بطريق هرتزوغ والمسألة السورية/ مصطفى الدباس

الأربعاء 2026/01/28
في وثائقي “لقاءات في آخِر العالم” للمخرج الألماني ويرنر هرتزوغ، صوّره في القارة القطبية الجنوبية، العام 2007، ثمة لقطة خاطفة لبطريق واحد يخرج من المسار المعتاد الذي تتبعه المجموعة ويمشي وحيداً بعكس الاتجاه، نحو الجبال.. وفي الخلفية، يمر سؤال صوتي مقتضب من المعلق يسأل “لماذا؟” من دون أن يقدم إجابة، ومن دون خاتمة مصورة أو تفسير واضح، لتتحول اللقطة بعد نحو عقدين من الزمن إلى مادة خام لخيال الجمهور وأيقونة رقمية تغزو مواقع التواصل حول العالم.
View this post on Instagram
A post shared by Yahya Khaddam | يحيى خدام (@yahya_khaddam)
وبدأ الغزو الرقمي من نشر مقطع من الفيلم الوثائقي، أثّر في نفوس ملايين أعادوا تحريره وتدويره مع موسيقى تعبر عن ثقافات وأماكن مختلفة حول العالم، مع كلمات وجودية رافقت مشهد البطريق الذي يمشي وحيداً نحو الجبال. ولم يتوقف الأمر هنا لأن المقاطع المولدة بالذكاء الاصطناعي للمشهد نفسه أحدثت نسخاً شخصية من البطريق عبّرت عن معاناة صاحبها أو عن جماعة بشرية كاملة.
وأصبحت الصورة المولدة في هذا النوع من التداول، مثل كتلة من الصلصال المرن يمكن تعديلها حسب المزاج والحالة النفسية، ولم تعد مهمة معرفة ما إذا كانت الواقعة الأصلية تفسر علمياً كضياع اتجاه أو خلل سلوكي نادر، لأن الجمهور لا يبحث عن درس في سلوك الحيوان بقدر ما يبحث عن مرآة لحياته، والمشهد الذي وفره الفيلم كان كمرآة بلا وجه وقابلة أن تحمل شتى المعاني.
ولأن المخرج نفسه تعمد منذ البداية أن يضع صوته وموسيقاه كخيط عاطفي يمسك المُشاهد، فقد عاد الصوت في 2026 كأنه تعليق جديد على زمن أصبح فيه سؤال المعلق أكبر من جملة قالها، وهو يبحث عن إجابات تفسر سلوك البطريق، ليصبح سؤالاً مباشراً يسقط على البشر وقراراتهم الصغيرة التي قد تقود إلى نهايات مختلفة، وعن معنى أن تترك الجماعة في وقت تزداد فيه الجماعة قسوة وتزداد فيه الوحدة رغبة وخوفاً في آن واحد.
View this post on Instagram
A post shared by RONB Videos (@ronbvideos)
النهاية غير المرئية للبطريق جعلت من المقطع مصدر إلهام لكثيرين، ورغم أن الوثائقي وصف الطريق الذي سلكه بأنه طريق مؤكد للموت، إلا أن الكاميراً لم تلتقطه إنما التقطت مساراً كان كافياً أن يشكل حداداً جماعياً للبشرية على كائن يبدو وحيداً، تحمّل نتيجة قراره الذي قد يكون مُكلفاً، وهذا الكلفة يمكن إسقاطها على حياة أي شخص قرر أن يجعل حياته مختلفة بإيجابياتها وسلبياتها، لأن المغزى من القرار هنا هو التميز والتفرد والرغبة في الاختلاف أو القدرة على تحقيق رغبات مكبوتة قد تعتبر ربما خروجاً عن قانون الجماعة الذي فُرض على البشر كوسيلة وحيدة للنجاة.
التفسيرات في وسائل التواصل اتخذت مناحي ومعاني متعددة، وأحياناً متعارضة أيضاً، فهناك من رأى في البطريق رمزاً للوحدة الهادئة ورغبة لدى كائن هرب من الضجيج والروتين والتصفيق اليومي إلى الحياة، وآخرون رأوا فيه مرآة للاحتراق النفسي لشخص لم يعد قادراً على الاستمرار داخل المسار المعتاد وخرج منه بحثاً عن معنى آخر للحياة بعيداً من أي دور بطولي. ويُقرأ سلوك البطريق أيضاً كاستعارة للتمرد ورغبة داخلية في رفض الانصياع، تنحو باتجاه طريق أرحم من التكرار الذي يقتل المرء ببطء.
البطريق السوري
في السياق السوري، ظهرت مقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر البطريق وقد التفّ بالعلم السوري فيما يتجه نحو الجبال، في إعادة توليف لصورة ترمز إلى الخروج من قطيع الخوف نحو درب عرف السوريون كلفته منذ البداية، كما عرفوا أن الرغبة في الحرية لا تصنع وعداً بالخلاص، وأن مواجهة نظام مثل نظام الأسد تعني منذ اللحظة الأولى الدخول في معركة مفتوحة على الفقد.
وفي هذا التوظيف أصبحت الجبال صورة متخيلة لذلك التحدي الأخلاقي الذي يتطلبه قرار الانفصال عن الجماعة عندما لم تعد تمثّل القيم التي يريد المرء الدفاع عنها، وهنا تصبح القمم البعيدة تجسيداً لمسارٍ فردي محفوف بـاللا- يقين، لكنه رغم قسوته يبدو أصدق من الاستمرار ضمن جماعة تطبّع مع الرعب واستسلمت لإيقاع البقاء بأي ثمن.
وفي المقابل، يمكن للمشهد نفسه أن يستخدم في سوريا باتجاه معاكس تماماً بوصفه سخرية من الأمل نفسه وكاستعارة عن ضياع طويل أو مسير بلا مآلات، وهذا جزء من طبيعة الرمز وقوته إذ يفتح الباب لقراءتين في المقاومة واليأس… والجمهور يختار ما يلزمه في لحظته.
بطريق البيت الأبيض
وبلغت ظاهرة البطريق ذروتها الرمزية عندما حاول البيت الأبيض استخدام لغة البطريق-الرمز عبر صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي نُشرت من حساب “البيت الأبيض”، تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسير مع بطريق باتجاه علم “غرينلاند”، مع عبارة “Embrace the penguin”، في محاولة واضحة لركوب موجة منتشرة وربطها بسياق سياسي.
View this post on Instagram
A post shared by The White House (@whitehouse)
وتستحق هذه اللحظة وقفة لأنها تكشف شيئاً عن الزمن الذي نعيش فيه أكثر مما تكشف عن ترامب أو البطريق. فالدولة التي تملك أدوات خطاب تقليدية مستعدة لترك هذا الخطاب لترتدي خطاب المنصات الرقمية وتستعير لغة الشباب فقط، بعمقها وهشاشتها معاً، وهنا يمكن للرمز أن ينقلب خلال دقائق من “ميم” لطيف ومحاولة تواصل ورسالة فلسفية في الحياة إلى مادة تهكم ونقاش سياسي يتجاوز البعد الفلسفي.
بهذا التراكم للمعنى يتجاوز البطريق حدود الرمز، ويتحول إلى وسيلة لطرح أسئلة أوسع عن معنى الصورة وعن السخرية في عصر تتفوق فيه الصورة على الكلمة، وتتقدم اللقطة كأقرب ترجمة لحيرة بشرية مزمنة. الحيرة من الجماعة ومن الذات ومن السَّير مع السرب أو الابتعاد عنه، ومن معنى القرار في ظل التباس دائم. وربما لهذا السبب بالتحديد لا تتوقف إعادة نشر اللقطة، لأن كل جمهور يعيد صياغتها وفق سرديته، ويستخدمها لتخفيف عبء التفسير ولإعادة كتابة وحدته بلقطة صامتة لا تطرح سوى سؤال واحد لا إجابة له: “?But why”.
المدن



