الناسسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

ماضياً وحاضراً.. السورية رمز الحكمة والجرأة/ روز هلال

من التاريخ القديم إلى الحاضر: المرأة السورية رمز الحكمة والجرأة

2026-01-22

منذ العصور القديمة، كانت المرأة السورية حاضرة في قلب التاريخ، لا كمتفرجة بل كقائدة وصانعة للأحداث. ففي الماضي، اعتلت العرش ملكات مثل زنوبيا التي حكمت تدمر في القرن الثالث الميلادي متحدية الإمبراطورية الرومانية، وجوليا دومنا التي أصبحت إمبراطورة روما وأدارت شؤون الدولة بحكمة وحنكة. جسّدت هؤلاء النساء صورة القوة والريادة، وأثبتن أن المرأة السورية قادرة على قيادة الشعوب وصياغة مسار الحضارات.

أما في الحاضر، ورغم التحديات التي فرضتها الأزمات السياسية والاجتماعية، ما زالت المرأة السورية تواصل دورها الحيوي في المجتمع. فهي اليوم ناشطة في ميادين السياسة، الثقافة، والفكر، كما أنها تقف في الصفوف الأمامية للدفاع عن حقوق الإنسان والمطالبة بالحرية والعدالة. وبينما كان الماضي عنواناً للملكات والمحاربات، فإن الحاضر يكتب فصوله عبر نساء مناضلات وصانعات تغيير، يواجهن الاستبداد والاحتلال، ويسعين لإعادة بناء وطن مزقته الحروب.

وهكذا، يظهر دور المرأة السورية كجسر ممتد بين الأمس واليوم: من ملكة تحكم وتؤسس، إلى ناشطة تناضل وتبني، لتبقى رمزاً للقوة والجرأة في كل زمان ومكان.

نصوص أوغاريت وماري وتدمر: شواهد على حضور المرأة

تقول الدكتورة والكاتبة والمختصة بالاقتصاد السياسي والمقيمة في رام الله ـ فلسطين، تمارا حداد لـ”963+” إنَّ سوريا القديمة كانت من أكثر مناطق الشرق القديم تقدماً في دمج المرأة في الحياة العامة مقارنةً بكثير من الحضارات المعاصرة، حيث لم تكن المرأة هامشية بل كانت فاعلاً مؤسساً في صنع الحضارة.

وتضيف: “أظهرت نصوص أوغاريت وماري وتدمر والنقوش الآرامية أن المرأة السورية وصلت إلى موقع صانع القرار؛ فالملكة في ماري في القرن الثامن عشر قبل الميلاد كانت تحكم فعلياً عند غياب زوجها الملك زمريليم، وتصدر الأوامر العسكرية والإدارية، كما أن الملكة زنوبيا في القرن الثالث الميلادي حكمت إمبراطورية واسعة امتدت من مصر إلى الأناضول وواجهت روما سياسياً وعسكرياً”.

وتضيف حداد أن المرأة السورية في العصور القديمة لم تُحصر في ظل الرجل، بل مُنحت شرعية سياسية كاملة، وكانت تملك الأراضي وتدير المخازن وتشرف على شبكات توزيع الغذاء وتشارك في العقود التجارية، كما مثلت قوى الخصب والشرعية في الحضارة السورية. وكانت المرأة آنذاك حاملة للمعرفة وليست متلقية لها، بل رسختها في بنية الحضارة.

دورها في ترسيخ المعرفة داخل الحضارة السورية

أما في الحاضر، فتشير حداد إلى أن تراجع دور المرأة لم يكن طبيعياً، بل نتيجة تحولات تاريخية عميقة فرضتها المجتمعات الذكورية، حيث أصبحت السلطة قائمة على الحروب والصراعات، وأدى ذلك إلى إقصاء المرأة من المجالات العامة والتعليم والصحة. ومع صعود حركات الإسلام السياسي تغيّرت النظرة إلى المرأة باعتبارها بلا شريك، مما أضعف الأفكار التحررية التي كانت تؤسس لشراكة حقيقية بين الرجل والمرأة.

وترى أن سوريا القديمة كانت مدنية تجارية منفتحة، بينما اليوم أصبحت أكثر انغلاقاً وسلطوية وأبوية، وهو ما يؤدي إلى خنق المرأة.

ولتعزيز دور المرأة في الحاضر كما كان في الماضي، تدعو حداد إلى تفكيك فكرة أن حقوق المرأة هي فكرة غربية، وتؤكد أن هذه الحقوق يجب أن تنبع من المجتمع ذاته، وأن التاريخ يثبت أن المرأة السورية سبقت أوروبا في كثير من المجالات. وتشدد على ضرورة إعادة المرأة إلى المجال العام في الحكم والاقتصاد والثقافة والسياسة، واستخدام التاريخ كسلاح ثقافي يعزز مكانتها.

من جانبها تستحضر الدكتورة والأكاديمية والباحثة زينة منصور، في تصريحات لـ”963+” سيرة الملكة زنوبيا بوصفها نموذجاً تاريخياً للمرأة السورية القوية.

وتؤكد منصور أن زنوبيا، التي قادت مملكة تدمر في القرن الثالث الميلادي، شكّلت رمزاً للذكاء والشجاعة والقيادة، إذ تولّت بنفسها قيادة الجيوش، وتحدّت الإمبراطورية الرومانية، ووسّعت حدود مملكتها، كما رعت الفنون والعلوم ودعمت التجارة والثقافة، لتبقى حتى اليوم رمزاً للمرأة التي لا تنحني أمام التحديات وتسعى لتحقيق أهدافها بإصرار.

وتشير منصور إلى أن المرأة السورية تعيش تحولات كبيرة بين الماضي والحاضر، وتوضح أنه “في الماضي واجهت النساء صعوبات كبيرة في مجالات التعليم والعمل والحرية الشخصية، بينما نشهد اليوم حضوراً متزايداً للمرأة في ميادين العمل والسياسة، وظهور نساء سوريات كقائدات في مجالاتهن يسعين إلى تحسين أوضاع المرأة والأسرة”.

وفي سياق المرحلة الانتقالية الحالية بعد سقوط نظام الأسد، لا يزال تمثيل النساء في المؤسسات السياسية محدوداً بشكل واضح. فبحسب نتائج أولية لانتخابات البرلمان السوري الجديدة، التي جرت في إطار المرحلة الانتقالية، فقد تم انتخاب ست نساء فقط من أصل 119 عضواً منتخباً، وغالبيتهن من الأقليات الدينية، مما يعكس انخفاضاً كبيراً في تمثيل النساء مقارنة بالحاجة لتمثيل حقيقي وشامل في مؤسسات صنع القرار الوطني.

وبحسب دراسات محلية، فإن مرحلة ما بعد الثورة السورية مثلّت قفزة نوعية في مشاركة النساء في العمل السياسي مقارنة بالعقود السابقة، حيث بدأت النساء يتوجهن نحو مراكز صناعة القرار، وشارك بعضهن في نقاشات دستورية وملفات غير نمطية مثل الأمن ومكافحة الإرهاب، مما يعكس رغبة قوية في التأثير الفاعل والخروج من التهميش الطويل.

ورغم أن القوانين الرسمية في سوريا كانت تضمن مساواة دستورية للمرأة مع الرجل في الحقوق المدنية والسياسية، إلا أن التطبيق العملي ظلّ محدوداً بسبب بنى اجتماعية محافظة وأعراف ثقافية تحول دون مشاركة واسعة في الحياة العامة، كما أن بعض النصوص القانونية والقواعد الاجتماعية حالت دون وصول المرأة إلى مناصب قيادية حقيقية حتى قبل الحرب.

إنجازات تتقدم وتحديات لا تنتهي

غير أن منصور تلفت في الوقت ذاته إلى أن هذا التقدم لا يلغي حجم التحديات القائمة، خاصة في ظل سنوات الحرب، حيث “تتعرض العديد من النساء للعنف والتهجير والفقر، ورغم ذلك أظهرت المرأة السورية قوة لافتة في مواجهة الأزمات، وأسهمت في بناء مستقبل أفضل لبلدها”.

وتؤكد الباحثة أن المجتمع الراهن “ما زال بعيداً عن إنصاف المرأة مقارنة ببعض المجتمعات الحضارية التاريخية”، وتشدد على أن التمييز ما زال قائماً في ثلاثة مجالات رئيسية هي: التمييز الجنسي في العمل والأجور والفرص الوظيفية، والعنف الجسدي والنفسي المنتشر في كثير من البيئات، إضافة إلى القيود الاجتماعية والثقافية التي تحد من حرية المرأة وخياراتها.

وتختم منصور حديثها بالتأكيد على أن “رغم ما تحقق من تقدم في مجالات التعليم والعمل والسياسة، إلا أن الطريق لا يزال طويلاً لتحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين”، معتبرة أن إنصاف المرأة شرط أساسي لبناء مجتمع متوازن ومستقر.

وأظهرت دراسات مستقلة أن دور المرأة السورية في المجتمع شهد تغيّرات مهمة مع استمرار الحرب. فالصراع المستمر زاد من عدد الأسر التي تُدار وتُعيلها نساء نتيجة اختفاء أو وفاة أو هجرة الرجال، مما جعل النساء سيدات القرار في نحو واحد من كل ثلاثة أسر في بعض المناطق. هذا التغيير يعكس كيف فرضت الظروف الضاغطة تحوّلاً في أدوار النساء الاجتماعية والاقتصادية، رغم استمرار القيود الاجتماعية والثقافية.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى