قصة

الجمال: عندما تكون الراقصة الأخرى هي الذات/ أليس ووكر

4 فبراير 2026

ترجمة وتقديم: سارة حبيب

تقديم

أليس ووكر روائية أميركية من أصول أفريقية، شاعرة، كاتبة مقالات، وناشطة سياسية. ولدت ووكر عام 1944 في جورجيا الريفية خلال حقبة الفصل العنصري. كان والداها مزارعين بنظام المشاركة وعاملين يدويين جعلهما إيمانهما العميق بقوة التعليم يعتبران المدرسة أولوية لأطفالهما. التحقت ووكر بكلية سبيلمان في أتلانتا، وكلية سارة لورانس في نيويورك. وبعد تخرجها من كلية سارة لورانس عام 1965، كرّست نفسها لعملها في الكتابة وحركة الحقوق المدنية في الجنوب حيث كان الفصل العنصري والتمييز المقرّ قانونيًا لا يزالان شائعين في الأنظمة القضائية.

خلال السبعينيات، نشرت ووكر عدة روايات ومجموعات شعرية، لاقت كلها استحسانًا كبيرًا. عام 1983، أصبحت أول امرأة أميركية من أصول أفريقية تفوز بجائزة بوليتزر في فئة الرواية عن روايتها “اللون أرجواني” التي تحولت لاحقًا إلى فيلم ناجح ومسرحية موسيقية على خشبة برودواي. نجاح رواية “اللون أرجواني” رسّخ سمعة ووكر ككاتبة أميركية بارزة، فواصلت الكتابة في مجالي الرواية والشعر مع بقائها ناشطة في قضايا الحقوق المدنية ومناهضة الحروب في الولايات المتحدة وأماكن أخرى.

القصة المترجمة هنا، “الجمال: عندما تكون الراقصة الأخرى هي الذات”، نُشرت أول مرة ضمن مجموعة “بحثًا عن حدائق أمهاتنا”، وهو عمل ووكر اللاحق لرواية “اللون أرجواني”. تروي لنا ووكر هنا عن حادث تعرضت له عندما كانت في الثامنة من عمرها. وتستكشف في هذا السرد الشخصي سؤالًا بالغ الأهمية: “ما الذي يجعل شيئًا ما جميلًا”. تصف ووكر في هذه القصة حياتها قبل الحادث وبعده، مستخدمةً الزمن المضارع طوال الوقت كأداة بلاغية لتؤكد الأثر الدائم الذي تركته صور الماضي في نظرتها إلى نفسها.

القصة المترجمة هنا، “الجمال: عندما تكون الراقصة الأخرى هي الذات”، نُشرت أول مرة ضمن مجموعة “بحثًا عن حدائق أمهاتنا”

الجمال: عندما تكون الراقصة الأخرى هي الذات

إنه يومي صيفي مشرق من عام 1947. أبي، رجل ظريف، سمين، ذو عينين جميلتين وخفة ظل متمردة، يحاول أن يقرر أيّ واحد من أبنائه الثمانية سيأخذ معه إلى معرض المقاطعة. أمي، بالطبع، لن تذهب. إنها منهكة من تجهيز أكثرنا: أُبقي رقبتي مشدودة في مواجهة ضغط مفاصل أصابعها وهي تكمل بعجلة ضفرَ شعري ومن ثم تزيينه بالشرائط.

يعمل أبي سائقًا عند السيدة البيضاء الثرية المسنة التي تسكن في نهاية الشارع. اسمها الآنسة مِي. إنها تملك كل الأراضي الممتدة على مسافة أميال حولنا، بالإضافة إلى المنزل الذي نعيش فيه. كل ما أتذكره عنها هو أنها عرضت ذات يوم أن تدفع لأمي خمسة وثلاثين سنتًا لقاء تنظيف منزلها، جمعِ أكوام أوراق الماغنوليا عندها، وغسل ملابس عائلتها، وأن أمي – التي لم تكن تملك نقودًا، ولديها ثمانية أطفال، وألم أذن مزمن- رفضت ذلك. لكني لا أفكر بهذا في عام 1947. فأنا في الثانية والنصف من عمري. أريد أن أرافق أبي أينما ذهب. واحتمال الركوب في السيارة يثير حماستي. قال لي أحدهم إن المعارض ممتعة. وفكرة أن ليس ثمة متسع في السيارة سوى لثلاثة منا لا تزعجني على الإطلاق. أدور بسعادة بفستاني المنشّى، متباهيةً بحذائي الجلدي اللامع المصقول بلون البسكويت وجواربي التي بلون الخزامى، وأتمايل برأسي على نحو يجعل أشرطتي تتراقص، أقف، ويداي على خصري، أمام أبي. “خذني، بابا”، أقول بثقة؛ “أنا الأجمل!”

لاحقًا، لا يدهشني أن أجد نفسي في سيارة الآنسة مِي السوداء اللامعة، أتشارك المقعد الخلفي مع المحظوظين الآخرين. لا يدهشني أن أستمتع بالمعرض بكل تفاصيله. وفي المنزل في تلك الليلة أروي لغير المحظوظين كلَّ ما أستطيع تذكره عن دوامة الخيل، الرجل الذي يأكل الدجاج حيًا، والدببة المحشوة، إلى أن يقولوا لي: يكفي، أليس الصغيرة. اصمتي الآن، واذهبي إلى النوم.

إنه أحد الفصح، عام 1950. أرتدي فستانًا أخضر مزخرفًا بنقوش مخملية بارزة وحاشية متموجة (صنعتْه أختي المُحبّة روث بيديها)، يحتوي على بطانة ناعمة من الساتان، وفي كل تموّجة من حاشيته دُرزَت وردة صغيرة باللون الزهري الفاقع. حذائي، جلدي لامع جديد مع حزام على شكل حرف T، ومصقول أيضًا بدرجة عالية بلون البسكويت. أنا في السادسة من عمري وقد حفظت أحد أطول خُطَب الفصح التي ستُلقى في ذلك اليوم، مختلفة تمامًا عن الخطبة التي ألقيتها عندما كنتُ في الثانية من عمري: “زنابق الفصح/ نقيّة وبيضاء/ تتفتّح في/ ضوء الصباح”. عندما أنهض لألقي خطبتي، أفعل ذلك مع موجة كبيرة من الحب والفخر والرجاء. يوقف الناس في الكنيسة خشخشةَ تنانيرهم الجديدة المصنوعة من الكرينولين. يبدو أنهم يحبسون أنفاسهم. وأستطيع أن أخمّن أنهم معجبون بثوبي، لكنّ روحي، التي تقترب من الجرأة (الأنوثة)، هي ما يصفقون له سرًا.

“تلك الفتاة فوضى صغيرة”، يهمس واحدهم للآخر، بسرور.

بطبيعة الحال، ألقي خطبتي بدون تلعثم أو توقف، على عكس أولئك الذين يتأتئون، يتلعثمون، أو الأسوأ من ذلك، ينسون. يحدث هذا قبل أن توجد كلمة “جميلة” بين مفردات الناس، لكن “أوه، أليست الأكثر جاذبية!” كثيرًا ما تطفو باتجاهي. “وهي واعية جدًا!” يضيفون بامتنان… الإضافة المُراعية التي أشكرهم عليها إلى يومي هذا.

كان من الممتع حقًا أن أكون جذابة. لكنْ بعدها، يومًا ما، انتهى ذلك.

أنا في الثامنة من عمري وأتصرّف كالصبيان. عندي قبعة رعاة البقر، جزمة رعاة البقر، قميص وبنطال بنقشة مربعات، كلّها باللون الأحمر. رفاقي في اللعب هما أخواي، أحدهما أكبر مني بسنتين والآخر بأربع. ألوانهما هي الأسود والأخضر، الفارق الوحيد بيننا هو في طريقة لباسنا. في ليالي السبت، نذهب جميعًا إلى السينما، حتى أمي؛ أفلام الويسترن هي نوعها المفضل من الأفلام. وعندما نرجع إلى المنزل، “في المزرعة”، نتظاهر بأننا توم ميكس، وهوبالونغ كاسيدي، ولاش لارو (حتى أننا أسمينا أحد كلابنا باسم لاش لارو)؛ يطارد واحدنا الآخر لساعات متظاهرين بسرقة الأبقار، نلعب دور الخارجين عن القانون، ننقذ الفتيات من الخطر. بعدها يقرر والداي أن يشتروا بنادق لأخويّ. ليست بنادق “حقيقية”.

إنها تطلق خردق الـ”بي بي”، كريّات نحاسية يقول أخواي إنها تقتل الطيور. ولأنني فتاة، لا أحصل على بندقية. على الفور، أُقصى إلى موقع الهندي الأحمر. الآن، يبدو أن ثمة مسافة كبيرة بيننا. إنهما يصوبان ويصوبان على كل شيء ببنادقهما الجديدة. وأنا أحاول مجاراتهما بقوسي وسهامي.

“كان ثمة عالم في عيني. ورأيتُ أنه من الممكن أن أحبه: أنني في الحقيقة، لأجل كل ما علمني إياه عن العار والغضب والبصيرة الداخلية، أحببته بالفعل”

في أحد الأيام، أثناء وقوفي على سطح “مرآبنا” المؤقت – صفائح من الصفيح مسمّرة على بعض الأعمدة- ممسكةً بقوسي وسهمي، ناظرةً نحو الحقول، أشعر بضربة هائلة تصيب عيني اليمنى. أنظر إلى الأسفل تمامًا في اللحظة المناسبة لأرى أخي وهو يخفض بندقيته.

يهرع كلا أخوي إلى جانبي. عيني تخزني، وأغطيها بيدي. “إذا أخبرتِ أحدًا”، يقولان، “سنتعرض للضرب بالسوط. أنت لا تريدين حدوث هذا، أليس كذلك؟” لا أريد. “هذا سلك”، يقول الأخ الأكبر، وهو يلتقطه من على السطح؛ “قولي إنك دستِ على أحد طرفيه فارتفع الطرف الآخر وأصابك”. يبدأ الألم بالظهور. “نعم”، أقول، “نعم، سوف أقول إن ذلك هو ما حدث”. إذا لم أقل إن هذا هو ما حدث، أعرف أن أخويّ سيجدان طرقًا لجعلي أتمنى أني فعلت. لكني الآن سأقول كل ما يلزم لأصل إلى أمي.

عندما يواجهنا والدانا، نتمسك بالكذبة التي اتفقنا عليها. يضعونني على مقعد على الشرفة وأغمض عيني اليسرى بينما يفحصون اليمنى. ثمة شجرة تنمو من تحت الشرفة وتتسلق متجاوزةً الدَرابَزين لتصل إلى السقف. إنها الشيء الأخير الذي تراه عيني اليمنى. أراقب جذعها، فروعها، ومن ثم أوراقها وهي تُطمَس بفعل الدم المتصاعد.

أنا في حالة صدمة. في البداية، ثمة حمى شديدة يحاول أبي إيقافها بربط أوراق الزنبق حول رأسي. ثم هنالك قشعريرة؛ تحاول أمي جعلي أتناول الحساء. أخيرًا، لا أعرف كيف، يعرف والداي ما حدث. بعد أسبوع من “الحادث”، يأخذانني لرؤية طبيب. “لماذا انتظرتم كل هذا الوقت لتأتوا إليّ؟”، يسأل، وهو يفحص عيني ويهز رأسه. “العيون متعاطفة”، يقول. “إذا أصيبت إحداها بالعمى، من المرجح أن تصاب الأخرى بالعمى أيضًا”.

هذا التعليق الذي قاله الطبيب يصيبني بالذعر. لكن أكثر ما يزعجني حقًا هو كيف أبدو. في الموضع الذي أصابتني فيه كرية الـ”بي بي” تتكون على عيني كتلة من نسيج ندبي مبيض، سادٌ قبيح. الآن، حين أحدق في الناس – ما كان حتى الآن، تسلية مفضلة عندي- سيحدقون فيّ بدورهم. لا إلى الفتاة الصغيرة “الجذابة”، بل إلى ندبتها. لست سنوات، لا أحدق في أيّ أحد، لأني لا أرفع رأسي.

بعد سنوات، في غمرات أزمة منتصف العمر، أسأل أمي وأختي إن كنتُ قد تغيرتُ بعد “الحادث”. “لا”، تقولان، في حيرة. “ماذا تعنين؟”.

ماذا أعني؟

أنا في الثامنة من عمري، ولأول مرة، أبلي بلاء سيئًا في المدرسة التي كنتُ متفوقة فيها نوعًا ما منذ أن كنت في الرابعة. كنا قد انتقلنا مؤخرًا إلى المكان الذي وقع فيه “الحادث”. لا نعرف أيًا من الناس حولنا لأن هذه مقاطعة مختلفة. لا أرى الأصدقاء الذين عرفتُهم إلا عندما نرجع إلى كنيستنا القديمة. المدرسة الجديدة هي سجن الولاية السابق. إنه مبنى حجري كبير، بارد ومعرّض للتيارات الهوائية، مكتظ إلى حد الفيضان بأطفال مشاغبين قليليّ الانضباط. في الطابق الثالث، ثمة أثر دائري ضخم لجدار فاصل تمت إزالته.

“ماذا كان يوجد هنا سابقًا؟” أسأل فتاة عابسة بقربي ونحن نعبر به في طريقنا إلى الغداء.

“الكرسي الكهربائي”، تقول.

في الليل تراودني كوابيس عن الكرسي الكهربائي، وعن كل الناس الذين يقال إنه “تم قليْهم” فيه. أخاف من المدرسة حيث يبدو جميع التلاميذ مجرمين ناشئين.

“ما خطب عينك؟” يسألون، منتقدين.

عندما لا أجيب (لا أستطيع أن أحدد فيما إذا كان “حادثًا” أم لا)، يدفعونني ويصرون على الشجار.

أخي، الأخ الذي اختلق قصة السلك، يهبُّ لنجدتي. لكنه بعد ذلك يتبجح كثيرًا حيال “حمايتي”، فأشعر بالاشمئزاز.

بعد شهور من العذاب في المدرسة، يقرر والداي إعادتي إلى مجتمعنا القديم، إلى مدرستي القديمة. أعيش مع جديّ والمعلمة التي يستضيفانها. لكن ليس ثمة مكان لفيبي، قطتي. في الوقت الذي يقرر فيه جداي أن ثمة مكانًا، وأطلب قطتي، تكون قد اختفت. الآنسة ياربرو، المعلمة المقيمة عندهم، تأخذني تحت جناحها، وتبدأ تعليمي العزف على البيانو. لكنها سرعان ما تتزوج أفريقيًّا -“أميرًا”، حسب قولها- وتُنقَل إلى قارّته.

في مدرستي القديمة ثمة على الأقل معلمة واحدة تحبني. إنها المعلمة التي “عرفتني قبل أن أولد” واشترت لي أول ملابس أطفال. إنها هي من تجعل الحياة قابلة للاحتمال. ووجودها هو ما يساعدني في نهاية المطاف على مواجهة الطفل الذي لا يتوقف عن مناداتي في المدرسة “السافلة العوراء”. في أحد الأيام أمسك به من معطفه وأضربه إلى أن أشعر بالرضى. ومعلمتي هي من تخبرني أن أمي مريضة.

أمي مستلقيةٌ في السرير في منتصف اليوم، وهو أمر لم أره من قبل أبدًا. إنها تتألم بشدة لدرجة أنها لا تستطيع الكلام. لديها دمّل في أذنها. أقف وأنظر إليها من فوق سريرها، عارفةً أنها إذا ماتت، لن أستطيع العيش. إنها تعالَج بالزيوت الدافئة وإسناد الطوب الحار إلى خدها. أخيرًا يأتي الطبيب. لكني يجب أن أعود إلى منزل جديّ. الأسابيع تمر لكني بالكاد أشعر بها. كل ما أعرفه أن أمي قد تموت، أبي ليس بشوشًا كثيرًا، أخواي لا يزالان يملكان بنادقهما، وأنا التي أُرسَل بعيدًا عن المنزل.

“أنتِ لم تتغيري”، يقولون.

هل كنتُ أتوهم العذاب الناجم عن عدم رفع بصري قط؟

أنا في الثانية عشرة من عمري. عندما يأتي الأقارب إلى زيارتنا أختبئ في غرفتي. قريبتي بريندا، التي في مثل سني تمامًا، التي يعمل والدها في مكتب البريد والتي أمها ممرضة، تأتي لتبحث عني. “مرحبًا”، تقول. ومن ثم تسأل، وهي تنظر إلى آخر صوري المدرسية التي لم أرغب في أن تُلتقط، والتي تظهر فيها “الكتلة”، كما أفكر بها، مرئية بوضوح، “ألا تزالين غير قادرة على الرؤية بتلك العين؟”.

“لا”، أقول، وأرتمي على السرير فوق كتابي.

في تلك الليلة، كما أفعل كل ليلة تقريبًا، أسيء معاملة عيني. أوبخها وأهذي في وجهها، أمام المرآة. أتوسل إليها أن تصفو قبل الصباح. أخبرها أنني أكرهها وأحتقرها. لا أصلي طلبًا للبصر. أصلي طلبًا للجمال.

“أنتِ لم تتغيري”، يقولون.

أنا في الرابعة عشرة من عمري وأقوم بمجالسة أطفال أخي بيل الذي يعيش في بوسطن. إنه أخي المفضل وثمة رابط قوي بيننا. ولأنه وزوجته يتفهمان مشاعر الخزي والقبح التي أعاني منها، يأخذانني إلى مستشفى محلي حيث تُزال “الكتلة” على يد طبيب يدعى أو. هنري. لا يزال ثمة فجوة صغيرة مائلة إلى الزرقة حيث كان النسيج الندبي موجودًا، لكن المادة القبيحة البيضاء زالت. تقريبًا على الفور، أصبحتُ شخصًا مختلفًا عن الفتاة التي لا ترفع رأسها. أو هكذا أعتقد. الآن وقد رفعتُ رأسي أنال فتى أحلامي. الآن وقد رفعتُ رأسي يصبح لدي الكثير من الأصدقاء. الآن وقد رفعتُ رأسي تنساب واجباتي المدرسية من شفتيّ من غير خطأ مثلما كانت خُطب الفصح، وأغادر المدرسة الثانوية بصفتي الطالبة المتفوقة التي تلقي خطاب حفل التخرج، الطالبة الأكثر شعبية، وملكة، مصدقةً بالكاد أنني محظوظة إلى هذا الحد. لسخرية القدر، الفتاة التي نالت لقب الأجمل في صفنا (وقد كانت) أُطلقت عليها النار لاحقًا مرتين في الصدر على يد رفيق لها، باستخدام بندقية “حقيقية”، حين كانت حاملًا. لكن تلك قصة أخرى في حد ذاتها أو هل هي كذلك؟

“أنتِ لم تتغيري”، يقولون.

“كل الأطفال قساة تجاه الاختلافات الجسدية، أعرف من التجربة، وأما كونهم لا يقصدون دومًا أن يكونوا كذلك فتلك مسألة أخرى”

مضى الآن ثلاثون عامًا على “الحادث”. صحافية جميلة تأتي لتزورني وتجري مقابلة معي. إنها بصدد كتابة قصة غلاف لمجلتها تركز على آخر كتبي. “قرري كيف تريدين أن تبدي على الغلاف”، تقول، “متألقة أو أيًّا يكن”.

دعك من كلمة “متألقة”، الـ”أيًّا يكن” هي ما أسمعه. فجأة، كل ما أستطيع التفكير به هو إن كنتُ قد نلتُ ما يكفي من النوم في الليلة السابقة لجلسة التصوير: إذا لم أفعل، ستكون عيني متعبة وتتيه، كما تفعل العيون العمياء.

في السرير ليلًا مع حبيبي أختلق أسبابًا لكوني لا يجب أن أظهر على غلاف المجلة. “نقّادي الأكثر لؤمًا سيقولون إني تنكرت لمبادئي”، أقول. “عائلتي ستدرك الآن أني أكتب كتبًا فاضحة”.

“لكن ما هو السبب الحقيقي في كونك لا تريدين فعل هذا؟”، يسألني.

“لأنه على الأرجح”، أقول بعجلة، “عيني لن تستقيم”.

“ستستقيم بما يكفي”، يقول. ويضيف، “ثم إني ظننتُ أنك تصالحتِ مع هذا الأمر”.

وفجأة أتذكر أني فعلت.

أتذكر:

أنا أتحدث مع أخي جيمي، أسأله إن كان يتذكر أي شيء غير عادي حول يوم إصابتي. لا يعرف أني أعتبر ذلك اليوم آخر مرة اختارني فيها أبي، بعلاجه المنزلي الحلو من أوراق الزنبق الباردة، وأني عانيت واستشطتُ غضبًا في داخلي بسبب هذا. “حسنًا”، يقول، “كل ما أتذكره هو الوقوف مع بابا على جانب الطريق السريع، محاولين أن نوقف سيارة. رجل أبيض توقف، لكن عندما قال له بابا إنه بحاجة إلى شخص يأخذ فتاته الصغيرة إلى الطبيب، انطلق الرجل مبتعدًا”.

أتذكر:

أنا في الصحراء لأول مرة. أقع في غرامها تمامًا. أنا مبهورة للغاية بجمالها، أواجه لأول مرة، بوعي، معنى كلمات الطبيب قبل سنوات: “العيون متعاطفة. إذا أصيبت إحداها بالعمى، من المرجح أن تصاب الأخرى بالعمى أيضًا”. أدرك أني اندفعتُ في العالم بجنون، أنظر إلى هذا، أنظر إلى ذاك، أخزّن صورًا في مواجهة تلاشي الضوء. لكني قد أكون فوّتت رؤية الصحراء! صدمة ذلك الاحتمال – والامتنان لأكثر من خمس وعشرين سنة من البصر- تجعلني أركع على ركبتيّ حرفيًا. تأتي القصيدة تلو القصيدة، ما قد يكون ربما الطريقة التي يصلي بها الشعراء.

عن البصر

ممتنةٌ أني رأيتُ

الصحراء

والمخلوقات التي في الصحراء

والصحراء ذاتها.

للصحراءِ قمرها الخاص

الذي رأيتُه بأمّ عيني.

ليس ثمة علم عليه.

أشجار الصحراء لها أذرع

كلها مرفوعة دائمًا للأعلى

ذلك لأن القمر في الأعلى

الشمس في الأعلى

وكذلك السماء

النجوم

الغيوم

لا يحمل أي منها أعلامًا.

لو كانت هنالك أعلام، أشكّ

أن الأشجار ستشير إليها.

هل ستفعل أنت؟

لكن غالبًا، أتذكر هذا:

أنا في السابعة والعشرين من عمري، وابنتي الصغيرة في الثالثة تقريبًا. منذ ولادتها وأنا قلقة من أن تكتشف أن عينيّ أمها مختلفتان عن عيون الآخرين. هل ستشعر بالحرج؟ أعتقد ذلك. ماذا ستقول؟ في كل يوم تتابعُ برنامجًا تلفزيونيًا يدعى “الكرة الزرقاء الكبيرة”. إنه يبدأ بصورة الأرض كما تبدو من القمر. إنها مائلة إلى الزرقة، تبدو مرضوضة قليلًا، إنما مليئة بالضوء، مع غيوم مائلة إلى البياض تدور حولها. في كل مرة أرى تلك الصورة أبكي حبًا، كما لو أنها صورة لمنزل جدتي. في أحد الأيام، بينما أضع ريبيكا لتأخذ قيلولتها، تركّز فجأة على عيني. شيء في داخلي ينكمش، يستعد ليحاول حمايتي. كل الأطفال قساة تجاه الاختلافات الجسدية، أعرف من التجربة، وأما كونهم لا يقصدون دومًا أن يكونوا كذلك فتلك مسألة أخرى. أفترض أن ريبيكا ستكون هكذا أيضًا.

لكن لاااااا. تتأمل وجهي باهتمام شديد بينما نقف، هي داخل مهدها وأنا خارجه. تمسك وجهي بأمومة بين يديها الصغيرتين المليئتين بالغمازات. ثم، وبينما تبدو جدية تمامًا وشبيهة بمحام مثل والدها، تقول، كما لو أن الأمر قد يكون ببساطة غاب عن بالي: “ماما، ثمة عالم في عينك”. (كما في قول “لا تقلقي، أو لا تفعلي شيئًا مجنونًا”). ومن ثم، بلطف، إنما باهتمام كبير: “ماما، من أين حصلتِ على ذلك العالم في عينك؟”

بمعظمه، الألم زال حينها. (وإن يكن أخواي قد كبرا ليشتريا بنادق خردق أكثر قوة لأبنائهم وليحملا بنادق حقيقية هم أنفسهم. وإن يكن خريج شاب من كلية مورهاوس كاد مرة أن يسقط عن درجات مكتبة تريفور آرنِت لأنه ظن أن عيناي زرقاوان). باكية وضاحكة أهرعُ إلى الحمام، بينما كانت ريبيكا تتمتم وتغني إلى أن غفت. نعم بالفعل، أدركتُ، وأنا أنظر في المرآة. كان ثمة عالم في عيني. ورأيتُ أنه من الممكن أن أحبه: أنني في الحقيقة، لأجل كل ما علمني إياه عن العار والغضب والبصيرة الداخلية، أحببته بالفعل. حتى وأنا أراه ينجرف خارج مداره مللًا، أو يتكور تعبًا، ناهيك عن عودته ليطفو منتبهًا بحماس (شاهدًا، كما دعاه صديق)، ملائمًا بعمق لشخصيتي، بل وحتى مميِّزًا لي.

في تلك الليلة، أحلم أني أرقص على وقع أغنية ستيفي ووندر “دائمًا” (اسم الأغنية هو في الحقيقة “كما”، لكني أسمعها على أنها “دائمًا”). بينما أرقص، دوارة ومبتهجة، أسعدَ ممّا كنتُ يومًا في حياتي، راقصةٌ أخرى بشوشة تنضم إلي. نرقص ونتبادل القبل وتحضن واحدتنا الآخر طوال الليل. الراقصة الأخرى كما هو واضح تجاوزتْ المحنة بنجاح، كما فعلتُ أنا. إنها جميلة، كاملة، وحرة. وهي أيضًا أنا.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى