تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

سوريا بين ظاهر البطء وحقيقة التحول/ د. محمد طه الأحمد

يناير 22, 2026

لا تواجه سوريا اليوم خطر التفكك لأن مكوّناتها متنافرة بطبيعتها، بل لأن الدولة التي يفترض أن تكون الإطار الجامع لها انهارت خلال سنوات الحرب، غير أن قراءة المشهد من زاوية واحدة، زاوية الانهيار فقط، تُغفل حقيقة أخرى أكثر تعقيداً: ما يبدو كإعادة تدوير لأدوات الماضي ليس دائماً عجزاً عن التغيير، بل أحياناً ثمناً انتقالياً لإعادة تشغيل دولة خرجت من حرب مدمّرة.

حين تفشل الدولة، لا يختفي المجتمع، بل يعيد تنظيم نفسه خارجها: طائفة بدل القانون، جماعة بدل المؤسسة، وسلاح بدل السياسة، غير أن السؤال اليوم لم يعد فقط: لماذا انهارت الدولة؟ بل أيضاً: كيف يمكن إعادة بنائها في واقع ما بعد الحرب؟ هنا تظهر المفارقة: ما يراه كثيرون تردّداً أو استنساخاً للنموذج القديم، تراه السلطة الحالية -من زاويتها- شرطاً مؤقتاً لتمكين الدولة من العودة أصلاً.

ما انهار في سوريا لم يكن النظام وحده، بل فكرة الدولة بوصفها كياناً عاماً محايداً، لكن ما تلا الانهيار لم يكن مجرد فوضى مطلقة، بل محاولة لإعادة تشغيل الدولة في بيئة شديدة الهشاشة، حيث المؤسسات منهكة، والقوانين متقادمة، والفراغ الإداري واسع، والسلاح خارج السيطرة.

من هذا المنظور، فإن مركزية القرار، وتركيز الأولوية على الأمن، وتأجيل بعض الملفات البنيوية، ليست بالضرورة عودة واعية إلى نموذج الدولة الأمنية القديمة، بقدر ما هي -كما ترى السلطة- خطوات اضطرارية لضمان الحد الأدنى من الاستقرار قبل الشروع في التغيير العميق، فلا يمكن تفكيك بنية الدولة وإعادة تركيبها في فراغ أمني، ولا يمكن إطلاق إصلاحات مؤسسية واسعة في ظل تعدد السلاح وانتشار الولاءات المحلية.

غير أن هذا لا يعني تبرير الجمود، بل التأكيد على أن التغيير الحقيقي يحتاج تسلسلا واضحًا: أولًا الاستقرار والأمن، ثم بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها، ثم حصر السلاح بيد الجيش، وبعد ذلك إعادة بناء المؤسسات على أسس قانونية جديدة وبمستند شرعي واضح.

في هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الدستور والانتخابات كحل سحري أو نقطة وصول نهائية، بل كحلقة ضمن مسار أطول، فلا دستور فعال بلا قضاء مستقل، ولا انتخابات ذات معنى بلا أمن محايد، ولا دولة قانون بلا مؤسسات قادرة على تطبيقه.

من زاوية الدولة، فإن التعجيل بعملية سياسية شكلية في ظل الانفلات الأمني والسلاح المتعدد قد لا ينتج دولة، بل يُشرعن الفوضى ويحوّلها إلى نظام دائم، لذلك ترى أن بناء البيئة السابقة على السياسة -الأمن، السيادة، احتكار القوة- هو شرط لا يمكن القفز فوقه.

هنا تصبح مسألة السلاح جوهرية لا تفصيلية، فوجود السلاح خارج سلطة الدولة ليس مجرد مشكلة أمنية، بل دليل على أن الدولة لم تستعد سيادتها بعد، أي انتقال سياسي من دون نزع السلاح أو دمجه تحت قيادة وطنية موحّدة سيظل انتقالاً هشاً، مهدداً بالانهيار في أي لحظة. من وجهة نظر السلطة، لا يمكن السماح بحياة سياسية حقيقية قبل ضبط السلاح، لأن السياسة في ظل الميليشيات تتحول إلى صراع قوة لا صراع برامج.

لا يمكن إنكار أن مخاوف المكوّنات السورية حقيقية، لكنها أيضاً مرتبطة بغياب الدولة القادرة على حماية الجميع، ومن هنا ترى السلطة أن طمأنة المكوّنات لا تكون فقط بالخطاب، بل بإعادة بناء دولة ذات سيادة وقانون واحد.

الخوف العلوي لن يزول بخطابات عامة، بل بضمانات قضائية وأمنية حقيقية تمنع الانتقام والتعميم. والخوف الكردي لا يعالج بالشعارات، بل بإطار قانوني واضح يحدد شكل التعدد الثقافي والإداري ضمن وحدة الدولة. والخوف الدرزي والمسيحي مرتبط بالفوضى والسلاح، وبالتالي فإن حصر السلاح وبناء إدارة محلية قوية هو الضمانة الحقيقية.

والخوف السني من إعادة إنتاج الاستبداد لا يُبدّد إلا ببناء مؤسسات تخضع للمساءلة والقانون لا للأشخاص. من هذا المنظور، فإن الدولة لا تتجاهل هذه المخاوف، لكنها ترى أن معالجتها تتطلب أولًا استعادة الدولة نفسها، لا توزيع تطمينات بلا قوة تنفيذية خلفها.

إلى جانب السلاح، يقف اقتصاد الحرب كعائق كبير، فلا دولة حقيقية بلا اقتصاد محايد، ولا استقرار بلا تفكيك لشبكات الامتيازات والفساد التي نشأت خلال سنوات الصراع، لكن هذا التفكيك -من منظور الدولة- يحتاج وقتًا وإرادة مؤسسية وقاعدة قانونية جديدة، لا قرارات ارتجالية قد تخلق فوضى اقتصادية أشد.

الانتقاد الأبرز موجّه إلى استمرار ملامح الدولة الأمنية، غير أن السلطة ترى أن الفرق بين الدولة الأمنية والدولة القوية غالبًا ما يُساء فهمه في لحظات ما بعد الحرب، فالدولة الضعيفة لا تحمي أحدًا، والدولة القوية ليست بالضرورة استبدادية إذا اقترنت بإصلاح مؤسسي لاحق. التحدي الحقيقي هو الانتقال من أمن كعقيدة حكم إلى أمن كشرط لبناء حكم قانوني، وهذا انتقال لا يتم بين ليلة وضحاها.

في ظل واقع دولة خارجة من حرب طويلة، لا يمكن الحديث عن سيادة كاملة بمعزل عن الواقع الدولي، الضمانات الدولية المؤقتة، إذا كانت بإشراف لا وصاية، وبجدول زمني واضح، قد تكون أداة لتثبيت الاستقرار لا لتقويضه، من يرفض أي دور دولي مطلقًا قد يترك الساحة لتدخلات غير معلنة وأكثر خطورة.

المشكلة في سوريا اليوم ليست فقط في دولة انهارت، بل في مسار إعادة بنائها وسط ركام الحرب، ما يبدو بطء أو تردّدًا قد يكون -من زاوية الدولة- ترتيبًا للأولويات: الأمن أولًا، السيادة ثانيًا، المؤسسات ثالثًا، ثم السياسة.

لكن هذا المسار لن ينجح إلا إذا اقترن بخارطة طريق واضحة، وجدول زمني للإصلاح، والتزام حقيقي بانتقال تدريجي من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء الدولة. فإما أن تنجح الدولة في أن تكون أقوى وأعدل من الجماعات، أو ستبقى الجماعات بديلًا دائمًا لها، والامتحان الحقيقي ليس في الخطاب، بل في القدرة على تحويل الاستقرار المؤقت إلى عقد دائم، والسيطرة الأمنية إلى دولة قانون، والسلطة الفعلية إلى شرعية راسخة.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى