سورية وألمانيا… قطيعة ما بعد 2011 وتحولات ما بعدها/ غياث بلال

03 فبراير 2026
شهدت العلاقات بين برلين ودمشق مدّاً وجزراً خلال العقدين الماضيين، ولكنّ البلدين حافظا على صلات دبلوماسية واقتصادية مستقرّة إلى حد ما، إذ زار الرئيس المخلوع بشّار الأسد برلين عام 2001 للقاء المستشار غيرهارد شرودر وبحث عملية السلام والمساعدات التنموية تحت شعار “التغيير عبر التعاون”.
أرسلت ألمانيا فريقاً من الخبراء للمساهمة في تحديث البنى البيروقراطية السورية ومساعدة الدولة للانتقال إلى اقتصاد السوق المفتوح. وكان قانون الإدارة المحلية والمجالس المحلية آنذاك أحد أبرز منتجات ذاك الفريق. ومع اندلاع الاحتجاجات في سورية عام 2011 وردّ النظام العنيف، اتخذت ألمانيا موقفاً حاسماً، فجُمّدت العلاقات الرسمية وأغلقت السفارة الألمانية في دمشق مطلع 2012. وانضمت برلين إلى العقوبات الاقتصادية الأوروبية على نظام الأسد وطردت عدداً من الدبلوماسيين السوريين من أراضيها. ورغم ذلك، امتنعت ألمانيا عن قطع العلاقات الدبلوماسية تماماً، مفضّلة الإبقاء على قناة اتصال حدّها الأدنى القائم بالأعمال في السفارة السورية في برلين.
خلال 13 عاماً من الحرب السورية (2011– 2024)، تركزت السياسة الألمانية على دعم الشعب السوري إنسانياً وسياسياً من دون التطبيع مع النظام. أصبحت ألمانيا من أكبر المانحين الإنسانيين لسورية، حيث قدّمت حوالي 220 مليون يورو مساعدات إنسانية في عام 2024 وحده. كما استقبلت أكثر من مليون لاجئ سوري على أراضيها منذ 2015، في أكبر تحرّك لاحتضان السوريين الفارين من الحرب ضمن دولة غربية. بالتوازي، دعمت برلين مسار العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة وساندت نشطاء المجتمع المدني السوري في الداخل والخارج، وشاركت عسكرياً في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش لحفظ الأمن في شمال شرق سورية. كما تمسكت ألمانيا وأغلب حلفاؤها الأوروبيون بشروط التغيير السياسي لاستئناف العلاقات.
جاءت نقطة التحول مع انهيار نظام الأسد أواخر 2024، وتشكّل واقع سياسي جديد في دمشق. آنذاك سقطت أسباب المقاطعة، فسارعت ألمانيا إلى إعادة فتح سفارتها في دمشق في مارس/ آذار 2025 بعد إغلاق دام 13 عاماً. ورفع الاتحاد الأوروبي معظم العقوبات الاقتصادية عن سورية في مايو/ أيار 2025 (مع إبقاء عقوبات تتعلق بالمسائل الأمنية)، تزامناً مع خطوات أميركية وبريطانية مشابهة لتخفيف العقوبات أو إنهائها. وهكذا استؤنفت الروابط الرسمية تدريجياً: أوفدت الخارجية الألمانية وفوداً ثقافية وعلمية إلى سورية لإحياء التعاون في حماية التراث وتدريب الصحافيين ودعم التعليم. وبحلول مطلع 2026، صار واضحاً أن صفحة جديدة بين البلدين قد فتحت، بعد قطيعة طويلة فرضتها الحرب والسياسة.
دور ألمانيا في إعادة الإعمار
مع التحولات السياسية السورية، برز سؤال دور ألمانيا في إعادة إعمار سورية، فكونها أكبر اقتصاد أوروبي وصاحبة خبرة عريقة في إعادة الإعمار (تاريخياً بعد الحرب العالمية والتوحيد الألماني)، تمتلك ألمانيا أدوات مالية وفنية يمكن أن تسهم في نهضة سورية. تمتلك ألمانيا أذرعاً مؤسساتية لقيادة عملية التنمية والمساعدات خارج حدودها: بنك التنمية الألماني KfW الذي تأسس كبنك إعادة إعمار ألمانيا لإدارة خطة مارشال بعد الحرب العالمية الثانية، ثم تحول إلى بنك تنموي بعد انتهاء عملية إعادة الاعمار في ألمانيا في ستينيات القرن الماضي. وكذلك وكالة التعاون الدولي GIZ. بدأت ألمانيا بالفعل بدعم مشاريع حيوية في سورية حتى قبل التطبيع الكامل، وذلك من خلال العمل مع منظمات دولية ومحلية.
موّل بنك KfW خلال سنوات الحرب برامج إغاثية وتنموية بتنفيذ من الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية، ركزت على إصلاح البنية التحتية الأساسية (مياه وصرف صحي وكهرباء) ودعم التعليم وخلق فرص العمل. وقد بلغ إجمالي التزامات KfW في عام 2024 حوالي 59 مليون يورو، وارتفعت المخططات لعام 2025 إلى نحو 80 مليون يورو، مما يعكس نية برلين تكثيف الدعم مع تغير الظروف. وشملت المبادرات الجديدة تمويل مشروعات إمدادات مياه الشرب عبر اليونيسف، وبرامج إعادة تأهيل البنية التحتية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لتحفيز الانتعاش الاجتماعي والاقتصادي. وكذلك المساهمة في إعادة تأهيل بعض المشافي في القطاع الصحي. كما موّل KfW عبر الصندوق الائتماني متعدد المانحين المعروف بـصندوق إعادة إعمار سورية (SRTF) منذ 2013 مشاريع في مناطق الشمال المحررة خلال الحرب. وقد جذب هذا الصندوق تمويلاً تجميعياً بنحو 370 مليون يورو من 12 جهة مانحة، ويتم حالياً افتتاح مكتب للصندوق في دمشق وتوسيع عملياته لتشمل جميع أنحاء سورية مع إشراك الحكومة السورية الجديدة، وهي خطوة مهمة نحو تنسيق إعادة الإعمار ودمج السلطات السورية فيها بعد العزلة الطويلة.
بالتوازي، تضطلع وكالة GIZ الألمانية بدور محوري في جانب إعادة البناء البشري والمؤسسي. تعمل GIZ في سورية منذ عام 1976، واضطرّت بعد 2013 للعمل عبر منظمات غير حكومية محلية نظراً لغياب الشراكة الرسمية. رغم ذلك، تمكنت من تحسين ظروف معيشة أكثر من مليون سوري خلال الحرب. ومع بداية مرحلة ما بعد الحرب، وسّعت GIZ نطاق عملها ليشمل بناء قدرات المؤسسات السورية في الإدارة المحلية والتنمية الاقتصادية والعدالة. وفي أوائل 2025، أطلقت بالشراكة مع وزارة التنمية الألمانية والاتحاد الأوروبي مبادرة للتوءمة بين المستشفيات الألمانية والسورية نتج عنها 14 شراكة مستشفى بين البلدين (تشمل مستشفيات في دمشق وإدلب) لتعزيز خدمات الصحة المحلية. ويشير هذا التوجه إلى أن إعادة الإعمار لا تقتصر على الحجر والبنى التحتية، بل تشمل أيضاً النهوض بالكوادر والنظم الخدمية.
بطبيعة الحال، حجم الدمار في سورية هائل، ويتجاوز بكثير قدرات أي دولة منفردة، فقد قدّر تقرير حديث للبنك الدولي كلفة إعادة الإعمار الإجمالية بحوالي 216 مليار دولار (عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسورية في 2024). ويفيد التقرير بأن نحو نصف هذا الدمار أصاب البنى التحتية الأساسية من طرق وشبكات كهرباء ومياه. أمام أرقام بهذا الحجم، يُجمع الخبراء على أن المعونات وحدها لن تكفي للنهوض بسورية. وحتى ألمانيا (رغم إمكاناتها)، لا يمكنها سد هذه الفجوة بمفردها. لذا يبرز توجّه دولي جديد يركز على تحفيز الاستثمار الخاص والشراكات التنموية، بدل الاعتماد على منح المعونات التقليدية. وستكون مساهمة برلين المحتملة نوعية أكثر منها كمية: أي نقل الخبرة والمعرفة وتشجيع المؤسسات المالية والاستثمارية (أوروبية ودولية) على الدخول إلى سورية، إلى جانب المنح والقروض الميسّرة عبر مؤسّسات كـ KfW. فالنموذج الألماني الأمثل لسورية قد يكون “الشراكة من أجل الإعمار”، حيث يقترن المال بالخبرة وببناء مؤسسات فعالة تضمن ديمومة النتائج.
تحدّيات المساعدات والتنمية
على الرغم من النيات الطيبة، تواجه ألمانيا واقعاً اقتصادياً معقداً قد يكبح قدرتها على تقديم مساعدات تنموية سخية للخارج مقارنة بالماضي. فاقتصادها يعاني أزمة انعكست في تراجع مؤلم بالمؤشرات. وفي الوقت نفسه، تجد ألمانيا نفسها مضطرة لزيادة إنفاقها الدفاعي وإنفاقها لتحديث بنيتها التحتية التي تراجعت كثيراً في العشرين عاما الفائتة، ما دفع الحكومة الألمانية الحالية إلى إعادة ترتيب أولويات الموازنة العامة، ما انعكس فعلياً في تقليص مخصّصات المساعدات الخارجية، فقد قرّرت الحكومة الألمانية خفض ميزانية وزارة التنمية (BMZ) لعام 2025 بنحو 8% مقارنة بعام 2024، لتنزل إلى أقل من عشرة مليارات يورو لأول مرة منذ 2018. كما يجري التخطيط لخفض المساعدات الإنسانية الطارئة إلى النصف بحلول 2026 ضمن ميزانية وزارة الخارجية. وقدّرت هذه الاقتطاعات – الناتجة عن فجوة تمويلية ضخمة في الخزينة بـ 171 مليار يورو – أثارت انتقادات واسعة من المنظمات الإنسانية التي حذّرت من آثارها على المجتمعات الهشة حول العالم. وبالنسبة لسورية، تعني هذه التطورات المالية أن قدرة ألمانيا على تمويل مشاريع تنموية كبرى ستكون محدودة نسبياً، خصوصاً في ظل تزاحم أزمات عالمية أخرى، تستنزف موارد المانحين (من أوكرانيا إلى غزّة وأزمات أفريقيا). سيتعيّن على برلين الموازنة بين التزاماتها الداخلية والخارجية؛ فرغم تعاطف الرأي العام الألماني مع معاناة السوريين، هناك تحدّيات محلية وضغوط تضخم وركود تجعل الإنفاق الخارجي محل مساءلة. وبالتالي، من المرجّح أن تركز ألمانيا جهودها في سورية على مشاريع “نوعية” محددة التأثير وذات مردود مستدام. وسيستدعي هذا الواقع البحث عن شراكات تمويل أوسع (أوروبية ودولية) لعدم إلقاء العبء على طرف واحد، والتفكير في طرق مبتكرة لتمويل إعادة الإعمار (كحوافز استثمارية وتأمينات وضمانات قروض) عوضاً عن الاعتماد على المنح التقليدية فقط.
الجالية السورية في ألمانيا: قوة بشرية ومعرفية صاعدة
على جانب آخر من معادلة العلاقات، تبرُز الجالية السورية في ألمانيا عاملاً متنامي التأثير، فهذه الجالية، التي يفوق عدد أفرادها اليوم 1.3 مليون شخص من أصول سورية بحلول 2024، باتت أكبر جالية عربية في أوروبا وأكبر جالية أجنبية منفردة في ألمانيا من خارج الاتحاد الأوروبي (بعد الجالية التركية). تكوّنت هذه الجالية عبر موجات هجرة متعدّدة لكل منها سماتها وظروفها:
• الجيل الأول (السبعينيات – الثمانينيات): كان صغير الحجم نسبياً، تألف من طلاب ولاجئين سياسيين (مثل من خرجوا بعد أحداث حماة 1982). تميز أفراده عموماً بمستوى تعليمي عالٍ وانخرط كثيرون منهم في مجالات الطب والهندسة والبحث العلمي، وأسّسوا روابط ثقافية واجتماعية متينة في المهجر.
• الجيل الثاني (2000–2011): توافد خلال فترة الانفتاح النسبي في عهد الأسد الابن، معظمهم طلاب دراسات عليا ومهنيون شباب سعوا لفرص علمية ومهنية. العديد من هؤلاء اندمجوا بنجاح في المجتمع الألماني ويقود بعضهم اليوم منظمات غير حكومية ومجموعات مدنية ناشطة في ألمانيا. بلغ عدد السوريين في ألمانيا حاملي الجنسية السورية عشية قيام الثورة في 2011، 33 ألف سوري فقط. بينما يتم تقدير السوريين من حملة الجنسية الألمانية وقتها بحوالي 150 إلى 200 ألف سوري ألماني.
• الجيل الثالث (بعد 2015): وهو الأكبر عدداً، تشكّل من اللاجئين الفارّين من الحرب السورية خلال موجة 2015-2016. رغم قدومهم طالبي لجوء، فإن قرابة 27% منهم كانوا من حملة الشهادات الجامعية عند وصولهم. ركز هؤلاء بدايةً على تحديات الاندماج (تعلم اللغة وإيجاد عمل) أكثر من الانخراط السياسي، ومع مرور الوقت بدأ عديدون منهم باستثمار مؤهلاتهم في المجتمع الجديد.
بفضل هذه الموجات المتعاقبة، تنوّعت التركيبة الاجتماعية والمهنية للسوريين في ألمانيا. اليوم نجد بينهم الأطباء والمهندسين والأكاديميين، إضافة إلى رواد أعمال وفنانين. كما حصل عشرات آلاف منهم على الجنسية الألمانية، ما عزّز مشاركتهم المدنية.
رغم هذه الموارد البشرية الغنية والتنظيمات النشيطة، تظل الجالية السورية شديدة التنوّع داخلياً وحتى الانقسام أحياناً سياسياً. خلال ذروة الصراع 2011–2020 اتحد معظم السوريين في ألمانيا بمختلف مشاربهم ضد نظام الأسد، بيد أن الخلافات الثقافية والعرقية الأخرى الكامنة بقيت حاضرة تحت السطح. فالمنفيون القدامى ذوو التوجهات المحافظة مثلاً قد تختلف رؤاهم عن الناشطين الشباب الأكثر ثورية؛ والعرب والكرد والآشوريون ضمن الجالية لكل منهم أجندته الثقافية والقومية الخاصة. ومع حلول 2025 ونجاح التغيير السياسي في دمشق، ظهرت تباينات جديدة في مواقف السوريين في ألمانيا حيال قضايا العودة وإعادة الإعمار. هناك من يرى فرصة للمساهمة في وطن جديد في طور البناء، وآخرون يتحفظون خوفاً من المجهول أو لعدم زوال أسباب نزوحهم بعد. كما أن النقاش الألماني الداخلي حول ترحيل بعض اللاجئين (مع استتباب الوضع الأمني في سورية الجديدة) أثار قلقاً لدى شريحة من الجالية.
باختصار، أصبحت الجالية السورية في ألمانيا مكوّناً سكانياً واقتصادياً مهماً يسترعي اهتمام كل من الحكومتين، فهي خزّان من الكفاءات والشباب (غالبيتهم دون الأربعين) يمكن أن يشكلوا جسراً بشرياً ومعرفياً بين البلدين. سوريون ألمان كثيرون اليوم متحمسون للإسهام في إعادة بناء سورية، سواء عبر الاستثمار ونقل التكنولوجيا، أو عبر العودة المؤقتة لتقديم خبراتهم، أو حتى عبر ممارسة “القوة الناعمة” لتحسين صورة سورية الجديدة في أوروبا. لكن تحقيق ذلك يتطلب تنظيماً وتمثيلاً أفضل للجالية لضمان إيصال صوتها والاستفادة منها منهجياً.
فرص نقل المعرفة والتعاون
إلى جانب الدور الفردي لأبناء الجالية، ظهرت في العام الماضي مبادرات جماعية منظمة أطلقها سوريون في ألمانيا وأوروبا، بهدف نقل المعرفة والمساهمة في الإصلاح الاقتصادي والإداري في سورية. إحدى أبرزها مبادرة التحوّل والإصلاح التي طرحها خبراء سوريون مطلع 2025 لوضع خريطة طريق لاقتصاد سوري انتقالي نحو السوق الحر. تنطلق هذه المبادرة من إدراك أن سورية دخلت مرحلة تحول تاريخي بالانتقال من اقتصاد منهك تتحكم به الدولة إلى اقتصاد أكثر تحرّراً وتنافسية، ما يتطلب إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات والقوانين، كي تواكب الفلسفة الاقتصادية الجديدة. تقترح “مبادرة التحول والإصلاح” إنشاء هيكلية حوكمة خاصة بالمرحلة الانتقالية، تشمل لجنة انتقال مركزية تدير برنامج التغيير الاقتصادي وتنسق عمل لجان إصلاح قطاعية (في الطاقة والتعليم والصحة والصناعة وغيرها).
الركيزة الأهم في هذا التصور الاعتماد على خبرات الكفاءات السورية في العالم. فبحسب المبادرين، هناك حوالي 1.5 مليون سوري في أوروبا الكثير منهم خريجو أفضل الجامعات ويعملون في شركات ومؤسسات عالمية – رصيد هائل يمكن استثماره. بالفعل، نظّم المختصون السوريون في المهجر عدة مؤتمرات وحلقات نقاش خلال 2023 و2024، وأنشأوا قاعدة بيانات تضم مئات المحترفين الراغبين في المساهمة بوطنهم. وكخطوة مؤسسية، تقترح المبادرة تأسيس مكتب دائم في دمشق باسم “بيت الخبرة”. ستكون مهمة هذا المكتب تسهيل نقل المعرفة وربط الخبراء السوريين في المهجر بعملية صنع السياسات وإعادة الهيكلة داخل سورية. عملياً، سيشكل “بيت الخبرة” همزة وصل بين الوزارات والمؤسّسات السورية وبين المستشارين المختصين المنتشرين حول العالم. يمكن لهؤلاء الخبراء العمل ضمن الوزارات لفترات محددة لتقديم المشورة والمساعدة في بناء قدرات نظرائهم المحليين. وبذلك، يتم توطين المعرفة العالمية داخل الإدارات السورية عوض الاكتفاء بالاستشارات الخارجية العابرة. ويطمح القائمون على الفكرة أن يخدم “بيت الخبرة” أيضاً قطاع الأعمال السوري من خلال ربط رجال الأعمال والصناعيين المحليين بشبكات موثوقة في أوروبا. فعلى سبيل المثال، يستطيع رجل أعمال سوري التواصل عبر المكتب للحصول على استشارة أولية مجانية حول شراكات محتملة في ألمانيا أو تقنيات جديدة، ومن ثم الاستفادة من باقات خدمات متقدمة تساعده على دخول الأسواق الأوروبية أو استقطاب التكنولوجيا، آليات كهذه تعزّز دور القطاع الخاص والاستثمار الذي – كما سبقت الإشارة – بات ضرورة استراتيجية لتعافي سورية في ظل محدودية المعونات.
بالطبع، تظل مبادرات كهذه بحاجة إلى دعم وتمويل لتنفيذها، والأهم من ذلك تحتاج إلى احتضان ومبادرة من الحكومة السورية لتمكين هذه المبادرات والاستفادة منها. من خلال إيجاد قنوات منظمة وشفافة للتعاون، بدل الاتصالات الفردية التي قد يشوبها سوء فهم أو تضارب مصالح. بإيجاز، السوريون في ألمانيا كنز معرفي واستثماري، لكن تحويل هذا الكنز إلى منجزات ملموسة في سورية رهن بإدارة حكيمة للعلاقة تضمن مشاركة الجميع ضمن رؤية وطنية مشتركة، للمضي نحو شراكة مبنية على المعرفة والثقة.
مليون جسر يصل سورية بألمانيا
مع التحسن التدريجي في علاقة دمشق ـ برلين، تتجه الأنظار إلى ملامح الدور الألماني المستقبلي في سورية. هل ستكتفي برلين بأن تكون محفظة شيكات تمول المشاريع عن بعد، أم تطمح لبناء شراكة استراتيجية حقيقية مع سورية تنهض على تبادل المعرفة والمصلحة المشتركة؟ الدروس المستقاة من تجارب إعادة الإعمار في دول أخرى (ومن حقبة التدخلات الدولية في أفغانستان والعراق) تؤكّد أن ضخ الأموال وحده لا يصنع استقراراً مستداماً، فقد تلقت تلك البلدان عشرات المليارات مساعدات بعد الحروب، ومع ذلك ظلت تعاني مؤسّسات هشة واقتصاداً تابعاً سرعان ما هوى بمجرّد انصراف المانحين. لهذا السبب، هناك إدراك متزايد اليوم بأن المعونة يجب أن تقترن ببناء المؤسّسات وتشجيع الاستثمار الخاص، وإلا فإن إنفاق المليارات سينتهي ببناء هياكل هشة من دون تحقيق نمو مستدام. وفي الحالة السورية، يُضاف عامل الدور المحوري للمغتربين الذي يمكن أن يكون الفارق بين إعادة إعمار عقيمة وأخرى ديناميكية. فهؤلاء يشكّلون جسر الثقة والمعرفة الذي يربط سورية بالعالم المتقدّم، سواء عبر خبراتهم أو شبكاتهم أو حتى باستثماراتهم المباشرة.
التحديات أمام ألمانيا وسورية في رسم هذه الشراكة كثيرة، فألمانيا تمر بمنعطف اقتصادي حساس، قد يحدّ من اندفاعها في تمويل الخارج، وسورية تواجه مهمة جبارة في إعادة بناء دولة ومجتمع من تحت الركام. وفي الوقت نفسه، الفرصة تاريخية لكلا الطرفين. فنجاح التحول في سورية سيعني استقراراً إقليمياً يصبّ في مصلحة أوروبا، ويحدّ من موجات اللجوء وعدم الاستقرار. كما أن انخراط ألمانيا في نهضة سورية يمنحها دوراً قيادياً في شرق المتوسط، ويعزّز مكانتها الدولية شريكاً تنموياً لا مجرّد قوة اقتصادية صامتة. ولعل ما يميّز الدور الألماني المحتمل امتلاكه أدوات تتجاوز المال: مثل الخبرتين التقنية والإدارية، والنموذجين التعليمي والتدريبي الراسخين، وثقافة حكم القانون والشفافية التي لطالما اشتهرت بها المؤسسات الألمانية. هذه كلها سلع ثمينة تحتاج إليها سورية الجديدة، وهي في طور إعادة بناء مؤسّساتها على أسس حديثة.
من الجانب السوري، سيكون من الحكمة تبني عقلية الشراكة المتكاملة مع الجانب الألماني. وقد بدأت بوادر ذلك بالفعل في الخطاب الرسمي الذي يؤكد أولوية الاستثمار والتنمية المحلية على المعونة الخارجية. على صناع القرار في دمشق أن ينظروا إلى ألمانيا ليس كمموّل، بل كحليف طويل الأمد يمكن عبر التعاون معه تحقيق نقلات نوعية في قطاعات حيوية مثل إدارة المياه والطاقة، وإعادة هيكلة النظام التعليمي، وإصلاح الإدارة العامة ومكافحة الفساد. وفي المقابل، على برلين أن تدرك خصوصية اللحظة السورية: فالشعب الذي عانى ويلات الحرب لا يريد استبدال التبعية لطرف بتبعية أخرى، بل يتطلع إلى علاقات تكافؤية تحترم سيادته وتدعم نهضته الذاتية. ومن حسن الطالع أن الخطاب الصادر عن المنصات الدولية حول سورية 2025 يتبنى مفهوم “التمكين والاستثمار بدل الإغاثة والتبعية”، وهذا تماماً ما ينبغي أن تبنى عليه الرؤية الألمانية-السورية المشتركة.
أرقام
ـ عام 2024 جرى تجنيس نحو 83150 سورياً في ألمانيا، شكلوا 28% من مجمل المتجنسين ذلك العام.
ـ قرابة ربع السوريين في ألمانيا يحملون الجنسية الألمانية، ما يؤكد اندماجهم وانخراطهم في الحياة العامة.
ـ عام 2022 انتخب شاب سوري (جاء لاجئاً في 2015) رئيساً لبلدية إحدى البلدات الألمانية.
ـ أسس السوريون ما يقارب 80–100 منظمة وجمعية في ألمانيا.
ـ تنشط المنظمات في ميادين عدة، تشمل التعليم وحفظ الثقافة واللغة والإغاثة الإنسانية.
ـ اتحادية الجمعيات الإغاثية السورية (VDSH) تنسق عمل نحو 30 منظمة إغاثية سورية في ألمانيا.
العربي الجديد



