أزمات الداخل السوريتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععام على انتصار الثورة في سوريامحطات

تعميم الداخلية السورية: تحوّل في علاقة الأمن بالمجتمع؟/ ميشال شمّاس

 

الأربعاء 2026/02/04

أثار التعميم الصادر عن وزارة الداخلية في سوريا، الذي يمنع دخول العناصر الأمنية المسلحة إلى المستشفيات والجامعات والمدارس وأماكن العبادة والمرافق العامة والفنادق المصنّفة، ومنع تنفيذ الاعتقالات داخلها، نقاشاً واسعاً حول دلالاته القانونية والسياسية، وحدود تأثيره الفعلي على علاقة الأجهزة الأمنية بالمجتمع.

ورغم أن التعميم لا يغيّر الواقع بين ليلة وضحاها، إلا أن مجرد صدوره يحمل دلالة رمزية وقانونية مهمة: للمرة الأولى تعترف جهة رسمية بوجود تجاوزات سابقة داخل هذه المؤسسات، وبحاجة الواقع إلى تنظيم وحماية. هذا الاعتراف يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لعمل سياسي وقانوني أوسع، إذا جرى تحويله من إجراء إداري إلى التزام قانوني ودستوري ثابت.

إرث تشريعي يقيّد الحرّيات

تاريخياً، لم تكن النصوص الدستورية وحدها كافية لحماية الحرية الشخصية وحرمة المساكن والمؤسسات. فدستور 2012، على سبيل المثال، تضمّن في مادته الـ36 نصوصاً تضمن الحرية الشخصية وحرمة المنازل، لكن هذه النصوص جرى الالتفاف عليها عملياً عبر منظومة من المراسيم والقوانين الاستثنائية. كما في المرسوم 55 لعام 2011 الذي منح الأجهزة الأمنية صلاحية احتجاز المشتبه بهم لمدة تصل إلى 60 يوماً قبل عرضهم على القضاء. والمرسومان 14 لعام 1968، و64 لعام 2008، وفّرا حصانات واسعة لعناصر الأمن، وجعلا ملاحقتهم قضائياً أمراً شبه مستحيل.

هذه المنظومة خلقت واقعاً تكون فيه حماية الأفراد والمؤسسات العامة والخاصة ضعيفة، وقابلة دائماً للتجاوز، حتى لو كانت مكرسة في نصوص دستورية. من هنا تأتي أهمية تثبيت أي خطوة جديدة -كتعميم وزارة الداخلية- ضمن إطار دستوري وقانوني واضح لا يترك مجالاً واسعاً للتأويل أو التعطيل.

عملياً، يمنح التعميم الجديد المستشفيات والجامعات والمدارس ودور العبادة وبعض المرافق العامة والفنادق المصنّفة، سنداً رسمياً للاعتراض على أي تدخل أمني أو اعتقال يتم داخلها من دون مبرر قانوني واضح. كما يُضعف من مشروعية الاعتقالات العشوائية في هذه الأماكن.

غير أن التعميم لا يخلو من ثغرات خطيرة، في مقدمتها العبارات المطاطة من قبيل “حالات الضرورة القصوى”. ترك تقدير هذه الحالات لقيادات أمنية هي طرف في النزاع يفتح الباب واسعاً أمام إعادة إنتاج الانتهاكات نفسها، لكن هذه المرة تحت غطاء “الاستثناء” و”الضرورة”. لذلك، لا يكفي صدور تعميم إداري عام، المطلوب هو تقييد السلطة التقديرية للأجهزة الأمنية بنصوص واضحة، وتحديد دقيق للحالات التي يسمح فيها بالتدخل المسلح أو الاعتقال داخل المؤسسات المدنية.

لتحويل هذا التعميم إلى مكسب دائم وليس إلى خطوة مؤقتة أو تكتيك سياسي، لابد من مسار دستوري وقانوني:

أولاً- المسار الدستوري:

لن يكون التعميم كافياً ما لم يُدرج مبدأ حماية المؤسسات المدنية من عسكرة الحياة العامة في نص دستوري صريح، ينص مثلاً على حظر دخول القوات العسكرية أو الأمنية المسلحة إلى المستشفيات والمؤسسات التعليمية والفنادق ودور العبادة والمرافق العامة والخاصة والمساكن، إلا بأمر قضائي مسبق، وحصر الاستثناء بحالات “الجرم المشهود” المعرَّفة بدقة في القانون. وجود مثل هذا النص في الدستور يمنح الحماية قدراً من الثبات يصعب الالتفاف عليه عبر المراسيم أو التعليمات الوزارية وحتى القوانين، ويقلل من قدرة السلطة التنفيذية على تعديل القواعد وفقاً للظروف السياسية.

ثانياً- المسار  القانوني:

على المستوى التشريعي، تبرز ضرورة سنّ قانون واضح يحدّد بدقّة:

– ما هي “الأماكن المحمية”، ومن هم “عناصر الأمن” المعنيون. وما المقصود بـ”الدخول المسلّح” وحدوده.

– تحديد الاستثناءات بشكل صارم، من خلال: حصر التدخل بحالات “الجرم المشهود” بمعناه الضيق: وقوع فعل إجرامي يهدد حياة أشخاص أو سلامة منشأة، وتعريف حالة الضرورة بأنها خطر وشيك ومحدد يهدد حياة أشخاص أو سلامة منشأة أو الأمن العام، ولا يمكن دفعه بوسائل أقلّ تدخلاً، ولا يمكن انتظار إذن قضائي من دون تعريض الأرواح أو السلامة العامة للخطر.

– النص على ضمانات إجرائية إلزامية، من بينها: إخطار النيابة العامة خلال مهلة قصيرة (مثلاً 24 ساعة) عن أي تدخّل حصل. عرض المحتجز على قاضي التحقيق خلال مهلة محددة (مثلاً 48 ساعة). توثيق مكتوب ومفصّل لحادثة التدخل يتضمّن أسماء العناصر والجهات المشاركة، والأسباب، والأدلة، والمدة. إخطار إدارة المؤسسة المعنية والمتضرّرين، وتمكين المحتجز من الاتصال بمحاميه. ما عدا تلك الحالات، لا يجوز أي تدخل أمني أو اعتقال داخل المؤسسات المدنية إلا بأمر قضائي مسبق.

– تعريف المسؤولية الفردية لعناصر الأمن والرؤساء المباشرين، وحتى القيادات التي أصدرت أو سمحت بالتجاوز، من خلال نصوص جزائية واضحة تعاقب على خرق حرمة المؤسسات المدنية أو تنفيذ اعتقالات غير قانونية داخلها،

– وضع آليات فعّالة لتعويض المتضرّرين مادياً ومعنوياً، وإجراءات لاصلاح الضرر الذي يلحق بالمؤسسات نفسها، من سمعة وأداء وثقة مجتمعية. مثل هذه الضمانات لا تلغي احتمال التعسف بالكامل، لكنها تضع له حدوداً وتخلق آثاراً قانونية قابلة للطعن والمساءلة.

ثالثاً- إنشاء هيئة رقابة مستقلة:

إلى جانب الدستور والقانون، تبرز الحاجة إلى رقابة مستقلة فعّالة، من خلال  إنشاء لجنة برلمانية دائمة تضم قضاة وخبراء قانونيين وممثلين عن المجتمع المدني، لتلقي الشكاوى عن أي تجاوز داخل المؤسسات المدنية. والتحقيق واستدعاء المسؤولين المعنيين، وإحالة المتورطين إلى المساءلة التأديبية أو الجزائية، و إصدار تقارير علنية دورية حول التزام الأجهزة الأمنية بالقانون. من دون رقابة من هذا النوع، يبقى الخطر قائماً بأن تتحوّل النصوص إلى شعارات، وأن تستمر الأجهزة الأمنية في مراقبة نفسها بمعزل عن أي محاسبة جدية.

رابعاً- خطوات تنفيذية مكمّلة:

لضمان تطبيق فعلي للتعميم وأي نصوص دستورية أو قانونية لاحقة، لا بدّ من:

– إلغاء المراسيم الاستثنائية التي منحت الأجهزة الأمنية حصانة من المحاسبة وصلاحيات احتجاز واسعة.

– تنظيم برامج تدريب إلزامية لقيادات ووحدات الأمن حول الضوابط القانونية الجديدة.

– إصدار بروتوكولات تنفيذية ونماذج أوامر قضائية وسجلات دخول وخروج شفافة في المؤسسات المحمية.

من دون هذه الخطوات، يبقى التعميم أقرب إلى إجراء مؤقت لا يمسّ بنية العلاقة بين الأمن والمجتمع.

في النهاية، ما يطرحه هذا التعميم أبعد من مجرد تنظيم دخول عناصر الأمن إلى المستشفيات أو الجامعات. إنه يفتح النقاش على سؤال أعمق: ما هي وظيفة الأجهزة الأمنية في سوريا؟

فعلى مدى عقود، بُنيت العلاقة بين الأمن والمجتمع على منطق السيطرة لا الخدمة، وعلى تغليب السلطة التنفيذية على القانون. وأي تحول حقيقي لن يتحقق عبر تعميمات إدارية، بل عبر إعادة تعريف دور الأمن بوصفه جهازاً لحماية المجتمع وحقوق الناس، لا أداة للهيمنة على حياتهم.

عندما يصبح احترام حرمة المؤسسات وكرامة المواطنين التزاماً دستورياً وقانونياً وممارسة يومية، لا منّة تمنحها السلطة، يمكن عندها القول إن سوريا بدأت فعلاً بالخروج من إرث عسكرة الحياة العامة، وإن الأمن بات جزءاً من منظومة حماية المجتمع، لا مصدر خوفه.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى