المحافَظات السورية وأحكامها: في ضرورة أسئلة الجغرافيا السياسية الوطنية والحكم المحلي/ ياسين السويحة

02-02-2026
بينما كان الرأي العام السوري يطّلع على أولى تفاصيل اتفاق 18 كانون الثاني (يناير) بين قسد والسلطة المركزية، والذي شمل بند تعيين محافظٍ للحسكة بناءً على تزكيات من مظلوم عبدي، عُيّنَ عبد الرحمن سلامة محافظاً للرقّة، قادماً من منصب نائب محافظ حلب. وبعد ذلك بأيامٍ قليلة، وقبل أن تبرد حرارة احتفالات أنصار السلطة بـ«دحر الفيدرالية»، طرح مصطفى البكّور، محافظ السويداء، مبادرة «نحو مستقبل آمن» للمحافظة سعياً لحل الأزمة فيها؛ كما قرَّرت محافظة اللاذقية منع ماكياج الموظفات.
تُشجِّعُ هذه التزامُنات على النظر في دور ورمزية المحافظين في سوريا ما بعد الأسد، كمحاولة لاستقراء نظرة السلطة إلى الجغرافيا السياسية السورية، أي إلى كيفية حُكم أرضِ وبشرِ هذا البلد.
جاءت شخصية «المحافظ» المُعاصِرة من اشتداد عود الدولة الحديثة ذات التراث المركزي الفرنسي في القرن التاسع عشر، وإلى عالمنا العربي وصلت مسبوقةً بتأثيرات هذا التيار على الإصلاحات العثمانية، ثم مُصاغَة ضمن واقع الجمهوريات العربية ما-بعد الاستعمار. المحافظ هو ممثل السلطة المركزية في إقليمٍ أو «محافظة»، والمُقرِّرُ فيما يخصُّ صلاحيات هذه السلطة فيها، بوصفه رئيساً مباشراً للأمن والمالية والإدارات، ومشرفاً على الصلاحيات المحلية التي قد تُمنَح للبلديات من خدمات ونظافة وغيرها. لم يكن للمحافظ أصلاً دور تمثيلي للناس أمام السلطة؛ فرغم قيامه أحياناً بمهام بروتوكولية، إلا أن وظائف الحكم لديه تسلك اتجاهاً واحداً: من السلطة المركزية إلى مجتمعِ بقعةٍ جغرافية. المحافظ غير مُنتخَب، ولا يُشترَط أن يكون من أبناء المحافظة، بل إن التراث المركزي لطالما حبّذَ أن يكون من خارجها، تأكيداً لبراءته من الأهواء والانحيازات التي قد تمسُّ تَجرُّدَ دوره.
تزداد الدول مركزيةً كلما تخيّلت نفسها تُحلِّقُ عالياً إلى درجة عدم رؤية الناس، وناسوتهم، تحتها.
مع مرور الوقت، أُدخِلَت تعديلات كثيرة على الرمزية السياسية للمحافظين، وعلى صلاحياتهم وعلاقاتهم بالمجتمعات المحلية التي يحكمونها، في طيف واسع من الدول التي اعتمدت نظام المُحافظَات. جرى ذلك إما عبر نقل جزء من صلاحياتهم إلى مجالس محلية مُنتخَبَة يرأسها محافظ مُعيَّن من السلطة المركزية، أو من خلال إنشاء منصب رئاسة إقليمٍ مُنتخَب إما مباشرةً أو عبر برلمان إقليمي، وتُنقَل إليه الصلاحيات كافة باستثناء الأجزاء المركزية من الشؤون الأمنية والمالية، التي تبقى بيد المحافظ المُعيَّن من السلطة التنفيذية المركزية. أياً تكن المعادلات، فكلما تراجعت سلطةُ وحضورُ ممثلي السلطة المركزية لصالح الإدارات المحلية المُنتخَبَة، ازدادت حيوية المجتمع وتحسّنت صحة العلاقة بينه وبين السلطة المركزية. وهذه معادلة لا تحتاج إلى دول فيدرالية، إذ تسري حتى في دول مركزية فيها بلديات وأقاليم فاعلة.
في «سوريا الأسد»، كان المحافظون ممثلين لجانبِ السلطة التنفيذية من الدولة الظاهرة، وكان التعيين كمحافظ جزءاً من أعالي التَدرُّج الوظيفي البعثي، قد يُسبَق بإدارة مديرية أو أمانة فرع حزبي، وربما تليه وزارة أو إدارة هيئة حكومية أو عضوية القيادة القطرية للحزب. وفي الغالب الأعم، لم يكن المحافظون من أبناء المحافظة التي يحكمونها. وكان لبعضهم وزنٌ مُضافٌ إذا ما مُنِحوا صلاحيات أمنية فوق العادة – تتجاوز كونهم جزءاً من اللجنة الأمنية للمحافظة – أو إذا حظوا بمكانة خاصة في «القصر» بحكم نسبٍ أو ما شابه.
وبعد إسقاط النظام الأسدي، ساد خلال العام الماضي مزيجٌ من العُرف ونقيضه؛ «حالة بحالة»، في تعيين المحافظين. بعضهم له ماضٍ أمني-عسكري في هيئة تحرير الشام، وآخرون لا، وإن كان جُلّهم من ملاك الهيئة وضواحيها. بعضهم من أبناء المحافظة التي يحكمونها، وآخرون من خارجها، وأحياناً بعيدون جداً عنها. بعضهم يمارس مهاماً إدارية بحتة، وآخرون أكثر حضوراً في السياسة والإعلام. ويمنح اتفاق 18 كانون الثاني قيادة قسد صلاحية اقتراح محافظٍ للحسكة، في حين سبق أن مُنِعَت هذه الصلاحية عن السويداء، حين اقترحَ حِراكُها السياسي السيدة محسنة المحيثاوي للمنصب. ولا أدلة يمكن إيرادُها على أن قيادة قسد أكثر تمثيلاً لعموم سكان محافظة الحسكة من الحراك السياسي الذي اقترحَ المحيثاوي لإدارة السويداء آنذاك. أما محافظ الرقة الجديد، فقد سبقَ أن عُيّنَ نائباً لمحافظة حلب، وهو من أبنائها، مسؤولاً عن مناطق بعينها من المحافظة، في تقسيمٍ خُصَّت به محافظة حلب، كما قُسِّمَت مدينة حلب – دون غيرها – إلى خمس كتل، بنموذج لا مثيل له في مدن سوريا الأخرى، ودون نص قانوني واضح تستند إليه هذه التقسيمات. «حالة بحالة».
التبايُنات في مسألة تعيين المحافظين وفي سلوكهم هي، في الوقت الحالي، المؤشر الوحيد الذي يمكن تَتبُّعُه لتلمُّس ملامح منظور السلطة للجغرافيا السياسية-الإدارية للبلد، ولمعرفة توجهاتها الفعلية في أسلوب حكم المناطق. وهو مؤشر ضبابي، كما نرى، ويغلب عليه قدر كبير من الارتجال. ويجري، وسطَ ضجيج انفعالي ومسموم، حصرُ سجال الجغرافيا السياسية لسوريا ما بعد الأسد في إطار فئوي، طائفي وقومي، تَظهرُ فيه مسألةُ التعددية واللامركزية كما لو أنها حكرٌ على الأقليات الدينية والأكراد، بوصفها صنو «مضادِ الإبادة»، في حين تُقدَّم المركزية كمطلب عربي-سنّي شامل ومُجمَع عليه، يمثّل «ضمان ردِّ اعتبار» بعد خفضٍ مديد في القيمة والاحترام. هذا الواقع الهُووي – من هوى وهويّة – يُفضي إلى غرائب، من قبيل أن يبدو في الخطاب العام وكأن الدولة المركزية هي أرفعُ إحقاقٍ ممكنٍ لعرب الجزيرة السورية، فيما هُم أبرز ضحايا مركزية الدولة السورية بعد جيرانهم الكُرد؛ أو أن يُصدر «مركز أبحاث» معني بـ«غرب سوريا» خريطةً مقترحة لإقليم فيدرالي «ديمقراطي وحضاري وعلماني» يجمع أقليات سوريا و«السنّة المعتدلين»، تُقسَّم بموجبها مدينة حمص وكأنها القدس بعد حرب 1948 أو برلين زمن الحرب الباردة.
الاتفاق الأخير بين السلطة المركزية وقسد فرصةٌ كبيرةٌ للبلد ككل، بما يحمله من إمكانية طيّ صفحة الاحتراب، ولكن أيضاً بوصفه فرصة لإعادة طرح أسئلة الجغرافيا السياسية بشكل أقلَّ تَسمُّماً، عبر البدء بشرط المساواة وحق المشاركة السياسية المتعددة المستويات والأقطار، أي المواطنة، وهو ذاته مدخل التفكير اللازم في الحقوق، بما فيها السياسية، للجماعات الأهلية وللقوميات. الشأن العام السوري مدعوٌ إلى تفكير أعمق في كيفية هندسة سياسة هذا البلد وحوكمة مناطقه، غير أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق السلطة، التي لن تتمكّنَ من الإجابة عن كثير من أسئلة حكم البلد وأهله إذا اعتقدت بإمكانية الاكتفاء بنهجها في تعيين وتدوير المحافظين. هذا لا يصلح، حتى، كماكياجٍ قد يمنعه محافظ اللاذقية.
موقع الجمهورية



