مقالان تناولا العلاقة السورية اللبنانية

———————————————-
حزب الله – الشرع: مرحلة جس نبض/ عبد الله قمح
الاثنين 2026/01/19
عند «الكوع»، يقف كلٌّ من حزب الله والرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع في موقع الانتظار. الحزب يراقب بدقة مآلات مسار التقارب الجاري، برعاية أميركية، بين دمشق وتل أبيب، معلقاً آماله على ألّا يفضي إلى نتائج ملموسة. فاختلال موازين القوى، الذي يبني عليه بنيامين نتنياهو مقاربته، يصبّ في مصلحة إسرائيل لا دمشق، التي باتت، وفق القاموس السياسي الراهن، دولة واقعة تحت الاحتلال. في المقابل، يسعى نظام الشرع إلى اختبار كيفية تعامل الحزب مع سوريا الجديدة، وكيفية تعامل سوريا مع الحزب، وسط ترجيحات متبدّلة بين التباعد والتقارب.
خلال الشهر الماضي، نشطت تركيا على خطّ تقريب العلاقة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، إلى جانب ملفات أخرى ذات اهتمام مشترك مع الحزب. ويتردّد أن مسؤولين قياديين في الحزب زاروا أنقرة في أكثر من محطة، بعضها علني والآخر بقي بعيداً عن الإعلام.
في الشكل والمضمون، لا يضع الحزب أنقرة في خانة الخصومة. بل تجمعه بها علاقات جيدة، وأحياناً تقاطعات في الرؤية. ويُسجَّل لتركيا، من وجهة نظر الحزب، أنها لم تتناول سلاحه يوماً بوصفه سلاحاً غير شرعي، ولم تتعمد الدخول في مواجهة مباشرة معه في أي من المحطات. وحتى في ذروة الوساطات الجارية في ما يتعلّق بسلاح الحزب، حرصت أنقرة على تحييد نفسها. كما يتفهّم الحزب طبيعة العلاقة مع تركيا، بما فيها حساسيتها كدولة عضو في حلف شمال الأطلسي.
في المقابل، لا تأخذ تركيا على الحزب مواقف أمنية مباشرة. فحتى خلال الاشتباك الواسع في سوريا، ومع وجود الحزب هناك، أبقت أنقرة قنوات التواصل الأمني مفتوحة، ولم تتجه نحو مواجهة مباشرة معه. كما أن غالبية الفصائل التي قاتلت وتقاتلت مع الحزب في سوريا لم تكن، في معظمها، محتضنة تركياً.
ومع انسداد الطرق الإيرانية التقليدية باتجاه حزب الله، تحوّلت الأراضي التركية، في مرحلة ما، إلى ممرّ لتسهيل التواصل بين الحزب والإيرانيين، لا للتهريب كما رُوّج إعلامياً، بل لتنظيم حركة التواصل والزيارات بين لبنان وإيران. وقد شكّل ذلك، في نظر الحزب، خطوة إيجابية تُحسب لتركيا، رغم مرافقتها بحملة دعائية اتهمت أنقرة بأنها باتت ممراً لتهريب الأموال وغيرها إلى الحزب. ومن اللافت أيضاً أن ثمرة هذا التنسيق الأمني تمثّلت في إبلاغ تركيا بوجود شحنة أجهزة «بيجر» على أراضيها يُشتبه بأنها مفخخة ومعدّة للإرسال إلى الحزب.
هذه «النقاوة» النسبية في العلاقة بين الحزب وأنقرة استثمرتها الأخيرة في توفير تطمينات متبادلة بين الحزب ودمشق، وربما في التمهيد لمسارات أبعد، وإن كان الطرفان حريصين على عدم الخوض العلني في تفاصيلها. إلا أن الثابت أن مساراً ما قد فُتح، ومن المبكر الحكم على مدى اتساعه أو عمقه.
عملياً، تطلب دمشق من الحزب ضمانات بعدم التدخل في شؤونها الداخلية. الأساس بالنسبة إليها هو ألّا يشكّل الحزب معبراً أمنياً أو سياسياً باتجاه سوريا، بما يشمل عدم رعايته أمنياً أو عسكرياً لأي فصائل أو شخصيات «علوية» انفصالية، وفق توصيف دمشق، أو أي قوى أخرى مناهضة للحكم الجديد. وتشير المعطيات إلى أن الشرع نفسه مهتم بهذه النقطة تحديداً، وقد سبق أن أوصل إلى الضاحية، عبر قنوات معيّنة، استفسارات مباشرة حول موقفها. إلى هذا الجانب يضاف آخر، فالنظام الجديد عبّر ويعبّر من خلال شخصيات قيادية محددة أمنية وسياسية منه تزور بيروت بإستمرار، عن رغبتها في التقرّب من شخصيات شيعية، وليس خافياً أن لقاءات عقدت مع شخصيات، بقيت في إطار كسر الجليد.
في المقابل، يطلب حزب الله ضمانات مماثلة، تتعلق بالحدود السورية – اللبنانية، لا سيما في ظل الحديث المتكرر عن حشد مقاتلين جهاديين من الأجانب قرب الحدود، مقابل البلدات الشيعية تحديداً، تحت مسمى «الجيش السوري». كما يطالب الحزب بضمانات تتصل بأمن الشيعة السوريين، وإن كانت دمشق تعتبر هذا الملف شأناً داخلياً سورياً، علماً أنها تناقشه عبر قنوات معينة مع الإيرانيين، لاسيما الشق المتعلّق بالمقامات الدينية. ويولي الحزب أهمية خاصة لإيجاد حلّ للقرى اللبنانية الواقعة داخل الأراضي السورية، ويُقدَّر عددها بنحو أربعين قرية، يقطنها في غالبيتها مواطنون لبنانيون من الطائفة الشيعية جرى تهجيرهم مع سقوط النظام السابق، ويعود تاريخها إلى ما قبل اتفاقية سايكس – بيكو. ويعتبر الحزب أن هذا الملف يشكل مدخلاً مشروعاً لأي نقاش بصورة أوسع مع دمشق.
في المحصلة، يقرّ الحزب بأن المسألة السورية لم تعد ضمن أولوياته كما كانت في السابق، وتحديداً في مرحلة العلاقة العضوية بين الضاحية ودمشق. وقد أعلن سابقاً خروجه العسكري من سوريا عقب انهيار نظام بشار الأسد، بما يعني القطع مع المرحلة الماضية. ما يراقبه اليوم، ومن مسافة، هو تموضع سوريا حيال أي اتفاق أمني محتمل مع إسرائيل، نظراً لما قد يترتب عليه من تداعيات سلبية على لبنان. ومع ذلك، لا يرى الحزب نفسه معنيّاً بالتدخل في هذا المسار أو التأثير فيه، معتبراً إياه شأناً سورياً داخلياً.
في هذا السياق، يلاحظ الحزب أن ظروف نضوج اتفاق من هذا النوع ما تزال بعيدة نسبياً، نظراً لتشابك انعكاساته الإقليمية. وتنطلق مقاربته من أن ابتعاد دمشق عن إسرائيل يدفعها تلقائياً نحو جبهة نقيضها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انخراطها في «محور مقاومة» بالمعنى السابق، إذ إن الظروف تغيّرت، ولا مؤشرات ملموسة حتى الآن، رغم أن خيار المقاومة يبقى، نظرياً، مطروحاً لدى السوريين في ظل التمدد والضغط الإسرائيلي المتزايد داخل الأراضي السورية وصولاً إلى حدود دول الجوار.
خلاصة القول، إن الوصول إلى تفاهمات واضحة بين حزب الله ودمشق يتطلب آلية تنسيق محددة، وربما لقاءات مباشرة. غير أن المصادر تجمع على أن الحديث عن هذه المرحلة لا يزال سابقاً لأوانه، وأن الجميع ما زال ينتظر عند «الكوع».
المدن
————————————————
بوابة الثقة بين دمشق وبيروت/ عالية منصور
24 يناير 2026
وأخيرا اقترب البلدان سوريا ولبنان من حل أولى المشكلات العالقة بينهما، واقترب توقيع الاتفاق بين الدولتين على نقل المحكومين السوريين في السجون اللبنانية إلى السلطات السورية، على أن يتم لاحقاً حل ملف الموقوفين أو الملاحقين أمام القضاء السوريين في لبنان، وبعضهم مضى على توقيفه أكثر من عشر سنوات دون أن يُعرض على القضاء اللبناني.
بات المعتقلون المحكومون على خلفية الثورة قاب قوسين أو أدنى من الحرية التي سبقهم إليها أقرانهم السوريون منذ أكثر من عام.
بين البلدين الكثير من الملفات العالقة، ولكن الرئيس السوري أحمد الشرع وضع هذا الملف الإنساني كأولوية قبل البدء بأي حديث جدي عن تعاون اقتصادي وسياسي، كذلك تعاون الجانب اللبناني لحل هذا الأمر بما لا يتعارض مع سيادته وقوانينه، الأمر الذي لاقى تفهماً سورياً رسمياً.
إضافة إلى الجانب الإنساني للملف، فإن أهميته تكمن أيضاً بتحقيق خرق سياسي في العلاقة بين الدولتين، العلاقة التي شابها الكثير منذ الاستقلال إلى اليوم، وتحديداً مرحلة الوجود العسكري السوري في لبنان ومن ثم التدخل العسكري لـ”حزب الله” في سوريا.
يُدرك الجميع في سوريا ولبنان كما في العالم العربي والغربي أن الدولتين اليوم أمام فرصة تاريخية لن تتكرر لإقامة علاقات جيدة وندية، كما يدرك الجميع حجم التحديات داخل الدولتين وبينهما، ولكن كما يقول المسؤولون في كلا البلدين اليوم هناك “إرادة سياسية” جدية لمعالجة شوائب الماضي والتطلع نحو مستقبل أفضل للدولتين وشعبيهما مع احترام سيادة واستقلال كل دولة للأخرى.
لن يكون الأمر سهلاً بطبيعة الحال، ليس فقط بسبب صعوبات الملفات الواجب حلها، بل أيضاً بسبب المتضررين من تحسن العلاقة على جانبي الحدود، ويمكن للمراقب أن يتابع ما بات يُعرف بملف الفلول في لبنان ليُدرك حجم من يحاولون عرقلة إقامة علاقة متوازنة بين البلدين.
ما يُطرح اليوم على الإعلام السوري واللبناني وعلى منصات التواصل الاجتماعي بخصوص هذا الملف يفتقد في كثير من الأحيان إلى المصداقية، وكأن البعض يحول أحلامه وأمنياته وحتى توجهاته السياسية إلى تسريبات ومعلومات.
بالنسبة للسوريين، كان لبنان قبل حكم الأسدين بالنسبة إلى سوريا هو البلد الذي تنطلق منه “المؤامرات” على سوريا، ومع وصول الأسد الأب إلى السلطة تحولت سوريا بتدخلها العسكري والسياسي المباشر والسافر في لبنان إلى بلد المؤامرات على لبنان، كما أن البعض ورغم معارضته لتلك الحقبة يرغب في إعادتها من منطلق الاستفادة، وهو ما ترفضه السلطة في دمشق وكرره الشرع أكثر من مرة حتى إنه أبدى في بعض الأحيان حساسية زائدة من الحديث عن لبنان كي لا يفهم البعض من كلامه أنه تدخل، قالها بوضوح نحن لسنا هنا ليستقوي طرف لبناني على آخر بنا.
لبنان وبسبب تركيبته السياسية والطائفية اليوم منقسم حول العلاقة مع سوريا، حتى لو كرر الجميع أمام الكاميرا أنه يرغب بأفضل العلاقات الندية، حتى إن البعض بات يرى أن لبنان تحول إلى منصة تحريض يومي على سوريا، ليس فقط من أصدقاء نظام الأسد الساقط ولكن حتى من بعض خصومه، فترى البعض على الشاشات يومياً يهاجم سردية “حزب الله” بما يتعلق بسلاحه وربطه بمصير الطائفة الشيعية، وفي الوقت نفسه يتبنى منطق “حزب الله” عندما يتعلق الأمر بسوريا والميليشيات الطائفية هناك.
ويرى بعض حديثي الموهبة في العمل السياسي في سوريا أن الحل يكمن في وضع هؤلاء بالسجون بسبب رأيهم، ولكن المنطق يقول إن الحل يكمن في إطلاق عجلة العلاقة بين البلدين، بحيث لا يبقى أثر لما يقوم به المحرضون.
حل ملف المحكومين السوريين ومن ثم الموقوفين في لبنان يجب أن يكون الخطوة الأولى بالتعاون الجدي بين الدولتين، والخطوة الأولى لبناء الثقة بينهما، فلا سوريا ولا لبنان اليوم يملكان ترف الانتظار ولا ترف عدم الاستقرار لتنفيذ أجندات لا تخدم مصلحة الدولة في كلا البلدين
هي فرصة يجب على العقلاء بكلا البلدين التمسك بها والانطلاق إلى مرحلة تعاون سياسي واقتصادي وثقافي يستفيد منها البلدان والشعبان بعيداً عن الإرث الثقيل الذي ورثه كل منهما من حقبة انتهت، وكل ما علينا فعله هو الاعتراف بأن تلك الحقبة انتهت ولا يجب أن يسمح أحد بتكرارها.
المجلة
———————————-
==========================



