تاريخ

مجلة «اليوم السابع»: مغامرة بلال الحسن الباريسية/ أحمد نظيف

قصّة مجلّة «اليوم السابع»، واحدة من أهم المجلات السياسية الثقافية العربية الصادرة في المهجر، من عام 1984 حتى عام 1991، التي مثّلت لكثير من المثقفين العرب نافذة على عالم آخر ممكن.

04 تشرين الثاني 2025

حدث ذلك في اليوم نفسه الذي وضع فيه زين الدين زيدان هدفين في شباك البرازيل برأسه دون أن تهتز له قدم، في نهائي كأس العالم 1998. تصفحتُ لأول مرةٍ في حياتي أعدادًا قديمةً من مجلة «اليوم السابع»، التي انقرضت قبل أعوامٍ. كانت متروكةً وقد أتى عليها الغبار في كومةٍ من المجلات والصحف تخصُ خالًا لي كان مغرمًا بالقراءة والسياسة ثم صرفته عنهما الحياة.

لم أفكر كثيرًا في الأمر، قمت بتمشيط ما استطاعت يداي حمله إلى البيت. وأسرفتُ ما تبقى من عطلة الصيف، المملة في قرية بعيدة، في قراءة تلك الأعداد وإعادة قراءتها. بعضها كان مفهومًا وكثيرٌ منها بدا لي معقدًا ولكنه جذاب. الصور والرسومات كانت آسرةً. وربما كانت تلك الأيام، على بُعدها اليوم، حاسمةً بالنسبة لي في أن أكون كاتبًا أو صحفيًا أو مقتربًا من هذا العالم الذي بدا لي حينها ساحرًا. وبعد أن نزحت إلى العاصمة التونسية طالبًا، أقمت زمنًا ملاحقًا أرشيف المجلة المدفون في سوق الكتب القديمة بشارع الدباغين وفي دار الكتب الوطنية وفي كل مكانٍ لجمع أعدادها الثلاثمئة، بلا جدوى.

عندما أدركتُ «اليوم السابع»، كانت «اليوم السابع» قد توقفت. وهي لعنة بالنسبة لي لا تخص المجلة فحسب، بل كل الأجواء الفكرية والسياسية التي كنت مفتونًا بها في ذلك الوعي اليافع المُبكّر والساذج. أدركتُ أنني وصلت متأخرًا، فكل ما فتُنتُ به فكرًا وصحافةً وسياسةً كان قد انهار، وتحول إلى صورٍ رومانسية ما زالت حتى اليوم تُلح عليّ بين الحين والآخر. بوسترات القادة والنصوص النظرية الصلبة والنشرات السرية وصحافة المنافي وانحناءة مخزن الكلاشن والأسماء الحركية. لكن الأمر بالنسبة لمن عايشوا تجربة «اليوم السابع» (1984-1991) لا يُلح عليهم كرومانسية بقدر ما هو حنين جارف في وقتٍ صار رموزها وكُتابها ينسلّون من الحياة واحدًا إثر آخر. يتذكرها الكاتب المصري وائل عبد الفتاح في يوم رحيل ناقد المجلة السينمائي خميس الخياطي فيكتب:

«كل أربعاء عند لومومبا، بائع الصحف في المكان المتميز على شارع البحر في المحلة الكبرى، كنت أنتظر وصول ربطة الصحف المسافرة عبر القطار. وفي أول نظرة وقبل فك الرباط، وبسبب حجمها الطويل كان يمكنني لمح غلاف «مجلة من نوع جديد»، قادمة من باريس واسمها «اليوم السابع»، وفيها اكتشفت عالمًا جديدًا في قراءة الصحف وفي الكتابة. كانت الصحافة المصرية في واحدة من كبواتها تسيطر عليها حالة تشبه فيها الماء لكنها ليست ماء، وتصيبك باضطراب لا يصل إلى ألم أو انزعاج (..) حالة يمكنك تجاوزها دون أي مشاعر لكنها تملأ كل الفراغ حولك (..) اليوم السابع أنقذتني. كانت بابًا كبيرًا التقيت فيه بكتاب في السياسة على رأسهم جوزيف سماحة الذي عملت معه فيما بعد واقتربنا من أن نكون أصدقاء بمعنى ما».[1]

أما الكاتب والصحفي التونسي لطفي حجّي، فمن شدة إدمانه عليها فقد «قطع ذات صيف أربعين كيلومترًا ما بين مدينتين عبر الحافلة لشراء نسخته الأسبوعية». ربما تتشابه قصة وائل عبد الفتاح ولطفي حجّي مع «اليوم السابع» مع قصص المئات من العرب في كل مكانٍ كانت تصله المجلة. لأنها كانت نسيجًا لوحدها في غابةٍ من المجلات العربية تصدر شرقًا وغربًا، كما شكلت محطةً فارقة في تاريخ الحياة الفكرية والصحفية العربية المعاصرة منذ ظهور عددها الأول في باريس عام 1984، وحتى عددها الـ348 والأخير في عام 1991.

تحوّلت المجلّة إلى فضاءٍ لإعادة تشكيل قطاع من المثقفين العرب حول فكرة العروبة دون السقوط في صنمية الإيديولوجيا، وربطت كل ذلك بمركزٍ سياسي وفكري هو فلسطين، دون إهمالٍ لأجنحة الوطن العربية القريبة والقصية، وعملت من خلال مستقرها الباريسي أن تكون قنطرةً بين الثقافة الفرنسية والعالم العربي. لكن وجودها بعيدًا عن مكان موضوعها مثّل دائمًا مفارقة، فهي كانت نتاج ذلك الخروج المريع للمقاومة الفلسطينية من بيروت خريف 1982، وقبلها الخروج الأكثر ترويعًا لمنظمة التحرير من أفق المقاومة، ودفعها للنزوح غربًا ضيقُ آفاق الحرية والتعبير والصحافة في 22 بلدًا عربيًا كان طابقٌ في بناية تقع عند زاوية شارع توكفيل في الدائرة الباريسية السابعة عشر أكثر اتساعًا منها.

اختيار المنفى

عندما غادرت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بيروت بعد حصار صيف 1982، وغادر معها المئات من الصحفيين والمثقفين والمقاتلين نحو تونس واليمن والسودان والجزائر، فقدت قوتها الإعلامية التي كانت تستمدها من شروط الساحة اللبنانية المساعدة على النشر بلا قيود. في تونس حيث استقرت القيادة كان نظام الحزب الواحد بقيادة الحبيب بورقيبة غير مؤهلٍ لاستقبال صحافة حُرةٍ. وفي السودان والجزائر واليمن كان الوضع أكثر سوءًا في هذا الجانب.

استقر ياسر عرفات والكادر القيادي للمنظمة في تونس، ومعه استقرت المؤسسات الإعلامية الرسمية مثل وكالة الأنباء الفلسطينية وبعض المجلات الدورية، التي تصدر عن اتحادات العمال والمرأة والكُتاب. فيما طار فريق تحرير مجلة «فلسطين الثورة» إلى قبرص لتصدر من هناك. وكذلك فعل محمود درويش عندما نقل مجلته «الكرمل» إلى نيقوسيا. في لندن وباريس كانت الصحف والمجلات العربية تتكاثر منذ منتصف السبعينيات، وكانت كل واحدةٍ منها تدين بالولاء والمال لنظام عربي.

شكّل خروج عرفات إلى تونس توجهًا جغرافيًا ذا رمزيةٍ سياسية. كانت تونس بعيدةً عن خط المواجهة المسلحة، وهو ما رمز في ذلك الوقت إلى جنوح قيادة منظمة التحرير إلى خياراتٍ غير طريق الكفاح المُسلّح. أمّا الفصائل التي واصلت الرهان على السلاح فغادرت إلى دمشق. استشعر عرفات أن معارك سياسية شديدة قادمة في الطريق وتحتاج منابر وأصوات، وقرّر أن يصنع لنفسه مجلّته كما صنع كل نظامٍ عربي منبرًا له في العواصم الغربية، حيث كانت المعارك بين الأنظمة تُخاض على صفحات مجلات المهجر. في شهادته عن ولادة مجلة «اليوم السابع»، التي رواها للكاتب والصحفي فيصل جلول، يقول الكاتب والعضو السابق في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بلال الحسن:

    «بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت لجأتُ إلى دمشق. ذات يوم اتصل بي ياسر عرفات هاتفيًا، قال لي حضّر شنطة السفر وتعال إلى المكتب. ما كنت أعرف غرض هذه الدعوة (..) قال بدنا ننشر مجلة خاصة بنا وإنت مكلف بهذه المهمة. قلت له لا لزوم لمجلة يا أبا عمار. يمكننا أن ننشر أي شيء تريده في منابر عديدة لماذا نصرف ميزانية على مجلة ما دمنا قادرين على الاستغناء عنها؟ ردّ هامسًا وكأنه يُخفي سرًا: سيأتي اليوم الذي لن نجد فيه منبرًا ينشر لنا ما نريد قوله، لذا يجب أن نستعد لهذا اليوم ونُحضّر له منذ الآن (..). كان مطروحًا أمامنا إما لندن أو باريس. كنت أرى أن باريس أفضل لأن العرب فيها أكثر عددًا وأكثر ثقافة. أمّا الحضور العربي في لندن فهو مميز برجال الأعمال والثروات. وقع الاختيار على باريس وجاءت الموافقة على أن نبدأ التحضير. كان ذلك في العام 1983 والصدور في العام 1984. انتشرت شائعات أن الاسم اختاره محمود درويش وهذا ليس صحيحًا. اختار الاسم الصافي سعيد. كنت أناقش التسمية مع صحافيين كثر في باريس وكان الصافي بينهم وهو الذي اقترح الاسم ووجدته مناسبًا».[2]

في الوقت الذي غادر فيه الحسن إلى دمشق ثم فرنسا مرورًا بتونس. قرر الصحفي اللبناني جوزيف سماحة، مدفوعًا بشعور بالهزيمة الذي ساد بعد مغادرة منظمة التحرير وصعود بشير جميل ثم شقيقه أمين إلى الرئاسة، الرحيل عن لبنان، بعد تجربة فارقة في جريدة «السفير» مع مؤسسها طلال سلمان. في باريس تقاطعت دروب الحسن وسماحة ليكون الأول مؤسس «اليوم السابع» والثاني رئيسًا لتحريرها، أما الإدارة فقد أُسندت للمغربي رشيد سكيرج. كما ضّم فريق المجلة صحفيين وإداريين من أغلب الدول العربية: بيار أبي صعّب وفيصل جلول وخميس الخياطي وبشير البكّر وضحى شمس وجان دوغي وعبد الله إسكندر وإبراهيم العريس وعيسى مخلوف والباهي محمد وإلياس حنا إلياس وصالح بشير وكاظم جهاد وإميل منعم. كما كتب فيها أبوابًا ثابتًا مثقفون بارزون مثل محمد عابد الجابري، وشاكر مصطفى، وحسن حنفي، وصلاح أحمد إبراهيم، ومحمود درويش، وإميل حبيبي، وسميح القاسم، وأنور عبد الملك، وهشام جعيّط.

وفي افتتاحية العدد الأول، حدد بلال الحسن الإطار الإيديولوجي للمجلة، مشددًا على الانتماء إلى «معسكر التقدم، والعدالة، والتنمية الاجتماعية». وموكدًا أن شاغلهم الأساسي على المستوى العربي هو «مواجهة المحاولات المستمرة لنزع ثقة الأمة بنفسها وفرض أشكال سياسية إقليمية على كل بلد عربي، وما يترتب على ذلك من انقسامات وصراعات تصرف النظر عن قضايا التقدم السياسي».[3]

فرادة التجربة

كانت أغلب الصحف العربية في المهجر، تدين بالولاء والمال للأنظمة، ولم تكن «اليوم السابع» خارج هذا الولاء، فقد كانت مجلة منظمة التحرير، خطًا سياسيًا وتمويلًا، ولكنها تمتعت بقدرٍ أوسع من الحرية. أولًا لأن التناقضات داخل المنظمة وبين القادة والأجنحة تقدم فرصة للعب على هوامش التناقض. وثانيًا، وهذا الأكثر أهمية، هو الطبيعة الشخصية والفكرية لمديرها بلال الحسن، القادم من تجرب قومية ويسارية، والذي يتمتع بسمات شخصية استقلالية ونقدية، وكذلك لرئيس تحريرها جوزيف سماحة، الذي كان وضعه ضمن ولاءٍ سياسي أو فكري ضربًا من المستحيل. كان سماحة يعتبر «الصحافة هي حزبه»، متجنبًا أن يكون مثقفًا حزبيًا بالكامل رغم كونه رفيق دربٍ لعدة تنظيمات سياسية.[4]

وربما كانت هذه الأسس هي ما خلق فرادة تجربة «اليوم السابع»، وأعطى مجالًا لصحفيين وكتاب ليصنعوا تجربة لم تتكرّر. وقد لعب القسم الثقافي -الذي سيطر عليه اليسار- دورًا كبيرًا في شعبية المجلة عربيًا. فقد شكلت الصفحات الثقافية حوالي نصف المجلة، وقد أداره كًتاب وناقدون مثل إبراهيم العريس وخميّس الخياطي وبيار أبي صعب، الذي اشتهر عند قراء المجلة بزاوية «فواصل». كما صنعت التحقيقات الميدانية والاهتمام بقضايا المغرب العربي والمهاجرين العرب في أوروبا شعبيةً للمجلة خارج المشرق العربي. وقد تميّزت بشكلٍ خاصٍّ بقسم الرأي، الذي شكّل قوة المجلة وهويتها لقرائها، من خلال حشد طيفٍ واسعٍ من الكتاب المساهمين من جميع أنحاء الوطن العربي.

في شهادةٍ عن تجربته داخل مكاتب «اليوم السابع» يقول الصحفي السوري بشير البكر:

    «كانت تلك أول تجربة مهنية لي في دورية أسبوعية، وبالمسؤوليات التي وقعت على عاتقي، وهذا ما حدث أيضًا لصحفيين آخرين كالصحفيين اللبنانيين سمير قصير وبيار أبي صعب. لم تكن «اليوم السابع» تعاني من مشاكل تمويلية، على عكس العديد من الدوريات العربية الأخرى، مما منحها حرية أكبر في قراءة الوضع السياسي العربي دون مراعاة الخطوط الحمراء للصحافة العربية. أتذكر -على سبيل المثال- أنني كتبت في حزيران 1986 مقالًا من تونس حول الصراع على خلافة الحبيب بورقيبة، مما أدى إلى طردي من البلاد. اشتكى رئيس الوزراء آنذاك، محمد مزالي، إلى ياسر عرفات، الذي كان يقيم آنذاك في تونس. كان دافع شكوى مزالي هو أن تحقيقي أفاد بأن الأخير يمثل الطرف الأضعف في مواجهة تيار وسيلة بورقيبة، زوجة الرئيس. كان ينتظر تدخل ياسر عرفات لدى المجلة ، لكن رده كان أن الصحيفة الأسبوعية مستقلة، والدليل أنها نشرت مقالات تنتقده رغم أنه كان يمولها».[5]

تزامن صدور المجلة مع الانشقاق الكبير داخل حركة فتح، وكذلك اندلاع حرب المخيّمات في لبنان، وفي الأزمتين، كانت المجلة داعمة لخط عرفات، وشكّلت مقالات جوزيف سماحة خلال حرب المخيمات علامةً أساسية في مسيرة المجلة وفي حشد دعم عربي شعبي ونخبوي كبير. كما حظيت الدورة الثامنة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1988 في الجزائر بتغطية واسعة ونوعية في المجلة، والذي شهد إعلان الدولة الفلسطينية. وهو الإعلان الذي دعمه الحسن وسماحة في مقالاتهما. فضلًا عن التغطية التي حظيت بها الانتفاضة الأولى بكل أبعادها. لكن هذا الدعم لن يتواصل بالوتيرة نفسها، بعد توجه عرفات نحو فتح قنوات التواصل مع الولايات المتحدة ثم بداية التمهيد للتسوية مع «إسرائيل».

لعنة التسوية

شرع ياسر عرفات منذ بداية التسعينيات في التمهيد لمرحلة جديدةٍ أساسها التسوية مع «إسرائيل»، ولم يبق حتى ذلك الوقت سوى التفاوض حول طبيعة هذه التسوية وتفاصيلها. كانت أخبار المحادثات السرية مع الأمريكان في تونس، ثم المعلنة، طافحةً بتفاصيل كثيرةٍ عن الطريق الذي بدأت قيادة منظمة التحرير في سلوكه. في الوقت نفسه كان الشطر الشرقي من العالم ينهار، وتنهار معه أحلام وأفكار ودول ومجتمعات.

يروي بلال الحسن أجواء إقفال المجلة بالقول إن مسؤول الشؤون المالية في المنظمة تواصل معه لغايات تخفيض إنفاق المجلة للنصف، وهو ما عنى إقفالها إذ كانت أصلًا تعمل بميزانية متقشّفة. لاحقًا أخبره أبو عمّار نيته نقل المجلة لتونس، وهو أمرٌ لن يكن ممكنًا «ذلك أن شروط النشر في تونس ليست كشروط النشر في باريس، ناهيك عن أن فريق العمل كان مستقرًا في العاصمة الفرنسية لذلك فهمت منه أنه يريد إقفالها»، كما سمع أن الرجل الثاني في المنظمة وقتها، أبو مازن محمود عباس يقف ضد إصدارها، وعندما راجع الأخير في هذه المسألة قال عباس «أنا لست ضد المجلة ولكن أبو عمار قرّر يعمل مجلة من دون أن يقول لأحد وقرر أن يصرف عليها نصف الموازنة. هذا ما كنت ضده».

لم يكن أبو مازن في الحقيقة ضد إصدار المجلة لأنها تستنزف مالًا كثيرًا، بل لأنها كانت ضد التسوية بوضوحٍ، ولأن أشخاصًا مثل بلال الحسن وجوزيف سماحة ليس من السهل تطويع رأيهما أو استمالتهما أو تهديدهما، لذلك كان خنق المجلة ماليًا وتاليًا إغلاقها السبيل الوحيد لمنع صوتهما من النقد. فقد كان أبو مازن، من يقود التسوية في ذلك الوقت. ومع ذلك واصل الحسن وسماحة، خارج المجلة توجيه نقدٍ جذري لمسار التسوية والثقافة التي شكلها حينذاك، كما في كتاب جوزيف سماحة «سلام عابر: نحو حل عربي للمسألة اليهودية»، وكتاب بلال الحسن «ثقافة الاستسلام: قراءة نقدية في كتابات كنعان مكية وحازم صاغية وصالح بشير والعفيف الأخضر وأمين المهدي».

فضلًا عن ذلك، تزامن نفور قيادة المنظمة من استعصاء المجلة مع نشوب حرب الخليج بعد غزو العراق للكويت في الثاني من آب 1990، والتي انحاز فيها عرفات إلى صف العراق، وخسر بذلك دعمًا ماليًا كبيرًا كان يأتيه من دول الخليج، لاسيما السعودية والكويت، وهو ما أعطاه المبرّر للتعجيل بوقف تمويل المجلة، التي اختفت بعد صدور عددها الأخير في كانون الثاني 1991، أيامًا قليلةً قبل بداية عملية عاصفة الصحراء. ورغم ذلك ظل عرفات يُشيع أخبارًا حول إمكانية عودة التمويل، وظل الصحفيون والقراء متعلقين بحبل أملٍ لعودة المجلة إلى الظهور. يقول الصحفي فيصل جلول عن تلك الأماني:

    «للحق كنتُ أعتقد أن المجلة ستستأنف الصدور قريبًا، خصوصًا أنني التقيت بعد أشهر بالرئيس ياسر عرفات على هامش عيد الوحدة اليمنية. قال لي: هذه بشارة لكم. ستعود اليوم السابع قريبًا إن شاء الله. سعدتُ بالخبر ونقلته إلى جوزيف سماحة، الذي كان مشاركًا في الاحتفال فقال لي لا تصدق. لو أراد عرفات أن تبقى المجلة لما عمل على إقفالها. وكان تقديره صائبًا».[6]

بهدوءٍ وكرامةٍ تُشبه هدوء مكتبةٍ تُغلق أبوابها عند الغسق، أغلقت «اليوم السابع». فضّل بلال الحسن أن تظل ذكراها في النفوس طيبةً، على أن يبيعها لأي نظام عربي، وقد كان الزبائن على بابه كثيرين في ذلك الشتاء الكالح. وقفت المجلة طيلة الثمانينيات علامةً على جدوى الصحافة في الشأن العام، وجدوى ما تبقى من عروبة في خضم زحف الانعزاليات بمختلف ألوانها، وجدوى الجدل العقلاني، والفضول الفكري، والإيمان الراسخ بأن الأفكار، حتى غير الشائعة منها، تستحق الإصغاء. أما قراؤها، فكانوا من المؤمنين بأن جملةً مُحكمةً قادرة على تغيير موقفٍ، إن لم يكن العالم. لكن الزمن تغير.

لم تكن مأساة «اليوم السابع» فقدانًا للمصداقية، كما يجري لتجاربٍ صحفية يأكلها الزمن. كانت المأساة أن العالم، وأساسًا عالمها الفلسطيني والعربي، لم يعد يرغب فيها، لأن سوق التسوية السياسية والثقافية المنتعشة حينذاك كانت كارهةً لكل من يشكك في بضاعتها المزجاة.

أُغلق الباب للمرة الأخيرة في ظهيرة شتويةِ زاخرة بضوء ذهبي عابر. ومع ذلك، في مكان ما، في علية مغبرة لقارئ قديم كخالي، أو رف كتب أحد الطلاب كحالي، وفي نفوس من أحبوها وتأثروا بها، ظلت أعداد المجلة،[7] خالدةً وشاهدةً على تجربةٍ ربما لن يجود تاريخ صحافتنا العربية بمثلها.

حبر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى