تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةصفحات الحوارعام على انتصار الثورة في سوريا

حوار مع حسام لحام المسؤول في «الإدارة المدنية في داريا»: المجتمع المدني رقيباً على السلطة

زينة شهلا

26-01-2026

        عند الدخول إلى مدينة داريا في غوطة دمشق الغربية، يجد الزائر تفاصيل خاصة: لافتات ترحيبية بالزوار، وأخرى تدعو إلى العلم والعمل والبناء، وثالثة تقول «الواجب أولاً والقيام به يحفظ الحقوق»، وأخرى تُحيِّي الشهداء الذين سقطوا خلال سنوات الثورة والحرب.

        وعند الانخراط أكثر في مشهد الحياة والعمل في المدينة الواقعة في ريف دمشق الغربي خلال العام الفائت، نكتشف مَن وراء هذه اللافتات وغيرها من محطات العمل المدني في المدينة: «الإدارة المدنية في داريا»، وهي جسمٌ تشكّل بعد سقوط نظام الأسد لتسهيل إدارة شؤون المدينة التي كانت من أوائل المناطق المنخرطة في ثورة عام 2011، وكانت تتميز حتى بحراك لافت قبل الثورة بأعوام طويلة، وبتجربة خاصة في تنظيم العمل السلمي والجماعي.

        بمتابعة صفحات «الإدارة المدنية» على مواقع التواصل، يُمكن معرفة مجموعة من المهام التي تقوم بها: محاضرات وورش عمل وجلسات حوار متنوعة، جهود لإصلاح البنى التحتية مثل ترحيل الأنقاض وفتح الطرقات وصيانة خطوط المياه بالتعاون مع الجهات ذات الصلة، دعم العملية التعليمية بخطوات منها تأمين المواصلات للطلبة ودروس التقوية. كما تعمل هذه الإدارة على أنشطة تهدف لحفظ سرديات الثورة السورية من خلال فعاليات إحياء أيام ذات رمزية معينة مثل ذكرى مجزرة داريا، واستقبال وفود من خارج المدينة ضمن جولات تعريفية بأهم نقاط العلام مثل مقبرة الشهداء.

        زارت الجمهورية.نت داريا والتقت حسام لحام، مسؤول المبادرات في «الإدارة المدنية»، لتعرف المزيد من التفاصيل عن هذا الجسم الذي يسعى لتشكيل نموذج في الحكم والإدارة على المستوى المحلي، مع كل ما يعتري الأمر من تحديات وأوجه نجاح وقصور.

        كيف ومتى تشكّلت الإدارة المدنية في داريا؟

        بعد تحرير سوريا وسقوط نظام الأسد، برزت الحاجة لوجود قناة تواصل بين السلطة الجديدة وبين الناس، تعمل على إيصال أصواتهم ومطالبهم بشكل مباشر وسريع، خاصة مع عودة السكان والمهجّرين وازدياد وتيرة الاحتياجات تدريجياً.

        اجتمع نحو 50 شخصاً من وجهاء داريا واختاروا خمسة منهم ليكونوا إدارة مدنية، وكانت بداية تسمى «لجنة الأعيان»، شبيهة بالمجلس المحلي لكنها ليست مجلساً محلياً، ثم تحولت إلى الإدارة المدنية، وهي اليوم تضم لجاناً وفرقاً متعددة من ضمنها الإعلام والإحصاء والصّلح والمشاريع التنفيذية والمبادرات النسائية. وتتنوع أعمار الأعضاء بين جيل الشباب الثلاثينيين وبين الأكبر سناً والأكثر خبرة.

        الدور الأساسي للإدارة المدنية ليس تنفيذياً وإنما هو صلة وصل، وأن تسعى للتعافي في كل القطاعات على اختلافها، وكذلك أن تعمل على حفظ السرديات الخاصة بالمدينة وانخراطها في الثورة السورية، وتمد يد العون لفئات مهمشة مثل عائلات الشهداء والمفقودين وغيرهم.

        مع الوقت، تطور هذا الدور، فبدأنا بتنفيذ مشاريع ضمن قطاعات مثل التعليم والمياه، ولو على نطاق صغير، يموّلها صندوق تبرعات من أبناء المدينة أنفسهم، بعد أن اكتسبنا ثقتهم لكوننا جسماً جديداً ومعروفاً من قبلِهم، كما بدأنا بتيسير مشاريع كبيرة لمنظمات ترغب في الدخول إلى داريا والعمل على نطاق واسع، فنرشدها إلى مكامن الحاجة، ونذلّل أمامها العقبات الإدارية واللوجستية وحتى القانونية الناجمة عن عدم مواءمة بعض القوانين للواقع الحالي، ونسعى إلى أن تنفّذ مشاريعها أيضاً تحت رقابة المجتمع المحلي.

        إذاً، ما هي تبعية هذا الجسم المدني الجديد؟ من أين تحصلون على سلطتكم، ولماذا يجب على أي جهة أن «تَحسبَ لكم حساباً»؟

        نحن جسم مستقل لا نتقاضى رواتب من أي جهة، فنحن لسنا موظفين حكوميين أو عاملين في منظمات. قد تكون هناك نماذج أخرى مشابهة لكن مع السعي لضمّها تحت إدارة البلديات، أما نحن فنرى أنه من الأفضل أن نبقى خارج إطار البلدية بل وأعلى منها، كي نتمكن من مساءلة موظفي الدولة.

        مثلاً، نجتمع اليوم مع مسؤولي المياه أو الكهرباء أو الاتصالات لنرى ما هي الجهود التي يقومون بها، ونشجع الأهالي على الإبلاغ عن أي خطأ، والضغط لتصحيحه من خلال التواصل مع السلطات بمختلف مستوياتها، بصفتنا «مجتمع داريا». وبذلك نسعى إلى تعزيز دور المجتمع المحلي في مساءلة الدولة كي لا نقع في مطبّ صناعة ديكتاتوريات جديدة.

        في كل هذا نحن نتكئ على السلطة التي أعطانا إياها المجتمع نفسه؛ إذ صار الناس يعرفوننا ويلجؤون إلينا، ويثقون بنا بدرجة كبيرة، ونسعى إلى صون هذه الثقة بأن يبقى الناس والمجتمع هم بوصلتنا، دون أن نأخذ صف أي طرف على حساب آخر.

        من ناحية أخرى، باتت تجربتنا تنتقل إلى مناطق أخرى، فمثلاً نرى اليوم في صحنايا وفي المعضمية تشكيل لجان أعيان وتفعيلها، وهذا أمر إيجابي بالطبع، ونرى أن الدولة بحد ذاتها لها مصلحة في وجود هذه الأجسام المدنية لأنها تُخفف عنها عبء العمل، وتسهم في معرفة المشاكل المحلية الخاصة بكل منطقة. وسأطرح هنا مثالاً عن لجان الصّلح التي يُمكن لأي شخصين متخاصمين اللجوء إليها طوعاً لاتخاذ قرار بشأن الخصومة، ومع الوقت تحول القرار الصادر عن هذه اللجنة إلى قرار تأخذ به المحاكم السورية قانونياً، ما منحها سلطةً «توازي سلطة القضاء»، وهي في الوقت نفسه تعمل على توفير الوقت والجهد والمال على الناس وعلى السلطات أيضاً.

        كيف تتخذون القرارات ضمن الإدارة المدنية؟ وهل تُمثّل هذه القرارات بالفعل مصالح كل شرائح مجتمع داريا؟

        تُتَّخذ القرارات بصورة تشاورية تماماً بين الأعضاء، أمّا الأعمال التنفيذية فهي تُوكَل للجهات المنفذة فوراً.

        حالياً، نسعى نحو تمثيل أعلى لكل فئات المجتمع الديراني، لذلك عقدنا اجتماعات بين الإدارة وبين شريحة متنوعة من الأهالي، بهدف تشكيل لجان أحياء تضمن تمثيلاً واضحاً لمختلف الشرائح.

        كيف تحدّدون ما هي المشاريع الأكثر إلحاحاً اليوم؟

        لدينا مكتب دائم في المركز الثقافي حيث يُمكن للناس التواصل معنا وزيارتنا، كما أننا نتواصل بشكل مباشر مع مختلف المؤسسات والإدارات. مثلاً، عقدنا جلسات مطوّلة مع مؤسسة المياه للاطلاع على الواقع القائم: ما هي طبيعة الشبكة؟ كم عدد الآبار؟ وكم يلزمنا لتخديم السكان؟ وأين هي المواقع الأنسب لأي آبار جديدة؟ وغيرها من الأسئلة المفتاحية.

        وهكذا الأمر بالنسبة لبقية القطاعات.

        المجتمع الأهلي أيضاً يقوم بدور كبير، من دون أن ينتظر تدخل الدولة. هناك فجوة هائلة في الخدمات ناجمة عن الواقع السيئ أساساً والدمار الكبير، إلى جانب انشغال الدولة بشكل أساسي بالشؤون السياسية والدفاع والداخلية، وليس بالخدمات. مثلاً، لاحظنا أن واقع النفايات في المدينة متردٍّ للغاية نتيجة نقص الآليات والعمال، فقدم «أهل الخير» والتجار حاويات للقمامة انتشرت في أنحاء المدينة، وسيارة لجمع النفايات وراتباً للسائق وحتى المحروقات اللازمة لتشغيلها. وقد تحسّن الوضع قليلاً لكن الحاجة ما زالت كبيرة للغاية في هذا القطاع وغيره.

        وإلى جانب هذه المشاريع التنفيذية المهمة، ما هي أنشطة العمل المدني التي تقومون بها؟

        لدينا، على سبيل المثال، اللافتات والعبارات المنتشرة في أنحاء المدينة، والتي نُصممها بشكل تشاركي بين أعضاء الفريق، إذ يطرح أحد الأعضاء بين الحين والآخر مقترحاً لعبارة على مجموعتنا، ونتناقش بشأنه ثم نقرّه. لهذه اللافتات أثر واسع نتيجة انتشارها في جميع الشوارع وإمكانية قراءتها من كل السكان، فضلاً عن دورها في نشر رسائل توعوية حول كثير من القضايا مثل أهمية العمل والتعليم، وسيادة القانون، وغيرها، بما يُرسخ هذه الرسائل في أذهان الناس يوماً بعد آخر.

        كما نُقيم فعاليات في المركز الثقافي، ومنها حفل لكورال غاردينيا، إيماناً منّا بأهمية دور الفن في إيصال الرسائل وفي بناء الإنسان، وهو أمر يُوازي في أهميته، بل قد يفوق، أهمية إعادة إعمار الأبنية والبنى التحتية.

        هناك مساحة حرية اليوم نحن نحاول ألا نضع لها حداً، كي نكرّسها كواقع ملموس، فهذه المساحة هي حالة استثنائية بعد سقوط النظام وليست دائمة. ما نأخذه اليوم يُصبح مكتسباً وما نتركه يتحول إلى قيود وعوائق سنضطر لاحقاً للحصول على موافقات بشأنه. لذلك نحاول استثمار أي مساحة موجودة و«قتل الروتين» الخاص بالموافقات والبيروقراطية، وتحويل هذه الممارسات شيئاً فشيئاً إلى عرف وقانون. «عم نحاول كلنا، إيد وحدة ما بتصفق».

        بعيداً عن ذلك، كان لافتاً الدور الذي لعبته الإدارة المدنية في داريا خلال أحداث مأساوية عاشتها المنطقة خلال العام الفائت، ومنها أحداث العنف التي اندلعت في صحنايا المجاورة وفي جرمانا نهاية نيسان (أبريل) على خلفية توترات طائفية عقب انتشار تسجيل مسيء للنبي محمد نُسب إلى أحد أبناء الطائفة الدرزية.

        نعم بالفعل، ونحن كنا واعين وحريصين على هذا الأمر. ففي تلك الفترة (أي أحداث جرمانا وصحنايا العام الفائت) دعت الإدارة المدنية سكان داريا إلى عدم الخروج في أي تظاهرات «حفاظاً على الأمن العام وسلامة الجميع»، وذلك حرصاً على عدم حدوث ما يُمكن أن يؤجّج ويزيد حالة التوتر في المناطق المجاورة. وكان لتدخل عناصر من الأمن العام من أهالي داريا في صحنايا، أثر إيجابي ترك شعوراً بالراحة في نفوسهم، فنحن جيران منذ زمن طويل.

        رغم كل العنف والقتل والتهجير الذي عشناه، ما نزال حريصين على نيل حقوقنا والعدالة التي ننشدها عبر القانون وليس بالانتقام، وعلى أن نكون نموذجاً يُقتدى به في العمل المدني السلمي وفي ترسيخ السلم الأهلي في المنطقة وسوريا كلها.

        بالحديث عن لجنة المبادرات النسائية، ماذا عن تمثيل النساء ضمن الإدارة المدنية؟

        عندما تشكّلت الإدارة المدنية لم تتضمّن تمثيلاً نسائياً ضمن الصف الأول، ففي تلك المرحلة وفي ظلّ خصوصية مجتمع الذي نعيش فيه وواقعنا الاجتماعي والثقافي، كان من الصعب اختيار نساء مع مراعاة عاداتنا وتقاليدنا، أمّا ضمن اللجان والفرق فلدينا تمثيل نسائي جيد، وهناك سيدات في داريا في مواقع قيادية عدة ضمن قطاعات مختلفة.

        اليوم، نحن في مرحلة تقييم للإدارة المدنية وإحداث تغييرات فيها، ونسعى إلى تحقيق تمثيل نسائي عادل في لجان الأحياء، وبعدها ضمن الصفوف الأولى في الإدارة.

        ما هي أبرز التحديات التي تواجه عملكم؟

        الواقع اليوم في داريا، وفي سوريا عموماً صعب جداً، والدخول في خضم تفاصيل العمل اليومي مرهق للغاية. تفتقر المدينة للخدمات بكل مقوماتها، ونعاني من صعوبة تأمين هذه الخدمات بالشكل المطلوب. لذلك نسعى للتواصل مع جميع الجهات سواء المجتمع المحلي أو المنظمات المحلية أو الدولية لسد هذه الفجوة، كما نركّز على توجيه الخطاب الإعلامي لتسليط الضوء على هذه الاحتياجات.

        إلى جانب ذلك، لا يتوافر في داريا إحصاء سكاني وبيانات دقيقة لأعداد السكان ومعلوماتهم، وهي معطيات لا بد منها لنتمكّن من تنفيذ المشاريع بالشكل الصحيح، وحتى تمثيلهم بطريقة عادلة ضمن الإدارة المدنية، وهذا تحدٍّ كبير ينتظر إجراء إحصاء حقيقي وإصدار هويات وطنية جديدة لنعرف جميع السكان ونتواصل معهم.

        أين ترى الإدارة المدنية بعد عام أو عامين؟

        نسعى إلى أن يكون للإدارة المدنية هيئة عامة من نخب المجتمع، مع آلية انتخاب واضحة لها، تُمثّل ولو نصف سكان داريا تمثيلاً حقيقياً، ريثما نحصل على بيانات حقيقية وكاملة لكل السكان.

        كما أرى بأن الإدارة المدنية ستأخذ في الفترة المقبلة دوراً رقابياً كبيراً، على البلدية وقطاعات المياه والكهرباء والتعليم وغيرها، ليكون صوت المجتمع المدني أكثر قوة في هذا الاتجاه.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى