عبد الباسط سيدا: واشنطن رفعت الغطاء عن قسد بالرقة وديرالزور

أنيس المهنا
الخميس 2026/01/22
عبد الباسط سيدا: الإدارة الذاتية انتهت، لننه قرناً من السياسات الفاشلة مع الأكراد
يتناول الدكتور عبد الباسط سيدا، أحد أهم الشخصيات الكردية السورية، التطورات المتسارعة في المشهد السوري، وخصوصاً بعد الانسحاب الأخير لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) من محافظتي الرقة ودير الزور وتمركزها في الحسكة.
يقدم سيدا في مقابلة مع “المدن”، قراءةً معمقة لهذه التطورات الدراماتيكية، ملقياً الضوء على العوامل الإقليمية والدولية التي سببت هذا التطور ، ومحللاً تداعياتها العسكرية والسياسية المباشرة على المنطقة. كما يتطرق بواقعيةٍ إلى مستقبل القضية الكردية في سوريا في ظل هذه المتغيرات، مناقشاً المرسوم الرئاسي الأخير رقم 13 لعام 2026، ومدى قدرته على معالجة الملف الكردي التاريخي شديد التعقيد.
يربط سيدا بين الماضي والحاضر والمستقبل، مؤكداً على ضرورة وضع إطار وطني شامل وعادل يكون فيه الكرد شركاءً كاملي الحقوق، ومحذراً من مخاطر الاستمرار في سياسات الإقصاء، ومقدماً رؤىً حول كيفية تعزيز الوحدة الداخلية للأكراد السوريين وتطوير استراتيجية مستدامة في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
– كيف تقيّم الانسحاب الأخير لقوات سوريا الديمقراطية من الرقة ودير الزور وتمركزها في الحسكة، وما هي انعكاسات ذلك على المشهد العسكري والسياسي في المنطقة؟
يعود الانسحاب الأخير لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” من محافظتي الرقة ودير الزور وتمركزها في الحسكة، إلى جذور وجودها الذي بدأ عام 2015 بناءً على توافق مع الجانب الغربي بقيادة الولايات المتحدة، التي اعتمدت على تقديم الدعم اللوجستي والغطاء الجوي بينما تولت “قسد” المهام القتالية الأرضية. وقد استمر هذا التواجد نتيجة استمرار الأزمة السورية وعدم إيجاد حلول سياسية، لكنه مع الوقت بدأ يأخذ منحىً طموحاً يتجاوز المهمة العسكرية الأولية نحو طرح مشروع سياسي طوباوي وغير واقعي تحت مسمى “الإدارة الذاتية” و”الأمة الديمقراطية”، وهو مشروع يبدو غير واقعي ولا يتناسب مع تعقيدات الواقع السوري والإقليمي، خصوصاً في ظل التحول العالمي نحو سياسات قومية وتراجع النزعات العولمية. كما أن وجود “قسد” في تلك المناطق كان يواجه انتقادات حتى من قبل قوى كردية فاعلة حرصت تاريخياً على الحفاظ على علاقات جيدة مع المجتمعات المحلية العربية، مما يضيف بعداً آخر لتقييم هذا الانسحاب وآثاره على المشهدين العسكري والسياسي في المنطقة.
– ما هي العوامل الأساسية التي دفعت إلى هذا التراجع، وهل يعكس تغيراً في الاستراتيجية الكردية السورية تجاه التعامل مع دمشق وأنقرة؟
أعتقد أن التراجع الأخير لقوات “قسد” يعود في الأساس إلى التوافق الذي حصل بين الولايات المتحدة والحكومة السورية الجديدة، والذي تضمن التزام دمشق بالتحالف الدولي لمحاربة “داعش”، مما دفع واشنطن إلى رفع الغطاء والدعم عن هذه القوات في محافظتي الرقة ودير الزور. وأدى رفع الدعم الأميركي إلى انفكاك العناصر العربية التي كانت تنضوي تحت لواء “قسد”، فضعفت قوتها واضطرت إلى الانسحاب الميداني إلى منطقة الحسكة من دون حدوث إرباكات كبيرة، حيث أن العناصر غير العربية كانت محدودة العدد.
هذا التطور لا يعكس تغييراً في الاستراتيجية الكردية السورية تجاه دمشق أو أنقرة، بل هو نتيجة مباشرة للتغير في الموقف الأميركي والدعم الدولي. وقد تزامنت هذه العملية مع توافقات إقليمية أخرى، كان لتركيا دور بارز فيها من خلال تواجد دبلوماسي نشط في واشنطن وباريس ودمشق، وتنسيق مستمر مع المسؤولين السوريين. كما أن الموضوع يرتبط أيضاً بالمفاوضات الجارية بين عبدالله أوجلان والحكومة التركية، والتوجهات التركية الطامحة لنفوذ في شمال سوريا، خصوصاً مع وجود حدود برية طويلة وتداخل ديموغرافي بين البلدين يخلق هواجس أمنية وإقليمية تجعل تركيا طرفاً مؤثراً باستمرار في القرار السياسي السوري والمشهد العام للأوضاع في المنطقة.
– كيف تؤثر هذه التحركات على الوضع الإنساني للسكان المدنيين في المناطق التي تم إخلاؤها؟
بالنسبة لأوضاع السكان المدنيين بعد عمليات الإخلاء، فيبدو أن الناس سواء في الرقة ودير الزور قد ارتاحوا. فقد كانت هناك وضعية شاذة، أن تتواجد قوات من خارج المحافظة وتتحكم بمفاصل القرار ومفاصل الإدارة! رغم أن أبناء هذه المناطق كانوا يشاركون في مؤسسات الحكم والإدارة، لكن في نهاية المطاف والظروف التي حدثت بعد سقوط نظام الأسد، ووصول حكومة جديدة إلى دمشق، فقد ظهرت رغبة عارمة في هذه المناطق بالانضمام إلى الدولة السورية، والطبع هذه مسألة مشروعة ولابد أن يتفهمها المرء، لذلك فأنا لا أعتقد أنه حدثت نتائج كبيرة على الصعيد المجتمعي، نتيجة الانسحابات التي حدثت وهذا الأمر يبدو مطمئناً، رغم أنه كانت هناك خشية من صدامات عنيفة واشتباكات، وعدد كبير من الضحايا، لكن الأمور سارت على ما يرام. الأمر الذي نتمناه أن ينسحب أيضاً على محافظة الحسكة.
– ما هي النقاط الإيجابية الرئيسية في المرسوم 13 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع بخصوص حقوق السوريين الأكراد، وهل يمثل خطوة جادة نحو الاعتراف الدستوري بالحقوق الكردية؟
يمثل المرسوم رقم 13 لعام 2026، خطوة إيجابية وجريئة في الطريق الصحيح نحو معالجة القضية الكردية في سوريا، حيث يؤسس لبداية عملية مهمة. وتكمن نقاط قوته الرئيسية في اعترافه الرسمي بالوجود الأصيل للكرد في النسيج المجتمعي السوري، ودعوته الصريحة لحماية الثقافة واللغة الكرديتين، وإشارته إلى ضرورة معالجة ملفات الماضي، ولا سيما ما يتعلق بضحايا إحصاء عام 1962. ويولي المرسوم اهتماماً خاصاً لفئتي “الأجانب” و”مكتومي القيد” اللتين أنتجهما ذلك الإحصاء المجحف، مع إقراره بأن فئة “مكتومي القيد” خصوصاً، قد عانت من عدم الاعتراف بوجودها القانوني والإنساني، مما حرم أفرادها لعقود من التعليم وتملك العقارات والوظائف، وهم يستحقون تعويضات عادلة عن تلك المعاناة الطويلة.
ومع ذلك، فإن هذا المرسوم لا يمثل بحد ذاته اعترافاً دستورياً كاملاً، بل هو خطوة أولى في طريق طويل يتطلب إرادة سياسية جادة ونية صادقة لتحويل مبادئه إلى واقع ملموس. فالقضية الكردية في سوريا أكثر تعقيداً من أن يغطيها مرسوم واحد، إذ أن الكرد تعرضوا -إلى جانب الظلم العام الذي شمل جميع السوريين- لاضطهاد خاص ومزدوج بسبب انتمائهم القومي، تمثل في سلسلة من السياسات التمييزية والإقصائية طالت الحقوق الثقافية والسياسية والإدارية، مثل مشروع “الحزام العربي” والتعريب القسري، واشتراط الموافقات الأمنية الثلاثية المستحيلة للمعاملات في مناطقهم، وإغلاق كليات الشرطة والجيش والبعثات الدراسية أمامهم.
لذلك، فإن الجهد الحقيقي يكمن في ضرورة إدخال هذه المبادئ في صلب الدستور الدائم المقبل، لأن الإعلان الدستوري يختلف عن النص الدستوري الملزم. فالسوريون، وبعد تجارب مؤلمة، بحاجة إلى “عقود مكتوبة” وواضحة لتبديد الهواجس وبناء الثقة. وهذا يتطلب تشكيل لجان مختصة لمعالجة جميع الملفات الشائكة المرتبطة بهذه القضية الوطنية العامة، والاستفادة من الوثائق السابقة كتلك التي أصدرها المجلس الوطني السوري. وفي النهاية، فإن نجاح أي خطوة رهين بوجود آليات مؤسسية وقانونية دائمة وحيادية لحل الخلافات واتخاذ القرارات، لضمان مستقبل عادل يطمئن جميع السوريين تحت مظلة وحدة البلاد وسيادتها.
– ما هي أبرز الثغرات والنواقص في هذا المرسوم من وجهة نظركم، خاصة فيما يتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية والإدارية؟
أبرز الثغرات في المرسوم تتعلق بعدم كفاية الضمانات للحقوق الثقافية واللغوية، حيث جعل تدريس اللغة الكردية مادة “اختيارية” في المناطق ذات الغالبية الكردية، بينما الأجدى أن تكون لغة تدريس أساسية إلى جانب اللغة العربية في تلك المناطق، تماماً كما هو الحال في تجارب ناجحة بالمنطقة كمدارس عين كاوا في أربيل التي تدرس اللغة السريانية كلغة أساسية مع تدريس اللغتين الكردية والعربية. إن التحرك نحو هذا النموذج يتطلب القطع مع المنظومة الفكرية التي رسختها سلطة البعث والتخلص من الأوهام التي تمنع الاعتراف الكامل بحقوق الآخر، مما يفتح آفاقاً إبداعية ويعزز أواصر التواصل المجتمعي بين جميع السوريين. فالسوريون اليوم بأمس الحاجة إلى إشارات تطمئنهم بأنهم على أعتاب مرحلة جديدة عادلة تشمل الجميع دون تمييز.
– كيف يمكن قراءة توقيت إصدار هذا المرسوم في ضوء التطورات العسكرية الأخيرة، وهل ترونه جزءاً من مفاوضات أوسع بين دمشق والإدارة الذاتية؟
إن قراءة توقيت إصدار هذا المرسوم لا يمكن فصلها عن السياق العام، حيث كنا نأمل صدوره منذ البدايات رغم وجود إشارات واعدة سابقاً من المسؤولين السوريين بالاعتراف بحقوق الكرد والتعويض عن الظلم الذي تعرضوا له. وقد تأخر هذا الإقرار لظروف مرتبطة بعدم استقرار الأوضاع في سوريا وكثرة التحديات التي تواجهها. ولا يُستبعد أن يكون صدور المرسوم الآن متأثراً بالمفاوضات الجارية مع “قسد”، في محاولة لسحب البساط من تحت أقدامها سياسياً. ولكن الأهم، كما أكدت، هو أن الاعتراف بهذه الحقوق ليس منّة أو هبة، بل هو إقرار بحقوق شريك أساسي في الوطن والمصير، وإن إشعار هذا الشريك بالطمأنينة والضمانات الكافية يصب في النهاية في مصلحة الوطن ككل.
ويمكن تشبيه الأمر بأي مؤسسة ناجحة، حيث يؤدي شعور العاملين فيها بأن حقوقهم وكرامتهم محفوظة، وبأن الإدارة تحترمهم وتسعى لتمكينهم من المساهمة الفاعلة، إلى ازدهار المؤسسة ونجاحها. وبالمثل، فإن المواطن – سواء كان فرداً أو ينتمي إلى مكون مجتمعي معين – عندما يشعر بأن حقوقه مضمونة، وبأن لغته وثقافته تحظى بالاحترام، وأنه لن يتعرض للظلم بسبب انتمائه القومي أو الديني، سيشعر بأنه مواطن أساسي لا يُميّز بينه وبين الآخرين. هذا الشعور يزرع فيه الاعتزاز بانتمائه لهذه الدولة والحرص على تماسكها وازدهارها، كما نرى في حال الكثيرين في الدول الغربية الذين يعتزون بجنسياتهم رغم أصولهم المختلفة.
أما فيما يخص الحالة الكردية، فالكرد ليسوا وافدين، فهم على أرضهم ووطنهم الذي عاشوا فيه منذ آلاف السنين، قبل قيام الدولة السورية الحديثة، وهم جزء أصيل من تاريخ المنطقة والمجتمع السوري. ولذلك، فإن السير نحو دولة مستقبلية مزدهرة يتطلب بالضرورة أن تكون عادلة ومنصفة، تضمن حقوق جميع أبنائها دون استثناء.
– تاريخياً، واجه الأكراد تحديات في علاقاتهم مع القوى الإقليمية والدولية. كيف تقيمون التعاون الكردي السوري مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة؟
تتعامل القوى الإقليمية والدولية مع القضية الكردية أو غيرها بطريقة براغماتية بحتة، إذ غالباً ما تُقدَم وعود للشعوب والقوميات أثناء الحاجة إليها، ثم يُتَنَكَّر لها بمجرد تحقيق المصالح الاستعمارية أو الدولية، كما حدث تاريخياً مع اتفاقيات مثل سايكس-بيكو التي قسمت المنطقة بمعزل عن إرادة شعوبها. وقد استخدمت الولايات المتحدة هذا النهج في تعاونها الأخير مع الكرد السوريين ضمن التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، حيث قدمت دعماً لوجستياً وعسكرياً حينما تطلبت مصلحتها ذلك، لكنها بدأت تعيد حساباتها وتغيير تحالفاتها بمجرد تراجع التهديد الإرهابي، مما يؤكد الطبيعة الوظيفية والمؤقتة لهذه التحالفات من وجهة نظر القوى الكبرى.
وتكشف التجارب التاريخية مع القوى الإقليمية مثل العثمانيين و(الرئيس التركي الراحل مصطفى كمال) أتاتورك و(المرشد الإيراني الراحل) الخميني نمطاً متكرراً، حيث تكون الحلقة الأضعف – وهي المجتمعات الكردية في هذه الحالة – هي الضحية الرئيسية. في العهد العثماني المبكر، كان هناك قدر من التسامح تجاه التنوع الثقافي والإداري، لكن تصاعد النزعات القومية اللاحقة في تركيا وسوريا والعراق وإيران أدى إلى سياسات هيمنة قومية صارمة، سعت إلى دمج أو تذويب الهويات الأخرى. وقد استخدمت إيران، حتى بعد الخميني، الخطاب المذهبي غطاءً لمشروع توسعي قومي في جوهره، مما يبرز الحاجة في تلك المجتمعات الشيعية كلبنان مثلاً، إلى تعزيز “الشيعية الوطنية” داخل كل بلد عوضاً عن الولاءات العابرة للحدود.
من هذه الدروس، يبرز أن الحل الأمثل للكرد – الذين يتوزعون على عدة دول ويحملون حلماً مشروعاً بدولة خاصة – قد لا يكمن في السعي لاستقلال كامل يصطدم بالواقع الجيوسياسي المضطرب، بل في إعادة النظر في الاستراتيجيات والعمل ضمن أطر ممكنة. أحد المقترحات هو إنشاء شكل من أشكال الرابطة أو الجامعة الثقافية والاجتماعية بين المجتمعات الكردية في تركيا والعراق وسوريا وإيران، لتعزيز التماسك الداخلي والحفاظ على الهوية، مع السعي للحصول على حقوق إدارية وثقافية كاملة ضمن الدول القائمة. وهذا يتطلب وعياً كردياً بضرورة توطيد التماسك المجتمعي الداخلي، وبناء أنظمة عادلة في دولهم تضمن حقوق جميع المكونات، مما يحميها من استغلال التناقضات من قبل القوى الخارجية ويؤسس لاستقرار دائم.
– كيف يمكن للحركة الكردية السورية أن تحافظ على مكاسبها وتطور استراتيجية أكثر استدامة في بيئة إقليمية ودولية متقلبة؟
تحتاج الحركة الكردية السورية إلى إعادة النظر في استراتيجياتها وفهم التطورات الإقليمية والدولية بعمق، مع الاستفادة من تاريخها الطويل وتجربتها الثرية في العمل السياسي والاجتماعي. فبدلاً من الانغلاق في النزعات القومية الضيقة التي أضرت بالمنطقة تاريخياً، كما حدث في ظل حكم البعث في سوريا والعراق أو النزعة القومية التركية في عهد أتاتورك، فإن الأفضل التركيز على بناء مشروع وطني سوري شامل وعادل، يكون لكل السوريين حصتهم فيه.
وهذا يتطلب الانتقال من منطق التحالفات “العمودية” القائمة على كتل مذهبية أو قومية منعزلة – كتلة للعرب وأخرى للأكراد وثالثة للسريان أو التركمان – وهو منطق يعزز سلطة “أمراء الكتل” ولا يعكس التنوع والتباينات داخل كل مكون. بدلاً من ذلك، يجب تعزيز التحالفات “الأفقية” والمشروع الوطني الجامع الذي يعطي الأولوية للهوية والانتماء السوري الموحد، ويستفيد من تنوع الأبعاد العربية والكردية والإسلامية والمسيحية والتركمانية في سوريا، لتحويلها من مصادر محتملة للصراع إلى جسور للتواصل الداخلي ومع الدول المجاورة.
ففي سوريا، حيث يمثل العرب السنة الأغلبية، لا يمكن بناء مستقبل مستقر إلا عبر دولة تكون بالجميع وللجميع، تحترم جميع الهويات الفرعية وتوظفها لتعزيز التماسك الوطني والتفاعل الإيجابي مع المحيط. بذلك نتحول من عقلية تشخيص “المشكلة الكردية” أو غيرها كمعضلة يجب التخلص منها، إلى عقلية ترى في هذا التنوع ثروة وفرصة لبناء نموذج تعايش ينهي قرناً من السياسات الفاشلة ويواجه التحديات الإقليمية والدولية المعقدة برؤية متجددة.
– ما هي السيناريوهات المحتملة للعلاقة بين الإدارة الذاتية ودمشق في المرحلة المقبلة، وهل ترون إمكانية لتفاهم دائم؟
مشروع الإدارة الذاتية يواجه واقعاً جديداً بعد تراجع نطاقه الجغرافي، حيث انسحبت “قسد” إلى محافظة الحسكة بعدما كان المشروع يمتد ليشمل الرقة ودير الزور وأجزاء من حلب. في الحسكة، تتعايش “قسد” مع قوى كردية سورية أخرى متجذرة في المجتمع وتؤمن بأن حل القضية الكردية يجب أن يكون ضمن إطار وطني سوري، عبر تفاهم مع دمشق يضمن الحقوق ويرفع الظلم مع الحفاظ على وحدة الوطن والشعب.
إحدى التحديات الرئيسية التي تواجه “قسد” هي علاقتها الملتبسة مع حزب العمال الكردستاني، والتي قد تشكل عبئاً وتعقيداً في مسارها السياسي، رغم تأكيداتها المتكررة بعدم وجود ارتباط تنظيمي. ومع ذلك، فهناك توجهات داخل “قسد” نفسها تنزع نحو الانضمام إلى المشروع الوطني السوري، وهذا ما يمكن تعزيزه عبر حوار أوسع يشمل جميع القوى الكردية السورية الأخرى والمفاوضات المباشرة مع الحكومة السورية في دمشق.
المفتاح لتفاهم دائم يكمن في جعل هذه المفاوضات عملية وطنية شاملة، لا تقتصر على طرف واحد، بل تضم ممثلي مختلف القوى الكردية إلى جانب القوى السياسية والمجتمعية السورية الأوسع، لضمان أن أي اتفاق يصبح وثيقة وطنية يُجمع عليها السوريون. هناك مؤشرات إيجابية، كالمرسوم الرئاسي الأخير الذي يُظهر تفهماً من قبل الرئيس السوري أحمد الشرع لعمق القضية الكردية والظلم التاريخي الذي عانته، وإرادة لمعالجته، مما يبعث الأمل في إمكانية التوصل إلى تسوية سلمية. مثل هذا التفاهم ضروري لتحاشي أي صراع داخلي جديد، لأن الخاسر الوحيد فيه سيكون جميع السوريين وسوريا نفسها.
– كيف يمكن للأكراد السوريين تعزيز وحدتهم الداخلية وتطوير رؤية مشتركة في هذه المرحلة الحرجة؟
يعمل الأكراد السوريون على بلورة رؤية مشتركة من خلال وثائق وتوجهات موجودة بالفعل، حيث عقد مؤخراً اجتماع في القامشلي بين مختلف الأحزاب والقوى الكردية السورية للسعي نحو توافق على موقف موحد في هذه الظروف الصعبة. وتتمحور هذه الرؤية بشكل عام حول هدفين رئيسيين: الأول هو ضمان الحقوق الكردية الكاملة التي لا تزال غير محققة، والثاني هو رفع الإجراءات والمشاريع التمييزية السابقة مع تعويض المتضررين منها، استناداً إلى التوافقات التي ستتم.
ويلعب الجانب الآخر دوراً محورياً، حيث أن معالجة هذه القضايا تتطلب إرادة متبادلة ولا يمكن أن تتحمل مسؤوليتها جهة واحدة. فمن الضروري أن تتحمل الدولة، بوصفها تمثل المؤسسات الدستورية والتنفيذية والقضائية، مسؤوليتها الكاملة في هذا الإطار. يجب أن تعمل على تغليب المصلحة العامة وطمأنة جميع مواطنيها عبر عهود مكتوبة واضحة، وإجراءات ملموسة تعزز الثقة، وآليات فعالة لحل أي خلافات قد تنشأ في المستقبل.
– ما هي رسالتكم للقوى الدولية المهتمة بالشأن السوري بخصوص الحقوق الدستورية للأكراد وضرورة إدراجها في أي حل سياسي مستقبلي؟
رسالتي الموجهة للقوى الدولية والإقليمية المهتمة، خصوصاً تركيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية وروسيا، تؤكد أن الكرد يمثلون جزءاً أساسياً وأصيلاً من النسيج المجتمعي السوري، يتمركزون تاريخياً في مناطق الشمال ذات الغالبية الكردية الممتدة من الجزيرة العليا والسفلى في الحسكة وديريك (المالكية) وصولاً إلى رأس العين وكوباني وعفرين، بالرغم من ما سببته التقسيمات الحدودية الاعتباطية من انقطاع بين هذه المناطق. إن الاستقرار الحقيقي والدائم في سوريا والمنطقة ككل لن يتحقق دون إيجاد حل عادل وشامل للقضية الكردية، وذلك بمعالجتها بعقل وقلب مفتوحين. هذا الاستقرار يهم كل القوى، فدول الجوار وأوروبا هي الأكثر تأثراً بتداعيات عدم الاستقرار من خلال موجات اللاجئين والتهديدات الأمنية، كما أن استقرار سوريا أمر حيوي للمصالح الأميركية في المنطقة بما فيها إسرائيل والأردن ودول الخليج. يجب أن تتم هذه المعالجة بحكمة وموضوعية في إطار وطني شامل يضمن حقوق جميع المكونات السورية، بما فيها الكرد المنتشرين في كل المدن السورية كدمشق وحلب وحمص واللاذقية وغيرها، تماماً كما يجب حل قضايا المكونات الأخرى كالعلويين والدروز والمسيحيين والسريان والتركمان، لأن تعزيز أسس الاستقرار يقوم على الاعتراف بالجميع والعمل من أجل صالح الكل.
المدن



