الغذائي بين الاكتفاء والاستيراد

رغم أهمية عودة جزيرة الفرات، يواجه تحقيق الاكتفاء الذاتي مجدداً تحديات عميقة، فسنوات الحرب والعقوبات أنهكت الاقتصاد وأضعفت القدرة الإنتاجية للقطاع الزراعي. تشير بيانات منظمة “الفاو” إلى أن إنتاج القمح في سوريا عام 2022 سجل نحو مليون طن فقط، أي أقل بكثير من مستويات ما قبل 2011.

في المقابل، تحتاج البلاد إلى حوالي 4 ملايين طن سنوياً لتلبية حاجات سكانها من القمح، ما يعني أن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك قاربت 80% في ذروة الأزمة. وهذا العجز الهائل سدّته الحكومة عبر الاستيراد المكثف للحبوب، فتحولت سوريا من مُصدِّر للقمح قبل الحرب إلى مستورد رئيسي له بعدها.

وبحسب المعطيات، تكبدت الخزينة السورية فاتورة استيراد قمح سنوية تصل إلى نحو 550 مليون دولار في السنوات الأخيرة، بل قُدّر أنها قد تبلغ مليار دولار لتأمين الحاجة لعام كامل إذا استمرت الفجوة الراهنة. واضطرت دمشق للاعتماد شبه الكلي على واردات القمح الروسية من خلال عقود حكومية، كما لجأت في بعض الأحيان لشراء القمح من مناطق سيطرة قسد بالليرة السورية حين تعذّر نقل المحصول إلى الصوامع الحكومية.

إن تأمين الخبز اليومي للمواطن بات مرهوناً بتقلبات السوق العالمية وظروف التسديد بالقطع الأجنبي، ما شكّل ضغطاً هائلاً على الاقتصاد الوطني. يرى الخبير الاقتصادي أيمن ديوب في استعادة الشرق السوري بصيص أمل لإنقاذ البلاد من دوامة “اقتصاد الطوارئ” الذي فرضته سنوات الانقسام. فهو يعتبر أن استرجاع حقول القمح إذا أُحسن استثمارها سيخفف تلقائياً من فاتورة الاستيراد الغذائية، ويحسّن إدارة ملف الدعم الحكومي، ويعزز الأمن الغذائي الداخلي.

وهذه العوامل المترابطة من شأنها كبح التضخم ودعم استقرار الليرة السورية على المدى الطويل. كذلك تؤكد الحكومة السورية على أهمية هذا التحول؛ إذ صرّح وزير المالية محمد يسار برنية أن عودة منطقة الجزيرة بما فيها من ثروات زراعية ستنعكس مباشرة على الموازنة العامة للدولة، عبر توفير موارد إضافية تسمح بزيادة الإنفاق الاستثماري وتحسين الواقع المعيشي.

عبء الاستيراد ودعم الخبز

حافظت الحكومات المتعاقبة على دعم سعر الخبز لعقود، حتى في أحلك الظروف، ومع تفاقم كلفة الاستيراد وشح الإنتاج المحلي، وجدت الحكومات السورية نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات صعبة لضبط الإنفاق على الدعم. فخلال العامين الأخيرين، رُفع سعر ربطة الخبز المدعوم عدة مرات، وتقلص وزنها القياسي، في محاولة لتخفيف العبء عن الموازنة. فبعدما كانت الربطة تباع بـ 400 ليرة قبل سنوات قليلة، ارتفع السعر الرسمي إلى 1000 ليرة ثم إلى 2000 ليرة، وصولاً إلى 3000 ليرة نهاية 2025، مع تقليل عدد الأرغفة أو وزنها في كل مرة.

واستهدفت هذه الزيادات تقليص الخسائر الناجمة عن بيع الخبز بأقل من تكلفته الحقيقية، خاصة بعد ارتفاع أسعار القمح المستورد عالمياً وانخفاض قيمة الليرة.

ورغم ذلك، بقي الخبز -حسب المعلن- مدعوماً من الدولة ويباع للمواطنين بسعر رمزي مقارنة بسعر تكلفته، ما يعني استمرار تحمل الخزينة لفاتورة الدعم. ومع عودة حقول القمح الشرقية، يأمل صناع القرار بأن يسهم ارتفاع الإنتاج المحلي في تخفيف العبء المالي لدعم الرغيف. لكن المؤشرات الحالية تنبئ بأن طريق التحرر من الاستيراد ما زال طويلاً. فحتى مع تحسن التوريد المحلي المتوقع، لن تغطي المحاصيل فوراً كامل الطلب المحلي المتزايد. وأمام الحكومة خياران أحلاهما مر، فإما زيادة الإنفاق على الاستيراد لضمان وفرة الخبز المدعوم، أو إعادة هيكلة الدعم ذاته.

وقد بدأت بالفعل نقاشات رسمية حول توجيه دعم الخبز إلى مستحقيه فقط، بدل إبقائه شاملاً للجميع. إذ يدرس صانعو القرار سيناريوهات تحرير تدريجي لسعر الخبز وتعويض الأسر الأشد فقراً مالياً، بحيث تصل المساعدة لمستحقيها دون أن تُستنزف موارد الدولة بشدة. لكن يحذر بعض الاقتصاديين من أن أي رفع ملموس لسعر الخبز دون مرافقة ذلك بزيادة الرواتب وشبكات حماية اجتماعية سيكون ضربة قاسية لمعيشة السوريين، إذ يعيش نحو 90% منهم تحت خط الفقر وانعدام الأمن الغذائي وفق تقارير الأمم المتحدة.

من هنا، تراهن الحكومة على أن تستعيد سنابل الجزيرة بريقها سريعاً لتجني ثمارها مالياً واجتماعياً، فكل طن قمح محلي إضافي قد يعني وفراً بالعملة الصعبة وخطوة إضافية للإبقاء على رغيف الخبز في متناول الجميع.

تحديات ومكاسب مؤجلة

على الرغم من الأهمية الإستراتيجية لاستعادة حقول القمح الشرقية، إلا أن ثمار هذا التحول لن تُقطف بين ليلة وضحاها، إذ يحتاج القطاع الزراعي إلى فترة زمنية لإعادة التأهيل بعد ما أصابه من أضرار. فمشاريع الري الكبيرة – مثل مشروع ري القطاع السادس في دير الزور – تتطلب صيانة وإعادة تشغيل قبل أن تعود لضخ الحياة في الأراضي العطشى.

كما أن عودة المزارعين إلى حقولهم التي هجروها لسنوات ليست تلقائية، فالكثيرون منهم خسروا آلاتهم وبذورهم أو تركوا الزراعة تحت وطأة الخسائر.

لكن بدأت الحكومة السورية الآن خطوات على الأرض لدعم الفلاحين وتشجيعهم على زراعة القمح مجدداً، عبر توفير مستلزمات الإنتاج من بذار وأسمدة بأسعار مدعومة وقروض ميسرة. وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الزراعة برنامج “القرض الحسن” الذي يزوّد المزارعين بالبذار والسماد دون فوائد، على أن تُسترد كلفة الدعم بعد الحصاد. وتستهدف هذه المبادرة زراعة 300 ألف هكتار إضافية، أملاً في إنتاج يتجاوز مليون طن قمح في الموسم المقبل، ما قد يغطي نحو ثلث احتياجات البلاد.

ورغم أن الأرقام واعدة، تبقى رهينة عوامل عديدة مثل توفر الأمطار أو مياه الري الكافية، وتحسن الخدمات في المناطق الريفية التي عانت تهميشاً طويلاً.

الطبيعة تواجه الاكتفاء

التحدي الأكبر الذي يواجه تحقيق الاكتفاء القمحي هو الطبيعة نفسها، فمواسم الجفاف المتكررة والتغيرات المناخية أصبحت واقعاً يقلق المزارعين وخبراء الاقتصاد معاً. خلال العامين الماضيين، ضرب جفاف قاسٍ مناطق زراعة الحبوب في سوريا هو الأسوأ منذ عقود، مما أتلف مساحات شاسعة من محصولي القمح والشعير. وفي حال استمرار شح المطر هذا الموسم، قد لا تكفي كل الجهود الحكومية لتعويض الفاقد لكن من الملاحظ لدى العامة أن الأمطار وفيرة هذا العام ما قد يترك أثراً إيجابياً على العملية برمتها.

ومع هذا، يشدد مختصون على ضرورة إدارة الموارد المائية بكفاءة وإعادة تأهيل السدود وشبكات الري سريعاً، بالتوازي مع إدخال أصناف قمح محسّنة مقاومة للجفاف.

كذلك يتطلب الأمر دعم خدمات الإرشاد الزراعي لإرشاد الفلاحين إلى ممارسات حديثة تقلل استهلاك المياه وتحسّن غلة الدونم الواحد، فدون هذه الخطوات، قد يبقى الإنتاج دون المأمول حتى لو أصبحت الأرض تحت سيطرة الدولة المركزية.

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال أهمية إعادة بناء الثقة مع المزارعين، فسنوات من الأسعار غير المجزية التي حُددت رسمياً لاستلام القمح دفعت كثيرين لترك زراعته والانتقال لمحاصيل بديلة أقل مخاطرة وربحاً أسرع. فعلى سبيل المثال، شهدت مواسم ماضية ابتعاد الفلاحين عن زراعة القمح نحو محاصيل مثل الكمون واليانسون التي تباع بسعر السوق الحر وتحقق دخلاً فورياً. لهذا، فإن تقديم أسعار تشجيعية هذا الموسم لشراء القمح من الفلاحين، وضمان تسويق المحصول دون تعقيدات، سيكون اختباراً مهماً لمدى الجدية في إعادة إحياء الذهب الأصفر.

كما أن تأهيل صوامع الحبوب الضخمة في الشمال الشرقي – التي تبلغ سعتها التخزينية نحو مليوني طن – سيوفر قدرة على استيعاب فائض الإنتاج إن تحقق، ويحول دون تلفه أو تهريبه.

عودة القمح بارقة أمل

في المحصلة، عودة قمح الجزيرة إلى دمشق هي بارقة أمل حقيقية للخروج من نفق أزمة القمح الطويلة في سوريا، لكنها أشبه ببذرة واعدة تتطلب الكثير من الرعاية والصبر قبل أن تُنبت سنابل مكتنزة تفيض بخيرها على كل بيت.

ولا شك أن فاتورة استيراد القمح التي أثقلت كاهل الاقتصاد السوري لن تنتهي بين يوم وليلة؛ فمن المبكر الحديث عن توقف تام لشراء الحبوب من الخارج في ظل الواقع الراهن، إنما المؤكد أن استعادة هذه المناطق الزراعية تشكل نقطة تحول إيجابية تتيح لسوريا أن تخفف اعتمادها على قمح الآخرين تدريجياً. وبحال نجحت الدولة في حسن إدارة هذا المورد الإستراتيجي، ودعم المزارعين لمضاعفة الإنتاج، فقد نشهد خلال سنوات قليلة انخفاضاً كبيراً – وربما اختفاءً – لفاتورة استيراد القمح التي استنزفت خزينة البلاد. وحتى ذلك الحين، يبقى الرهان قائماً على موسم خير قادم، يثبت أن سنابل الجزيرة عادت حقاً لتملأ صوامع دمشق وتغلق باب أزمة الرغيف إلى غير رجعة.

المدن

———————————

 تفكيك بلا رقابة.. كيف تحوّل سوق السيارات القديمة في سوريا إلى اقتصاد ظل؟/ بيسان خلف

2026.01.26

على أطراف ريف دمشق، وفي مناطق صناعية بعيدة عن الأعين، تصطف هياكل سيارات بلا لوحات تسجيل، بلا زجاج، وبلا أي أثر قانوني يدل على هويتها السابقة، سيارات كانت يومًا وسيلة تنقّل، تحوّلت إلى هياكل معدنية مفككة.

في هذه الساحات، لا يُطرح سؤال عن مصدر السيارة، ولا عن أوراقها، ولا عن مصيرها قبل أن تصل إلى هذه الحالة، السؤال الوحيد الذي يحدد قيمتها هو: “كم قطعة يمكن استخراجها؟ وكم يمكن أن تدرّ من أرباح؟”

مع رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا وفتح باب استيراد السيارات الحديثة، وما رافق ذلك من كساد واسع في سوق السيارات القديمة، برزت سوق تفكيك السيارات بوصفها واحدة من أكثر أنشطة اقتصاد الظل ربحًا وانتشارًا، سوق تعمل خارج أي إطار رقابي فعلي، وتحقق مكاسب ضخمة لشبكات داخلية منظمة، في حين تتراكم خسائرها على الاقتصاد.

من إعلان بسيط إلى شبكة تفكيك

غالبًا ما تبدأ رحلة التفكيك بإعلان عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، أو لافتة صغيرة أمام مكتب متواضع لبيع السيارات: “شراء سيارات قديمة – متوقفة – مهما كانت حالتها”.

خلف هذه الإعلانات يقف سماسرة يعملون ضمن حلقة أولى داخل منظومة أوسع، تبدأ بشراء السيارة وتنتهي في ورشات التفكيك.

تواصل موقع تلفزيون سوريا مع أحد السماسرة الذي يملك مكتبًا صغيرًا لبيع السيارات في بلدة المعضمية بريف دمشق، والذي عرض مبلغًا ماليًا يبدو مقبولًا مقابل سيارة متوقفة، دون أن يسأل عن بطاقة ملكيتها أو أوراقها.

يقول السمسار: “أوراق السيارة لا تهم في هذا النوع من الشراء، الوضع القانوني لا يحدد السعر، إنما كمية القطع القابلة للبيع”.

ويضيف: “نحن نشتريها على الهيكل، وما يخرج منها يتوزع”.

بحسب السمسار، تُنقل السيارة بعد إتمام الصفقة مباشرة عبر سطحات خاصة إلى ورشات تفكيك منتشرة في أطراف دمشق وريفها، بعضها داخل مناطق صناعية معروفة، وأخرى في ورش ميكانيك.

تفكيك سريع.. وسوق بلا أسئلة

في ورشات التفكيك، لا تُسجّل أرقام الهياكل، ولا تُوثّق القطع الخارجة، ولا يوجد أي حضور فعلي لجهة رقابية.

ويشرح السمسار أن القطع تُباع مباشرة لتجار آخرين أو تُنقل إلى أسواق معروفة لبيع “القطع المستعملة”، حيث تختلط قطع سيارات مسروقة أو مجهولة المصدر مع سيارات متوقفة بشكل قانوني.

ويؤكد أن الطلب على هذه القطع “مرتفع جدًا”، خصوصًا مع ارتفاع أسعار قطع الغيار وندرتها، ما يجعل السوق المستعملة خيارًا شبه إجباري لآلاف السائقين.

“الزبون لا يسأل من أين جاءت القطعة، المهم أن تعمل وأن تكون أرخص”، يقول السمسار.

شبكة أرباح متعددة الحلقات

لا تقف الأرباح عند السمسار أو ورشة التفكيك، فكل قطعة تُباع تمر عبر سلسلة وسطاء: تاجر قطع، صاحب محل، وربما ورشة صيانة، في حين يبقى الأصل  “السيارة نفسها” خارج أي سجل.

وبحسب تقديرات غير رسمية لتجار في السوق، حصل عليها موقع تلفزيون سوريا، فإن سيارة واحدة يُشترى هيكلها بمبلغ يتراوح بين 1,500 و3,000 دولار، بحسب نوعها وحالتها، يمكن أن تدر بعد تفكيكها إيرادات إجمالية تتجاوز 4,000 إلى 6,000 دولار.

محرك صالح للبيع وحده قد يعادل ثمن السيارة كاملة، في حين تشكّل القطع الإلكترونية (الكمبيوتر، الحساسات، شاشات التحكم) مصدر ربح إضافي عالي القيمة، إلى جانب الهيكل المعدني الذي يُباع بالكيلو لإعادة الصهر.

عامل سابق في إحدى هذه الورش يصف العملية لموقع تلفزيون سوريا قائلًا: “لم تكن السيارة تبقى في الورشة أكثر من ساعات، كل قطعة لها زبون معروف مسبقًا، أحيانًا نكون قد بعنا القطع قبل أن تصل السيارة، وأحيانًا نفكك أكثر من سيارة في يوم واحد”.

ويضيف أن أرباح سيارة واحدة قد تعادل ثمن سيارتين في السوق المتداولة، خصوصًا إذا كانت من طراز مرغوب أو حديث نسبيًا.

وفق شهادة العامل السابق، تُوزّع الأرباح داخل منظومة التفكيك وفق آلية شبه ثابتة:

    السمسار يحصل على هامش ربح سريع مقابل تأمين السيارة، يتراوح بين 5 و10 بالمئة من قيمة التفكيك الإجمالية.

    صاحب ورشة التفكيك يستحوذ على الحصة الأكبر، لامتلاكه المكان والعمال والأدوات، وغالبًا ما يبيع القطع الأساسية مباشرة لتجار جملة متعاقدين معه مسبقًا.

    عمال التفكيك يتقاضون أجورًا يومية منخفضة مقارنة بحجم الأرباح، دون أي ضمانات أو عقود.

    تاجر الجملة يرفع السعر عند إعادة البيع لمحال المفرق بنسبة قد تصل إلى 30 أو 40 بالمئة.

قطع مستعملة.. خيار إجباري

مع ارتفاع أسعار قطع تبديل السيارات وصيانتها، باتت القطع المستعملة الخيار شبه الوحيد لغالبية السوريين، فالقطع الجديدة إما نادرة أو تُباع بأسعار تفوق القدرة الشرائية لشرائح واسعة.

يقول “مصطفى عزام”، صاحب محل لبيع قطع السيارات: “الزبون يعرف أن القطعة مستعملة، لكنه لا يملك خيارًا آخر. القطعة الجديدة إن وُجدت، سعرها خيالي. محرك مستعمل اليوم قد يساوي راتب موظف لعدة أشهر”.

ويضيف خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا: “رغم أن سوق التفكيك تبدو ظاهريًا متنفسًا للبعض، فإن المستفيد الحقيقي منها هي الشبكات القادرة على التحكم بتدفق السيارات والقطع”.

ويتابع: “إذا لم يكن صاحب محل قطع السيارات جزءًا من شبكة، لن يحصل على القطع الجيدة، وتُعرض عليك القطع الرديئة فقط وبسعر مرتفع”.

اقتصاد الظل ينعكس على تنظيم قطاع النقل

خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، يرى أحمد مرهج، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، أن توسّع سوق تفكيك السيارات القديمة في سوريا يشكّل أحد تجليات اتساع اقتصاد الظل في البلاد، بما يحمله من آثار سلبية مباشرة على البنية الاقتصادية ككل.

وبحسب مرهج، يحوّل هذا النشاط آلاف السيارات من أصول قابلة للاستخدام أو الإصلاح إلى مواد مفككة تُباع على شكل قطع، ما يعني تآكل رأس المال المادي بدل إعادة تدويره ضمن دورة إنتاجية أو خدمية منتظمة.

ويضيف أن تفكيك السيارات بهذا الشكل يسهم في تقليص حجم الأصول المسجلة في الاقتصاد، ويضعف أي قدرة مستقبلية على تنظيم قطاع النقل أو التخطيط له.

ويشير إلى أن السوق تعمل خارج أي إطار ضريبي أو رقابي، ما يحرم الخزينة العامة من إيرادات ضريبية كبيرة محتملة، سواء من عمليات البيع أو من ورش التفكيك نفسها أو من تجارة قطع الغيار، في وقت تعاني فيه المالية العامة من عجز.

كما يلفت إلى أن ضخ قطع سيارات مجهولة المصدر في السوق يؤدي إلى تشويه آليات التسعير، حيث تُفرض الأسعار وفق منطق الندرة والاحتكار وليس وفق تكاليف حقيقية، ما يرفع كلفة الصيانة على الأفراد ويزيد الضغوط المعيشية، خصوصًا على أصحاب المهن المرتبطة بالسيارات والنقل.

ويرى مرهج أن هذا النمط من النشاط يعزز ما يُعرف بـ”اقتصاد التفكيك”، وهو اقتصاد يعتمد على استنزاف الموجودات بدل خلق قيمة مضافة، ويزدهر عادة في البيئات الخارجة من النزاعات، حيث تغيب القواعد التنظيمية وتتقدم شبكات المصالح على حساب المؤسسات.

ويحذّر من أن استمرار هذا السوق من دون تنظيم قد يؤدي على المدى المتوسط إلى:

    ترسيخ شبكات احتكارية تتحكّم بتدفق السيارات وقطع الغيار.

    توسيع فجوة عدم المساواة بين من يملك القدرة على الوصول إلى هذه الشبكات ومن هم خارجها.

    زيادة المخاطر المرتبطة بسرقة السيارات أو الاستيلاء عليها بطرق غير قانونية.

    إضعاف أي محاولة مستقبلية لإعادة تنظيم سوق السيارات أو إدخال إصلاحات ضريبية فعّالة.

تلفزيون سوريا

—————————-

 سوريا تطالب المصنعين بتسوية الالتزامات الضريبية المستحقة

غرفة صناعة دمشق أكدت أن التهرب الضريبي يضر بالقطاع الصناعي

الرياض – العربية

26 يناير ,2026

أكدت غرفة صناعة دمشق وريفها في سوريا أهمية الالتزام الضريبي بوصفه واجباً وطنياً وأخلاقياً، يسهم في دعم استقرار الدولة وتعزيز قدرتها على توفير بيئة عمل أفضل للقطاع الصناعي.

ودعت الغرفة المصنعين إلى التعاون الإيجابي والمسؤول مع إجراءات التحصيل الضريبي والمبادرة إلى تسوية الالتزامات المستحقة، وتقديم بيانات ضريبية صادقة ومقنعة وفق القوانين والأنظمة النافذة.

وأشارت الغرفة إلى أن تطوير القوانين الضريبية، وإزالة الشرائح الضريبية، يشكلان إحدى أهم ركائز دعم الصناعة السورية واستمرار العملية الإنتاجية وتطوير البنى التحتية التي تخدم القطاع الصناعي، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

كيف استقبلت الأسواق السورية الليرة الجديدة؟.. الإجابة لدى تجار دمشق

اقتصاد اقتصاد سوريا كيف استقبلت الأسواق السورية الليرة الجديدة؟.. الإجابة لدى تجار دمشق

وأكدت غرفة صناعة دمشق وريفها أن التهرب الضريبي يضر بالقطاع الصناعي ككل ويضعف فرص النهوض الاقتصادي.

ولفتت الغرفة إلى أن التعاون في هذا الإطار يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة وترسيخ مبادئ الشفافية، ودعم مسار التعافي الاقتصادي الذي تعمل عليه مختلف الجهات السورية.

وتأتي هذه الدعوة بينما تتواصل الجهود الحكومية لإصلاح النظام الضريبي وتحديثه بما يحقق العدالة الضريبية، ويوازن بين حقوق الخزينة العامة ودعم القطاعات الإنتاجية، ولا سيما القطاع الصناعي، الذي يشكل ركيزة أساسية في عملية التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

———————————

=====================

تحديث 25 كانون الثاني 2026

———————————

ثروات “الجزيرة” تعود إلى الدولة السورية/ جوزيف ضاهر

90 في المئة من نفط سوريا وقطاع زراعي غني ينتظر ثبات والاستثمار

 25 يناير 2026

لم يكن خروج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من منطقة الجزيرة مجرد تحول عسكري عابر، بل لحظة مفصلية تعيد رسم خريطة النفوذ والاقتصاد في سوريا. فبعودة هذه المنطقة إلى دائرة سيطرة الدولة، تستعيد دمشق واحدة من أكثر مناطق الجغرافيا ثقلا اقتصاديا واستراتيجيا، في البلاد، وذلك بما تحمله من ثروات نفط وغاز، ومساحات زراعية تشكل العمود الفقري للأمن الغذائي.

يفتح هذا التطور الباب أمام رهانات اقتصادية، لبداية الخروج من وطأة ما خلفته سنوات الحرب، كما يطرح تساؤلات عن قدرة الدولة على استثمار ثرواتها، وترجمة ذلك في مؤشرات الاقتصاد عبر تحريك عجلة الإنتاج، وخفض الاعتماد على الاستيراد، وإعادة وصل ما انقطع بين الاقتصاد السوري وموارده الأساس.

وفي هذا الاطاريؤكد عدد من المسؤولين السوريين أن عودة منطقة الجزيرة إلى سلطة الدولة ستنعكس إيجابا على الوضع الاقتصادي في البلاد. واعتبر وزير المالية محمد يسر برنيه، أن استعادة السيطرة على منطقة الجزيرة في شمال شرق سوريا منعطف حاسم يحمل مكاسب اقتصادية وسياسية واجتماعية. وأوضح أن إعادة دمج المنطقة في مؤسسات الدولة من شأنه أن يعزز الإيرادات العامة، ويدعم مشاريع الإعمار والتنمية، ويبعث برسالة استقرار تطمئن المستثمرين المحليين والدوليين.

من جهته، قال وزير الطاقة السوري، محمد البشير، إن استعادة موارد المنطقة ووضعها تحت سلطة الدولة “تعني فتح الباب واسعا أمام إعادة الإعمار، وتنشيط الزراعة والطاقة والتجارة”.

أما محافظ مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، فشدد على أن إعادة الموارد إلى الإطار المؤسسي تشكل مدخلا ضروريا لاستعادة التوازن النقدي وتعزيز فاعلية أدوات الإدارة المالية.

سلة غذاء ومركز النفط السوري

تضم منطقة الجزيرة مواد أولية أساسية مثل النفط والغاز، إلى جانب أهم المحاصيل الزراعية وفي مقدمتها القمح والقطن. غير أن هذه المنطقة عانت تاريخيا من ضعف البنى التحتية والمؤسسات القادرة على تحويل المواد الخام إلى سلع استهلاكية، مثل المصافي، والمطاحن، والمصانع التي تحول الإنتاج الزراعي إلى منتجات غذائية.

وغالبا ما وصفت منطقة الجزيرة بأنها “سلة غذاء” سوريا، نظرا لثقلها الزراعي. ففي عام 2011، بلغ إنتاجها من القمح نحو 2,15 مليون طن، ما يعادل 55 في المئة من إجمالي إنتاج البلاد، فيما وصل إنتاج القطن إلى نحو 523 ألف طن، أي نحو 78 في المئة من الإنتاج الوطني في ذلك العام.

لكن الأهم أن الجزيرة تعد منطقة استراتيجية بفضل تركز موارد النفط والغاز فيها: نحو 90 في المئة من ثروة سوريا النفطية، مع مساهمة محافظة الحسكة بالنصيب الأكبر من الإنتاج الوطني، إضافة إلى 45 في المئة من الغاز الطبيعي، بما في ذلك حقل “كونوكو” الذي كان ينتج 13 مليون متر مكعب يوميا عام 2011، قبل أن يتوقف عن العمل.

وتقدر الاحتياطيات المؤكدة من النفط في سوريا بنحو 2,5 مليار برميل، ومن الغاز بنحو 240 مليار متر مكعب. وقبل عام 2011، بلغ إنتاج النفط 385 ألف برميل يوميا، يصدر منه نحو 180 ألف برميل، فيما وصل إنتاج الغاز الطبيعي إلى 30 مليون متر مكعب يوميا. وقد ساهم قطاعا النفط والغاز عام 2010 بنحو 35 في المئة من عائدات التصدير و20 في المئة من الإيرادات، وكانا المصدر الأهم للعملات الأجنبية. على الرغم من ذلك، أصبحت سوريا منذ عام 2007 مستوردا صافيا للنفط نتيجة تراجع القدرة الإنتاجية منذ العقد الأول من الألفية وارتفاع الطلب المحلي الذي قدر بـ305 آلاف برميل يوميا عام 2010. كما أسهم قطاعا النفط والغاز في دعم قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالطاقة.

وثمة عنصر آخر لا يقل أهمية، يتمثل في السيطرة على سد الطبقة، أكبر منشأة كهرومائية في سوريا، الذي يوفر الكهرباء والري لمساحات واسعة من شمال البلاد وشرقها، فضلا عن أهمية التحكم بالمعابر الحدودية، وما يتيحه ذلك من تأثير مباشر في حركة التجارة والإمدادات.

ثروة استراتيجية دونها تحديات

إزاء هذا الواقع الجديد، باتت الحكومة في دمشق تسيطر بالكامل على إنتاج النفط، مما يرفع قدرتها على زيادة الإنتاج من مستوى تراوح سابقا بين 10 آلاف و30 ألف برميل يوميا إلى ما بين 100 ألف و120 ألف برميل يوميا.

كذلك، يفترض أن تتمكن السلطات السورية من زيادة إنتاجها من الغاز، وبالتالي خفض اعتمادها على الجهات الخارجية في استيراد النفط والغاز، مما يسهم في رفع إيرادات الدولة وتقليص عجز الميزان التجاري، المقدر بين 3 و4 مليارات دولار. وقد يسهم ذلك أيضا، ولو جزئيا، في تخفيف الضغط على العملة الوطنية. كما أن التكرير المحلي للنفط أقل تكلفة من استيراد المشتقات النفطية من الخارج، في حين تبقى الواردات خاضعة للأسعار التي تفرضها الاسواق. وفي الوقت نفسه، قد يتيح هذا التطور توسيع القدرة على إنتاج الكهرباء وتقليص الاعتماد، ولو بشكل طفيف، على استيرادها من الخارج، لتغطية الاستهلاك الوطني على المديين القصير والمتوسط.

وعلى الرغم من اتساع السيطرة على إنتاج النفط والغاز، ستظل سوريا معتمدة على استيراد جزء من احتياجاتها لتغطية الاستهلاك الوطني في المديين القصير والمتوسط، ولن تكون قادرة على تصدير كميات كبيرة من النفط. وبالتالي، قد لا تشكل هذه الموارد مصدرا رئيسا للعملات الأجنبية في الوقت الحالي.

دمار كبير لقطاع النفط والغاز

تعرض قطاعا النفط والغاز خلال العقد الماضي لدمار واسع وأضرار كبيرة بفعل الحرب، ولا سيما في منطقة الجزيرة. فقد تراجع إنتاج حقل العمر في دير الزور من 80 ألف برميل يوميا عام 2011 إلى نحو 20 ألف برميل يوميا. كذلك انخفض إنتاج حقل التنك، الواقع في حوض الفرات، شرق دير الزور، من 40 ألف برميل يوميا عام 2011 إلى نحو ألف برميل فقط. وبلغ إجمالي إنتاج البلاد من النفط في نهاية عام 2025 نحو 120 ألف برميل يوميا، فيما قدر الطلب المحلي بـ163 ألف برميل يوميا في عام 2024.

    وزارة الطاقة السورية

كما تتأثر القدرات الإنتاجية بخطوط الأنابيب والمصافي المتضررة. فالمصفاتان الرئيستان في البلاد، بانياس (130 ألف برميل يوميا) وحمص (110 آلاف برميل يوميا)، تبلغ طاقتهما الإجمالية نحو 240 ألف برميل يوميا، لكنهما تعملان بنسبة 30 في المئة للأولى و40 في المئة للثانية.

ويصل الإنتاج الحالي للغاز إلى 7,6 ملايين متر مكعب يوميا، وهو ما لا يكفي لتشغيل محطات الكهرباء التي تنتج حاليا 3 آلاف ميغاواط، إذ تحتاج هذه المحطات إلى ما بين 13 و14 مليون متر مكعب من الغاز يوميا. ويجري تأمين الفارق عبر الاستيراد من أذربيجان والأردن أو عبر الموانئ السورية. ووفقا لمدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة، أحمد السليمان، يقدر الطلب السنوي على الكهرباء بـ7 آلاف ميغاواط، في حين لا تنتج المحطات الحالية سوى نحو 5 آلاف ميغاواط، مقارنة بقدرة إنتاجية للكهرباء بلغت 8500 ميغاواط عام 2011.

وتبرز تكلفة إعادة الإعمار كعامل بالغ الأهمية في كلا القطاعين. وبحسب وزارة الطاقة السورية، تحتاج البلاد إلى أكثر من 30 مليار دولار لإعادة تأهيل قطاعات النفط والتعدين والكهرباء والمياه، فيما يتطلب قطاعا الكهرباء والنفط وحدهما نحو 10 مليارات دولار لكل منهما. يضاف إلى ذلك أن إعادة بناء البنى التحتية تحتاج إلى سنوات عدة وتبقى مشروطة بتوافر الأمن والاستقرار السياسي.

وقد سعت دمشق إلى إحياء اتفاقات سابقة واستقطاب مستثمرين جدد، فيما حصلت خلال عام 2025 على منحة نفطية سعودية قدرها 1,65 مليون برميل، ومنحة غاز قطرية بلغت ملايين عدة من الأمتار المكعبة.

القطاع الزراعي ينتظر خطة ودعم المزارعين

على نحو مماثل، تضرر الإنتاج الزراعي بشدة جراء الحرب، وتعرضت شبكات الري للتخريب، أضف إلى ذلك سوء الإدارة، وموجات الجفاف الطويلة والصدمات المناخية، والهجرة الريفية، ونقص الوقود وارتفاع تكلفة الإنتاج. فقد تراوح إنتاج القمح في السنوات الأخيرة بين مليون وثلاثة ملايين طن، مقارنة بمتوسط ما قبل الأزمة البالغ نحو 4,1 ملايين طن بين عامي 2002 و2011، مما زاد اعتماد البلاد على استيراد القمح. كما شهد إنتاج القطن تراجعا حادا، من أكثر من 700 ألف طن عام 2011 إلى ما بين 28 ألفا و125 ألف طن في السنوات الأخيرة.

ولا يزال القطاع الزراعي ينتظر وضع خطة شاملة للدعم في المدى القريب. وإذا بقي الوضع على حاله من دون اتخاذ إجراءات داعمة، يتوقع تخلي المزارعين عن أراضيهم لعجزهم عن تحمل تكلفة إدارتها وزراعتها. وسيزيد ذلك اعتماد سوريا على استيراد المواد الغذائية الأساس، وبالتالي اتساع عجز الميزان التجاري.

وفي مواجهة ضعف القطاع الزراعي والتهديدات التي تحيط به، أعلنت الحكومة السورية في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إطلاق نظام قروض عينية بلا فوائد، يزود المزارعين البذار والأسمدة الضرورية لدعم زراعة القمح.

وبحسب وزارة الزراعة، “تشمل هذه الخطة مساحة 300 ألف هكتار، بهدف دعم المزارعين وزيادة الإنتاج المتوقع أن يتجاوز مليون طن من القمح، بما يسهم في تأمين جزء من احتياجات سوريا من هذا المحصول الاستراتيجي”. غير أن القيود الهيكلية والإدارية تعرقل تنفيذ القرار، كما أن القرض يقتصر على الأراضي المروية، مستبعدا الأراضي البعلية التي تشكل جزءا مهما من الإنتاج الوطني. وهذا يجعل القرض غير كاف لتغطية الاحتياجات الفعلية، خاصة مع فروقات الأسعار في مستلزمات الإنتاج. ويقتصر القرار على القمح وحده، مستبعدا محاصيل استراتيجية أخرى وكأنها أقل أهمية. وبصورة أوسع، فإن هذه المبادرة لا تعالج المشكلة بكل تحدياتها المتشابكة، إذ تفتقر إلى أي دعم حقيقي يغطي متطلبات العملية الزراعية كاملة.

————————–

 في تحدّي “فاتورة الكهرباء” بسوريا/ إياد الجعفري

الأحد 2026/01/25

في دردشة ممتعة حظيت بها مؤخراً برفقة نخبة من الخبراء الاقتصاديين والمتخصصين بمراقبة الشأن الاقتصادي إعلامياً، في سوريا، كانت إحدى جوانب النقاش المثيرة للاهتمام: هل توجد رؤية اقتصادية لدى صانع القرار في دمشق؟ أم أنه يضرب ضرب عشواء؟ وكان الجواب في اتجاهين، الأول يرى أن صانع القرار يمتلك رؤية “نيوليبرالية” حادة، ويأخذ البلاد باتجاهها، من دون مراعاة للعواقب الاجتماعية -والسياسية لاحقاً- المحتملة. وبين اتجاه ثانٍ، يرى أن هناك ارتباك واضح في الرؤية تتجلى معالمه في اتخاذ قرارات اقتصادية متضاربة الدلالات والأثر، خلال العام الفائت.

وكانت إحدى المؤشرات المنتظر الرهان عليها، هي ردود أفعال السوريين على أسعار الكهرباء في أول دورة (آخر شهرين من العام 2025) بعد رفع الأسعار القياسي الذي اعتُمد في مطلع تشرين الثاني الفائت. وكيفية تفاعل صانع القرار معها. وكان التوقع المرجح، أن ردود أفعال السوريين ستكون حادة وغاضبة. وهو ما يحدث الآن، بالفعل، كما ترصد وسائل إعلام محلية. ليبقى السؤال: كيف سيتفاعل صانع القرار في دمشق؟

كانت السلطات المعنية في وزارة الطاقة قد استبقت صدمة فاتورة الكهرباء الأولى بعد رفع الأسعار، بتصريحات على ألسنة مسؤوليها، تدعو السوريين للترشيد في استهلاك الكهرباء. وتحمّلهم مسؤولية الفاقد الكبير في الطاقة الشحيحة، أساساً. وهي تصريحات جاءت مستفزة لشريحة واسعة من الشارع. وقد أعقبتها دعوات على وسائل التواصل، تنوعت بين الامتناع عن دفع الفاتورة، حتى لو أدى ذلك إلى سحب “ساعة الكهرباء” النظامية، وبين دعوات للتظاهر، وأخرى تطالب باستقالة وزير الطاقة. وحتى ساعة كتابة هذه السطور، لا تبدي السلطات المعنية رد فعلٍ على هذا الحراك “الافتراضي”. فهو لم يتحول بعد إلى حراك على الأرض. وتبدو وكأنها تراقب، مع المراقبين للشأن الاقتصادي السوري، في رهان على الوقت، وعلى استيعاب السوريين لأولى الصدمات الكبرى لتحرير الأسعار.

في هذه الأثناء، تتالى خطوات عقد الصفقات مع القطاع الخاص لتأجير منشآت ومشاريع اقتصادية عامة، وسط غموض وعدم شفافية في تفاصيل هذه الصفقات، ومن دون أن تسبقها أي مناقصة أو فرصة للمنافسة بين المستثمرين المحتملين. وفي الدردشة التي أشرنا إليها أعلاه، كان رأي فريق من المتخصصين، أن ذلك شكل من أشكال “الخصخصة”، التي قد لا تعني بالضرورة “البيع”، بل نقل الإدارة وجانب كبير من الأرباح للقطاع الخاص، مع غموض في مصير العمالة الكبيرة الموجودة في تلك الشركات العامة، والتي على الأرجح، لن تحافظ على وظائفها، وإلا، فإن المستثمر الخاص لن يربح، مما سيزيد من إشكالية الأيدي العاملة، العاطلة عن العمل، التي ستُطرح في السوق المتخم بها، أساساً، والعاجز عن استيعابها.

بعد كل هذه المقدمة الطويلة، هل نستطيع توصيف رؤية اقتصادية واضحة لصانع القرار في دمشق؟ بطبيعة الحال، لم يخفِ رجالات “العهد الجديد”، منذ اللحظات الأولى لوصولهم إلى السلطة، رغبتهم في الاتجاه إلى “اقتصاد السوق” الحر والتنافسي. لكنهم لم يخبروا جمهورهم المبتهج يومها، بكلفة التخلص من تركة “الاشتراكية” العفنة، في بلادهم. وقد لمس هذا الجمهور، الكبير، جوانب من تلك الكلفة، على مدار العام الفائت. إلا أن أكبر ملامح تلك الكلفة، تتجسّد اليوم في “فاتورة الكهرباء”. وبدأ الناس يتحدثون علناً عن ردود فعل مزمعة. “لن ندفع”. ونستطيع الجزم بأن السلطات المعنية تترقب بالفعل، مدى تحوّل هذه “الأقاويل” إلى أفعال. لتبني عليها ردود أفعالها، هي الأخرى. مما يجعلنا أمام حالة تجريبية، يتم فيها تلمّس الأثر الاجتماعي -والسياسي من وراءه- للتحوّل الصادم والسريع نحو الاقتصاد “الليبرالي”، إن لم نقل “النيوليبرالي”.

وعلى غرار الحراك السريع، السياسي والدبلوماسي والعسكري، لسلطة الرئيس أحمد الشرع، على صعيد “توحيد” سوريا، ونسج سياسة خارجية متوازنة لها، يتحرك الشق الاقتصادي من هذه السلطة باتجاه نقل البلاد نحو حالة اقتصادية مختلفة تماماً، عن تلك التي كانت عليها. وبالوتيرة السريعة نفسها. ويبدو أن هناك رهاناً على الإنجاز بأسرع وقت، يراه بعض أنصار السلطة المقرّبين، أبرز إيجابياتها. “رشاقة” وسرعة الإنجاز، مقابل بطء التحوّلات في العهد البائد، خصوصاً في الشق الاقتصادي. لكن هذه “السرعة” في التحوّل والحراك، بغية الإنجاز، عرّضت سوريا، في الشق السياسي والعسكري، لخضّات هددت السلم الأهلي بشدة، خلال العام الفائت. وإن اتفقنا مع القائلين بأن غاية صانع القرار في تلك “الخضّات”، كانت توحيد البلاد، والتخلص من الحالة الفصائلية ومخاطر الانفصال في بعض أطرافها، وتحقيق الاستقرار سريعاً، بغية جذب الراغبين الخارجيين بالانخراط في إعادة إعمار البلاد. إلا أن الحراك السريع بهذا الاتجاه، كانت كلفته، المرور بـ”أفخاخ” خطرة، وفق وصف الشرع للخطأ الكبير الذي ارتكب في السويداء، مطلع الصيف الفائت.

وعلى غرار الشق السياسي والعسكري، نجد في التحوّل الاقتصادي نحو “الليبرالية” حراكاً سريعاً لا يراعي المخاطر المحتملة على صعيد ردود أفعال الشارع. أو ربما، يراهن على التفاعل مع كل “فخ” محتمل، بما يتطلبه الأمر، كما تم في الشق السياسي والعسكري. أي معالجة المشكلة، بعد التسبب بها، أساساً. وهكذا نخلص إلى أننا أمام رؤية اقتصادية “ليبرالية” للبلاد، لكن تنفيذها يتم بنفَسٍ تجريبي، يبني على الشعبية الكبيرة التي يمتلكها الشرع شخصياً لدى شريحة واسعة من السوريين، وعلى النجاحات في الشق السياسي والدبلوماسي، ومؤخراً، العسكري أيضاً. وأولى ملامح “التجريب” في هذا الحراك السريع، ستكون في تحدّي “فاتورة الكهرباء”. هل يستوعبه السوريون ويمضون قدماً، كما يراهن صانع القرار؟ أم تكون هناك نتائج مستدامة ومعقدة من ردود الأفعال الاعتراضية على الأرض، تتطلب من السلطات المعنية معالجات مختلفة؟! في ذلك، يترقب المراقبون، كما يترقب صانع القرار، في حالة تجريبية لا نعرف بعد إن كانت هناك خطة مسبقة للتعامل مع تفاعلاتها المحتملة.

المدن

—————————

من العبور اليومي إلى اقتصاد الحرب: تاريخ التهريب على الحدود اللبنانية – السورية/ حسين مهدي

25 يناير 2026

من حينٍ إلى آخر يعود الحديث عن “الحدود المتفلتة” بين لبنان وسوريا، وعن ضرورة ضبطها وترسيمها، وعن كونها معبرًا لتهريب السلع والممنوعات والبشر. لكن هذه الحدود لا تُختزل في مشاهد المداهمات والضبطيات. لها وجهٌ أقدم: حياةٌ مشتركة ظلّت، لسنوات طويلة، أقوى من الخط الذي رسمه الانتداب على الورق لحدود الدولتين.

في شرق لبنان كما في شماله، لم تكن الحدود مع سوريا يومًا “جدارًا” في وعي سكانها. كانت امتدادًا طبيعيًا لحياة مشتركة: قرى متقاربة، صلات قربى ومصاهرة، سوق قريبة تُقاس بالمسافة والحاجة لا بختم الدخول. ومع إهمالٍ تنموي مزمن، وطرق ضعيفة، وخدمات عامة متقطعة، وانعدام فرص العمل، وزراعة هامشية، صار العبور واحدًا من “حلول المعيشة” في الأطراف: سلع تُشترى من الجهة الأرخص، محروقات تُؤمَّن حين تنقطع، موسم زراعي يُستكمل، أو عمل يومي يُدبَّر.

هذا التداخل ليس حديث الولادة. منذ عشرينيات القرن الماضي، رُسمت الحدود الحديثة للدولتين بطريقة قسمت مجتمعًا واحدًا قائمًا أصلًا. في جرود الهرمل، تحديدًا في القصر – بلدة حدودية في أقصى شمال البقاع ملاصقة عمليًا لريف حمص – تمدد البيوت بمحاذاة الخط، بوصفه واقعًا سكنيًا واجتماعيًا لم يُبنَ على منطق “فاصل بين دولتين”، بقدر ما بُني على منطق القرب والقرابة. وعلى التخوم نفسها تبرز حاويك، القرية الواقعة إداريًا داخل الجانب السوري قرب القصير، كحالة “معلّقة” بين تعريفها قانونًا كبلدة سورية وواقع اجتماعي على الأرض، حيث إن سكانها لبنانيون، بفعل ارتباطها بالهرمل منذ عقود. وفي محيط القصير، تتكرر الفكرة في قرى حوض العاصي، حيث صارت الزيارات والعمل الموسمي وتبادل السلع جزءًا من يوميات سبقت فكرة ترسيم الحدود.

الصورة لا تختلف شمال لبنان، عند حدود عكار–ريف حمص، بل قد تكون صلة القرابة أشدّ، حيث العائلات ممتدّة على جانبي الحدود، وبعدما صدر في لبنان مرسوم التجنيس للعام 1994، بات في وادي خالد أفراد العائلة يحملون الجنسية اللبنانية، فيما بقي أشقاؤهم أو أقاربهم مكتومي القيد أو حاملين للجنسية السورية. الحال نفسها في قرية العماير أيضًا، حيث البيوت متجاورة ومصاهرات، بعض أفراد البلدة لبنانيون وبعضهم سوريون، بما يجعل معنى “العبور” أقرب إلى حركة داخل مجال اجتماعي واحد. وعلى الضفة المقابلة نجد تلكلخ، مدينة سورية متاخمة لوادي خالد في ريف حمص الشمالي الغربي، كمركز تسوّق للجانبين، فضلًا عن صلات القرابة والمصاهرة.

لم تقتصر العلاقات بين جانبي الحدود على إطارها الاجتماعي والاقتصادي. في عشرينيات القرن الماضي، خلال الثورة السورية الكبرى، تتحدّث روايات عدة عن تهريب للسلاح من لبنان باتجاه الداخل السوري كجزء من ديناميات الدعم والمساندة.

ومع مرور السنوات، أخذت السلع نفسها تعكس تحولات السوق بين الجانبين: تُستحضر مواد مثل التبغ وسلع استهلاكية أساسية كأمثلة على حركةٍ تتجاوز الرسوم والقيود، ويُذكر إنشاء معمل السكر في حمص عام 1949 كعامل دفع المزارعين اللبنانيين لتوريد محاصيل، كالشمندر، إلى السوق السورية، عبر خطوط التهريب.

وقبل أن تتطوّر تجارة “الممنوعات” كما نعرفها اليوم، على شكل الكبتاغون وأشباهه، كانت الحشيشة – في مناطق الجرد حيث الزراعة صعبة والبدائل قليلة – محصولًا “يعيش” في الهامش ويوفّر دخلًا أعلى من محاصيل لا تتحمّلها الأرض ولا تتحمّلها كلفة الإنتاج. ومع قيام الدولة الحديثة والانتداب، بدأ تجريمها عبر قرارات ضبطٍ ومنعٍ في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، غالبًا بأثرٍ محدود في الأطراف. هكذا نشأت الفجوة التي ستلازم القصة لاحقًا: محصول يُرى محليًا كرزقٍ وضرورة، وقانون يعرّفه كـ”ممنوع”، فتتكوّن شبكة عبورٍ وحمايةٍ ووساطة تُدير هذه الحياة بين الحاجة والمنع.

بهذه الأشكال، إضافة لما ذكرناه عن التداخلات الاجتماعية والعائلية والجغرافية، تكرّس التهريب كأداة عملية لتعويض إهمال تنموي لدولتين لم تُلبِّيا احتياجات أساسيّة للأطراف. وقد جاءت الحرب الأهلية لترسّخ هذه الديناميات التي تم تشكيلها. فمع ضعف الدولة، وتقطّع طرق الإمداد، وتبدّل السيطرة على الطرق، واشتداد الانقسام الداخلي، ظهر اقتصاد ندرة دفع السوق الموازية إلى الواجهة. توسّعت دوائر العبور: من تأمين حاجات بسيطة إلى إدخال مواد لا تصل بانتظام، ومن مبادرات فردية إلى شبكات تتقاسم الأدوار بين مسارات النقل والتخزين والتوزيع عبر جانبي الحدود، وسط واقع غابت عنه السلطات الرسمية وحكمه منطق القوة.

ففي تلك البيئة، لم تكن “الوساطة” جهازًا منفصلًا بقدر ما كانت ترتيبًا اجتماعيًا عمليًا: روابط قرابة وعشائر تسكن الجرود وتعرف جغرافيا المكان، تضمن تسوية الخلافات، تؤمن فرص العمل لأبنائها، وتمنح العبور “الأمن” و”الشرعية” حين تغيب القواعد الرسمية. ومع نهاية الحرب، خرج اقتصاد الحدود من كونه هامشًا لمعالجة النقص ليصبح ساحة لتثبيت نفوذ عشائري تتداخل فيه العلاقات العائلية بالتداخلات السياسية، أحكمت سيطرتها على ما يطلق عليه اليوم معابر غير شرعية.

أمّا على الجانب السوري، فصورة الحدود لا تُقرأ فقط كخطّ جغرافي ملاصق لجرود الهرمل وعكار، بل كمنطقة لها إيقاعان مختلفان: إيقاع المجتمع وإيقاع الدولة. اجتماعيًا، ظلّ ريف حمص الغربي والشمالي الغربي – القصير وأريافها وتلكلخ وما حولهما – يحافظ على ثابتٍ واضح رغم تقلبات دمشق السياسية من العشرينيات حتى أواخر الستينيات: قرابة ومصاهرة وسوق قريبة، تجعل الحركة بين الضفتين جزءًا من المعيشة اليومية، حتى عندما كانت السلطة في العاصمة تتبدّل بانقلابات وحكومات متعاقبة.

أمّا حين ترسّخت المركزية أكثر بعد وصول حافظ الأسد إلى الحكم عام 1970، بدأ العبور يأخذ، تدريجيًا، شكلًا مختلفًا على الضفة السورية: لم يعد مجرد حركةٍ محكومة بعلاقات الناس ومسالكهم، بل صار يمرّ أيضًا عبر “إدارة غير معلنة” تفرض كلفة المرور وشروطه، وتحوّل جزءًا من التهريب إلى موردٍ يُدار من داخل أجهزة الضبط نفسها. في هذا السياق، يرد اسم وحدات حرس الحدود المعروفة محليًا بـ”الهجانة” بوصفها إحدى القنوات التي يتقاطع عندها العبور مع منطق الجباية/التسهيل: دفعٌ مقابل غضّ نظر، أو تسوية عبور، أو حماية مسار.

بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، لم يتغيّر إهمال الدولة للأطراف، لا بل مع بقاء الجيش السوري في لبنان وضباطه كسلطة وصاية حينها، ازداد خناق الدولة على زراعة مادة القنب الهندي، دون تأمين بدائل حقيقيّة للمزارعين، وبقيت التنمية ضعيفة، فاستمر بذلك اقتصاد العبور وصار أكثر انتظامًا: الوساطة صارت وظيفة شبه دائمة لإدارة المخاطر وتسعير المرور وتسوية الخلافات. فقد اتخذت إدارة العبور شكلًا متوازنًا، لا انفلات مطلق ولا ضبط كامل. القانون موجود، لكن تطبيقه يتبدّل بحسب المزاج السياسي والأمني وبحسب حاجة السوق ونفوذ الوسطاء.

لا تختزل الحدود السورية-اللبنانية في مشاهد المداهمات والضبطيات، فهي لها وجهُ حياةٍ مشتركة ظلّت أقوى من الخط الذي رسمه الانتداب على الورق لحدود الدولتين.

ثم جاءت الثورة السورية وما تلاها من تحولات، ومعها أحداثٌ اشتعلت على تماسّ جرود الهرمل وعرسال، لتعيد تعريف وظيفة الحدود جذريًا. منذ 2011، لم يعد العبور مجرد فرق أسعار أو نقص سلع، بل دخل في اقتصاد حرب كامل: انهيار مؤسسات، تفتت أسواق، عقوبات على الدولة السورية، وتنافس مراكز نفوذ تبحث عن موارد ثابتة وسريعة. في مثل هذا المناخ، تتحول القرى الحدودية، بخبرتها وشبكاتها، إلى بيئة مناسبة لاقتصاد حرب عالي الربح. هنا برز الكبتاغون: ليس فقط كمادة تُهرّب عبر الحدود، بل كمنتج يُصنَّع ضمن بيئات قادرة على الحماية والتخفي والتموين، ثم يُنقل عبر شبكات جاهزة وخطوط جغرافية متداخلة. وبذلك تنتقل بعض مناطق التماس من دور “الممر” إلى دورٍ أخطر: جزء من بنية إنتاج وتوزيع تتغذّى على الإهمال القديم، وعلى اضطرابٍ سياسي جديد، وعلى فارق هائل بين المخاطرة والربح.

ومع اتساع اقتصاد الحرب وتراكم خبرات التهريب، تغيّرت صورة بعض القرى والجرود على جانبي الحدود. صارت هذه المناطق في حالاتٍ كثيرة مساحة احتماء للمطلوبين، حيث تُستثمر وعورة الجغرافيا وتعدد المسالك وغياب الدولة الفعلي للاختباء من الملاحقة أو لعقد “تسويات” تضمن المرور والحماية. عندها لم يعد الحديث محصورًا بتهريب سلعٍ ومحروقات ومخدرات، بل امتدّ المشهد أيضًا إلى جرائم من نوع الخطف، والاتجار بالمخدرات، والاتجار بالبشر، وغيرها من الأنشطة التي تحتاج إلى بيئة رخوة وشبكات حماية ووساطة.

وطوال سنوات العقوبات وتقييد عملية الاستيراد الرسمي إلى سوريا، اكتسبت المحروقات وظيفة إضافية على الحدود: لم تعد مجرد سلعة يُتاجر بها أفراد وشبكات لتحقيق ربح سريع، بل صارت أيضًا قناة غير معلنة لتغطية جزء من حاجة السوق السورية عندما ضاقت القنوات النظامية. وفي لبنان ظهرت مفارقة لافتة، ارتفع استيراد المحروقات إلى نحو ضعف حاجة السوق المحلية، ما جعل فائض هذه الكميات يتحول عمليًا إلى موردٍ يعبر نحو سوريا بطرق غير معلنة.

ومع الانهيار المالي في لبنان بعد العام 2019، عاد اقتصاد الحدود بوجه أشد حدّة. الدعم على المحروقات والمواد الأساسية في لبنان خلق فجوة أسعار كبيرة: سلعة مدعومة هنا تتحول إلى ربح هناك. في القرى الحدودية صار العبور استجابة لمنطق السوق قبل منطق القانون: ما يُشترى بسعر مخفّض يُباع عبر الخط، وما يتوفر في محطة أو مستودع يُعاد توزيعه عبر مسار غير رسمي نحو جهة تحتاجه أو تستطيع دفع ثمنه. تمدّد التهريب بوصفه “حلًا محليًا” على نطاق أوسع: بعضه لتأمين المعيشة، وبعضه ضمن شبكات تعرف كيف تلتقط الفوارق وتحولها إلى دخل ثابت.

في المحصّلة، لا يمكن قراءة قضية “الحدود المتفلّتة” بوصفها مشكلة “أمنية” فقط، لأن هذا التفلّت ليس مجرد نقص في تواجد الجيش أو قوات الأمن، بل هو انعكاس لثلاثية متداخلة: تهميشٌ تنموي تُرك طويلًا بغياب البدائل، وحدودٌ رُسمت فوق مجتمعٍ واحد فبقيت غريبة عن يومياته، واضطرابات سياسية واقتصادية متتالية صنعت في كل مرة فرق أسعار وندرات وفرص عبور. لذلك، الأولوية ليست لسؤال “كيف نضبط الحدود؟”، بل: كيف تُبنى دولة لا تدفع أطرافها إلى اقتصاد البقاء؟ وكيف تُدار الحدود بوصفها مساحة حياة مشتركة تحتاج إلى تنمية وخدمات وممرات قانونية عادلة، لا بوصفها مجرد ساحة مطاردة؟ لأن الحدود، بين الهرمل وريف حمص كما بين عكار وريف حمص، ستظلّ تنتج حلولها غير الرسمية كلما اشتدت أزمة أو تبدّل سعر أو غابت الدولة.

الترا سوريا

————————–

أين ذهبت الليرة الجديدة؟ المواطن بين أكوام الليرات القديمة وندرة الجديدة/ مازن الشاهين

الليرة الجديدة في سوريا: عملة غائبة عن السوق وحاضرة في شبهات التهريب

2026-01-25

رغم مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء عملية استبدال الليرة القديمة بالجديدة، تؤكد جولات ميدانية وشهادات مواطنين وتجار وصرافين أن التداول الفعلي للأوراق النقدية الجديدة ما يزال محدوداً جداً، ويكاد يقتصر على كميات رمزية، مع ندرة لافتة لفئة 500 ليرة التي يُفترض أن تكون الأكثر استخداماً في التعاملات اليومية، والعقدة الأساسية تكمن في الفجوة بين ما يقال عن الكميات المطروحة، وما يراه المواطن على طاولة الصراف أو في صراف الآلي أو في راتبه الشهري.

وهذا التناقض يغذي فرضية وجود جهات تقوم بجمع الليرة الجديدة لتحقيق أرباح غير مشروعة، سواء عبر التهريب أو المضاربة أو غسل الأموال، ووفق أبسط معايير الحوكمة النقدية، فإن غياب الشفافية في إدارة العملة يُعد إخلالاً بواجب الإفصاح العام، ويقوّض الثقة بالسياسة النقدية في مرحلة شديدة الحساسية، وبقاء الليرة القديمة “سيدة الموقف” في الأسواق بعد قرابة شهر من عملية الاستبدال يضع الجهات الرقابية والمصرف المركزي أمام سؤالاً جوهرياً: هل تسير عملية الاستبدال بالوتيرة التي أعلنها مصرف سوريا المركزي؟ إضافة إلى أسئلة مفتوحة بانتظار إجابات: كم مليار ليرة جديدة طُرحت فعلياً للتداول؟ وأين تتركز حالياً؟ ومن يراقب مسارها من المطبعة إلى يد المواطن؟ ولماذا لا يشعر بها السوق رغم الإعلان عن توفرها؟

حسابات بسيطة ونتائج مقلقة

إذا استمر ضخ الليرة الجديدة بهذه الوتيرة البطيئة، فإن استبدال كامل الكتلة النقدية القديمة قد يستغرق سنوات طويلة، وهو ما يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي تحدث عن “طرح مليارات الليرات” في السوق، وهنا تظهر المفارقة: إذا كانت المليارات قد طُرحت فعلاً. فأين هي؟

يرى الخبير المصرفي والمالي الدكتور أحمد جلال الدين في تصريحات لـ”963+” أن هناك ثلاث فرضيات لغياب الليرة الجديدة في ظل غياب بيانات شفافة حول الكميات المطروحة فعلياً وآلية توزيعها، فأما تجميع الليرة الجديدة لتحقيق أرباح، حيث تقوم جهات نافذة بتجميع الليرة الجديدة وعدم ضخها في السوق، بهدف: تهريبها إلى الخارج (خاصة إلى دول الجوار)، وتسليمها لشبكات صرافة غير رسمية، واستخدامها في المضاربة على سعر الصرف أو استبدال الليرة القديمة الموجودة خارج البلاد مقابل عمولات مرتفعة.

والاحتمال الثاني، بحسب جلال الدين هو أن تكون بوابة لغسل أموال الفساد، وهي فرضية أكثر خطورة تشير إلى احتمال استخدام عملية الاستبدال كغطاء لـتحويل أموال غير معلنة، أو استبدال كتل نقدية ناتجة عن فساد أو سرقة إلى أوراق جديدة “نظيفة” دون المرور بقنوات تدقيق فعالة، وأخيراً أن يكون هناك خلل أو تواطؤ في مراكز الاستبدال، وهنا ينقسم الاحتمال إلى مسارين لا ثالث لهما: إما أن مراكز الاستبدال لا تصلها الكميات الكافية أصلاً، ما يعني أن الخلل يقع عند مستوى توزيع الليرة الجديدة، أو أن المراكز تحصل على الكميات لكنها لا تضخها، ما يفتح الباب أمام اتهامات بتهريب مباشر مقابل عمولات.

ويؤكد جلال الدين وجود حلّ كان يمكن أن يغيّر المشهد كله ويحقق انتشار الليرة الجديدة بسرعة لو تم صرف الرواتب والأجور حصراً بالليرة الجديدة، وإلزام مكاتب الحوالات الداخلية باستخدام الفئات الجديدة فقط، وتحويل الأرصدة المصرفية النقدية إلى أوراق جديدة تدريجياً؛ لكن شيئاً من ذلك لم يحدث حتى الآن.

غياب في السوق رغم إعلان “المليارات”

مضى قرابة الشهر على إطلاق الليرة الجديدة، ولا يزال السوريون يتداولون أوراقاً مهترئة من الفئات القديمة، بينما تحولت “الليرة الجديدة” إلى حلم بعيد المنال، وتكشف متابعة ميدانية لـ”963+” لأسواق عدة محافظات أن التداول الفعلي للأوراق النقدية الجديدة ما يزال هامشياً، يقتصر على كميات محدودة لا تتناسب مع حجم النشاط الاقتصادي اليومي، والجولة الميدانية لم تكتفِ برصد غياب العملة، بل رصدت حالة من الاحتقان الشعبي تجاه آلية التوزيع.

وفي أحد أسواق العاصمة دمشق، يقول محمد (صاحب محل بقالة) لـ”963+”: “منذ بدء الاستبدال، لم تدخل محلي سوى ورقة واحدة من فئة الـ 500 الجديدة، التقطتُ لها صورة بهاتفي وكأنني عثرت على كنز! الزبائن يسألون عنها لسهولة التعامل بها، لكننا مجبرون على تداول الرزم القديمة التي لا يقبلها أحد بسبب تلفها”.

أما سارة العلي (موظفة حكومية في حلب)، فتعبر عن إحباطها قائلة لـ”963+”: “انتظرتُ راتبي بفارغ الصبر لعلني أحصل على الفئات الجديدة، لكن المحاسب منحني أوراقاً قديمة وبعضها ملصق بالأشرطة، كيف يقولون إنهم طرحوا المليارات؟ أين تذهب هذه المليارات إذا لم تصل إلى رواتبنا؟”

خالد سليم (محامي من اللاذقية) يقول لـ”963+”: “فعلياً، لا يظهر من الليرة الجديدة في التعاملات اليومية إلا كميات قليلة جداً، مع ندرة لافتة لفئة 500 ليرة التي يُفترض أنها العمود الفقري للتداول النقدي اليومي، وهذا الواقع يتناقض مع التصريحات الرسمية التي تتحدث عن طرح مليارات من الليرات الجديدة في إطار عملية الاستبدال، ما يفتح باب الشك حول مصير هذه الكتل النقدية، أين تذهب إذا كانت لا تصل إلى أيدي المواطنين؟ فإذا كانت الكميات المطروحة كافية، وإذا كانت عملية الاستبدال تسير بشكل طبيعي فمن المفترض أن تكون الليرة الجديدة حاضرة بقوة في الأسواق، الأجور، الحوالات، والنشاط التجاري اليومي، لكن الواقع يقول العكس”.

غياب الشفافية المشكلة الأكبر

الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب تؤكد في تصريحات لـ”٩٦٣+” أنه لا يمكن لعملية استبدال نقدي بهذا الحجم أن تسير بهذه الطريقة، وحين لا تظهر الليرة الجديدة بعد أسابيع من بدء التداول، فالمشكلة لم تعد تقنية، بل مسؤولية واضحة يجب تحديدها، فبعد قرابة شهر على انطلاق استبدال الليرة القديمة بالجديدة، ما يزال المواطن والتاجر يتعاملان عملياً بالعملة القديمة، فيما تبقى الفئات الجديدة، وخاصة فئة 500 ليرة، نادرة، وهذا الواقع لا ينسجم مع أي رواية رسمية عن “طرح مليارات الليرات” في السوق، وأن غياب الشفافية بحد ذاته يغذي الشائعات، ويقوض الثقة بالعملة الوطنية، في مرحلة تُعد فيها الثقة أهم من أي إجراء نقدي شكلي، فالمركزي هو الجهة الوحيدة التي تطبع وتوزع وتراقب النقد وبالتالي، فإن غياب الليرة الجديدة من السوق قد يكون فشل في الإدارة النقدية، أو امتناع عن الإفصاح، أو كلاهما، ولا يمكن للمركزي أن يكتفي بالقول إن “العملية مستمرة” دون أن يوضح: كم طُرح فعلياً؟ وأين وُزع؟ ولماذا لم يصل إلى يد المواطن بالشكل المطلوب؟

وتشير الخطيب إلى أنه في السياسات النقدية، عدم الشفافية ليس حياداً بل خطأ فادح، ولمصلحة من إبقاء الليرة الجديدة خارج التداول، فالمواطن هو الخاسر، وأخطر ما في هذا المشهد أن يتحول الاستبدال النقدي من أداة إصلاح إلى قناة للمضاربة أو وسيلة لتهريب العملة أو غطاء لإدخال أموال غير معلنة إلى النظام المالي، وهنا لا يعود الحديث عن أزمة سيولة فقط، بل عن تهديد مباشر للثقة بالعملة الوطنية.

وتختم الخطيب بأن استمرار هذا النسق البطيء في الاستبدال يعني عملياً أن استبدال كامل الكتلة النقدية القديمة قد يحتاج لسنوات، وهو ما يفقد خطة الإصلاح النقدي هدفها الأساسي في ضبط السوق وإعادة الثقة بالعملة، ويُبقي الاقتصاد في حالة “نصف إصلاح” تزيد من اضطراب الأسعار وسلوكيات المضاربة، فالليرة الجديدة لا تختفي وحدها، إما أن هناك قراراً بحبسها، أو فشلاً في إدارتها، أو تقاعساً عن كشف الحقيقة، وفي كل الاحتمالات المسؤولية لا تقع على السوق بل على من يدير النقد باسم الدولة.

————————————

سوريا… بانوراما الخراب تنتظر خطة واضحة لإعادة الإعمار

تقرير أممي: ثلث المساكن مُتضررة أو مُدمرة ويعيش 90 % من السوريين تحت خط الفقر

دمشق سوريا: «الشرق الأوسط»

25 يناير 2026 م

في سوريا، بات الدمار الذي خلَّفته 13 عاماً من الحرب جزءاً لا يتجزأ من المشهد، بحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز»؛ إذ لا تكاد مدينة أو بلدة توجد لم يمسها الدمار، أو حيّ لم يمسه الخراب، في هذا البلد الشاسع الذي يبلغ عدد سكانه 23 مليون نسمة.

في المدن الرئيسية كدمشق، العاصمة، سُوّيت أحياء بأكملها وضواحيها بالأرض، في محاولة من الديكتاتور بشار الأسد، وحليفيه روسيا وإيران، لسحق احتجاجات وتمرد مسلح اندلع عقب ثورات الربيع العربي عام 2011.

وأجبر القتال والقمع أكثر من نصف السكان على النزوح من ديارهم، تاركين وراءهم مدناً أشباحاً، وأحياءً بأكملها غارقة في الظلام وغير صالحة للسكن.

في نهاية المطاف، أطاح الثوار بالنظام في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ومع تركيزها على توطيد سلطتها، لم تبدأ حكومة الرئيس أحمد الشرع الجديدة، إلا مؤخراً، مهمة إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار.

يُذْكر أنه قد عاد أكثر من 3 ملايين سوري إلى سوريا منذ فرار الأسد ولجوئه إلى روسيا، لكن يعيش الكثيرون بين الأنقاض، أو في خيام مجاورة لها، وقد قام البعض بترميم شقق صغيرة تقع في منتصف هيكل مبنى سكني مهجور.

وشهدت مدينة حلب القديمة ومحافظتها المحيطة بها بعضاً من أشدّ الأضرار على مرّ سنوات الحرب، وكانت مسرحاً لمواجهاتٍ حديثة؛ إذ امتدّ خطّ المواجهة عبر المدينة القديمة العريقة، المشهورة بمنازلها ذات الأفنية وسوقها المسقوفة.

تقول رزان عبد الوهاب، وهي مهندسة معمارية تُنسّق مشاريع في المنطقة لصالح برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشري، وهو برنامج الأمم المتحدة للتنمية الحضرية: «كانوا يتقاتلون عليها. إنها كارثة عظيمة».

وأضافت أن 60 في المائة من المدينة القديمة دُمِّر، بما في ذلك العديد من المباني المسجّلة كآثار. ورغم العمل الجاري لترميم أجزاء من السوق، لا تزال المدينة القديمة مشهداً مروعاً من الغبار والأنقاض.

يقول عبد القادر، وهو تاجر عاد عام 2017 ليجد متجره ومنزله بالقرب من المدينة القديمة مُدمّرين: «لا أستطيع نسيان ذلك اليوم، عندما رأيت كلّ هذا الدمار. لماذا؟ ولماذا؟».

غياب الأثر

يُعاني العديد من السوريين من أجل البقاء. ثلث المساكن في البلاد مُتضررة أو مُدمرة. ترتفع نسبة البطالة، ويعيش 90 في المائة من السوريين تحت خط الفقر، وفقاً للأمم المتحدة.

أظهر مسحٌ أجرته الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل)، أن 31 في المائة من المساكن بحاجة إلى إعادة بناء أو ترميم؛ ما يجعل البلاد تفتقر إلى 1.9 مليون منزل لنحو 10 ملايين نسمة.

يُمكن ملاحظة حجم المعاناة. ففي مدينة درعا جنوب غرب البلاد، مهد الانتفاضة السورية عام 2011، أصبحت الأحياء التي دعمت الثورة مُدمرة.

يقول محمد خير بجبوج، البالغ من العمر 50 عاماً: «في بعض الأماكن، وصل حجم الأنقاض إلى درجة أن الناس لا يستطيعون العثور على مكان منازلهم. أحياناً، لا يستطيعون حتى العثور على الشارع».

لا يسكن في شارعه سوى منزلين، منزله ومنزل ابنة عمه التي عادت مع عائلتها بعد أن ساعدتها إحدى الجمعيات الخيرية في ترميم سقف منزلها. قال بجبوج: «لم يعد سوى عدد قليل من الناس لأن معظمنا لا يملك المال».

وخارج المدن الرئيسية، تنتشر الألغام الأرضية والقنابل غير المنفجرة في القرى والبلدات. وتتسبب هذه المتفجرات في قتل العائدين وتشويههم.

في إحدى ظهيرات الصيف الماضي في دير الزور، شرق سوريا، انفجّرت عبوة ناسفة في امرأة وابنها المراهق في أثناء بحثهما في مكب نفايات. قُتلت الأم، وأُصيب الصبي بجروح بالغة في وجهه وعينيه.

وصفت الأمم المتحدة (الموئل) دير الزور بأنها المدينة الأكثر تضرراً في سوريا، وتشقّ حركة المرور طريقها بين الحفر وحول أكوام الأنقاض، ويلعب الأطفال بين الأنقاض تحت ألواح خرسانية ضخمة تتدلى بشكل خطير من المباني. ويملأ الغبار الأجواء.

ومثل معظم مناطق شرق سوريا، عانت دير الزور من محنة إضافية تمثلت في خضوعها لتنظيم «داعش»، وأصبحت طرقها وجسورها مدمرة. تحولت كنائسها ومساجدها إلى ركام. المدارس والمستشفيات قليلة.

مهمة إعادة الإعمار هائلة. وتُقدّر الأمم المتحدة (الموئل) أن تكلفة الإسكان وحدها ستصل إلى 80 مليار دولار. وقدّر البنك الدولي تكاليف إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار.

وأفادت مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي مؤخراً: «لا يزال الحديث غائباً عن وضع خطة شاملة لإعادة الإعمار الاقتصادي».

ومع قيام إدارة ترمب والعديد من الجهات المانحة الغربية الأخرى بتقليص ميزانيات المساعدات الدولية، تسعى الحكومة السورية للحصول على تمويل من القطاع الخاص.

وحذّر الخبراء من أن هذا الأمر ينطوي على مخاطر. فإذا لم يُدَرْ بشكل عادل، فإن إعادة الإعمار بقيادة القطاع الخاص قد تؤدي إلى عودة المحسوبية وعدم المساواة الاجتماعية؛ ما قد يُفاقم حالة عدم الاستقرار.

وقال هيروشي تاكاباياشي، رئيس برنامج الأمم المتحدة (الموئل) في سوريا: «إذا أردنا الاستقرار حقاً، فلا بد من توفير دعم إعادة الإعمار». وأضاف أن سوريا كانت حجر الزاوية للاستقرار في معظم أنحاء الشرق الأوسط.

قال: «إذا فشلنا هنا، فقد لا يستمر هذا النظام العالمي برمته».

بعد كل هذه الخسائر والدمار، لا يطالب السوريون بالكثير. قدري موصلي، صاحب متجر في دير الزور، قال إن أخاه نزف حتى الموت: «من سيعوضني؟ من سيرد لنا الأرواح التي فقدناها، والأموال التي خسرناها؟» وقال: «يمكننا أن ننهض من جديد، ونحقق نمواً حضارياً، لكن ذلك سيكون بطيئاً جداً جداً».

———————————

تذبذب تكاليف البناء يربك حسابات إعادة الإعمار في سورية/ عبد الله البشير

25 يناير 2026

تشهد عموم المناطق السورية، ولا سيما تلك التي تعرضت للقصف والهدم خلال سنوات حكم نظام بشار الأسد، تفاوتاً واسعاً في تكاليف البناء، سواء على مستوى أسعار المواد الأولية أو أجور اليد العاملة، في ظل غياب معايير ثابتة تحكم السوق وتباين الظروف الاقتصادية والخدمية بين محافظة وأخرى. وقال المهندس المعماري أحمد ملحم، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن متوسط تكلفة إنشاء المتر المربع الواحد على الهيكل في سورية يراوح حالياً بين 150 و200 دولار، وهو رقم يشمل تكاليف الترخيص وأعمال الحفر والتنفيذ الإنشائي. وأوضح أن هذه الكلفة تنعكس مباشرة على تقديرات المشاريع السكنية، إذ قد تصل كلفة بناء منزل بمساحة 100 متر مربع على “العظم” إلى نحو 17500 دولار وفق الأسعار المتداولة. وأضاف ملحم أن كلفة الإكساء تبقى مفتوحة ولا يمكن ضبطها بسقف محدد، لارتباطها بنوعية المواد ومستوى التشطيب والتجهيزات المطلوبة.

ولفت إلى أن عناصر مثل أنظمة الطاقة الشمسية وخزانات المياه باتت من المتطلبات الأساسية في البناء السكني، ولم تعد تصنف ضمن الكماليات كما في السابق. وبين أن التشطيب المتوسط يرفع تكلفة المتر المربع إلى ما بين 255 و320 دولاراً، ما يعني أن كلفة منزل بمساحة 150 متراً مربعاً قد تصل إلى نحو 43 ألف دولار، فيما ترتفع التقديرات في حال التشطيب الفاخر، إذ يراوح سعر المتر بين 400 و700 دولار وربما أكثر، لتتجاوز كلفة منزل بمساحة 100 متر مربع حاجز 45 ألف دولار. وأشار ملحم إلى أن احتساب هذه التكاليف بالليرة السورية، على أساس سعر صرف يقارب 13 ألف ليرة للدولار، يعني أن كلفة المتر المربع على الهيكل تراوح بين 1.95 و2.6 مليون ليرة سورية، بينما ترتفع في التشطيب المتوسط إلى ما بين 3.3 و4.16 ملايين ليرة للمتر، وتصل في التشطيب الفاخر إلى أكثر من 5.2 ملايين ليرة، وقد تتجاوز 6.5 ملايين ليرة للمتر الواحد.

وأكد أن هذه الفروقات الواسعة تعكس حجم التذبذب في السوق وغياب معايير تسعير واضحة لتكاليف البناء. وأوضح أن الارتفاع المستمر في تكاليف البناء يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها ارتفاع أسعار الأراضي، وغياب مخططات تنظيمية جديدة، وضعف الخدمات في المناطق الريفية، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والبنية التحتية وأجور اليد العاملة، فضلاً عن تأثر أسعار مواد البناء بالتضخم وتقلبات سعر الصرف. وفي المقابل، أشار إلى أن التكاليف قد تكون أقل في بعض مناطق الريف السوري، نتيجة تفاوت أجور اليد العاملة، التي تراوح بين 75 ألفاً و150 ألف ليرة سورية يومياً، أي ما يعادل بين 5.7 و10 دولارات، فضلاً عن اختلاف أسعار الإسمنت والحديد بين منطقة وأخرى.

من جهته، قال المقاول عبد الحليم المحمود، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن سعر المتر المربع من البناء للسقف والأعمدة فقط، من دون إكساء، يبدأ من نحو 90 دولاراً للطابق الأرضي، بينما تنخفض الكلفة بنسبة تصل إلى 50% في الطوابق الثانية وما فوقها، نظراً إلى ارتفاع تكاليف بناء القواعد والأساسات في الطابق الأرضي. وأوضح المحمود أن قلة اليد العاملة أسهمت بشكل مباشر في زيادة تكاليف البناء خلال الفترة الحالية، مشيراً إلى أن هذا العامل انعكس أيضاً على ارتفاع كلفة الإكساء، إلى جانب عوامل أخرى، من بينها جودة المواد، ومساحة البناء، وطلب بعض العملاء تصاميم وديكورات خاصة، فضلاً عن تكاليف تشغيل مولدات الكهرباء وتأمين المياه اللازمة لأعمال البناء، وهي أعباء يتحملها العميل في الغالب.

وأشار إلى أن تكاليف الترميم لا تقل في كثير من الحالات عن تكاليف البناء الجديد، ولا سيما في المناطق المتضررة، بسبب ما تتطلبه من إزالة الأنقاض والهدم ونقل الركام، وهو ما يضيف أعباء مالية إضافية على المواطنين الراغبين في إعادة إعمار منازلهم. وقد يؤدي التدخل الحكومي، ورفع العقوبات في الفترة المقبلة إلى إتاحة التملك لمتوسطي الدخل وبعض الفئات، حيث كشف محافظ حمص عبد الرحمن الأعمى في اجتماع خاص مع الإعلاميين بمحافظة حمص حضرته “العربي الجديد” عن خطة لبدء مشاريع بناء تتيح التملك لمتوسطي الدخل، وهذا من شأنه التخفيف من أزمة السكن والإعمار في المحافظة التي تضررت مناطق واسعة فيها جراء عمليات القصف والهدم التي نفذتها قوات نظام الأسد المخلوع.

العربي الجديد

————————-

سوريا تدخل مرحلة توطين صناعة السفن لأول مرة/ أحمد العكلة

في خطوة اقتصادية مهمة وغير مسبوقة في القطاع البحري السوري، وقعت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك اتفاقية استثمار استراتيجية مع الشركة التركية “كوزاي ستار” لبناء السفن والملاحة والصناعة والتجارة، وهي شركة مساهمة مسجلة في تركيا، وذلك يوم الخميس 15 كانون الثاني/يناير 2026.

وتهدف الاتفاقية إلى إدخال وتوطين صناعة السفن في سوريا لأول مرة، عبر إنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس غربي البلاد، يشمل عمليات البناء والإصلاح والصيانة والتحديث للسفن بمختلف الأحجام والأنواع، وفق أحدث المعايير الفنية والهندسية الدولية.

وتعتمد الاتفاقية نموذج “البناء والتشغيل ونقل الملكية” (BOT)، بحيث تتولى الشركة التركية مسؤولية البناء والتجهيز والتشغيل والإدارة لمدة 30 عاما، مع التزامها باستثمار لا يقل عن 190 مليون دولار أميركي خلال السنوات الخمس الأولى، لتطوير الأرصفة والمستودعات والمعدات والمنشآت التشغيلية، من دون أي التزام مالي مباشر على الجانب السوري.

أبعاد اقتصادية

وقال الدكتور يحيى السيد عمر، الباحث في الاقتصاد السياسي للجزيرة نت، إن توقيع الاتفاقية الاستثمارية مع الشركة التركية “كوزاي ستار لبناء السفن” يمثّل خطوة لافتة في مسار إعادة إحياء القطاع البحري السوري، بعد سنوات طويلة من التراجع والتحديات التي أصابت البنية التحتية والخدمات المرتبطة بالموانئ والصناعات البحرية.

وأضاف أن الاتفاقية تأتي في توقيت تسعى فيه سوريا إلى استقطاب استثمارات نوعية قادرة على تحريك قطاعات إنتاجية حقيقية، بعيدا عن المشروعات قصيرة الأثر أو ذات الطابع الخدمي المحدود.

وأوضح يحيى السيد عمر أن إنشاء حوض لبناء وصيانة السفن في مرفأ طرطوس، باستثمار يقدر بنحو 190 مليون دولار، مع توقع توفير أكثر من 5200 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، يمنح المشروع بعدا اقتصاديا يتجاوز كونه منشأة صناعية، ليصبح عنصرا مؤثرا في سوق العمل وتحريك سلاسل إنتاج مرتبطة بالصناعات المعدنية والخدمات الهندسية والنقل البحري.

وأشار إلى أن المشروع يفتح الباب أمام توطين صناعة السفن، وهي صناعة ذات قيمة مضافة مرتفعة وتتطلب خبرات تقنية وتراكما معرفيا طويل الأمد، مؤكدا أن وجود حوض متخصص في طرطوس يمكن أن يقلل تدريجيا من الاعتماد على الخارج في صيانة السفن التجارية وسفن الصيد، ويوفر خدمات إقليمية لدول مجاورة، ما يعزز الإيرادات بالقطع الأجنبي ويدعم ميزان المدفوعات.

تحديات أمام تنفيذ المشروع

وأوضح الباحث يحيى السيد عمر أن اعتماد نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية لمدة 30 عاما، من دون التزام مالي مباشر على الجانب السوري، يعد نموذجا شائعا في مشاريع البنية التحتية الكبرى، خاصة في الدول التي تعاني من محدودية التمويل، إذ يخفف العبء عن الخزينة العامة ويتيح تنفيذ المشروع بسرعة أكبر.

إعلان

لكنه شدد في المقابل على أن هذا النموذج يتطلب إدارة دقيقة لشروط العقد، لضمان نقل الخبرة، وحماية المصالح الوطنية، وتحديد واضح لآليات التشغيل والعوائد وإعادة الملكية في نهاية المدة، محذرا من مخاطر محتملة مثل الاعتماد المفرط على الجانب الخارجي في الإدارة أو التقنية، أو ضعف مشاركة الكوادر الوطنية في المراحل الأولى.

وأشار إلى أن هذه المخاطر يمكن الحد منها عبر اشتراط نسب واضحة لتشغيل العمالة السورية، وبرامج تدريب إلزامية، ونقل تدريجي للخبرات، إضافة إلى رقابة مؤسسية تضمن التزام المستثمر ببنود العقد.

وعلى المستوى الإقليمي، قال إن إنشاء حوض السفن في طرطوس يمنح سوريا فرصة لإعادة تثبيت موقعها على خريطة الصناعات البحرية في شرق المتوسط، مستفيدا من الموقع الجغرافي للمرفأ وقربه من خطوط الملاحة، ما يؤهله ليكون مركز خدمة للسفن التجارية، خاصة في ظل ارتفاع كلفة الصيانة في بعض المرافئ الأخرى.

أحمد العكلة_دمشق_سوريا_تاريخ نشرت في تقرير سابق_اللاذقية_سفن من مرفأ اللاذقية_ الجزيرة نت

تقليص الاعتماد على الخارج في صيانة السفن التجارية يعد مكسبا استراتيجيا لسوريا (الجزيرة)

وفي المحصلة، يرى الباحث أن الاتفاقية لا تمثل حلا سحريا لجميع تحديات القطاع البحري، لكنها خطوة عملية واقعية في اتجاه إعادة بناء قطاع إنتاجي مهم، مشددا على أن نجاحها سيعتمد على حسن إدارة الشراكة، ووضوح الأهداف، وقدرة الدولة على تحويل الاستثمار من مشروع منفرد إلى رافعة تنموية متكاملة تخدم الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والطويل.

إعادة تشغيل القطاع البحري

بدوره، قال الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل للجزيرة نت إن الاتفاقية تمثل خطوة قوية باتجاه إعادة تشغيل القطاع البحري بشكل فعلي، لأنها تُدخل استثمارات وخبرات تشغيلية مباشرة بدلا من بقاء المرافئ ضمن هامش الخدمات التقليدية.

وأضاف أنه في حال التركيز على نقل المعرفة وبناء قدرات محلية، يمكن أن تشكل الاتفاقية نقلة نوعية حقيقية بعد سنوات من التراجع.

وأوضح أن حجم الاستثمار والوظائف المتوقعة يمنح المشروع وزنا اقتصاديا واضحا، لأنه يخلق حركة تشغيل واسعة ويحرك قطاعات مساندة، مثل الصناعات المعدنية والخدمات الهندسية والنقل.

وأشار المغربل إلى أن الأثر الأكبر يتمثل في توطين جزء من صناعة السفن والصيانة بدلا من الاعتماد على الخارج، ما يوفر عملة صعبة على المدى المتوسط، ويفتح الباب أمام استثمارات لاحقة مرتبطة بسلاسل التوريد والخدمات اللوجستية حول المرفأ.

وأكد المغربل أن وجود حوض سفن في طرطوس يمكن أن يعزز موقع سوريا إقليميا إذا نجح في تقديم خدمات سريعة وبجودة تنافسية للسوق القريب، مشيرا إلى أن ضمان النجاح يتطلب التركيز على 3 قضايا رئيسية:

    تدريب الكوادر المحلية بشكل منهجي.

    ربط المشروع بصناعات مساندة داخل البلاد.

    وضع مؤشرات أداء واضحة تراقب الجودة والوقت والتكلفة.

المصدر: الجزيرة

————————-

سوريا.. بدء استخدام نفط وغاز الحقول المحررة من “قسد

أفادت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن 20 صهريجا محملا بالنفط الخام من حقلي العمر والتنك في ريف دير الزور وصل إلى الشركة السورية للنفط في بانياس، في أول شحنة من نوعها منذ بسط الجيش السوري سيطرته على المنطقة.

وفي تطور متصل، بدأت الشركة السورية للبترول، أمس السبت، ضخ الغاز الخام من حقول جبسة في محافظة الحسكة إلى معمل غاز الفرقلس بريف حمص، في خطوة تهدف إلى تعزيز الإنتاج وتأمين الوقود اللازم لتوليد الكهرباء.

وأوضحت الشركة، في بيان نقلته (سانا)، أن معدل الضخ يصل إلى نحو مليون و200 ألف متر مكعب يوميا، ويتم نقل الغاز عبر محطتي كونا ومركدة، بما يسهم في دعم استقرار منظومة الطاقة الكهربائية وتحسين الواقع الخدمي.

وكانت الشركة السورية للبترول قد أعلنت في وقت سابق بدء استخراج ونقل النفط من الحقول المحررة من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى المصافي بجهود وطنية، ضمن خطة مدروسة تستهدف الوصول إلى مستوى إنتاج جيد خلال فترة تتراوح بين 3 و4 أشهر.

100 ألف برميل يوميا

وأكد مدير الاتصال المؤسساتي في الشركة صفوان شيخ أحمد أن الفرق الفنية باشرت عمليات استخراج النفط من الحقول المحررة حديثا ونقله إلى مصفاتي حمص وبانياس، ضمن خطة متكاملة لإعادة هذه الحقول إلى العمل.

وأضاف شيخ أحمد، في تصريح لـ”سانا”، أن الجهود تتركز على إعادة الحقول إلى وضعها الفني عند لحظة تحريرها، متوقعا أن يصل الإنتاج خلال 4 أشهر إلى نحو 100 ألف برميل يوميا، الأمر الذي من شأنه دعم منظومة الطاقة والاقتصاد الوطني.

يأتي ذلك بعد تسلم الشركة السورية للبترول حقول النفط والغاز في محافظتي الرقة ودير الزور، عقب خروج قوات سوريا الديمقراطية منها، تنفيذا لاتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الموقع في 18 يناير/كانون الثاني الجاري.

إعلان

وينص الاتفاق على تسليم الحكومة السورية جميع المؤسسات والمنشآت المدنية وحقول النفط والغاز في المنطقة، تمهيدا لإعادة تأهيلها وإدخالها مجددا في العملية الإنتاجية.

المصدر: الصحافة السورية

———————————

الشركة السورية للبترول تتسلّم أولى شحنات النفط من حقلي العمر والتنك

25 يناير 2026

وصلت إلى محطة الشركة السورية للبترول في مدينة بانياس، اليوم الأحد، أولى شحنات النفط الخام المنقولة براً من حقلي “العمر” و”التنك” في ريف دير الزور بعد إعادتهما إلى الخدمة الإنتاجية. وقالت الشركة السورية للبترول، في بيان صحافي، إن “الشحنة شملت 20 صهريجاً جرى تفريغ محتوياتها في الخزانات المخصصة بمصفاة بانياس، تحت إشراف الكوادر الفنية للشركة”.

وأضافت الشركة، وفقاً لوكالة أسوشييتد برس، أن وصول هذه الشحنة يعد “علامة فارقة، فهي الأولى من نوعها منذ استعادة الدولة السيطرة على الحقول النفطية الشرقية، وتأتي في إطار الجهود المبذولة لإعادة تأهيل البنى التحتية وتعزيز الإنتاج المحلي”. وبدأت الشركة السورية للبترول، أمس السبت، ضخ الغاز الخام من حقول جبسة في الحسكة إلى معمل غاز الفرقلس بريف حمص بضغط 35 باراً، في خطوة مهمة لتعزيز الإنتاج وتأمين الغاز المخصص لتوليد الكهرباء.

وبيّنت الشركة، في بيان صحافي، أن معدل الضخ يبلغ نحو مليون و200 ألف متر مكعب يومياً، ويجري نقل الغاز عبر محطتَي كونا ومركدة، بما يسهم في دعم استقرار منظومة الطاقة الكهربائية وتحسين الواقع الخدمي. وكانت الشركة أعلنت بدء استخراج ونقل النفط من الحقول المحررة إلى المصافي بجهود وطنية، وذلك ضمن خطة لوصول الشركة السورية للبترول إلى مستوى إنتاجٍ جيد خلال ثلاثة إلى أربعة أشهر.

ويأتي ذلك بعد استلام الشركة السورية للبترول حقول النفط والغاز في المنطقة، عقب استعادتها من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، لإعادة تأهيلها وتشغيلها وفق الخطط المعتمدة بما يخدم الاقتصاد الوطني ويدعم قطاع الطاقة، وذلك بعد أن بسط الجيش السوري سيطرته على هذه الحقول تطبيقاً لاتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، والموقعة في الـ18 من الشهر الجاري، بما يشمل استلام الحكومة السورية جميع المؤسسات والمنشآت المدنية وحقول النفط والغاز في المنطقة.

وقالت الشركة، يوم الأحد الماضي، إنها أحدثت غرفة عمليات طارئة لمتابعة عمل الحقول هناك وضمان استمرار إنتاجها. ويُعَدّ حقل العمر النفطي أكبر حقول النفط في سورية مساحة وإنتاجاً، ويقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات، على بعد حوالى 10 كيلومترات شرق مدينة الميادين في محافظة دير الزور. وكانت “قسد” تسيطر على غالبية حقول النفط والغاز في سورية، ومنها حقل العمر الذي بلغ إنتاجه 80 ألف برميل يومياً خلال التسعينيّات، إلا أن إنتاجه الحالي لا يتجاوز 20 ألف برميل يومياً. وحقل كونيكو، الذي كان مخصصاً سابقاً لإنتاج الغاز الطبيعي بمعدل 13 مليون متر مكعب يومياً، ويقع شرق مدينة دير الزور، كان تحت سيطرة “قسد”، لكنه متوقف عن الإنتاج حالياً.

والمناطق التي كانت خاضعة لـ”قسد” في سورية غنية بالنفط الذي كان يمثل في 2010 نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ونصف صادراتها، وأكثر من 50% من إيرادات الدولة بالعملة الصعبة. وكانت البلاد تنتج 390 ألف برميل نفط يومياً، إلّا أن الإنتاج تراجع بحدة ليصل عام 2023 إلى 40 ألف برميل يومياً فقط.

(أسوشييتد برس، العربي الجديد)

————————–

 سوريا تعلن عن إجراء جديد لتحسين جودة الخدمة في مطاراتها

لحماية حقوق المسافرين وتعزيز بيئة خدمية آمنة داخل المطارات السورية

الرياض – العربية

25 يناير ,2026

أطلقت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سوريا منصة إلكترونية مخصصة لاستقبال شكاوى وملاحظات المسافرين في المطارات السورية، بهدف ضمان الاستجابة السريعة لأي ملاحظة ومعالجتها بشفافية ومسؤولية.

وأوضح رئيس الهيئة، عمر الحصري، اليوم الأحد، أن المنصة تتيح تقديم الشكوى بطريقة مبسطة وسهلة خلال دقائق، ليتم تحويلها مباشرة إلى الجهات المعنية ومتابعتها وفق آليات واضحة تضمن سرعة الإجراء ودقة المعالجة.

وأشار إلى أن رأي المسافر عنصر أساسي في تطوير مستوى الخدمات، وأن الملاحظات الواردة تشكّل أداة حقيقية لتحسين الأداء والارتقاء بتجربة السفر، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

كيف استقبلت الأسواق السورية الليرة الجديدة؟.. الإجابة لدى تجار دمشق

اقتصاد اقتصاد سوريا كيف استقبلت الأسواق السورية الليرة الجديدة؟.. الإجابة لدى تجار دمشق

وأكد الحصري أن هذه الخطوة تأتي ضمن التزام الهيئة بحماية حقوق المسافرين وتعزيز بيئة خدمية آمنة ومحترمة داخل المطارات السورية، مبيناً أن جميع الشكاوى والملاحظات سيتم التعامل معها بأقصى درجات الجدية والمسؤولية.

وكانت الخطوط الجوية السورية أعلنت في الخامس من الشهر الحالي عن الإطلاق التجريبي لموقعها الإلكتروني الجديد، والذي يتيح للمستخدمين الاطلاع على مواعيد الرحلات والوجهات المتاحة وأسعار الرحلات والحجز والدفع الإلكتروني.

———————

 دمشق تنظم شوارعها.. المحافظة ترفع البسطات و”الفقر يبقى تحتها”/ هديل عدرة

2026.01.25

يستيقظ “أبو علي”، الرجل الستيني، في ساعات الصباح الأولى من كل يوم، ويحمل بسطته الصغيرة إلى جسر الحرية وسط دمشق. هناك، اعتاد أن يفرش بضاعته المتواضعة من المسابح والإكسسوارات على الرصيف البارد، ليقضي ساعات طويلة في انتظار لقمة عيشه.

لكن صباحًا مختلفًا باغته مؤخرًا، حين وصلت فرق من محافظة دمشق لتنفيذ حملة إزالة للبسطات غير المرخصة. حاول “أبو علي” التفاوض، مؤكدًا أن هذه البسطة هي مصدر رزقه الوحيد، وأنه يقطع مسافة طويلة قبل الفجر ليصل إلى مكانه المعتاد. لكن محاولاته لم تُجْدِ، فصودرت البسطة وانتهى يومه بخسارة كل شيء.

يقول “أبو علي” بصوت متهالك: “هذا رزقي.. أعمل في هذا العمر فقط كي أتمكن من أكل لقمة بالحلال. وأنا بهذا العمر، ماذا يفترض أن أعمل لكي أؤمن مصروف يومي؟”.

ما حدث لم يكن استثناءً، حملة إزالة البسطات شملت العشرات، في مشهد يعكس صراعًا متكررًا بين “باعة الرصيف” والجهات الإدارية في العاصمة، وسط غياب أي خطة واضحة توازن بين تنظيم الشوارع وحق الناس في العمل.

في السنوات الأخيرة، لم تعد البسطات ظاهرة مؤقتة، بل تحولت إلى وسيلة رزق أساسية، بفعل ارتفاع نسب البطالة، وتدني الرواتب، ونزوح مئات الآلاف من بيوتهم ومحالهم بسبب الحرب وسياسات النظام المخلوع.

جولة لموقع “تلفزيون سوريا” في بعض شوارع العاصمة تُظهر أن أصحاب البسطات ليسوا أطفالًا أو عمالًا مؤقتين فقط، بل بينهم موظفون متقاعدون، نازحون، ونساء معيلات، لجؤوا إلى الرصيف لبيع ما تيسّر، وتأمين أساسيات يومهم.

“أُعاقب لأنني فقير”

يقول لؤي سعيد، وهو متقاعد يعيش في دمشق: “راتبي التقاعدي لا يكفي لشراء الخبز لعائلة مكونة من أربعة أشخاص شهريًا”. ويضيف: “البسطة كانت محاولة بسيطة لأدفع إيجار منزلي بعدما تهجّرت من زملكا قبل عشر سنوات. وعندما أزالوها، شعرت أنهم عاقبوني لأني فقير”.

شهادات عدة جمعها موقع “تلفزيون سوريا” من باعة متضررين، تفيد أن الحملات نُفذت في عدد من أحياء دمشق دون سابق إنذار، وترافقت أحيانًا مع مصادرة للبضائع والعربات، ما سبب لهم خسائر كبيرة لا يمكن تعويضها.

نساء فقدن المعيل ومصدر العيش

خلال سنوات الحرب، تحملت النساء السوريات أعباء كبيرة، ووجدن أنفسهن مسؤولات عن إعالة أسرهن. كثيرات منهن لجأن إلى بيع الملابس أو المونة عبر بسطات بسيطة، لا بحثًا عن الربح، بل هربًا من الجوع.

تقول عائشة سلوم، المعروفة باسم “أم لؤي”: “لم تتوقف المشكلة عند المصادرة، بل تكبدت خسائر كبيرة. كنت أشتري الملابس الداخلية من المعمل وأحاسبهم بعد البيع، واليوم لا أعرف كيف سأغطي هذا الدين”.

وتضيف: “أنا مهجّرة منذ سنوات من جوبر، أعيش مع طفلين، وزوجي مفقود منذ تلك الأحداث. لم أطلب المساعدة من أحد، اخترت أن أعمل بالحلال. واليوم، سُلب مني مصدر رزقي الوحيد، وسجل علي دين كبير. ما الذنب الذي اقترفناه لنُعاقَب بهذا الشكل؟ فقط لأننا فقراء؟”.

أسواق بديلة.. لكن مكلفة أو بعيدة

يرى بعض المواطنين أن إزالة البسطات ضرورية لتنظيم الشوارع والحفاظ على مظهر العاصمة ونظافة الأرصفة، فيحين يعتبرها آخرون إجراءً منفصلًا عن الواقع الاقتصادي والمعيشي. ويؤكد كثيرون أن غياب البسطات تسبب بارتفاع أسعار السلع، بسبب فقدان البدائل الأرخص.

يقول سمير رزق، أحد سكان منطقة الفحامة: “نعم، البسطات كانت حالة فوضى، لكنها كانت أرخص من المحلات، واليوم نضطر للدفع بأسعار أغلى لذات السلع التي كنا نشتريها من البسطة”.

في المقابل، تقول محافظة دمشق إن الحملات تهدف لحماية الأرصفة وتخفيف الازدحام، وإنها خصصت أسواقًا بديلة. لكن باعة أكدوا أن تلك الأسواق إما ممتلئة مثل سوق “ابن عساكر”، أو بعيدة عن مناطق سكنهم، أو تطلب منهم دفع رسوم لا تتناسب مع دخلهم المتدني.

محمد العمري، بائع سابق في أحد الأسواق المنظمة، يقول: “الأسواق المنظمة لم تنصف الفقراء. التنظيم الحقيقي يبدأ بمساندتهم، لا بفرض رسوم إضافية عليهم. من الأجدر إنشاء أسواق شعبية قريبة، برسوم رمزية، وتراخيص مؤقتة، وأن يُشرك الباعة في التنظيم بدل طردهم”.

ويضيف: “لماذا لا تنشئ المحافظة ورشات خياطة أو صناعة المونة، بدل أن تجلس النساء وأطفالهن ساعات على الأرصفة لبيع ما يسد قوتهم اليومي؟”.

أزمة أكبر من “بسطة”

تقول الباحثة الاجتماعية ضحى إسماعيل لموقع “تلفزيون سوريا” إن اختزال البسطات بمشكلة “تشويه المظهر الحضاري” هو تجاهل للأزمة المعيشية الحقيقية التي يعيشها السوريون.

وتضيف: “إزالة مصدر رزق مؤقت، دون حلول بديلة، يدفع بعض الشباب، خصوصًا المراهقين، إلى الانخراط في أعمال غير مشروعة مثل السرقة. وقد تؤدي هذه الإجراءات إلى فقر مدقع، وانتشار أمراض ومجاعة في بعض الحالات، خاصة مع ارتفاع الإيجارات، وانهيار الدخل”.

وتتابع: “الأغلبية الساحقة من الباعة هم نازحون قسريًا من مناطقهم، ويعيشون في ظروف مأساوية. لا يجب أن يُعاقَب فقرهم، بل ينبغي التعامل مع هذه الظاهرة برؤية شاملة تأخذ في الاعتبار تبعات الحرب والتشرد، وتمنع الانزلاق نحو اضطرابات نفسية واجتماعية قد تؤدي إلى جرائم”.

وتختم إسماعيل بالقول: “المظهر الحضاري لا يُبنى بإخفاء الفقراء عن الشوارع، بل بعدالة اجتماعية حقيقية تُعيد لهم كرامتهم وحقهم في الحياة”.

———————-

=====================

تحديث 23 كانون الثاني 2026

———————————

 نفط سوريا بين الماضي والحاضر.. ماذا ربحت الحكومة وخسرت قسد؟/ علي دربج

الجمعة 2026/01/23

تشهد الخريطة الجيوسياسية في سوريا تطوّرات وتحولات نوعية استراتيجية متسارعة ولافتة، وآخرها بسط الجيش السوري سيطرته على منطقة شرق الفرات وانتزاعها من قبضة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والأهم إحكام سيطرته على المرافق والمنشآت الحكومية النفطية التي كانت إيراداتها تذهب إلى جيوب “قسد”، بحسب شهادة مسؤولين في البنتاغون الأميركي.

النفط السوري

في الحقيقة، كان النفط يشكّل العمود الفقري للاقتصاد السوري قبل عام 2011، إذ بلغ الإنتاج نحو 380 ألف برميل يومياً، وكان يساهم بما يقارب 25٪ من إيرادات الدولة (الأرقام تعود لمنصة “L24” الإخبارية المستقلة).

وفي الإطار ذاته، ووفقاً لدراسات دقيقة أجرتها المؤسسة العامة للنفط عام 2010، قُدِّرت الاحتياطات النفطية في سوريا بنحو 27 مليار برميل من النفط، و678 مليار متر مكعب من الغاز، هذا دون احتساب احتياطيات المناطق البحرية.

لكن مهلا، فخلال حكم الديكتاتور بشار الأسد، خرجت معظم حقول النفط والغاز السورية في شمال شرق البلاد وشرقها عن سيطرة نظامه، إلى درجة أن ربع مساحة سوريا الواقعة شرق الفرات – بما فيه محافظة دير الزور الغنية بالموارد – كان يخضع لسيطرة “قسد” بدعم أميركي، متضمّناً أهم الحقول النفطية السورية.

وتبعاً لذلك، تراجع إنتاج النفط ـــ على ذمّة وزير النفط والثروة المعدنية السوري غياث دياب في حديث له مع شبكة “CNBC” عربية في 13 كانون الثاني/يماير 2025 ــــ من 385 ألف برميل يومياً عام 2010، إلى ما يقارب 110 آلاف برميل (حتى تاريخ دخول القوات الحكومية إلى مناطق “قسد”)، موزَّعة ما بين 100 ألف برميل تُنتَج من الحقول التي كانت تسيطر عليها الأخيرة، و10 آلاف برميل تُستخرج من الحقول الخاضعة للسلطة الجديدة في دمشق.

الحقول النفطية المسترجعة من “قسد”

بالتوازي مع مسار التسوية، وبعد توقيع “قسد” تسوية شاملة وطويلة مع حكومة الشرع، انتهت المعارك التي خاضها الجيش السوري في 17 و18 كانون الثاني الجاري، ببسط نفوذه على حقول نفط وغاز إستراتيجية في شرق البلاد، ما لبثت أن تسلّمتها الشركة السورية للبترول، وأهمها:

1 ـــ حقل العمر: يُعدّ أكبر حقول النفط في سوريا من حيث طاقته الإنتاجية، التي بلغت قبل عام 2011 حوالى 80 ألف برميل يومياً، وبذلك شكّل العمود الفقري لصادرات النفط السورية. غير أنه ينتج حالياً نحو 20 ألف برميل يومياً، وفق “غلوبال إنيرجي مونيتور”.

2 ـــ حقل التنك النفطي: تشير تقديرات غير رسمية (بحسب منصة “الطاقة” الإخبارية ومقرها واشنطن) إلى ان احتياطياته تتجاوز 250 مليون برميل من النفط الخام عالي الجودة. ولهذا يُعتَبَر من الحقول الرئيسية الواقعة في حوض الفرات النفطي شرق دير الزور، إذ كان ينتج 40 ألف برميل يومياً عام 2011، فيما يُقدَّر إنتاجه اليوم بنحو 1000 برميل، ويُصنَّف ضمن الحقول متوسطة الحجم ذات النفط الخفيف نسبياً.

3 ـــ حقل الجفرة النفطي: يقع شرق دير الزور، حيث انخفض إنتاجه من حوالى ألفي برميل يومياً قبل الحرب، إلى نحو ألف برميل يومياً تحت سيطرة “قسد”.

4 ـــ حقل كونيكو للغاز: يقع شرق دير الزور، وكان أكبر معمل لمعالجة الغاز في سوريا قبل الحرب بطاقة إنتاج وصلت إلى حوالى 13 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، إلّا أنه توقّف عن العمل منذ سنوات نتيجة الأضرار التي أصابته وانسحاب الشركة الأميركية من الاستثمار فيه بعد سيطرة “قسد” عليه.

أما حقول رميلان والسويدية (محافظة الحسكة)، فتضمّان أكثر من ألف و300 بئر نفط و25 بئر غاز، وقد بلغ إنتاجها في ذروة ما قبل الحرب نحو 90 ألف برميل يومياً، لكن إنتاجها تراجع حالياً إلى حوالى 9 آلاف برميل يومياً فقط، بسبب نضوب المخزون وتقادم الآبار.

بدورها، تحوي حقول نفط الرقة، حقل الثورة جنوب غرب الرقة وعدداً من الحقول الصغيرة المجاورة مثل: (الوهب، الفهد، دبيسان، القصير، أبو القطط، وأبو قطاش قرب الرصافة). واللافت أن إنتاجها كان متواضعاً تاريخياً، بحيث لا يتجاوز بضعة آلاف برميل يومياً، فيما تنتج حالياً مجتمعة نحو ألفي برميل يومياً.

الجدير بالذكر أن هذا التحوّل الميداني أدّى إلى تجدّد اهتمام الشركات الدولية العاملة في القطاع، إذ تستعد شركة “غلف ساندز” (Gulfsands)، التي تمتلك حصة تشغيلية رئيسية في البلوك 26 الواقع في شمال شرق سوريا (محافظتا الحسكة ودير الزور)، لاستئناف أنشطة الاستكشاف والإنتاج مع تحسّن الظروف الأمنية.

ماذا عن إنتاج الغاز في سوريا؟

يُقدَّر الاحتياطي السوري من الغاز بحوالَي 240 مليار متر مكعب، 60٪ منها غاز مُصاحِب (أي الغاز الطبيعي الذي يوجد مع النفط الخام في المكمن نفسه ويخرج معه أثناء عملية استخراج النفط)، استناداً إلى بيانات رسمية حكومية من عهد نظام الأسد.

بالمقابل، أكّد وزير الطاقة السوري محمد البشير، في تصريح نقلته “وكالة رويترز”، في 14 كانون الأول الماضي، أن “سوريا تنتج حالياً قرابة 7 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً”، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من هذا الإنتاج يأتي من الحقول الواقعة أصلاً ضمن مناطق سيطرة الدولة، وخصوصاً وسط البلاد، بينما لم تسهم حقول الغاز في مناطق “قسد” سابقاً إلّا بحوالى 1.1 مليون متر مكعب يومياً قبل استعادتها. ومع دخول الحقول الجديدة ضمن الخدمة الحكومية مستقبلاً، يُتوقّع ارتفاع الإنتاج المحلي بشكل ملموس.

في المحصّلة، كانت الحقول النفطية المسترجعة من “قسد” مصدر تمويل رئيسي لإدارتها الذاتية، إذ حقّقت إيرادات تُقدَّر بنحو 150 مليون دولار سنوياً من خلال ترتيبات مقايضة مع الحكومة السورية السابقة والأهم عمليات بيع في السوق السوداء، حيث كان القسم الأكبر من النفط يتّجه نحو شمال العراق عبر طرق التهريب غير النظامية، بعد خلطه مع نفط أربيل.

المدن

—————————

من الغاز إلى السياسة: اجتماع رباعي يعيد رسم العلاقة مع سوريا/ معاذ الحمد

الطاقة تختبر دمشق الجديدة: ماذا يريد لبنان والمنطقة من الاجتماع الرباعي؟

2026-01-23

تتجه الأنظار في بيروت ودمشق وعواصم إقليمية إلى اجتماع رباعي مرتقب يضم لبنان وسوريا ومصر والأردن خلال شهر شباط/ فبراير المقبل، في خطوة تعكس عودة ملف الطاقة إلى صدارة الأولويات السياسية والاقتصادية، ليس فقط كحل تقني لأزمة الكهرباء في لبنان، بل كمدخل لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية مع سوريا في مرحلة ما بعد نظام بشار الأسد.

مصادر وزارية لبنانية كشفت أن التحضيرات للاجتماع تتقدّم على أكثر من مسار، في مقدّمها متابعة التنسيق المتعلق باستجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى لبنان عبر الأراضي السورية، إلى جانب إعادة النظر بالاتفاقيات السابقة الموقّعة في عهد النظام السوري المخلوع.

ووفق هذه المصادر، فإن رفع العقوبات المرتبطة بـ”قانون قيصر” بعد سقوط النظام أعاد فتح هذا الملف، بعدما شكّل لسنوات أحد أبرز العوائق أمام مشاريع الربط الإقليمي.

الطاقة كأولوية لبنانية وممر سياسي منخفض الكلفة

في خلفية هذا الحراك، تبرز الحاجة اللبنانية الملحّة لتحسين التغذية الكهربائية، بعد سنوات من الانهيار شبه الكامل للقطاع. مصدر وزاري متابع لملف الطاقة أوضح لصحيفة “الشرق الأوسط” أن الاجتماع سيعرض تقارير فنية أعدّتها وفود مختصة حول كلفة تأهيل جزء من خط الغاز العربي داخل الأراضي اللبنانية، إضافة إلى تقييم جاهزية البنية التحتية السورية، تمهيدًا لإعادة تفعيل الاستجرار بشكل مستدام.

في هذا السياق، يرى الكاتب والناشط السياسي علي الأمين السويد، لـ”963+” أن اختيار ملف الطاقة ليكون أول ملف إقليمي يُعاد تفعيله مع سوريا بعد سقوط النظام السابق ليس خياراً تقنياً بحتاً، بل قرار سياسي محسوب ومنخفض الكلفة.

وبحسب قراءته، يتيح هذا الملف التعامل مع السلطة الجديدة في دمشق من دون حسم مسألة الشرعية السياسية الكاملة، كما يمكن تسويقه دولياً كملف إنساني يهدف إلى منع الانهيار، ولا سيما في لبنان.

ويضيف السويد أن الطاقة تمثّل “أداة اختبار” أكثر منها التزاماً طويل الأمد، إذ يمكن ضبطها أو إيقافها في أي لحظة، ما يسمح للدول الإقليمية باختبار قدرة السلطة السورية الجديدة على احترام الاتفاقات وضبط الأرض وتأمين الممرات، من دون منحها “ثقة مجانية”.

مراجعة الاتفاقيات

إلى جانب البعد التقني، يحمل الاجتماع بعداً سياسياً وقانونياً يتمثل في مراجعة شاملة للاتفاقيات السابقة، ولا سيما تلك التي وُقّعت مع النظام المخلوع.

المصادر الوزارية اللبنانية تشير إلى أن هذه المراجعة تأتي في ضوء المتغيرات السياسية والإقليمية، وتهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة برسوم العبور وآليات الدفع والإشراف.

السويد يذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن الإعلان عن إعادة التفاوض يحمل رسالة واضحة بفصل الاتفاقيات عن إرث النظام السابق.

ويرى أن هذا المسار يمكن أن يكون مشروعاً من منظور القانون الدولي في حال تغيّرت الظروف جذرياً، لكنه يحذّر في الوقت نفسه من أن غياب التوافق مع الأطراف الأخرى قد يحوّله إلى خرق تعاقدي يضر بمصداقية الدولة السورية الجديدة.

سوريا بين الإدماج الوظيفي وحدود الانفتاح

من زاوية أوسع، يقدّم الكاتب والمحلل السياسي أحمد الزين قراءة تربط الاجتماع الرباعي بسياق دولي تقوده الولايات المتحدة. فالزين يعتبر في تصريحات لـ”963+” أن واشنطن تسعى إلى إعادة دمج سوريا في محيطها العربي عبر مدخلي الطاقة وإعادة الإعمار، ضمن رؤية أشمل لإعادة ترتيب النفوذ في الشرق الأوسط.

ويشير إلى أن الإدارة الأميركية تدرك أن إعادة إعمار سوريا لا يمكن أن تتم من دون لبنان، ما يجعل ملف الطاقة بوابة أساسية لإعادة فتح العلاقات اللبنانية ـ السورية على أسس جديدة.

وفيما يرى الزين أن الاجتماع قد يشكّل بداية تعاون رباعي يتجاوز قطاع الطاقة ليطال إعادة إعمار سوريا والقرى اللبنانية المتضررة، يلفت السويد إلى أن ما يجري لا يرقى إلى إعادة تأهيل كاملة لسوريا، بل يندرج في إطار “إدماج وظيفي” محدود. فدمشق، وفق هذا الطرح، تُدمج في وظائف محددة تخدم الاستقرار الإقليمي، من دون الاعتراف بها كدولة طبيعية مكتملة السيادة، وبسقف تعاون منخفض وتحت رقابة صارمة.

اقتصادياً، يقدّر السويد أن سوريا ستكون المستفيد الثالث من المشروع بعد لبنان كطرف مستهدف، والأردن كدولة عبور رئيسية، مع عائدات قد تتراوح بين 10 و20 مليون دولار سنوياً كرسوم مرور، رغم قصر مسافة العبور داخل الأراضي السورية.

المقاربة السورية: فصل الملفات وتبدّل الأولويات

في المقابل، يلفت الكاتب والمحلل السياسي حسام نجار في تصريحات لـ”963+” إلى أن ملف الطاقة ليس جديداً، بل إن الاتفاقيات الخاصة به وُقّعت منذ سنوات وتوقفت لأسباب عملية تتعلق بالكميات وطبيعة الاستجرار وتوازن الفوائد.

ويؤكد أن إعادة إحيائه اليوم تعكس أهميته، خصوصاً بالنسبة للبنان، لكنه يشدّد على ضرورة فصله عن الملفات العالقة بين بيروت ودمشق.

ويشير نجار إلى أن لدى الدولة السورية أولويات أخرى تراها أكثر إلحاحاً، مثل ملف المعتقلين السوريين في لبنان، وملف اللاجئين، وضباط النظام السابق، معتبراً أن دمشق تتعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر، انطلاقاً من قناعتها بضرورة حماية الداخل السوري، ولا سيما بعد عودة آبار النفط والغاز إلى سيطرة الدولة.

وبحسب نجار، فإن ملف استجرار الطاقة لم يعد أولوية سورية بقدر ما هو حاجة لبنانية، ما يجعل ميزان الحاجة يميل لمصلحة بيروت، رغم سعي دمشق إلى لعب دور “بيضة القبان” في هذا الملف وغيره، ضمن علاقة متعددة المسارات تقوم على نقاء النوايا وحسن السلوك.

تطورات ميدانية وضغط الأرقام

عملياً، بدأت مصر في 11 كانون الثاني الجاري بضخ نحو 50 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يومياً إلى لبنان عبر خط الغاز العربي، بعد توريد كمية مماثلة إلى سوريا.

كما أفادت وكالة بلومبيرغ بأن القاهرة اتفقت مع دمشق وبيروت على استقبال شحنات غاز مسال لصالح البلدين عبر سفينة التغويز الراسية في ميناء العقبة الأردني، مع ضخ نحو 100 مليون قدم مكعب يومياً خلال أشهر الشتاء.

وتأتي هذه الخطوات في وقت يواجه فيه قطاع الكهرباء في سوريا تحديات جسيمة، إذ تشير تقديرات رسمية إلى أن البلاد تحتاج إلى نحو خمس سنوات لاستقرار التيار الكهربائي بشكل كامل، في ظل عجز يتجاوز 80% من إجمالي الاحتياجات الحالية.

+963

———————————

صادرات تركيا إلى سوريا ترتفع 70% في 2025

سجلت الصادرات التركية إلى سوريا قفزة كبيرة خلال عام 2025، بارتفاع بلغ نحو 69% مقارنة بالعام السابق، في مؤشر على تحسن ملموس في حركة التجارة بين البلدين عقب التحولات السياسية التي شهدتها سوريا أواخر 2024.

ووفق بيانات صادرة عن مجلس المصدرين في تركيا، فإن قيمة الصادرات التركية إلى سوريا بلغت خلال 2024 نحو مليار و514 مليون دولار، لترتفع في 2025 بنسبة 69.6% إلى مليارين و568 مليون دولار.

وأشارت البيانات إلى أن أكبر نمو في الصادرات تحقق في قطاع الحبوب والبقوليات والبذور الزيتية والمنتجات المصنعة، بزيادة بلغت 35.4%، وبقيمة وصلت إلى 700 مليون دولار.

وجاء قطاع المواد الكيميائية ومشتقاتها في المرتبة الثانية بصادرات بلغت 299 مليون دولار، تلاه قطاع الكهرباء والإلكترونيات بقيمة 224 مليون دولار.

وعزت البيانات هذا الأداء إلى تحسن مناخ التجارة بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وهو ما انعكس إيجابيا على انسياب السلع والتعاون الاقتصادي بين تركيا وسوريا.

ثمرة جهد منهجي

وفي تصريحات لوكالة الأناضول، قال جلال قاضو أوغلو، رئيس قسم شؤون التجارة مع سوريا باتحاد المصدرين التركي، إن الزيادة في الصادرات لم تكن نتيجة تطورات معزولة، بل ثمرة جهد منهجي امتد على مدار العام.

وأوضح أن عام 2025 شهد بناء العلاقات التجارية التركية السورية على أسس أكثر قابلية للتنبؤ وأكثر مؤسسية واستدامة، مشيرا إلى أن تلبية احتياجات المصدرين والتنسيق المستمر مع الجهات المعنية أسهما في تحقيق هذه النتائج.

وأضاف أوغلو أن أرقام الصادرات تؤكد أن السوق السورية لم تعد مقتصرة على التبادل الحدودي، بل باتت تستقطب مراكز إنتاج من مختلف أنحاء تركيا، لافتا إلى أن تعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط وفر أرضية أكثر متانة للعلاقات الاقتصادية طويلة الأمد.

إعلان

وأشار إلى أن إعادة دمج سوريا في شبكات التجارة الإقليمية لا تعني فقط زيادة التبادل الثنائي، بل تسهم أيضا في فتح مسار تجاري أوسع يمتد إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا ودول الخليج.

المصدر: وكالة الأناضول

————————

=====================

تحديث 22 كانون الثاني 2026

———————————

منطقة الجزيرة.. رئة سوريا الاقتصادية وخزانها النفطي/ تسنيم حسناوي

منطقة سورية تقع في شمال شرق البلاد، سميت بالجزيرة لانحصارها بين نهري دجلة والفرات، وتضم محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، وتعدّ رئة اقتصادية بفضل تكامل ثرواتها النفطية والزراعية والمائية، حتى صارت تعرف محليا بسلة غذاء سوريا وخزان النفط السوري.

تعرضت الجزيرة للإهمال رغم غناها بالثروات منذ سبعينيات القرن العشرين، ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، بسط تنظيم الدولة نفوذه عليه واتخذها معقلا لخلافته، قبل أن تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بدعم من التحالف الدولي، فضلا عن أنها كانت ممرا بريا سعت إيران لتثبيته بينها وبين لبنان عبر العراق وسوريا.

ومع سقوط النظام السوري في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، رفضت قسد الاندماج مع الدولة الوليدة، فيما حاولت الأخيرة بسط سيادتها على كامل الأراضي السورية وعقدت اتفاقات لكنها تعثرت، في ظل تبادل الاتهامات بالتصعيد العسكري بين الطرفين.

استمرت العمليات العسكرية تتمدد في كامل الجزيرة حتى أعلنت الرئاسة السورية عن التوصل إلى اتفاق في 20 يناير/كانون الثاني 2026 مع قسد يقضي بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية لقسد مع الحكومة السورية، في حين أكدت قسد التزامها بالاتفاق.

الموقع

تُمثّل الجزيرة السورية الامتداد الواقع داخل الحدود السورية من إقليم “الجزيرة الفراتية” الواقع بين نهري دجلة والفرات، أو ما يُعرف تاريخيا بـ”بلاد ما بين النهرين العليا”.

وتتخذ الجزيرة شكلا شبه مثلثي في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا، وتحيط بها حدود طويلة مع تركيا شمالا، والعراق شرقا وجنوبا؛ إذ يشكّل نهر الفرات قاعدتها الجنوبية، فيما تتقدّم منطقة المالكية لتشكّل قمتها عند نهر دجلة.

تبلغ مساحة الجزيرة نحو 76 ألف كيلومتر مربع، أي ما يقارب 41% من إجمالي مساحة سوريا البالغة نحو 185 ألف كيلومتر مربع، مما يجعلها واحدة من أوسع الأقاليم الجغرافية في البلاد.

إعلان

وتضمّ الجزيرة السورية كامل محافظة الحسكة البالغة مساحتها نحو 23 ألف كيلومتر مربع، إلى جانب محافظة الرقة (19 ألف كيلومتر مربع)، ومحافظة دير الزور (33 ألف كيلومتر مربع).

الجغرافيا

تنقسم الجزيرة إلى شطرين يفصل بينهما جبل سنجار (يمتد إلى العراق) وجبل عبد العزيز:

    الجزيرة العليا في الشمال، وتتميّز بخصوبة تربتها ووفرة أمطارها نسبيا، مما يسمح بازدهار الزراعة البعلية فيها.

    الجزيرة السفلى في الجنوب، وهي ذات طابع شبه قاحل أو صحراوي.

وتُعد الجزيرة الخزان المائي والاقتصادي الأهم لسوريا، إذ تحتضن أنهارا رئيسة مثل: الخابور والبليخ والجغجغ إلى جانب الفرات ودجلة، فضلا عن احتوائها على أبرز السهول الزراعية المنتِجة للقمح والقطن، إضافة إلى حقول النفط التي منحتها وزنا اقتصاديا واستراتيجيا مضاعفا.

الأهمية الاستراتيجية

تتمتع الجزيرة السورية بأهمية استراتيجية مركّبة، ناتجة عن تداخل الجغرافيا بالاقتصاد والسياسة والديمغرافيا، مما جعلها من أكثر مناطق سوريا حساسية وتأثيرا وتنازعا بين القوى المحلية والإقليمية.

فعلى المستوى الجيوسياسي، تقع الجزيرة بين نهري دجلة والفرات عند تقاطع حدود تركيا والعراق، مما يمنحها دورا تاريخيا باعتباراها ممرا استراتيجيا يربط المشرق بالأناضول وبلاد ما بين النهرين.

وتبرز منطقة المالكية نقطة حدودية ثلاثية ذات قيمة عسكرية وسياسية، ووفق مركز حرمون للدراسات المعاصرة، فقد كانت المنطقة في سنوات الثورة السورية جزءا من الممر البري الذي سعت إيران لتثبيته بينها وبين لبنان عبر العراق وسوريا.

أما اقتصاديا، فتُعد الجزيرة الخزان الاقتصادي لسوريا، إذ تضم معظم الثروة النفطية والغازية في البلاد، إضافة إلى كونها سلة غذاء وتنتج النسبة الكبرى من القمح والقطن.

ومن الناحية العسكرية والأمنية، فقد شكّلت الجزيرة تاريخيا ساحة صراع بين القوى الكبرى، وتحوّلت في العصر الحديث إلى منطقة تمركز لقوى دولية وإقليمية متعددة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، الذي اتخذ من باديتها معقلا رئيسيا له سنوات طويلة.

وسياسيا وديمغرافيا، تتميز المنطقة بتنوع عرقي وديني واسع، استُثمر تاريخيا في مشاريع النفوذ والضبط السياسي، ويُعدّ اليوم من عناصر التعقيد في الصراع السوري، لكون الجزيرة مركز الإدارة الذاتية التي تشكل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) جناحها العسكري، ومسرحا للتجاذب الإقليمي حول القضية الكردية.

وتتعزز هذه الأهمية بكون الجزيرة عقدة نقل وطاقة، تمر عبرها خطوط أنابيب وطرق وسكك حديدية تربط سوريا بالعراق وتركيا، مما يمنحها وزنا يتجاوز حدودها المحلية إلى الإقليم كله.

الاقتصاد

تُوصَف الجزيرة السورية بأنها سلة غذاء سوريا وخزانها النفطي، نظرا لتمركز معظم الثروات والأنشطة الاقتصادية الاستراتيجية فيها.

فهي تضمّ كامل إنتاج سوريا من النفط، عبر حقول رئيسية مثل رميلان والسويدية في الحسكة، والعمر والتنك في دير الزور، إضافة إلى احتياطات غازية كبيرة تمثل نحو 58% من احتياطي البلاد.

كما تُعدّ الجزيرة أغنى الأقاليم السورية مائيا، باحتضانها أنهار الفرات ودجلة وروافدهما، فضلا عن امتلاكها ثروات معدنية مثل الملح الصخري العالي النقاوة.

وزراعيا تشكّل الجزيرة العمود الفقري للأمن الغذائي السوري، فقد كانت تنتج قبل عام 2011 أكثر من نصف إنتاج القمح ونحو ثلثي إنتاج القطن، إلى جانب الشعير والذرة والبقوليات. وتدعم هذه القاعدة الزراعية ثروة حيوانية واسعة تمثل ما بين 36% و41% من القطيع السوري، خصوصا الأغنام.

ويعمل معظم سكان المنطقة في الزراعة والرعي، مع حضور محدود لقطاع النفط والصناعات الغذائية والحرفية التي اشتهرت بإنتاج مشتقات الحليب والصوف والجلود، كما لعبت المدن الحدودية -مثل القامشلي- دورا مهما في التجارة وتبادل السلع.

أما على مستوى المشاريع الكبرى، فتبرز مشاريع استخراج النفط والغاز، وسد الفرات (الطبقة) الذي شكّل ركيزة للطاقة والري، إضافة إلى مشاريع زراعية تاريخية وشبكات نقل وسكك حديد ربطت الجزيرة بحلب والعراق وتركيا.

السكان

شهدت المنطقة نموا سكانيا متسارعا منذ فترة الانتداب الفرنسي، مدفوعا بالهجرات من تركيا والعراق والاستقرار العشائري. فبعد أن كان عدد السكان لا يتجاوز مئات الآلاف منتصف القرن العشرين، ارتفع تدريجيا ليبلغ قبل 2011 أكثر من 1.5 مليون نسمة في كل من الحسكة ودير الزور.

وقلبت المعارك التي اشتعلت في أعقاب الثورة السورية هذا المسار، إذ تراجعت الأعداد بشكل حاد متأثرة بالنزوح والهجرة والقتل، فانخفض عدد سكان دير الزور إلى أقل من النصف، وتقلص سكان الحسكة بشكل ملحوظ رغم استقبالها نازحين من مناطق أخرى.

واستنادا إلى تقرير الأمم المتحدة الديمغرافي السنوي لعام 2008، فقد بلغ مجموع سكان الجزيرة نحو مليون و175 ألفا، ووفق التقرير الإحصائي لمركز نما للأبحاث المعاصرة لعام 2024، بلغ عدد سكان الجزيرة 3 ملايين و191 ألفا.

وتتميز الجزيرة بفسيفساء سكانية معقدة تشمل:

    العرب: الذين يشكلون الغالبية، ولا سيما في دير الزور والرقة، مع حضور وازن في الحسكة ضمن قبائل وعشائر كبرى مثل شمر والعكيدات والجبور والبكارة.

    الكُرد: الذين يتركزون أساسا في شمال وشمال شرق الحسكة وأجزاء من ريف الرقة، وقد تباينت نسبتهم تاريخيا تبعا لموجات الهجرة والإحصاءات الرسمية، مع تأثرهم بإحصاء 1962 الذي جرّد عشرات الآلاف منهم من الجنسية.

كما تحتضن طوائف متعددة، فإضافة إلى الأغلبية السنية، تضم المنطقة مسيحيين (سريان، آشوريون، أرمن، كلدان) تركزوا تاريخيا في مدن الجزيرة وقرى الخابور، لكن أعدادهم تضاءلت بشدة إثر تزايد الهجرة منذ 2011، إضافة لوجود أقليات أصغر من الإيزيديين واليهود.

وتعكس اللغات المتداولة هذا التنوع، إذ تسود العربية باعتبارها لغة جامعة، إلى جانب الكردية في مناطق الأكراد، والسريانية لدى السريان والآشوريين، والأرمنية داخل المجتمع الأرمني.

محطات تاريخية

تُعدّ منطقة الجزيرة السورية من أقدم الأقاليم المأهولة في التاريخ، وقد شهدت تحولات عميقة في تسميتها وحدودها ووظيفتها السياسية، قبل أن تستقر بصورتها الإدارية الحديثة في القرن العشرين.

وعُرفت المنطقة تاريخيا باسم الجزيرة الفراتية وجزيرة ما بين النهرين لوقوعها بين نهري دجلة. ومع تعاقب القوى والحضارات، تعددت تسمياتها بين سورية الأولى في العهد الروماني، وسورية بريثا في المصادر السريانية، والجزيرة الشامية في المدونات الجغرافية، وبلاد ما بين النهرين العليا في الدراسات الغربية، وصولا إلى توصيف شرق الفرات في السياق السياسي المعاصر.

وشكّلت الجزيرة مسرحا لتعاقب ممالك وإمبراطوريات كبرى منها مملكة ميتاني وكانت عاصمتها واشوكاني قرب رأس العين (الحسكة)، ومملكة الحوريين وكانت عاصمتها أوركيش (تل موزان في الحسكة) مركزا حضوريا مبكرا.

إعلان

كما كانت المنطقة جزءا حيويا من الدولة الآشورية، وشكّلت مدن مثل دور كاتليمو مراكز إدارية مهمة، كما أسس فيها الآراميون والأموريون ممالك محلية أبرزها بيت بخياني في غوزانا ومملكة ماري على الفرات.

وفي العصر الكلاسيكي خضعت المنطقة للسلوقيين ثم تحولت إلى خط تماس بين الإمبراطوريتين الرومانية (البيزنطية لاحقا) والفارسية.

العصور الإسلامية

انضمت الجزيرة للحكم الإسلامي بين عامي 637م و640م، وأُعيد تنظيمها إداريا وسميت على أسماء القبائل العربية التي سكنتها ومنها ديار بكر وديار مضر وديار ربيعة. وبلغت الجزيرة ذروة ازدهارها في العصر العباسي، حين تحولت الرقة إلى مركز سياسي واقتصادي بارز في عهد الخليفة هارون الرشيد.

ومثّلت غزوات المغول على يد هولاكو ومن ثم تيمورلنك في القرنين الـ13 والـ14 منعطفا حاسما؛ إذ أدى تدمير مدنها وشبكات الري فيها إلى انهيار العمران، وانتقال الإقليم من فضاء حضري منتج إلى مجال تغلب عليه البداوة والترحال.

عام 1516 خضعت الجزيرة للسيادة العثمانية، لكن النفوذ الفعلي ظل محدودا بفعل قوة العشائر العربية، وفي أواخر العهد العثماني، سعت الدولة إلى إعادة ضبط المنطقة عبر التوطين والإدارة، فأنشأت مراكز مثل دير الزور وعملت على تأمين الطرق.

الانتداب الفرنسي والاستقلال

شهدت فترة الانتداب (1920-1946) إعادة إعمار واستقرارا نسبيا، مع استقبال موجات هجرة من الأرمن والسريان والآشوريين والكرد، مما أسهم في تشكيل الفسيفساء السكانية في الجزيرة، وتأسيس مدن حديثة مثل القامشلي والحسكة.

وشهدت منطقة الجزيرة السورية منذ استقلال سوريا عام 1946 مسارا حادّ التحول، انتقلت فيه من كونها ركيزة الاقتصاد الوطني ومجالا واعدا للتنمية الزراعية والنفطية، إلى واحدة من أكثر المناطق السورية تعقيدا من حيث الصراع السياسي والعرقي والتدخلات الخارجية.

عند استقلال سوريا، استمرت الجزيرة في أداء دورها خزانا زراعيا حيويا، مدفوعة بازدهار زراعة القمح والقطن فيما عُرف بـ”ثورة القطن” في خمسينيات القرن العشرين. وبالتوازي، بدأ اكتشاف النفط بكميات تجارية، مما عزز مكانة المنطقة اقتصاديا.

غير أن هذا الصعود ترافق مع تحولات ديمغرافية حساسة، مما أثار قلق الحكومة في ذلك الوقت ودفعها إلى إجراء إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة عرف بإحصاء عام 1962، ونتج عنه تجريد عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية، بحجة أنهم “أجانب تسللوا من تركيا”.

سيطرة آل الأسد

مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، دخلت الجزيرة مرحلة جديدة اتسمت بالضبط الأمني والتدخل الهندسي في البنية السكانية، مقابل إهمال تنموي واضح رغم وفرة الموارد.

ووفق مركز حرمون للدراسات المعاصرة، فقد طُرحت مشاريع لتغيير الواقع الديمغرافي على الشريط الحدودي، منها “الحزام العربي”، وبرزت سياسات أخرى مثل إعادة توطين متضرري سد الفرات عام 1974 في مناطق ذات أغلبية كردية، مما أدى إلى توترات اجتماعية.

وفي الوقت نفسه، انتهج النظام آنذاك سياسة مزدوجة تجاه الكرد، قوامها القمع الداخلي ثقافيا وسياسيا واستخدام الورقة الكردية خارجيا مع قرار احتضان حافظ الأسد حزب العمال الكردستاني ودعمه للضغط على تركيا، قبل أن تنقلب هذه السياسة مع نهاية التسعينيات مع توقيع اتفاقية أضنة.

وقد شكّلت أحداث القامشلي عام 2004 ذروة هذا المسار، حين اندلعت انتفاضة كردية واجهها النظام بالقوة العسكرية، مما عمّق الشرخ بين الدولة ومكونات اجتماعية واسعة، في ظل استمرار التهميش الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر والهجرة الداخلية، خاصة في سنوات الجفاف التي سبقت عام 2011.

الثورة السورية

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، دخلت الجزيرة طورا جديدا من التفكك والتدويل، وشاركت مدنها في الحراك السلمي، لكن الرد الأمني العنيف، ولا سيما في دير الزور، أدى إلى دمار ونزوح كبيرين.

وفي عام 2012، انسحب النظام من مناطق واسعة في الجزيرة السورية ليتفرغ لقتال المعارضة، وسلمها لقوات قسد التي فرضت إدارة ذاتية فيها بحكم الأمر الواقع.

لاحقا، سيطرت فصائل المعارضة بين عامي 2013 و2014 على الرقة وأرياف دير الزور، قبل أن يتمدد تنظيم الدولة (داعش) ويسيطر عليها ويرتكب فيها مجازر كثيرة ويتخذ من مدينة الرقة عاصمة لخلافته، لكنّ التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة تدخل معتمدا على قوات قسد لطرد التنظيم.

رسّخت التدخلات الخارجية واقع التقسيم الفعلي، وفرضت قوات قسد سيطرتها على معظم مناطق شرق الفرات الغنية بالنفط بدعم أميركي، بينما استعاد النظام وحلفاؤه الإيرانيون السيطرة على الضفة الغربية للفرات ومراكز حضرية استراتيجية، في إطار مشروع نفوذ إقليمي أوسع.

في المقابل، تدخلت تركيا عسكريا وسيطرت على شريط حدودي شمالي لمنع تشكل كيان كردي متصل على حدودها الجنوبية.

وفي ظل وقوع الجزيرة بين صراع وتجاذبات مختلف القوى داخليا وخارجيا، عانت المنطقة من تردي الأوضاع الأمنية والمعيشية ونزوح وهجرة الآلاف منها، في ظل ارتكاب مجازر بحق كثير من أهلها.

ورغم مخاوف النظام السوري من إعلان قسد للإدارة الذاتية وإنشاء نظام فدرالي في مناطق شمال شرقي سوريا، فإن العلاقات بين الطرفين ظلت جيدة حتى سقوط النظام في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.

سقوط النظام السوري

ومع سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وتولي حكومة من قوى الثورة مقاليد السلطة برئاسة أحمد الشرع، استمرت المعارك بين الإدارة السورية الجديدة وبين قوات قسد، ودخل الطرفان في مفاوضات مطولة لحل الأزمة بينهما ووضع مناطق الجزيرة تحت سيادة الدولة.

ومع تعثر المفاوضات وبعد تصعيد عسكري واتهامات بخرق اتفاق 10 مارس/آذار 2025، أطلق الجيش السوري في أوائل 2026 عملية عسكرية واسعة بدأت في حلب وامتدت نحو الأراضي التي تسيطر عليها قسد في شمال وشرق البلاد، لتصل إلى مناطق الجزيرة السورية.

وعقب فشل الاتفاق الثاني الذي أبرم في 18 يناير/كانون الثاني 2026، تواصلت التوترات الأمنية، ولا سيما في ملف السجون، بعد انسحاب قسد من محيط مخيم الهول، ثم أعلنت الرئاسة السورية عن التوصل إلى اتفاق ثالث يقضي بدمج محافظة الحسكة بما فيها القامشلي، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية لقسد مع الحكومة السورية، في حين أكدت قسد التزامها بالاتفاق.

المصدر: الجزيرة

———————————

مقاربات محلية- خارجية للاقتصاد السوري/ وفاء فرج

يناير 22, 2026

نظّمت غرفة تجارة دمشق، بالتعاون مع كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، الأربعاء، ندوة حوارية بعنوان “مقاربات محلية- خارجية للاقتصاد السوري”.

وقدّم الأكاديمي والمحاضر المتخصص في الشأن الاقتصادي، الدكتور زياد عربش، قراءة تحليلية معمّقة بلغة مبسطة وقريبة من الواقع، تناول فيها ديناميكيات الاقتصاد السوري، وسبل الوصول إلى مخارج آمنة ومستدامة.

وأشار الدكتور عربش إلى أن النهوض من الركام لا يمكن أن يتحقق دون رؤية اقتصادية واضحة تضع الأمن الإنساني الشامل في صلب السياسات العامة، مؤكداً أهمية اقتصاديات المحليات والمكان في سوريا وربطها بالبعد الخارجي، بما يحقق توازناً بين الإمكانات الداخلية ومتطلبات الانفتاح الاقتصادي.

كما استعرض محاور النهوض التنموي القائمة على التكامل القطاعي والجغرافي والزمني، مع الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مشدداً على ضرورة معاكسات الاتجاهات السلبية السابقة وتفعيل طاقات المجتمع المحلي بوصفها رافعة حقيقية للتعافي وإعادة البناء.

وتطرق عربش أيضاً إلى اقتصاديات المحليات والمكان في سوريا والبعد الخارجي، مستعرضاً محاور النهوض التنموي والتكامل القطاعي والجغرافي والزمني بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مشيراً إلى أهمية معاكسة الاتجاهات السلبية وتفعيل طاقات المجتمع.

من جهته، أوضح النائب الأول لغرفة تجارة دمشق، غسان سكر، التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري قبل 2011 وفي الوقت الحالي، بما في ذلك الأنظمة التشريعية والجوانب القانونية المرتبطة بالاقتصاد، وكيفية تفاعل الفئات والقطاعات الاقتصادية المختلفة مع هذه التحديات ومتطلبات المرحلة.

وأكد سكر أهمية التشاركية في صنع أي قرار، معتبراً أنها وسيلة لتقديم الأفضل وتصويب القرارات في حال شابتها أي أخطاء.

من جانبه، أكد النائب السابق لرئيس غرفة تجارة دمشق، محمد الحلاق، أنه في ظل المتغيرات الاقتصادية المتسارعة يبرز الاستثمار الأمثل في الموارد البشرية كركيزة أساسية لتعزيز الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة. ولفت إلى أن رأس المال المادي لم يعد وحده كافياً لتحقيق النمو، بل أصبح الاستثمار في الكفاءات والقدرات البشرية ضرورة ملحّة لمواكبة التحديات واستغلال الفرص المتاحة.

ورأى الحلاق أن ذلك يتطلب تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد البشرية، مع التركيز على تطوير المهارات وتأهيل الكفاءات من خلال برامج تدريبية متخصصة تتناسب مع احتياجات سوق العمل المتغيرة، على أن تشمل تطوير المهارات التقنية والقيادية ومهارات حل المشكلات، إلى جانب تعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال.

وأشار إلى أن الاستثمار في الموارد البشرية لا يقتصر على التدريب والتأهيل، بل يتعداه إلى تهيئة بيئة عمل محفّزة تشجع على الإبداع والإنتاجية، من خلال توفير فرص التطور الوظيفي، وتقدير الإنجازات، وتقديم الحوافز المناسبة، إضافة إلى تعزيز ثقافة العمل الجماعي والتعاون.

بدورهم، أكد المشاركون في الندوة، خلال مداخلاتهم، أهمية تبني مقاربة إقليمية تركز على المجتمعات المحلية والتنمية التشاركية، بهدف تجاوز ممارسات الفساد، مشيرين إلى الطاقات الكامنة في سوريا والحاجة إلى تفعيلها.

كما شددوا على ضرورة التخطيط السليم للنشاط الاقتصادي وتجنب القنوات غير المدروسة في عمليات استبدال العملة، لما لها من تأثيرات سلبية على الاستدامة.

وأكدوا أهمية دمج الخبرات الخارجية مع الخبرات المحلية المهمّشة، مشيرين إلى قدرة المسؤولين الوطنيين ورجال الأعمال على إدارة المرحلة المقبلة.

كما جرى التأكيد على أهمية التشاركية والكفاءات والحوكمة والشفافية، والاستفادة من الذاكرة المؤسسية.

ولفت المشاركون إلى أهمية معالجة البيروقراطية وتحسين الرواتب، مع الانتباه إلى دور اقتصاد الظل، وضرورة استخدام التكنولوجيا لردم الفجوة بين القطاعين الرسمي وغير الرسمي.

الثورة السورية

————————

=====================

تحديث 21 كانون الثاني 2026

———————————

استقلالية مصرف سوريا المركزي والفتوى: خطاب المصرف بوصفه جزءاً جوهرياً من السياسة النقدية/ مسلم عبد طالاس

21-01-2026

        تُعدّ استقلالية المصرف المركزي من أكثر المفاهيم إساءة للفهم في النقاشات العامة، خصوصاً في سياقات الأزمات الممتدة. فهي لا تعني حياداً سياسياً مطلقاً، ولا انفصالاً عن الدولة أو المجتمع، بل هي آليةٌ مؤسسية صُمِّمَت تاريخياً لحماية النقود من الاستخدام السياسي قصير الأجل، ومن إغراءات تمويل العجز أو تهدئة الغضب الاجتماعي عبر أدوات نقدية غير مُستدامة. بهذا المعنى، ليست الاستقلاليةُ قيمةً معياريةً، بل هي شرطٌ وظيفي لاستقرار الاقتصاد الكلي وبناء الثقة بالعملة ومحاربة التضخم.

        تقوم استقلالية المصرف المركزي في جوهرها على قدرة هذه المؤسسة على تحديد أهداف السياسة النقدية، وتنفيذها باستخدام أدوات تقنية قابلة للشرح والمُساءَلة، وضمن أفق زمني يتجاوز الدورة السياسية الضيقة. وقد أظهرت الأدبيات الاقتصادية، منذ نقاشات عدم الاتساق الزمني في السبعينيات، أن غياب هذه الاستقلالية غالباً ما يقود إلى تضخم مرتفع، وفقدان الثقة بالعملة، وانهيار القدرة على توجيه التوقعات الاقتصادية. غير أن التركيز على الجوانب القانونية والتنظيمية وحدها يُغفِلُ بعداً لا يقلّ أهمية، وهو استقلالية الخطاب النقدي.

        الخطاب الذي يعتمده المصرف المركزي ليس مجرد وسيلة تواصل، بل هو جزء من السياسة النقدية نفسها. فالثقة بالنقود لا تُبنى فقط عبر الأدوات، بل عبر القدرة على شرح هذه الأدوات، وربطها بالتزامات مستقبلية، وتَحمُّل مسؤولية نتائجها. كلما كان خطاب المصرف واضحاً، تقنياً، ومشروطاً، ازدادت قابليته للمحاسبة، وتعزّزت مصداقيته. وكلما انزلقَ الخطاب نحو العمومية أو الرمزية، تآكلت هذه المصداقية، حتى لو بقيت الأدوات قائمة شكلياً.

        في هذا السياق، تبرز خطورة مقاربة القضايا النقدية من خلال خطاب ديني، لا من حيث المضمون القيمي للدِّين، بل من حيث الوظيفة المؤسسية للخطاب. الدِّين، بوصفه منظومة أخلاقية ومعيارية، يمتلك مجاله المشروع في تنظيم السلوك الفردي والجماعي، لكنه لا يوفر أدوات تحليل أو تنفيذ للسياسة النقدية. وعندما يُستدعى الخطاب الديني ليؤدي وظيفة طمأنة نقدية، يكون ذلك مُؤشِّراً على فراغ في الخطاب الاقتصادي (النقدي) لا على تكامل بين المجالين.

        تُقدِّمُ الحالة السورية مثالاً واضحاً على هذا الخلل، فقد صدر عن مجلس الإفتاء الأعلى بيان فقهي بمناسبة قرب استبدال العملة السورية وحذف صفرين منها، أكد فيه أن الإجراء تنظيميٌ لا يمس الحقوق، وأن الديون والعقود تبقى بالقيمة المكافئة، وحرَّمَ أي استغلال أو إضرار بالناس. من حيث المنطق الفقهي، لا تخرج هذه الفتوى عن إطارها الطبيعي، فهي تتعامل مع الواقعة بوصفها مُعطى تنظيمياً مكتمل الشروط، وتسعى إلى ضبط السلوك الأخلاقي للمعاملات في ظلّ هذا المعطى.

        غير أن الفتوى، بحكم طبيعتها، تفترض تَحقُّقَ شروط اقتصادية وتقنية محددة، مثل وضوح آلية التحويل، واستقرار القيمة المكافئة، وقدرة النظام المصرفي على التنفيذ دون تشوهات. هذه افتراضات لا يملك الخطاب الديني أدوات التحقق منها أو مُساءلتها، ولا تقع ضمن مجاله الوظيفي. وعليه، فإن الفتوى تقدم شرعية معيارية مشروطة، لا ضمانة نقدية.

        الإشكالية الحقيقية تبدأ مع ردّ فعل المصرف المركزي وخطاب محافظه، الذي لم يكتفِ بالإشارة إلى الفتوى، بل احتفى بها ودمَجَهَا في تفسير القرار النقدي، مُعتبِراً أن القيم الدينية تُشكّل إطاراً ناظماً للمعاملات النقدية وتُعزز الثقة والعدالة والاستقرار. في هذه اللحظة، لم تَعد الفتوى خطاباً موازياً، بل أصبحت جزءاً من خطاب المؤسسة النقدية نفسها.

        هذا التداخل ينقل مركز الثقة من المجال النقدي التقني إلى المجال الرمزي القيمي. فبدلاً من أن تُبنى الثقة على أدوات السياسة النقدية، وعلى وضوح الالتزامات وقابلية القرارات للمحاسبة، يُعاد بناؤها على أساس الطمأنة الأخلاقية. هنا لا تتآكل فقط استقلالية المصرف المركزي بمعناها التقليدي، بل تتآكل أهلية هذه المؤسسة لبناء الثقة بالنقود أصلاً.

        الفرق الجوهري هنا هو الفرق بين الشرعية والضمانة. الشرعية المعيارية، التي تقدمها الفتوى، تُجيب عن سؤال الجواز، لكنها لا تجيب عن سؤال الكفاءة أو المخاطر. الضمانة النقدية، بالمقابل، لا تَنتُجُ إلا عن قواعد واضحة، وأدوات قابلة للقياس، والتزامات يُمكن اختبارها زمنياً. عندما يُعامِل الخطاب الرسمي الشرعية المعيارية كما لو أنها ضمانة، يتم تعليق السياسة النقدية على سلطة رمزية خارج مجالها، وتضيع حدود المسؤولية المؤسسية.

        الأخطر في هذا التحول أن السياسة النقدية لا تعود قابلة للتقييم. فإذا نجح القرار، يصعب تحديد سبب النجاح، وإذا فشل، لا توجد جهة يُمكن مُساءَلتها تقنياً. بهذا المعنى، لا يكون الخطاب الديني مجرد إضافة ثقافية، بل أداة لإزاحة المسؤولية، وتحويل المصرف المركزي من صانع سياسة نقدية إلى وسيط طمأنة اجتماعية.

        لا تكمن المشكلة هنا في الدِّين، ولا في صدور الفتوى، بل في استخدامها لسدِّ فراغ لا يجوز أن يُملَأ إلا بلغة الاقتصاد. فالسياسة النقدية التي تحتاج إلى شرعية رمزية لتبرير نفسها هي سياسة فقدت قدرتها على التبرير التقني. واستقلالية المصرف المركزي لا تنهار فقط عندما تُفرَض عليه أوامر مباشرة، بل عندما يفقد لغته، ويعجز عن شرح قراراته بالأدوات التي تُبرِّرُ وجوده.

        تنسجم هذه القراءة مع الأدبيات الاقتصادية التي ربطت بين استقلالية البنوك المركزية ومصداقية السياسة النقدية، ومع أعمال حديثة تؤكد أن التواصل الواضح والقابل للتحقُّق هو جزء لا يتجزأ من بنية السياسة نفسها. فاحتكارُ المصرف المركزي للغة النقود ليس مسألة شكلية، بل هو شرطٌ أساسي لعمل السياسة النقدية في الاقتصادات الحديثة.

        من هذا المنظور، لا تُمثّل الحالة السورية جدلاً فقهياً، بل مثالاً مكثّفاً على ما يحدث عندما تتآكل استقلالية الخطاب في سياق أزمة ممتدة. وعندما يفقد المصرف المركزي أهليته لبناء الثقة عبر الأدوات، ويلجأ إلى الخطاب الرمزي، تصبح النقود أول ضحية. فالنقود، في النهاية، لا تثق بالنوايا ولا بالقيم، بل بالقدرة المؤسسية على الوضوح، والمحاسبة، وتَحمُّل تبعات الخطأ.

موقع الجمهورية

—————————–

 عودة الثروات الوطنية إلى الدولة.. هل تحقق سوريا اكتفاء ذاتيا في الكهرباء والنفط؟/ محمد كساح

2026.01.21

مع عودة جزءٍ واسع من حقول النفط والسدود الاستراتيجية إلى إشراف الحكومة السورية، تتجدد الأسئلة حول مستقبل قطاع الطاقة في البلاد، وما إذا كانت هذه التطورات تمهّد فعلاً لتحقيق اكتفاء ذاتي في الكهرباء والنفط بعد سنوات من العجز والاعتماد على الاستيراد. وبين التصريحات الحكومية المتفائلة عن شراكات دولية مرتقبة، والواقع التقني المتضرر للبنية التحتية، يبرز نقاش واسع حول القدرة الفعلية لهذه الثروات على إنعاش الاقتصاد وتحسين ساعات التيار الكهربائي في المدى المنظور.

رئيس الشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، أعلن خلال مؤتمر صحفي داخل حقل العمر، عن توجهات لشركات أميركية لدخول السوق السورية، حيث من المتوقع عودة شركة “كونوكو فيليبس” للاستثمار في حقول الغاز، في حين تستعد شركات أخرى مثل “شيفرون” للدخول للمرة الأولى، مع إشارته إلى وجود شركات أميركية جديدة ترغب بالاستثمار في حقول غاز محافظة الحسكة.

وعطفاً على هذه التطورات الكبيرة، تُثار تساؤلات محقة حول مدى فاعلية الطاقة الإنتاجية لحقول النفط والغاز والمحطات الكهرومائية المقامة على سدود الفرات، في رفد السوق السورية بحوامل الطاقة من جهة، وزيادة ساعات وصل التيار الكهربائي الذي يعيش فترات تقنين قاسية.

خطوة نحو الاكتفاء الذاتي

وخلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا يرى الباحث الاقتصادي والخبير في مجال الطاقة الدكتور زياد عربش أن عودة حقول النفط والسدود إلى إشراف الحكومة السورية يمثل خطوة حاسمة نحو تعزيز السيادة الاقتصادية، لكنها لا تعني وقفاً فورياً لاستيراد المشتقات النفطية أو تحقيق اكتفاء ذاتي سريع وكامل في الطاقة، رغم أهمية هذه الاستعادة والتي سيكون لها آثار بالغة الأهمية لكن تدريجياً.

ويتابع عربش بأن حقول الغاز غير كافية حالياً للاستهلاك المحلي، إذ يغطي الإنتاج أقل من نصف احتياجات محطات التوليد، ويستمر الاعتماد على الاستيراد لتوليد مزيد من الكهرباء ولأغراض الصناعة، ما سيضطر الحكومة إلى تحمل كلفة كبيرة سنوياً إذ تبلغ كلفة استيراد 5 مليون متر مربع من الغاز 350 مليون دولار، بحسب التفاوض على سعر الغاز الذي لا يتمتع بسعر عالمي مثل النفط بل يخضع للمفاوضات.

وبالأرقام، يبلغ الإنتاج الحالي من الغاز الطبيعي في سوريا من 8 إلى 9 مليون متر مكعب يومياً، وهذا الإنتاج لا يكفي لتغطية الاستهلاك المحلي، خاصة وأن محطات توليد الكهرباء تحتاج لوحدها إلى ما يقدر بـ 16 مليون متر مكعب في اليوم، في حين تحتاج معامل الإسمنت والحديد والسماد الآزوتي إلى 24 مليون متر مكعب يومياً، ما يتطلب استمرار الاستيراد لعدة أسابيع قبل أن تعود حقول النفط لضخ المزيد تدريجياً بحيث ننتقل من إنتاج 100 ألف (ب/ي) إلى 200 ألف (ب/ي).

وبناء على هذه الأرقام، يؤكد عربش أنه من المبكر جداً الحديث عن عودة الإنتاج إلى مستويات العام 2011، إذ يتطلب الأمر إعادة تأهيل كل آبار النفط وإنشاء معامل الغاز وإعادة تأهيل ما دمر من بنيات تحتية له.

ويضيف بأن استعادة الحقول لا يعني توقف استيراد المشتقات النفطية حيث يحتاج الأمر إلى صيانة مكثفة للآبار المتضررة ومحطات التكرير المهترئة، بالإضافة إلى عقود مع شركات دولية لتعزيز الإنتاج، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الحقول المستعادة كان موضع إنتاج لهذه الشركات والتي هجرتها بفعل القوة القاهرة، وبالتالي لابد من إعادة صياغة العقود معها طالما لم تفقد حقها بالاستثمار.  

زيادة الكهرباء مرهونة بتأهيل البنى التحتية للسدود

أما بخصوص ساعات التيار الكهربائي فمن المتوقع، وفقاً لعربش، زيادة ساعات الوصل بعد إشراف الحكومة على سدي الفرات وتشرين، حيث ستزداد هذه النسبة لتسهم في حل أزمة الكهرباء المزمنة. ومع ذلك، يعتمد التحسن على إصلاح الشبكات وتكامل الإنتاج مع الغاز المستعاد وتوفير المزيد من الفيول من الداخل.

في المقابل، تواجه السدود الكبرى في سوريا وهي سد الفرات والبعث وتشرين تحديات هائلة، تتمثل بحسب الدكتور عربش بحاجة العنفات الموجودة في سدي الفرات وتشرين إلى الصيانة والتأهيل كونها لا تعمل بكامل الطاقة.

يمتلك سد الفرات 8 عنفات بقدرة 100 ميغا واط لكل عنفة في حين لا يتجاوز إنتاج هذه العنفات في الوقت الحالي أكثر من 200 ميغا واط مقارنة بالقدرة النظرية التي تصل إلى 800 ميغا واط.

ويعزو عربش هذا الانخفاض الهائل في الطاقة الإنتاجية في السد إلى انخفاض الوارد المائي والتغيرات المناخية التي أثرت على انخفاض منسوب المياه، إضافة إلى تدهور البنيات التحتية والمعدات، وفقدان كفاءة النقل الكهربائي، مع الحاجة الماسة للاستثمارات الأجنبية.

الحكومة استرجعت 60 في المئة من حقول النفط

من جانبه، يتفق الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب مع الدكتور زياد عربش في أن عودة حقول النفط والسدود إلى الحكومة السورية لن يوقف استيراد المشتقات النفطية، مشيراً خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا إلى أن الدولة السورية لم تسترجع إلا 60% من الحقول النفطية فضلاً عن حاجة الحقول المستعادة إلى أعمال الصيانة والترميم وتوفير معدات جديدة كونها تعرضت للتدمير والنهب سواء في أثناء سيطرة داعش عليها أو في المراحل التالية.

وتحتاج الحقول النفطية، وفقاً لديب، إلى عام كامل لدخولها مرحلة الإنتاج، لأن حقل النفط يحتاج إلى وقت كافٍ لمنح الطاقة الإنتاجية. لافتاً إلى أن تأهيل الحقول يستغرق عاماً كاملاً في حين يحتاج بلوغ الطاقة الإنتاجية إلى نسبة 70% إلى عام آخر.

ويلفت ديب إلى مخاطر استنفاذ المخزون النفطي على مدار الـ 15 عاماً الماضية والذي تم بوسائل غير شرعية وبدائية، انعكست سلباً على المخزون الاحتياطي سواء للنفط أو الغاز.

بناء على هذه المعطيات، يعتقد ديب أنه من المبكر الحديث عن وقف استيراد الغاز والمشتقات النفطية، ومن المبكر أيضاً الحديث عن زيادة ساعات وصل التيار الكهربائي نظراً لضعف القدرة الإنتاجية للعنفات المقامة على السدود وحاجتها إلى إعادة تأهيل، بل إلى استبدال قسم منها بعنفات جديدة.

السدود تحفز فكرة تنويع مصادر الطاقة

ومن جانب آخر، يرى ديب أن تنويع مصادر الحصول على الطاقة بات أمراً ضرورياً، سواء كانت طاقة شمسية أو ريحية أو كهرومائية، وبما أن السدود عادت إلى الدولة فإن التنويع في مصادر الطاقة بات مسألة ممكنة.

وفي نفس السياق، يعتقد ديب أن تركيا سوف تفتح السدود المقامة على الأراضي التركية على نهر الفرات لدعم الدولة السورية، الأمر الذي يقود إلى زيادة مستويات المياه وارتفاع القدرة الإنتاجية للمحطات الكهرومائية وتحريك القطاع الزراعي بشكل لافت.

ويشير ديب إلى أن التصريحات الحكومية حول الشراكات مع القطاع الخاص المحلي والشركات الأجنبية تشكل دعماً كبيراً لإعادة استثمار الثروات السورية الوطنية وانتفاع المواطن السوري من ثروات بلده بالتعاون مع الشركة السورية للبترول التي تعتبر من أهم الشركات الحكومية والرائدة في عمليات استثمار النفط وتطويره وإنتاجه.

أهمية الحماية الأمنية والحوكمة والتحالف مع واشنطن

وبالتوازي، يلفت ديب إلى أهمية تأمين الحماية الأمنية لحقول النفط من هجمات تنظيم داعش أو المجموعات المرتبطة بتنظيم الـ بي كا كا، التي ستحاول شن هجمات على هذه الحقول لعرقلة الاستثمار بالنفط.

ويرى ديب أن النجاح الحقيقي في الاستثمار بالمكتسبات والثروات الوطنية الجديدة مرهون بتوفير بنية تحتية حقيقية للاستثمار، تشمل سياسات اقتصادية وإدارية واضحة، ومنظومة نقدية ومالية مستقرة، وشفافية في التعامل مع الشركات المستثمرة، إضافة لوجود حوكمة تضمن بيئة آمنة وداعمة للمستثمر.

ويتابع بأن التحالف الاقتصادي مع الولايات المتحدة مهم جداً، لأن التجارب الكبرى، ومنها الصين في بدايات صعودها، تأسست على دعم أميركي مباشر، قبل أن تنتقل إلى مرحلة الاستقلال الصناعي والتمكين الذاتي، مؤكداً أن الجزيرة تقترب من أن تصبح القلب الاقتصادي الجديد لسوريا، شرط استكماله بتشريعات سليمة وحوكمة رشيدة.

تلفزيون سوريا

———————————

خريطة ثروات سورية بعد استعادة مناطق سيطرة “قسد

21 يناير 2026

لم تكن استعادة الدولة السورية السيطرة على مساحات واسعة من شمال شرقي البلاد؛ حيث سيطرت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في سنوات الحرب، مجرّد تحوّل عسكري أو إداري، بل لحظة مفصلية أعادت فتح أحد أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد السوري: ملف الموارد الطبيعية. فالجزيرة السورية، الممتدة عبر محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، تمثّل تاريخياً مركز الثقل الإنتاجي للبلاد، ومصدر الطاقة والغذاء والمياه، وأحد أهم محددات التوازن المالي والنقدي للدولة. لكن السؤال الجوهري لا يتمثل في حجم هذه الثروات بحد ذاته، بل في قدرة الاقتصاد السوري، بعد أكثر من عقد من الحرب والعقوبات، على تحويل السيطرة الجغرافية إلى دورة إنتاج حقيقية، في ظل بنية تحتية مدمّرة، وقطاع طاقة منهك، وبيئة استثمارية شديدة التعقيد.

أولاً: النفط

قبل اندلاع الحرب عام 2011، شكّل النفط أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد السوري ومصدراً أساسياً لإيرادات الخزينة والقطع الأجنبي. ووفق ما أوردته وكالة رويترز في تقاريرها حول قطاع الطاقة السوري خلال عام 2025، كانت سورية تنتج نحو 380 ألف برميل نفط يومياً قبل الحرب، يُصدَّر جزء كبير منها إلى الأسواق الأوروبية، ما منح القطاع دوراً محورياً في تمويل الموازنة العامة ودعم استقرار سعر الصرف. غير أن الحرب أعادت صياغة هذا القطاع بالكامل. فخروج معظم الحقول الشرقية عن سيطرة الدولة لسنوات طويلة، وتعرّض منشآت الإنتاج وخطوط النقل للتدمير، إضافة إلى انتشار الاستخراج البدائي، أدت إلى انهيار منظومة النفط من مورد سيادي إلى عبء اقتصادي ثقيل.

وبحسب ما ذكرت رويترز في عدة تقارير نشرتها بين سبتمبر/أيلول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026، لا يزال إنتاج النفط السوري الحالي أدنى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، رغم استعادة الحكومة السيطرة على عدد من الحقول شرقي البلاد. ونقلت الوكالة عن مسؤولين في قطاع الطاقة أن الحقول المستعادة تعمل بطاقة محدودة نتيجة التدهور الفني ونقص الاستثمارات وغياب قطع الغيار، ما يجعل الإنتاج الحالي غير قادر على تلبية احتياجات السوق المحلية. وتشير رويترز إلى أن هذا التراجع لا يعكس خسارة الكميات المنتجة فقط، بل انهياراً شبه كامل لسلسلة القيمة النفطية، التي تشمل الاستخراج والمعالجة والنقل والتكرير.

ونتيجة لذلك، اضطرت الدولة خلال السنوات الماضية إلى الاعتماد بشكل واسع على استيراد المشتقات النفطية، في ظل عقوبات مشددة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما فاقم الضغوط على المالية العامة وساهم في تعميق أزمة الطاقة. وتخلص تقارير الوكالة إلى أن استعادة السيطرة الجغرافية على الحقول، على أهميتها السيادية، لا تعني تلقائياً استعادة الدور الاقتصادي للنفط، إذ يتطلب ذلك سنوات من إعادة التأهيل واستثمارات كبيرة لإعادة القطاع إلى مستويات إنتاج قريبة مما كان عليه قبل عام 2011.

ثانياً: حقول النفط الشمالية الشرقية… الفجوة بين الاحتياطي والواقع

تتركز الكتلة النفطية الأساسية في دير الزور والحسكة. ويُعد حقل العمر المثال الأوضح على فجوة ما قبل الحرب وما بعدها. فبحسب تقرير صادر عن  Global Energy Monitor، كان الحقل ينتج قبل 2011 نحو 80 ألف برميل يومياً، بينما تشير تقديرات حديثة إلى إنتاج يدور حول 20 ألف برميل يومياً، في حين ذكرت رويترز في بداية يناير/كانون الثاني 2026، أن الإنتاج الفعلي هبط في بعض الفترات إلى نحو 5 آلاف برميل فقط بسبب التدهور التقني ونقص الصيانة.

الوضع ذاته ينسحب على حقل التنك الذي كان ينتج قرابة 40 ألف برميل يومياً عام 2011، قبل أن يتحول إلى حقل منخفض الإنتاج يعمل بوسائل بدائية. أما حقل كونيكو للغاز، الذي كان ينتج نحو 13 مليون متر مكعب يومياً، فتشير تقارير حديثة إلى أنه خارج الخدمة بالكامل نتيجة الأضرار الواسعة. هذه الأرقام تكشف أن استعادة الحقول لا تعني تلقائياً استعادة الإنتاج. فالمورد الطبيعي لا قيمة له اقتصادياً ما لم يُدمج ضمن سلسلة تشغيل متكاملة تشمل الحماية الفنية، ومحطات الفصل والمعالجة، وشبكات النقل، والمصافي، وهي حلقات تعرض معظمها لأضرار جسيمة خلال سنوات النزاع.

ثالثاً: الغاز الطبيعي… الرهان الواقعي للتعافي الجزئي

في مقابل تعقيدات النفط، يبرز الغاز الطبيعي باعتباره المورد الأكثر واقعية في المدى المتوسط، خصوصاً لارتباطه المباشر بتوليد الكهرباء. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن سورية تمتلك احتياطيات غاز تُقدّر بنحو 240 مليار متر مكعب، معظمها غاز مصاحب للنفط. وبحسب ما نقلته وكالة رويترز في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، انخفض إنتاج الغاز من 8.7 مليارات متر مكعب عام 2011 إلى نحو 3 مليارات متر مكعب في 2023، ما جعل الكهرباء إحدى أكثر نقاط الاختناق في الاقتصاد السوري.

ضمن هذا السياق، ذكرت رويترز أن الشركة السورية للنفط وقّعت مذكرة تفاهم مع شركات أميركية من بينها ConocoPhillips لتطوير حقول الغاز ورفع الإنتاج بنحو 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يومياً خلال عام، في خطوة تعكس توجهاً رسمياً لإعطاء أولوية للغاز بوصفه الوقود الأرخص والأسرع أثراً على النشاط الاقتصادي. اقتصادياً، أي تحسن في إنتاج الغاز ينعكس فوراً على تخفيض كلفة الكهرباء، وتقليص الاعتماد على الفيول المستورد، وتحسين قدرة القطاعات الصناعية والزراعية على العمل، ما يمنحه أثراً مضاعفاً يتجاوز قيمته الاسمية.

رابعاً: الزراعة والمياه… الثروة التي قد تسبق النفط في الأثر

إلى جانب الطاقة، تكتسب استعادة الدولة سيطرتها على المنطقة أهمية مضاعفة في ملف الأمن الغذائي. فمحافظات الجزيرة كانت قبل الحرب تؤمّن أكثر من نصف إنتاج القمح السوري، ونحو ثلاثة أرباع إنتاج القطن، بحسب بيانات رسمية وتقارير اقتصادية محلية. غياب هذه المناطق خلال سنوات الحرب أدى إلى تراجع حاد في الإنتاج، وارتفاع فاتورة استيراد القمح، وزيادة الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي. لذلك، سيظهر التأثير الاقتصادي لاستعادة المنطقة ليس من خلال النفط بل في إعادة تشغيل منظومة الزراعة والري. وتكتسب السدود الكبرى، وخاصة الفرات وتشرين، أهمية مزدوجة، إذ كانت تضخ قبل الحرب ما بين 800 وألف ميغاواط إلى الشبكة الكهربائية، وفق بيانات رسمية منشورة قبل 2011. ويعني دمج هذه السدود مجدداً تخفيفاً محتملاً لأزمة الكهرباء، وتحسيناً في ريّ آلاف الهكتارات الزراعية.

خامساً: الفوسفات… مورد بديل

بعيداً عن المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة “قسد”، يبقى الفوسفات أبرز الثروات المعدنية القابلة للتسويق الخارجي. وبحسب ما ذكرت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) بداية يناير/كانون الثاني من العام الحالي، بلغ إنتاج سورية قبل 2011 نحو 3.5 ملايين طن سنوياً. وتشير تقارير اقتصادية، من بينها ما نشرته منصة عنب بلدي في عام 2024، إلى أن احتياطي الفوسفات السوري قد يصل إلى ملياري طن، ما يمنحه أهمية خاصة في ظل القيود المفروضة على تصدير النفط. إلا أن ضعف الاستثمارات، وتكاليف النقل، والعقوبات المصرفية، لا تزال تحد من الاستفادة الكاملة من هذا المورد.

اقتصاد تحت الاختبار

تُظهر خريطة الثروات السورية أن الموارد ليست كافية لإطلاق تعافٍ سريع. فالتحدي الحقيقي لم يعد في من يسيطر على الحقول، بل في كيفية إدارتها ضمن اقتصاد منهك يحتاج إلى تمويل، وتكنولوجيا، وحوكمة، وثقة داخلية وخارجية. في المدى القريب، يبدو أن الغاز والكهرباء والزراعة تمثل مفاتيح الاستقرار الأكثر واقعية، بينما يبقى النفط مشروعاً مؤجلاً يتطلب سنوات لإعادة تأهيله.

مزارع سوري في حقل على مشارف مدينة الحسكة، 24 سبتمبر 2023 (دليل سليمان/فرانس برس)

اقتصاد عربي

هل تنجح سورية في تحويل السيطرة على سلة الغذاء الشرقية إلى مكاسب؟

وقد تعني استعادة حقول الجزيرة على المدى المتوسط تحقيق درجة من الاكتفاء النفطي بعد سنوات طويلة من الاستيراد تحت ضغط العقوبات، وربما العودة إلى تصدير محدود للنفط والغاز بما يوفّر مورداً مالياً ضرورياً للاستقرار وإعادة الإعمار.

إضافة إلى حقول النفط، فإن استعادة نحو ثلث مساحة سورية ذات الأراضي الخصبة تعيد البلاد إلى موقعها التقليدي بوصفها منتجاً رئيسياً للقمح، بعد أن كانت الجزيرة تُعرف تاريخياً بـ”سلة خبز سورية”. ويُضاف إلى ذلك البعد اللوجستي، إذ إن نجاح الاتفاق بين دمشق و”قسد” قد يتيح استعادة معابر استراتيجية مثل اليعربية مع العراق ونصيبين–القامشلي مع تركيا، إلى جانب مطار القامشلي الدولي، ما يعزز حركة التجارة والإمداد والطاقة.

العربي الجديد

—————————

 ثروات الشرق السوري: من “ورقة حرب” إلى فرصة إنعاش اقتصادي/ رهام علي

الأربعاء 2026/01/21

بينما كانت العيون تتجه نحو الخرائط الميدانية في الجزيرة السورية، كان خبراء الاقتصاد يقرأون في “الخارطة التحتية” لغةً مختلفة تماماً، لغة الأرقام التي لا تجامل. اليوم، لم يعد الحديث عن استعادة السيادة على حقول النفط والغاز في الشرق مجرد “نصر سياسي” أو عسكري، بل هو استرداد لـِ “رأس المال السيادي” الذي يمتلك القدرة على قلب موازين العجز المالي، وتحويل سوريا من بلد يرهقه استيراد المشتقات النفطية إلى “موزع إقليمي” يمسك بمفاتيح العبور.

طفرة المليون برميل ودخول “شيفرون”

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عمار يوسف، أن عملية تحرير شمال شرق سوريا ستحدث “طفرة نوعية” في الاقتصاد الوطني. وفي حديثه مع “المدن”، يوضح يوسف أن “التركيز الأساسي حالياً ينصب على آبار النفط. فسوريا التي كانت تنتج 350 ألف برميل يومياً قبل 2011، واجهت تدميراً ممنهجاً، حوّل الآبار من نقاط إنتاج إلى ركام يحتاج إلى صيانة ضخمة وإعادة استثمار جذري”.

ويكشف يوسف عن تحول استراتيجي في إدارة هذا القطاع، مشيراً إلى أن النظام البائد كان يعتمد معدات قديمة وغير مجدية، بينما تتجه الخطط الحكومية الحالية لإعادة تأهيل الآبار بتقنيات حديثة وعبر شراكات مع شركات غربية كبرى، وفي مقدمتها شركة “شيفرون” الأميركية. ويتوقع يوسف دخول هذه الشركات خلال الأسابيع أو الأشهر القليلة المقبلة، ليس فقط لإصلاح الآبار المتضررة، بل لسبر وحفر آبار جديدة في مناطق لم يتم استثمارها بالشكل الأمثل سابقاً.

أما عن سقف التوقعات، فيطرح يوسف أرقاماً “ثورية”، إذ يتوقع أن يتجاوز الإنتاج مليون برميل يومياً. ومع حاجة سوريا الفعلية التي لا تتخطى 150 ألف برميل، سنكون أمام فائض تصديري ضخم يصل لـ 850 ألف برميل. هذا الفائض لن يقلل فاتورة استيراد الطاقة إلى حدها الأدنى فحسب، بل سيحقق اكتفاءً ذاتياً كاملاً قد يؤدي لتخفيض أسعار الطاقة للمواطنين. كما يؤكد يوسف أن التحرير سيحيي خط “كركوك-بانياس” التاريخي، وهذا ما يمهد لتصدير النفط العراقي، وربما الإيراني لاحقاً، عبر الأراضي السورية إلى العالم.

استعادة القرار الاقتصادي وضرب “شبكات الظل”

من جانبه، يضع خبير التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات مهند الزنبركجي استعادة الجزيرة في إطار “انقلاب موازين القوى الجذري”. ويرى أن أهم مكسب هو استعادة الدولة لقرارها الاقتصادي الذي صودر لسنوات، والقضاء النهائي على شبكات استخراج النفط البدائية التي كانت تبيعه بأسعار بخسة.

ويضيف الزنبركجي لـِ “المدن”: “التحرير يعني تجفيف منابع وسطاء الظل والميليشيات الذين جنوا مليارات الدولارات من التجارة السوداء”. وبحسب رؤيته، فإن هذا التحول سيُمّكن الدولة من تمويل المشاريع الحكومية دون اللجوء لـِ “التمويل بالعجز”، وسيساهم في احتواء التضخم التراكمي الذي وصل إلى 170 ضعفاً منذ 2011، بل وتخفيضه تدريجياً.

ويؤكد الزنبركجي أن استقرار العملة أمام الدولار سينعكس على أسعار المواد الأولية والاستهلاكية، التي عانت تذبذباً قاتلاً طوال 14 عاماً، وهو ما يحسن القدرة الشرائية ويرفع الأجور. أما زراعياً، فيرى أن عودة إنتاج القطن والقمح ستنهي تبعية الاستيراد، وستشجع أهالي الجزيرة على العودة إلى مدنهم، وهذا ما يحقق توازناً تنموياً ويخفف الضغط عن المدن الكبرى.

الليرة تترجم “تفاؤل الميدان”

في السياق، لم يتأخر مفعول “أخبار الشرق” في الوصول إلى شاشات الصرافة بدمشق. فقبل الإعلان عن استعادة أغلب الحقول، وتحديداً في 17 كانون الثاني 2026، كان الدولار يتأرجح بين مستويات 12100 و12170 ليرة. لكن مع حلول 20 كانون الثاني، سجلت الليرة تحسناً ملحوظاً، إذ هبط الدولار إلى مستويات 11450 – 11500 ليرة.

هذا التحسن، الذي بلغت نسبته قرابة 4.5%، يقرأه الخبراء على أنه “تسعير للأمل”، إذ دخلت السوق في حالة تماسك ناتجة عن توقعات بانخفاض ضغط الطلب على الدولار المخصص لاستيراد الطاقة، وآمال بتحسن التغذية الكهربائية. ورغم أن هذا التعافي يغلب عليه الطابع النفسي بانتظار بدء الإنتاج الفعلي، إلا أنه أعطى إشارة قوية إلى قدرة الموارد الوطنية على لجم المضاربات.

شروط النجاح: الربط الرقمي والحوكمة

وفي ما يخص تحويل ثروات الجزيرة إلى محرك لشبكات الربط الرقمي والطاقي مع الخليج والعراق، يرى الزنبركجي أن الموارد كافية تماماً، لكنه يرهن النجاح بشروط حاسمة: الاستقرار الأمني المستدام، نفاذ قانون رفع العقوبات، والأهم من ذلك، إرساء نظام “حوكمة اقتصادي مستقل” يديره قضاة مختصون في القانون الدولي لضمان شفافية هذه المشاريع الاستراتيجية العابرة للحدود.

أما الدكتور عمار يوسف، فيختم بملف الزراعة، مشيراً إلى أن العودة للاكتفاء الذاتي بالقمح والقطن تتطلب خطط ري حديثة لمواجهة الجفاف وقطع الإمدادات التركية، وهو مشروع يحتاج من 4 إلى 5 سنوات من العمل الجاد لإعادة تأهيل الأراضي السورية لتكون “سلة الغذاء” من جديد.

ما وراء “بئر النفط”

في كواليس الاجتماعات الحكومية في دمشق مع مطلع العام 2026، لم تكن النقاشات تكتفي بعدّ البراميل المستخرجة، بل تركزت على تحويل منطقة الجزيرة إلى “قاعدة للصناعات الاستخراجية”. التصريحات الأهم التي لم تأخذ حيزها الكافي هي ما كشف عنه فنيون حول “الغاز الحر” المصاحب؛ إذ يعني تحرير هذه الموارد ببساطة إعادة الحياة لمحطات التوليد الكهربائي المعطلة بوقود محلي رخيص، وهو ما يصفه الصناعيون في حلب ودمشق بـِ “الحلقة المفقودة” لخفض كلف الإنتاج.

وبعيداً عن العناوين المستهلكة، برزت معطيات تقنية تشير إلى تحول جذري في إدارة الثروة: ففي قطاع النفط تمحورت تصريحات سابقة لنائب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول أحمد قبه جي حول “مفاوضات تقنية” متقدمة لإعادة تأهيل خط كركوك-بانياس، حيث تتجاوز الجدوى الاقتصادية لهذا الخط اليوم 2 مليار دولار سنوياً كعوائد عبور وخدمات لوجستية، وهو رقم كفيل بتغطية ميزانيات وزارات خدمية بالكامل دون الحاجة لقروض.

وفي قطاع المالية، تؤكد المؤشرات أن استعادة موارد الشرق هي “برقية ثقة” موجهة للمستثمر الخارجي، لأن استقرار العملة الوطنية بات يرتبط اليوم بحجم “الاحتياطي الطاقي” الذي تسيطر عليه الدولة مباشرة، وليس فقط بالتدخلات النقدية.

دبلوماسية الأنابيب.. لماذا سوريا الآن؟

الزاوية التي تغفلها الكثير من التحليلات، هي أن سوريا بدأت تفرض نفسها كـَ “صمام أمان” لطاقة المنطقة. إذ يوفر تفعيل “خط الغاز العربي” وربطه بالشبكة السورية وصولاً إلى المتوسط على دول الجوار تكاليف نقل باهظة ومخاطر تأمين في الممرات المائية المزدحمة. هذا الواقع يحوّل الجغرافيا السورية من ساحة لتصادم القوى إلى “نقطة التقاء مصالح” دولية، حيث يصبح استقرار دمشق ضرورة لضمان تدفق الطاقة نحو أوروبا.

وخلاصة القول، أنّ ما يشهده الشرق السوري اليوم هو عملية “إعادة ضبط” شاملة لمستقبل البلاد. سوريا لا تبحث عن “معونات” مؤقتة، بل تفعّل أصولها الجيوسياسية المعطلة لتعود “عصباً” حيوياً في خارطة الاقتصاد العالمي الجديد.

المدن

———————————

مليون منزل مدمر: نحو سياسة وطنية للاقتصاد الدائري في سورية/ مرشد النايف

21 يناير 2026

في السياق السوري، لم يعد الاقتصاد الدائري مجرد خيار ثانوي، بل بات في صميم الرؤية الرسمية لإعادة الإعمار والتنمية. فقد أدرجته الحكومة صراحة ضمن خطتها الوطنية، بوصفه أحد المحاور الأساسية التي تقوم عليها أولوياتها التنموية. كما أكد وزير الاقتصاد محمد نضال الشعار، أن هذا النموذج بات جزءاً من “التصورات العامة للنمو” في المرحلة المقبلة. لكن التحدي الحقيقي لم يعد في غياب الإرادة السياسية المعلنة، بل في تحويل هذه الأولوية إلى آليات عمل قابلة للتنفيذ والقياس.  فهل ستُترجم هذه التصريحات والخطط العامة، إلى سياسة وطنية واضحة، مقوننة بأطر تشريعية وتمويلية مُلزمة، تضع “التدوير” و”الاستدامة البيئية” في قلب المسار الاقتصادي اليومي- أم ستبقى حبيسة الأوراق والخطابات الرسمية؟

مؤسسة إيلين مارك آرثر “Ellen MacArthur” التي تقود جهوداً دولية لتسريع التحول إلى الاقتصاد الدائري تؤكد على ثلاثة مبادئ أساسية ينهض عليها هذا النموذج وهي مُصممة بعناية: (1) القضاء على النفايات والتلوث. (2) تدوير المنتجات والمواد (بأعلى قيمة ممكنة). (3) إعادة إحياء الطبيعة. واعتماداً على المبدأ الثاني، سيكون الحديث محدداً حول الركام الذي خلفته الحرب في سورية، لإعادة تدويره واستخدامه في سُلّم القيمة من الدرجتين الدنيا مثل تحويل الركام إلى “بحص”، والمتوسطة: كالخرسانة المعاد تدويرها للإنشاءات. والمشاريع المنفّذة في حلب ومعرة النعمان وداريا ودوما، تصنّف تحت هاتين الدرجتين من هذا السلم.

على المستوى العملي، تبرز جهود الدفاع المدني السوري، بوصفها أبرز ما تحقق في مجال إدارة الأنقاض وإعادة تدويرها. ففي مدينة حلب الشرقية، استهدف برنامج إزالة الأنقاض ستة عشر حيًا مدمّرًا، حيث أُزيل حتى نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي نحو 128 ألف متر مكعب من الركام، جرى تدوير الجزء القابل منه في معمل الراموسة لإعادة تدوير الأنقاض. وقد نُفّذ هذا المشروع، بتمويل من صندوق مساعدات سورية (AFS)شمل تأمين الوقود، وصيانة المعدات، وتوفير أدوات السلامة المهنية للعاملين.

خطوات مماثلة، وإن كانت أكثر تواضعاً، سُجّلت في مناطق أخرى. ففي مدينتي داريا ودوما بريف دمشق، بدأ العمل على ترحيل نحو 85 ألف طن من الركام خلال عام واحد، مع إعادة تدوير قرابة 30 ألف متر مكعب منه. وفي مدينة معرة النعمان، قدّرت إدارة المنطقة حجم الركام بنحو 75 ألف متر مكعب، جرى ترحيل نحو 40 ألفا منها، مع خطط للاستفادة من نحو 10 آلاف متر مكعب من الأنقاض القابلة للتدوير، في تأهيل بعض الطرق الزراعية المحيط بالمدينة.

ورغم أهمية هذه الجهود، فإن الخيط الناظم بينها جميعاً، هو طابعها غير المتسق.  إنها أشبه بمحاولة إزالة حَفْنَة تراب من جبل ركام شاهق، بينما يتطلب التحدي تدوير الجبل نفسه. فعندما يُقدر وزير الأشغال العامة والإسكان، مصطفى عبد الرزاق، عدد المنازل المدمرة بنحو مليون منزل، فإن هذا الرقم المهول، لا يضعنا فقط أمام كارثة لوجستية، بل يطرح سؤالاً وجودياً حول روح إعادة الإعمار القادمة: أي مستقبل نشكّل من هذه الأنقاض؟

إعادة تنظيم ثلاثي الأقطاب

حسب مختبر الابتكار الدائر (Circular Innovation Lab)، وهو مركز أبحاث يعمل مع الحكومات ووكالات الأمم المتحدة، لتسريع التحول نحو الاقتصاد الدائري، فإن نجاح هذا النموذج، يرتبط بقدرته على الانتقال من المبادئ النظرية، إلى أدوات تنفيذية قابلة للقياس والتوسّع. ويخلص إلى أن الاقتصاد الدائري، في سياقات ما بعد النزاع، لا ينجح بوصفه شعاراً بيئياً، بل بكونه أداة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع. وهي خلاصة ذات دلالة مباشرة لسورية، حيث لا يكمن التحدي في توفر الركام أو الحاجة إليه؛ بل في بناء الشروط المؤسسية، التي تجعل من عمليات التدوير مساراً اقتصادياً قابلاً للحياة. من هنا ينقسم الطريق إلى مسارين لا ثالث لهما: مسار المؤقت والإغاثي، ومسار التحول الاستراتيجي. فما الذي يحدد الخيار السوري؟

المسار الإغاثي: التعامل مع الركام عبئاً يجب التخلص منه. يعني مسألة إغاثية مؤقتة، هدفها الوحيد “تنظيف” الأرض لاستقبال اللاجئين وإعادة فتح الطرق وهو ما يحدث كثيراً، في مجمل المناطق التي يعود إليها أصحابها. في هذه الحالة، تُدفن جبال من الخرسانة، والكثير من الحديد في المكبات، بينما تستورد الحكومة مواد بناء جديدة. النتيجة: دفن ثروة وطنية تحت الأرض وإعادة إعمار باهظة الثمن.

المسار الاستراتيجي: التعامل مع الركام بما هو أكبر مخزون استراتيجي من المواد الخام في البلاد. وتحويل عملية الإزالة من نفقة إلى استثمار، ومن عمل إغاثي إلى نواة لصناعة وطنية. هنا يتم تحويل “اقتصاد الحرب” إلى اقتصاد إنتاجي. السؤال المركزي هنا: ما الذي تحتاجه سورية لتوطين مسار النموذج الثاني وتحويل العبء إلى أصل؟ لا يحتاج الأمر إلى اختراع العجلة، بل إلى تكييف النماذج الناجحة مع واقعنا. وتقدم التجربة الكولومبية، التي خرجت من نزاع طويل ودمار واسع، خريطة طريق عملية. منها يمكن استخلاص/ اقتراح أربعة أركان مترابطة، لا تقف جنباً إلى جنب، بل تُشكّل حلقة متصلة الحلقات: تبدأ بإرادة سياسية تُترجم إلى تشريع، وتتحول إلى حوافز اقتصادية، وتُنقَل عبر التمويل الذكي، لتنتهي بإعادة صياغة عقد “اقتصادي مجتمعي” جديد. كل حلقة تتصل بما قبلها، وترتبط بالتي بعدها:

مظلة تشريعية: لا يكفي أن تبقى التصريحات الرسمية مجرد نيات حسنة، بل يجب أن تتحول إلى استراتيجية وطنية مُلزمة للاقتصاد الدائري، على غرار النموذج الكولومبي الناجح. ففي عام 2019، وبحسب دراسة أجراها بنك التنمية للبلدان الأميركية (IDB)، استطاعت كولومبيا عبر استراتيجيتها الوطنية للاقتصاد الدائري (ENEC) أن تحدد مساراً واضحاً، يتمتع بإمكانية تحقيق وفورات سنوية تُقدر بـ 11.7 مليار دولار أميركي من كفاءة وفعالية استخدام المواد.

عقلية اقتصادية: ذلك يعني منح إعفاءات ضريبية وجمركية للمشاريع الخاصة بالتدوير، وتقديم حوافز استثمارية استثنائية لجعل “التصنيع من الركام” خياراً اقتصادياً مغرياً، وأولوية في برنامج إعادة الإعمار. هذا النهج ليس غريباً على الإدارة الحالية، فقد سبق للحكومة، أن منحت إعفاءً ضريبياً دائماً بنسبة 100% لمشاريع الإنتاج الزراعي والحيواني. المطلوب هو توسيع هذه العقلية المحفّزة لتشمل صناعة التدوير و”التجديد”.

مزيج تمويلي مبتكر: يجمع بين التمويل العام التأسيسي، وشراكات تجمع المستثمرين السوريين بنظرائهم العرب والأجانب، ومِنَح وقروض ميسّرة من بنوك التنمية، وطرح مناطق كثيفة الركام في مشاريع استثمارية جاهزة.

الوعي رافعةَ تحويل: النجاح يبدأ بتهيئة المجتمع لسردية جديدة، ترتكز على تغيير المنظور من “إزالة الدمار” إلى “استخراج الثروة من الأنقاض”. توطين التدوير قيمةً وسلوكاً يومياً، يلمس الناس نتائجه المباشرة في بيئتهم المحلية، وفرص عمل أبنائهم. والهدف صياغة فهم جديد: الركام ليس فقط شيئاً يجب رميه، بل هو مورد حيوي لمستقبل منطقتهم.

الاختيار بين المسارين ليس تقنياً أو مالياً فحسب، بل هو اختبار لرؤية الإدارة الحاكمة، ومدى قدرتها على التعامل مع تحدّي تحويل كارثة الدمار، إلى فرصة تاريخية لإعادة تشكيل العقد الاجتماعي والاقتصادي. الركام السوري يراقب وينتظر: إما أن يكون قبراً لدفن ثروة وطنية، أو أن يكون أساساً لاقتصاد جديد، يولد من رحم الأنقاض.

العربي الجديد

—————————–

=====================

تحديث 20 كانون الثاني 2026

———————————

القطاع العام في سورية… التجربة الاقتصادية والاجتماعية ومسارات التحول/ جمعة حجازي

20 يناير 2026

تمرّ سورية في مرحلة مصيرية من تاريخها الاقتصادي، يقف عندها القطاع العام في قلب اختبار وجودي معقد يمثل حالة فريدة، وإن كانت متشابهة في جوانب كثيرة مع تجارب عربية مجاورة. ويبرز التعامل مع القطاع العام أهم المؤشرات التي سترسم شكل سورية الجديدة. فقضية القطاع العام هنا ليست مجرد موضوع اقتصادي يتعلق بمكلية وسائل الإنتاج، بل يحمل أبعاداً اجتماعية وسياسية.

حاولت الجزائر عبر سنوات طويلة إصلاح قطاعها العام الثقيل، الذي تشكل في حقبة التأميمات الاشتراكية، لكنها اصطدمت بمقاومة شبكات المصالح، ما أدّى إلى بطء الإصلاح واشتعال احتجاجات شعبية. ودفعت مصر ثمناً باهظاً لخصخصة سريعة وغير شفافة في تسعينيات القرن الماضي، تحوّلت فيها أصول الدولة إلى مراكز قوى اقتصادية جديدة، فوسعت الفجوة الاجتماعية وزادت السخط الذي تفجر لاحقاً (تقرير البنك الدولي عن التحول الاقتصادي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، 2009). أما العراق، فقد شهد بعد 2003 تفكيكاً كاملاً لدولة القطاع العام دون بديل مؤسّسي، ما ولّد فوضى وفساداً طاول كل مفاصل الاقتصاد (تقرير “إعادة الإعمار والفشل المؤسسي في العراق”، معهد بروكينغز، 2007). تضع هذه الدروس المجاورة المسار السوري على محك التاريخ: هل سيتمكن من تجنب فخ “الإصلاح الوهمي” الذي يحول الاحتكار العام إلى احتكار خاص، أو فخ “الصدمة المؤسّسية” التي تدمر ما تبقى من نسيج اقتصادي؟

بدأت القصة من نقطة مختلفة تماماً في منتصف القرن العشرين، ففي مرحلة ما بعد الاستقلال، تميّز الاقتصاد السوري بدرجة ملحوظة من الانفتاح والليبرالية النسبية، حيث كانت النخب التجارية والزراعية في حلب ودمشق هي المحرك الرئيسي للاقتصاد، وكانت السياسات تعكس مصالحها إلى حد كبير. كان القطاع العام محدوداً ويتركز في المرافق الأساسية، ولم يكن تأميم شركة كهرباء دمشق عام 1951 سوى إعلان استثنائي عن رغبة الدولة الناشئة في السيطرة على مفاصل حيوية استراتيجية. لكن المسار انعطف بشكل جذري مع الوحدة السورية المصرية (1958-1961)، التي طبقت سياسات تأميم واسعة مستوحاة من النموذج الناصري، مستهدفة البنوك والشركات الصناعية والتجارة الخارجية، بهدف كسر شوكة الإقطاع والرأسمالية الكمبرادورية وبناء قاعدة اقتصادية للوحدة العربية.

وبلغ هذا المنحى ذروته مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، حيث شهد مطلع عام 1965 تأميم 115 شركة خاصة دفعة واحدة، في واحدة من أكبر العمليات من نوعها في تاريخ البلاد (مرسوم تأميم 115 شركة، يناير/ كانون الثاني 1965)، شملت قطاعات حيوية مثل الإسمنت والسكر والنسيج والصناعات الكيماوية. كان القرار، المُغطّى بخطاب اشتراكي، يهدف إلى تحقيق أهداف متعددة: اقتصادياً لبناء قاعدة صناعية وطنية تحت سيطرة الدولة تحقيقاً للاستقلال الاقتصادي، واجتماعياً لتوزيع الثروة وإيجاد فرص عمل عبر توسيع الجهاز البيروقراطي والصناعي التابع للدولة، وسياسياً لتحطيم القوة الاقتصادية للنخب التقليدية المعارضة وإيجاد طبقة وسطى جديدة مرتبطة مصلحياً بالدولة. مع نهاية الستينيات، أصبح القطاع العام المالك والمشغل شبه الوحيد للصناعات المتوسطة والكبيرة، وبات ينتج ما يقارب 70% من الناتج المحلي الإجمالي في السبعينيات (تقديرات المجموعة الإحصائية السورية، 1975)، محولاً نفسه إلى المحرك الرئيسي للاقتصاد ومزود الوظائف الأول.

إصلاحات شكلية ومقاومة للإصلاح والتغيير (2000-2010)

مع تولي بشار الأسد المخلوع السلطة عام 2000، أطلقت الإدارة الجديدة خطاباً إصلاحياً صورياً تحت عنوان التطوير والتحديث، سرعان ما تبدد مع ربيع دمشق ومحاولة الطبقة الوسطى لعب دور اقتصادي واجتماعي لم يسمح لها بذلك، تلاشت الوعود. ولكن بسبب تراجع الإيرادات النفطية وعوائد القطاع العام الاقتصادي، كان لا بد من طرح بدائل اقتصادية قدّمها مفكرون وباحثون اقتصاديون، لا تنفي مكاسب القطاع العام ولا تستمر في سياسة النزيف المستمرة للموازنة نتيجة الخسائر والهدر الكبير الذي كان يعاني منه، توجت هذه المحاولات بالخطة الخمسية العاشرة (2006-2010) تحت شعار “اقتصاد السوق الاجتماعي”. على الورق، مثلت الخطة محاولة جريئة لتصحيح المسار عبر تحول تدريجي نحو آليات السوق مع الحفاظ على دور اجتماعي للدولة. وقد حققت الخطة، على المستوى الكلي، إنجازات مالية وإحصائية بارزة: فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي من حوالي 22 مليار دولار عام 2005 إلى ما يقارب 60 مليار دولار عام 2010 (تقارير البنك المركزي السوري، 2011)، وحقق الاقتصاد معدل نمو متوسطاً بلغ حوالي 5.7% سنوياً خلال فترة الخطة، وتم الحفاظ على مستوى منخفض جداً للديون الخارجية، بل وانخفض العجز الكلي في الموازنة إلى حدود 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي (وزارة المالية السورية، التقرير السنوي 2010).

ولكن القصة الحقيقية تكمن في ما تحت هذه الأرقام. فالخطة، رغم أهدافها الكلية، واجهت مقاومة عنيفة للتغيير من داخل النظام نفسه. اصطدمت ركائزها الإصلاحية (مثل إصلاح الدعم، وخصخصة الشركات الخاسرة، وإدخال الحوكمة) بجدار من المعارضة من النخب الحاكمة التقليدية في حزب البعث وبيروقراطية الدولة، الذين رأوا في أي إصلاح حقيقي تهديداً لامتيازاتهم وشبكات مصالحهم المرتبطة بالقطاع العام. تمت عرقلة التحوّل الحقيقي نحو اقتصاد السوق الاجتماعي، وتحولت بعض عمليات التحرير الجزئي للاقتصاد إلى عملية معقدة للغاية، بينما بقي الفساد الإداري والهيكلي من دون معالجة. نتيجة لذلك، فشلت الخطة في تحقيق تحول اقتصادي محوكم أو تحقيق أهدافها المعلنة. فقد بقيت معدلات الفقر مرتفعة (حيث قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP أن حوالي 30% من السكان كانوا تحت خط الفقر عام 2010)، واستمرت البطالة، خاصة بين الشباب، عند مستويات عالية (حوالي 20% حسب تقديرات منظّمة العمل الدولية ILO ،2011). والأهم، بقيت الإنتاجية متدنية والاقتصاد ريعياً يعتمد على النفط والتحويلات، من دون تنمية قطاع خاص حقيقي ومبتكر. لقد كشفت هذه الفترة أن مقاومة التغيير من الداخل كانت أكبر عائق أمام أي إصلاح، ما حوّل شعار “اقتصاد السوق الاجتماعي” إلى واجهة لنموذج غير قادر على معالجة التناقضات الجوهرية. لقد كانت مقاومة التغير عملية ممنهجة قام بها النظام البائد كي يقول إن المشكلة هي ليست بالقطاع العام وإنما في جوهر وبنية الاقتصاد السوري غير القابل للحل، لقد قاومت النخب الحاكمة التغير بشكل عنيف حفاظاً على المكاسب والمنافع، لأن الحوكمة والإدارة الرشيدة ستكون في غير صالحهم وسوف تفقدهم المزايا والمنافع التي كانوا يحصلون عليها. لقد كانت تجربة الخطة الخمسية العاشرة مثلاً واضحاً لمحاولة فشل الإصلاح إن لم يكن مدعوماً بإرادة سياسية واعية وحقيقية.

مرحلة الحرب: تفكيك العقد الاجتماعي وانهيار المكتسبات (2011-2024)

شكلت الحرب التي شنها النظام البائد على سورية وشعبها عام 2011 زلزالاً وجودياً لم يهز البنية المادية للقطاع العام فحسب، بل دمر العقد الاجتماعي القديم برمته الذي بني على خدمات الدولة. قدرت الخسائر الاقتصادية المباشرة بأكثر من 300 مليار دولار (تقدير الأمم المتحدة والبنك الدولي في تقرير “الخسائر الاقتصادية في سورية”، 2022).

في هذا المشهد الكارثي، انهارت المكتسبات التاريخية للقطاع العام الواحد تلو الآخر. فقد دُمِّر نصف المدارس وأصبح ربع المستشفيات إما مدمراً أو يعمل بقدرة محدودة (تقرير “الأطفال تحت النار”، منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف، 2022 وتقرير منظمة الصحة العالمية حول المرافق الصحية في سورية، 2023). وعوضاً عن نظام الدعم الاجتماعي العمومي والشامل، لجأ النظام إلى سياسة “البطاقة الذكية” بدءاً من 2015، والتي قُصِرت على المناطق الخاضعة لسيطرته، وتم من خلالها تحرير أسعار العديد من المواد الأساسية تدريجياً، مع بقاء دعم رمزي ضعيف. أدى هذا إلى انهيار القدرة الشرائية، حيث فقدت الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها (بيانات سوق الصرف غير الرسمي، 2023). وارتفعت نسبة الفقر المدقع من حوالي 30% قبل الحرب إلى أكثر من 90% بحلول 2023 (تقرير “الاحتياجات الإنسانية في سورية”، برنامج الأغذية العالمي WFP، 2023). كما بلغت البطالة، خاصة بين الشباب، مستويات قياسية تجاوزت 50%، ما أدى إلى هجرة جماعية للكفاءات والشباب، حيث هاجر ما يقدر بـ6.7 ملايين سوري إلى الخارج (تقرير “الاتجاهات العالمية للنزوح القسري”، مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، 2023). تحولت اتحادات العمال والفلاحين من منظمات شعبية إلى أدوات بيروقراطية فارغة المضمون. وخلال هذه الفترة، واصل النظام سياسة التحول القسري والنفعي، فأعاد هيكلة الدعم وقلصه، وأصدر قوانين مثل قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 لتشجيع شراكات مشبوهة مع رجال الأعمال المقربين، في محاولة للتكيف مع اقتصاد الحرب والانزلاق نحو “اقتصاد النهب والمحاصصة”. ولقد عملت حكومة النظام السابق على تفكيك بنية القطاع العام عبر مشاريع  هيكلية، كقانون التشاركية في صيغه العديدة من أجل التخلص من القطاع العام ومن أجل محاولة تقليل العجز والدين وتحسين مؤشرات المالية العامة، في ظل تضخم جامح وتراجع لسعر الصرف وصل إلى مستويات غير مسبوقة 1500 ليرة للدولار. لم يكن القطاع العام بمنأى عن تفكير القيادات والنخب، ليس من أجل إصلاحه أو تدعيمه وإنما من أجل التخلص منه بطرق عدة، كقانون التشاركية، فكان منها مرفأ طرطوس واللاذقية ومعامل الأسمدة والفوسفات والإسمنت ومطار دمشق والمنافذ البرية مثالاً على نية الحكومة السابقة في التخلي عن أبسط مقومات النهج الاشتراكي أو حتى اقتصاد السوق الاجتماعي وعدم التفريط بالمطارح الاقتصادية السيادية.

مرحلة ما بعد التحرير وصراع الهوية الاقتصادية

بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر/ كانون الأول 2024، ورثت الحكومة الجديدة إرثاً كارثياً لواقع وصفته التقارير الدولية بـ”الأزمة الإنسانية والتنموية الأكبر في العالم الحديث”. وجدت السلطات نفسها أمام دولة شبه مفككة: خزينة عامة فارغة تماماً من العملة الصعبة بعد سنوات من العزلة والعقوبات، وبنية تحتية مدمرة قدرت تكاليف إعادة إعمارها بمئات المليارات من الدولارات (تقرير “مستقبل سورية: خارطة طريق للتعافي”، معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI، 2024). في قلب هذه الكارثة، يقف قطاع عام خاسر ومتضخم، يعتمد عليه أكثر من 1.4 مليون موظف برواتب هزيلة لا تتجاوز 30 دولاراً شهرياً، في وقت يعيش فيه أكثر من 85% من السكان تحت خط الفقر (تقرير “الأمن الغذائي والتغذوي”، برنامج الأغذية العالمي، 2024). تواجه الحكومة الجديدة، إذن، معضلة وجودية تتجاوز الخيار الأيديولوجي المجرد، لترتبط بمسألة إنقاذ مجتمع من الانهيار التام وإعادة بناء مؤسسات دولة من العدم.

في سعيها المحفوف بالمخاطر إلى رسم مسار اقتصادي جديد، لا تملك سورية رفاهية التجريب، ما يجعل من دروس الدول التي خرجت من حروب أو حققت قفزات تنموية دليلاً لا غنى عنه. فقد فشل لبنان ما بعد 1990 في إصلاح قطاعه العام والفاسد، متمسكاً بنظام المحاصصة الذي أدّى إلى انهيار مالي واجتماعي كامل. بالمقابل، تبنت كوسوفو بعد 1999 نموذجاً قائماً على خصخصة ممنهجة واعتماد كبير على المساعدات الخارجية، ما حقق نمواً سريعاً لكنه خلق اقتصاداً هشاً وتبعية (تقرير “الانتقال الاقتصادي في كوسوفو”، البنك الدولي، 2010). أما العراق بعد 2003، فقدم النموذج الأكثر قتامة عبر الوقوع في فخ “الخصخصة المفترسة” والفساد المنظّم، حيث تحولت ثروة النفط إلى مصادر إثراء لطبقات سياسية جديدة (تقرير “الفساد وإعادة الإعمار في العراق”، منظمة الشفافية الدولية، 2013).

غير أن النماذج المتاحة أمام سورية لا تقتصر على تجارب الحرب الأهلية. فهناك نماذج تنموية استراتيجية تثبت أن الخيار ليس ثنائياً بين الدولة الشمولية والسوق المتوحش. فالصين، منذ إصلاحات دنغ شياو بينغ عام 1978، رسمت مساراً يجمع بين قيادة الدولة الصارمة وحيوية السوق، حيث حافظت على سيطرة كاملة على القطاعات الإستراتيجية عبر شركات حكومية عملاقة، بينما حرّرت الآلاف من القطاعات التنافسية، ما انتشل أكثر من 800 مليون شخص من الفقر المدقع (تقرير “الفقر والرخاء المشترك”، البنك الدولي، 2022). الدرس الأساسي هنا هو إمكانية التحول التدريجي المدروس حيث تكون الدولة هي المهندس الرئيسي. وفي التجربة الألمانية بعد إعادة التوحيد، واجهت الحكومة الألمانية مشكلة قطاع عام ضخم وغير كفء في الولايات الشرقية السابقة. تم التعامل مع هذه المشكلة من خلال إنشاء “هيئة التراث” (Treuhandanstalt)، التي قامت خلال أربع سنوات بتفكيك أو خصخصة 8500 شركة. لكن الفارق الجوهري هو أن هذه العملية كانت مدعومة بتمويل ضخم من ألمانيا الغربية وبشبكة أمان اجتماعي متطورة، وهما عاملان غير متوفرين في الحالة السورية (تقرير “التحول الاقتصادي في ألمانيا الشرقية”، معهد البحوث الاقتصادية الألماني DIW ،2000).

وفي القارّة الأفريقية، قدمت رواندا، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، نموذجاً يرتكز على الحوكمة الصارمة ومكافحة الفساد باعتباره أولوية قصوى، نجحت من خلاله في جذب استثمارات موجهة وحققت متوسط نمو مذهل بلغ حوالي 8% سنوياً لعقدين (تقرير “معجزة رواندا الاقتصادية”، البنك الدولي، 2020). هذه التجربة تثبت أن جودة المؤسسات هي الركيزة الحقيقية لأي معجزة اقتصادية. أما ماليزيا فأظهرت قوة السياسة الصناعية الذكية عبر إيجاد “صناعات وطنية أبطال” بدعم الدولة، مع انفتاح كامل على الاستثمار الأجنبي لنقل التكنولوجيا، محققة قفزة تنموية غير مسبوقة (تقرير “السياسة الصناعية في ماليزيا”، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2015). ومن أميركا اللاتينية، جاء درس البرازيل في الجمع بين التنمية والعدالة، حيث ساهم مزيج من استثمارات القطاع العام وبرامج التحويلات النقدية الضخمة (“بولسا فاميليا”) في انتشال حوالي 29 مليون شخص من الفقر المدقع بين 2003 و2014 (تقرير “برنامج بولسا فاميليا وتأثيره على الفقر”، البنك الدولي، 2016). لكن ثمة تحذيرات أيضاً من تجربة تركيا، التي تظهر مخاطر نموذج النمو القائم على التحالفات الوثيقة بين الدولة وقطاع أعمال محسوب، ما أدّى إلى تضخم جامح وتآكل في استقلالية المؤسسات (تقرير “الاستقرار الاقتصادي الكلي في تركيا”، صندوق النقد الدولي، 2023).

في هذا السياق الكابوسي، تتحرّك الحكومة السورية الجديدة ضمن حقل ألغام. فرغم أنها لم تعلن رسمياً عن نيتها الاقتراض من صندوق النقد الدولي، إلا أن الضغوط العملية تدفعها نحو سياسات تتماشى مع اقتصاد السوق الحر باعتبار ذلك مساراً متصوَّراً لاستقطاب الاستثمارات الضخمة. يتركز نهجها الأولي على خصخصة واسعة لشركات حكومية وتحرير تدريجي للأسعار والدعم. هذه الإجراءات هي ردة فعل عملية على إفلاس الخزينة واستحالة إصلاح منظومة فاسدة من داخلها، وليست بالضرورة عقيدة نيوليبرالية صرفة. فالحكومة الحالية تجد نفسها أمام واقع اقتصادي صعب والخيارات مرهونة بالتحسن الإنتاجي وإعادة الإعمار، وهي أمور ليست بالمتناول في الأمد القريب.

لذلك، فإن الطريق السوري الواقعي يجب أن يكون مركّباً وذكياً، مستفيداً من هذه الدروس جميعاً: تبنّي الحوكمة الصارمة ومكافحة الفساد على الطريقة الرواندية باعتبارها شرطاً أساسياً، واعتماد سياسة صناعية وتجارية انتقائية وطويلة الأمد تستلهم نجاح ماليزيا، والحفاظ على دور اجتماعي للدولة في تقديم الخدمات الأساسية وحماية الضعفاء، متعلمين من الإيجابيات في النموذج البرازيلي، وتفادي فخ اقتصاد المحسوبيات والاستدانة غير المنتجة، كما حذّرت منه تجربة تركيا. في النهاية، لن يُقاس نجاح التحوّل بسرعة بيع الأصول، بل بقدرة الدولة على تحويل مؤسّساتها من أدوات للولاء والفساد إلى أدوات للإنتاج والعدالة. هذا هو التحدّي الحقيقي الذي سيرسم مستقبل سورية.

الخيارات والسيناريوهات المتاحة

تبدو الخيارات المتاحة جميعها صعبة، فمسار الخصخصة السريع يحمل مخاطر تحوّل الأصول العامة إلى ملكيات خاصة لشبكات النفوذ، بينما قد يؤدّي إلى تدهور اجتماعي في غياب البدائل الوظيفية. ومن ناحية أخرى، يتطلّب الإصلاح التدريجي للقطاع العام موارد مالية وخبرات إدارية غير متوفرة في الوقت الحالي، كما يحتاج فترة طويلة في وقتٍ تتطلب فيه الأزمة الاقتصادية حلولاً سريعة. ربما يكون المخرج في تبنّي نهج متدرّج يراعي التعقيدات الواقعية. يبدأ بتجميد التوظيف الجديد في القطاع العام، ثم إجراء مسح دقيق لواقع كل مؤسّسة، وتصنيفها حسب أولويات الإصلاح. المؤسسات الاستراتيجية التي تحقق ربحاً يمكن إصلاحها بمنحها استقلالاً إدارياً ومالياً. أما المؤسسات الخاسرة وغير الاستراتيجية فيمكن حلها تدريجياً مع تطوير برامج إعادة تأهيل للعاملين. لكن كل هذه الحلول تبقى نظرية في غياب الشروط الأساسية للإصلاح، فبدون حوكمة رشيدة وشفافية ومحاسبة حقيقية، ومع استمرار هيمنة شبكات المصالح، ومع غياب الرؤية الاقتصادية الشاملة، فإن أي محاولة إصلاح قد تتحوّل إلى فرصة جديدة للفساد ونهب المال العام.

يمثل القطاع العام السوري اليوم مرآة عاكسة لأزمة التنمية في البلاد، فهو يحمل في تاريخه إرثاً من الإنجازات الاجتماعية التي لا يمكن إنكارها، لكنه يحمل أيضاً إرثاً من الفشلين الاقتصادي والإداري، سببه النظام السابق الذي لا يمكن الاستمرار فيه. يتطلب الخروج من هذا المأزق أكثر من قرارات تقنية، بل يتطلب إعادة نظر شاملة في نموذج التنمية نفسه، وفي العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع. وهو تحدٍ ليس اقتصادياً فحسب، بل هو في جوهره تحدٍ سياسي واجتماعي يلامس أسئلة الهوية والعدالة والتطور في سورية ما بعد الحرب.

تعميم الخدمات ثم تحوّلها إلى أدوات للسيطرة

شهدت العقود الثلاثة لحكم نظام حافظ الأسد البائد تبلور دولة الخدمات والرعاية الاجتماعية الشاملة، التي مثلت الوجه الإيجابي الأول للقطاع العام. فقد قامت الدولة، من خلال استثمارات ضخمة، بتعميم التعليم المجاني من الابتدائي إلى الجامعي في المدن والأرياف، ما رفع معدل الإلمام بالقراءة والكتابة من حوالي 30% في الستينيات إلى أكثر من 80% بحلول التسعينيات (تقرير “التعليم للجميع”، اليونسكو، 1995). كما جرى تعميم الصحة المجانية عبر بناء شبكة وطنية من المستشفيات والمراكز الصحية، ساهمت في خفض معدل وفيات الأطفال ورفع متوسّط العمر المتوقع بشكل ملحوظ (تقرير “الصحة في العالم”، منظمة الصحة العالمية، 2000). ووسعت الدولة هيمنتها لتشمل توفير الخدمات الأساسية المدعومة، حيث سيطرت مؤسسات القطاع العام بشكل كامل على إنتاج وتوزيع الكهرباء والمحروقات، وأنشأت نظام الكوبونات (البطاقات التموينية) لتوزيع المواد الغذائية الأساسية (كالسكر والشاي والقمح) بأسعار رمزية، ما ضمن حداً أدنى من الأمن الغذائي للمواطنين (بيانات المؤسسة العامة للتجارة الداخلية، 1998). كما تم إنشاء منظومة السكن الجماعي للموظفين والعمال، وتأسيس اتحادات شعبية مثل اتحاد الفلاحين واتحاد العمال، وتمويل الجمعيات الفلاحية وتقديم دعم كبير للزراعة عبر المؤسسة العامة للحبوب والإصلاح الزراعي. شكلت هذه السياسات عقداً اجتماعياً غير مكتوب، حيث وفرت الدولة الخدمات والضمان الاجتماعي مقابل الولاء السياسي. ولقد ساهمت هذه السياسات فعلا في نمو ما يسمى بالطبقة الوسطة التي حملت عملية التغير الاقتصادي والاجتماعي في سورية خلال تلك الفترة.

لكن هذا الوجه الإيجابي بدأ بالتآكل مع تحول القطاع العام نفسه. فبعد حرب 1973، أدّى تدفق الريع النفطي العربي (المقدّر بنحو ملياري دولار سنوياً آنذاك وفق تقديرات صندوق النقد العربي، 1975) إلى تضخم هائل في حجم القطاع وعدد العاملين فيه، دون أن يقابله تحسن في الإنتاجية أو الكفاءة. أصبح التوظيف في المؤسسات الحكومية وسيلة لمكافأة الولاء وإيجاد شبكات محسوبية، حيث جرى استيعاب أعداد هائلة تفوق الحاجة الفعلية، ما أدّى إلى تحوّله إلى “مخزن للبطالة المقنعة”. في الوقت نفسه، تحوّلت مؤسّسات الدولة إلى ساحات للفساد المنهجي وهدر المال العام، حيث تم توجيه العقود والمشاريع الكبرى لصالح أفراد ومجموعات مقربة من مراكز النفوذ. بلغت ذروة هذه المرحلة مع الأزمة الاقتصادية في الثمانينيات، التي كشفت هشاشة النموذج القائم. وجاء قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991 ردة فعل، مقدماً إعفاءات سخية لجذب رأس المال السوري المغترب، في محاولة لإنعاش الاقتصاد من دون إصلاح حقيقي للقطاع العام الفاسد والخاسر. ظل القطاع العام خلال هذه الفترة بمثابة “بقرة حلوب” لشبكات المصالح، حيث قدرت خسائر شركاته، وفق تقرير اقتصادي حكومي غير منشور عام 2008، بحوالي 418 مليار ليرة سورية (ما يعادل 8.5 مليارات دولار آنذاك)، وهو رقم يكشف حجم الهدر والفساد الذي استشرى تحت غطاء الشعارات الاشتراكية.

إلى جانب التحولات البنيوية داخل القطاع العام، لعبت البيئة السياسية المغلقة دوراً مركزياً في تسريع تدهور نموذج دولة الرعاية. فقد رسّخ النظام منظومة أمنية متشعبة حدّت من إمكان المساءلة والشفافية، ما جعل مؤسسات الدولة تعمل في فضاء مغلق تحكمه الولاءات لا القواعد المؤسسية. أدى ذلك إلى تآكل تدريجي في جودة الخدمات العامة التي كانت في يوم من الأيام ركيزة “العقد الاجتماعي”، إذ بدأت المدارس تعاني من نقص التمويل وضعف البنية التحتية، وتراجع مستوى الرعاية الصحية بفعل تهالك التجهيزات وهجرة الكوادر المؤهلة نحو القطاع الخاص أو الخارج. وفي المقابل، صعدت طبقة جديدة من كبار التجار والوسطاء المرتبطين بالأجهزة، مستفيدة من اقتصاد الظل والامتيازات الحصرية في الاستيراد والتعاقد العام. هذا التحول البنيوي عمّق الفجوة بين الخطاب الاشتراكي الرسمي والممارسة الفعلية، وأدّى إلى تآكل الثقة العامة بالدولة باعتبارها مقدّمة الخدمات وضامنة العدالة الاجتماعية. ومع دخول التسعينيات، بات واضحاً أن نموذج الرعاية القديم قد استُهلك بالكامل، وأن البلاد مقبلة على مفترق طرق اقتصادي واجتماعي لا يمكن تجاوزه دون إصلاحات جذرية غابت الإرادة السياسية لتنفيذها.

العربي الجديد

———————————

 كيف استقبلت الأسواق السورية الليرة الجديدة؟.. الإجابة لدى تجار دمشق

سوريا بدأت استبدال العملة مطلع يناير الحالي ولمدة 90 يوماً

الرياض – العربية

20 يناير ,2026

تشهد أسواق دمشق الرئيسية حالة من التكيف التدريجي في آليات البيع والشراء باستخدام الليرة السورية الجديدة إلى جانب العملة القديمة، حيث يفرض الواقع النقدي الجديد على المواطنين والتجار حالة من التأقلم والمرونة في التعاملات اليومية.

وقال سامر مرادني صاحب محل أقمشة في سوق الحريقة، إن إقبال العملاء على الدفع بالعملة الجديدة بدأ بالازدياد، لكن العملة القديمة لا تزال الأكثر تداولاً، وخاصة في الدفعات الكبيرة، لافتاً إلى أن التعامل بالعملتين معاً يتطلب جهداً إضافياً عند حساب الأسعار وإرجاع الباقي.

وأضاف غسان زرلي الذي يعمل في تجارة العطارة في سوق البزورية، أن قبول العملة الجديدة أصبح أمراً طبيعياً في السوق مع الحرص على تسهيل أمور العملاء والقبول بدفع ثمن مشترياتهم بالعملة الجديدة أو القديمة، رغم أن هذا الأمر قد يسبب بعض الإرباك عند إرجاع الباقي بكلتا العملتين، لكنه يتم من خلال الاتفاق المسبق مع العميل على طريقة الدفع، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

مصرف سوريا يفتتح فرعاً في مدينة الرقة ويوضح آلية استبدال الليرة

اقتصاد اقتصاد سوريا مصرف سوريا يفتتح فرعاً في مدينة الرقة ويوضح آلية استبدال الليرة

وفي سوق الحميدية، أكد خالد إسماعيل صاحب محل أحذية، أن العملة القديمة لا تزال هي الأكثر استخداماً في البيع والشراء رغم دخول العملة الجديدة بقوة في التداول اليومي، موضحاً أن شراء البضائع من التجار الكبار والموردين يتم في الغالب باستخدام العملة القديمة، مع بدء قبول العملة الجديدة بشكل تدريجي.

تأقلم المواطنين

وعلى صعيد المواطنين عبرت أم يزن، التي تتسوق بشكل شبه يومي من أسواق دمشق القديمة، عن ارتياحها النسبي للتعامل بالعملة الجديدة، معتبرة أن الأمر يحتاج فقط إلى وقت، وقالت: “في البداية كان هناك بعض الالتباس في الحساب، لكننا بدأنا نعتاد على الفئات الجديدة وطريقة التعامل بها”.

وقال نادر العلي إن استخدام العملتين معاً بات أمراً شائعاً في الأسواق، لافتاً إلى أن التجار متعاونون بشكل عام، ويحاولون تسهيل عملية الدفع، حتى لو استدعى الأمر إرجاع الباقي بالعملة الجديدة والقديمة.

وأصدر حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، في نهاية العام الماضي، القرار المتعلق بآليات استبدال العملة السورية، حيث حدد القرار مدة الاستبدال بـ 90 يوماً قابلة للتمديد، على أن يصدر حاكم مصرف سوريا قرار التمديد قبل 30 يوماً من انتهاء المهلة المحددة.

———————————

العملة الجديدة بين الترقّب الشعبي ومخاوف تآكل المدّخرات/ دينا عبد

19 يناير 2026

تحوّل الحديث عن العملة الجديدة إلى هاجس يومي يختلط فيه القلق الاقتصادي بالجانب النفسي والاجتماعي. ومع طرح العملة الجديدة رسميًا، يسود الشارع السوري حالة من الترقب والريبة، يخشاها المواطن الذي أنهكته موجات الغلاء المتتالية، خوفًا من أن يصبح التبديل النقدي فرصة جديدة لانفلات الأسعار وانهيار ما تبقى من قدرته الشرائية.

السؤالان اللذان يتبادران إلى أذهان الناس اليوم: كيف يمكن الحفاظ على المدّخرات؟ وما مصير الديون والقروض، سواء بين الأفراد أو مع المصارف، بعد دخول العملة الجديدة حيّز التنفيذ؟

محاولة لإعادة بناء الثقة بالاقتصاد

يرى الخبير الاقتصادي، فاخر القربي، أن العملة الجديدة تُعتبر محاولة لإعادة بناء الثقة وتثبيت الاقتصاد السوري، لكن نجاحها مرهون بالثقة الشعبية والالتزام بالسياسات المالية. وبحسب القربي، فإن لهذه الاستراتيجية أهدافًا بعيدة المدى، مثل تعزيز الثقة، واستعادة ثقة المواطنين بالليرة كرمز للسيادة الوطنية والاقتصاد المستقر، وكذلك الاستقرار النقدي لجهة الحفاظ على الكتلة النقدية، ومنع التضخم عبر سياسة مالية منضبطة.

وأوضح الخبير الاقتصادي أنه يجب معالجة السيولة والمساهمة في حل الأزمة المالية تدريجيًا، مع ضرورة تحديث النظام، كجزء من استراتيجية شاملة تتضمن التحول الرقمي وبناء مؤسسات مالية قوية.

الحفاظ على المدخرات

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أنه لا بد من خطوات عملية يستطيع من خلالها المواطن السوري الحفاظ على مدخراته مع انطلاق عملية الاستبدال، إذ يجب أولًا معرفة فئات العملة الجديدة ومدة الاستبدال المحددة (ثلاثة أشهر كحد أدنى)، مع الاحتفاظ بمزيج من النقود من خلال تقسيم المدخرات بين جزء من العملة القديمة المراد استبدالها والعملة الجديدة وجزء بالدولار، والحذر وتجنّب الصرف في السوق السوداء، لأنها تؤدي إلى خسائر نتيجة فروق الأسعار أو المضاربة.

كما نوّه إلى ضرورة التخطيط للمشتريات الأساسية بعقلانية، من خلال شراء الاحتياجات الأساسية مع الحذر من التسرع الذي يرفع الأسعار فجأة. إضافة إلى التواصل مع المصارف واستشارة الخبراء الماليين لضمان تحويل الأموال بأمان وحماية المدخرات من أي صدمات نقدية، وذلك لأن عملية حذف الأصفار أداة، جاءت ضمن حزمة إصلاحات شاملة وليس الحل بحد ذاته.

واعتبر القربي أن سبيل الاستقرار السياسي والمالي شرط أساسي لنجاح أي إصلاح نقدي، مضيفًا أن الإنتاج المحلي الحقيقي هو الضامن الوحيد لاستدامة قيمة العملة، والتواصل والشفافية مع المواطنين والمستثمرين يحدّان من الارتباك النفسي والسوقي، كما أن التدرج والواقعية أهم من السرعة في التنفيذ.

ونوّه القربي إلى أن نجاح التجربة السورية يعتمد على مدى ربط الإصلاح النقدي بإصلاح مالي وإنتاجي شامل، يوازن بين الرمزية النقدية والقيمة الاقتصادية الحقيقية، مع التزام المواطنين بخطط حماية مدخراتهم.

تسديد القروض بعد تغيير العملة

بيّن القربي أن تسديد القروض بعد تغيير العملة يعتمد على الاتفاق الأصلي، فإذا كان القرض بعملة أجنبية يتم السداد بالعملة نفسها مع مخاطر تقلبات سعر الصرف، أما في حال تغير العملة المحلية فيبقى التفاوض مع البنك أو المؤسسة المالية هو الحل الأمثل لتعديل الأقساط بما يتناسب مع الواقع الجديد عبر:

طلب إعادة جدولة الدين: ومعنى ذلك تغيير مدة القرض لتقليل قيمة القسط الشهري أو دمج الأقساط المتأخرة.

تخفيض الفوائد، والتفاوض على نسبة فائدة أقل لتخفيف العبء.

تحويل القرض: إذا كان القرض بالعملة الأجنبية وارتفع سعرها، يمكن البحث مع البنك عن إمكانية تحويله لعملة محلية، ويمكن الاعتماد على حلول عملية في حل الإشكاليات المتعلقة بالقروض.

الاستفادة من القوانين المحلية والبحث عن أي قانون أو مبادرات حكومية تخص دعم المقترضين في فترات الأزمات الاقتصادية.

السداد المبكر: إذا كان بالإمكان سداد جزء من أصل القرض لتخفيض الفوائد المستقبلية أو حتى سداد القرض بالكامل، ما يجنب المقترض مخاطر تقلبات العملة المستمرة.

تحديات اقتصادية

نوّه القربي إلى أن هناك تحديات تواجه هذه العملية الاقتصادية المفصلية، حيث يعتمد نجاحها على التزام الناس ودعمهم لها وتطبيق السياسات المالية بحزم خاصة، مع استمرار التحديات الاقتصادية.

وأشار إلى أننا اليوم أمام تحدٍّ تاريخي عنوانه “التضخم”، وارتفاع الأسعار نتيجة الذهنية التسويقية وسياسة التعامل مع العملة الجديدة في الأسواق، وهذا سوف يضعنا أمام تحدٍّ جديد وولادة أسواق صرف متجددة عنوانها المضاربة بهدف ضرب العملة الوطنية.

كما أن التضخم ينخفض بمقدار خفض الكتلة النقدية المطروحة من قبل مصرف سوريا المركزي، غير أن هذا يعيق عمل المصارف ويخفض من حجم تداولاتها ويؤثر بشكل مباشر على القروض وطريقة سدادها، في ظل غياب الهيكل الوظيفي عن كثير من المقترضين، وعجزهم عن تأمين رمق حياتهم قبل سداد القروض، إذ إن عملية تبديل العملة لا تعني بالضرورة تغير القيمة الفعلية للأموال، لكنها “استبدال شكلي” بالقيمة نفسها.

بدوره، أشار الخبير المالي، محمد أحمد، خلال حديثه لـ”الترا سوريا” إلى أن المواطن قد لا يشعر بتبدلات كبيرة إذا كانت مدخراته محدودة، لكن التحدي الحقيقي والأكبر يكمن في حماية الشريحة الأوسع من ذوي الدخل المتوسط، وبناء الثقة التدريجية مع النظام النقدي الجديد. ويرى أن حماية المدخرات لا تتحقق بقرار فجائي أو خطوة واحدة، بل باستراتيجية متوازنة تراعي مستوى دخل الأسرة وحجم المخاطر التي يمكن أن تتحملها.

وأوضح أن الخطوة الأولى هي تنويع أدوات الادخار قدر الإمكان، بحيث لا تبقى كل المدخرات في شكل واحد، فالجمع بين جزء نقدي محلي، وآخر من الذهب أو العملات الأجنبية، إضافة إلى أصول حقيقية كالعقار أو الأرض (إن أمكن) يخفف من أثر أي صدمة قد ترافق ولادة العملة الجديدة.

وأضاف أن المدخرات الموجودة في الحسابات المصرفية أو الودائع تخضع عادة لقواعد التحويل نفسها، التي يطبقها المصرف المركزي على الكتلة النقدية، لكن المخاوف الأساسية تكمن في مستوى التضخم بعد الإصدار، لا في عملية الاستبدال الحسابية بحد ذاتها.

لذلك يرى الخبير المالي أنه من الأفضل عدم السحب العشوائي للودائع، بل تحويلها إلى نقد “مخزّن في المنازل”، ومتابعتها بهدوء وفق التعليمات الرسمية، مع الإبقاء على جزء سيولة بسيط لتغطية النفقات الطارئة.

وختم الخبير المالي حديثه بالتأكيد على أن نجاح عملية إصدار العملة الجديدة لا يتوقف على الجانب الفني فحسب، بل على مستوى الشفافية والوضوح في إدارة الملف إعلاميًا ومؤسسيًا.

فكلما تضمنت التعليمات التنفيذية تفاصيل واضحة حول استبدال النقد، ومعاملة الودائع، وآلية احتساب القروض والديون، زادت ثقة الناس وتراجعت الشائعات التي تتسبب في قرارات مالية متسرعة وغير مدروسة.

الترا سوريا

————————–

الإنسان أولاً.. أبناء الجزيرة ليسوا أرقاماً على هامش الثروات/ محمود الشمالي

يناير 20, 2026

بالتزامن مع استعادة الدولة السورية سيادتها على أجزاء واسعة من منطقة الجزيرة السورية – محافظات الرقة ودير الزور والحسكة – من تنظيم “قسد”، تتداول منصات التواصل الاجتماعي أخباراً ومشاهد مصورة توحي باختزال المنطقة بمجرد جغرافيا تختزن النفط والمعادن وأرض للزراعة، ليطفو سؤال جوهري على السطح: أين موقع الإنسان في هذه المعادلة؟

بالمقابل، لاقى هذا التداول الذي ركز، بشكل أحادي على ثروات منطقة الجزيرة السورية، انتقادات واسعة، خاصة من أبناء الجزيرة السورية أنفسهم، ودعت هذه الانتقادات إلى تحويل النظر نحو الجوهر الحقيقي لهذه المناطق، التي عاش أبناؤها لعقود مضت تحت التهميش وسوء الخدمات التي أظهرتها معظم التقارير الإعلامية مع دخولها إلى المنطقة عقب خروج تنظيم “قسد” منها، وتكريس صفة “المناطق النائية” عليها، وعلى أنه من المفترض اليوم أن تتمثل المسؤولية في كسر هذه السردية القديمة وبناء رؤية جديدة تجعل من المنطقة وأهلها محوراً للاستثمار والتنمية، لأن الأرض تكتسب قيمتها من قيمة الإنسان الذي يعيش عليها، وليس العكس.

تنميط المنطقة واختزالها

تتعدد أوجه الصورة النمطية التي كرست لعقود عن الجزيرة السورية وأهلها، ففي مقابلة مع إحدى القنوات العربية، ظهر رجل في الخمسين من عمره يُقسِم بأنه خرج للمرة الأولى ليهتف ابتهاجاً، معلناً عن لحظة تحول شخصي عميق، حيث شعر للمرة الأولى بأنه “مواطن سوري” كامل الحقوق بعد تحرير منطقته، ووصف حالته السابقة قائلاً: “كنا نشعر بأننا مواطنون بلا حقوق، وكأننا من عالم آخر… حتى أننا لسنا بشراً”.

وفي السياق يوضح الكاتب الصحفي فراس علاوي في حديثه لـ “الثورة السورية” بأن الجزيرة السورية مثلها مثل أي منطقة في سوريا، فيها من جميع نخب المجتمع، ولها ماضيها وتاريخها العريق، والنظر لها كمجتمع عشائري هو نمط أوجده نظام الأسد المخلوع لأسباب سياسية، وهذا التنميط يجب أن يزول بأي شكل خاصة أن سنوات الثورة السورية أدت لانصهار في المجتمع السوري، واستمرارها سيسبب تفكك لهذا المجتمع أكثر من توحده.

ويضيف علاوي: “هذه النظرة النمطية عن الجزيرة السورية على أنها منطقة ثروات وزراعة وأهلها غير مساهمين في المنتج الحضاري السوري وكان يعاقب من يخالفه بالنقل للعمل في دير الزور على سبيل المثال، والابتعاد عن حقيقتها وحقيقة شعبها هي نظرة مسيئة لها بشكل عام”.

ومع اندلاع الثورة السورية تصدر الكثير من أبناء المنطقة المشهد بحسب علاوي، وحاولوا تغيير النظرة عنها، ولكن للأسف “بعد التحرير مازال التنميط السابق موجوداً، متجاهلاً أهل المنطقة ومصلحتهم والذين هم في النهاية لهم مشاركتهم في الدولة ولهم حضورهم المميز ومن غير المنطقي تجاهلهم اليوم”.

كذلك توضح مديرة الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري كندة حواصلي، بأن النظام المخلوع كان ينظر للبشر بدون أي قيمة، سواء في الجزيرة السورية أو غيرها وهذه السياسات الطولية وحالة التجهيل، أدت لعدم معرفة المجتمعات السورية ببعضها، وبقيت لا تعرف عن بعضها سوى ما كان يتم تدريسه في المناهج، وكانت هذه السياسة قائمة على مبدأ “فرق تسد” والتي عززت الشروخ المناطقية ما بين المجتمع السوري وتصنيفه ما بين متقدم ومتخلف، حضر وبدو، وغيرها من تصنيفات.

وهذا ما يفسر، بحسب حواصلي، ظهور تلك المقاطع المصورة المختزلة، وتوضح أن سياسات النظام المخلوع أبعدت السوريين عن بعضهم وعززت عدم شعورهم بالمواطنة ككتلة بشرية واحدة لأنهم في حال إدراك هذه القيمة ممكن أن يصنعوا فارقاً، ولكي يداري على سياسات ضعف التنمية التي أوصلت سكان الجزيرة السورية إلى حالة الإهمال في الخدمات الأساسية والبنية التحتية التي نشاهدها اليوم بعد سيطرة الدولة عليها”.

وتضيف: “وبالتالي فمن الطبيعي حينما لا تعرف الجهة الأخرى سوف تبني عليها تصوراً مسبقاً بناء على المعلومات المتوفرة عنها، وهذا هو السبب الذي أدى لظهور هذه المقاطع واختزال ما يجري بمصالح شخصية وبالانطباعات والمعلومات البسيطة المختزنة في ذاكرتهم”.

ويتجسد هذا الاختزال اليوم، في الخطاب الرسمي نفسه، فمن وجهة نظر الباحث حسن عبد الله الخلف، المهتم بتاريخ الجزيرة السورية والتي أوضحها في حديثه لـ “الثورة السورية”، فإن الخطاب الرسمي للحكومة “يضع الإنسان الفراتي وإنسان الجزيرة السورية في المرتبة الثانية، وربما الثالثة، فدائماً ما يسبقه في الأولوية الحديث عن النفط والقمح والغاز والكهرباء والسدود، وبعد كل ذلك يُذكر الإنسان وحقوقه وكرامته وحريته في أرضه”. ويضيف الخلف: “خطاب التحرير الذي تقدمه الدولة اليوم لا يراعي الإنسان بقدر ما يراعي الثروة، فلا تُذكر الجزيرة السورية إلا عند الحديث عن استعادة القمح والقطن والنفط والمياه والكهرباء، بينما يُترك سكانها في الخلفية، وكأنهم مجرد أرقام إضافية “.

بناء الكرامة قبل بناء المشاريع

معادلة النجاح الحقيقية في مرحلة ما بعد تحريرالجزيرة السورية يجب أن تنقلب رأساً على عقب، فبدلاً من أن يكون الإنسان تابعاً للثروة، يجب أن تكون الثروة أداة لتحرير الإنسان وضمان كرامته.

من وجهة نظر الخلف، فإن “أي حديث عن تحرير الجزيرة السورية يجب أن يبدأ بالإنسان، وحقه في الكرامة، والحرية من سلطات القمع والاستبداد التي تعاقبت على المنطقة لعقود، ويجب وضع سكانها في صدارة أي خطّة لإعادة البناء والتنمية، لأن أي استثمار أو ثروة تُستعاد قبل تحرير الإنسان سينقلب إلى أداة قمع، ولن يكسب السلطة الجديدة شرعية أو احتراماً من السكان”.

ويجب الانتباه الى حقيقة أن الجزيرة ليست مجرد أرض لإنتاج القمح أو النفط ، وليست خريطة ثروات تدار من المركز، بل هي مجتمع حي له تاريخ وهوية وقدرة على الفعل السياسي والاجتماعي، ومن غير الاعتراف بهذه الحقيقة، لن تنجح أي محاولة لإعادة الإعمار أو إقامة دولة حقيقية، بحسب الخلف.

يذكرنا المشهد في الجزيرة السورية بمقولة العلامة ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة: “إنّ الدولة إذا اعتزّت بأبنائها، اعتزّت بها الأوطان”، ولطالما رأى مؤسس علم الاجتماع أن قوة الأمم تُقاس بصلاح رعيتها وتماسكها الاجتماعي، لا بوفرة مواردها الطبيعية فقط.

وإذا أسقطنا هذه الرؤية على الواقع اليوم في الجزيرة السورية فنجد نموذجاً حياً على صحتها؛ فبالرغم من مرور المنطقة بفترة احتلال وتهميش، إلا أن تماسك النسيج الاجتماعي – رغم محاولات تفكيكه – هو الذي حافظ على الهوية وصمود الأهالي.

وترى حويصلي أن موارد الجزيرة السورية، رغم توافرها تاريخياً، لم تُستثمر لخدمة السوريين تحت سيطرة النظام المخلوع ولا تنظيم “قسد”، بسبب غياب الإدارة الوطنية التي تحوّل الثروات إلى تنمية حقيقية للإنسان.

وتشدد على أن التركيز اليوم يجب أن ينصب على الكتلة البشرية في المنطقة، التي ظُلمت وأهملت لعقود، لكنّها قادرة الآن على قيادة تنميتها، وتصحيح الصور النمطية المغلوطة عنها، وتؤكد أن تعزيز القيمة البشرية يمر عبر حوارات مجتمعية تعرّف الناس بثقافات بعضهم وتاريخهم المشترك، مما يبني أسس تنمية مستدامة تضع الإنسان في صلب أولوياتها، ولتحقيق ذلك، يجب أن تبدأ التوعية من الحكومة نفسها.

كما يشير الصحفي فراس علاوي: “تبدأ التوعية من الحكومة نفسها، فمن المفروض أن تكون بيانات الحكومة واضحة وموجهة لسكان المنطقة على أنهم جزء من سوريا الواحدة والابتعاد عن تنميط المنطقة على أنها خزان للنفط وحقل للزراعة”.

وتحرير الإنسان أولاً يضمن أن تتحول الثروات إلى وسيلة للتنمية والحياة الكريمة، لا إلى ذريعة للاستغلال والإقصاء، بحسب الخلف الذي أضاف “بينما البدء بالثروات أولاً يكرس شعور السكان بأنهم مجرد أرقام إنتاج، ويؤدي إلى فقدان الثقة بالسلطة الجديدة، كما حصل طوال العقود الماضية”.

وفي هذا السياق، يطالب الخلف بتخصيص نسبة من عائدات الثروات الباطنية والقمح لإعادة بناء وتنمية المنطقة بشكل مباشر، بدلاً من صرف هذه العائدات بالكامل في المركز، “فمن غير المعقول أن المنطقة الشرقية التي تنتج جزءاً كبيراً من ثروات البلاد تظلّ محرومة من الصناعات الثقيلة، وأن تُؤسس جامعاتها متأخراً (كما في دير الزور عام 2006) مع غياب أغلب الكليات في محافظاتها الأخرى”.

ويضيف الخلف “أن موارد المنطقة السياحية والتراثية قد أُهملت تماماً، مثل نهر الفرات وبحيرة سد الفرات التي لم تُستثمر سياحياً، وكان ممنوعاً على أبناء الفرات إقامة أي مشاريع عليها، رغم كونها مصدر حياة وثقافة وتاريخ للمنطقة”، ما يستدعي اليوم التفكير الفعلي باستثمارها وتنمية المنطقة من خلالها أيضاً.

لا شك أن استعادة السيادة على الحقول النفطية في الجزيرة السورية تمتلك بعداً اقتصادياً واستراتيجياً بالغ الأهمية لدعم الاقتصاد الوطني، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الثروة إلى رافعة تنموية شاملة للإنسان في سوريا، ونجاح هذه المرحلة سيقاس بمدى قدرة الخطط التنموية على ذلك، وهذا التركيز على التنمية المحلية من عائدات الإنتاج بحسب الخلف “يضمن أن تصبح الثروات أداة حقيقية لتقوية المجتمع والاقتصاد المحلي، وهو ما سيمنح أهل الجزيرة الشرعية والكرامة التي طالما تمّ تجاهلها”.

وهكذا، فالتحرير الجغرافي سيبقى ناقصاً ما لم يكتمل بتحرير الإنسان وكرامته، مع تحول الثروات إلى جسر لتنمية حقيقية تجعل من أبناء البلد شركاء حقيقيين في بناء مستقبلهم، فالمعادلة البسيطة والعميقة تتلخص بأن الأرض تُبنى بيد أبنائها، والثروات لا قيمة لها إلا عندما تصون كرامة من ينتجونها ويعيشون فوقها.

الثورة السورية

——————————–

المرأة والاقتصاد السوري: عمود اقتصادي أم بديل إجباري؟/ مازن الشاهين

هل أصبحت المرأة السورية لاعباً اقتصادياً حقيقياً، أم مجرد صمّام أمان اجتماعي في اقتصاد مأزوم؟

2026-01-20

في سوريا، مع هجرة ملايين الشباب وانخراط آخرين في العمل العسكري، وتحت وطأة سنوات الحرب الطويلة والتغيرات الاجتماعية العميقة، لعبت المرأة دوراً اقتصادياً يزداد أهمية في بنية المجتمع والاقتصاد الوطني، فقد أجبرت التحولات في سوق العمل التقليدي، وارتفاع معدلات البطالة ونقص القوة الشرائية، آلاف النساء على الدخول في سوق العمل بطرق غير مسبوقة، لكن مع تحديات اجتماعية وقانونية كبيرة، ومع ذلك لا تظهر هذه المشاركة في المؤشرات الرسمية، ولا تنعكس حمايةً قانونية، ولا تُترجم نفوذاً في صنع القرار الاقتصادي، وليس من المبالغة القول إن المرأة السورية أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أعمدة الاقتصاد الفعلي في البلاد، لكن السؤال الذي نادراً ما يُطرح بجرأة هو: هل جاء هذا الدور نتيجة تمكين حقيقي، أم كاستجابة اضطرارية لانهيار اقتصادي طويل الأمد؟

اقتصاد يتغير والنساء في قلب التحوّل

لم تعد مشاركة المرأة السورية في الاقتصاد مسألة تمكين أو خيار اجتماعي، بل تحوّلت خلال سنوات الحرب وما بعدها إلى شرط للبقاء، ففي بلد أنهكته الحرب، ودمّرت فيه البنية الإنتاجية، وغابت فيه فرص العمل المستقرة، وجدت آلاف النساء أنفسهن فجأة في موقع المعيل الأول أو الوحيد للأسرة.

هذا التحول كما تقول الباحثة الاقتصادية مريم القادري في تصريحات لـ”963+”، لم يكن نتيجة سياسات اقتصادية واعية، ولا ثمرة خطط تمكين ممنهجة، بل جاء كاستجابة قاسية لواقع اقتصادي متدهور، ومع ذلك، ظلّ دور المرأة في الاقتصاد السوري غير مرئي إلى حد كبير، محصوراً في قطاعات غير رسمية، وأعمال منخفضة الأجر، وبيئات عمل تفتقر إلى الحماية، فالمرأة السورية دخلت سوقاً “محطمة” تفتقر للضمانات الاجتماعية، مما جعل دورها الاقتصادي بمثابة “إسفنجة” لامتصاص صدمات التضخم التي تجاوزت 100% سنوياً.

قبل عام 2011، كانت مشاركة المرأة السورية في سوق العمل محدودة لكنها مستقرة نسبياً، ومتركزة في قطاعات التعليم والصحة والوظائف الحكومية، ولم تكن النسبة مرتفعة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت محمية قانونياً وتمنح النساء حداً أدنى من الأمان الوظيفي.

وتتابع القادري: “الحرب غيّرت كل شيء، مع فقدان مئات آلاف الرجال لوظائفهم، أو غيابهم القسري، أو هجرتهم، انتقلت مسؤولية الإعالة إلى النساء، ولم يكن الانتقال تدريجياً، بل قفزة قسرية من الهامش إلى الواجهة، دون استعداد أو حماية، فدخلت النساء سوق العمل بأشكال جديدة، مثل/أعمال منزلية مدفوعة الأجر، خياطة وتصنيع غذائي، زراعة موسمية، بيع مباشر وخدمات صغيرة، مشاريع فردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي/ لكن هذه المشاركة، رغم اتساعها، بقيت خارج الاقتصاد الرسمي، فالنساء غائبات عن العقود ولكنهن حاضرات في العمل، وريادة الأعمال النسوية، هي حلول صغيرة لأزمات كبيرة”.

وتشير القادري إلى أنه رغم كل هذا النشاط، تظهر المفارقة الصادمة في الأرقام، نحو واحدة من كل ثلاث أسر سورية اليوم تعيلها امرأة، وفق تقرير للأمم المتحدة (2025) حيث أن مشاركة النساء في سوق العمل الرسمي لا تتجاوز 13–15%، وأكثر من 70% من النساء العاملات يعملن دون عقود، وثلث الأسر تقريباً تعيلها امرأة، إضافة إلى أن فجوة الأجور بين النساء والرجال تصل إلى 30%، والمعنى الاقتصادي لهذه الأرقام، أن المرأة تعمل أكثر، لكن بأجر أقل، وتنتج، لكنها لا تُرى في المؤشرات الرسمية، فالاقتصاد السوري اليوم يعتمد بدرجة كبيرة على الاقتصاد غير الرسمي، وهذا هو المجال الذي تستوعب فيه النساء بأكبر نسبة، في الأحياء الشعبية، والقرى، والمخيمات، تعمل النساء في مطابخ منزلية، ورش صغيرة، حقول زراعية، محال بيع بالتجزئة، خدمات منزلية، وهذا الاقتصاد يوفر دخلاً سريعاً، لكنه غير مستقر وبلا تأمين وبلا حماية قانونية وقابل للاستغلال، وهنا تتحول مشاركة المرأة من قصة تمكين إلى قصة هشاشة.

وتختم القادري بالقول: يظل دور المرأة في الاقتصاد السوري قضية معقدة تواجهها عوائق تاريخية واجتماعية هيكلية، لكنه تحول اقتصادي حقيقي فرضته الظروف، ولدّ فرصًا وتحديات في آنٍ واحد، فالمرأة ساهمت في إنقاذ الاقتصاد السوري من الانهيار الكامل، لكن من ينقذها الآن من اقتصاد بلا أمان.

المرأة السورية: هل أنقذت الاقتصاد أم أن الاقتصاد استنزفها؟

في شوارع وأحياء وأسواق سوريا لم يعد مشهد المرأة العاملة مجرد صورة لتمكين اجتماعي؛ بل تحول إلى ضرورة حسابية لبقاء الأسر على قيد الحياة، وتشير التقديرات غير الرسمية إلى أن نسبة النساء المعيلات للأسر في سوريا قفزت من 4.4% قبل عام 2011 إلى أكثر من 22% في السنوات الأخيرة، ولكن خلف هذه الأرقام، يختبئ سؤال جوهري: هل نحن أمام نهضة اقتصادية نسوية، أم استنزاف قسري للموارد البشرية الأنثوية؟

رغم الإشادة المتكررة بـ”صمود المرأة السورية” ودورها في إعالة الأسر، إلا أن الباحثة الاجتماعية سهام مروان في تصريحات لـ”963+” وجواباً على سؤال هل أصبحت المرأة السورية لاعباً اقتصادياً حقيقياً، أم مجرد صمّام أمان اجتماعي في اقتصاد مأزوم؟

وتؤكد أنه لا تزال بعض المجتمعات تنظر لعمل المرأة كحل مؤقت، لا كمسار مهني طويل الأمد، والاقتصاد اليوم يعتمد بشكل متزايد على عمل غير منظم وأجور منخفضة وغياب الحماية الاجتماعية، وهي بيئة تُدفَع إليها النساء أكثر من غيرهن، ليس تمكيناً، بل لأنهن الأكثر استعداداً للقبول بشروط قاسية حفاظاً على الأسرة، وبهذا المعنى، لا يمكن فصل “تزايد عمل النساء” عن كونه آلية امتصاص اجتماعي لأزمة اقتصادية عميقة، لا إنجازاً اقتصادياً حقيقياً، حيث تُموَّل عشرات المشاريع تحت عناوين “التمكين الاقتصادي للمرأة”، لكن على الأرض: لا عقود، لا ضمان اجتماعي، لا حد أدنى للأجور، لا حماية من الفصل أو الاستغلال، وما يُنتَج فعلياً هو قوة عمل رخيصة باسم التمكين، والمؤسف هنا أن الخطاب التنموي نفسه أصبح أحياناً غطاءً لتطبيع العمل الهش بدل معالجته.

وتؤكد مروان أنه رغم الحديث عن تعافٍ اقتصادي وإصلاحات، إلا أنه لا توجد سياسة واضحة لعمل المرأة، ولا برامج حماية مخصصة، ولا بيانات شفافة محدثة، وكأن قضية عمل النساء مسألة اجتماعية أو ملف إغاثي، وليس كقضية اقتصادية مركزية، وهذا الفراغ تملؤه حالياً ، السوق، والأعراف، والمنظمات، وكلها أطراف لا تضع العدالة الاقتصادية كأولوية، فعندما تعمل المرأة بدخل منخفض وبلا حماية وبلا استقرار، فهي لا تخرج من دائرة الفقر بل تديرها، والنتيجة هي أطفال يعملون مبكراً، وتعليم متقطع، وانتقال الفقر بين الأجيال، وبالتالي، فإن غياب سياسات جادة لعمل النساء لا يضر النساء فقط، بل يعيد إنتاج الفقر كمنظومة اقتصادية كاملة.

وتختم الباحثة الاجتماعية بالقول: إلى جانب العمل المأجور، تقوم النساء بكتلة ضخمة من العمل غير المدفوع من رعاية الأطفال والمرضى وكبار السن وإدارة الأسرة، وهذا الجهد لا يُحتسب في الناتج المحلي، ولا يظهر في الحسابات الاقتصادية، لكنه لولا وجوده لانفجر النظام الاجتماعي.

كيف أصبحت المرأة السورية عصب الاقتصاد المنهك؟

تقول فدوى، 42 عاماً، من ريف دمشق لـ”963+”: “لم أكن أتصور أنني سأصبح المعيل الوحيد لعائلتي، فالعمل لم يكن خياراً بل ضرورة، بعد إصابة زوجي فتحت مشروعاً صغيراً لصناعة المربيات المنزلية، وأحياناً نتعرض للاستغلال، هناك قبول من المجتمع المحلي، لكن اقتصادياً ما زال الطريق طويلاً، وأنا لا أبحث عن تمكين، بل أبحث عن قوت أطفالي فقط”.

أما سميرة الجمعة 36 عاماً، من حمص وهي مثال على آلاف النساء اللواتي تحوّلن إلى مصدر الدخل الأساسي لأسرهن. فتقول لـ”963+”: لم أكن أفكر بالعمل من قبل، اليوم أعمل 10 ساعات يومياً، ولا يكفي الدخل، لكن لا خيار آخر، عندما اختفى زوجي في الحرب، لم يكن أمامي سوى العمل في الخياطة وبيع المنتجات في السوق المحلي، الأجر لا يكفي كل شيء، لكنني أساعد أولادي على البقاء.

في المقابل، تبرز قصص مختلفة مثل هيفاء، 28 عاماً، التي تدير متجراً إلكترونياً على “فيسبوك ماركت”: لعبت المشاريع الصغيرة والاعتماد على التكنولوجيا المحلية دوراً في فتح مسارات اقتصادية بديلة للنساء في الأعمال المنزلية وريادة الأعمال الصغيرة، فقد تعلمت التسويق الرقمي خلال دورة تدريبية، والإنترنت فتح لنا باباً جديداً، لكنه ما زال هشًّا دون دعم وتشريعات تحمي مشاريعنا الصغيرة.

وتؤكد هبة مسالمة الناشطة في مجال حقوق المرأة لـ”963+” أن هذا الدور “الاضطراري” خلق واقعاً لا يمكن العودة عنه، حتى لو كان الدافع هو الحاجة، فإن امتلاك المرأة لمواردها المالية لأول مرة غيّر موازين القوى داخل الأسرة السورية، ومنحها صوتاً لم يكن مسموعاً، ورغم أن معظم النساء يتفقن على مصطلح “العبء المزدوج”، إلا أنها أصبحت “العمود الفقري” للاقتصاد المنزلي (توفير الدخل) وفي الوقت نفسه “مديرة الأزمة” (تدبير الغذاء والخدمات في ظل انقطاع الكهرباء والمياه)، مما أدى إلى احتراق وظيفي ونفسي هائل، ولم يعد تلك الثقافة المجتمعية التي تتقبل عمل المرأة كـ “مساعدة” في الأزمات، لكنها قد ترفضه كـ “قائدة” اقتصادية في الرخاء، فالمرأة السورية هي اليوم “الضامن الفعلي” للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي ولكن، لكي لا يظل هذا الدور مجرد استجابة للأزمة، يجب الانتقال من “اقتصاد البقاء” إلى “اقتصاد التنمية”، وإن استمرار التعامل مع جهد المرأة كـ “بديل طارئ” لغياب الرجل هو تضليل اقتصادي سيؤدي إلى انهيار هذا العمود بمجرد زوال الضغوط الحالية.

إعادة الإعمار: فرصة أم إعادة إنتاج للإقصاء؟

مع الحديث المتزايد عن إعادة الإعمار، يبرز سؤال حاسم: هل ستكون المرأة شريكة في هذا الاقتصاد الجديد، أم مجرد مستفيدة هامشية؟

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد في تصريحات لـ”963+” المفارقة الصارخة أن النساء، رغم وجودهن في قلب النشاط الاقتصادي اليومي، يكاد يغِبن عن غرف التجارة واتحادات الأعمال ودوائر صنع القرار الاقتصادي، حيث يُدار الاقتصاد بعقلية تقليدية، بينما تتحمل النساء نتائج القرارات دون أن يكنّ شريكات في صياغتها، وإعادة الإعمار التي تُقصي النساء عن العقود، والتمويل، والتخطيط، لن تنتج اقتصاداً أكثر عدالة، بل ستعيد بناء نفس الاختلالات القديمة بحجر جديد.

الواقع أن الاقتصاد السوري الحالي يعتمد بشكل كبير على العمل غير المنظم، وهذا المجال هو البيئة الأكثر استيعاباً للنساء (عمل بلا عقود، بلا تأمين، وبأجور منخفضة) قد يبدو هذا “صموداً” في الخطاب العام، لكنه في جوهره نقلٌ لتكلفة الأزمة إلى الفئات الأضعف، وحين يُشاد بـ”صبر المرأة السورية”، يجب أن نسأل: هل نُشيد بالقوة؟ أم نبرر غياب السياسات؟

فتمجيد الصمود دون إصلاح اقتصادي حقيقي، بحسب مراد، يحوّل المعاناة إلى فضيلة، ويُخفي فشل الإدارة خلف قصص فردية مؤثرة، والمرأة السورية تشارك في اقتصاد الضرورة لا اقتصاد الفرص، وهي لم تنقذ الاقتصاد، لكنها حملت عبء انهياره، وإذا استمرت مشاركتها على هذا النحو (بلا حماية، بلا صوت، بلا أفق) فإننا لا نبني اقتصاد تعافٍ، بل نؤجل أزمة أكبر، وحتى لو كانت البداية اضطرارية، فإن ما تحقق على الأرض يجب البناء عليه، فالنساء اليوم يملكن خبرة وتنوعًا في القطاعات الإنتاجية يفرض إدماجهن في عملية التعافي الاقتصادي ومشاريع إعادة الإعمار.

ويختم مراد بالقول: لم يعد السؤال ما إذا كانت المرأة جزءاً من الاقتصاد السوري، بل كيف تُدار هذه المشاركة: هل ستبقى في الظل، بلا حماية ولا أفق، أم تتحول إلى رافعة حقيقية للتعافي الاقتصادي؟ والجواب لا يرتبط بالمرأة وحدها، بل بإرادة سياسية واقتصادية ترى في تمكين النساء استثماراً وطنياً لا قضية اجتماعية هامشية.

+963

—————————

الثورة الرقمية القادمة في سوريا/ هادي النحلاوي

يناير 20, 2026

ما بين الأمل الذي عاد ليسكن قلوبنا بعد انقضاء المحنة وجلائها، والطموح لبناء دولة حديثة تليق بتضحيات الناس، وبين واقعٍ صعب تتداخل فيه التحديات الداخلية والخارجية، ينهض سؤالٌ بديهي: أيُّ اقتصادٍ يصلح ليكون رافعة النهوض اليوم على اعتبار أن الاقتصاد هو محرك عجلة التنمية ولا تنمية دون اقتصاد ناجح؟ وكيف نبني حاضرنا ونؤسس لمستقبلٍ يليق بنا؟

إذا أعدنا النظر إلى التاريخ قليلاً، رأينا أن لكل مرحلة سمة اقتصادية مهيمنة تتناغم مع تطوّر الإنسان؛ ففي العصور الوسطى غلب الطابع الزراعي الإقطاعي وإن لم يعمل الجميع بالزراعة، ثم جاءت الثورة الصناعية لتدفع عجلة الاقتصاد والتشريعات والأنظمة نحو المصنع والآلة مع بقاء القطاعات الأخرى؛ واليوم لا يعني الحديث عن الاقتصاد الرقمي أن يمتهن الناس جميعاً حرفة الذكاء الاصطناعي أو البرمجة، بل يعني أن التكنولوجيا باتت العمود الفقري للتشغيل والإنتاج والخدمات في كل القطاعات، وأن التكنولوجيا الرقمية لم تعد ترفاً بل شرطاً أساسياً لازدهار أي مجتمع.

وهنا يلوح مثالٌ مُلهِم من خارج قاموس الموارد التقليدية: سنغافورة التي كانت منذ استقلالها عام 1965 جزيرة صغيرة معزولة، وبفضل رؤيةٍ استراتيجية طموحة واستثمارٍ مُنظَّم في رأس المال البشري والبنى الرقمية، تحوّلت إلى مركز عالمي متقدّم في المؤشرات الاقتصادية والمعرفية، تجربةٌ تُثبت أن الانطلاق من الصفر ممكنٌ حين تتوافر الإرادة والتخطيط معاً.

ومن هذا المنطلق، فإن بناء اقتصادٍ يكاد يبدأ من تحت الركام في سوريا لا يمكن أن يكون خارج هذا السياق؛ فلا صناعة تنافسية بلا منظومات رقمية مؤتمتة وسلاسل توريد ذكية وتحليلات لقواعد المعطيات، ولا تجارة حديثة بلا تجربة عميل إلكترونية ومدفوعات رقمية وتسويق قائم على البيانات، ولا زراعة مستدامة قادرة على مواجهة تغيّر المناخ بلا استشعارٍ عن بُعد وخرائط زراعية رقمية واستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي للتنبؤ، والقائمة تطول وتطول.

الطريق ليس سهلاً ولكنه ليس مستحيلاً مع شعبٍ راكم خبراتٍ وكفاءاتٍ هاجرت وتعلّمت وابتكرت وقادت مشاريع في كبريات الشركات التقنية حول العالم، وهو رصيدٌ معرفي وقيمة رأسمالية يمكن أن تُقدَّر بملايين الدولارات لأي اقتصاد ناشئ إذا أُحسن توظيفها.

ومن جهة أخرى تحيط بنا أسواق طموحة في الخليج العربي تتعاظم حاجتها للمواهب والمنصات والخدمات الرقمية، وسوريا قادرة على أن تكون رافداً لهذا التيار إذا توافرت بيئةٌ ممكنة وحوافزٌ ذكية؛ فإذا أبدعت العقول السورية بلغاتٍ وثقافاتٍ بعيدة، فأَوْلى أن تبدع في بيئةٍ تشبهها ومع شركاءٍ قريبين.

ما نحتاجه اليوم خطواتٌ عملية رشيقة تُحوِّل الرؤية إلى مسارٍ مُنضبط: استراتيجية رقمية وطنية تُحدّد أولويات واضحة ومؤشرات مرجعية لقياس نجاح كل مرحلة، ومجلس استشاري رقمي مركزي مَبني على العقل الجمعي يرتبط بمجالس فرعية داخل الوزارات لدمج التقانة في كافة الميادين.

بالإضافة إلى ذلك، نحتاج إلى كيان مستقل أو وزارة للتخطيط الرقمي تعمل مع باقي الوزارات والمؤسسات على سنّ التشريعات والحوافز للشركات الناشئة، وتطوير أنظمة الدفع الفوري والمحافظ الإلكترونية، وإنشاء بيئات اختبار تنظيمية لتسريع الابتكار في التكنولوجيا المالية والصحة الرقمية والتعليم الإلكتروني، إلى جانب حاضنات ومسرّعات أعمال تُرافِق روّاد الأعمال وتموّل نماذج أولية وتسهّل الوصول إلى السوق، وبنى تحتية موثوقة من مراكز بيانات واتصال واسع النطاق مع معايير متقدمة.

ويتكامل ذلك مع منصات هوية رقمية وتوقيع إلكتروني وخدمات متكاملة تُقلّص الكلفة والوقت وتحدّ من الفساد، وبرامجٍ عملية لتنمية المهارات الرقمية من محو الأمية التقنية إلى مسارات البرمجة وتحليلات البيانات وإدارة المنتجات، وشراكاتٍ مع الجامعات لتحديث المناهج، ومبادراتٍ لربط الكفاءات في الداخل بالخارج عبر شبكاتٍ مهنية ومشاريع عن بُعد وآليات لعودة المواهب.. والأمثلة كثيرة والفرص مفتوحة بدون حدود.

أخيراً، لسنا بحاجة إلى اختراع العجلة كما يُقال، بل إلى صياغة هوية رقمية سورية تُلائم واقعنا وتستلهم الأفضل من تجارب ناجحة مع الحفاظ على خصوصيتنا وواقعنا، فتغدو الرقمنة نهجاً يومياً لا شعاراً، وعندها يُصبح السؤال الواقعي هو: هل نُبقي هذا الحلم مؤجّلاً تحت وطأة المشاكل وتراكم المعوقات، أم ننفض عنا الغبار ونبني نموذجاً اقتصادياً رقمياً يعتمد على قوانا الذاتية ويُطلق ثورةً رقمية جديدة تُكمل ما بدأناه، وتفتح أبواب الغد بثقة وواقعية وأمل؟!

الثورة السورية

———————————

 التداول المزدوج في دمشق: العملة السورية الجديدة حاضرة والقديمة ما تزال الأقوى

2026.01.20

تشهد أسواق دمشق الرئيسية تداولاً متزامناً للعملة السورية الجديدة إلى جانب العملة القديمة، في ظل مرحلة انتقالية يتعامل خلالها المواطنون والتجار مع فئتين نقديتين مختلفتين ضمن عمليات البيع والشراء اليومية.

وأفاد تجار في عدد من الأسواق بدمشق بأن استخدام العملة الجديدة بدأ بالازدياد تدريجياً، إلا أن العملة القديمة ما تزال الأكثر تداولاً، ولا سيما في المعاملات ذات القيم المرتفعة، مشيرين إلى أن التعامل بالعملتين في آن واحد يفرض تحديات إضافية تتعلق بحساب الأسعار وإعادة الباقي. وفقاً لما نقلته وكالة “سانا”.

وأوضح سامر مرادني، وهو صاحب محل أقمشة في سوق الحريقة، أن إقبال الزبائن على الدفع بالعملة الجديدة في تزايد، إلا أن العملة القديمة لا تزال مهيمنة في السوق، لافتاً إلى أن الجمع بين العملتين يتطلب دقة إضافية في العمليات الحسابية.

من جانبه، قال غسان زرلي، العامل في تجارة العطارة بسوق البزورية، إن قبول العملة الجديدة بات أمراً شائعاً، مع استمرار التعامل بالعملة القديمة، مضيفاً أن بعض الإرباك قد يحدث عند إعادة الباقي، ويتم تجاوزه عادةً بالاتفاق المسبق مع الزبائن على طريقة الدفع.

وفي سوق الحميدية، أشار خالد إسماعيل، صاحب محل أحذية، إلى أن العملة القديمة لا تزال الأكثر استخداماً، رغم دخول العملة الجديدة في التداول اليومي، موضحاً أن التعاملات مع الموردين والتجار الكبار تتم غالباً بالعملة القديمة، مع قبول متزايد للعملة الجديدة.

اقرأ أيضاً

حاكم المصرف المركزي يوضح مزايا الليرة السورية الجديدة رداً على تحذيرات متداولة بشأن تزويرها (رويترز)

حصرية عن العملة السورية الجديدة: مزايا أمنية متقدمة تصعّب تزويرها

تكيف تدريجي مع العملة الجديدة

وعلى صعيد المواطنين، عبّر عدد منهم عن تكيّف تدريجي مع استخدام العملة الجديدة، معتبرين أن الاعتياد على الفئات النقدية الجديدة يحتاج إلى وقت، وأشار بعض المتسوقين إلى أن استخدام العملتين معاً بات أمراً مألوفاً في الأسواق، مع تعاون التجار في تسهيل عمليات الدفع.

وكان حاكم مصرف سورية المركزي قد أصدر في نهاية العام الماضي القرار رقم /705/، المتعلق بالتعليمات التنفيذية لأحكام المرسوم رقم (293) لعام 2025 الخاص باستبدال العملة الوطنية، حيث حدّد القرار مدة الاستبدال بـ90 يوماً قابلة للتمديد، على أن يصدر قرار التمديد قبل ثلاثين يوماً من انتهاء المهلة المحددة.

———————————

=====================

تحديث 19 كانون الثاني 2026

———————————

 على إيقاع عسكري وسياسي صاخب.. سوريا تستعيد نفطها/ ناظم عيد

الاثنين 2026/01/19

بدأت سوريا رسمياً، رحلة تعافٍ نفطي عسيرة على إيقاع عسكري وسياسي سريع وصاخب. وترافق الإنجاز الميداني للجيش العربي السوري في اليومين الماضيين بحربه التحريرية ضد قوات “قسد”، مع إنجاز نوعي على صعيد استعادة حقول النفط والغاز إلى أحضان الدولة السورية، بعد سنوات من استيلاء ” قسد” عليها، وانتزاعها من سيادة سوريا خلال حقبة نظام بشار الأسد.

وبشّر وزير الطاقة السوري محمد البشير باستلام الدولة مرافق استراتيجية على خلفيّة تقدم الجيش العربي السوري غرب نهر الفرات، قبل أن يوقع الرئيس السوري أحمد الشرع اتفاق وقف إطلاق النار مع “قسد”.

وأكد مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول  (SPC) صفوان شيخ أحمد، أنه تمت استعادة حقول النفط والغاز في دير الزور، لافتاً إلى أن مجمع الثورة النفطي بات أيضاً تحت السيطرة الكاملة، عقب سيطرة الجيش السوري على منطقة دير حافر وريف الرقة الجنوبي الغربي.

‏وأوضح شيخ أحمد أن الشركة قامت منذ الساعات الأولى لانطلاق معارك التحرير بإحداث غرفة عمليات طارئة لمتابعة واقع الحقول النفطية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامتها واستمرارية العمل فيها، وفقاً لوكالة الأنباء السورية .

أما أبرز الحقول النفطية والغازية التي بسط الجيش العربي السوري سيطرته عليها في محافظة دير الزور، فهي حقل العمر الاستراتيجي، إضافة إلى حقل التنك، وحقول كونيكو، وحقل الجفرة، وحقل العزبة، وحقول طيانة، جيدو، مالح وأزرق.

وتجري حاليًا متابعة الأوضاع الميدانية، بانتظار استكمال بسط الأمن في هذه الحقول من قبل الجيش العربي السوري، تمهيدًا لمتابعة عمليات التشغيل والإنتاج من قبل الجهات المختصة وفق الأطر الفنية المعتمدة.

‏وفي السياق، كان قد تم صباح السبت الفائت إبلاغ الشركة السورية للبترول من قبل الجيش العربي السوري، باستلام حقلي الرصافة وصفيان، وجرى توجيه فرق حماية الحقول لتأمين المواقع، والتواصل مع الفنيين المختصين لمتابعة الجاهزية الفنية.

منظومة متكاملة

‏ووفقاً لـ”السورية للبترول” تُعد الحقول العائدة إلى عهدة الشركة من النقاط الاستراتيجية والحيوية في خارطة الطاقة السورية، إذ لا يُنظر إلى حقل الثورة كبئر منفصلة، بل كمركز ثقل إداري ولوجستي يربط مجموعة من الحقول المنتشرة في البادية السورية، من بينها حقل وادي عبيد الذي يُعد من الروافد الأساسية للمجمع، وحقل البشري الذي يشكل حلقة وصل مهمة بين ريف الرقة وريف دير الزور، إضافة إلى حقل صفيان الذي يمثل نقطة ربط محورية قريبة من الطريق الدولي.

‏وتلفت الشركة إلى أن العملية الإنتاجية في هذه الحقول لا تقتصر على الاستخراج، بل تمر بدورة لوجستية متكاملة، حيث يتم نقل النفط الخام إلى محطة العكيرشي لإجراء عمليات الفصل الأولي للمياه والأملاح والشوائب، ولا سيما في ظل تضرر بعض شبكات الأنابيب، ما يستدعي الاعتماد حالياً على صهاريج النقل.

يُشار إلى أن إنتاج الحقول المذكورة بلغ خلال كانون الأول 2024 نحو 2500 برميل يومياً. ومن المقرر أن تُضاف هذه الكمية إلى الإنتاج اليومي الحالي البالغ نحو 10 آلاف برميل.

كونيكو علامة فارقة

ونقف قليلاً عند حقل كونيكو الشهير، وهو حقل نفط وغاز في محافظة دير الزور، ويعرف محلياً باسم معمل غاز الطابية، لأنه يقع على رأس حقل غاز الطابية، وتُقدر قدرته الإنتاجية بحوالي 13 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً.

وترجع تسميته “كونيكو” للشركة التي جرى انشاؤها لبناء المحطة في عام 2000، وهي شركة Conoco Syrian DEZ Gas Ltd (كونيكو السورية المحدودة للغاز) أو اختصاراً CSDGL.

وأُطلق على الحقل اسم “مشروع كونيكو السورية المتكامل للغاز” بعد فوز شركة كونيكو السورية المحدودة للغاز بعقد البناء والتتشغيل والنقل من الشركة السورية للغاز المملوكة للدولة، والذي كانت مدته خمس سنوات، ويهدف إلى تسليم المصنع الجاهز والمشغل إلى شركة الغاز السورية، وهو ما جرى في 2005.

وسيطرت ما تسمى ” قوات سوريا الديمقراطية” على الحقل في أيلول 2017، ولا يزال تحت سيطرتها حتى تحريره أمس على يد قوات الجيش العربي السوري مع مجموعة أخرى من آبار النفط والغاز.

استعادة شريان اقتصادي

في تعليقه على الحدث بتطوراته المتعلقة بالبعد الطاقي، يرى الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي في شؤون الطاقة الدكتور زياد أيوب عربش، أن استعادة عدد من الحقول النفطية في منطقة دير الزور، تطوي 15 عاماً من خروج أهم مورد للاقتصاد السوري من سيطرة الدولة، والتي كانت تماثل بحجم أهميتها أثر العقوبات. فانقطاع الإمداد  الداخلي من الخام لمصفاتي حمص وبانياس، وتوقف التصدير بشكل كلي، كان يعني حرمان سورية من أهم مورد للقطع وحاجتها الماسة لاستيراد النفط والغاز والمشتقات.

ويلفت أستاذ اقتصاديات الطاقة  في تصريح لـ”المدن” ُإلى أن العديد من الآبار تعرّضت لاستخراجات جائرة، وبعضها “قُشِطَتْ” منها كميات كبيرة دون احترام قواعد الإنتاج، ما أفقدها الضغط الداخلي، ما يتطلب إعادة تقييم الاحتياطي القابل للإنتاج فنياً واقتصادياً. ثم تأتي إعادة هيكلة البنية التحتية للترحيل (بالصهاريج أو بالأنابيب الفرعية)، وفي المرحلة الثانية تبدأ عمليات التوسع واستقدام الشركات الدولية لزيادة كميات الاحتياطي القابل للاستخراج وبالتالي الإنتاج.

أهمية اقتصادية وسيادية

يُثمّن د. عربش استعادة مجمع الثورة النفطي وحقول دير الزور (كافة حقول المنطقة الشرقية)، ويؤكد أنها تمثل خطوة حاسمة لتعزيز سيادة الدولة ودعم الاقتصاد، خاصة مع إنتاجها السابق لثلث النفط السوري (حوالي 130 ألف برميل يومياً قبل الثورة)، وتشكل 70 في المئة من الاحتياطيات النفطية السورية (2.5 مليار برميل).

ويضيف: هذه الحقول ستساهم في تمويل التعافي الوطني وتخفيف الضغوط المعيشية عبر تحسين إنتاج الطاقة، ما يعزز السيطرة على الموارد الاستراتيجية، ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويحسن الميزان التجاري بنسبة ملحوظة، خاصة مع انخفاض الليرة بنسبة 98 في المئة مقارنة بعام 2011. اقتصادياً، ستدعم عائداتها إدارة قطاع الطاقة وتمويل إعادة الإعمار مع توزيع عادل، ما يسمح نظرياً بتخفيف الفقر والبطالة، إذا أحسنت إدارة العوائد المالية.

متطلبات ولوازم

على مستوى المتطلبات والتحديات لرفع الإنتاج، يرى عربش أنه يفترض رفع الإنتاج وصيانة البنية التحتية القديمة، وإجراء استثمارات فنية، وإعادة تأهيل الآبار. لكن نقص التكنولوجيا واللوجستيات المتضررة من الحرب، إضافة إلى تقييمات غير سليمة، من دون التركيز على حلول إصلاحية لزيادة الكفاءة تدريجياً، يعني عدم الاستفادة المثلى. لذلك، لابد من صياغة خطة محكمة تركز على أمثل الطرق للإنتاج، مع النظر في التأثير البالغ على الميزان التجاري، حيث ستقلل استعادة حقول الرقة ودير الزور فاتورة الاستيراد، وتحسن سعر الصرف، وتحفز القطاعات الزراعية والصناعية عبر توفير طاقة رخيصة، ما يعزز التصدير والنمو الاقتصادي.

وبما يخصّ انعكاس التطورات الجديدة على الحالة المعيشية للمواطن السوري، يرى عربش أن هذه الاستعادة ستساهم في تحسين الحالة المعيشية بعد تحسين إمدادات الكهرباء والوقود، وهذا ما يدعم الصناعة والنقل، ويؤدي لاحقاً إلى تخفيض التكاليف المعيشية للمواطنين مع انتعاش الإنتاج المحلي وزيادة الدخل الوطني

المدن

——————————————

الشركة السورية للبترول: استلمنا حقل العمر.. والمفاوضات جارية مع “شل” للتسوية المالية النهائية

19 يناير 2026

أعلن رئيس الشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، اليوم الإثنين، عن استعادة السيطرة الكاملة على حقل العمر النفطي في محافظة دير الزور، وذلك عقب الانسحاب الرسمي لشركة “شل” العالمية ونقل حصتها للجهات الحكومية السورية المشغلة.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده قبلاوي داخل حقل العمر، أكد فيه أن السيطرة على الحقل عادت للحكومة، مشيرًا إلى أن المفاوضات لا تزال جارية مع شركة “شل” لتسوية الشروط المالية التي تتيح للدولة تملك الحقل بشكل كامل.

وأوضح رئيس الشركة السورية للبترول أن حقل العمر، الذي يضم 900 بئر، شهد تراجعًا حادًا في إنتاجه من 50 ألف برميل يوميًا في السابق إلى حوالي 5 آلاف برميل حاليًا، مؤكدًا أن الحقل سيصبح ملكًا كاملًا للشركة السورية للبترول في فترة قصيرة، وأن هناك خطة شاملة لإعادة تأهيله ورفع إنتاجه بالاعتماد على الكوادر الوطنية من الفنيين والمهندسين السوريين.

وعلى صعيد الاستثمارات المستقبلية، كشف قبلاوي عن توجهات لشركات أميركية لدخول السوق السورية، حيث من المتوقع عودة شركة “كونوكو فيليبس” للاستثمار في حقول الغاز، فيما تستعد شركات أخرى مثل “شيفرون” للدخول للمرة الأولى، مع إشارته إلى وجود شركات أميركية جديدة ترغب بالاستثمار في حقول غاز محافظة الحسكة.

وشدد على أن إعادة التأهيل ستتم بأساليب تراعي المعايير البيئية، بعد أن وُصفت الطرق القديمة المستخدمة بالبدائية وغير الصحية للبيئة، مما يجعل من عملية إعادة التأهيل ضرورة فنية واقتصادية وبيئية.

ولفت إلى الدور الأساسي للشركة السورية للبترول كعمود فقري في عملية إعادة إعمار سوريا، وانعكاس ذلك إيجابًا على حياة المواطن، مشيرًا إلى دراسة مشاريع إعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية في دير الزور بالتنسيق مع المحافظة.

وأكد قبلاوي أن قوات الجيش والأمن السوري دخلت لتأمين حقول النفط والغاز وحمايتها من أي محاولات تخريب أو سرقة، ضمانًا لاستقرار عمل القطاع في مرحلته الجديدة.

وتأتي هذا التصريحات مع بدء انتشار قوات الجيش في منطقة الجزيرة السورية (دير الزور وأجزاء من الحسكة)، وذلك في إطار تنفيذ الاتفاق المبرم بين الدولة و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بهدف تأمين المنطقة وبسط الاستقرار فيها.

———————————

 مصرف سوريا يفتتح فرعاً في مدينة الرقة ويوضح آلية استبدال الليرة

في خطوة تمهد لعودة الحياة الاقتصادية إلى المدينة وتعزز الاستقرار النقدي والمالي

الرياض – العربية

19 يناير ,2026

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي، عبدالقادر الحصرية، بدء الترتيبات لافتتاح فرع المصرف في مدينة الرقة، في خطوة تمهد لعودة الحياة الاقتصادية والمؤسساتية إلى المدينة، وتعزز الاستقرار النقدي والمالي فيها.

وقال الحصرية، اليوم الاثنين، إن الافتتاح سيكون مترافقاً مع البدء بعملية استبدال الليرة السورية في مدينة الرقة، بما يضمن تسهيل المعاملات المالية للمواطنين وتنظيم التداول النقدي ودعم النشاط التجاري والاقتصادي في المدينة.

وأشار إلى أنه سيتم العمل على تشجيع المصارف العاملة لإعادة افتتاح فروعها في المدينة، ما يشكل نقلة نوعية في الخدمات المصرفية، ويتيح للمواطنين وأصحاب الأعمال الوصول إلى خدمات الإيداع والسحب والتحويل والتمويل، ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية وتشجيع الاستثمار، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

منها “شيفرون”.. سوريا تستعد لاستقبال شركات النفط الأميركية

طاقة اقتصاد سوريا منها “شيفرون”.. سوريا تستعد لاستقبال شركات النفط الأميركية

وأكد حاكم مصرف سوريا أن هذه الخطوات تمثل رسالة ثقة بمستقبل مدينة الرقة، والتزام الدولة بإعادة بناء البنية التحتية المالية، وتوفير بيئة اقتصادية آمنة تخدم أبناء المدينة وتسهم في تحسين واقعهم المعيشي.

وكان وزير المالية السوري محمد يسر برنية قد ناقش مع مدير مالية الرقة أحمد حاج إسماعيل، يوم السبت الماضي، إجراءات التحضير والاستعداد لإعادة افتتاح مكاتب مديرية مالية الرقة، وتأمين الاحتياجات المؤسساتية وتوفير الأنظمة والكوادر اللازمة لانطلاق عمل المديرية.

———————————

تسعيرة جديدة للمحروقات بعد استعادة حقول النفط في سورية/ نور ملحم

19 يناير 2026

أصدرت الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية (SPC)، اليوم الاثنين، نشرة جديدة لأسعار المحروقات، حدّدت فيها أسعار المشتقات النفطية والغاز وفق سعر صرف معتمد بلغ 115.75 ليرة سورية للدولار الواحد، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن تحركات ميدانية لتقييم واقع الحقول النفطية والغازية في شرق البلاد. وبحسب النشرة، بلغ سعر ليتر المازوت أول 0.75 دولار، أي ما يعادل 86.8125 ليرة سورية، فيما حُدّد سعر ليتر بنزين أوكتان 90 عند 0.85 دولار، أي 98.3875 ليرة، وسعر بنزين أوكتان 95 عند 0.91 دولار، بما يعادل 105.3325 ليرات سورية.

كما حدّدت الشركة سعر أسطوانة الغاز المنزلي بـ10.50 دولارات، أي ما يعادل 1215.375 ليرة سورية، في حين بلغ سعر أسطوانة الغاز الصناعي 16.80 دولاراً، أي نحو 1944.6 ليرة سورية. وتعكس النشرة الجديدة تخفيضاً نسبته نحو 4.2 – 4.4% في أسعار المشتقات النفطية والغاز مقارنة بالتسعيرة السابقة، وذلك نتيجة تراجع سعر الصرف المعتمد من 121 ليرة سورية للدولار إلى 115.75 ليرة.

ويُتوقع أن ينعكس هذا التخفيض بشكل محدود على كلف النقل والأنشطة الإنتاجية، في وقت لا تزال فيه الأسواق المحلية تواجه ضغوطاً ناتجة عن ارتفاع كلف الطاقة، واستمرار الاعتماد على الاستيراد لتغطية جزء من الاحتياجات. ويتزامن الإعلان عن الأسعار مع تأكيد مسؤولين حكوميين أن فريقين تابعين لوزارة الطاقة موجودان على الأرض لتقييم حالة عدد من الحقول النفطية الرئيسية، إضافة إلى حقل “كونيكو” للغاز في ريف دير الزور، في خطوة قالت الوزارة إنها تمهيد لوضع تصور شامل لواقع قطاع الطاقة في المنطقة، رغم عدم توافر نتائج فورية حتى الآن.

وفي تصريحات سابقة، شدد وزير الطاقة السوري، محمد البشير، على أن تسلّم الدولة لحقول النفط والغاز في المناطق الشرقية يمثل خطوة أساسية لإعادة هذه الموارد إلى الإطار المؤسسي والاقتصادي للدولة. واعتبر أن عودة الحقول إلى إدارة الحكومة تتيح ضبط الإنتاج وتوجيهه لتلبية حاجات السوق المحلية، وتخفيف فاتورة الاستيراد، إلى جانب توفير مورد مالي مهم للخزينة العامة. وأشار الوزير إلى أن المرحلة المقبلة ستتركز على التقييم الفني وإعادة التأهيل التدريجي، تمهيداً لإعادة تشغيل الحقول وفق خطط تراعي الواقع التقني والاستثماري الحالي.

من جهته، أوضح مسؤول حكومي بحسب بيان صادر عن وزارة الطاقة، أن الحكومة السورية تعتزم، عقب استكمال التقييمات الفنية، البدء بوضع خطط لتطوير الحقول النفطية والغازية بالتنسيق مع الشركات التي تمتلك حقوقاً فيها، بما في ذلك شركات كانت قد أعلنت حالة القوة القاهرة مع اندلاع النزاع في سورية عام 2011، وتوقفت عن العمل بسبب الظروف الأمنية والعقوبات. وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه السوق المحلية من ارتفاع كلف الطاقة، وما يترتب عليها من انعكاسات مباشرة على أسعار النقل والإنتاج والسلع الأساسية، وسط ترقّب لأي خطوات عملية قد تسهم في زيادة المعروض المحلي من المشتقات النفطية والغاز، أو في تخفيف الاعتماد على الاستيراد.

العربي الجديد

——————————–

=====================

تحديث 18 كانون الثاني 2026

———————————

بعد سيطرة الجيش على مكامن رئيسية.. تعرف إلى حقول النفط في سوريا/ محمود يوسف

بسط الجيش السوري سيطرته على حقول نفط العُمَر والتَنَك والجفرة والعزبة فضلا عن حقل كونيكو للغاز، في حين قالت شركة النفط السورية إنها تسلمت حقلي الرصافة وصفيان بعد أن استعادهما من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وذلك لإعادة وضعهما للخدمة.

من جهته، قال وزير النفط السوري محمد البشير إن مؤسسات الدولة باشرت تسلم المرافق الحيوية كحقول النفط ومحطات الضخ لضمان استمرارية العمل.

وأكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أن عودة موارد الدولة إلى الإطار المؤسسي تشكل مدخلا ضروريا لاستعادة التوازن النقدي وتعزيز فعالية أدوات الإدارة المالية.

وتسعى الحكومة السورية إلى زيادة إنتاج النفط لتصل إلى 100 ألف برميل يوميا ارتفاعا من 30 ألف برميل في 2023.

وتقدر الاحتياطيات النفطية المؤكدة لسوريا بنحو 2.5 مليار برميل ما يضعها في المركز 32 عالميا بين أكبر الدول في احتياطيات النفط.

وفي قطاع الغاز تتوقع الحكومة السورية زيادة إنتاج الغاز إلى 15 مليون متر مكعب في 2026.

خطط سوريا لقطاع النفط والغاز

وقال الخبير في شؤون النفط مصطفى السيد في حديث مع الجزيرة إن استعادة الحقول النفطية الأكبر في سوريا أعادت المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي للاقتصاد السوري، مشيرا إلى أنه تصدر الصادرات السورية إلى الخارج رغم أن كثيرا من هذا النفط كان يُهدر أو تتم سرقته.

وأشار السيد إلى أن وزارة النفط السورية أعدت خطة لصيانة الحقول، وأوضح أن الوزارة وقعت اتفاقات متعددة في مجال الطاقة مع أطراف في قطر والسعودية والإمارات ومصر، في حين تحاول شركة النفط السورية استعادة كوادرها من ذوي الخبرة من الخارج.

وحول خطط بناء معامل للبتروكيماويات قال، السيد إن ثمة خطة لبناء معمل قرب دير الزور بالإضافة إلى مصفاة نفط وكانت خطتها جاهزة عام 2010، كما أن ثمة خطة لإقامة منشأة شرق حمص، وفق ما أكده مصدر عسكري، في تصريح للجزيرة.

تحدي زيادة الإنتاج

قال الخبير في شؤون النفط، عامر الشوبكي إن سهل الجزيرة هو خزان النفط والغاز لسوريا، وإن سيطرة الدولة على حقول النفط ستمثل ضغطا ماليا على قوات سوريا الديمقراطية بعد أن كان هذا الضغط على الدولة السورية.

إعلان

وأضاف في حديث للجزيرة أن السيطرة على معمل كونوكو للغاز تعني مزيدا من توليد الكهرباء، موضحا أن السيطرة على حقل العمر حرم قوات سوريا الديمقراطية من مورد مالي بالنظر إلى إنتاجه 80 ألف برميل يوميا تقريبا، فضلا عن أنه انتقل إلى الحكومة السورية.

ولم تفصح “قسد” عن إنتاج الحقل عندما كان تحت سيطرتها، لكن غلوبال إنيرجي مونيتور أشارت إلى أن إنتاجه تهاوى إلى 20 ألف برميل يوميا، بعد أن كان 80 ألفا قبل 2011.

وحسب الشوبكي فإن التحدي الأكبر أمام الدولة بعد السيطرة على مكامن النفط والغاز يتمثل في زيادة إنتاج الحقول لا سيما بعد رفع العقوبات على سوريا ما قد يساعد على جذب استثمارات قد تضاعف إنتاج هذه الحقول وبالتالي تحقيق إيرادات أكبر.

وتوقع الشوبكي أن يتضاعف إنتاج سوريا من النفط مع دخول شركات نفطية متخصصة باستثماراتها في الاقتصاد السوري مرجحا أن تلبي سوريا احتياجاتها من منتجات الطاقة وأن تصدر الفائض إلى الخارج.

حقول النفط السورية

وفي هذا التقرير تستعرض الجزيرة نت معلومات عن الحقول التي تم استرجاعها وحقول أخرى سورية:

     أهم الحقول التي تم استرجاعها:

1- حقل العمر – دير الزور

يُعد أكبر حقل نفطي في سوريا من حيث الطاقة الإنتاجية قبل 2011، وبلغ إنتاجه 80 ألف برميل يوميا وشكّل العمود الفقري لصادرات النفط السورية، لكنه ينتج الآن 20 ألف برميل يوميا، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور.

2- حقل التنك – دير الزور

حقل رئيسي في حوض الفرات النفطي شرق دير الزور، كان ينتج 40 ألف برميل يوميا عام 2011 واليوم ينتج ألف برميل، ويُصنَّف ضمن الحقول متوسطة الحجم ذات النفط الخفيف نسبيا.

3- حقل كونيكو للغاز

حقل غاز كان ينتج 13 مليون متر مكعب يوميا في 2011 واليوم هو متوقف.

4- حقل الجفرة

حقل صغير إلى متوسط الحجم في محيط مدينة دير الزور، أُدرج ضمن أصول الشركة السورية للنفط قبل 2011.

    حقول أخرى سورية

1- حقل الورد – دير الزور

خلال مرحلة ما قبل الحرب، أي قبل عام 2011، كان حجم إنتاج الحقل النفطي يبلغ نحو 50 ألف برميل يوميًا، إلّا أن الرقم المُعلن بشأن آخر إنتاج للحقل كان نحو 5 آلاف برميل يوميًا، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور.

2- حقل التيم

يقع جنوب شرق مدينة دير الزور، كان ينتج 50 ألف برميل يوميا في 2011 واليوم ينتج 2500 برميل يوميا، وهو من الحقول الداعمة للإنتاج المحلي وليس من الحقول الكبرى.

3- حقل السويدية – الحسكة

يقع حقل السويدية النفطي في مدينة السويدية الواقعة بمنطقة المالكية في محافظة الحسكة، وهو واحد من أهم وأقدم الحقول النفطية التي اكتُشِفَت في سوريا، وبلغ إنتاجه عام 2011 نحو 116 ألف برميل يوميا، لكن إنتاجه حاليا 7 آلاف برميل، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور.

كما توجد حقول نفط وغاز أخرى في سوريا منها ماهو تحت سيطرة الدولة مثل:

    حقل الشاعر: 3 ملايين متر مكعب يوميا من الغاز، و9 آلاف برميل يوميا في العام 2011 .

بالإضافة إلى حقل الجحار بمنطقة تدمر وسط سوريا.

 ومنها مايزال تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية مثل:

    رميلان:  كان ينتج 116 ألف برميل يوميا في عام 2011 ، وينتج حاليا 7 آلاف برميل يوميا.

بالإضافة إلى حقلي اليعربية (تل عدس سابقاً) والجبسة في الحسكة.

4:40

قطاع ضربته الحرب

كان قطاع النفط السوري إلى جانب قطاع الزراعة عصب اقتصاد البلاد، واستثمرت فيه شركات عالمية كبرى مثل شل وتوتال إنيرجيز.

لكن 14 عامًا من الحرب أضعفت قدرة سوريا على إنتاج وتكرير نفطها الخام، مع انسحاب الشركات العالمية، والعقوبات الغربية القاسية التي لا تزال سارية ستجعل استعادة البلاد لمجدها السابق أمرًا بالغ الصعوبة.

إعلان

وقبل اندلاع الحرب عام 2011، كانت سوريا تنتج ما بين 380 ألفًا و400 ألف برميل يوميًا من النفط الخام، وهو ما يكفي لتلبية استهلاكها المحلي وتزويد السوق الدولية بجزء من الإنتاج، كما أنتجت 316 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز الطبيعي، حسبما ذكرت وكالة ستاندرد آند بورز نقلا عن بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية لعام 2015.

وبلغت ذروة إنتاج سوريا من النفط في عام 1996 أكثر من 582 ألف برميل يوميا حسب معهد واشنطن، الذي أشار إلى أن قيمة الخسائر بقطاعي النفط والغاز السوريين بلغت حوالي 115.2 مليار دولار.

وتضررت حقول النفط والغاز والبنية التحتية السورية بشدة وأُهملت، وبلغ إنتاج النفط الحالي 100ألف برميل يوميًا، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور.

وأدى انخفاض الإنتاج إلى اعتماد سوريا بشكل كبير على الإمدادات من إيران، التي كانت تدعم بشار الأسد، قبل أن يتغير الوضع بسقوط نظامه.

أما إنتاج الغاز الطبيعي فبلغ 30 مليون متر مكعب قبل 2011 واليوم يبلغ 10 ملايين متر مكعب.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

———————————

السوريون يأملون تحسّن معيشتهم بعد سيطرة الحكومة على نفط “قسد”/ هاديا المنصور

18 يناير 2026

أعرب عدد من أهالي المناطق التي عادت إلى كنف الدولة السورية بعد طرد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منها، عن آمالهم بأن تنعكس هذه التطورات إيجاباً على حياتهم اليومية التي أنهكتها سنوات الفوضى والحروب. ويأتي ذلك، في وقت أعلن فيه مسؤولون بالحكومة السورية عن أهمية توحيد موارد سورية، على خلفية استرداد حقول نفط وغاز ومؤسسات الدولة بعدد من المناطق التي كانت تسيطر عليها “قسد”.

وفي السياق، قال حاكم مصرف سورية المركزي، عبد القادر حصرية، إن عودة موارد الجغرافية السورية كاملة إلى كنف الدولة لا تمثل مسألة إيرادات مالية فحسب، بل تشكل محطة مفصلية في مسار إعادة بناء السيادة المالية والنقدية للدولة السورية، وعاملاً أساسياً لطمأنة المجتمع الدولي بأن هذه الموارد ستدار وتنفق بشفافية ضمن خطط حكومية واضحة تهدف إلى تلبية احتياجات الشعب السوري وتحسين واقعه الاقتصادي.

وأشار الحصرية، في منشور له على صفحته الرسمية في “فيسبوك” اليوم الأحد، إلى إن عودة هذه الموارد ستمكن مصرف سورية المركزي من استعادة دوره الطبيعي بوصفه العميل المالي للحكومة، حيث ستدار جميع احتياجات القطاع الإداري للدولة من اعتمادات واستيراد وتمويل حصراً عبر المصرف المركزي. وأوضح أن هذه الخطوة ستضع حداً لحالة التشتت واللجوء إلى بدائل غير رسمية سادت خلال السنوات الماضية، والتي أسهمت في إضعاف المنظومة المالية، وفتحت المجال واسعاً أمام الفساد والإفساد، وأدت إلى تراجع الثقة بالقطاع المالي السوري.

توحيد إدارة الموارد

وأشار الحصرية إلى أن توحيد إدارة الموارد والقنوات المالية سيمنح المصرف القدرة على تمويل احتياجات الاستيراد للبلاد بشكل منظم ومؤسسي، وتوحيد قنوات الدفع والتسويات المالية، إضافة إلى استعادة أدواته الأساسية في إدارة السياسة النقدية وسوق القطع الأجنبي، بما ينعكس إيجاباً على الاستقرار النقدي وسعر الصرف.

وبيّن الحصرية أنه للمرة الأولى منذ سبعين عاماً سيكون مصرف سورية المركزي قادراً على أداء دوره الكامل كسلطة نقدية دون انتقاص، لافتاً إلى أن المصرف سيعمل بشفافية ووضوح مع المصارف المراسلة في الخارج، وسيقود التزام القطاع المالي السوري بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، الأمر الذي من شأنه إعادة بناء الثقة الخارجية بالقطاع المصرفي السوري وفتح آفاق أوسع للتعاون المالي والاقتصادي.

وأكد أن استعادة الدولة مواردها وحقوق الشعب السوري لا تعني فقط استعادة الثروة، بل تمثل استعادة لوظيفة الدولة المالية، ولمكانة المصرف المركزي ودوره، وللاقتصاد السوري بفرصته الحقيقية في التعافي المنظم والمستدام بعد سنوات من الضغوط والانقسامات. وفي السياق ذاته، ناقش وزير المالية، محمد يسر برنية، أمس السبت، مع مدير مالية الرقة أحمد حاج إسماعيل، إجراءات التحضير والاستعداد لإعادة افتتاح مكاتب مديرية مالية الرقة، بما يشمل تأمين الاحتياجات المؤسساتية وتوفير الأنظمة والكوادر اللازمة لانطلاق عمل المديرية، في خطوة تهدف إلى إعادة تفعيل المؤسسات المالية والخدمية في المحافظة.

وكان الجيش العربي السوري قد أعلن في وقت سابق سيطرته على مدينة الطبقة وسد الفرات وعدد من القرى والبلدات في ريف الرقة، إضافة إلى السيطرة على عدد من حقول النفط والغاز، بعد طرد مليشيات PKK الإرهابية من المنطقة، ما مهّد الطريق أمام عودة الموارد الحيوية إلى إدارة الدولة.

معيشة أهالي الرقة

ويترقب الشارع السوري، ولا سيما في المناطق التي عادت إلى كنف الدولة، أن تترجم التصريحات الرسمية والخطوات إلى تحسّن ملموس في الواقع المعيشي والخدمي، في ظل آمال بأن تشكل استعادة الموارد والمؤسسات المالية بداية مرحلة جديدة من الاستقرار الاقتصادي. وأعرب عدد من أهالي الرقة عن آمالهم بأن تنعكس هذه التطورات إيجاباً على حياتهم اليومية، وقال أحد سكان المدينة أحمد العبد، لـ”العربي الجديد”: “نأمل أن تؤدي عودة المؤسسات المالية للدولة إلى تحسّن الخدمات وضبط الأسعار، فسنوات الفوضى المالية أنهكت الناس وأفقدتهم الشعور بالأمان”.

أما الموظفة السابقة، منال زيان، فقالت لـ”العربي الجديد “، إن إعادة افتتاح مديرية المالية “قد تعيد الانتظام إلى الرواتب والمعاملات، وتخفف من الاعتماد على طرق غير رسمية كانت مكلفة ومحفوفة بالمخاطر”. من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي نادر حسن أن ما يجري يمثل “خطوة مفصلية على طريق إعادة توحيد السياسة المالية والنقدية في سورية”. وأوضح لـ”العربي الجديد”، أن “عودة الموارد السيادية، ولا سيما النفط والغاز والإيرادات المحلية، إلى إدارة الدولة عبر المصرف المركزي ستساهم في تعزيز القدرة على التخطيط المالي، وتخفيف العجز، وتحسين كفاءة الإنفاق العام”.

وأضاف حسن أن “الأثر الإيجابي الحقيقي سيظهر إذا ترافق ذلك مع شفافية عالية، وإصلاح إداري، وتفعيل الرقابة، بما يعيد ثقة المواطنين أولاً، والشركاء الخارجيين ثانياً، بالاقتصاد السوري وقدرته على التعافي”. يذكر أن مقاتلي “قسد” انسحبوا من مواقع الحقول النفطية في ريف دير الزور الشرقي، التي تضم حقول التنك والعمر وكوكينو، اليوم، بعد تقدم قوات محلية من أبناء عشائر المنطقة، في ظل استمرار العمليات العسكرية ضد “قسد” في كل من محافظتي دير الزور والرقة.

العربي الجديد

———————————

 وزير المالية: عودة الجزيرة السورية إلى سيادة الدولة تدعم الاستقرار الاقتصادي والمالي

سترفد الدولة بموارد مالية إضافية

أكد وزير المالية السوري محمد يسر برنية أن عودة الجزيرة السورية إلى سيادة الدولة ، تمثل خطوة بالغة الأهمية، ليس فقط على الصعيدين السياسي والاجتماعي، بل أيضاً على المستويين الاقتصادي والمالي.

وقال برنية في تصريح للوكالة العربية السورية للأنباء “سانا”: “لا يخفى على أحد حجم الأثر الإيجابي لعودة الجزيرة السورية إلى حضن الوطن وتوحيد الجغرافيا السورية، وانعكاس ذلك على الموارد المالية للدولة، وعلى الموازنة العامة والخطط التمويلية للمشاريع وإعادة الإعمار، إضافة إلى ما تحمله هذه الخطوة من فرح لكل السوريين”.

وأوضح برنية أنه لا يمكن التفكير في التنمية والمشاريع، وجزء من أرض سوريا يرضخ تحت عصابات راديكالية، وبالتالي فعودة الجزيرة إلى أهلها السوريين الذين يريدون أن يروا بلادهم موحدة ومستقرة، لها أهمية بالغة.

وأضاف الوزير برنية: “اليوم ومع التقدم بعودة الجزيرة السورية، نرسل رسالة بالغة الأهمية لكل المستثمرين في الداخل والخارج، بأن سوريا ستكون مستقرة وموحدة مؤكداً أن همّ الدولة هو المواطن السوري وتحسين معيشته، والمضي بخطوات متسارعة نحو التنمية الشاملة في كل المناطق والمحافظات.

وبيّن برنية أن وزارة المالية عملت في عام 2025 بحرص شديد على ضبط الإنفاق العام، وخاصةً الاستثماري منه، واتبعت إدارة رشيدة ومتحفظة للمال العام، الإنفاق فيها على حسب الموارد المتاحة، ورغم الحاجات الكبيرة حققت فائضاً بسيطاً في الموازنة يعتبر الأول منذ قرابة أربعة عقود.

وأشار إلى أن تلك الإدارة للمال العام كانت على حساب عدم القدرة على الإنفاق في مشاريع حيوية، والاعتماد على تشجيع الاستثمارات الخاصة والأجنبية، لعدم الرغبة في التوسع دون أن تكون هناك موارد كافية، ولكي لا تخلق أعباء تضخمية أو تراكماً بالدين العام.

موارد نفطية وغازية

وتابع :“اليوم ومع عودة الجزيرة السورية، وما تمتلكه من خيرات كالنفط والغاز والمياه والثروة الزراعية والحيوانية والسياحة وغيرها، سترفد الدولة بموارد مالية إضافية، ستساعد في توفير حيز مالي لا أقول مريحاً، لكن أقول سنخرج من ضغط ضعف الموارد”.

ولفت برنية إلى أن ذلك سيعزز القدرة على التوسع في الإنفاق الاستثماري في جوانب، سوريا بأمس الحاجة لها، منها البنية التحتية والخدمات الأساسية، والطاقة، والصحة، والتعليم، مبيناً أن توفر الموارد يتعين أن يترافق مع قدرة على حسن إدارة هذه الموارد وتعظيم الاستفادة منها، الأمر الذي يمثل التحدي الأكبر.

وأعلن الجيش العربي السوري في وقت سابق سيطرته على مدينة الطبقة وسد الفرات والعديد من القرى والبلدات بريف الرقة، وعلى عدد من حقول النفط والغاز بعد طرد ميليشيات PKK الإرهابية منها.

———————————

 استعادة حقول النفط في سوريا.. كيف تنعش الاقتصاد وتغيّر ميزان القوة المالي؟

الشركة السورية للبترول تسلمت حقول نفط وغاز جديدة بعد سيطرة الجيش

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي، عبدالقادر الحصرية، أن عودة موارد كامل الجغرافيا السورية إلى سيطرة الدولة، ليست مسألة إيرادات فقط، بل محطة مفصلية لإعادة بناء السيادة المالية والنقدية، وعامل طمأنينة للعالم بأن تلك الموارد تخصص وتنفق بشفافية ضمن خطط الدولة لتلبية احتياجات الشعب السوري.

وقالت الشركة السورية للبترول، اليوم الأحد، إن الجيش السوري سيطر على حقول النفط والغاز في دير الزور، وإن مجمع الثورة النفطي بات تحت السيطرة الكاملة، وذلك عقب سيطرة الجيش على منطقة دير حافر وريف الرقة الجنوبي الغربي.

وأضاف الحصرية، في بيان اليوم: “مع عودة هذه الموارد، سيستعيد مصرف سوريا المركزي دوره الطبيعي، باعتباره العميل المالي للحكومة، حيث ستُدار جميع احتياجات القطاع الإداري من اعتمادات واستيراد وتمويل حصراً عبره، ما ينهي حالة التشتت والبدائل غير الرسمية التي أضعفت المنظومة المالية خلال السنوات الماضية وفتحت أبواباً واسعة للفساد والإفساد، وأدت لفقدان الثقة بالقطاع المالي السوري”، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

وأشار إلى أن هذه الخطوة ستمكّن المصرف من تمويل احتياجات استيراد البلاد بشكل منظم ومؤسسي، وتوحيد قنوات الدفع والتسويات المالية، واستعادة أدواته في إدارة السياسة النقدية والقطع الأجنبي.

وقال الحصرية إنه وللمرة الأولى منذ 70 عاماً سيكون مصرف سوريا المركزي قادراً على أداء دوره الكامل كسلطة نقدية بدور كامل غير منقوص، حيث سيتعامل مع المصارف المراسلة بشفافية ووضوح، ويقود التزام القطاع المالي السوري بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ويعيد بناء الثقة الخارجية بالقطاع المصرفي السوري.

ولفت إلى أن استعادة الدولة لمواردها ولحقوق الشعب السوري ليست فقط استعادة للثروة، بل استعادة للدولة بوظيفتها المالية، وللمصرف المركزي بمكانته ودوره، وللاقتصاد السوري بفرصته في التعافي المنظم والمستدام.

وكان وزير المالية السوري محمد يسر برنية ناقش مع مدير مالية الرقة أحمد حاج إسماعيل، أمس السبت، إجراءات التحضير والاستعداد لإعادة افتتاح مكاتب مديرية مالية الرقة، وتأمين الاحتياجات المؤسساتية وتوفير الأنظمة والكوادر اللازمة لانطلاق عمل المديرية.

—————————–

 الحصرية: عودة الموارد إلى الدولة تعيد للمصرف المركزي دوره

الأحد 2026/01/18

أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أنّ عودة موارد كامل الجغرافية السورية إلى كنف الدولة، ليست مسألة إيرادات فقط، بل محطة مفصلية لإعادة بناء السيادة المالية والنقدية، وعامل طمأنينة للعالم بأنّ تلك الموارد تخصص وتنفق بشفافية ضمن خطط الدولة لتلبية احتياجات الشعب السوري.

وقال الحصرية في منشور على صفحته في فيسبوك اليوم الأحد، أنّه “مع عودة هذه الموارد، سيستعيد مصرف سوريا المركزي دوره الطبيعي، باعتباره العميل المالي للحكومة، حيث ستُدار جميع احتياجات القطاع الإداري من اعتمادات واستيراد وتمويل حصراً عبره، ما ينهي حالة التشتت والبدائل غير الرسمية التي أضعفت المنظومة المالية خلال السنوات الماضية وفتحت الأبواب واسعة للفساد والإفساد، وأدت لفقدان الثقة بالقطاع المالي السوري”. وأشار إلى أنّ هذه الخطوة “ستمكّن المصرف من تمويل احتياجات استيراد البلاد بشكل منظم ومؤسسي، وتوحيد قنوات الدفع والتسويات المالية، واستعادة أدواته في إدارة السياسة النقدية والقطع الأجنبي”.

ولفت النظر إلى أنّ مصرف سوريا المركزي “سيتعامل مع المصارف المراسلة بشفافية ووضوح، ويقود التزام القطاع المالي السوري بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ويعيد بناء الثقة الخارجية بالقطاع المصرفي السوري”.

—————————–

قسد تنسحب من حقل العمر النفطي.. خريطة الإنتاج وأبرز الحقول في سورية

18 يناير 2026

سيطرت قوات عشائرية بالتعاون مع الجيش السوري، اليوم الأحد، على حقل العمر النفطي، بعد انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). وأفادت وكالة الأناضول بأن قوات العشائر سيطرت أيضاً على حقل كونيكو للغاز الطبيعي شرق نهر الفرات. ويُعَدّ حقل العمر النفطي أكبر حقول النفط في سورية مساحة وإنتاجاً، ويقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات، على بعد حوالى 10 كم شرق مدينة الميادين في محافظة دير الزور.

وشكل الحقل هدفاً لكل الجماعات المتصارعة في الحرب السورية، حيث سيطر عليه أولاً “الجيش الحر” في نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، ثم تنظيم “داعش” عام 2014، وفي نهاية أكتوبر/ تشرين الأول 2017، تمكنت قوات “قسد”، من السيطرة على الحقل بعد معارك مع التنظيم بدعم من التحالف الدولي، لكن القوات الأميركية قررت مغادرة قاعدتي حقلي العمر وكونيكو للنفط والغاز في ريف دير الزور في مايو/ أيار الماضي، نحو قاعدتين بريف الحسكة، واليوم الأحد، أعلن الجيش السوري استعادة الحقلين.

خريطة سيطرة قسد على حقول النفط السوري

وكانت قسد تسيطر على غالبية حقول النفط والغاز في سورية، ومنها حقل العمر الذي بلغ إنتاجه 80 ألف برميل يومياً خلال التسعينيات، إلا أن إنتاجه الحالي لا يتجاوز 20 ألف برميل يومياً. وحقل كونيكو الذي كان مخصصاً سابقاً لإنتاج الغاز الطبيعي بمعدل 13 مليون متر مكعب يومياً، ويقع شرق مدينة دير الزور كان تحت سيطرة “قسد”، لكنه متوقف عن الإنتاج حالياً.

وحقل الجفرة الذي يقع شرقي دير الزور، وكان إنتاجه محدوداً حتى قبل الحرب، إذ بلغ 2000 برميل يومياً، وتراجع اليوم إلى 1000 برميل، بالإضافة إلى حقول التنك التي تقع في بادية الشعيطات بريف دير الزور الشرقي، وحقل التيم قرب مدينة الموحسن جنوبي دير الزور، وحقل الورد الواقع قرب قرية الدوير في ريف دير الزور الشرقي.

أما في محافظة الحسكة، فتُعد حقول الرميلان من أبرز المواقع النفطية. تضم هذه الحقول 1322 بئراً نفطية، و25 بئر غاز في حقول السويدية المجاورة، وكان إنتاجها في السابق حوالى 90 ألف برميل يومياً، لكنه تقلص إلى 9 آلاف برميل يومياً فقط. فيما ينتج معمل غاز السويدية 13 ألف أسطوانة غاز يومياً، إضافة إلى 500 ألف متر مكعب من الغاز الذي يغذي محطات توليد الكهرباء. كذلك تحتوي الحسكة على حقول الجبسة، التي كان إنتاجها قبل الحرب حوالى 2500 برميل يومياً، وتراجع اليوم إلى 2000 برميل، إلى جانب توقف معمل الغاز فيها.

القوات السورية تستعيد مزيد من الحقول النفطية من قسد

كان الجيش السوري قد أعلن أمس السبت، سيطرته على حقلي “صفيان” و”الثورة” النفطيين في ريف محافظة الرقة شمال شرقي البلاد، بعد انسحاب مسلحي تنظيم “قسد”. وقالت هيئة العمليات التابعة للجيش في تصريح لوكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، إن “قوات الجيش تمكنت من بسط السيطرة على حقلي صفيان والثورة النفطيين، وعقدة الرصافة (مفترق طرق استراتيجي) قرب مدينة الطبقة” بريف الرقة.

ودعت وزارة الطاقة، “جميع العاملين في حقلي الرصافة وصفيان إلى استئناف مهامهم والتزام مواقع عملهم كالمعتاد، بالتنسيق مع الجهات المختصة، بما يضمن تسريع إعادة التشغيل وحماية المقدرات الوطني”، وفق “سانا”.

وتعتبر المناطق التي كانت خاضعة لـ”قسد”، في سورية، غنية بالنفط الذي كان يمثل في 2010 نحو 20 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ونصف صادراتها، وأكثر من 50 بالمائة من إيرادات الدولة بالعملة الصعبة. وكانت البلاد تنتج 390 ألف برميل نفط يومياً، إلا أن الإنتاج تراجع بشكل حاد ليصل عام 2023 إلى 40 ألف برميل يومياً فقط.

من جانبها، قالت الشركة السورية للبترول “SPC” إنها أحدثت غرفة عمليات طارئة لمتابعة عمل الحقول هناك وضمان استمرار إنتاجها. وأشارت في بيان على حسابها الرسمي على فيسبوك اليوم الأحد، إلى أنه “تم إبلاغنا صباح اليوم الأحد، من الجيش العربي السوري باستلام حقلي الرصافة وصفيان”. وأضافت: “وجّهنا فرق حماية الحقول لتأمين المواقع، والتواصل مع الفنيين لمتابعة عمل الحقول”.

أهم الحقول النفطية في دير الزور

رصد بيان الشركة أهم الحقول النفطية ومدى أهميتها لقطاع الطاقة السوري كما يأتي:

– مجمع الثورة النفطي الاستراتيجي: منطقة حقول الثورة في الريف الجنوبي الغربي لمحافظة الرقة تعد من النقاط الاستراتيجية والحيوية في خريطة الطاقة السورية، حيث إن حقل الثورة لا ينظر إليه على أنه بئر منفصلة فحسب، بل يُعد مركز ثقل إداري ولوجستي يربط مجموعة من الحقول المتناثرة في البادية السورية.

– حقل وادي عبيد: يُعتبر من الروافد الأساسية لمجمع الثورة.

سفن حاويات راسية قبالة سواحل مدينة طرطوس. سورية 18 ديسمبر 2024 (عمر حاج قدور/فرانس برس)

اقتصاد عربي

اتفاقية لصناعة السفن في سورية باستثمار 190 مليون دولار

– حقل صفيان (صفيح): نقطة ربط محورية قريبة من الطريق الدولي.

– محطة العكيرشي: هي “المصفاة الأولية” أو وحدة الفصل، إذ يحتوي النفط المستخرج من وادي عبيد والبشري على نسب عالية من المياه والأملاح والشوائب، ويُنقَل إلى محطة العكيرشي لإجراء عمليات الفصل الفيزيائي والكيميائي. ونظرًا لتضرر شبكات الأنابيب أو تقطع أوصال السيطرة، يُعتمَد على صهاريج النفط.

– الواقع الإنتاجي حتى ديسمبر/ كانون الأول 2024: سجل إنتاج هذه الحقول مجتمعة بنحو 2500 برميل يوميًا.

(فرانس برس، الأناضول، العربي الجديد)

————————–

سد الفرات وحقول النفط.. أبرز خسائر “قسد” في مواجهة الجيش السوري

تتسارع الأحداث والتطورات على الساحة السورية وتتغير معها خريطة السيطرة على الأرض، حيث تمكن الجيش السوري من بسط سيطرته على غرب نهر الفرات كاملا وحقول نفطية شرق النهر.

وتظهر الخريطة التفاعلية -التي قدمها أحمد الكن- أن خريطة السيطرة تغيرت في غرب الفرات، وتحديدا بمحاذاة مدينة الرقة الواقعة شمالي شرقي سوريا، حيث باتت المناطق هناك تحت سيطرة قوات الحكومة السورية، بعدما كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وأعلنت قوات الجيش السوري -مساء أمس السبت- أنها سيطرت على مدينة الطبقة الإستراتيجية في ريف الرقة، في حين قالت هيئة عمليات الجيش للجزيرة إن قواتها سيطرت على سد الفرات، الأكبر بسوريا، وباتت على مشارف مدينة الرقة.

وتعتبر الطبقة مركزا مهما للمياه وتوليد الكهرباء بالقرب من سد الفرات، كما تكتسي مدينة الرقة أهمية خاصة.

وفي محاولة لعرقلة تقدم قوات الجيش السوري، فجّرت قسد جسرين بالقرب من الرقة.

وبحسب ما ورد في الخريطة التفاعلية، فإن سد الفرات هو حاجز مائي يفصل شرق سوريا عن غربها. وهناك سدان رئيسيان، سد تشرين في الشمال وسد الفرات في الجنوب ويكوّن بحيرة الفرات.

ومن جهة أخرى، تظهر الخريطة التفاعلية أن قوات الجيش السوري تمكنت من تجاوز نهر الفرات وبسط سيطرتها على مناطق تقع شرقه، حيث أعلنت السيطرة على حقول للنفط والغاز في محاذاة النهر، ومن أبرزها حقول العُمَر والتنك والجفرة النفطية، وحقل كونيكو للغاز بريف دير الزور شمالي شرقي سوريا.

وأكد مصدر عسكري، في تصريح للجزيرة، سيطرة الجيش السوري على مدينة الشحيل بريف دير الزور وانسحاب قسد من حقلين نفطيين، في ثاني أيام العملية العسكرية المتواصلة بالمنطقة.

وفي السياق ذاته، قال مراسل الجزيرة إن قوات قسد لا تزال تسيطر على بعض الجيوب في مناطق المعامل والكسرة بريف دير الزور الغربي، في حين أفادت مديرية الإعلام بدير الزور للجزيرة بتحرير أكثر من 200 سجين من سجون قسد في ناحية الكسرة.

السيطرة على مركدة

وفي وقت سابق، نقل مراسل الجزيرة عن مصدر عسكري أن الجيش السوري بدأ، بمشاركة مجموعات من العشائر، عملية ضد مواقع قسد شرق الفرات في دير الزور، وأن الجيش يستقدم تعزيزات عسكرية إلى المحافظة. وأشار المراسل إلى قصف مدفعي استهدف مواقع قسد في ريف دير الزور الشرقي.

إعلان

ووفق الخريطة التفاعلية، فإن سيطرة القوات الحكومية على مركدة تعني الدخول إلى منطقة محافظة الحسكة، علما أن المسافة بين مركدة وشرق الفرات تبلغ نحو 70 كيلومترا.

يذكر أن هذه التطورات تأتي عقب سيطرة الجيش السوري -أمس السبت- على عدد من القرى بمحيط مدينة الرصافة بريف الرقة، ومطالبته قوات قسد بالانسحاب الكامل إلى شرق نهر الفرات، ودعوته سكان مدينة الرقة إلى الابتعاد عن مواقع التنظيم و”مليشيات حزب العمال الكردستاني”.

المصدر: الجزيرة

————————-

=====================

تحديث 17 كانون الثاني 2026

———————————

دمشق تطرق أبواب النظام المالي العالمي: هل انتهى زمن العزلة الرقمية؟/ مازن الشاهين

بين كسر العزلة والرقمنة المشروطة: ماذا يعني دخول ماستركارد إلى السوق السورية؟

2026-01-17

لم تكن “البطاقة البلاستيكية” يوماً مجرد أداة للدفع في جيب السوريين، بل كانت رمزاً لعقد من العزلة المالية والتقنية التي فصلت البلاد عن عصب الاقتصاد العالمي، ولكن المشهد اليوم يتغير بشكل دراماتيكي؛ فقد منحت شركة “ماستركارد” العالمية ترخيصاً رسمياً لمجموعة QNB لتوسيع أنشطة إصدار وقبول المدفوعات الرقمية داخل الأراضي السورية.

هذا الإعلان ليس مجرد خبر تقني عابر، بل هو “زلزال مصرفي” يأتي تنفيذاً لمذكرة التفاهم الموقعة في سبتمبر الماضي، إننا نتحدث عن عودة شعار “الدوائر المتداخلة” (Mastercard) ليزين واجهات المصارف والمتاجر السورية، واعداً بحلول متكاملة للأفراد الذين أرهقهم “الكاش” (النقد)، وللشركات التي كبلتها قيود التحويل الخارجي، ولكن، وبينما يسود التفاؤل أوساط قطاع الأعمال، تبرز أسئلة مشروعة تفرض نفسها على الواقع: كيف استطاعت عملاق المدفوعات الأمريكي العبور إلى سوريا؟ وهل البنية التحتية المتهالكة لشبكات الاتصال في سوريا قادرة على تحمل ضغط “الرقمنة” الشاملة؟ والأهم من ذلك، هل ستكون هذه البطاقات متاحة للمواطن العادي، أم أنها ستظل امتيازاً للنخبة المالية في سوق يرزح تحت ضغوط معيشية خانقة؟ وما هو مستقبل الليرة السورية في عصر “الدفع السحابي”، وما هو الأثر لهذه الخطوة على “الشركات الناشئة” في سوريا؟

ما الذي تعنيه رخصة ماستركارد لـ QNB عملياً؟

 يقول الخبير المصرفي والمالي الدكتور سعد جلال الدين في تصريح لـ”963+” إنه على الورق، يمنح هذا الترخيص لمجموعة QNB القدرة على إصدار بطاقات دفع (أو حلول رقمية) يمكن استخدامها داخل سوريا وربما خارجها ضمن حدود معينة، وقبول المدفوعات عبر نقاط بيع ومنصات رقمية، ما يسمح للتجار والشركات بزيادة الاعتماد على المدفوعات غير النقدية، وتقديم حزمة منتجات موجهة للأفراد والشركات: من بطاقات الرواتب إلى بطاقات التسوق والسفر، وربما حلول دفع إلكترونية للتجارة الداخلية. 

أما عملياً فيرى جلال الدين أن أثر هذه الخطوة سيعتمد على ثلاثة عوامل، هي نطاق التطبيق الجغرافي، فهل سيقتصر على المدن الكبرى وشرائح محددة، أم سيتوسع تدريجياً؟ ونوعية القيود التقنية والرقابية المفروضة دولياً على التعاملات السورية، وأخيراً قدرة البنية التحتية المحلية (إنترنت، كهرباء، نقاط بيع، ثقافة استخدام) على استيعاب هذا التحول.

ويختم جلال الدين: “يمكن النظر إلى دخول ماستركارد عبر بوابة QNB كفرصة لكسر جزء من عزلة النظام المالي، وإدخال أدوات دفع حديثة إلى سوق تحتاج بشدة إلى التحديث والتنظيم، ولكن في غياب سياسات واضحة للشمول المالي، وحماية المستهلك، والشفافية في الرسوم والبيانات، قد تتحول هذه الخطوة إلى حلقة جديدة في سلسلة اقتصاد متعدد السرعات، تستفيد منه أقلية متمكنة أكثر مما يستفيد منه عموم المواطنين”. 

الشركات الناشئة تجذب الاستثمار الجريء

يعتبر دخول “ماستركارد” إلى السوق السورية عبر مجموعة QNB بمثابة “رئة اصطناعية” لقطاع الشركات الناشئة (Startups) الذي عانى لسنوات من اختناق مالي وتقني، وهذا التحول لن يغير فقط طريقة الدفع، بل سيعيد صياغة “نموذج العمل” للعديد من المشاريع السورية.

يحلل المهندس معاوية أحمد، مدرب معتمد في مجال الابتكار والإبداع وريادة الأعمال أبعاد هذا القرار على الشركات الناشئة في سوريا في تصريحات لـ”963+” أنه يكسر حاجز “الوصول العالمي” حيث كانت أكبر عقبة واجهت الشركات الناشئة السورية هي “المحلية القسرية”، وبوجود حلول ماستركارد، سيتغير المشهد من حيث تصدير الخدمات الرقمية: المبرمجون، المصممون، والمدربون السوريون سيتمكنون من بيع خدماتهم للخارج واستلام ثمنها عبر قنوات رسمية وسريعة، مما يحول “العمل الحر” إلى قطاع منظم يرفد الاقتصاد بالقطع الأجنبي، وكذلك الاشتراكات البرمجية (SaaS)، فالشركات الناشئة كانت تعاني لدفع رسوم السيرفرات (AWS, Google Cloud) أو أدوات العمل (Slack, Zoom).

ويضيف: “الآن، سيصبح بإمكان الشركة دفع هذه الرسوم مباشرة عبر حسابها المصرفي السوري، وهذا سيؤدي إلى ازدهار التجارة الإلكترونية (E-commerce Transformation) وحتى الآن، كانت التجارة الإلكترونية في سوريا تعتمد على “الدفع عند الاستلام”، وهو نموذج عالي المخاطر والتكاليف، ومع بوابات الدفع (Payment Gateways)، ستتمكن الشركات الناشئة من بناء تطبيقات ومواقع تتيح الدفع اللحظي، مما يقلل من نسب إلغاء الطلبات ويزيد من سرعة دوران رأس المال، إضافة إلى الثقة والأمان، حيث توفر حلول ماستركارد ضمانات للمشتري والبائع، مما يرفع سقف الثقة في المعاملات الرقمية التي كانت تشوبها الشكوك سابقاً، والأهم من كل ذلك جذب الاستثمار الجريء (Venture Capital) فالمستثمر الإقليمي أو الدولي كان يخشى ضخ الأموال في شركات لا تملك “خروجاً مالياً” (Exit Strategy) واضحاً أو قنوات لتحويل الأرباح، وتحقيق الشفافية المالية”.

ويضيف: الاعتماد على أنظمة دفع عالمية يجعل الميزانيات المالية للشركات الناشئة أكثر وضوحاً وقابلية للتدقيق من قبل المستثمرين الخارجيين، وتسهيل التمويل، وسيصبح من السهل استلام حولات تمويلية مباشرة في الحسابات المصرفية المحلية للشركة، وسيتيح ظهور جيل جديد من شركات الـ “FinTech” فهذا القرار سيفتح الباب أمام المبتكرين السوريين لتطوير تطبيقات تعتمد على البنية التحتية لماستركارد (تطبيقات إدارة النفقات الشخصية، منصات “اشترِ الآن وادفع لاحقاً (BNPL) المدعومة ببطاقات ائتمانية، حلول دفع الرواتب والمكافآت للموظفين عن بُعد).

أما التحديات التي قد تواجه هذه الشركات

على الرغم من الإيجابيات، يرى أحمد أنه ستواجه الشركات الناشئة تحديات في البداية، أهمها التكاليف التشغيلية، فعمولات ماستركارد والبنك قد تكون مرتفعة في البداية، مما يتطلب من الشركات الناشئة إعادة دراسة جدواها الاقتصادية، وكذلك الامتثال القانوني، حيث ستحتاج الشركات لتطوير أنظمة محاسبية تتوافق مع المعايير الدولية التي تفرضها شركات الدفع الكبرى.

ويختم أحمد إن دخول ماستركارد هو “اعتراف تقني” بجدارة السوق السورية، وهو يمنح رائد الأعمال السوري “هوية مالية” كانت مسلوبة منه، مما يحول المنافسة من محاولة البقاء على قيد الحياة إلى محاولة التوسع والنمو إقليمياً.

يقول الدكتور حسان مراد خبير اقتصادي في تصريحات لـ”963+” منذ سنوات يعيش السوريون في ظل اقتصاد يعتمد إلى حد كبير على التداول النقدي المباشر، مع هشاشة في الثقة بالمصارف المحلية، وتآكل في قيمة العملة، وضعف في أنظمة الدفع الإلكتروني، والقيود والعقوبات على القطاع المصرفي السوري جعلت الربط مع الأنظمة المالية العالمية معقّداً، ما حوّل أي خطوة نحو “رقمنة المدفوعات” إلى ملف (سياسي – اقتصادي) بامتياز، لا إلى مجرد تطور تقني، والآن يُقدَّم انتشار أدوات الدفع الرقمي بوصفه مدخلاً لـ”الشمول المالي”، أي إدخال فئات أوسع من السكان إلى المنظومة المصرفية الرسمية.

ولكن في واقع يشهد نسب فقر مرتفعة، ودخول متآكلة، واقتصاداً غير رسمي واسع الانتشار، يبرز بحسب مراد، سؤال حاد: هل سيكون المستفيد الأساسي هو الموظف والمواطن العادي، أم شركات كبرى، ومؤسسات مرتبطة بالتجارة الخارجية، وشرائح مصرفية ميسورة أصلاً؟  فقد يسمح النظام الجديد، بـتنظيم دفع الرواتب لموظفي شركات معينة عبر بطاقات مرتبطة بماستركارد، وتسهيل عمليات الدفع في قطاعات محددة (سياحة، خدمات خاصة، تجارة محددة السلع). 

في المقابل، قد تبقى شرائح واسعة من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي خارج هذه المنظومة، ما يزيد الفجوة بين “اقتصاد رقمي نخبوية” و”اقتصاد نقدي شعبي”.

+963

———————————

===========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى