إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر 04 شباط 2026

تابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي:
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
————————————————
تحديث 04 شباط 2026
—————————–
أين يقف الرأي العام السوري في زمن الاتفاقات الأمنية مع إسرائيل؟/ مهيب الرفاعي
04 فبراير 2026
حين يُعاد فتح قناة رسمية ثلاثية بين سورية والولايات المتحدة وإسرائيل تحت مسمّى آلية تنسيق مُشتركة، فالمسألة ليست في كسر صمتٍ تاريخي منذ 1973، بل في محاولة بناء ترتيب سياسي- أمني داخل بيئة اجتماعية تعتبر الطرف المقابل أصلاً جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل. ليست المشكلة في أنّ السوريين متصلّبون، بل في أنّ الاتفاق يُولّد فوق أرضية من انعدام الثقة؛ فالمؤشّر العربي عن اتجاهات الرأي العام السوري الذي أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات في أغسطس/ آب 2025 يقول بوضوح إنّ 74% من السوريين يرفضون الاعتراف بإسرائيل، وهو رفض لا يتأسّس على موقف رمزي أو شعار قومي قابل للتبخّر، بل على تعريف مركّب لإسرائيل دولة استعمار واستيطان واحتلال في فلسطين، واحتلال للجولان، وقوّة توسّعية تسعى إلى الهيمنة وتفتيت المجتمعات العربية. هذه ليست مجرّد حجج أخلاقية؛ بل طريقة لفهم الأمن نفسه؛ إذ عندما يُنظر إلى المجتمع فاعلاً بنيوياً في إنتاج عدم الاستقرار، تصبح أي صيغة تفصل الأمن عن السيادة صيغة مشبوهة سلفاً، لأنّ الأمن لا يُقرأ بوصفه خفض تصعيد على الحدود فقط، بل بما هو حماية وحدة المجال الوطني ومنع إعادة تدوير الانقسامات.
لذلك، الغموض الذي يغلّف الاتفاق، على اعتبار أنّه ليس سلاماً مُعلناً ولا مجرّد ترتيب مؤقّت، ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو محاولة للهروب من حقيقة بسيطة مفادها أنّه لا توجد قاعدة قبول اجتماعي تسمح بتسمية ما يحدث باسمه، لذا يُصاغ بما هو منطقة رمادية تُراهن على الزمن وعلى إنهاك المجتمع أكثر مما تُراهن على الإقناع.
تفاوضٌ مع التهديد نفسه
ليس الأهم في هذه الحالة نسبة الرفض السياسي فحسب، بل طبيعة إدراك السوريين مصدر الخطر الناجم عن هذا الاتفاق الأمني مع تل أبيب؛ وبرعاية فرنسية وأميركية؛ على اعتبار أنّ 88% من السوريين يعتقدون أن إسرائيل تعمل على تهديد الأمن والاستقرار في سورية، مقابل 4% فقط يرون أنها لا تهدّد الاستقرار، و8% لا يعرفون أو يرفضون الإجابة بحسب المؤشّر العربي. ولا يقول هذا الرقم فقط أن إسرائيل خصم واضح البنية والشكل، بل يقول إنّ إسرائيل، في وعي الجمهور، جهة فاعلة في زعزعة الداخل السوري نفسه بعدّة أدوات وبعدّة أساليب تتراوح بين القصف المباشر والاغتيالات وتغذية النزعات الانفصالية، أي أنّ تهديدها ليس حدودياً فقط، بل تهديد استقراري بمعنى الدولة والمجتمع.
هنا بالضبط تنقلب وظيفة آلية التنسيق؛ فبدلًا أن تكون مساراً لتقليل المخاطر، تصبح في نظر الجمهور شكلاً من التعايش مع مصدر التهديد عبر تحويله إلى شريك أمني؛ أي أنّ الاتفاق لا يغيّر صورة إسرائيل في المجتمع، بل يطلب من المجتمع أن يتعامل مع قرار الدولة، كما لو أنه منفصلٌ عن هذه الصورة. ومن هنا يصبح الأمن في الاتفاق أمناً مُعاداً تعريفه بمعنى أنّه ليس أمنًا سيادياً يقيس الأمور بمعيار الأرض والانسحاب، بل أمن إجرائيّ يقيسها بمعيار عدد الضربات، سقف الاحتكاك، إدارة الحوادث و مخاطر التوغلات والمداهمات والاعتقالات سيما في المنطقة الجنوبية الغربية (ريف دمشق والقنيطرة ودرعا)، وهي معايير قد تُرضي المنطقين الدولي والأميركي، لكنها لا تُنتج شرعية داخلية، لأنها لا تجيب عن سؤال السوريين المركزي، وهو كيف نتعاون أمنيّاً، مع طرف نعتقد بأغلبية كاسحة أنّه يعمل ضدّ استقرارنا!
تُظهر الأرقام الخاصة بآراء السوريين حول إسرائيل والولايات المتحدة عمق التناقض بين المسار الرسمي للاتفاقات الأمنية وتطلّعات السوريين، وتكشف أنّ القرار لم يأتِ في منطقة رمادية أو مُتردّدة، بل في مواجهة مباشرة مع الإدراك العام. فحين يرى نحو 78% من السوريين أنّ سياسات إسرائيل تهدّد أمن المنطقة واستقرارها (60% “نعم بالتأكيد” و18% “نعم إلى حد ما”)، فإنّ إسرائيل لا تُصنَّف في الوعي السوري طرفاً يمكن تحييده عبر ترتيبات تقنية، بل بوصفها مصدر التهديد الأوّل دائماً وأبداً. لا ينفصل هذا الإدراك عن رفض واسع للاعتراف بإسرائيل أصلاً، وعن ربطٍ عضوي بين احتلال الجولان ومعنى الأمن والسيادة. لذلك، المضي في اتفاقات أمنية مع تل أبيب لا يُقرأ شعبيّاً بما هو خطوة نحو الاستقرار، بل بوصفه إعادة تعريف قسرية للأمن تُخرج سؤال الأرض من المعادلة، وتحوّل الصراع من قضية احتلال مفتوحة إلى ملف ضبطٍ أمني مُغلق.
ويزداد هذا التناقض حدّة حين تُضاف الولايات المتحدة إلى المشهد بوصفها الراعي الأساسي للاتفاق؛ فـنحو 50% من السوريين يصنّفون سياسات واشنطن أنّها مهدِّدة لأمن المنطقة واستقرارها (17% “نعم بالتأكيد” و33% “نعم إلى حد ما”). هذه النسبة لا تسمح بقراءة الدور الأميركي بوصفه وساطة مُحايدة تُنتج توازناً أو شرعية داخلية؛ بل تضعه في خانة الفاعل الذي يُنظر إليه جزءاً من اختلال ميزان القوّة. وعليه، الرعاية الأميركية لا تُترجم إلى طمأنة اجتماعية، بل إلى مظلّة دولية تُتيح تمرير الاتفاق رغم غياب القبول الشعبي، تحت عنوان الضرورة الأمنية وخفض التصعيد، والاستثمارات الاقتصادية، والتبادلات التجارية، وغيرها. هنا يتضح سبب إدخال مفردات الاقتصاد والتجارة إلى نصّ أمني؛ إذ إنّه ليس الهدف تغيير القناعات العميقة تجاه إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل تعليقها عبر إيجاد مصالح قصيرة الأمد، عبر خفض الضربات، وفتح نافذة اقتصادية، وتقليص الضغط الدولي، على أمل أن تُعوِّض المكاسب الإجرائية عن غياب التسوية السيادية.
مبادئ الاتفاق الثلاثي
تطرح الخطة المتداولة إنشاء منطقة اقتصادية- أمنية مشتركة تمتدّ على طول الشريط منزوع السلاح في جنوب سورية، بما يتجاوز منطق الترتيبات العسكرية التقليدية إلى إعادة توظيف المنطقة العازلة اقتصاديّاً ضمن إطار أمني صارم. تشمل المنطقة مشاريع طاقة الرياح (هذا المشروع تمّ طرحه عام 2020 لوضع توربينات لتوليد الكهرباء عددها 32 على مساحة 3800 دونم في الجولان المحتل ويوجد الآن 14 توربيناً بالقرب من خط ألفا مقابل قرى القحطانية ورويحينة في ريف القنيطرة الغربي)، وخطّ أنابيب لنقل النفط الخام، ومراكز بيانات، وصناعات دوائية، إضافة إلى أنشطة سياحية، مع التأكيد على بقائها منزوعة السلاح بالكامل. تُسوَّق الخطّة لسورية على أساس مكاسب اقتصادية تقديرية تشمل زيادة بنحو أربعة مليارات دولار في الناتج المحلي الإجمالي (قرابة 20%)، إضافة 800 ميغاواط للقدرة الكهربائية، وإيجاد 15 ألف وظيفة، وتقليص الاعتماد على الأدوية المستوردة بنسبة 40%؛ بينما تحصل إسرائيل على خفض مخاطر حدودها الشمالية وتقليص الإنفاق العسكري عبر تحويل المنطقة العازلة إلى ممرّ اقتصادي مستقر.
أمنيّاً، تقترح الولايات المتحدة إنشاء غرفة إدارة مشتركة مقرّها عمّان تضم قوة مهام أميركية– إسرائيلية–سورية تشرف على الوضع الأمني في جنوب سورية (ربما هي امتداد لغرفة “موك” التي أُنشئت لدعم فصائل المعارضة السورية المسلحة بين 2013 و2024) وتُعدّ الإطار المرجعي لمباحثات نزع السلاح من الجنوب والانسحاب المرحلي للقوّات الإسرائيلية من المناطق التي سيطرت عليها بعد سقوط النظام السابق. ينصّ المقترح على تعليق جميع الأنشطة العسكرية عند خطوط الانتشار الحالية إلى حين الاتفاق على التفاصيل، وعلى إرسال ممثلين عن الأطراف الثلاثة إلى قيادة مُشتركة تدير المسارات الدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية والتجارية، مع بقاء الولايات المتحدة وسيطاً وضامناً دائماً.
سياسيّاً، لا تشترط المسودات اتفاق سلام رسميّاً أو الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام ( اتفاقيات التطبيع) لبدء التنفيذ، بل تتعامل مع السلام بما هو احتمال لاحق، ما يعكس انتقالاً من منطق التسوية السيادية إلى إدارة الاستقرار عبر ترتيبات أمنية- اقتصادية. ورغم ما تحمله الخطة من وعود بخفض التصعيد وفتح آفاق اقتصادية، فإنها تُجمّد قضايا الأرض والسيادة داخل إطار وظيفي، ما يجعل استدامتها مرهونة بالضمانات الدولية وبقاء توازن المصالح، لا بحسم سياسي شامل.
تكشف هذه المراهنة على هذا الوضع مفارقة بنيوية خطِرة؛ حين يتحوّل السلام إلى صفقة استقرار، لا إلى تسوية سياسية، تصبح أي مكاسب اقتصادية أو سياحية ثمناً لتعليق سؤال الأرض لا لحلّه، وهو ما يدفع المجتمع إلى قراءة الاقتصاد بديلاً عن السياسة لا امتداداً لها. بهذا المعنى، قرار الاتفاق بوصفه قراراً أمنيّاً من أعلى، جاء مُناقضاً لتطلّعات السوريين وآرائهم التي تربط الاستقرار بالسيادة والانسحاب والضمانات المُلزمة، لا بإدارة المخاطر. لا يعكس الواقع وأرقام المؤشّر العربي تحوّلا في المزاج الشعبي، بل اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع؛ فهناك اتفاقٌ يُوقَّع مع الطرف الذي يراه السوريون التهديد الأوّل، وبرعاية قوّة يصنّفها نصفهم تقريباً ضمن دائرة التهديد، في لحظة كان يُفترض فيها أن تُستعاد السياسة بوصفها أداة تمثيل للإرادة العامة، لا أن تُستبدل بإدارة أمنية تُراكم هشاشة الداخل، حتى وهي تُخفّف الاحتكاك على المدى القصير.
شراء الوقت وشرعنة البقاء
إذا كان المجتمع بهذا المستوى من الرفض والشك تجاه الاحتلال الإسرائيلي، فربما تمضي الحكومة السورية الجديدة بالاتفاق لأنّ حساباتها ليست حسابات إقناع، بل حسابات بقاء داخل لحظة انتقالية بلا توازن ردع وبلا اقتصاد وبلا احتكار كامل للعنف. تدرك الإدارة الجديدة في دمشق أنّ استمرار الضربات الإسرائيلية واستمرار احتمالات الاحتكاك يمكن أن يقوّض مشروعها الداخلي بسرعة، وأنّ الدولة الخارجة من حرب طويلة تبحث عن تجميد الجبهات لا فتحها؛ لذلك تميل إلى نموذج إدارة الصراع عبر قنواتٍ أمنية، لا إلى نموذج حلّ الصراع عبر تفاوض سيادي طويل ومُكلف أو حرب واسعة، لا سيما وأنّ القدرة العسكرية السرّية صفرية أمام ماكينة تل أبيب العسكرية بقدرتها وتفوّقها ومعدّاتها الضخمة. وفي الوقت نفسه، تبحث السلطة عن مظلّة دولية عبر قناة مع واشنطن قد تُترجم إلى تخفيف ضغوط، أو فتح مسارات تمويل وإغاثة، أو إعادة إدماج تدريجي في النظام الدولي؛ وهنا يصبح الاتفاق أداة سياسية خارجية أكثر من كونه خياراً وطنيّاً مُكتمل الشروط. وهناك دافع ثالث أكثر حساسية؛ على اعتبار أنّ السلطة الحالية قد تراهن على أنّ المجتمع المُنهك والمُجزّأ لا يملك أدوات الاعتراض المؤسّسي، وأنه يمكن تمرير ترتيبات رمادية بلا إعلان صريح، على أمل أن يتحوّل التنسيق إلى اعتياد، وأن يتحوّل الاعتياد لاحقاً إلى قبول أو إلى لامبالاة.
لكن هذا رهان محفوف بالخطر؛ لأنّ أرقام “المؤشّر” تقول إنّ الرفض ليس مجرّد موقف سياسي، بل تعريف للتهديد، وتعريف للتهديد لا يذوب بمجرّد انخفاض وتيرة الضربات، بل قد يزداد حدة إذا شعر المجتمع أنّ السيادة تُدار بما هي ملف تقني، وأنّ الجولان يُدفع إلى الهامش لصالح اقتصاد أو استقرار تحت سقف أميركي.
قد يضبط الاتفاق الاشتباك؛ لكنه يراكم هشاشة الداخل لأنّه يبني استقراراً بلا سيادة وبلا قبول شعبي بالنهاية (وإنْ هناك قبول فهو بحكم الأمر الواقع)، وبهذه القراءة، تصبح آلية التنسيق محاولة لتوليد استقرار إداري داخل دولةٍ لم تستعد شروط الدولة بعد؛ والمُتمحورة حول احتكار العنف، وشرعية القرار، ووحدة المجال الوطني والسيادة الوطنية على كامل الأراضي السورية. لكنها تولّد، في المقابل، هشاشة سياسية، لأنّ أساسها ليس تسوية عادلة ولا انسحاباً ولا ضمانات سيادية، بل إدارة توتّر مع الطرف الذي يراه السوريون التهديد الأوّل. ولهذا، فإنّ نجاحها المُحتمل على المدى القصير (خفض ضربات، وضبط احتكاك، وفتح قناة خارجية) لا يعني أنّها مسار قابل للاستدامة. لا تقول الأرقام والإحصائيات إنّ السوريين ضدّ السلام من حيث المبدأ، بل تقول إنهم ضدّ تحويل السلام إلى غموض دائم، وضدّ أن يُستبدل سؤال الأرض بسؤال الهدوء، وسؤال السيادة بسؤال الممرّات الاقتصادية، وسؤال العدالة بسؤال خفض التصعيد. وفي بلد خرج للتوّ من انهيار، أي سياسة تُراهن على الزمن وحده، لا على الحسم السيادي، قد تشتري وقتاً، لكنها لا تشتري شرعية.
العربي الجديد
—————————–
ماذا عن مشروع “رواد الباشان” ومستقبل الجغرافيا السورية؟/ أحمد عبد الحليم
الأربعاء 2026/02/04
تشهد منطقة المشرق العربي تحولاً بنيوياً في مفاهيم السيادة والحدود الوطنية، حيث أدت سنوات الصراع الطويلة وانهيار النظم المركزية إلى خلق مساحات من السيولة الجيوسياسية التي تسمح ببروز فواعل غير دولتية تحمل أجندات توسعية عابرة للحدود. وفي قلب هذا المشهد، لا تبرز المشاريع الاستيطانية كأحداث عارضة أو ردود فعل لحظية، بل هي امتداد لمنطق إيديولوجي وجغرافي ضارب في القدم، يعيد إنتاج نفسه كلما لاحت في الأفق فرصة تاريخية ناتجة عن تفكك الدول وتراجع السلطة المركزية. من هنا، تبرز حركة “حلوتسي هباشان” (رواد الباشان) اليوم كأحد أكثر التجليات خطورة لهذا المنطق، حيث تسعى لنقل تجربة الاستيطان من الضفة الغربية والجولان المحتل إلى العمق السوري، مستفيدة من الفراغ الذي خلفه سقوط نظام الأسد والتحولات الجذرية في موازين القوى الإقليمية.
قراءة هذه الحركة تتطلب تجاوز النظرة السطحية التي تعتبرها مجرد تجمع لهوامش اليمين الإسرائيلي، بل يجب فهمها بوصفها رأس حربة لمشروع أوسع يسعى لإعادة ترسيم جغرافيا المنطقة بناءً على مرويات توراتية وضرورات استراتيجية مفترضة، إذ تستند الحركة إلى خطاب يمزج بين الحق الديني المزعوم في “أرض الباشان” وبين الضرورات الأمنية لخلق أحزمة بشرية عازلة، وهو ما يحول الفكرة من مجرد حلم راديكالي إلى برنامج عمل ميداني بدأ بالفعل في وضع أحجار الأساس لمستوطنات دائمة في القنيطرة وريف دمشق.
الجذور التاريخية لمشروع الباشان
لا يمكن فصل تحركات “رواد الباشان” في الوقت الراهن عن السياق التاريخي الطويل للمحاولات الصهيونية الرامية إلى الاستحواذ على الأراضي في شرق وشمال فلسطين التاريخية. فمصطلح “الباشان” نفسه يعود إلى نصوص عبرية قديمة تصف المنطقة الممتدة من جبل الشيخ شمالاً إلى حوران والجولان جنوباً بوصفها أرضاً خصبة وذات أهمية استراتيجية قصوى. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، شهدت هذه الرقعة سلسلة من المحاولات المنظمة لشراء الأراضي عبر جمعيات صهيونية مثل “أغودات أحفات صهيون”، التي استحوذت بين عامي 1891 و1925 على مساحات شاسعة من أراضٍ كانت مملوكة لعائلات إقطاعية غائبة، وعلى رأسها عائلة سرسق اللبنانية. ولم تكن هذه المشتريات التاريخية، التي مثّلت آنذاك نسبة كبيرة من إجمالي الأراضي التي حصلت عليها المنظمات الصهيونية، مجرد نشاط اقتصادي، بل جزءاً من تصور استراتيجي هدفه خلق تواصل جغرافي يربط المستوطنات في فلسطين بالعمق السوري، وهو المخطط ذاته الذي تسعى الحركة الحالية إلى إحيائه اليوم عبر استغلال غياب الملاك الأصليين أو تهجيرهم.
وقد مر هذا المسار الاستيطاني بعدة مراحل مفصلية، بدأت بتأسيس غطاء قانوني لادعاءات الملكية خلال الحقبتين العثمانية والانتدابية، قبل أن ينتقل إلى الاحتلال العسكري المباشر للجولان عام 1967، ثم ضمه رسمياً عام 1981 لتحويله إلى قاعدة انطلاق ومستعمرة دائمة. ومع سقوط نظام المخلوع بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، دخل المشروع مرحلة جديدة أكثر اندفاعاً، تمثلت في التوغل خارج حدود العام 1974 وإنشاء بؤر استيطانية في القنيطرة وريف دمشق، وصولاً إلى محاولات مأسسة هذا الوجود في حلول العام 2026 من خلال اتفاقيات أمنية وترتيبات تنسيق دولي برعاية أمريكية، جمعت بين حكومة نتنياهو وإدارة أحمد الشرع الانتقالية.
أما حركة “رواد الباشان” نفسها، فقد تأسست رسميا في نيسان 2025 بوصفها تجمعاً منظماً يضم مستوطنين ذوي خبرة طويلة في الضفة الغربية والجولان، وهو ما يمنحها ثقلاً ميدانياً وقدرة أكبر على المناورة داخل أجهزة الدولة الإسرائيلية. ويبرز البروفيسور عاموس عزريا بوصفه العقل المدبر للحركة، إذ يروّج لفكرة أن الباشان جزء أصيل من “أرض إسرائيل”، وأن لحظة سقوط النظام السوري تمثل فرصة ذهبية قد لا تتكرر لفرض واقع ديموغرافي جديد يحول دون عودة السيادة السورية الفعلية على الجنوب، كما ترتبط الحركة بشبكة أوسع من الجماعات الاستيطانية، من بينها “أوري تسافون” التي تدعو إلى الاستيطان في جنوب لبنان، وتستلهم في خطابها وممارساتها إرث الجندي “ييسرائيل سوكول”، بما يؤكد أن الظاهرة تمثل نهضة استيطانية يمينية تسعى إلى توسيع حدود الدولة العبرية في مختلف الاتجاهات.
الديناميكيات الميدانية وفرض سياسة “الأمر الواقع”
شكّل سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 اللحظة الفارقة التي نقلت طموحات “رواد الباشان” من حيّز التصور الأيديولوجي إلى مستوى الفعل الميداني، مستفيدين من فراغ سيادي واسع في الجنوب السوري رأت فيه إسرائيل في آنٍ واحد تهديداً أمنياً وفرصة استراتيجية نادرة. وتحت ذريعة منع تسلل الجماعات “الجهادية”، سارعت القوات الإسرائيلية إلى تجاوز خطوط فض الاشتباك المرسومة عام 1974، وبسطت سيطرتها على مساحات شاسعة تجاوزت 600 كيلومتر مربع في سفوح جبل الشيخ وحوض اليرموك ومناطق القنيطرة. هذا التمدد العسكري الرسمي لم يكن مجرد إجراء أمني مؤقت، بل وفّر الغطاء اللوجستي والأمني اللازم لتحركات “رواد الباشان”، في انسجام مع رؤية اليمين الإسرائيلي التي تعتبر الاستيطان المدني الضمانة الوحيدة لتحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى سيادة دائمية، عبر إنشاء أحزمة بشرية عازلة تفرض على الجيش البقاء الدائم لحمايتها.
وعلى هذا الأساس، انتقلت الحركة إلى مرحلة العمليات الميدانية المباشرة، مستخدمة تكتيكات متعددة شملت تنظيم مسيرات حدودية كبرى، وحشد مئات المستوطنين للضغط على نقاط العبور، إلى جانب محاولات منهجية للتواصل مع السكان المحليين في قرى القنيطرة، بهدف إقناعهم بأن “الاستقرار” بات مشروطا بالتواجد الإسرائيلي. وخلال الفترة الممتدة بين أغسطس ونوفمبر من عام 2025، شهدت المنطقة عمليات توغل نوعية، قامت خلالها عائلات من الحركة بصب الخرسانة ووضع حجر الأساس لمستوطنة أطلقوا عليها اسم “نيفه هباشان” في محيط قريتي بئر العجم وبريجا في ريف القنيطرة. وعلى الرغم من أن هذه التحركات اصطدمت أحياناً بالأوامر العسكرية الرسمية، فإنها التزمت بدقة نموذج “البؤر العشوائية” المعروف في الضفة الغربية، حيث تبدأ المبادرات كتحركات فردية ذات غطاء أيديولوجي واضح، قبل أن تنتهي بالاندماج التدريجي في المخططات الرسمية للدولة.
كما يتوزع جغرافيا هذا التوغل على نقاط شديدة الحساسية من الناحية الاستراتيجية؛ ففي محيط قرية بئر العجم، جرى تدشين بؤرة “نيفه هباشان” التي تحولت فعلياً إلى منطقة سيطرة عسكرية، في حين أُقيمت في السفوح الشرقية لجبل الشيخ نقاط عسكرية متقدمة تطورت تدريجياً إلى بؤر استيطانية مؤقتة، فيما امتد النشاط الاستكشافي للحركة ليشمل حوض اليرموك في ريف درعا الغربي، عبر تسيير دوريات مدنية واستطلاع الأراضي، إلى جانب تنظيم مسيرات كبرى لاختراق السياج الحدودي المقابل لمستوطنة “ألون هباشان”، في مؤشر واضح على إصرار الحركة على تحويل المنطقة العازلة من خط فصل أمني إلى عمق استيطاني جديد.
مستقبل الخارطة الجيوسياسية
تثير تحركات “رواد الباشان” سؤالاً جوهرياً حول الخط الفاصل بين ما يُقدَّم بوصفه مبادرات أهلية وما يُمارَس فعليًا كسياسات رسمية للدولة. فبينما يُقدم الجيش الإسرائيلي أحياناً على إخلاء بعض المستوطنين، يكشف السياق العام عن علاقة تكاملية واضحة، لا سيما في ظل وجود شخصيات محورية داخل الحكومة مثل الوزيرين سموتريتش وبن غفير، اللذين يعلنان صراحة دعمهما لرؤية “إسرائيل الكبرى” الممتدة إلى ما وراء الحدود المعترف بها دولياً. وتوفر تصريحات هؤلاء الوزراء، التي تدعو عملياً إلى محو فكرة الدولة الفلسطينية عبر الأفعال الميدانية وتوزيع خرائط تتجاهل الحدود الدولية، البيئة السياسية والأيديولوجية التي تجعل ناشطي الحركة يشعرون بأنهم لا يعملون خارج الدولة، بل ينفذون إرادتها القومية. ويتقاطع هذا الدعم الحكومي غير المباشر مع استراتيجية أوسع تهدف إلى رفع سقف المطالب الجغرافية، تمهيدا لفرضها بوصفها أمرا واقعا في أي تسوية إقليمية مستقبلية محتملة برعاية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وعلى الضفة السورية، وجدت الإدارة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع نفسها أمام معادلة شديدة القسوة؛ فبينما تسعى دمشق إلى انتزاع اعتراف وشرعية دولية، تتعرض سيادتها في الجنوب لانتهاكات متواصلة عبر توغلات متسارعة. وتحت وطأة الضغط الميداني والوساطة الأمريكية، اضطرت حكومة الشرع إلى الدخول في مفاوضات غير مباشرة في باريس خلال يناير 2026، انتهت بإنشاء “آلية دمج مشتركة” لتنسيق المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد. وعلى الرغم من إصرار الخطاب الرسمي السوري على التمسك بالسيادة، فإن هذه الآلية تمثل في جوهرها شرعنة واضحة للأمر الواقع، إذ تجد سوريا نفسها مضطرة للقبول بوجود إسرائيلي “منسق” داخل أراضيها مقابل تعهدات بوقف التوغل، مع فتح مسارات تعاون اقتصادي في مجالات الطاقة والزراعة، قد تحوّل المستوطنات إلى مراكز اقتصادية مرتبطة بالداخل السوري ذاته.
ولا تتوقف تداعيات هذا المشروع عند حدود الصراع التقليدي، بل تتجاوزها إلى تفكيك البنية الجغرافية والسياسية التي كرّستها حدود “سايكس-بيكو”، واستبدالها بتخوم متحركة تحكمها معادلات القوة الديموغرافية والعسكرية، كما ينذر هذا المسار بتكريس شكل من أشكال “الأبارتهايد” الجغرافي في الجنوب السوري، حيث يُدفع السكان المحليون إلى واقع خانق، محاصرين بين مستوطنات تحظى بكامل الخدمات والحماية وبين قرى محرومة من أبسط مقومات الحياة. وهو واقع يحوّل المنطقة إلى بؤرة توتر دائمة، تقوّض أي إمكانية للاستقرار، وتفتح المجال أمام موجات جديدة من التهجير وصراعات عابرة للحدود.
نهاية، تمثل حركة “رواد الباشان” نموذجاً لاقتناص الفرص في لحظات الانكسار التاريخي؛ فالتوغل في الجنوب السوري ليس مجرد شغب استيطاني، بل محاولة لإعادة هندسة المكان والإنسان لصالح رواية أيديولوجية واحدة، كما يظهر في صب الخرسانة في “بئر العجم”. وبدون استعادة الدولة السورية لسيادتها أو ضغط دولي يوقف التغوّل الإسرائيلي، فإن “أرض الباشان” ستنتقل من مصطلح تاريخي إلى واقع جغرافي ملموس، مؤسساً لتحولات جيوسياسية أوسع تمتد تأثيراتها خارج حدود الجنوب السوري.
المدن
—————————–
كيف تهدد مبيدات الاحتلال الزراعة والمواشي في ريف القنيطرة؟/ رأفت أبازيد
القنيطرة- لم يكن المزارع السوري موسى العزام، وهو أيضا مربّي ماشية من ريف القنيطرة جنوب البلاد، يتوقع أن تتحول مهنة الرعي التي ورثها عن آبائه إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر وبالاستهداف الإسرائيلي.
ويقول العزام للجزيرة نت إنه اضطر إلى بيع معظم قطيعه الذي كان يضم نحو 100 رأس من الأغنام، في العام الأخير، وبأثمان منخفضة، بعد أن ضاق الخناق على الرعاة في المناطق الحدودية التي يستبيحها جيش الاحتلال الإسرائيلي جنوب سوريا.
ويصف العزام واقع الرعي اليوم بأنه “لقمة مغمسة بالدم”، إذ يمكن أن يتعرض الراعي لإطلاق نار في أي لحظة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي عند اقترابه من مناطق المراعي، مؤكدا أن طائرات زراعية تابعة للاحتلال نفذت عمليات رش مبيدات على الأراضي التي كانت تعتمد عليها المنطقة لرعي المواشي، بهدف منع نمو الأعشاب مجددا.
ويحذّر العزام من أن استمرار هذه العمليات قد يؤدي إلى تراجع الثروة الحيوانية في القنيطرة بنسبة تتجاوز 80% خلال العام المقبل، في ظل غياب البدائل وحرمان المربين من مراعيهم الطبيعية.
وللتأكد من طبيعة المواد المرشوشة، قالت مديرية الزراعة في محافظة القنيطرة إنها نقلت عينات من التربة والنباتات والأعشاب في المواقع المتضررة للتحليل في مختبرات متخصصة بالعاصمة دمشق، بهدف تحديد نوعية المواد المستخدمة ومخاطرها المحتملة على الإنسان والبيئة.
أضرار بالغة جراء رش الاحتلال مواد سامة على الأراضي الزراعية بالقنيطرة @مديرية زراعة القنيطرة
الجهات السورية المسؤولة تحذر من تأثيرات سلبية واسعة على الغطاء النباتي جراء مبيدات إسرائيل (مديرية زراعة القنيطرة)
تأثير واسع
ومن جانبه، يقول مدير مديرية الزراعة في القنيطرة جمال العلي للجزيرة نت إن النتائج الأولية لا تشير إلى وجود مواد سامة للمواشي، لأن القطعان عادت إلى الرعي في المناطق المرشوشة من دون تسجيل حالات نفوق أو أعراض صحية.
ولكن العلي أشار إلى أن يَباس الأعشاب الخضراء بعد الرش يؤكد أن المواد المستخدمة هي مبيدات تستهدف الغطاء النباتي، وخطورتها تكمن في تأثيرها الواسع على المراعي الطبيعية.
إعلان
واعتبر أن استمرار هذه العمليات سيؤدي إلى فقدان مساحات واسعة من الغطاء النباتي والرعوي، وستكون لها انعكاسات كبيرة على الزراعة البعلية وتربية المواشي، ويهدد سبل عيش مئات العائلات التي تعتمد بشكل شبه كامل على هذا القطاع.
وقدّرت مديرية الزراعة المساحة المتضررة بنحو 150 هكتارا، ويتجاوز طول النباتات المتضررة بين 5 و10 سنتميترات.
خسائر تتجاوز الرعي
لا تقتصر انعكاسات الأزمة على مصدر غذاء الثروة الحيوانية وحدها، بل تطال الزراعة البعلية التي تُعد الركيزة الأساسية لمعيشة القرى الحدودية.
ويقول جميل العيسى، مختار قرية الأصبح، للجزيرة نت إن رش المبيدات يمثّل ضربة قاسية للقطاع الزراعي في المنطقة، بعد سلسلة من الإجراءات التي منعت الأهالي من الزراعة والرعي.
ويوضح العيسى أنه، ورغم المخاطر، جازف بعض السكان واستمروا في استثمار أراضيهم بالرغم من تهديدات قوات الاحتلال بإطلاق النار عليهم أو اعتقالهم، إلا أن استمرار استخدام المبيدات عبر الطائرات سيُغلق ما تبقى من سبل العيش أمامهم.
ويشير العيسى إلى أن القرى المحاذية للحدود تكبّدت خسائر كبيرة نتيجة اقتطاع إسرائيل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بهدف إنشاء نقاط عسكرية إضافة ومنع الأهالي من الوصول إلى أراضٍ أخرى لم تُصادر، ما حال دون زراعتها بالمحاصيل المعتادة، وعلى رأسها القمح والمحاصيل الشتوية.
ويؤكد أن هذه الإجراءات حرمت مئات العائلات من مصدر رزقها الرئيسي، وعمّقت الأعباء المعيشية في منطقة يعتمد سكانها بشكل شبه كامل على الزراعة وتربية المواشي.
وتشكّل الزراعة وتربية المواشي العمود الفقري للاقتصاد المحلي في محافظة القنيطرة، حيث اعتمدت آلاف العائلات على زراعة القمح والمحاصيل الشتوية، إلى جانب تربية المواشي كمصدر أساسي للغذاء والدخل.
ومع تضييق المساحات الزراعية ورش المبيدات ومنع الوصول إلى الأراضي، يجد أهالي القنيطرة أنفسهم أمام تهديد مزدوج يطال لقمة عيشهم واستقرارهم، في وقت تتزايد فيه المخاوف من فقدان المنطقة لدورها الزراعي الذي طالما شكّل صمام أمان معيشي لسكانها.
المصدر: الجزيرة
—————————-
==================
تحديث 03 شباط 2026
—————————–
“باشان”… دولة للمكايدة وليست للحياة/ غازي دحمان
03 فبراير 2026
يعرف القائمون على مشروع دولة “الباشان” أن ما يطرحونه عن قيام دولةٍ واستقلالٍ عن سورية ليس سوى مقامرة غير محسوبة النتائج، فالسويداء ليست ليخنشتاين، وإنْ تشابها في الجغرافية الجبلية، والشرق الأوسط ليس أوروبا حتى يُنتج نموذجاً ليخنشتاينياً آخر، وإسرائيل ليست مستعدّةً لأن تكون رافعة لدولة أخرى، كما فعلت سويسرا مع ليخنشتاين.
ليس الهدف من هذه المقالة المقارنة بين السويداء وليخنشتاين، إنما مجرّد تذكير للذين يتغاضون عن عناصر الخلل البنيوي العميق في حالة السويداء، على الصعد الاقتصادية والجغرافية، وحتى في المجتمع والسياسة، الذين قد يكونون مطلعين على تجارب بعض الدول الصغيرة، ولا سيّما تلك المنتشرة في أوروبا، مثل موناكو أندورا ولوكسمبورغ وسواها، وهي بالإجمال دول رغم صغرها الجغرافي والسكّاني، فقد حقّقت اقتصادات ناجحة، وأمّنت لشعوبها درجةً عاليةً من الرفاه والاستقرار. ونشأت هذه الدول نتيجة سياقات تاريخية معقّدة وأوضاع إقليمية أنتجتها ظروف الصراع في أوروبا، إذ فرضت توازنات القوى والحاجة وجود هذه الأنماط من الكيانات الصغيرة على تخوم الدول الكبرى، من دون أن يتبنّاها طرف واحد، ولا أن تنشقّ عن طرف آخر. بمعنى أن هذه الكيانات كانت موجودةً بالأصل ولها بنى سياسية وهياكل حكم بالتوازي مع نشأة الدول القومية في أوروبا، وجاءت معاهدة وستفاليا عام 1648 لتكرّس تحوّلها إلى دول، أو إمارات قائمة، بمنزلة دول لها هياكلها الخاصّة، حتى لو بقي بعضها ضمن أطر أوسع مثل موناكو في فرنسا وسان مارينو في إيطاليا.
لم تعتمد هذه الدول على ما توفّر لديها من ثروات وموارد للبقاء في قيد الحياة والتطوّر، إذ رغم ما تمتلكه من إمكانات الجذب السياحي، بوصفه الثروة المُتاحة، باعتبار أن الزراعة لم تكن كافيةً نظراً لصغر المساحات الجغرافية، ولأن الصناعة، رغم تطوّرها، كانت بحاجة إلى كثافة في اليد العاملة، في حين أن عامل الديمغرافيا لم يكن مساعداً في هذا الخصوص، إذ لم تستطع أعداد السكّان القليلة تحقيق هذا الشرط، ما جعلها دولاً أو إمارات متطوّرة في وظائفها المالية، تحوّلت إلى جنّات ضريبية، استقطبت رؤوس أموال عالمية كبيرة جدّاً، وحقّقت ذلك من خلال بنية قانونية قادرة على استيعاب وإدارة هذا النمط من الوظائف، والأهم من ذلك الحاجة العالمية لمثل هذا النمط من الدول، ونظراً لوجودها في فضاء أوروبي غني وناهض قادر على استقطاب الفوائض المالية العالمية. واستطاعت هذه الدول/ الإمارات كسب الثقة عبر تجربتها الطويلة ونجاحها في أداء الوظيفة المالية. لكن يجب ألا ننسى أن هذه الدول كان لديها تراث سياسي عريق في الحوكمة والإدارة، إذ في الأغلب كانت بنياتها موجودة منذ ما قبل تشكّل الدول الحديثة، وامتلكت هرمية حكم وهياكل إدارية، واكتسبت خبرات في التعامل مع الأزمات الإقليمية، واستطاعت بفضلها النجاة من حروب مدمّرة شهدتها القارة الأوروبية.
في السويداء، يبدو الوضع مفارقاً لحالة الإمارات المذكورة، فلا تراثاً سياسياً عريقاً ولا شبه تكوين دولتي، ولا خبرةً في التعامل مع الأزمات، وما تجري إدارته يتم عبر مضافات وزعامات مغرقة في التقليدية، لا يمكن أن تكون بنىً سياسيةً صالحةً لإدارة مراحل خطرة، والأهم من ذلك، لا وظيفة واضحة ومفيدة يمكن أن تؤدّيها وتستطيع من خلالها الحصول على شرعية تؤمّن وجودها واستقرارها.
كما لا توجد بيئة إقليمية مساعدة، بل على العكس، في الشرق الأوسط المُتشكّل من طوائف وأعراق، الذي أنهى مرحلة نشوء الدول منذ اتفاقية سايكس بيكو، فإن مجرّد سماع حديث الاستقلال والتقسيم كفيل بأن يجعل الجيوش تتحسّس مدافعها، ذلك أن من شأن نجاح أيّ تجربة تقسيمية هدم الهيكل الشرق أوسطي برمّته، وفتح باب التفكيك على مصراعيه، إذ سيحاول الجميع تقليد هذه السابقة. والمفارقة أن هناك تخوّفاً عالميّاً موازياً من تفكّك الشرق الأوسط، ما يعني أن الباب بات مغلقاً تماماً لعبور السويداء وأَضرابها السوريات، وفي المنطقة عموماً، إلى عتبة الدولة أو الإمارة على شاكلة النمط الأوروبي.
لا يكفي التودّد لإسرائيل، ولا رفع صور بنيامين نتنياهو وعلم إسرائيل، لرفع السويداء إلى رتبة دولة، بل بالعكس تماماً، فإسرائيل التي باتت منبوذةً دولياً، وساقطة في اعتبارات الرأي العام العالمي، جرّاء ما ارتكبته من مجازر بحقّ الفلسطينيين، باتت سنداً مُخسِّراً لأيّ قضية، بل عبئاً يزيد من تعقيدات مسار السويداء صوب الاستقلال عن سورية، فالعالم، وفي مقدّمه إدارة ترامب، بات يشكّك بأيّ سياسة تتبعها حكومة نتنياهو على مستوى الإقليم، ويعتبرها إنذاراً لمخاطر مقبلة على المنطقة والعالم.
العقلاء في السويداء، وحتى أصحاب الرؤوس الحامية، وحتى الذين يطمحون إلى السلطة والمجد، يدركون هذه التعقيدات، ويعرفون أن مشروعهم يحتاج إلى بنى سياسية واقتصادية غير متوفّرة، لا حالياً ولا في الزمن المنظور، حتى أنهم لم يجهّزوا طواقم للتفاوض على الاستقلال، ناهيك عن تشكيل هياكل حوكمة حقيقية تستطيع إدارة الكيان الجديد الذي يُدار حتى اللحظة ببركة “سيدي سلمان” (!)، ما يضعنا أمام مشروع غير قابل للحياة، وإنما مجرّد حفلة ردح ومكايدة.
العربي الجديد
—————————–
سوريا والجولان: السّيادة قبل أيّ تفاوض/ أيمن جزيني
2026-02-03
حين يؤكّد مندوب سوريا لدى الأمم المتّحدة إبراهيم علبي أنّ “خطّ وقف إطلاق النار ومنطقة الفصل التي أوجدتها اتّفاقيّة 1974 هما حيّز جغرافيّ يفصل بين سوريا الأمّ والجولان السوريّ المحتلّ، وليسا حدودنا مع إسرائيل”، يضع الأمم المتّحدة ومعها العالم مباشرة أمام قلب المأزق الاستراتيجيّ الإسرائيليّ: الخطوط العسكريّة ليست سيادة، والفصل المؤقّت لا يساوي حلّ النزاع. يقطع هذا التوضيح مع أيّ محاولة لتحويل الاحتلال إلى واقع سياسيّ مقبول، ويعيد النقاش إلى جوهر السيادة.
ليست المفاوضات الجارية بين سوريا، في ظلّ نظامها الانتقاليّ برئاسة الرئيس أحمد الشرع، وإسرائيل على ما يُسمّى “الحدود النهائيّة”، مسألة تقنيّة أو إجرائيّة يمكن اختزالها في خرائط أو خطوط، بل هي صراع على تعريف السياسة نفسها، وصراع على معنى السيادة على الأرض، وعلى الزمن. أي أنّ السؤال الجوهريّ ليس “أين الخطوط؟”، بل “من يملك الحقّ؟” و”هل القوّة وحدها تستطيع إنتاج سيادة؟”.
من هنا تأتي أهميّة مداخلة مندوب سوريا في الأمم المتّحدة، التي لا تُقدَّم بوصفها ردّاً على خطاب إسرائيليّ فحسب، بل بوصفها إعادة ضبط لمفاهيم الدولة بعد عقود من محاولات إسرائيل تحويل الوقائع العسكريّة المؤقّتة إلى حدود دائمة.
عمليّاً، لا تفاوض سوريا على حقيقة الأرض، بل على كيفيّة إدارة هذا الصراع بما يحفظ حقّها ويمنع تحويل الوقائع الإسرائيليّة إلى حقائق مفروضة. في لحظة إقليميّة مضطربة، يكتسب هذا الموقف وزناً إضافيّاً، لأنّه يُظهر الدولة السوريّة طرفاً قادراً على التفاوض بموقف سياسيّ مستقلّ وثابت على الرغم من الإنهاك الداخليّ والسياسيّ والاقتصاديّ.
إدراك سوريا لهذه المعادلة يعطيها قوّة إضافيّة، ويمنح نصّها السياسيّ قيمة مزدوجة: هو ردّ على المزاعم الإسرائيليّة، وهو في الوقت نفسه بيان سياسيّ يوضح أنّ السيادة لا تُباع، ولا تُقايَض، ولا تُستنزَف بفعل الوقت. وبالتالي ما يُساق من خطابات أو خرائط إسرائيليّة، مهما كان وقعها، لن يغيّر الحقيقة الجيوسياسيّة الأساسيّة: الجولان أرض سوريّة، والسيطرة العسكريّة مؤقّتة.
تحاول إسرائيل تجاوز معادلة “الأرض مقابل السلام” عبر صيغ رماديّة مثل “الأمن مقابل الأمن” أو “الهدوء مقابل الهدوء”، لكنّها مؤقّتة وهشّة
الجولان… الأرض التي لا تُقايَض
في لحظة فاصلة من تاريخ سوريا، حيث تتشابك السياسة مع الجغرافيا، ينبثق صوت الدولة ذاته عبر مندوبها في الأمم المتّحدة مُقاطعاً نظيره الإسرائيليّ ليعلن موقفاً واضحاً: السيادة قبل أيّ تفاوض، والأرض قبل أيّ تسوية مؤقّتة. ليست هذه المُفردات كلمات دبلوماسيّة تقليديّة، بل إعلان قوّة هادئة وشهادة على أنّ الدولة، على الرغم من انتقالها السياسيّ وتعقيدات محيطها الإقليميّ، تعرف حدودها وحقوقها بدقّة.
ليس ما يجري اليوم بين سوريا وإسرائيل في ما يتّصل بما يُسمّى “الحدود النهائيّة” إعادة رسم خطوط أو تحديث خرائط، بل صراع على معنى السياسة نفسها: من يملك الحقّ؟ ومن يفرض الوقائع؟ ومن يقرّر معنى السيادة في المنطقة؟
لم يكن ما قاله المندوب السوريّ في الأمم المُتّحدة يكتفي بالدفاع عن موقف الدولة، بل يُصحّح مغالطة إسرائيليّة طويلة الأمد: تحويل الوقائع العسكريّة المؤقّتة إلى حدود سياسيّة دائمة. لكنّ الدولة السوريّة الآن تقول شيئاً واحداً وبوضوح: لا تفاوض على الحقيقة، بل تفاوض على إدارة النزاع بما يحفظ الحقّ ويمنع تزوير الوقائع.
في هذا الصدد، تبرز قوّة النصّ السوريّ: القدرة على استخدام لغة ضبط النفس والدبلوماسيّة لإظهار السيادة، وفي الوقت نفسه تثبيت موقف ثابت تجاه الاحتلال الإسرائيليّ. لا يعطي هذا الموقف الدولة السوريّة نفوذاً دبلوماسيّاً فحسب، بل يحفظ لها مكانة قويّة في أيّ مفاوضات مستقبليّة، ويضع إسرائيل أمام حقيقة واحدة: الأرض لا تُقايَض، والسيادة لا تُلغى بالوقت أو بالتهديد العسكريّ.
تكشف المفاوضات السوريّة ـ الإسرائيليّة عن صراع بين تصوّرين للسلام
الجولان… أرض سوريّة والسّيادة فوق السّيطرة العسكريّة
يُعدّ تفكيك الخطاب السوريّ لمحاولة إسرائيل تحويل الاحتلال إلى نزاع مُقنّع أبرز عناصر قوّته. شدّد المندوب السوريّ على أنّ “قضيّة الجولان ليست نزاعاً على السيادة، لأنّ الجولان أرض سوريّة، والسيطرة العسكريّة لا تعني السيادة”. تلخّص هذه العبارة الفرق الجوهريّ بين القوّة والسيادة: تسمح القوّة بالإدارة، وتحدِّد السيادةُ الشرعيّةَ والحقوق. إذا سمحت القوّة بالإدارة لكنّها لا تصنع شرعيّة، ولا تبني قبولاً شعبيّاً أو دوليّاً، بينما السيادة ترتكز على الحقّ والتاريخ والاعتراف والقانون الدوليّ.
حاولت إسرائيل، عبر عقود من الاحتلال، تقديم السيطرة العسكريّة كواقع قانونيّ أو سياسيّ مقبول، لكنّها اصطدمت بحقيقة ثابتة: لا تُحتلّ الأرض بالزمن وحده، والشعوب لا تُقنَع بسيادة مؤقّتة أو محتلّة. ليس الجولان مرتفعات استراتيجيّة وحسب، بل رمز للصراع على الحقّ والشرعيّة الوطنيّة. أيّ حديث عن “حدود نهائيّة” قبل استعادة الأرض هو حديث خارج الواقع السياسيّ، وتكرار لمغالطة طويلة الأمد.
يوضح الخطاب السوريّ أنّ النقاش يجب أن يبقى في إطار السيادة الوطنيّة، وأنّ أيّ محاولات إسرائيليّة لتحويل السيطرة العسكريّة إلى واقع دائم مرفوضة. تفاوض الدولة السوريّة لـ”إدارة النزاع”، وليس للتنازل عن الحقّ أو قبول أيّ احتلال مُقنّع، وهو ما يجعل هذا النصّ أقوى من بيان سياسيّ تقليديّ. إنّه إعادة بناء للمعادلة السياديّة على الأرض.
خطّ الفصل ليس حدوداً… بل اعتراف مؤجَّل بالاحتلال
الموقف السوريّ واضح: فتح الحوار وضبط النفس ليسا تنازلاً، بل إدارة واعية للصراع من موقع القوّة والسيادة، وهو ما يمنح الدولة السوريّة ثقلها السياسيّ في أيّ تفاوض محتمل، ويكشف هشاشة الاستراتيجية الإسرائيليّة القائمة على الفصل والتجزئة.
تعكس قدرة سوريا على الفصل بين السياسة والاحتلال، بين التفاوض على إدارة النزاع وحماية الحقوق وبين التنازل عن الأرض
تقوم المقاربة الإسرائيليّة تاريخيّاً على خلط متعمَّد بين السيطرة والسيادة. تتصرّف إسرائيل وكأنّ الزمن كفيل بتحويل الاحتلال إلى ملكيّة، وكأنّ التفوّق العسكريّ يمكنه، وحده، إنتاج شرعيّة سياسيّة. غير أنّ مداخلة المندوب السوريّ تقطع مع هذا الوهم، لأنّ الجولان، ببساطة، “أرض سوريّة، والسيطرة العسكريّة لا تعني السيادة”.
بهذه الجملة، تعيد سوريا تعريف إطار النقاش من جذوره. يفترض النزاع التباساً في الملكيّة، أو تنازعاً بين حقوق متقابلة. أمّا في حالة الجولان، فالأمر لا يتعلّق بنزاع، بل باحتلال واضح المعالم، مثبت قانونيّاً، ومرفوض دوليّاً. ليس بريئاً إصرارُ إسرائيل على توصيف القضيّة بوصفها “نزاعاً حدوديّاً”، بل هو محاولة لنقلها من خانة الاحتلال إلى خانة التفاوض المفتوح، حيث يمكن استنزاف الحقّ تحت ضغط الوقائع.
سوريا
ليس الجولان، بهذا المعنى، مساحة جغرافيّة ذات أهميّة استراتيجيّة وحسب، بل عقدة سياديّة تكشف حدود القوّة الإسرائيليّة نفسها. بعد أكثر من نصف قرن على احتلاله، لا تزال إسرائيل عاجزة عن تحويل السيطرة العسكريّة إلى قبول سياسيّ سوريّ أو عربيّ أو دوليّ. يجعل هذا الفشل البنيويّ أيّ حديث عن “حدود نهائيّة” حديثاً سابقاً لأوانه، إن لم يكن منفصلاً عن الواقع.
الدبلوماسيّة السّوريّة: إدارة النّزاع لا تنازل
تصوغ لحظةً مفصليّةً عبارةُ المندوب السوريّ “لا يمكن أن يُفسَّر فتح باب الدبلوماسيّة والحوار وضبط النفس الذي نظهره على أنّه تنازل أو ضعف”. تعكس قدرة سوريا على الفصل بين السياسة والاحتلال، بين التفاوض على إدارة النزاع وحماية الحقوق وبين التنازل عن الأرض.
عمليّاً، لا تفاوض سوريا على حقيقة الأرض، بل على كيفيّة إدارة هذا الصراع بما يحفظ حقّها ويمنع تحويل الوقائع الإسرائيليّة إلى حقائق مفروضة
“الأرض مقابل السّلام”… ولا حدود مع الاحتلال
تحاول إسرائيل تجاوز معادلة “الأرض مقابل السلام” عبر صيغ رماديّة مثل “الأمن مقابل الأمن” أو “الهدوء مقابل الهدوء”، لكنّها مؤقّتة وهشّة. لا يُقاس السلام الحقيقيّ بالهدوء أو الخطوط المؤقّتة، بل بعدالة الحلّ واستدامته.
يعيد الموقف السوريّ المعادلة إلى مركز النقاش: لا سلام بلا أرض، ولا اعتراف بلا سيادة، ولا استقرار طويل الأمد فوق احتلال مؤقّت. يضع تأكيد سوريا لعدم المساومة في استعادة الأرض حدوداً واضحة لأيّ مفاوضة. ليست أيّ خرائط أمنيّة أو خطوط فصل ممدّدة حلّاً حقيقياً بل إدارة مؤجّلة للصراع. يثبت التاريخ والجغرافيا أنّ الحقّ لا يُلغى بممارسات القوّة، وأنّ الشعوب، مهما أُنهكت، لن تقبل بسيادة مؤقّتة أو محتلّة.
الحال هذه، تكشف المفاوضات السوريّة ـ الإسرائيليّة عن صراع بين تصوّرين للسلام: نموذج إسرائيليّ يعتمد الجدران والمناطق العازلة، ونموذج سوريّ يربط السلام باستعادة الأرض والسيادة. التاريخ والجغرافيا يؤكّدان أنّ النموذج الثاني فقط قابل للحياة.
—————————–
إسرائيل فشلت في “إدارة التفكك”.. فهل تسعى لتوقيع الاتفاق؟/ د. عبد الرحمن الحاج
فبراير 3, 2026
لم يكن التدخل الإسرائيلي العسكري والسياسي في سوريا، منذ انخراطه المعلن في اليوم التالي لسقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر، مجرد رد فعل أمني تحكمه معادلات التهديد والردع، بل كان تدخلاً وظيفياً ذا أغراض متعددة، صُمِّم لإدارة بيئة هشة في دولة تمر في مرحلة انتقالية صعبة بعد سنوات من ثورة وحرب مدمرة، لتفكك قدراتها العسكرية المتبقية، ومنع تشكّل مركز سياسي متماسك قادر على إعادة إنتاج الدولة بوصفها فاعلاً سيادياً قوياً مكتمل الأركان.
كما هدف التدخل إلى استهداف تركيا الطرف المنافس، عبر السعي لتحويل التهديد للأمن القومي المتأتي من وجود الإدارة الذاتية إلى تهديد دائم لوحدة الدولة التركية في المدى البعيد. غير أن التحولات البنيوية التي شهدتها سوريا مؤخراً تشير إلى أن هذا التدخل الوظيفي بلغ مداه الأقصى، وأن وظيفته السياسية لم تعد قائمة بعد انهيار “الإدارة الذاتية” التي تديرها “قسد”، وسيطرة الحكومة على معظم المحافظات الثلاثة.
يشكّل انحسار “قسد” عن معظم الجغرافيا التي كانت تسيطر عليها، وانحصارها في جيبين محدودين آيلين للتلاشي نقطة انعطاف حاسمة، فقد كانت قسد، التي كانت على صلة مبكرة بالإسرائيليين، سبباً رئيسياً في إطالة أمد هشاشة المركز، فمن جهة منعت الدولة من إدارة مواردها النفطية والزراعية والمائية، ومن جهة ثانية منعت من اكتمال استعادة الدولة لوظيفتها السيادية، وشكلت بهذا أحد أركان إدارة التفكك الرئيسية التي استخدمتها إسرائيل، ومع تراجع هذا الفاعل سقط هذا الركن، وتآكلت معه القيمة السياسية للتدخل الإسرائيلي.
لقد لعب التدخل الإسرائيلي على توزيع أدوار غير متناسقة بين فاعلين متعددي المستويات ومختلفي القوة، وحاول خلق هيكلية تنسيق بينهم، لتحقيق الهدف في منع تبلور مركز قوي قادر على احتكار العنف الشرعي وتنظيم الموارد. وكان فلول نظام الأسد في الساحل أحد الفاعلين الذين عول عليها الإسرائيليون، وإن كان على نحو أقل بكثير من قسد، لكن القضاء على حركة التمرد في الساحل وتفكيك شبكات التمرد بعد اختراقها وكشفها تماماً أضعف الرهان عليها في إدارة التفكك الإسرائيلية لسوريا.
رغم أنها استثمرت، في إطار سياسة إدارة التفكك ذاتها، في دعم حركة التمرد التي يقودها الهجري في السويداء لكن مركز الرهان كان قسد، التي تسيطر على منطقة مليئة بالموارد تؤهلها لتكون شبه دولة، وتحقق أكثر من هدف سياسي، وبسقوطها الآن صار السؤال عما تبقى من فائدة سياسية لإسرائيل من التدخل العسكري واستباحة الأجواء السورية، فلا تهديدات أمنية نوعية تنطلق من الداخل السوري، ولا بنى عسكرية قادرة على فرض معادلات ردع جديدة تبرر مثل هذا التدخل. إن الفائدة الوحيدة التي أمكن لإسرائيل جنيها خلال سنوات التدخل كانت مرتبطة بإبقاء الحكومة المركزية في حالة ضعف بنيوي، ومحاولة تفكيكها واستهداف الأمن القومي التركي، وقد انتهت.
الآن الدولة المركزية تزداد قوة، وقد نجحت في قطع خطوات في تشكيل جيش جديد، وقوى أمنية منظمة تتطور قدراتها في شكل متسارع، وأظهرت عملياته العسكرية قي أحياء حلب أنه قطع مرحلة كبيرة في تطوير خبراته. وبنهاية الإدارة الذاتية تكون الحكومة المركزية، قد نجحت في توطيد سلطتها، واستعادة مساحات حيوية من الجغرافيا والموارد، وإعادة بناء حدٍّ أدنى من التماسك الأمني والمؤسساتي، وقطعت شوطاً كبيراً في نزع الهشاشة التي وسمت الدولة منذ التحرير.
الشيء الواضح أن دولة قوية تشكل تحدياً لمشاريع الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، والتي أصبحت واسعة النطاق. فائض القوة لا يسمح بأن تشكل سوريا الخارجة من حرب مدمرة تهديداً أمنياً لمدى طويل، وإنما تشكل تحدياً سياسياً بالتأكيد، لكنه يُضعف أدوات الضغط التي استندت إليها سابقاً. ومع تراجع هذه الأدوات، يفقد التدخل العسكري قيمته التفاوضية.
ما الذي يعنيه ذلك؟ إنه يعني أن الانتقال نحو اتفاق أمني صار حاجة إسرائيلية، فحين تنخفض جدوى القوة، تتحول المكاسب العسكرية السابقة – بما فيها النقاط التي تقدمت إليها إسرائيل خلال سنوات التدخل – إلى أوراق، ومن المنطق أن يتم صرفها سياسياً قبل أن تفقد قيمتها بالكامل. وعليه، فإن اتفاقاً أمنياً يستجيب للشروط السورية في الانسحاب من جميع المواقع العسكرية التي تقدم إليها الإسرائيليون، بما فيها جبل الشيخ، صار وشيكاً، وينبغي أن يُقرأ لا كتراجع، بل كإعادة تموضع عقلاني يهدف إلى تثبيت مكاسب في صيغة تفاوضية قابلة للاستدامة.
أما السويداء، فقد جرى تضخيم دورها خارج سياقها الواقعي. فهي اليوم ليست أكثر من ورقة أمنية محدودة الوزن، تُستخدم في إطار التفاوض لتحقيق مصالح إسرائيلية، ومع تماسك المركز، أخذت تتآكل قيمة هذه الورقة، ويتقلص الهامش الذي يمكن لإسرائيل المناورة من خلاله.
توصيف الشمال السوري ليس “منطقة نفوذ تركي”، هذا توصيف إجرائيً لا يعكس الواقع، فالشمال السوري يمثل المجال الحيوي لتركيا، كما يمثل الجنوب التركي المجال الحيوي لسوريا، هذا المنطق الجيوساسي لا يسمح باستخدام تعبيرات مضللة مثل “النفوذ”، لأننا عندما نتحدث عن مجال حيوي فإننا نتحدث عن “الأمن القومي” التركي، والخلط بين المفهومين يُنتج قراءة سياسوية غير سليمة للأحداث، هنا يجب فهم بنية المصالح، وتسلسل التهديدات، وحدود القابلية للتصعيد. أو الامتناع عنه.
كانت الإدارة الذاتية وتنظيم قسد يشكل هذا التهديد، ومع انكفاء هذا الفاعل الآن، تفقد إسرائيل إحدى أدواتها القليلة للتأثير غير المباشر في حسابات أنقرة. فتركيا التي كانت مضطرة لإدارة تهديد دائم في شمال سوريا، تجد نفسها اليوم أمام مشهد مختلف: مع تراجع التهديد أو انحساره كلياً، وهو أمر سيكرس حضورها بوصفها قوة إقليمية صاعدة قادرة على فرض خطوطها الحمراء. وهذا التحول يحدّ موضوعياً من الطموحات الإسرائيلية وقدرتها على التدخل ورسم توازنات القوة في سوريا والإقليم.
جدير هنا بالملاحظة امتناع إسرائيل عن التورط في عمليات دعم عسكرية لقسد في مواجهة الحكومة المركزية كتلك التي حدثت في السويداء. هذا الامتناع يجب ألا يفهم فقط على أنه قرار أميركي، بل يفهم في إطار ثلاثة محددات حاسمة: البعد الجغرافي الذي يجعل التدخل مكلفاً وغير عملي، ضعف الجدوى السياسية والعسكرية لمثل هذا التدخل، وأخيراً أن أي انخراط مباشر سيستدعي تدخلاً تركياً أوسع، بما يعيد خلط أوراق إقليمية لا تخدم المصالح الإسرائيلية، ولا الأميركية.
الواقع أن مراكز الأبحاث الإسرائيلية ومراكز القرار في تل أبيب خلال الأسبوع الفائت تُظهر إقراراً داخلياً بأن أوراق الضغط التي كانت تمتلكها ضد دمشق قد تآكلت بفعل التحولات الميدانية والسياسية. وأوردت تقارير إسرائيلية أن حكومة بنيامين نتنياهو قدمت مقترحاً مفصلاً لاتفاقية أمنية جديدة مع سوريا، تستهدف تثبيت وقف إطلاق النار وتحديد آليات أمنية لجنوب سوريا، لاستئناف المفاوضات السورية-الإسرائيلية.
الاستراتيجية الإسرائيلية التي أفشلها الشرع في سوريا تتعارض مع الرؤية الأميركية في سوريا، فاستراتيجية واشنطن اليوم تقوم على استقرار سوريا كأساس لاستقرار المنطقة ومحاربة الإرهاب والنفوذ الإيراني، ويتطلب هذا دعم توحيد الأراضي السورية وتقليص التدخل العسكري التدريجي. ولذلك، تدفع واشنطن نحو صيغة اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب يتجاوز منطق القوة، ويركز على الضمانات الأمنية البنيوية.
والنتيجة أن إسرائيل تجد نفسها، مضطرة للتكيف وإعادة ترتيب أولوياتها، من التعويل على استخدام القوة والرهان على فواعل ما دون الدولة إلى صرف ما تبقى من مكاسبها التي حققتها بالتدخل العسكري في السياسة وتحقيق اتفاق أمني مع دمشق، كانعكاس لتغير موازين القوة على الأرض السورية.
الثورة السورية
—————————–
أزمة البلديات في السويداء: ضريبة الاستعصاء السياسي/ فراس الحلبي
الثلاثاء 2026/02/03
بضغط من قوى الأمر الواقع، تعيش بلديات السويداء أزمة غير مسبوقة، يدفع ثمنها السكان الذين باتوا يواجهون أعباءً إضافية نتيجة لفرض ضرائب جديدة إثر تدهور الخدمات الأساسية، خصوصاً خدمة النظافة. وأتى فرض هذه الضرائب، كنتيجة مباشرة للأزمة السياسية والإدارية المتفاقمة بين السويداء والحكومة المركزية في دمشق.
وأعلن رئيس مجلس بلدية القريّا في ريف السويداء الجنوبي نزيه المعاز، السبت الماضي، استقالته مع كافة أعضاء المجلس، بناءً على “رغبة” غرفة العمليات، وهو الفصيل المسلح الذي يتولى الشؤون الأمنية في البلدة. وقال المعاز لـ”المدن”، إنهم في المجلس حاولوا “الوقوف ضد الفساد وإصلاح ما نستطيع إصلاحه ونعالج الأمور بإمكانيات صفرية، ولم نستطِع لأن ما واجهناه أكبر من كل إمكانياتنا”.
وتشير مصادر “المدن” في البلدة، إلى أن غرفة العمليات مارست ضغوطاً، وتدخلت في عمل مجلس البلدية الذي يعاني من شحّ في الموارد وعجز عن مواجهة الأزمات الخدمية التي يعاني منها أهالي البلدة، وهذا ما دفع المجلس للاستقالة.
وفي بلدة الكفر، الواقعة في ريف السويداء الجنوبي، فرضت البلدية ضريبة إضافية قدرها خمسة آلاف ليرة سورية على جرة الغاز، وهو مبلغ يضاف إلى الأعباء الاقتصادية المرهقة للسكان. وتهدف هذه الضريبة لمحاولة تأمين الموارد اللازمة لدعم خدمة النظافة التي شهدت تدهوراً كبيراً.
أما في مدينة السويداء، فقد تفاقمت الأزمة إلى درجة أن البلدية اعتذرت عن تقصيرها في جمع القمامة من شوارع المدينة، ما اضطر السكان إلى حرقها في الأماكن العامة، وهو أمر له انعكاسات بيئية وصحية خطيرة.
وفي بلدة الرحا، جنوب السويداء، فرضت البلدية مبلغ عشرة آلاف ليرة سورية شهرياً على كل منزل لقاء تقديم خدمة النظافة. هذه القرارات تعكس حجم الأزمة التي باتت تعيشها البلديات في المحافظة، والتي أصبحت غير قادرة على توفير أدنى الخدمات الأساسية للسكان.
القطيعة مع دمشق
تعكس أزمة البلديات في جوهرها الصراع السياسي بين القوى المحلية التي تتحكم بالمشهد في السويداء، وبين الحكومة المركزية. ويقول مصدر مطلع في مجلس مدينة السويداء لـ”المدن”، إن حساب البلدية المصرفي يحتوي على مليار وثمانمئة مليون ليرة سورية، لكن الحساب مُجمد في المصرف المركزي في السويداء منذ أحداث تموز/يوليو، بسبب غياب السيولة وعدم قدرة المصرف على توفيرها، نتيجة انقطاع التمويل من دمشق. والأزمة الأخرى تتمثل في انقطاع الرواتب عن عمال النظافة وموظفي المجلس المحلي، وهو ما يزيد من الضغط على الخدمات العامة.
منذ تصاعد الأزمة السياسية في السويداء بعد أحداث تموز/يوليو، فرضت القوى المحلية في السويداء على المؤسسات والبلديات، قطع أي تواصل مع الحكومة المركزية في دمشق. وفرضت اللجنة القانونية العليا التي شكلها الشيخ حكمت الهجري، سياسة الانغلاق على البلديات، مانعة إياها من التواصل مع دمشق، بما في ذلك قطع الطريق أمام أي دعم حكومي. وبذلك، تجد البلديات نفسها في حلقة مفرغة، لا هي قادرة على الحصول على الدعم، ولا هي قادرة على أداء مهامها على الوجه الأكمل.
أزمة الحوكمة
ولا تقتصر مشكلة البلديات في السويداء على النقص في التمويل فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى غياب الحوكمة الفعالة. وتؤكد مصادر “المدن”، أن البلديات في المحافظة تعاني من شلل إداري واضح، إذ لا توجد سلطة تنفيذية فعلية قادرة على فرض القرارات وتطبيقها بسبب غياب القانون. بلدية السويداء على سبيل المثال، غير قادرة على استثمار ممتلكاتها أو الاستفادة منها، بسبب الاستيلاء عليها من قبل مجموعات مسلحة. كما أن اللجنة القانونية العليا، التي يُفترض بها إدارة شؤون المحافظة، لم تُسجل أي إنجاز يُذكر منذ تشكيلها. بل على العكس، اقتصر دورها على مراقبة المؤسسات والبلديات وتوجيهها بعدم التواصل مع دمشق، مما يعكس التوتر الكبير الذي يعيشه المسؤولون المحليون، الذين أصبحوا في مواجهة مع احتياجات المواطنين ومطالبهم.
فيما تستمر الأزمة السياسية في السويداء في التفاقم، لتلقي بظلالها على الواقع الاجتماعي والاقتصادي في المحافظة. وقال ثلاثة من رؤساء البلديات في قرى السويداء لـ”المدن”، إنهم يفكرون في تقديم استقالاتهم بسبب عدم قدرتهم على إدارة هذه الأزمة. في المقابل، يعيش السكان تحت وطأة الأزمة، فقد أصبحت أعباء الحياة اليومية ثقيلة للغاية، فالرواتب لا تُصرف بانتظام، وأسعار الوقود والمواد الغذائية في السويداء مرتفعة قياساً بالمحافظات المجاورة، فضلاً عن الشلل في القطاعات التجارية والاقتصادية، لتأتي الضرائب الإضافية على الخدمات المتدهورة آخر حلقات الضغط المعيشي.
ويعكس المشهد العام في شوارع السويداء بوضوح هذه الأزمة. عدد البسطات والعشوائيات يتزايد في شوارع السويداء، في وقت تصبح فيه الخدمات العامة شبه معدومة. أزمة القمامة، التي أصبحت مصدراً للتلوث البيئي والصحي، تعكس صورة حقيقية عن حالة الانهيار التي يعيشها القطاع العام في السويداء، وتزيد من تآكل الثقة بين السكان والسلطات المحلية.
الحكومة تكتفي بالتصريحات
من جانبها، تواصل الحكومة السورية عبر محافظ السويداء مصطفى بكور، إصدار تصريحات تتهم جهات محلية باختطاف القرار في المحافظة. لكن هذه التصريحات، رغم تكرارها، لا تقدم حلولاً عملية للأزمة، خصوصاً في ظل غياب أي محاولات حقيقية لحل الأزمة المالية والإدارية التي تعيشها السويداء.
وأطلق بكور مؤخراً مبادرة أسماها “نحو مستقبل آمن للسويداء”، معتبراً أن المحافظة أمام مفترق طرق مصيري: إما استمرار يزيد الجراح عمقاً، أو مخرج يحفظ ما تبقى ويحمي المستقبل. ودعا المحافظ إلى كسر الاستعصاء السياسي، معلناً عن مبادرة “تسوية شاملة” لتحويل المواجهة من الشارع إلى قاعات القانون، بهدف نزع “أخطر سلاح، وهو فكرة انعدام المخرج”.
لكن مبادرة البكور، لم تلقَ أي استجابة تُذكر داخل السويداء. لذا، تمثل أزمة البلديات في السويداء صورة مصغرة عن أزمة سياسية وإدارية أعمق تعيشها المحافظة. الفشل في توفير الخدمات الأساسية، والانقطاع المتزايد عن الدعم الحكومي، والتصعيد السياسي بين القوى المحلية ودمشق، يجعل من الصعب رؤية أي حلول قريبة. مع استمرار هذا الوضع، من المتوقع أن تزداد معاناة سكان السويداء في ظل الانسداد السياسي والاقتصادي الذي يعيشه الجميع، بينما لا يزال الأُفق مغلقاً أمام أي حلول قريبة.
المدن
—————————
==================
تحديث 02 شباط 2026
—————————–
مبادرة مجتمعية للحوار والحل في السويداء
أطلق أكاديميون ومثقفون من مدينة السويداء مبادرة باسم “التيار الثالث”، وصفوها بخارطة طريق تهدف إلى حماية المجتمع ومنع الانزلاق إلى الفوضى، من خلال إنشاء “هيئة الإنقاذ المدني في السويداء”، وهي هيئة مدنية تنبثق من المجتمع وتعمل لأجله، وفق تعبيرهم.
القائمون على المبادرة، أصدروا بيانًا إلى أهل السويداء، نُشر على معرفاتهم الرسمية، مساء الأحد 1 من شباط، وقالوا فيه إن “التيار” فرضه واقع الاستعصاء في محافظة السويداء، وهذا ما أدى إلى رفع صوتهم بـ”جرأة وشفافية”، انطلاقًا من مسؤوليتهم الأخلاقية والتاريخية تجاه حماية المجتمع وضمان استقراره وكرامته وأمانه، بحسب ما ورد في البيان.
المبادرة أشارت إلى نشأة “هيئة الإنقاذ المدني في السويداء”، وهي إطار مدني وطني، غير حزبي وغير مسلح، ينشأ كمبادرة مجتمعية لمعالجة القضايا الإنسانية والمجتمعية العاجلة، دون ادعاء التمثيل أو الوصاية.
وتمر المحافظة حاليًا بمرحلة حرجة تتسم بالمجازر، والتهجير، والتهميش، في ظل انسداد سياسي وخطاب مركزي يتجاهل معاناة أهلها، أضاف البيان، موضحًا، “نحن لا ندّعي تمثيل أحد، ولا نزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، لكن هذه الوثيقة تقدم خطوات عملية تحول الواقع الراهن إلى مسار مدني وطني يحمي المجتمع ويصون كرامته ويؤمن استقراره”.
أهداف “هيئة الإنقاذ المدني”
البيان حدد الأهداف الرئيسة لـ”هيئة الإنقاذ المدني”، التي تمثلت بعدة نقاط، وفق البيان، وهي:
أولًا: إدانة المجازر والمطالبة بالمحاسبة وجبر الضرر:
تشكل الانتهاكات بحق المدنيين في السويداء جرائم أخلاقية وسياسية جسيمة لا يمكن تبريرها أو تجاوزها بالصمت أو النسيان، وتؤكد الهيئة أن المسؤولية فردية، ولا حصانة لأي شخص أو جهة متورطة.
كما طالب بمسار محاسبة علني ومستقل وغير مسيس، مصحوبًا بجبر الضرر وتعويض المتضررين ماديًا ومعنويًا دون تأجيل، معتبرًا أن المحاسبة ليست انتقامًا، بل شرط أساسي للاستقرار ومنع تكرار الجرائم.
ثانيًا: تحميل السلطة مسؤولية أحداث تموز الدامية:
تقع مسؤولية حماية المدنيين على عاتق الدولة بالدرجة الأولى، بغض النظر عن تعقيدات الواقع أو محاولات الصدام المحلية.
كذلك، تحميل السلطة المسؤولية لا يعني تبرئة أي طرف آخر، بل الإقرار بأن غياب الحماية أو سوء إدارة الملف أو التأخر في التدخل ساهم في تفاقم المأساة، مشيرًا إلى أن أي استقرار مستقبلي يتطلب تحملًا واضحًا للمسؤولية ومراجعة جدية للأداء.
ثالثًا: السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا الموحدة، واعتماد اللامركزية الإدارية التوافقية:
ينطلق البيان من “موقف وطني صريح” يؤكد انتماء السويداء الكامل للدولة السورية، ويستند إلى تاريخ أهلها الذي يجسد النضال الوطني المشترك، بما في ذلك إرث الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش.
ويهدف هذا الموقف إلى قطع الطريق على أي مشاريع تقسيم أو عزل أو توظيف خارجي لمعاناة المحافظة، مع التأكيد أن المطالب المحلية العادلة لا تتعارض مع وحدة البلاد وسيادتها.
رابعًا: عودة الأهالي إلى قراهم، الإفراج عن المختطفين، وتعويض المتضررين:
لا يمكن الحديث عن استقرار أو سلم أهلي في ظل وجود مهجرين أو مختطفين، وفق البيان.
وتعتبر الهيئة عودة الأهالي إلى قراهم عودة آمنة وكريمة أولوية عاجلة، إلى جانب الإفراج الفوري وغير المشروط عن المختطفين المدنيين، ووضع آلية واضحة وشفافة لتعويض المتضررين ماديًا ومعنويًا، مع ضمانات عملية تمنع تكرار الانتهاكات.
خامسًا: حماية الطلاب وضمان الحق في التعليم:
يُعد التعليم حقًا أساسيًا لا يجوز التفريط به أو ربطه بالظروف الأمنية، وبالتالي تطالب الهيئة بحماية الطلاب الجامعيين وضمان وصولهم الآمن إلى جامعاتهم، وتعويض الفاقد التعليمي الناتج عن الأحداث، وتقديم الدعم النفسي والأكاديمي للمتضررين، مع الاعتراف الكامل بشهادة الثانوية لعام 2025 دون أي انتقاص.
سادسًا: تحييد السويداء عن المحاور الإقليمية وضمان العيش الكريم:
تؤكد الهيئة ضرورة تحييد السويداء عن أي صراعات أو اصطفافات إقليمية تهدف إلى تقسيم سوريا أو استخدام معاناة أهلها كورقة ضغط. يشكل ضمان الأمن والخدمات الأساسية وفرص العيش الكريم أولوية قصوى، ويُعد تحييد السلاح عن الخلافات الداخلية خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه.
سابعًا: الحوار والتعاون المدني أساس العمل المجتمعي:
يُعد غياب الحوار أحد أبرز أسباب تفاقم الانقسام والفوضى، إذ تؤمن الهيئة بأن الحوار والتعاون المدني، القائمين على الاحترام المتبادل ورفض التخوين، هما السبيل الوحيد لبناء الثقة، ومعالجة الخلافات، وتحويل المجتمع من حالة الخوف ورد الفعل إلى الفعل المنظم والمسؤول.
مبادئ “الهيئة”
حدد البيان المبادئ الأساسية لـ”هيئة الإنقاذ المدني في السويداء”، وفق:
• حماية المدنيين أولوية مطلقة وغير قابلة للمساومة.
• العدالة والمحاسبة شرط للاستقرار، وليست أداة للانتقام.
• رفض العنف والتسليح في إدارة الخلافات الداخلية.
• الالتزام بالهوية الوطنية السورية، مع احترام التعددية والاختلاف السياسي.
الرؤية العامة
أما بنود الرؤية العامة وآليات العمل، حددت بما يلي:
• تحويل الخوف والجمود إلى مسار حوار وحلول عملية.
• إعادة الأهالي إلى بيوتهم بأمان وضمان حقوقهم الأساسية.
• منع تكرار الانتهاكات عبر آليات مدنية واضحة.
• التوثيق: جمع وتوثيق الأضرار والانتهاكات وفق معايير مهنية وشفافة.
• التعويض: وضع آلية واضحة دون تأجيل.
• التعاون مع الدولة: شراكة فعلية لإدارة الشأن المحلي، مع الاعتراف بما حصل، والالتزام بعودة الأهالي وفتح مسار محاسبة شفاف.
“هذه مبادرة مفتوحة للتطوير والنقاش، وليست إعلان سلطة أو مشروع حكم. ندعو جميع أبناء السويداء والمعنيين بالاستقرار إلى مناقشتها والمشاركة في تحويلها إلى مسار عملي يحمي المجتمع ويخدمه”، أضاف البيان.
الموقعون على البيان، هم، وائل شجاع، وكنان مسعود، و هادي منذر، وفادي الأطرش، مهند شهاب الدين، علاء أبو العز، وجميل الجباعي، وسومر صيموعة، وتمام اللحام، وطارق عدوان، وأسامة الحلبي، وعدنان أبو العز، ومنصور خزعل، سعيد الغضبان، ويارا جعفر، وفارس أبو فخر، وبسام عزي، وتركي العنداري، وجادالله حسون، وأماني أبو دقة، وكندا المعاز.
“خارطة طريق السويداء”
بنود وأهداف “التيار الثالث”، أعادت إلى الواجهة “خارطة طريق لحل الأزمة في محافظة السويداء”، التي أطلقت ببيان ثلاثي سوري أمريكي أردني، في 16 من أيلول 2025.
وبحسب البيان الصادر عن وزارة الخارجية السورية حينها، اعتمد المجتمعون خارطة طريق تؤكد أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، وأن أبناءها مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، مشيرين إلى أن إنهاء فجوة الثقة بين الحكومة والسكان يتطلب خطوات متدرجة لإعادة بناء الثقة وإعادة دمج المحافظة بالكامل في مؤسسات الدولة.
الخارطة تمثل محاولة الحكومة لاستعادة زمام الأمور برضا أهالي محافظة السويداء، وتجاوز مع حصل خلال الفترة الماضية، لا سيما الاشتباكات وموجات الفلتان الأمني، التي خلّفت خسائر بشرية ومادية ومعنوية كبيرة.
نصّت خارطة الطريق على جملة من الإجراءات العاجلة، من أبرزها:
دعوة الحكومة السورية لجنة التحقيق الدولية المستقلة للتحقيق في الأحداث التي شهدتها السويداء ومحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات وفق القانون السوري
استمرار إدخال المساعدات الإنسانية والطبية إلى المحافظة بالتعاون مع الأمم المتحدة، وضمان عودة الخدمات الأساسية بدعم من الأردن والولايات المتحدة.
نشر قوات شرطية مؤهلة على طريق السويداء- دمشق لتأمين حركة المواطنين والتجارة، وسحب المقاتلين المدنيين من حدود المحافظة واستبدالهم بقوات نظامية.
دعم جهود “الصليب الأحمر” للإفراج عن جميع المحتجزين والمخطوفين واستكمال عمليات التبادل.
يدعو الأردن بالتنسيق مع الحكومة السورية وفدًا من المجتمعات المحلية في السويداء (الدروز والمسيحيون والسنة)، ووفدًا آخر من ممثلي العشائر البدوية في محافظة السويداء لاجتماعات للمساعدة في تحقيق المصالحة.
إعلان خطط لإعادة إعمار القرى والممتلكات المتضررة، مع مساعدة أردنية وأمريكية لتأمين التمويل اللازم.
تعزيز “سردية وطنية” تقوم على الوحدة والمساواة، وتجريم خطاب الكراهية والطائفية عبر تشريعات جديدة، بدعم قانوني من واشنطن وعمّان.
عنب بلدي
—————————-
محللون: حل ملف “قسد” أرعب أتباع الهجري ورفْع أعلام إسرائيل وصور نتنياهو بالسويداء فجّر نقاشا حول التوقيت والغايات/ جانبلات شكاي
أعاد رفع العلم الإسرائيلي وصور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى جانب أعلام درزية ولافتات طالبت بالاستقلال، خلال مظاهرة السبت في السويداء، النقاش حول توقيت هذه التحركات وغاياتها وسط حالة من الجدل في الشارع السوري تجاه إصرار البعض للارتهان لمشاريع خارجية، رغم التوافقات الدولية لدعم قيام سوريا موحدة، ما تجلى بإنهاء ملف “قوات سوريا الديمقراطية- قسد” شمال شرق البلاد.
وبدى لافتاً التزامن بين مظاهرة السويداء ومظاهرة أخرى لـ”عرب 48″ في تل أبيب ضد سياسات حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، وسط توقعات بأن يجد الانفصاليون في السويداء أنفسهم في النهاية كـ”بائعي فلافل في تل أبيب مثل أنطوان لحد”.
الرايات السود والرايات الزرق
وشهدت مدينة السويداء السبت مظاهرة شارك فيها الآلاف من مدن وقرى المحافظة في ساحة الكرامة، وذكرت صفحات على فيسبوك أنها الأكبر في تاريخ المدينة، وجاءت تحت شعار “نكون أو لا نكون”، وأظهرت مقاطع الفيديو التي انتشرت أن المشاركين رفعوا الأعلام الدرزية والإسرائيلية وصوراً لكل من شَيخيْ العقل السوري حكمت الهجري والإسرائيلي موفق طريف، ولافتات تطالب بالاستقلال وحق تقرير المصير والإفراج عن المعتقلين وشكر إسرائيل، كما شهدت هتافات ضد السلطة الانتقالية في دمشق وادعاء المشاركين أنهم في حلف مع دولة إسرائيل في تحقيق حماية جبل الدروز والجنوب السوري.
وجاءت المظاهرة استجابة لدعوات أطلقتها “حركة تقرير المصير” في السويداء، واستجابة لدعوة من الشيخ موفق طريف وشخصيات إسرائيلية أخرى، بحسب صفحات أخرى، الأمر الذي تم نفيه لاحقاً.
كما جاءت بعد حوالي أسبوعين من دعوة للهجري عبر صحيفة “يديعوت أحرنوت” إلى الاستقلال التام عن دمشق، وعدم استبعاد مرحلة انتقالية من الحكم الذاتي.
وبالتزامن، شارك عشرات آلاف الفلسطينيين داخل إسرائيل، بمن فيهم ممثلون عن الدروز، في مظاهرة حاشدة بمدينة تل أبيب احتجاجاً على “تفشي الجريمة والعنف في المجتمع العربي”، وتنديداً بـ”تقاعس وتواطؤ” الشرطة والسلطات الإسرائيلية في مواجهة العصابات الإجرامية، تلبية لدعوة من “لجنة المتابعة العليا” في إسرائيل، تحت عنوان “مسيرة الرايات السوداء ضد الجريمة والعنف والخاوة”.
رعب بين أنصار الهجري
واعتبر الكاتب والصحافي السوري محمد منصور في تصريح خاص لـ”القدس العربي” أن حل ملف “قسد”، “أثار الرعب لدى أصحاب المشاريع الشبيهة التي تنادي اليوم بالانفصال أو ما يسمونه بحق تقرير المصير وصولا إلى التقسيم، وقال إن رفع الاعلام الإسرائيلية وصور نتنياهو في السويداء هو تعبير عن حالة خوف من أن يكون مصير جماعة الهجري هو مصير جماعة “قسد” في شمال شرق سوريا، مشيراً إلى أن المسألة فيها نوع من إعادة تذكير الإسرائيليين برغبة جماعة الهجري بأن يكونوا تحت مظلة تل أبيب، وهو نوع من الإلحاح الرخيص، عبر المعيار الوطني، لأنك تستجدي مظلة عدو لا تربطه بدولتك التي تنتمي لها تاريخياً، سوى حالة عداء قائمة على اختلاف المشاريع والحق التاريخي في هذه الأرض”.
وأكد منصور أن عودة رفع الأعلام الإسرائيلية هي تعبير عن أزمة وانسداد أفق للمشروع الذي سعى إليه الهجري ظاناً أنه بالإمكان تحقيقه سواء بمساعدة إسرائيلية أو بغض نظر دولي، لكن المشكلة الكبرى التي تواجه مثل هذا المشروع والمشاريع المشابهة، هي أن القوى الكبرى في العالم تريد سوريا مستقرة وموحدة، وتعتبر أن هذه هي ضرورة إقليمية ملحة للحفاظ على الأمن في المنطقة، وبالتالي فإن كل الآمال التي تعقد حول خرق أجندة الاستقرار ووحدة الأراضي السورية، مصيرها الفشل.
وإن كانت المظاهرة تمثل الحالة العامة في السويداء، قال منصور إن “الرأي الآخر الوطني والعروبي مطارد حالياً في المدينة، ولي أصدقاء جاؤوا إلى دمشق منها لأنهم لا يستطيعون أن يعبروا عن الرأي الآخر، وأحدهم توفيت والدته منذ أسبوع ولم يستطع حضور مراسم دفنها لأن ذلك يشكل خطراً على حياته”.
وأضاف منصور أن “الدويلة التي يقولون إنهم يريدونها هي لا تعترف بالرأي الآخر ولا بتنوع المشاريع أو الآراء السياسية والقناعات الوطنية، وهم فقط يرون أن ما يصدر عن الهجري وجماعته هو الصواب والوطنية، وكل من يخالفهم فهو خائن ومتآمر على الدم الدرزي بحسب تعبيرهم الضيق”، مشدداً على أن “الأخوة الدروز جزء من سوريا، والحالة الوطنية السورية لا يمكن فصلها عنهم، ولكن الأصوات الوطنية لا يمكن أن تعبر عن ذاتها إلا بعد أن تخرج من محافظة السويداء، لأننا شهدنا عمليات قتل وتصفية لأشخاص عارضوا الهجري وانتهى بهم المطاف أن يكونوا جثثا في المشفى الوطني بالسويداء”.
مراهنة خاسرة
وعن تحميل مسؤولية طلب الدعم من إسرائيل للأحداث الدامية التي شهدتها السويداء في تموز/ يوليو الماضي، أوضح منصور أنه لا يمكن لأي عاقل أن يبارك قتل أحد من الأخوة السوريين من محافظة السويداء، ولا يمكن أن يبرر الأخطاء ولا الجرائم التي ارتكبت، ولكن متى كانت هذه التجاوزات والجرائم، التي حدثت في ظروف معينة، وعلينا أن نقرأ المشهد بشكل متوازن من كلا الجانبين، مبرراً للارتماء في حضن عدو تاريخي، متسائلاً: “هل يعتقد أحد في العالم أن إسرائيل يمكن أن تضع مصلحة هؤلاء أو سواهم، فوق مصلحتها الأمنية، وبالتالي فإن المراهنة على هذا الكيان خاسرة، وطنياً ومصلحياً، وخصوصاً في ظل المعادلات الدولية التي تؤكد على وجود توافق وقرار على أن تكون سوريا واحدة وموحدة”.
وقال إن سوريا الجديدة التي ولدت في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر العام الماضي بعد كنس النظام الذي جثم على قلبها لأكثر من نصف قرن، هي ليست معافاة تماماً وتتعرض لهزات وامتحانات وتحديات والكثير منها تجاوزتها إما بصعوبة أو بحنكة سياسية، والأساسي في هذه الولادة الصعبة أنه يجب على السوريين أن يحكموا لغة العقل وأن ينظروا للمستقبل بأفق واسع ويألمنا أن نرى صور المجرم نتنياهو وأعلام إسرائيل ترفع على أرض سورية ضمن تظاهرة شعبية ولكن في النهاية علينا أن ننظر إلى مستقبل وطن نخضع فيه جميعنا لقيم نتوافق عليها وأن نحاول معالجة هذه الجراح سواء كانت مؤلمة على صعيد المشاعر أو مضرة على صعيد المصالح.
تشويه المشاركة
وجاء تنظيم مظاهرة السويداء ليتزامن في ذات اليوم مع مظاهرة أخرى ضد سياسات حكومة نتنياهو في تل أبيب. وفي تصريح خاص لـ”القدس العربي” قال الأمين العام لـ”الاتحاد القُطري للأدباء الفلسطينيين- الكرمل” والسياسي والعضو السابق في الكنيست الإسرائيلي سعيد نفاع، إن “العنف بين الأقليّة العربيّة الفلسطينيّة في الداخل لم يتخطّ أيّا من مكوّناتها، وكان طبيعياً أن تخرج نداءات تتحمّل همّ التصدّي ومنهم العرب الدروز الفلسطينيّون، فأطلقت القيادات العربيّة نداءات للمشاركة سرعان ما لبّيت، وأصدر الشيخ موفقّ طريف نداء مصوّراً يحث على المشاركة، وهنا تدخّلت جهات مشبوهة وعمّمت باسمه بياناً وكأنّه يدعو لمظاهرة السويداء، الأمر الذي نفاه، وعلى هذه الخلفيّة، تم ضرب مشاركة الدروز في مظاهرة تل أبيب عبر تنظيم المظاهرة في السويداء وهذا هو الاستنتاج العقلانيّ لكلّ متابع بريء من الهوى”.
ورأى نفاع أن عدد المشاركين في مظاهرة السويداء بحسب تقديراته لا يتجاوز في أحسن الأحوال 25 ألفاً وهي أقلية من أصل نحو نصف مليون، و”إذا كانت هذه الأقليّة تمثّل الأكثريّة فالطامّة كبرى، لكنني أستبعد ذلك بناء على متابعاتي وما يصلني من معلومات” وفق قوله.
وأوضح نفاع أن القائمين على مظاهرة السويداء إذا لم يتلقّفوا مبادرة عمّان الثلاثيّة وعلى ضوء كلّ التقارير الأمميّة التي صدرت ومن خلال قراءة صحيحة للتطوّرات الإقليميّة، لا شكّ سيكون مصيرهم كمصير أنطوان لحد.
وبيّن نفاع أن التوجه والمطالب بالانضمام لإسرائيل سقط كليّا من على جدول أعمال “القيادات” الدرزيّة في الداخل، وكذا في الجبل (السويداء) بعد أن وصلت رسائل واضحة من هنا، ومن أعلى مستويات الدولة، موضحاً أنه في نهاية الأمر يأتمرون هنا (إسرائيل) بالتوجّهات الأمريكيّة وبيانها الثلاثي، ومؤكداً وجود حراك مضاد داخل السويداء وإن كان منحسراً حالياً لكّنه حيّ وقائم وسينطلق إن تصرّف النظام (في دمشق) بما يتوجّب عليه، لكن ستبقى إسرائيل لاعباً موجوداً كي تبقى السويداء شوكة في خاصرة الدولة بغضّ النظر عن التوافقات القائمة بين النظام وبين إسرائيل.
وأكد نفاع أن كلّ من يختزل الطرح بالانضمام إلى إسرائيل بمذابح تمّوز 2025 يفعلها لـ”غرض في نفس يعقوب”، وقال هذا التوجّه وُلد ميْتاً وسوّقته قوى من عندنا “لا في العير ولا في النفير” فغرّرت بمن كان عندهم كل الاستعداد في الجبل خدمة لمصالح وأجندات ضيّقة.
وتابع: “إن إسرائيل لن تتنازل عن مواقع تأثيرها في أيّ بقعة في سوريا، وجامعتها في السويداء تربة خصبة، ولكّنها في نهاية الأمر ستفعل ما يمليه (المبعوث الأمريكي إلى سوريا) توماس باراك من سياسات أمريكا، وما من شكّ أنّه وبعد الانتهاء من ملفّ “قسد” سيأتي دور ملفّ السويداء، ومرجعيّته اتفّاق عمّان الثلاثي الذي ما كان ليتمّ لولا الضوء الأخضر من إسرائيل، والذي عمليّاً هو تبنٍّ لكل التوافقات التي كانت تمّت بين النظام والسويداء منذ آذار 2025 حين كان التوجّه الغالب في الجبل التوجه الذي عمل على ترتيب العلاقة مع النظام الجديد وعُمل على إفشال، ونجح ذلك في تمّوز”.
وخلص نفاع إلى القول إن السلطة في الشام تفعل حسنًا إن تحمّلت مسؤوليّتها لإعادة ثقة أو على الأقل بداية إعادة ثقة، بخطوات عينيّة ملموسة تجاه الجبل، و(قائد قوات قسد) مظلوم عبدي تصرّف بحكمة ولعلّ من يتعلّم من تصرّفه في الجبل”.
القدس العربي
—————————–
إسرائيل تخشى اتفاقاً في الجنوب السوري شبيهاً بالاتفاق مع «قسد»
تريد ضغوطاً أميركية على الشرع للقبول بشروطها للتفاهمات الأمنية
تل ابيب: نظير مجلي
1 فبراير 2026 م
في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة لتفعيل «لجنة الميكانيزم» السورية – الإسرائيلية ودعوتها إلى الاجتماع مرة أخرى قريباً، خلال الأسبوعين المقبلين، كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن حكومة بنيامين نتنياهو، التي عقدت جلستها الأسبوعية، يوم الأحد، في بلدة كريات شمونة، القريبة من الحدود مع سوريا ولبنان، توسع خلافها مع واشنطن حول دمشق، وتعتبر السياسة الأميركية في هذا الشأن «ساذجة ولا تفهم طبيعة الحارة الشرق أوسطية التي نعيش فيها».
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أثناء مؤتمر صحافي بفلوريدا يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أثناء مؤتمر صحافي بفلوريدا يوم 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
وبحسب صحيفة اليمين الاستيطاني المتطرف «مكور ريشون»، فإن «إسرائيل مغتاظة من إصرار الإدارة الأميركية على دعم حكم الرئيس السوري أحمد الشرع ومنحه الثقة والدعم الكاملين، مع أنه لم يثبت بعد أنه تخلص من ماضيه في (هيئة تحرير الشام)».
وكتب الدكتور إيلي كلوتشتاين، الباحث في معهد الدراسات اليميني «مسغاف»، أن واشنطن تهتم بمصالحها الذاتية في سوريا وتضع مصالح إسرائيل الأمنية على الهامش. ودعا الكاتب الحكومة الإسرائيلية ألا تخشى الدخول في مواجهة مع واشنطن، بل الإصرار على مصالحها بأي ثمن.
وكما هو معروف، فإن إسرائيل تخشى من نجاح تثبيت النظام في سوريا، ولا تطيق رؤية سوريا موحدة الصفوف، واغتاظت بشكل خاص من نجاح دمشق في إبرام اتفاق مع «قسد»، في الشمال، يضمن وحدة الأراضي السورية. وقد عبرت عن ذلك منذ بدأت المحادثات بشأنه قبل عدة شهور. ولكنها اليوم «تخشى التوصل إلى اتفاق شبيه في الجنوب مع الدروز في محافظة السويداء»، علماً بأن غالبية القيادات الدرزية في الجنوب معنية بوحدة سوريا، ومستعدة لاتفاق على ذلك إذا حصلت على ضمانات الدولة بعدم تكرار الاعتداءات، وتؤكد أن معارضي النظام هم أقلية سترضخ في النهاية إذا رأت جدية في منح الضمانات الحكومية.
وبحسب وسائل الإعلام العبرية، فإن هذا ليس اتفاقاً بين طرفين متكافئين، بل وصفته بأنه «رضوخ كردي للشرع حصل بعدما تمكن مؤيدو الحكومة من تفكيك (قسد) من الداخل، وسحب عدة شرائح منها وتقريبها من النظام».
وكانت مصادر أميركية قد قالت في تصريحات إعلامية إنه «في حين أبلغت تركيا الإدارة الأميركية تأييدها أن تكون هناك دولة مركزية في سوريا، وأنها لا تقبل ببقاء أي جيب للأكراد في منطقة شمال شرقي البلاد، فإن إسرائيل أبلغت الإدارة الأميركية رسالة معاكسة تماماً، مفادها أنها تطمح إلى رؤية سوريا دولة فيدرالية».
ونقلت عن مصادر مطّلعة على مواقف الحكومة الإسرائيلية وسفارتها في واشنطن، أن «حكومة نتنياهو غاضبة جداً مما حدث في شمال شرقي سوريا». وهاجمت مبعوث الرئيس ترمب، السفير توم برّاك، بشكل شخصي، على دوره في الاتفاق مع «قسد».
وقال مصدر في الحكومة الإسرائيلية إن تل أبيب تعتبر الاتفاق خسارة إسرائيلية أمام تركيا في سوريا، ولكنها تؤكد أنها تملك أوراقاً كثيرة للرد. وأوضحت للأميركيين مرة أخرى أنها لن تقبل بوجود أي جندي تركي على الأراضي السورية، ولن تتخلّى عن حماية الدروز في سوريا، خصوصاً دروز الجنوب القريبين منها.
الرد الإسرائيلي على الأرض إزاء هذا الاتفاق أُعلن عنه، الجمعة، عندما توغلت قوات إسرائيلية في موقعين بالجنوب السوري، هما قرية صيدا الحانوت بريف القنيطرة الجنوبي، وقرية الصمدانية الغربية في ريف القنيطرة الشمالي.
وتألفت القوات الإسرائيلية من سبع سيارات عسكرية، ونصبت حاجزاً غرب قرية صيدا في منطقة الحانوت، قبل انسحابها من المنطقة.
وفي أعقاب ذلك قررت الولايات المتحدة دعوة «لجنة الميكانيزم» السورية – الإسرائيلية إلى الاجتماع مرة أخرى قريباً، في عمّان، خلال الأسبوعين المقبلين للتسريع في وضع آلية تمنع التعديات الإسرائيلية، وربما العودة لاستئناف المحادثات الرسمية المباشرة بين البلدين من أجل التوصل إلى تفاهمات أمنية.
والمعروف أن ما يمنع اتفاقاً كهذا حتى الآن هو التعنت الإسرائيلي بعدم الانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد انهيار نظام بشار الأسد، والبالغة مساحتها 450 كيلومتراً مربعاً، وإزالة المواقع العسكرية التسعة التي بنتها في المكان، والانسحاب من قمم جبل الشيخ.
وعندما طلبت الإدارة الأميركية من تل أبيب جدولاً زمنياً للانسحاب، ردت إسرائيل بأن احتلالها هذا ضرورة أمنية لا غنى عنها، «ولو للمرحلة الانتقالية المؤقتة».
وكما جاء في تصريحات رئيس مجلس الأمن القومي السابق في الحكومة الإسرائيلية، تساحي هنغبي، فإن إسرائيل تطالب باتخاذ إجراءات لبناء الثقة ومنع انتشار عناصر مسلحة، حتى لا يكون هناك أي مجال للتفكير بشن هجوم على المستوطنات الإسرائيلية في الجولان (المحتل منذ 1967)، على نمط هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على بلدات غلاف غزة.
الشرق الأوسط
—————————–
مصدر أمني سوري: عصابات تستهدف نقاطا للأمن بالسويداء
أفاد مصدر أمني سوري بأن “عصابات خارجة عن القانون” استهدفت بقذائف الهاون نقاطا للأمن الداخلي في محافظة السويداء جنوبي سوريا.
ونقلت قناة “الإخبارية السورية” الحكومية، فجر اليوم الاثنين، عن المصدر قوله إن “العصابات الخارجة عن القانون تحاول التسلل إلى محور قرية المنصورة غربي السويداء” دون تفاصيل إضافية.
ووثقت مقاطع متداولة أصوات اشتباكات دارت بين قوى الأمن الداخلي وفصائل من السويداء في محور قرية المنصورة.
وتشهد محافظة السويداء اتفاقا لوقف إطلاق النار منذ يوليو/تموز الماضي، عقب اشتباكات مسلحة بين عشائر بدوية ودروز، خلَّفت مئات القتلى والجرحى.
لكنَّ مجموعات تابعة لحكمت الهجري، أحد مشايخ العقل للدروز، خرقت الاتفاق مرارا واستهدفت نقاطا عسكرية، في حين التزمت الحكومة بالاتفاق وسهّلت عمليات إجلاء الراغبين ودخول المساعدات الإنسانية.
مخطط إسرائيلي
وفي مقابلة مع الجزيرة مباشر أمس الأحد، قال مدير مديرية الأمن الداخلي في السويداء -الذي زار واشنطن الشهر الماضي- سليمان عبد الباقي إن الإدارة الأمريكية رفضت دعم أي مطالبات انفصالية في محافظة السويداء.
وأضاف أن الإدارة أبدت غضبها من محاولات استغلال الوضع الأمني هناك لتحقيق أجندات خارجية، في تطور يكشف عن تباين واضح بين الموقف الأمريكي والتدخلات الإسرائيلية في المحافظة.
وحذر عبد الباقي من وجود مخطط إسرائيلي واضح داخل السويداء، مشيرا إلى أن علم إسرائيل رُفع في المدينة قبل مدة من تحريرها، وعَدَّ ذلك دليلا على وجود أجندة خارجية تسعى لاستثمار الأوضاع في المحافظة لتحقيق مصالح شخصية وإقليمية.
“نكون أو لا نكون”
وشهد مركز مدينة السويداء، السبت، مظاهرة لأتباع حكمت الهجري، تخللها رفع علم إسرائيل وصور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تحت شعار “نكون أو لا نكون”.
ورغم محاولات المنظمين إعطاء طابع مصيري للحدث، فإن الفعالية شهدت حضورا ضعيفا مقارنة بحجم التحشيد الذي سبقها.
إعلان
وتزامنت المظاهرة مع دعوات لتدويل قضية الدروز وطلب الحماية الخارجية، في حين رأت أوساط محلية في السويداء أن رفع صور رموز الاحتلال الإسرائيلي يمثل انحرافا يهدد النسيج الاجتماعي والوطني في المحافظة.
ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه حدة الانقسامات في السويداء بين تيارات تتمسك بالثوابت الوطنية، ومجموعات مرتبطة بالهجري تسعى لفتح قنوات اتصال مباشرة مع جهات خارجية.
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، تسعى الحكومة إلى فرض الأمن بسوريا، في حين تصر بعض المجموعات على بث الفوضى وحمل السلاح، وهو ما أكدت دمشق أنها لن تسمح به، مشددة على عزمها بسط سيطرتها على أراضي البلاد كافة.
المصدر: الجزيرة + الأناضول
——————————
==================
تحديث 01 شباط 2026
—————————–
دمشق وإسرائيل تحت ضغط أميركي: شهر واحد فقط لإنهاء المفاوضات/ أحمد الجابر
مفاوضات سورية – إسرائيل: ترامب يضع مهلة شهر لإنجاز الاتفاق الأمني
2026-02-01
في ظل تصاعد الجهود الدولية نحو تهدئة التوتر في الشرق الأوسط، يعيد ملف المفاوضات السورية-الإسرائيلية الظهور على الساحة السياسية بعد توقف استمر لأسابيع، مع عودة المحادثات الأمنية برعاية الولايات المتحدة في العاصمة الفرنسية باريس وسط ضغط أميركي متزايد لإنجاز اتفاق بين دمشق وتل أبيب.
وتأتي هذه الجولة بعد تعثر جولات سابقة من المفاوضات، في وقت تتزايد فيه الضغوط لاحتواء التوترات عند الحدود الجنوبية لسوريا، ولا سيما مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في منطقة جبل الشيخ الذي يشكل إحدى العقبات الرئيسية أمام التوصل إلى تفاهم شامل.
وفي أحدث تطور لافت، كشف مصدر أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مهلة شهر واحد فقط لإنهاء الاتفاق الأمني مع دمشق، في خطوة تعكس عزمه على دفع الأطراف إلى التوصل إلى اتفاق سريع قبل حلول مهلة نهاية شباط/فبراير أو بداية آذار/مارس المقبل، وهو ما وصفته مصادر بأنه جدول زمني ضاغط ينطوي على رسالة أميركية واضحة بأهمية تسريع وتيرة الحوار.
وقد أبلغ ترامب الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بهذا الجدول الزمني خلال اتصال هاتفي، مع توقعات بأن الاتفاق قد يُعلن قريباً إذا جرت مفاوضات ناجحة في الأسابيع القادمة.
وتسعى واشنطن عبر هذا الإطار الزمني المحدد إلى إحداث اختراق في ملفٍ ظل لفترة طويلة محطّ خلافات عميقة بين الطرفين، وسط تشديد أميركي على ضرورة إنهاء وجود القوات الإسرائيلية في المناطق المتنازع عليها، مقابل ضمانات أمنية تلبي مخاوف تل أبيب.
ويُنظر إلى هذه الخطوة كجزء من استراتيجية أوسع للولايات المتحدة لتعزيز استقرار المنطقة، وتأمين حدودها، واستخدام الملف السوري كعنصر محوري في محاولة تحقيق اختراق دبلوماسي قد يمتد تأثيره إلى ملفات أخرى في الشرق الأوسط.
مطالب دمشق وشروطها السيادية في أي مسار تفاوضي
تؤكد دمشق أن أي تفاوض مع إسرائيل يجب أن ينطلق من مبدأ احترام وحدة وسيادة الأراضي السورية، ووقف التدخل في الشؤون الداخلية. وفي هذا السياق، يوضح أستاذ الدراسات الدولية في جامعة صن يات سين الصينية، شاهر الشاهر، في تصريحات لـ”963+” أن الحكومة السورية تطالب بضمانات واضحة من إسرائيل، تقوم في جوهرها على عدم العبث بملف الأقليات أو محاولة التواصل مع أي مكونات سورية، ولا سيما في الجنوب السوري أو شمال شرق البلاد، مع التشديد على أن هذا الملف شأن داخلي خالص.
ويضيف أن دمشق تطالب أيضاً بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي دخلتها بعد الثامن من ديسمبر، عقب سقوط النظام السابق، والعودة إلى خطوط الحدود التي كانت قائمة قبل ذلك التاريخ، إضافة إلى إعادة تفعيل اتفاقية فصل القوات لعام 1974 باعتبارها الإطار القانوني الناظم للعلاقة الميدانية بين الطرفين.
من جانبه، يؤكد الخبير في العلاقات السورية ـ الإسرائيلية خالد خليل في تصريحات لـ”963+” أن دمشق دخلت المفاوضات منذ بدايتها بمقاربات واضحة وواقعية، وقدّمت مطالب سيادية محددة، تتمثل في وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من التوغلات الجديدة، بما يسمح لها بالتفرغ لإعادة بناء الداخل السوري دون المساومة على الحقوق الوطنية.
وتشدد دمشق على أن المبررات الأمنية التي تطرحها إسرائيل لتبرير وجودها داخل الأراضي السورية تفتقر إلى الأساس الواقعي.
ويرى الشاهر أن إسرائيل نفذت خلال السنوات الماضية آلاف الغارات الجوية، ونجحت في تدمير معظم القدرات العسكرية الثقيلة للجيش السوري، ما ينفي وجود تهديد فعلي لأمنها القومي.
ويتقاطع هذا الطرح مع قراءة خليل، الذي يعتبر أن إسرائيل، بعد سقوط نظام الأسد، دخلت في حالة فقدان للتوازن الاستراتيجي، دون امتلاك ذرائع أمنية حقيقية.
ويضيف أن سياسات اليمين المتطرف بُنيت على هواجس أيديولوجية أثبتت فشلها، وتعرّضت لانتقادات داخل إسرائيل نفسها، بما في ذلك من معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، الذي حذّر من توظيف النشاط العسكري غير المبرر لأهداف سياسية داخلية.
التحول في مسار المفاوضات والضغط الأميركي
يشير خليل إلى أن الجولة الخامسة من المفاوضات السورية–الإسرائيلية، المعروفة باسم “باريس 3″، شكّلت نقطة تحول مهمة، إذ انتقل المسار من التصعيد إلى التهدئة بعد أن كان قد وصل إلى طريق مسدود.
ويعزو ذلك إلى الضغوط الأميركية التي مورست على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأجبرته، بحسب تعبيره، على التراجع عن سياسة العربدة العسكرية والاعتداءات التي تنتهك القانون الدولي والسيادة السورية.
ويضيف أن الطرفين دخلا مرحلة تهدئة، إلا أن هذه المرحلة ما زالت بحاجة إلى ترجمة عملية عبر بناء إجراءات ثقة متبادلة على الأرض.
وفي السياق نفسه، يرى الشاهر أن الحكومة السورية الانتقالية تعوّل بشكل كبير على الولايات المتحدة لتفعيل أو رعاية أي اتفاق محتمل مع إسرائيل.
ويطرح تساؤلاً حول ما الذي تريده واشنطن تحديداً، ليجيب بأن الولايات المتحدة تسعى إلى اتفاق سلام حقيقي وفعّال، يتجاوز نماذج السلام التقليدية، ولا يكون مجرد وثيقة شكلية.
رؤية واشنطن وترامب للسلام في سوريا
يعتقد الشاهر أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى إلى تقديم اتفاق السلام السوري ـ الإسرائيلي كنموذج جديد للسلام في الشرق الأوسط، يبدأ من سوريا، ويُقدَّم للرأي العام الأميركي والعالمي بوصفه إنجازاً سياسياً.
ويرى أن الإدارة الأميركية باتت تنظر إلى الحكومة السورية الجديدة بوصفها شريكاً موثوقاً، خاصة في ملفات محاربة الإرهاب، ومنع عودة الميليشيات المسلحة أو النفوذ الإيراني، ووقف أي إمدادات عسكرية إلى حزب الله. كما يشير إلى أن الشرع أصبح خياراً مفضلاً لدى ترامب، وأن حماسة الرئيس الأميركي لدعمه تفوق حماسة بقية مؤسسات الإدارة، وهو ما يشكل نقطة يمكن البناء عليها سياسياً.
ويضيف أن التطورات المتسارعة في شمال شرقي سوريا عزز ثقة الولايات المتحدة والأطراف الدولية بدمشق، وهو ما انعكس في تصريحات وزارة الداخلية الأخيرة التي أكدت المضي في تنفيذ هذه الترتيبات بوتيرة متسارعة.
عند تناول وجهة النظر الإسرائيلية، يوضح الشاهر أن إسرائيل ترى نفسها بحاجة فعلية إلى السلام مع سوريا، نظراً لثقلها التاريخي وتأثيرها في الرأي العام العربي، سواء عبر قوتها الناعمة أو دورها الثقافي والتعليمي السابق في المنطقة.
ويستحضر في هذا السياق المقولة الإسرائيلية الشهيرة: “لا حرب دون مصر ولا سلام دون سوريا”، معتبراً أن مرحلة الحروب انتهت عملياً بعد كامب ديفيد، وأن إسرائيل تسعى اليوم لاستكمال مسار السلام الحقيقي باتفاق مع دمشق.
ويربط الشاهر هذا التوجه بالمصالح الاقتصادية، ولا سيما بالنسبة للولايات المتحدة، التي تطرح مقاربة جديدة تقوم على بناء شرق أوسط آمن وخالٍ من الفصائل المسلحة.
ويطرح الشاهر تساؤلاً محورياً حول إمكانية ذهاب دمشق إلى توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل دون وجود المملكة العربية السعودية، مشيراً إلى أن إسرائيل تنظر إلى سوريا والسعودية بوصفهما معاً ركيزتين أساسيتين في أي ترتيبات إقليمية، نظراً للثقل الكبير الذي تمثله الرياض.
ويرى أن دمشق حريصة على أن يتم أي مسار سلام ضمن مظلة عربية، وقد تفضل التوجه نحو اتفاقيات سلام عربية–إسرائيلية شاملة، بدلاً من اتفاق منفرد.
الترتيبات الأمنية والإقليمية ما بعد الجنوب السوري
يشير الشاهر إلى أن الولايات المتحدة لا ترغب في تحوّل الجنوب السوري، أو سوريا عموماً، إلى ساحة صراع أو تنافس بين تركيا وإسرائيل. ويعتبر أن انسحاب إسرائيل من الجنوب السوري قد يفتح الباب أمام ضغوط مماثلة على القوات التركية للانسحاب من شمال سوريا، بحجة انتفاء المبررات الأمنية.
وفي الإطار ذاته، يلفت خليل إلى أن اجتماع باريس في السادس من يناير أظهر تقدماً ملحوظاً، حيث جرى حل نحو 90% من القضايا الخلافية، والانتقال من منطق التصعيد إلى التهدئة، إضافة إلى بحث إنشاء غرفة تنسيق ثلاثية في الأردن تضم الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا، للتنسيق الأمني والعسكري والاستخباراتي، إلى جانب أبعاد اقتصادية، من بينها استبدال فكرة المنطقة العازلة بمناطق تجارية وصناعية وسياحية على جانبي الحدود.
ويخلص خليل إلى أن دمشق تمتلك اليوم أوراقاً قانونية وسياسية قوية، في ظل تعرضها لاعتداءات تخالف القانون الدولي، إضافة إلى التحولات السياسية التي جعلت من سوريا الجديدة حجر زاوية في استقرار المنطقة، وفق ما تؤكده الإدارة الأميركية.
ويعتبر أن الاعتداءات الإسرائيلية الحالية ذات طابع مرحلي وانتخابي، وتهدف إلى تحسين شروط التفاوض، وهو ما دفع ترامب، بحسب تعبيره، إلى رفع “البطاقة الحمراء” في وجه نتنياهو، وصولاً إلى مخرجات اجتماع باريس الأخير.
+963
—————————–
المقاربة الأميركية في سوريا وإدارة التوازنات التركية – الإسرائيلية/ أحمد الكناني
31 يناير 2026
منذ تصاعد حدة المعارك العسكرية في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بحلب، مطلع العام، ومن ثم الانتقال إلى شرق الفرات، أخذ الموقف الأميركي طابعًا مباشرًا في التعليق على مسار الأحداث الميدانية، التي تمثلت بتصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس براك، والذي أبدى دعمًا للدور الحكومي في إعادة السيطرة المركزية على الجغرافيا السورية، بما يكفل احترام المكونات المجتمعية، ودمج قوات سوريا الديمقراطية بطريقة سلمية ومنظمة.
إلا أن اللافت في الدور الأميركي ما جاء في تسريبات اجتماعات أربيل في كانون الثاني/يناير، وحجم الانتقادات التي وجّهها المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك لقائد “قسد” مظلوم عبدي، واتهام الأخير بمحاولة إدخال العامل الإسرائيلي على خط الصراع في الجزيرة، وجرّها إلى المشهد السوري، وإحداث توترات خطيرة بين حلفاء رئيسيين لواشنطن وهم تركيا وإسرائيل.
ورغم المناشدات المتكررة من بعض القيادات السياسية والعسكرية في “قسد” لإسرائيل، إلا أن المعطيات تشير إلى موقف أميركي حازم يعمل على تحييد إسرائيل عن مجريات الأحداث في شرق سوريا. وفي المقابل، راقبت أنقرة التطورات بصمت لافت، من دون أي تدخل عسكري مباشر أو دعم تقليدي لدمشق، ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول كيفية إدارة واشنطن لتوازن المصالح الإقليمية في الساحة السورية.
رؤية أميركية
في هذا السياق، يوضح الدكتور سامر الصفدي، الاستشاري في التحالف السوري-الأميركي (SAAPP)، أن الاستراتيجية الأميركية باتت أكثر وضوحًا خلال الأحداث الأخيرة، حيث تركز على دعم انتقال سياسي يحافظ على وحدة سوريا، ويضمن حماية الأقليات، بالتوازي مع تعزيز التوازنات الإقليمية عبر تشجيع عدم التدخل الخارجي، وإعادة إحياء العلاقات الدبلوماسية بين دول المنطقة.
ويشير الصفدي إلى أن السياسة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب تقوم على إعادة ضبط موازين القوى الإقليمية، مع مراعاة مصالح الحلفاء، وعلى رأسهم تركيا وإسرائيل، دون فرض حلول خارجية جاهزة، مع التأكيد على منع عودة تنظيم داعش، أو تمدد حزب الله، أو أي توسع إيراني محتمل، تمهيدًا لانسحاب تدريجي أو كامل للقوات الأميركية من سوريا.
من جهته، يرى الكاتب والصحفي مصطفى المقداد أن العلاقة السابقة بين واشنطن و”قوات سوريا الديمقراطية”، على الرغم من عمقها، لم تعد تتماشى مع التوجه الأميركي الجديد، القائم على التعامل مع الدولة بوصفها الإطار الشرعي لرعاية المصالح، لا مع الكيانات أو القوى ما دون الدولة، وهو ما ثبت بإعلان أميركي رسمي بانتهاء مشروع “قسد” في مكافحة الإرهاب وانتهاء دورها الوظيفي، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن واشنطن لم تتخلَّ عنها، بل تعمل كراعٍ رئيسي لعملية دمجها ضمن المنظومة الأمنية والعسكرية السورية.
توازن تركي – إسرائيلي
ورغم إبلاغ المبعوث الأميركي قيادة “قسد” بأن إسرائيل لن تتدخل لصالحها، إلا أن الصفدي يرى أن ذلك لا يعني تحييد تركيا وإسرائيل بشكل كامل عن المشهد السوري. فالواقع يشير إلى استمرار تدخلات الطرفين، ولكن ضمن إطار من التنسيق غير المباشر، وبوساطة أميركية تهدف إلى احتواء التوترات ومنع الانفجار الإقليمي.
ويضيف أن الدور الأميركي الحالي يركز على الوساطة السياسية والدبلوماسية، بما ينسجم مع نهج إدارة ترامب التي تفضل الحلول الإقليمية، وتقليص التورط العسكري المباشر، مع التعامل مع الحكومة السورية كشريك في إدارة الاستقرار، على نحو لا يختلف كثيرًا عن العلاقة مع تركيا أو إسرائيل.
في المقابل، يلفت المقداد إلى نجاح واشنطن في الحد من الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، ومنع رئيس الوزراء الإسرائيلي من التدخل في ملف “قسد”، غير أن المقاربة الأميركية تختلف تجاه أنقرة، نظرًا لارتباط ملف “قوات سوريا الديمقراطية” بشكل مباشر بالأمن القومي التركي. لذلك أخذت الولايات المتحدة مخاوف تركيا بعين الاعتبار، ومنحتها أولوية خاصة، خصوصًا أن مسار الأحداث يجري على حدودها الجنوبية، في إطار رؤية أميركية تهدف إلى إنشاء منطقة مستقرة تكون بوابة اقتصادية جديدة لمصالحها الإقليمية.
سيناريو محتمل في الجنوب
مع الانتهاء من ملف “قسد”، تتوجه الأنظار جنوبًا إلى محافظة السويداء، التي باتت المنطقة الأخيرة والوحيدة خارج سيطرة الدولة، حيث يزداد المشهد تعقيدًا بفعل الدور الإسرائيلي الضاغط على دمشق.
يشير الاستشاري الصفدي إلى إمكانية خلق صيغة مشابهة جزئيًا في السويداء لمعالجة الأزمة الجنوبية، برعاية أميركية، وهي استراتيجية الرئيس ترامب في عهد ترامب الثاني، التي تركز على الوساطة الدبلوماسية لاحتواء التصعيد وتعزيز الاستقرار، مع السماح بدور محدود للحلفاء الإقليميين، مشابهة لما حدث في شمال شرقي الفرات مع “قوات سوريا الديمقراطية”. ومع ذلك، الوضع في السويداء أكثر تعقيدًا بسبب الروابط العرقية والأمنية مع الجولان، لافتًا إلى أن ملف السويداء مرتبط بشكل وثيق بتوقيع اتفاق أمني مع إسرائيل بوساطة ومراقبة أميركية.
بدوره، يشير المقداد إلى وجود حديث عن ترتيبات محتملة يجري العمل عليها في ملف السويداء، تقوم على تولي دمشق الإدارة الأمنية والعسكرية، مع فتح المجال أمام لامركزية إدارية في الشؤون المدنية ضمن الأطر الوطنية، وبما يجنب المنطقة الانزلاق نحو تصعيد عسكري واسع.
الترا سوريا
————————-
تمجيد «قسد»/ تأثيم «حماس»: ثنائية الإفك/ صبحي حديدي
على امتداد حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة، كانت عناوين مقالاتها تسير هكذا: «الاعتداء الإسلاموي على إسرائيل جريمة بحقّ الإنسانية جمعاء»، أو «جهاد إسرائيل يظلّ جهادي، وجيش الدفاع الإسرائيلي جنود روحي»، أو «العالم المسلم يقول: على حماس أن تلاقي نهايتها»، أو «أورشليم ملكية اليهود: هذه حقيقة إسلامية»….
أهذه كتابات امرأة إسرائيلية؟ يهودية أمريكية أو نمساوية أو أوكرانية، تحمل الجنسية الإسرائيلية أيضاً؟ ناشطة في واحدة من المنظمات الصهيونية المساندة لدولة الاحتلال، هنا وهناك في أوروبا والولايات المتحدة؟ كلا، هي الإجابة على جميع الأسئلة السالفة؛ بل هي كانتا أحمد، البريطانية ــ الأمريكية من أصول باكستانية، سليلة أسرة مهاجرة مسلمة، وأب وأمّ «مؤمنَين بالديانة الإسلامية» كما تصفهما، دأبا على تحفيظها القرآن حتى شبت عن الطوق واختطت لنفسها خيارات مختلفة، كما تسرد أيضاً.
صحيح، بالطبع، أنّ أحمد ليست حالة منفردة بين «بنات الإسلام»، كما يقول تعبير استشراقي غربي بالغ الخبث ومفتضَح الركاكة في آن؛ وإذا لم يحضر سريعاً إلى البال نموذجُ تسليمة نسرين السويدية من أصل بنغلاديشي، فإنّ الأشهر تظل أعيان حرسي علي المواطنة الصومالية ـ الهولندية، مؤلفة «العذراء في القفص: صرخة امرأة مسلمة في سبيل العقل»، أحد أشدّ الأعمال غثاثة وتلفيقاً واختلاقاً حول الإسلام؛ وبطلة شريط ثيو فان غوغ «خضوع» الذي ظهرت فيه شبه عارية وقد خُطّت على جسدها آيات قرآنية.
لكنّ جديد الباكستانية أحمد أنها لا تطلق العنان للركاكة القصوى في امتداح دولة الاحتلال عموماً وجرائم حرب الإبادة خصوصاً، فحسب؛ بل في أنها أيضاً، وعلى سبيل «تكنيك» أداء الوظيفة هذه، لا تملك سوى خلط الحابل بالنابل، كيفما اتفقت لها النقائض. النموذج الأحدث لهذا الخيار البهلواني مقالة نشرتها بالإنكليزية في موقع Times of Israel، بعنوان «عار على الولايات المتحدة: التخلي عن كرد سوريا يعرّض المنطقة بأسرها للخطر»؛ تساجل فيها بأنّ «أمريكا كما يبدو قد اعتمدت عقيدة جديدة في سوريا: احتضان الإسلامويين، مغازلة تركيا، والتعريض يالأقليات المستضعفة»… نعم، هكذا دفعة واحدة.
وإذ لا يُحجب عن أحمد، أو سواها ومن حيث المبدأ البسيط، حقّ التضامن مع «قسد» تحديداً، والافتراض ضمناً بأنها تمثّل وحدها الكرد السوريين أجمعين، أو هي اختصار المسألة الكردية بأسرها في سوريا، وربما في تركيا (بسبب التبعية للـPKK وجبال قنديل)؛ بصرف النظر عن الخطل الفادح في مقاربة كهذه. فإنّ صياغة هذا التضامن من داخل انحياز، أشدّ فداحة سياسياً وأخلاقياً وعقلياً، إلى تبرئة دولة الاحتلال من حرب إبادة صريحة فاضحة ومدانة بموجب القانون الدولي؛ يكشف سوأة قميئة لدى المتضامن، ويعرّي قباحة مجانية تُلحق الأذى بالكرد والفلسطينيين على قدم المساواة.
وحين يفعلها سياسي أمريكي من طراز السناتور الجمهوري لندسي غراهام، صاحب الباع الطويل في الرقص على كلّ وأيّ حبال تخدم مآربه، في الداخل الأمريكي كما في الخارج الإسرائيلي؛ فالأمر ليس عسيراً على الفهم أو التفسير، لأنه تكرر مراراً حتى بات أقرب إلى خبر بلا معلومة. أما أن تنخرط في هذا المنحى الرثّ امرأةٌ سليلة أسرة مسلمة، آسيوية، مهاجرة… فإنّ الحصيلة لن تتوقف عند النفاق والانتهاز، بل تنقلب إلى تجنّد طوعي في سردية إفك تبدأ من تضامن زائف مع الكرد، وتمرّ بغسل أيدي الاحتلال الإسرائيلي من دماء آلاف الفلسطينيين، وتنتهي إلى الجوهري ربما: زجّ الإسلام كثقافة، والمسلمين كاجتماع بشري، في سيرورة باطلٍ كاذبة وشائنة.
ثمة تضامن محقّ، مشرّف وقد يكون واجباً، مع حقوق الكرد السياسية والمدنية والإنسانية والثقافية، التي دأبت معظم أنظمة الحكم في سوريا الحديثة على انتهاكها؛ ولكن ليس من مصلحة الكرد أن يكون في عداده ثنائية بذيئة مثل هذه: تمجيد «قسد»/ تأثيم «حماس».
القدس العربي
——————————————-
“خارطة الطريق” وخيارات السويداء بعد طي ملف “قسد”/ أحمد الكناني
1 فبراير 2026
أفرزت المتغيرات الميدانية المتسارعة في منطقة الجزيرة السورية واقعًا عسكريًا وجغرافيًا جديدًا، تلاشت معه الحدود الإدارية لما عُرف بـ “الإدارة الذاتية”، في ظل توافقات دولية منحت دمشق غطاءً كاملًا لإعادة بسط سيطرتها على أراضيها، وبرعاية أميركية مباشرة، رغم التحالف الطويل الذي جمع واشنطن بـ”قسد”.
وبات واضحًا أن الإدارة الأميركية أعادت تموضع مصالحها تجاه المركز، متخلية تدريجيًا عن أدواتها المحلية، لا سيما بعد سحب ورقة مكافحة الإرهاب من قسد وإنهاء دورها الوظيفي، وإعلان انضمام دمشق إلى التحالف الدولي.
وفي موازاة ذلك، أسهمت العمليات العسكرية للجيش السوري في رسم جغرافيا سياسية جديدة لم تقتصر تداعياتها على قسد فحسب، بل امتدت إلى محافظة السويداء، بعدما تمكن الجيش من قطع خطوط التواصل الجغرافي والعسكري بين قوات سوريا الديمقراطية، وقوات ما يُعرف “الحرس الوطني” التابعة للشيخ حكمت الهجري، وكانت هذه الخطوط ورقة ضغط استخدمها الطرفان في مواجهة دمشق، وعليه تتجه الأنظار نحو السويداء، مع اقتراب الحكومة من طي ملف قسد، ما يفتح باب التساؤلات حول مصير المحافظة الجنوبية، والتي لا يزال تيار “الشيخ الهجري” القوة المسيطرة فيها، وهو الذي يواصل الرهان على إسرائيل والولاء لها.
قضية دولية
يعتقد الباحث السياسي نورس عزيز أن السويداء باتت جزءًا من نقاش دولي أوسع، مرتبط بقضية الأقليات، بما في ذلك القضية الكردية، والتي أعادت تسليط الضوء على القضية السورية في المحافل الدولية، خاصة في الكونغرس الأميركي، إلا أن الوضع في السويداء لا يخرج من كونه ملفًا دوليًا تقره اجتماعات باريس بين دمشق وتل أبيب، والتي تؤكد في معطياتها الأولية حقيقة أساسية مفادها أن لا مجال لأي حل خارج الإطار السياسي.
من جانبه، يعتبر الباحث السياسي د. حمزة المحيمد بأن القائمين على المشهد في السويداء استثمروا الظروف الداخلية والخارجية لتحقيق مكاسب سياسية، معتمدين على دعم خارجي وتحالفات من وصفهم بـ”أعداء الثورة والشعب السوري”، إلا أن هذه الظروف تغيرت، وثمة وقائع إقليمية وميدانية جديدة، وبات الدعم الدولي موجهًا بشكل واضح نحو دمشق ووحدة الأراضي السورية.
ولفت المحيمد إلى تحييد الدور الإسرائيلي الداعم للهجري، بفضل لقاءات وسياسة دمشق الخارجية، ودور الوساطة والرعاية الأميركية، إضافة إلى أن الهجري لم يعد يمتلك أي قوة قادرة على دعمه، خاصة بعد طيّ ورقة قسد نهائيًا وبغطاء دولي، ما يجعل الحل السياسي الخيار الوحيد المطروح أمامه، بل الخيار الذي بات ينتظره.
خارطة طريق السويداء
مع انهيار اتفاق العاشر من مارس، وفعل العمليات العسكرية، تشير التقديرات السياسية إلى مصير مشابه يمكن أن يواجه اتفاق “خارطة الطريق في السويداء” برعاية أميركية وأردنية في حال تعذرت الحلول السياسية في المحافظة.
في هذا السياق لا يرى الباحث عزيز أن اتفاق “خارطة الطريق في السويداء” انتهى بالكامل، بل يعتقد أن المرحلة المقبلة ستحمل صيغة جديدة مستندة إلى مخرجات باريس الأخيرة، والتي كان واضحًا أنها أفضت إلى دخول دمشق للمناطق العربية في شمال وشرق الفرات.
فيما يعتقد الدكتور المحيمد أن “خارطة الطريق” وُضعت في ظروف داخلية وخارجية صعبة مرت بها حكومة دمشق، وكانت خارطة غير مرضية لشرائح واسعة من الشعب السوري، مؤكدًا أنها لم تعد صالحة اليوم، ولا يمكن البناء عليها في ظل المعطيات الجديدة.
دور إسرائيل المرتقب
شكل ملف السويداء خاصرة رخوة بالنسبة لدمشق، استطاعت المحافظة بسبب الدعم الإسرائيلي من إنشاء واقع عسكري وبحماية إسرائيلية، إلا أن ذلك قابل للانهيار الفوري في حال تخلي الاحتلال عن هذه الورقة.
وفي هذا الإطار لا يعتقد الباحث السياسي عزيز أن إسرائيل ستتخلى بالكامل عن ملف السويداء، نظرًا لاعتبارات أمنية واستراتيجية، لكنه يرجّح التوجه نحو تسوية تقوم على إدارة لامركزية موسعة ضمن المظلة السورية، بعيدًا عن النظام السياسي المركزي، كحل وسط يرضي مختلف الأطراف، ويجري من خلاله الإبقاء على ما سمي “الحرس الوطني” قوات أمن داخلية في المحافظة.
في المقابل، يرى الدكتور المحيميد أن الدور الأميركي كان حاسمًا في تحييد إسرائيل عن الملف السوري، ويتجلى ذلك في صمت واشنطن حيال العمليات العسكرية ضد قسد، رغم تعهداتها السابقة. كما يؤكد أن الولايات المتحدة فرضت على إسرائيل تغيير سياستها العدائية تجاه دمشق، وهو ما يفسر غياب أي انتهاكات جديدة في الفترة الأخيرة، مرشحًا أن يطوى ملف السويداء بهدوء، في ظل صمت إسرائيلي كامل وتحولات دولية تصب في مصلحة دمشق.
ولفت المحيمد إلى أن قسد دفعت ثمنًا باهظًا لارتباط قرارها بحزب العمال الكردستاني، وفي ذلك درس مباشر لما يُعرف لقوات ما يسمى “الحرس الوطني” في السويداء، متوقعًا أن تستوعب هذه القوى الرسالة وتقبل بالتسويات التي تطرحها دمشق، مقابل دمجها لاحقًا في مؤسسات الدولة.
الترا سوريا
—————————-
مصادر: إسرائيل ترى انحيازاً أميركياً لمصلحة تركيا في سوريا
إسرائيل ترى في واشنطن سياسات مختلفة بما يخص الشأن السوري
2026-02-01
أكدت مصادر أميركية، أن أنقرة أبلغت الإدارة الأميركية، كما هو معروف، أن مصلحة تركيا تقوم على قيام دولة مركزية في سوريا، وأنها لا تقبل ببقاء أي كيان في منطقة شمال شرق البلاد.
وأشارت المصادر إلى أن أنقرة حققت هدفاً استراتيجياً كانت تسعى إليه منذ نحو عشر سنوات، خصوصاً أنها كانت تعترض باستمرار على طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) حتى في سياق الحرب على تنظيم “داعش”، وفق ما نقلته قناة “العربية”.
في المقابل، نقلت مصادر مطلعة على مواقف الحكومة الإسرائيلية وسفارتها في واشنطن، أن إسرائيل أبلغت الإدارة الأميركية رسالة مغايرة تماماً، مفادها أنها تطمح إلى رؤية سوريا دولة فدرالية، وأن حكومة بنيامين نتنياهو تعتبر أن التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا جاءت بعكس ما كانت تسعى إليه.
وأكدت هذه المصادر أن الحكومة الإسرائيلية غاضبة بشدة مما جرى، وترى أن موازين النفوذ تحوّلت لصالح أنقرة على حسابها.
وأضافت، أن نتنياهو يعتبر أن هناك طرفين في واشنطن، هما الإدارة الأميركية والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، في إشارة إلى قناعة إسرائيل بأن باراك منحاز بشكل كامل إلى المواقف التركية، “ولا يبالي بالمصالح الإسرائيلية”، وفق توصيفهم.
ورغم ما تصفه بخسارة جولة في سوريا، ترى الحكومة الإسرائيلية أنها لا تزال تمتلك أوراق ضغط، وقد أبلغت واشنطن مرة أخرى أنها لن تقبل بوجود أي جندي تركي على الأراضي السورية، ولن تتخلى عن حماية الدروز في سوريا، ولا سيما دروز الجنوب القريبين من حدودها، وفق ما ذكرته المصادر.
كما طلب الجانب الإسرائيلي من دمشق اتخاذ إجراءات واضحة لبناء الثقة، تحول دون انتشار أو تموضع “عناصر متطرفة” في الجنوب السوري.
وقالت قناة “العربية”، إنه من المنتظر أن تعود الآلية المشتركة بين سوريا وإسرائيل وواشنطن إلى الاجتماع مرة أخرى قريباً، ربما خلال أسبوعين، في محاولة لإعادة البحث في هذه المطالب الخلافية.
وأوضحت القناة، أن الأجواء لا توحي بإمكان تحقيق اختراق كبير، إذ تصر دمشق على الانسحاب الإسرائيلي، فيما أبلغت إسرائيل واشنطن أنها ترفض العودة إلى خط فك الارتباط في الجولان، ولا تنوي التنازل عن هذا المطلب بعد التطورات الأخيرة في الشمال، واعتبارها أن تركيا حققت تقدماً استراتيجياً على حسابها في الساحة السورية.
وفي الوقت نفسه، ذكرت “العربية” أن الإدارة الأميركية لا ترغب في الانخراط في صراع السياسات المتنافسة داخل سوريا، وتبدو أنها تركّز بشكل متزايد على ملف مكافحة الإرهاب.
وأكد مسؤول أميركي، أن الولايات المتحدة تعمل على نقل سبعة آلاف من عناصر تنظيم “داعش” إلى العراق ليكونوا تحت حماية القوات العراقية، مشيراً إلى أن واشنطن تثق بالقوات العراقية كما تثق بقوات سوريا الديموقراطية لتنفيذ هذه المهمة.
وأضاف أن الحكومة السورية وقوات التحالف الدولي تعملان معاً لإنجاز هذه المهمة الحساسة، رغم ما تواجهه من عراقيل وظروف معقّدة.
وشدد المسؤول على أن أولوية بلاده تتمثل في حماية جنودها، ومنع عودة الإرهاب، والتصدي لأي محاولة من “داعش” لإعادة تنشيط عملياته، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستواصل توجيه ضربات للتنظيم، وكلما توافرت معلومات أو تحركات مشبوهة، ستُتخذ إجراءات عسكرية حازمة لإحباطها.
—————————–
الهجري يرفض مبادرة بكور وعملية أمنية مرتقبة/ أحمد العقلة
الأحد 2026/02/01
أفاد مصدر خاص “المدن” بأن شيخ عقل الموحدين الدروز، حكمت الهجري، رفض مبادرة محافظ السويداء مصطفى بكور، وذلك بعد جولة من المفاوضات، مشيراً إلى وجود عملية أمنية مرتقبة ضد قوات الهجري، على غرار العملية التي نُفذت ضد “قسد” بعد تعنّتها في التوصل إلى حلول أعادت المحافظة إلى كنف الدولة.
وأضاف المصدر أن زيارة مدير أمن السويداء سليمان عبد الباقي، إلى واشنطن جاءت بترتيبات من اللوبي السوري– الأميركي، وتهدف إلى حسم ملف السويداء وإعادتها إلى الدولة السورية خلال شهر واحد.
مبادرة محافظ السويداء
وتوجه محافظ السويداء مصطفى بكور إلى أهالي السويداء قائلاً: “يداً بيد نحو حوار وطني… أتوجه إليكم بهذه الرسالة من منطلق إيماني الراسخ بأن الدولة هي وطن للجميع، وملك لكل أبنائها. ومهما تعقّدت التحديات أو اختلفت وجهات النظر، فإن الأرض التي تجمعنا تظل قادرة على احتواء جميع الآراء، وصون مصالح كل أبنائها”.
وقال إن “الطريق الأمثل لحل أي خلاف هو الحوار الهادئ والبنّاء، الذي يجمع ممثلين عن مختلف الأطراف، ويناقش قضايا المجتمع بموضوعية وشفافية. وأدعوكم اليوم إلى المبادرة بتشكيل لجنة حوار وطني تجلس على طاولة واحدة، وتنظر في جميع القضايا التي تهم المجتمع، وتعمل على معالجتها بلغة العقل والمنطق، بعيداً عن أي توتر أو انقسام”.
وأوضح بكور “ليس في وطننا فحسب، بل في العديد من دول العالم، شهدت المجتمعات خلافات وأزمات، وكان الحوار دائماً جسر العبور نحو الاستقرار. ففي لبنان، وعلى الرغم من سنوات الحرب الأهلية، استطاع اللبنانيون عبر حوارات متعددة إعادة بناء دولتهم والحفاظ على نسيجهم المجتمعي. وفي جنوب أفريقيا، شكّل الحوار والمصالحة الوطنية السبيل لتحويل البلاد من نظام الفصل العنصري إلى دولة ديمقراطية يحكمها القانون. وكذلك في كولومبيا، التي أنهت عقوداً من الصراع المسلح عبر مفاوضات مطوّلة وشاملة”.
وتابع: “أيها السيدات والسادة، إن قوة المجتمعات تكمن في قدرتها على الحوار، وفي إيمانها بأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. فالوطن يحتاج إلى جميع أبنائه، وحواركم اليوم هو ضمانة لمستقبل آمن ومستقر لأجيالكم القادمة”.
اجتماع واشنطن
وفي 20 كانون الثاني/ يناير الحالي، أفاد المستشار طارق نعمو، وهو أحد الشخصيات القريبة من دوائر صنع القرار الأميركية والسورية، بأن مسؤولاً أمنياً وشيخاً من وجهاء السويداء، وهو مدير الأمن الداخلي سليمان عبد الباقي، يوجد حالياً في واشنطن لعقد جلسات أمنية حاسمة.
وقال نعمو إن الرحلة تمت بتنسيق مع منظمة “مواطنون من أجل أميركا آمنة”، وعدد من الشخصيات، من بينهم الدكتور بكر غبيس.
ووفق نعمو، تُعد هذه اللقاءات الخطوة الختامية في مواجهة المحاولات الانفصالية، ما يؤدي إلى تبديد أي آمال بتقسيم سوريا. لذلك، لا تُعتبر هذه الزيارة مجرد إجراء بروتوكولي، بل تمثل تحركاً استراتيجياً حاسماً على الساحة السياسية، يهدف إلى إغلاق ملف السويداء نهائياً وإعادة دمجها الكامل في الوطن، بالاعتماد على قوة أهلها وتماسكهم الوطني.
ووفقاً لما وصفه نعمو بـِ “مهندس العلاقات بين دمشق وواشنطن”، تبرز فِراسة الرئيس أحمد الشرع، وتناغمه الدقيق مع وزير الخارجية أسعد الشيباني، كعنصرين أساسيين في تحويل أخطر الملفات الأمنية من تهديد وجودي إلى فرصة لتعزيز السيادة الوطنية.
وأضاف: “سوريا لا تطالب إلا بحقها الطبيعي كدولة واحدة موحّدة، ذات سيادة كاملة غير مجزّأة، ووحدة أراضٍ كاملة.”
ووفق مصدر آخر لـِ “المدن”، فإنه من المتوقع إنهاء هذا الملف قريباً من خلال الخطوات الآتية: تأمين المنطقة بقوات من أبنائها، حلّ الميليشيات غير النظامية، تمثيل المنطقة في مجلس الشعب، تعيين المحافظين من قبل السلطة المركزية، انتخاب مجالس البلديات مستقبلاً، بما يعزز المشاركة المحلية من دون المساس بالوحدة الوطنية.
—————————–
بيان إلى أهل السويداء في الداخل و الخارج
نحن التيار الثالث، الذي فرضه واقع الاستعصاء في السويداء، نرفع صوتنا بجرأة وشفافية، انطلاقًا من مسؤوليتنا الأخلاقية والتاريخية في حماية المجتمع وضمان استقراره وكرامته وأمانه. وعليه، نطرح بين أيديكم ورقة عمل كخارطة طريق، تهدف إلى حماية المجتمع ومنع الانزلاق إلى الفوضى، عبر هيئة إنقاذ مدنية تنشأ من المجتمع ولأجله.
تمر المحافظة بمرحلة صعبة تشمل مجازر، تهجيرًا وتهميشًا، في ظل انسداد سياسي وخطاب مركزي متجاهل. نحن لا ندعي تمثيل أحد، ولا نزعم امتلاك الحقيقة، لكن هذه الوثيقة تقدم خطوات عملية تترجم واقعنا الراهن إلى مسار مدني ووطني، يحمي المجتمع ويؤمن كرامته واستقراره.
الأهداف الرئيسة للتيار الثالث
الأهداف الرئيسة
أولًا: إدانة المجازر والمطالبة بالمحاسبة وجبر الضرر
ثانيًا: تحميل السلطة مسؤولية أحداث تموز الدامية، حتى و ان سعت بعض الأطراف الأخرى إلى الصدام.
ثالثًا: التأكيد على أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا الموحدة، وأن تاريخ أهلها يجسد روح النضال المشترك، بما فيه إرث الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، واعتماد اللامركزية الإدارية التوافقية كأساس للحل.
رابعاً : عودة الأهالي إلى قراهم، الإفراج عن المختطفين، وتعويض المتضررين
خامساً : حماية الطلاب وضمان التعليم
سادساً : الابتعاد عن المحاور الإقليمية وضمان العيش الكريم.
سابعاً : الحوار والتعاون المدني كأساس للعمل المجتمعي.
شرح الأهداف:
أولا: إدانة المجازر والمطالبة بالمحاسبة وجبر الضرر
ما جرى بحق المدنيين في السويداء يشكل جرائم أخلاقية وسياسية جسيمة لا يمكن تبريرها أو تجاوزها بالصمت أو النسيان.
تؤكد الهيئة أن المسؤولية فردية، ولا حصانة لأي شخص أو جهة متورطة، وتطالب بمسار محاسبة علني، مستقل وغير مسيس، إلى جانب جبر الضرر وتعويض المتضررين ماديا ومعنويا دون تأجيل.
المحاسبة ليست انتقاما، بل شرطا أساسيا للاستقرار ومنع تكرار الجرائم.
ثانيا: تحميل السلطة مسؤولية أحداث تموز الدامية
تؤكد الهيئة أن مسؤولية حماية المدنيين تقع على عاتق الدولة بالدرجة الأولى، بغض النظر عن تعقيدات الواقع أو وجود محاولات صدام محلية.
تحميل السلطة المسؤولية لا يعني تبرئة أي طرف آخر، بل الإقرار بأن غياب الحماية أو سوء إدارة الملف أو التأخر في التدخل أسهم في تفاقم المأساة، وأن أي استقرار مستقبلي يتطلب تحملا واضحا للمسؤولية ومراجعة جدية للأداء.
ثالثا: السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا الموحدة واعتماد اللامركزية الإدارية توافقية
تنطلق الهيئة من موقف وطني واضح يؤكد أن السويداء جزء لا يتجزأ من الدولة السورية، وأن تاريخ أهلها، بما فيه إرث الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، يجسد روح النضال الوطني المشترك.
ويهدف هذا الموقف إلى قطع الطريق على أي مشاريع تقسيم أو عزل أو توظيف خارجي لمعاناة المحافظة، والتأكيد أن المطالب المحلية العادلة لا تتناقض مع وحدة البلاد وسيادتها.
رابعا: عودة الأهالي إلى قراهم، الإفراج عن المختطفين، وتعويض المتضررين
لا يمكن الحديث عن استقرار أو سلم أهلي في ظل وجود مهجرين أو مختطفين.
تعتبر الهيئة أن عودة الأهالي إلى قراهم عودة آمنة وكريمة تمثل أولوية عاجلة، إلى جانب الإفراج الفوري وغير المشروط عن المختطفين المدنيين، ووضع آلية واضحة وشفافة لتعويض المتضررين ماديا ومعنويا، مع ضمانات عملية تمنع تكرار الانتهاكات.
خامسا: حماية الطلاب وضمان الحق في التعليم
ترى الهيئة أن التعليم حق أساسي لا يجوز التفريط به أو ربطه بالظروف الأمنية.
وتطالب بحماية الطلاب الجامعيين وضمان وصولهم الآمن إلى جامعاتهم، وتعويض الفاقد التعليمي الناتج عن الأحداث، وتقديم الدعم النفسي والأكاديمي للمتضررين، مع التأكيد على الاعتراف الكامل بشهادة الثانوية لعام 2025 دون أي انتقاص.
سادسا: تحييد السويداء عن المحاور الإقليمية وضمان العيش الكريم
تؤكد الهيئة ضرورة تحييد السويداء عن أي صراعات أو اصطفافات أو مشاريع إقليمية تهدف إلى تقسيم سوريا أو استخدام معاناة أهلها كورقة ضغط.
وترى أن ضمان الأمن والخدمات الأساسية وفرص العيش الكريم أولوية، وأن تحييد السلاح عن الخلافات الداخلية يشكل خطا أحمر لا يجوز تجاوزه.
سابعا: الحوار والتعاون المدني أساس العمل المجتمعي
تؤمن الهيئة بأن غياب الحوار كان أحد الأسباب الرئيسة لتفاقم الانقسام والفوضى.
وترى أن الحوار والتعاون المدني، القائمين على الاحترام المتبادل ورفض التخوين، هما الطريق الوحيد لبناء الثقة، ومعالجة الخلافات، وتحويل المجتمع من حالة الخوف ورد الفعل إلى الفعل المنظم والمسؤول.
الملحق: التعريف بهيئة الإنقاذ وآليات عملها
أولًا: التعريف
هيئة الإنقاذ المدني في السويداء إطار مدني وطني، غير حزبي، وغير مسلح، تنشأ كمبادرة مجتمعية لمعالجة القضايا الإنسانية والمجتمعية العاجلة، دون ادعاء التمثيل أو الوصاية.
ثانيًا: المبادئ الأساسية
• حماية المدنيين أولوية مطلقة وغير قابلة للمساومة.
• العدالة والمحاسبة شرط للاستقرار، وليست أداة للانتقام.
• رفض العنف والتسليح في إدارة الخلافات الداخلية.
• الالتزام بالهوية الوطنية السورية، مع احترام التعددية والاختلاف السياسي.
ثالثًا: الرؤية العامة وآليات العمل
• تحويل الخوف والجمود إلى مسار حوار وحلول عملية.
• إعادة الأهالي إلى بيوتهم بأمان وضمان حقوقهم الأساسية.
• منع تكرار الانتهاكات عبر آليات مدنية واضحة.
• التوثيق: جمع وتوثيق الأضرار والانتهاكات وفق معايير مهنية وشفافة.
• التعويض: وضع آلية واضحة دون تأجيل.
• التعاون مع الدولة: شراكة فعلية لإدارة الشأن المحلي، مع الاعتراف بما حصل، والالتزام بعودة الأهالي وفتح مسار محاسبة شفافة.
رابعًا: طبيعة المبادرة
هذه مبادرة مفتوحة للتطوير، وليست إعلان سلطة أو مشروع حكم. تدعو جميع أبناء السويداء والمعنيين بالاستقرار لمناقشتها والمشاركة في تحويلها إلى مسار عملي يحمي المجتمع و يخدمه.
الموقعون :
أ. وائل شجاع
د. كنان مسعود
أ. هادي منذر
أ. فادي الأطرش
أ. مهند شهاب الدين
أ. علاء أبو العز
العميد المتقاعد جميل الجباعي
أ. سومر صيموعة
المهندس تمام اللحام
د.طارق عدوان
أ. منصور خزعل
أ. سعيد الغضبان
أ. يارا جعفر
أ. فارس ابو فخر
أ. بسام عزي
أ. تركي العنداري
أ. جادالله حسون
أ. اماني ابو دقة
——————
==================
تحديث 31 كانون الثاني 2026
—————————–
لماذا ترفض إسرائيل الانسحاب من قمة جبل الشيخ؟/ عدنان علي
31 يناير 2026
خلال الاجتماع الدوري لمجلس الأمن يوم الخميس الماضي، تطرق المجلس إلى الوضع في الجولان السوري المحتل والقنيطرة في ضوء الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة على الأراضي السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام 2024، والتي تتجلى في أشكال عدة، أبرزها احتلال قمة جبل الشيخ التي تشرف على مساحات شاسعة من الأراضي السورية.
وجاء ذلك تزامناً مع تقارير صحافية أفادت بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبلغ الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال اتصال هاتفي الثلاثاء الماضي، أنه منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مهلة شهر لإنهاء الاتفاق مع دمشق، مشيرة إلى أن المشكلة الوحيدة المتبقية أمام إبرام الاتفاق هي تمسك إسرائيل بالسيطرة على قمة جبل الشيخ.
وخلال جلسة مجلس الأمن، دعا مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي المجتمع الدولي إلى إنهاء الوجود غير الشرعي لقوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة فصل القوات منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، مؤكداً تمسك سورية بحقها في استعادة أراضيها كاملة. وأشار علبي إلى قيام الطيران الإسرائيلي بشكل متكرر برش مواد مجهولة في محافظة القنيطرة، مشدداً على أن انخراط سورية مع إسرائيل في أي محادثات لا يعني التنازل عن حقوقها.
قمة جبل الشيخ عقبة أمام الإتفاق
ونقل موقع “ميدل إيست آي”، الخميس الماضي، عن مصادر قولها إنّ واشنطن تضغط على الجانبين لإنهاء اتفاق أمني بحلول مارس/آذار المقبل، وسط توقعات بأن يُعلن الاتفاق “قريباً”، مشيرة إلى إحراز تقدم كبير في المحادثات مع إسرائيل، ولافتةً إلى أنّ العقبة الرئيسية أمام الاتفاق هي الوجود العسكري الإسرائيلي في جبل الشيخ.
وكان وفد سوري رفيع برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني التقى خلال الأسابيع الماضية مسؤولين إسرائيليين في باريس، بمشاركة أميركية، حيث اتفق الجانبان حينذاك على إنشاء آلية مشتركة تتضمن “خلية اتصال مخصصة” لتبادل المعلومات الاستخبارية وتخفيف التصعيد العسكري. ووفق وسائل إعلام عبرية، تحذر قيادات أمنية إسرائيلية نتنياهو من التخلي عن السيطرة على جبل الشيخ، الموقع الاستراتيجي الذي يوفر إشرافاً واسعاً على الأراضي السورية فضلاً عن مراقبة ما تصفه إسرائيل بـ”مسارات تهريب الأسلحة” من سورية إلى لبنان.
ونقلت صحيفة “معاريف” عن مسؤول إسرائيلي رفيع لم تسمه قوله إن الموقف الإسرائيلي واضح وغير قابل للتفاوض، ويتمثل في عدم الانسحاب من جبل الشيخ تحت أي ظرف، معتبراً أن إصرار دمشق على ربط أي اتفاق أمني بانسحاب إسرائيلي هو السبب الرئيسي لعدم تقدم المحادثات إلى ما بعد المرحلة التقنية للتنسيق، وذلك على الرغم من التوافق المبدئي مع سورية على إنشاء آلية تنسيق لمنع الاحتكاكات العسكرية، خلال محادثات باريس في 6 يناير/كانون الثاني الجاري. ووفق الصحيفة، فإن إسرائيل تتابع بقلق مساراً موازياً للمحادثات، يتمثل في محاولة سورية روسية لإعادة وجود عسكري روسي في سورية، لا سيما في الجنوب، وهو ما ترفضه إسرائيل وتعتبره تهديداً مباشراً لحرية عملها العسكري في الجنوب السوري.
وعن ذلك، قال الباحث في مركز جسور للدراسات رشيد حوراني، في حديث مع “العربي الجديد”، إن إسرائيل تحاول أن تحتفظ لنفسها بحرية التحرك في الجنوب السوري بقدر ما تستطيع، حتى في ظل اتفاق أمني مع الجانب السوري، وهذا ما ترفضه دمشق. وأضاف أن إسرائيل، وفي إطار سياساتها وتطلعاتها المبالغ فيها، تحاول أن تكرس من خلال أي اتفاق أمني مع سورية بعض المعطيات، مثل الحد من امتلاك سورية أسلحة استراتيجية والاحتفاظ بنقطة حرمون في جبل الشيخ إضافة إلى رفض أي وجود روسي أو أممي في الجنوب السوري، من شأنه أن يحد أو يراقب التحركات الإسرائيلية. وأوضح أن نقطة حرمون التي تتمسك بها إسرائيل، والتي يزيد ارتفاعها عن 2000 متر، هي منطقة حاكمة ومشرفة على الأراضي السورية، وقد تستطيع إسرائيل من خلال أجهزة الرصد والاستشعار التي تضعها في تلك القمة الرصد داخل الأراضي السورية حتى الحدود التركية والأردنية.
ويشرف جبل الشيخ على دمشق، إذ لا يبعد عنها أكثر من 40 كيلومتراً، وبادية الشام والجولان وسهول حوران، وجبال الخليل وبحيرة طبريا وسهل الحولة وجزء من محافظة إربد الأردنية، فضلاً عن كلّ جنوب لبنان وسلسلة جبال لبنان الغربية وسهل البقاع. وتشير المصادر الجغرافية إلى أن جبل الشيخ يضم أربع قمم، الأعلى 2814 متراً، والثانية إلى الغرب 2294 متراً، والثالثة إلى الجنوب 2236 متراً، والرابعة إلى الشرق 2145 متراً.
رؤية مواقع سورية حساسة
ويقول جيش الاحتلال إن قواته صادرت أطناناً من الأسلحة من داخل الأراضي السورية بالاعتماد على إطلالات جبل الشيخ. ووفق ضباط بالجيش الإسرائيلي تحدثوا إلى صحيفة “يديعوت أحرونوت” أخيراً، فإن السيطرة على قمة جبل الشيخ أتاحت لهم مجال رؤية مباشرة نحو مواقع عسكرية حساسة داخل الأراضي السورية. وذكر أحد الضباط أنه فوجئ حين تمكن من أن يرى بوضوح مقر قيادة الفرقة العسكرية المسؤولة عن منطقة الجولان (المحتل) في محاني يتسحاك (قاعدة نفح)، مشيراً إلى أن هذا الموقع كان هدفاً للقوات السورية في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.
ومن جهة أخرى، لفت الناشط المقيم في القنيطرة محمد أبو حشيش في تصريح لـ”العربي الجديد” إلى أن إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بقمة جبل الشيخ، وبالحضور الميداني في القرى الحدودية في أسفل الجبل، وأغلبها قرى درزية، ربما يأتي في سياق خطط إسرائيلية أوسع للتدخل في الشؤون الداخلية السورية بذريعة حماية الدروز. ولفت أبو حشيش إلى أن القوات الإسرائيلية تتحرك بسهولة في تلك المناطق وتحاول إقامة علاقات جيدة مع سكان تلك القرى التي لا يوجد فيها حتى الآن أي وجود حكومي سوري.
العربي الجديد
——————————
لا تضعوا الدروز والفلول والقسديين في سلة واحدة/ د. فيصل القاسم
من أخطر أشكال التضليل السياسي والإعلامي التي شهدناها في المرحلة الأخيرة محاولة وضع الدروز والفلول العلويين وتنظيم قسد في سلة واحدة، وكأن هذه المكونات الثلاثة تمثل كتلة سياسية أو تاريخية أو أخلاقية متجانسة.
هذا الخلط ليس بريئاً ولا عفوياً، بل يخدم أجندات سياسية قصيرة النظر، بعضها نابع من جهل فادح بالتاريخ السوري، وبعضها الآخر قائم على خبث مقصود واستثمار رخيص في المظلومية. هناك طرفان متورطان في هذه اللعبة القذرة، طرف أراد الاستفادة من دعم الفلول العلويين والقسديين في مواجهة السلطة، والطرف الثاني ممثلاً بالفلول والقسديين أراد استغلال الدروز لتوسيع رقعة المعارضة للعهد الجديد لأغراضه الخاصة. والخطورة هنا تكمن في النتائج التي يترتب عليها هذا التصنيف، إذ يسمح بإعادة توزيع المسؤولية بشكل زائف، وبتحميل الضحية أوزار القاتل واللص والجلاد.
لا خلاف بين السوريين على أن النظام الذي حكم البلاد لعقود كان نظاماً سلطوياً طائفياً علوياً لا تخطئه عين، فقد كان الجيش والأمن الذي فعل الأفاعيل بالسوريين على مدى عقود بقيادات علوية يعرفها القاصي والداني، وقد كان بقية السوريين مجرد أدوات في أيدي ثلة من الطائفيين الفاشيين. وقد بنى النظام الطائفي استمراريته على العنف والاحتكار، واستخدم مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية كأدوات قمع لا كأطر وطنية. هذا النظام لم يمثل السوريين، ولم يمثل كل الطائفة التي انتسب إليها رأسه، بل استخدمها كأداة، وورّطها – قسراً أو طوعاً – في صراع دموي طويل مع بقية المجتمع. الجرائم التي ارتُكبت خلال ستة عقود، وبلغت ذروتها بعد عام 2011، من قتل جماعي وتهجير وتدمير واستخدام أسلحة كيماوية، موثقة من قبل منظمات دولية مستقلة، وهي جرائم بنيوية ارتكبتها منظومة سلطة طائفية قذرة واضحة المعالم معروفة لكل السوريين.
غير أن الخلط يبدأ عندما تُمحى الفروق بين المكونات، ويُعاد تعريفها قسراً ضمن اصطفافات مصطنعة. هنا يصبح من الضروري التوقف عند الفروقات الجوهرية بين الحالة الدرزية من جهة، والحالتين العلوية والقسدية من جهة أخرى، لأن هذه الفروقات ليست لغوية ولا شكلية، بل تتعلق بالدور والسلوك ومستوى التورط في إنتاج الكارثة السورية. الدروز، كجماعة اجتماعية وسياسية، لم يكونوا مشروع سلطة، ولم يمتلكوا ميليشيا عابرة للمناطق، ولم يفرضوا أنفسهم بالقوة على بقية السوريين، ولم يشاركوا في قمع المدن أو حصارها أو نهب ثرواتها. لم تُسجّل بحقهم جرائم جماعية، ولم تُوثّق مشاركتهم في القتل المنهجي أو التهجير أو التدمير، لا باسم الطائفة ولا باسم مشروع سياسي. على العكس، ظل موقفهم العام ثورياً رافضاً للانخراط في آلة القتل، وحريصاً على تجنيب مناطقهم الدم السوري.
في المقابل، فإن الكارثة السورية لم تكن نتاج فراغ أو سوء فهم، بل نتيجة مباشرة لمشاريع سلطوية وطائفية وعسكرية محددة. النظام الذي تركزت مفاصله الأمنية والعسكرية في يد نواة ضيقة محسوبة على الطائفة العلوية هو المسؤول البنيوي عن إطلاق العنف، وتحويل الدولة إلى أداة قتل جماعي.
أما قوات قسد، فهي ليست حالة مدنية ولا معارضة ولا تعبيراً اجتماعياً محايداً، بل كيان عسكري- سياسي وصفه الرئيس ترامب بأنه أسوأ من داعش نشأ في سياق الحرب، وسيطر بالقوة على مساحات واسعة من البلاد، واستحوذ على الموارد الحيوية، وأدار المناطق الخاضعة له بمنطق الأمر الواقع، وقمع خصومه المحليين، ودخل في تفاهمات أمنية وعسكرية مع النظام في أكثر من مرحلة. هذا الدور جعله شريكاً موضوعياً في إطالة أمد المأساة، وفي حرمان السوريين من ثرواتهم، وفي تعطيل أي مسار وطني جامع. محاسبة هذا المشروع لا تعني إدانة الأكراد كسوريين، بل تحميل قيادة سياسية- عسكرية محددة مسؤولية خياراتها.
على النقيض من ذلك، لم يسعَ الدروز إلى فرض أنفسهم على سوريا، ولم يكونوا جزءاً من آلة القمع، ولم يشاركوا في إنتاج الكارثة. تاريخهم السياسي مرتبط بالدولة الوطنية وبمقاومة الاستعمار، من الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، إلى مواقف رافضة للانخراط في الحرب على المجتمع خلال السنوات الأخيرة. خلال الثورة، كانت السويداء ملاذاً لعشرات الآلاف من السوريين الهاربين من بطش النظام، وعاشوا فيها دون إذلال أو تمييز. كما أن امتناع أعداد كبيرة من شباب الدروز عن الالتحاق بجيش النظام لم يكن مناورة سياسية، بل موقفاً أخلاقياً واضحاً لتجنّب المشاركة في ذبح السوريين.
وحين خرجت ساحة الكرامة، خرجت باسم الكرامة السورية لا باسم طائفة أو مشروع انفصالي، واستمر الحراك رغم القمع والتجاهل، وكان الدروز في طليعة من احتفلوا بسقوط النظام، لا لأنهم ربحوا سياسياً، بل لأنهم رأوا في ذلك نهاية منظومة أذلت السوريين جميعاً. من هنا تبدو محاولة استثمار المظلومية الدرزية من قبل فلول النظام أو من قبل القسديين محاولة فجة لتحويل الضحية إلى أداة لا ناقة لها ولا جمل في هذه اللعبة القذرة التي تسيء للدروز وتظلمهم وتضعهم في المكان الخطأ.
وضع الدروز والعلويين وقسد في سلة واحدة ليس ظلماً فقط، بل خطأ استراتيجي كبير لا بد للدروز أن يتبرأوا منه تماماً. وكل من تورط في هذا التصنيف ارتكب بقصد أو غير قصد خطأً فادحاً بحق الدروز. أليس من الغباء والغبن الشديدين وضع مُحرري سوريا من الاستعمار والمشاركين في ثورتها على النظام الطائفي في بوتقة واحدة مع الفلول الطائفيين الذين ذبحوا العباد ودمروا لبلاد؟ لا شيء يجمع الدروز أيضاً مع القسديين شركاء النظام الطائفي في القتل والتدمير والنهب والسلب، فلماذا تحشرون الأبرياء الطيبين في هذا التحالف المزعوم مع الأشرار والساقطين؟
٭ كاتب واعلامي سوري
القدس العربي
—————————–
سوريا وإسرائيل تعودان قريباً لمناقشة الأمن والنفوذ
واشنطن – بيير غانم
31 يناير ,2026
تخطت الدولة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع عقبة كبيرة بإسقاط منطقة سيطرة “قسد” في شمال شرق سوريا، ثم التوصل إلى اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية بشأن مستقبل عناصرها وعلاقتهم بالدولة.
فيما أكدت مصادر أميركية للعربية.نت/الحدث.نت أن أنقرة أبلغت الإدارة الأميركية، كما هو معروف، أن مصلحة تركيا تقوم على أن تكون هناك دولة مركزية في سوريا، وأنها لا تقبل ببقاء أي جيب للأكراد في منطقة شمال شرق البلاد.
أما الآن فترى تركيا أنها حققت هدفا ضخماً كانت بانتظاره منذ عشر سنوات، لا سيما أنها كانت اعترضت على العلاقة بين الأميركيين والأكراد حتى في مواجهة داعش.
إسرائيل غاضبة من براك
في المقابل، أبلغت إسرائيل الإدارة الأميركية رسالة معاكسة تماماً، مفادها أنها تطمح إلى رؤية سوريا دولة فدرالية، رغم أن حكومة بنيامين نتنياهو ترى الآن أن الأمور سارت بعكس مبتغاها.
كما كشفت مصادر مطّلعة على مواقف الحكومة الإسرائيلية وسفارتها في واشنطن للعربية.نت/الحدث.نت أن حكومة نتنياهو غاضبة جداً مما حدث في شمال شرق سوريا.
وقال أحد المصادر “في واشنطن طرفان وهما الإدارة الأميركية وتوم بارّاك”، في إشارة واضحة إلى أن نتنياهو يرى في المبعوث الأميركي شخصية منحازة تماماً إلى مواقف أنقرة، “حتى أنه لا يبالي بمصالح إسرائيل” بحسب الإسرائيليين.
فيتو إسرائيلي
هذا وترى الحكومة الإسرائيلية أنها خسرت جولة في سوريا لكنها تملك أوراقاً كثيرة، وقد أبلغت واشنطن مرة أخرى، أنها لن تقبل بوجود أي جندي تركي على الأراضي السورية، ولن تتخلّى عن حماية الدروز في سوريا خصوصاً دروز الجنوب القريبين منها.
وكان الجانب الإسرائيلي طلب من دمشق اتخاذ إجراءات واضحة لبناء الثقة، تمنع “عناصر متطرفة” من الانتشار أو التموضع في الجنوب.
وفي محاولة لإعادة البحث في كل هذه المطالب، من المنتظر بحسب معلومات العربية.نت/الحدث.نت أن تعود “لجنة الميكانيزم” السورية الإسرائيلية إلى الاجتماع مرة أخرى قريباً، ربما خلال أسبوعين من الآن.
علماً أنه ليس من المنتظر أن تكون الأمور أفضل بكثير خلال الاجتماع، لأن سوريا تريد انسحاباً إسرائيلياً. بينما أبلغت إسرائيل واشنطن أنها ترفض الانسحاب إلى خط فك الارتباط في الجولان، وأنها ليست بوارد التنازل عن هذا المطلب بعد كل ما حصل في الشمال واعتبار إسرائيل أن تركيا ربحت جولة ضدّها في سوريا.
ذعر أميركي
في حين لا تريد الإدارة الأميركية أن تدخل في جدل السياسات المتنافسة في سوريا، وتبدو أنها تصبّ اهتمامها أكثر من أي وقت مضى على مكافحة الإرهاب.
إذ تسبب انهيار “قسد” بنوع من الذعر لدى الأميركيين، الذين يحاولون الآن التأكّد من أن عناصر داعش لن يجدوا طريقاً للهرب والعودة إلى تنظيم صفوفهم وتهديد الولايات المتحدة ومصالحها.
وقد أكد مسؤول أميركي للعربية.نت/الحدث.نت أن “الولايات المتحدة تعمل على نقل سبعة آلاف من عناصر داعش إلى العراق ليكونوا تحت حماية القوات العراقية”. وأضاف أن “واشنطن تثق بالقوات العراقية كما تثق بقوات سوريا الديموقراطية للقيام بهذه المهمة”.
كما أوضح أن الحكومة السورية وقوات التحالف الدولي تعمل على إنجاز هذه المهمة الدقيقة، وتواجه عراقيل وظروف كثيرة. وأضاف “أن أولوية الولايات المتحدة هي حماية جنودها والتأكد من عدم عودة الإرهاب ومنع داعش من إعادة تأسيس عملياته”.
وختم مشدداً على أن بلاده “ستتابع عمليات ضرب داعش وكلما كانت هناك تحركات من قبل الإرهابيين أو معلومات عنهم ستكون هناك إجراءات عسكرية حازمة لضربهم”
—————————–
تظاهرة بالسويداء تنادي بالاستقلال وحق تقرير المصير
السبت 2026/01/31
تظاهر المئات من أهالي محافظة السويداء جنوب سوريا، اليوم السبت، رافعين شعارات تطالب بالاستقلال و”حق تقرير المصير”، وذلك بعد أيام على طرح محافظ السويداء مصطفى بكور مبادرة لحل الأزمة مع الحكومة السورية.
رفع صور نتنياهو
وحملت التظاهرة شعار “نكون أو لا نكون”، ونادت بشعارات مناهضة للحكومة السورية والرئيس السوري أحمد الشرع، كما طالب المتظاهرون بالاستقلال عن سوريا، و”حق تقرير المصير”.
وحمل المتظاهرون صور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأعلام إسرائيلية، إلى جانب صور للشيخ حكمت الهجري أحد مشايخ العقل الثلاثة في السويداء، وصور موفق طريف، الزعيم الروحي لدروز إسرائيل.
مبادرة “نحو مستقبل آمن للسويداء”
وتأتي التظاهرة بعد أيام على طرح محافظ السويداء مصطفى بكور مبادرة جديدة حملت عنوان: “نحو مستقبل آمن للسويداء. خيار مصيري بين استمرار الأزمة وحلّ يحفظ ظلّ المستقبل”.
وقال بكور إن جوهر المبادرة هو تسوية شاملة، وليست تحويل المواجهة من الشارع إلى قاعات القانون، وليست إلغاءً للمساءلة، بل بداية مسار جديد لها، وتهدف إلى نزع أخطر سلاح وهو فكرة “العدام المفرج”.
وأكد أن “استمرار المواجهة يضعف النسيج الاجتماعي ويخلق غضباً موروثاً، بينما تحوّله التسوية إلى ملفات إدارية وقانونية قابلة للإدارة، وأن استمرار رفض الحلول يعوق دور الدولة الحقيقي في احتواء الأزمات وفتح باب الحلّ للجميع، تحت سقف القانون وفي إطار المؤسسات”.
وشدد على أن “استمرار المواجهة يستنزف طاقات المجتمع في معارك جانبية، بدلاً من توجيهها نحو البناء وضمان المستقبل”، مؤكداً أن هذا المسار هو ضمانة لسلامة الأهالي واستعادة الحياة الطبيعية، ووقف نزيف الخوف.
واعتبر أن الخيار اليوم هو بين مثالية الموقف التي تؤجّج صراعاً طويل الأمد، أو واقعية الحلّ المؤلمة التي تنقذ المحافظة من جرح غائر، مؤكداً أن هدف القرار هو الحماية والاحتضان والبناء، وهو القرار الأصوب في هذه الظروف.
السيطرة على السويداء
والأربعاء الماضي، نقلت الهيئة العامة للبث الإسرائيلي عن مسؤول سوري مهتم بالشأن العسكري قوله إن دمشق تعمل بدعم أميركي للسيطرة على محافظة السويداء.
وقال إن الحكومة السورية لم تتخذ قراراً نهائياً بعد في شأن السويداء، لافتاً إلى أن “هذا سيحدث عاجلاً أم آجلاً، ونأمل في أن يتم ذلك من خلال الحوار والتفاهم”.
وذكرت “هيئة البث” أن إسرائيل أوضحت خلال مفاوضات مع سوريا اشتراطها بنداً يسمح لها بتقديم دعم مباشر لأهالي السويداء من الدروز، وهو شرط اعتبرته “أساسياً” لحماية مصالحها الاستراتيجية، مؤكدةً أن الأميركيين أخذوا هذا البند في الاعتبار عند وضع شروطهم.
—————————–
==================
تحديث 30 كانون الثاني 2026
—————————–
دمشق لمجلس الأمن: محادثاتنا مع إسرائيل لا تعني التنازل عن حقوقنا/ العربي الجديد
30 يناير 2026
أكد مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة السفير إبراهيم علبي أن سورية لن تساوم على استعادة أرضها أو حقوقها السيادية، مشدداً على أن انخراط دمشق في محادثات أمنية “لا يعني بأي شكل من الأشكال التنازل عن حقوق الشعب السوري”، واصفاً أي اعتقاد إسرائيلي بهذا الشأن بـ”الوهم”. وفي كلمة ألقاها خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي خُصصت لمناقشة تطورات الشرق الأوسط مساء أمس الخميس، قال علبي إن سورية ستتخذ إجراءات فورية لحصر وتقييم الأضرار البشرية والمادية الناتجة عن الوجود الإسرائيلي غير المشروع في الجنوب السوري، تمهيداً لتوثيقها قانونياً والمطالبة بالتعويض عنها.
وأشار علبي إلى أنه شارك مطلع الشهر الجاري في جولة ميدانية بمنطقة الفصل في محافظة القنيطرة برفقة وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام جان بيير لاكروا، حيث التقى سكاناً محليين استعرضوا معاناتهم من عمليات هدم المنازل، وتجريف الأراضي الزراعية، واختطاف المدنيين، إضافة إلى التضييق على حركة التنقل عبر الحواجز العسكرية الإسرائيلية.
ولفت إلى أن قوات الاحتلال استهدفت مدنيين أثناء عملهم، كما قامت خلال الأيام الماضية برش مواد كيميائية مجهولة على الأراضي والغابات السورية، متسائلاً عن الذرائع الأمنية التي يروجها الاحتلال لتبرير هذه الانتهاكات.
وطالب علبي بإنهاء الوجود الإسرائيلي في منطقة الفصل، مؤكداً التزام سورية بالمرجعيات الدولية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن 338 واتفاق فض الاشتباك لعام 1974، مشدداً في الوقت نفسه على الدور الحيوي لقوات “أندوف” في رصد الانتهاكات الإسرائيلية. وختم بالقول إن سورية متمسكة بالحلول السلمية والدبلوماسية، إلا أن ذلك لا يمكن تفسيره بأنه ضعف أو تنازل، مؤكداً أن الجولان أرض سورية، وأن السيطرة العسكرية لا تعني السيادة.
وفي 6 يناير/كانون الثاني الجاري، اتفقت سورية وإسرائيل على تشكيل آلية اتصال بإشراف أميركي، لتنسيق تبادل المعلومات وخفض التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية. ومنذ عام 1967، تحتل إسرائيل معظم مساحة هضبة الجولان السورية، واستغلت إطاحة نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 وأعلنت انهيار اتفاقية فض الاشتباك الموقعة بين الجانبين منذ عام 1974، واحتلت المنطقة السورية العازلة.
——————————-
قاعدة عسكرية ومنطقة منزوعة السلاح… «معاريف» تكشف تفاصيل المفاوضات السورية الإسرائيلية
الخميس 29 كانون الثاني 2026
كشفت صحيفة «معاريف» العبرية أن استئناف المفاوضات بين إسرائيل وسوريا، في باريس، أسفر عن التوصل إلى عدة اتفاقيات، شملت إنشاء آلية لمنع سوء التقدير بين الطرفين، وتنفيذ تدابير لبناء الثقة من الجانبين، إضافة إلى التعامل مع قضية الدروز في جنوب سوريا، باعتبارها مسألة داخلية يجري حلها دون استخدام السلاح أو أي تدخل خارجي.
وأفادت الصحيفة أنه «لم يتم تقديم أي تفاصيل تتعلق بمدى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة» عقب سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة اقترحت أن ينشئ الطرفان قاعدة عسكرية مشتركة في الأردن ومنطقة منزوعة السلاح على جانبي الحدود.
مخاوف من «إنجازات» تركيا
وبحسب «معاريف»، فإن التطورات في الساحة السورية تتسارع، بشكل لافت، وفي ظل الاشتباكات العنيفة بين الجيش السوري وتنظيم «قسد»، ولا سيما ما يُنظر إليه على أنه هزيمة للتنظيم، أبرزت عدة نقاط أساسية.
وأشارت إلى أن الشكوك الإسرائيلية تجاه حكومة الشرع ازدادت، خصوصاً المخاوف من تهديد المصالح الحيوية لإسرائيل في حال انسحابها من الأراضي التي سيطرت عليها.
ولفتت الصحيفة إلى أن نجاح الحكومة السورية ضد «قسد» في شمال شرق البلاد قوبل بقلق إسرائيلي، خاصة في ظل ما يمثله هذا النجاح من «إنجاز» لتركيا، إلى جانب تزايد المخاوف بشأن مستقبل الأقلية الدرزية.
وتساءلت الصحيفة عما إذا كانت هذه التطورات تعني تراجع فرص التوصل إلى اتفاق أمني بين البلدين، معتبرة أن ذلك ليس بالضرورة، لكنها شددت على أن لهذه التطورات تداعيات بالغة الأهمية.
وأضافت أنّ من الضروري دراسة طبيعة الاتفاق الأخير بين حكومة الشرع والأكراد، وتحديد ما إذا كان يمثل استسلاماً كردياً فعلياً، نظراً لما سيتركه ذلك من أثر كبير على موقف دولة الاحتلال من مسألة حماية الأقليتين الدرزية والكردية.
واعتبرت «معاريف» أن البعد التركي «بالغ الأهمية»، موضحة أن فهم وضع الأكراد، بعمق، يساعد في استيعاب دلالاته على التدخل التركي في سوريا، مشيرة إلى أن الأميركيين أوضحوا، على هامش اجتماع باريس، أن إسرائيل «لن تتدخل عسكرياً» ضد الجيش السوري في حال مهاجمته للأكراد، ما يبرز الدور الأميركي المحوري بين أنقرة وتل أبيب.
تسويق الاتفاق مع سوريا
وقالت الصحيفة إنه في حال التوصل إلى اتفاق أمني مع سوريا، فإن القيادة السياسية الإسرائيلية ستكون مطالبة بتسويقه، بشكل مقنع للرأي العام، لافتة إلى أن هذا الاتفاق لا يشمل تطبيع العلاقات، بل يقتصر على الانسحاب من الأراضي، رغم أن الاحتلال لا يفترض أن تسيطر عليها أساساً.
وأشارت إلى أن حكومة الاحتلال «تتفهم» رغبة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تحقيق الاستقرار لحكم الشرع في سوريا، كما تتفهم تأثير قادة السعودية وتركيا على ترامب.
ولفتت الصحيفة إلى أن «هناك عقبات» لا تزال تعترض طريق التوصل إلى اتفاق سوري – إسرائيلي، معتبرة أنها «ليست مستعصية»، لكنها تتطلب تحسين التسويق واتباع «نهج أكثر ذكاء وواقعية» تجاه الرأي العام الإسرائيلي.
وأكدت أن القرار الاستراتيجي الضروري يتمثل في تحديد ما إذا كانت دولة الاحتلال مستعدة لمنح الفضل في إنشاء حكومة مركزية في دمشق وفتح صفحة جديدة في كيفية النظر إلى الساحة السورية منذ عام 2011.
وأضافت «معاريف» أن الإجابة في ما يتعلق بالساحة الدولية والبيت الأبيض هي «نعم»، وأن ذلك لا يتعارض مع مصالح إسرائيل، في ظل امتلاكها هامش أمان يسمح لها بمنح الشرع «مصداقية» وتبني استراتيجية حكيمة لا تقوم على مبدأ الربح والخسارة.
—————————–
انتهاكات الاحتلال تتواصل جنوب سوريا… ودمشق تحذّر من «تبعات خطرة»
الجمعة 30 كانون الثاني 2026
توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الجمعة، في مناطق عدة من ريف القنيطرة الجنوبي والشمالي، بالتوازي مع تنفيذ طائراتها عمليات رشّ لمواد مجهولة على الأراضي الزراعية، ما أثار تحذيرات سورية من التبعات الصحية والبيئية.
وأفاد مراسل قناة «الإخبارية» السورية بأن قوات الاحتلال استهدفت بالرشاشات الثقيلة الأراضي الزراعية المحيطة بمنطقة التل قرب بلدة كودنة، خلال عملية توغل عسكرية في المنطقة. وأشار إلى أن وحدات من جيش الاحتلال، مدعومة بعدة عربات، توغلت أيضاً في الأطراف الغربية لبلدة صيدا الجولان، وكذلك قرب قرية الحانوت.
وذكرت وكالة «سانا» أن قوة إسرائيلية مؤلفة من ثلاث آليات عسكرية توغلت غرب قرية صيدا الحانوت، وأقامت حاجزاً عسكرياً، في حين نصبت قوة أخرى مؤلفة من أربع آليات حاجزاً جديداً بين قريتي الرزانية وصيدا الحانوت.
وفي تصعيد لافت، قامت طائرة تابعة لجيش الاحتلال، اليوم، برشّ مواد كيميائية مجهولة على الأراضي الزراعية الممتدة من بلدة جباتا الخشب إلى قرية الحميدية مروراً بقرية الحرية، في ريف القنيطرة الشمالي، بحسب «سانا».
وسبق ذلك، يوم الثلاثاء الماضي، رشّ مماثل استهدف أراضي غرب مزرعة أبو مذراة وقرية الحانوت، وكان قد سبقه بيومين أيضاً عمليات رشّ على مناطق حراجية وحقول ومراعٍ في قرى العشة وكودنة والأصبح وبلدة الرفيد جنوب المحافظة.
وأخذت مديريتا الزراعة والبيئة في القنيطرة عينات من الأراضي التي تعرضت للرش، مطالبة المزارعين وأصحاب المواشي بعدم الاقتراب أو الرعي في تلك المناطق، حتى صدور نتائج التحاليل.
في سياق متصل، أكّد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير إبراهيم علبي، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي أمس الخميس، أن «سوريا لن تساوم على استعادة أرضها أو حقوقها»، مشدداً على أن دمشق «لن تقف مكتوفة الأيدي وستتخذ الإجراءات الفورية واللازمة لحصر وتقييم الأضرار الناجمة عن تواجد الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع في الجنوب السوري».
وأضاف علبي أن طائرات الاحتلال قامت «خلال الأيام القليلة الماضية ولأكثر من مرة، برش مواد كيميائية مجهولة على الأراضي والغابات السورية»، متسائلاً: «هل المخاوف الأمنية المزعومة لدى الاحتلال هي من الأشجار والمراعي والمواشي؟ ألا يعلم الاحتلال بأن كرامة الشعب السوري ورزقه ليست أقل شأناً من حياته؟».
—————————–
==================
تحديث 29 كانون الثاني 2026
—————————–
ميدل إيست آي: ترمب منح إسرائيل مهلة شهر لإنجاز اتفاق أمني مع سوريا
2026.01.28
تضغط الولايات المتحدة على سوريا والاحتلال الإسرائيلي للتوصل إلى اتفاق أمني قبل شهر آذار، وسط توقعات من عدة مصادر مطلعة بأن يُعلن الاتفاق “قريباً”، وفق ما أورده موقع “ميدل إيست آي”.
وبحسب المصادر، فإن واشنطن كثّفت ضغوطها على الطرفين لإنهاء التفاهم، إلا أن عقبة رئيسية ما زالت تعيق التوصل إلى اتفاق نهائي.
قالت مصادر مطلعة إن الوجود العسكري الإسرائيلي على جبل الشيخ لا يزال يشكل العائق الأبرز أمام الاتفاق، مؤكدة أن الطرفين “متمسكان بموقفيهما”.
ونقل الموقع عن مصدر قوله: “أُحرز تقدم كبير في المحادثات مع إسرائيل. القضية الوحيدة المتبقية هي جبل الشيخ. هناك اتفاق على كل ما عدا ذلك”.
اتصال بين ترمب والشرع ومهلة شهر لنتنياهو
وأجرى الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتصالاً هاتفياً بالرئيس السوري أحمد الشرع، الثلاثاء، جرى خلاله بحث ملف الاتفاق الأمني، بحسب مصدر مطلع على المكالمة.
وقال المصدر: “ترمب أبلغ الشرع أنه منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مهلة شهر لإنهاء الاتفاق الأمني مع دمشق”.
وأكد مسؤول خليجي مطلع على المحادثات صحة المهلة الزمنية التي حددها ترمب.
وبحسب المصدر نفسه، أبلغ ترمب الرئيس السوري أنه يريد رؤية “سوريا موحدة، لا سوريات متعددة”. وفي تصريحات للصحفيين، قال ترمب إنه أجرى: “محادثة رائعة مع الرئيس السوري المحترم للغاية”، مضيفاً أنه سعيد بالتطورات في سوريا والمنطقة.
امتنعت الحكومة السورية عن التعليق على مضمون الاتصال، واكتفت بالقول إن المكالمة مع ترمب سارت “بشكل جيد جداً”.
في المقابل، أكد مسؤول سوري لموقع “ميدل إيست آي” إحراز تقدم في المحادثات مع إسرائيل، مشيراً إلى توقع حدوث “اختراق” قريب.
“دمج السويداء بدعم من إسرائيل”
قال مسؤول غربي رفيع للموقع إن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة أن التخلي عن جبل الشيخ يُعد “خطاً أحمر”، مضيفاً: “لا نتوقع أن تغيّر إسرائيل موقفها من هذه القضية خلال أربعة أسابيع”.
وقال مصدر مطلع على اتصال ترمب–الشرع: “وفقاً للتفاهم القائم بين إسرائيل وسوريا، فإن الحكومة السورية لن تدخل السويداء عسكرياً”. وأضاف أن مفاوضات ستبدأ حول دمج المحافظة، بدعم من إسرائيل.
قال مسؤول غربي إن الضغوط التي يمارسها ترمب على إسرائيل تعكس بالأساس مواقف المبعوث الأميركي الخاص توما باراك.
وأضاف: “لا أحد آخر في الإدارة يدفع بهذا الاتجاه كما يفعل باراك”، مشيراً إلى أن المهلة التي نقلت عن ترمب كانت فكرة يعمل باراك على تسويقها لدفع الأطراف نحو الاتفاق.
“إسرائيل تميز بين جبل الشيخ وشمال شرقي سوريا”
وقال المصدر الغربي إن إسرائيل تدرك وجود انقسام داخل الإدارة الأميركية، لكنها تعتبر جبل الشيخ قضية “أمن قومي”، على عكس شمال شرقي سوريا.
وأضاف: “عارضت سنتكوم والمشرعون الجمهوريون الهجوم على الأكراد، بينما دعمه باراك، لكن ذلك لم يكن خطاً أحمر بالنسبة لإسرائيل”.
وأشار إلى أن إسرائيل “تتمسك بمواقفها عندما تعتبر القضايا خطوطاً حمراء”، مستشهداً باستمرار إغلاق معبر رفح رغم اتفاقات بوساطة أميركية.
تلفزيون سوريا
——————————–
رادار تركي بمطار دمشق.. تصعيد إسرائيلي محسوب لا يُغضب واشنطن
الأربعاء 2026/01/28
في تطور يعكس التوترات الإقليمية المستمرة في الشرق الأوسط، أثار تقرير صادر عن هيئة البث الإسرائيلية، حول مزاعم نشر تركيا رادراً متطوراً في محيط مطار دمشق الدولي، جدلاً واسعاً. وزعم التقرير أن هذا الرادار يغطي مدى يتراوح بين 150 و200 كم، مما قد يحد من حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية.
وحسب المزاعم، قد يؤثر هذا النظام على عمليات الرصد والتحرك الجوي في المنطقة، مما يثير مخاوف أمنية لدى الاحتلال الإسرائيلي.
ومع ذلك، سرعان ما قوبلت هذه الادعاءات بردود رسمية سورية وتركية تنفي أي طابع عسكري للمنظومة، مؤكدة أنها جزء من تحديث البنية التحتية (Infrastructure) المدنية للطيران.
تطور أقلق إسرائيل
وبدأ الجدل عندما ادعت هيئة البث الإسرائيلية أن الرادار يتمتع بقدرات تقنية متقدمة، مبينة أنه يمكن لهذا النظام رصد الحركة الجوية في نطاق واسع حول العاصمة السورية دمشق، الأمر الذي يربطه الإسرائيليون بتقليص هامش الحركة العسكرية فوق سوريا.
ويرى محللون إسرائيليون أن هذا التطور يمثل مصدر قلق أمني محتمل، خصوصاً في ظل تاريخ من الغارات الجوية الإسرائيلية على أهداف في سوريا، مثل مواقع مرتبطة بإيران وحزب الله.
غير أن التقرير لم يقدم أي أدلة تقنية مستقلة تؤكد طبيعة الرادار أو تبعيته العسكرية، مكتفياً بنقل المخاوف في إطار تقديرات استراتيجية تربط أي تحديث في المطارات السورية بتداعيات عسكرية مفترضة. ويعكس هذا النهج نمطاً إسرائيلياً أوسعا في التعامل مع التطورات الإقليمية، حيث يتم تضخيم الجوانب التقنية لتبرير مخاوف أمنية.
وفي رد سريع ومباشر، أصدر رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سوريا، عمر الحصري، بياناً ينفي فيه استخدام الرادار لأي أغراض عسكرية، مؤكداً أن منظومة الرادار مدنية بحتة ومخصصة لأغراض الملاحة الجوية وإدارة الحركة الجوية المدنية.
كما أوضح أن الرادار يندرج ضمن منظومة السلامة الجوية، ويخضع للسلطة الكاملة للهيئة، وفق القوانين الوطنية والأنظمة الدولية، مشددا على التزام سوريا باتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي، ومعايير منظمة الطيران الدولي “ICAO”. وعبّر عن رفضه تسييس قطاع الطيران المدني، معتبراً أن الزج به في سياقات سياسية أو عسكرية يشكل خرقا للأعراف الدولية.
من الجانب التركي، أكدت مصادر رسمية أن المنظومة تهدف إلى دعم عجلة التنمية في قطاع الطيران المدني السوري، ضمن الدعم الشامل الذي تقدمه تركيا لسوريا الجديدة.
إسرائيل تختلق ذرائع
وتعليقا على ذلك، أوضح الباحث التركي في الأمن والسياسة عمر أوزكيزيلجيك، لـ “المدن”، أن تركيا نشرت أنظمة رادار مدنية في مطار دمشق، كما في أي مطار دولي آخر، لمواجهة نقص هذه الأنظمة الذي أدى إلى إلغاء العديد من الرحلات الجوية بين تركيا وسوريا سابقاً.
وأشار أوزكيزيلجيك إلى أن شكاوى شركات التأمين التركية بسبب غياب الرادارات، جعلت الرحلات غير مجدية اقتصاديا، ومن هنا فإن الدافع التركي اقتصادي أكثر منه سياسي.
وتابع: “الآن مع تركيب الرادارات تم حل المشكلة إلى حد كبير، ومع ذلك صورته وسائل الإعلام الإسرائيلية كأداة لتقييد سلاح الجو الإسرائيلي، وهو أمر غير صحيح”.
من جهته، يرى الباحث في الشأن الأمني التركي محمد رقيب أوغلو، في حديث لـ “المدن”، أن هذه المزاعم يجب قراءتها في سياق نمط إسرائيلي أوسع يقوم على اختلاق ذرائع لموازنة الدور الإقليمي المتنامي لتركيا. وأضاف أن “تركيا تمتلك الحق السيادي في إبرام اتفاقات مدنية أو عسكرية مع سوريا”، وأن “التقارير الإسرائيلية تسعى إلى استباق أي تعاون عبر تصوير الخطوات المدنية كتهديدات أمنية”.
ولفت إلى أن ذلك يعكس جهداً لردع تركيا وتشكيل التصورات الدولية بمعلومات مضللة، منسجمة مع استراتيجية التصعيد عبر حرب المعلومات.
ورأى أنه مع ازدياد انخراط تركيا في الملف السوري، تبدو المحاولات الإسرائيلية لرسم خطوط حمراء متصاعدة، “مما يجعل الملف السوري نقطة توتر مركزية في العلاقات التركية الإسرائيلية”، مشيراً إلى مسار إقليمي أكثر تنازعاً.
ووسط كل ذلك، تسعى التوضيحات الرسمية السورية والتركية، المدعومة بإطار قانون دولي، إلى فصل الملاحة الجوية المدنية عن الحسابات العسكرية، وإعادة النقاش إلى مساره المهني.
وفي ظل الوساطة الأميركية، يبدو أن إسرائيل تقف عاجزة عن اتخاذ أي خطوات عملية، نظراً لارتباط العلاقات السورية-الإسرائيلية بالأجندة الأميركية، مما قد يفسر انخفاض حدة اللهجة الإسرائيلية مؤخراً، واقتصار تحركاتها على طابع رمزي من خلال ماكيناتها الإعلامية.
المدن
—————————–
====================



