من العطش إلى الغرق.. مفارقة مناخية تكشف هشاشة البنى التحتية وأزمة إدارة الكوارث/ كفاح حسيان

2026.01.17
هطولات مطرية غزيرة ترافقت مع عواصف مطرية استبشر السوريون بها خيراً بعد سنوات من الجفاف القاسية التي أثرت سلباً في مختلف القطاعات ولا سيما القطاع الزراعي. خلال السنوات الماضية عانت مساحات واسعة من سورية من جفاف غير مسبوق، أدى إلى تراجع منسوب الأنهار والينابيع، وانخفاض المخزون الجوفي، وتقلص المساحات المزروعة، خاصة بمحاصيل استراتيجية كالقمح والشعير. وتكبد المزارعون خسائر فادحة، واضطر كثيرون إلى ترك أراضيهم أو التحول إلى زراعات أقل جدوى، ما فاقم أزمة الأمن الغذائي. حيث يعتمد الأمن الغذائي، وصحة الإنسان، والمستوطنات الحضرية والريفية، وإنتاج الطاقة، والتنمية الصناعية، والنمو الاقتصادي، والنظم البيئية، جميعها على المياه والتي باتت عرضة لتقلبات المناخ وتطرفه.
غير أن الهطولات التي شهدتها البلاد أخيراً وما رافقها من فيضانات لم تشكل حلاً لأزمة المياه في سوريا بل تؤكد أنها دخلت مرحلة أكثر تعقيداً. فالمياه التي تجرف الحقول وتدمّر المحاصيل هي ذاتها التي كان يفترض أن تُخزَّن وتُدار لتخفيف آثار سنوات الجفاف. لقد كشفت الفيضانات الأخيرة عن هشاشة واضحة في القدرة على التعامل مع أخطار السيول وإدارة مخاطر الفيضانات، خاصة في المناطق الزراعية والريفية. فضعف شبكات الصرف في الأراضي الزراعية وتردي أنظمة تصرف مياه الأمطار في المدن، وتراجع صيانة القنوات والسدود، وغياب التخطيط العمراني القائم على تقييم المخاطر، كلها عوامل تجعل من الأمطار الغزيرة تهديداً مباشراً بدل أن تكون مورداً مائياً يمكن الاستفادة منه. ففي مناطق مثل ريف إدلب تحولت الأمطار الغزيرة إلى سيول جارفة أغرقت أراضي زراعية وألحقت أضراراً بالمحاصيل الشتوية. كما تكررت حالات غمر مخيمات النازحين بالمياه بسبب إقامتها في مناطق منخفضة أو قرب مجاري الأودية، ما كشف عن غياب إجراءات الحماية والتصريف، واعتماد حلول إسعافية مؤقتة بعد كل موسم مطري.
وفي سهل الغاب الذي يُعد من أهم السلال الزراعية في البلاد أدت الهطولات المطرية إلى غمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وخسارة محاصيل القمح، بسبب ضعف تخطيط وصيانة قنوات الصرف. إن الزراعة في سوريا تشكّل ركيزة أساسية للاقتصاد والمعيشة، باتت محاصَرة بين العطش والغرق. فلا دعم كافياً للمزارعين الذين هم الحلقة الأضعف في هرم الاقتصاد الزراعي والأكثر تضرراً غالباً من التقلبات المناخية. ولا استراتيجيات تكيّف مع مناخ يتجه نحو التطرف، ولا استثمار جدياً في إدارة الموارد الطبيعية. وبين هذين النقيضين من التقلبات المناخية، يظهر خلل واضح في السياسات المائية والزراعية، حيث لا خطط فعّالة لحصاد المياه، ولا أنظمة صرف قادرة على حماية الأرض والإنسان.
ولا تبدو البنى التحتية لشبكات الصرف في شوارع المدن أفضل حالاً بل أغلبها بحاجة إلى صيانة وإعادة تأهيل. فما إن تبدأ الهطولات حتى تبدأ في الشوارع تشكل برك المياه نتيجة تهالك البنى التحتية وانسداد شبكات الصرف أو سوء التصميم الذي لا يتناسب مع تصريف مياه الهطولات الناتجة من عواصف مطرية أو حتى هطولات غزيرة وكل هذا بسبب الفساد الإداري في زمن النظام البائد الذي اتسمت مشاريعه الخدمية بسوء التخطيط والتنفيذ.
هذه المفارقة المناخية ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة تراكم سنوات من الإهمال وسوء التخطيط، في وقت بات فيه التغير المناخي حقيقة لا يمكن تجاهلها. المطلوب اليوم ليس انتظار موسم مطري أفضل، بل تغيير جذري في طريقة التعامل مع المياه، يقوم على التخطيط الطويل الأمد، وحماية الأرض، وتمكين المجتمعات الزراعية من الصمود. لم تعد الحلول التقليدية كافية في مواجهة هذا الواقع الجديد. فالتحدي لا يتمثل فقط في نقص المياه، بل في كيفية إدارتها أيضاً في حال وفرتها وإدارة متكاملة لمخاطر الفيضانات تتضمن توسيع مشاريع حصاد الأمطار لاستغلال المياه المهدورة في دعم المخزون المائي الجوفي والسطحي، وتأهيل شبكات الصرف والري بالإضافة إلى إعادة تأهيل المجاري الطبيعية وإزالة أي حواجز تعيق الجريان الطبيعي للمياه. واعتماد سياسات زراعية مرنة تتكيف مع التغير المناخي، إلى جانب دعم المزارعين بالتأمين والإرشاد الزراعي.
بين الجفاف والفيضانات، تقف سوريا أمام سؤال مصيري: هل تبقى أسيرة ردّ الفعل أمام الكوارث الطبيعية، أم تبدأ أخيرًا بإدارة مياهها كقضية سيادية تمسّ الأمن والغذاء والاستقرار؟
بحسب تقارير الأمم المتحدة فإنَّ تبني تدابير التكيّف والتخفيف من خلال المياه يشكل مقترحاً يكسب فيه الجميع. ويستفيد من الإدارة المستدامة لموارد المياه وحق الإنسان في مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي. وهو يعالج مباشرة أسباب تغيّر المناخ وتأثيراته بما في ذلك الظواهر الجوية المتطرفة. كما يسهم أيضاً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
إن تحسين التكيف في إدارة المياه وحده لن يحل أزمة المناخ، ولن يحل التخفيف وحده أزمة المياه أو يحقق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بإمدادات المياه والصرف الصحي. لكن تجاهل دور المياه في التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، وعدم اغتنام الفرص التي توفرها أطر تغير المناخ لتحسين إدارة المياه، سيؤدي حتماً إلى عرقلة أي تقدم ملموس نحو حل أي من الأزمتين.
يمكن لتدابير مثل إنشاء المزيد من المساحات الخضراء الحضرية وبناء الأراضي الرطبة (هي عبارة عن برك مائية غنية بالتنوع البيولوجي، وموطن لعدد لا يُحصى من النباتات والميكروبات، وهي جزء أساسي من دورات المياه الطبيعية، وبالتالي فهي ضرورية لجودة المياه والحماية من الفيضانات) أن تحمي المدن من العواصف والفيضانات عن طريق امتصاص المياه الزائدة وتقليل الجريان السطحي من خلال التسرب مع تحسين جودة المياه عن طريق تصفية وامتصاص العناصر الغذائية والملوثات الأخرى.
بالإضافة إلى نظم الإنذار المبكر والتي تشكل عنصرًا أساسيًا في تقليل الخسائر البشرية والمادية. فالتنبؤ المسبق بالفيضانات يمنح السلطات والمجتمعات المحلية وقتاً لاتخاذ إجراءات احترازية، مثل إخلاء المناطق المنخفضة أو حماية المعدات والمحاصيل. كما أن إشراك المجتمعات المحلية في التخطيط وإدارة المخاطر يعزز الاستجابة السريعة ويزيد من فعالية الحلول.
وهنا تبرز إشكالية الحوكمة في قطاع المياه، حيث ما تزال السياسات المائية تفتقر إلى الشفافية والتكامل بين الجهات المعنية، في ظل غياب قواعد بيانات دقيقة حول الموارد المائية، وضعف التنسيق بين التخطيط الزراعي والمائي، ما يحول دون بناء استجابة فعّالة للمخاطر المناخية المتزايدة.
وبالتالي أزمة المياه في سوريا لم تعد أزمة ندرة فحسب، بل أزمة إدارة بامتياز. وبين جفافٍ ينهك الأرض، وفيضاناتٍ تغرقها، يتحدد مستقبل الزراعة والاستقرار الاجتماعي بمدى القدرة على الانتقال من سياسات ردّ الفعل إلى التخطيط الاستباقي، ومن إدارة الأزمات إلى إدارة الموارد بوصفها قضية سيادية تمسّ بقاء الإنسان والأرض معًا.
تلفزيون سوريا



