التغيرات العالمية والعماء الاستراتيجي المحلي/ حسان الأسود

2026.02.03
تطرح التحولات الجذرية المتسارعة في العالم اليوم على أي مراقبٍ مجموعة كبيرة من الأسئلة، تنطلق جميعها من فرضية تخلّقِ نظامٍ دوليٍ جديد، نشهد ملامحه ونتابع خطوطه العريضة يوميًا. التقط أحد المفكرين العرب البارزين البعد الخفي للمرحلة، الذي يبدو أنه سينظُمُ سُبحة التحالفات والصراعات المقبلة. تمثّلَ الانزياحُ برأيه، أيديولوجيًا، من معسكر شرق وغرب – شمال وجنوب إلى معسكر محافظين مقابل معسكر ليبراليين. انطلاقًا من هذه المقدّمة التي يتفق فيها كاتب هذه السطور مع صاحبها، نحدد عددًا من المؤشرات الدّالة على هذا الاصطفاف الجديد. منها تقارب رؤية القادة الثلاثة البارزين الكبار بشأن المصالح الاستراتيجية لدولهم، واعتراف بعضهم الصريح وبعضهم الآخر الضمني، بضرورة التخلّص من الأعباء الملقاة على عاتقهم بسبب “نظام القواعد” المرساة أسسه منذ اتفاقية (Bretton Woods) التي أبرمت عام 1944 في ولاية نيوهامبشر الأميركية بحضور ممثلين عن 44 دولة من دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.
من المؤشرات المهمة أيضًا عودة الروح الإمبراطورية للظهور في سلوك الاتحاد الروسي ومن بعده الولايات المتحدة الأميركية عسكريًا بشكل واضح. الأولى من خلال ضمّها جزيرة القرم ثمّ حربها في أوكرانيا وتهديدها المستمر بالسلاح النووي الفتّاك، والثانية من خلال قصفها المنشآت النووية الإيرانية والتهديد المستمر بمهاجمة إيران لتغيير النظام أو للمساعدة بتغييره، ومن خلال اختطاف رئيس دولة مستقلة ومحاكمته لدى قضائها الداخلي. القطب الثالث لم يكشّر عن أنيابه العسكرية بعد، لكنّه ابتسم ليظهر بريقها عندما احتفل في 3 أيلول/سبتمبر 2025 بالذكرى الثمانين لانتصار الشعب الصيني في حرب المقاومة ضد العدوان الياباني ونهاية الحرب العالمية الثانية.
قبل ذلك اعتمد التنين الصيني سياسة التمدد الناعم عبر رافعة الاقتصاد العملاقة التي بناها خلال الخمسين عامًا الماضية.
مؤدّى هذا التحوّل الاستراتيجي إعادة تقاسم النفوذ العالمي وفق قانون القوّة الصرفة. إدارة ترمب تحاول تكريس واقع جديد من خلال هدم المؤسسات الدولية القديمة، أو إفراغها من محتواها إلى أن تحين لحظة إعلان وفاتها. أعلن ترامب عن إنشاء مجلس السلام (Board of Peace) في 22 كانون الثاني / يناير 2026 بعد إعلانه قبله بأيام انسحاب بلاده من 66 هيئة ومنظمة دولية.
يهدف المجلس مبدئيًا إلى حل النزاعات الدولية، الإشراف على عمليات إعادة الإعمار (بدءاً من غزة)، وضمان الاستقرار في المناطق المتضررة من الحروب.
ويسعى ترمب من خلال المجلس إلى تكريس نفسه زعيمًا للعالم وبلادِه قوةً عظمى مهيمنة بشكل حاسم. فهو الذي يترأسه بصفته الشخصية وبصلاحياتٍ واسعةٍ جداً، تشمل حق الفيتو الوحيد، واختيار الأعضاء، وتعيين خليفته في رئاسة المجلس، وهو الذي حدد شروط عضويته وآليات عمله. الدول التي انضمت للمجلس حتى اللحظة ليست كثيرة، لذلك ستحدد ردّة الفعل الروسية والصينية مصيره. التقط بوتين مبادرة ترمب فورًا، لكنّه بدهاء كبيرٍ أدمج مصالح روسيا الاستراتيجية فيها عندما تعهّد بدفع مليار دولار لصندوق المجلس الخاص بإعادة إعمار غزّة، شريطة أن يتمّ دفع هذا المبلغ من الأصول الروسية المجمدة لدى الولايات المتحدة منذ عام 2022.
وأعلنت الخارجية الروسية بأنها “تدرس المقترح والمواثيق”، وأنّ القرار النهائي سيتخذ بعد التشاور مع “الشركاء الاستراتيجيين”. لم يتوقف بوتين عند هذا الحد، بل ذهب خطوة أبعد عندما أكد على أن أي تحرك لمجلس السلام يجب أن يستند إلى قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. أمّا الصين فلم تتردّد في إعلان تمسكها بالمنظومة الدولية الراهنة ودفاعها المستميت عن هيئة الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية. لا شكّ بأنّ بكين تفضل نظامًا يحتفظ لها بحق النقض على نظامٍ يعطي هذا الحق لترمب وحده. مع ذلك كله، صرّحت الخارجية الصينية بأنها ستدرس العرض الأميركي المقدم لها بالانضمام إلى المجلس. هكذا هي السياسة تبقى الأبواب مواربة باستمرار.
في زاوية المشهد يبدو الأوروبيون منبوذين، فلم يعرهم ترمب اهتمامًا، بل إنّ وزير خزانته قال صراحة إنّ استثمارات الدنمارك غير مهمة مثل الدنمارك ذاتها في معرض تأكيده على أنّ بلاده ستأخذ جزيرة غرينلاند بلا شك، مخيرًا الأوروبيين بين الانحناء أو الركوع.
وصلت أوروبا إلى درجة من الضعف سمحت للأتراك بالمواظبة على نعتها بمصطلح أطلقه القيصر الروسي نيقولا الأول عام 1853 على الدولة العثمانية، “الرجل المريض”. فمنذ العام 2023 عكس رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية فخر الدين ألتون هذا الوصف لينتقم من الاستعلاء الأوروبي على بلاده الذي طال أمده، فالقارة الأوروبية اليوم هي التي تعاني من “المرض” بسبب الأزمات الاقتصادية، الشيخوخة السكانية، التضخم، وفشل القيادات السياسية في إدارة الأزمات، مثل أزمة الطاقة بعد حرب أوكرانيا، في حين أن تركيا الآن، حسب زعمه، قوة شابة وناشئة تمتلك اقتصاداً حيوياً وجيشاً قوياً، مقارنة بما وصفته ألتون بـ “الجمود” الأوروبي. من هنا جاء انضمام تركيا لمجلس السلام رفقة دول وازنة في محيطها الإقليمي مثل السعودية، الإمارات، مصر، قطر، البحرين، الأردن، الأرجنتين، المجر، باكستان وإندونيسيا. معظم الدول المنضمّة للمجلس يربطها بأوروبا تاريخٌ معقدٌ مختلط بالمرارة حينًا وبالنهب الاستعماري المباشر حينًا آخر. يجعلها هذا، إضافة لقناعاتها بفشل المنظومة الدولية الراهنة والمستخلصة من تجاربها المريرة منذ نشأتها، خاصة في القضية الفلسطينية، يجعلها أكثر قبولًا لمبدأ استحواذ القوّة الواضح من ذاك المستتر خلف شعارات القانون الدولي الذي جعلته حكومة نتنياهو ودولته ممسحة لأحذية جنودهم. لكن هل أوروبا فعلًا بهذا الضعف؟ سنناقش هذا بمقال لاحق.
في خضمّ هذه التحولات الهائلة التي تعصف بالعالم، يظهر قِصَرُ النظر الفاضح عند بعض القوى المحلية في المنطقة العربية، وهو لا يشمل فقط حزب الله اللبناني الذي فقد الغالبية الساحقة من عناصر قوته وأوراقه، بل يتعدّاه إلى بعض القوى السياسية في العراق التي تحاول إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، وربّما هي تطلعات نوري المالكي للعودة إلى سدّة الحكم بدعم الميليشيات أفضل اختصار لهذا التفكير القاصر وحسير النظر. الأكثر فداحة من هذا وذاك، الهوى البيّن الذي تتمتع به غالبية كبيرة من القوى السياسية السورية، بالأخص منها القوى الكردية التي لها باعٌ طويل في العمل السياسي والتنظيمي الحزبي والمدني يمتد عقودًا طوال.
ليس من المنطقي غياب كل هذه المؤشرات صارخة الوضوح عن عقول وعيون هؤلاء. ظنّ بعض القوى السورية، شمالًا وجنوبًا وغربًا وشرقًا أنّ الدواء عند إسرائيل، ولم يدركوا أنّ الداء هذا لا يُستطبّ بعقار من نوعه. باتت علامات انتفاء الحاجة للميليشيات واضحةً عند الجميع، وباتت الدولة الموحدة، بغضّ النظر عن طبيعة نظام الحكم فيها، القادرة على تقديم الضمانات والالتزام بأدوار أمنية لوجستية محددة خدمةً لمشاريع التنافس الاقتصادي الكبرى مطلبًا وحاجة ملحّة، ليس فقط لأميركا، بل وللصين وروسيا وكل دول العالم المؤثرة. فأين تذهب في لُجِّ البحر المتلاطم أفكارُ أولئك المتمسكين بأعلام الطوائف والجماعات الأيديولوجية؟ هل هو ضمور فكري أصيل أم عماء استراتيجي يتلطى خلف رغبات بعض المتكسّبين من أمراء الحروب؟ آن الأوان لأتباع هؤلاء وللمحسوبين عليهم وللمفترى عليهم بالتنطّع للحديث باسمهم أن يقولوا كفى، نريد أن نعيش مثل غيرنا من البشر، بكرامتنا وحريّة اختيارنا.
تلفزيون سوريا



