أزمات الداخل السوريتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععام على انتصار الثورة في سوريامحطات

تعميم منع “المكياج” للعاملات باللاذقية -متابعة الموضوع مقالات وتحليلات-

 أحمر الشفاه أداة مقاومة نسائية في سوريا

الخميس 2026/01/29

منذ تداول التعميم الصادر عن محافظة اللاذقية يحمل توقيع المحافظ 25 كانون الثاني/يناير الجاري، المتعلق بمنع الموظفات من وضع المكياج خلال الدوام الرسمي في الجهات العامة التابعة للمحافظة، تحولت منصات التواصل إلى ساحة اشتباك اجتماعي حول حدود السلطة المحلية ومعنى “المظهر الوظيفي”، وما إذا كان القرار يخص الانضباط الإداري أو يتوسع نحو التحكم بالتفاصيل الشخصية المرتبطة بجسد المرأة.

ومع اتساع موجة التنديد بالقرار، صدرت توضيحات من مديرية إعلام اللاذقية قدمت التعميم بوصفه إجراء لتنظيم المظهر الوظيفي والدعوة إلى تجنب “المبالغة” في مستحضرات التجميل، مع الإشارة إلى احترام الحريات التي يكفلها القانون.

إلا أن هذا الخطاب لم يهدئ السجال، إذ تحول التوضيح نفسه إلى جزء من المشكلة عبر ترك مساحة واسعة للتفسير الشخصي داخل الدوائر العامة وهي مساحة ترتبط غالباً بتقدير المدير المباشر وعلاقته بمفهوم “الاحتشام” والضبط الاجتماعي.

    View this post on Instagram

    A post shared by Ghalia AlTabbaa (@ghalia_altabbaa)

“الحُمرا” كرمز مقاومة

داخل هذا المناخ المتوتر، خرجت حملة عفوية بعنوان “رح حط حمرا”، (أحمر الشفاه)، شاركت فيها سوريات من داخل البلاد وخارجها بمقاطع قصيرة تظهر وضع أحمر الشفاه وصور شخصية لمكياج كامل وصورة قلم حمرة، بوصفه إشارة رمزية إلى أن القرار تجاوز تنظيم اللباس نحو مراقبة الوجه ذاته.

وتقاطعت الحملة مع قراءة نسوية ركزت على فكرة المعايير المكتوبة، حيث جرى تداول تعليقات اعتبرت أن أي تنظيم للمظهر داخل المؤسسات يحتاج إلى قواعد واضحة ومعلنة تتجنب المصطلحات الفضفاضة القابلة للتأويل، وأن ربط لون الروج أو مقدار الكحل بجودة الأداء الوظيفي يفتح الباب أمام تطبيق مزاجي يطاول النساء بدرجة أعلى.

تضامن يتجاوز النساء

وتوسعت موجة الاعتراض لتشمل رجالاً عبر منشورات ساخرة تنتقد انتقائية الرقابة على الأجساد، ومن بين ما جرى تداوله نص للمراسل شعبان عبود طرح سؤالاً عن اللحى الطويلة والشوارب بوصفها جزءاً من المشهد العام، وهو سؤال أعاد النقاش إلى نقطة أبعد من المكياج: من يملك حق تعريف “التهديد الأخلاقي” ومن يقرر شكل الفضاء العام ومن يتحمل كلفة هذا التعريف حين يطبق على فئة واحدة؟.

حين تنقلب الكوميديا إلى خطاب كراهية

ورغم أن السخرية حضرت بوصفها أداة احتجاج، ظهرت في المقابل سكيتشات قدمها صانعو محتوى على هيئة “كوميديا” اعتمدت على رجال يرتدون شعراً مستعارا مع ذقون ويقلدون موظفات من دون مكياج داخل الدوائر العامة، وهو قالب يدفع الفكرة من نقد القرار إلى تحويل النساء أنفسهن إلى مادة إهانة عبر ربط الوجه الطبيعي بالقبح وربط الأنوثة بالمكياج حصراً فضلاً عن تقديم المرأة بوصفها قناعاً قابلاً للسحب في أي لحظة.

    View this post on Instagram

    A post shared by بلانكو (@blanco.platform)

وتزامن ذلك مع إعادة تدوير مقاطع من مسلسلات سورية تصور نساء في مؤسسات عامة كسبب للفوضى أو الخوف، ومع عودة مصطلح “جعفر” في سياق وصم النساء عندما يمسحن المكياج وهو مسار ينقل النقاش من قرار إداري إلى إعادة إنتاج عداء اجتماعي للنساء عبر نكات جاهزة تشتغل على الإذلال أكثر من اشتغالها على النقد.

    View this post on Instagram

    A post shared by Samar Malas (@samarellla)

المدن

————————–

 من هو “المؤمن” في سوريا؟/ إياد الجعفري

2026.01.29

كانت موفقة تلك الحملة التي أطلقها نشطاء وحقوقيون وإعلاميون سوريون، منتقدين فيها تعميم محافظ اللاذقية الخاص بمنع المكياج. وعلى محدودية أهمية الحدث، في خضم أحداث كبرى يعج بها المشهد السياسي والاقتصادي والأمني السوري، يبقى أن لدفاع النشطاء السوريين عن الحرية كقيمة عليا، أثراً ملحاً يمنع تطاول شخصيات وقوى تتملكها رؤى أيدلوجية، إن تُرك لها العنان، لأخذت البلاد نحو مسارٍ لا يتناسب مع تطلعات السوريين وتنوع مشاربهم وعقائدهم. بل، ولا يخدم تطلعات الصف الأول من القيادة، الراغب بدفع البلاد نحو جذب المستثمرين وإعادة الإعمار، وتحريك المشهد السياحي.

وكما هو معلوم، فقد شهدت الأشهر الأولى من “العهد الجديد”، عدداً كبيراً من التجاوزات الفردية لعناصر أمن و”مسؤولين” استهدفوا تقييد الحريات الشخصية، تحديداً منها الخاصة باللباس والمظهر، قبل أن يتم ضبط هذه الموجة، بصورة ملحوظة. ويمكن الإقرار، وفق المشاهدات على الأرض، بأن الحريات الشخصية مكفولة على نطاق واسع. لكن، يمكن تسجيل مؤشرات مقاومة من جانب فريق داخل تركيبة السلطة، كان يريد لها أن تلتزم برؤية دينية محافظة لإدارة الدولة والمجتمع. تتجلى هذه المؤشرات بإجراءات وتعميمات من قبيل تعميم محافظة اللاذقية الأخير، الذي من الصعب “هضمه”، بوصفه تنظيماً للمظهر الوظيفي أو لبيئة العمل الرسمية، حسب التوضيح الرسمي الصادر عن مديرية إعلام المحافظة.

بعد غيبة 13 عاماً عن البلاد، تلقى كاتب هذه السطور صدمة في الرسالة التي احتوتها أول خطبة جمعة حضرها في إحدى مساجد العاصمة دمشق. فالخطيب روى القصة الشهيرة من صحيح البخاري، الذي يلفت فيها النبي إلى كيفية تقييم المجتمع للناس، بناءً على غناهم ونسبهم، فإن كانوا من الأشراف (ثراءً ونسباً)، يُزوَجون ويُؤخَذ بآرائهم ويحظون بالاحترام والتقدير في المجتمع. وإن كانوا من فقراء القوم (مالاً ونسباً)، لا يُزوَجون ولا يُؤخَذ بآرائهم، ويتم الحط من قيمتهم في المجتمع. وقد أعطى النبي، وفق القصة الشهيرة، درساً عملياً أفهم فيه “صحابته”، أن فقيراً وغير ذي نسب، قد يكون خيراً بعشرات المرات، مقارنة بثري ذي نسب، عند الله.

ولوهلة، ظن كاتب هذه السطور، أن الخطيب يلمح إلى “التسوية” مع محمد حمشو. وقد أكد –ونتفق معه- أن مجتمعنا حتى اليوم، ما يزال يقدّر الثري ذا النسب، ويحط من شأن الفقير. لكن، وبدلاً من أن تكون الرسالة المستخلصة من هذا الدرس، أن تقييم الناس وتقديرهم لا يجب أن يرتبط بثراء جيوبهم، ذهب الخطيب إلى أننا في هذا “العهد الجديد”، وقد منّ الله علينا أن خلّصنا من “الطاغوت”، علينا أن نرفع من شأن “المؤمن”، ونخفض من شأن غير “المؤمن”. لكن لم يخبرنا الخطيب: كيف نحدد من هو “المؤمن”؟

بطبيعة الحال، لا يجوز التعميم عبر مضمون الخطبة المشار إليها. لكن يمكن لحظ أصداء هذه الرسالة ذاتها في كثير من مشاهد الحياة الرسمية وحتى اليومية في سوريا. وهي إشكالية كبرى، لا تخدم الدين ذاته، لمن يخشى على الدين فعلاً. فتقييم الناس، والرفع من شأنهم بناء على ما يظهرونه من مظاهر تديّن، وصولاً إلى فرض قيود على اللباس والمظهر في المجتمع وبين العاملين في مؤسسات الدولة، يؤسس لمجتمع منافقين، لا لمجتمع “مؤمنين”. ورغم أن كاتب هذه السطور، ليس عالماً في الدين، لكن من المعلوم له، وفق المتعارف عليه في العقيدة الإسلامية، أن الإيمان قضية غيبية قلبية، لا يعلمها إلا الله. فنحن نستطيع أن نقول عن فلانٍ، مسلماً، إن أعلن ذلك. أما أن نقول عنه “مؤمناً”، فذلك يعني أننا نحكم على ما قلبه، والذي لا يعلم ما فيه، إلا الله.

أخطر ما في هذا التوجه، “الإعلاء من المؤمنين”، جوانب ثلاثة: الأول، أنه يخلق مجتمعاً من المتزلفين باسم الدين، عبر إظهار التديّن. وهو ما يضرّ بالدين ذاته، فيحوله إلى أداة تذكرنا بزمن “الممانعة والمقاومة” لإسرائيل، التي تحولت إلى نكتة سمجة حتى بات كثير من السوريين يرون في إسرائيل أقل شراً من شركاء لهم في الوطن. فتصوروا أن يتحول الدين، بسبب المتزلفين باسمه، إلى وضعٍ شبيه بأيدلوجية “المقاومة”! والجانب الثاني: أن ذلك ينتقص من حقوق المساواة لغير المسلمين، أو غير المنتمين لمذهب الأكثرية، مما يؤسس لمظلوميات جديدة تتعمق تحت الرماد لتنفجر في لحظة ما في المستقبل. أما الجانب الثالث: أن يكون معيار تعيين المسؤول صاحب القرار، هو التديّن، لا الكفاءة. وهو ما يؤسس لدولة ضعيفة بالمهارات والكفاءات.

لا نقول إن التوجه الذي فصلنا مخاطره، أعلاه، يحكم المشهد الحكومي، اليوم، تماماً. لكنه جلي. يكفي أن نقرّ بظاهرة “الشيوخ” في كل دائرة ومؤسسة حيوية في البلاد. وهم ليسوا “علماء دين”، بقدر ما هم شخصيات مؤتمنة من جانب السلطة، تراهن عليهم في إحكام السيطرة على مؤسسات الدولة. لكن إطلاق تسمية “الشيخ” على كلٍ منهم، مؤشر للتوجه المشار إليه أعلاه، في أن التديّن معيار للتفاضل بين المتنافسين للتقرّب من السلطة. وهي مقدمة، إن ذهبنا إلى خواتيمها النهائية، فستجهض كل طموحات الإعمار وجذب المستثمرين وإعادة إحياء سوريا كبلد جاذب للسياح. والأهم، أنها ستفسد التديّن، وتحوله إلى “بزنس” اجتماعي وسلطوي، لا يليق بالدين ذاته.

المدن

————————–

 من مونستر إلى اللاذقيّة: متلازمة “قلم الحمرة”/ أسعد قطّان

الأحد 2026/02/01

يوم الإثنين الماضي، الواقع فيه السادس والعشرون من كانون الثاني/يناير، حلّت الأخت ناتالي بيكار (Nathalie Becquart) ضيفةً على جامعة مونستر، وألقت محاضرةً بعنوان “المجمعيّة والمسكونيّة: الاحتفال بإرث مجمع نيقية (325) في سبيل تعزيز مسيرتنا المشتركة”. بيكار اسم لمع في الآونة الأخيرة. هي تعمل حاليّاً في أمانة سرّ مجمع الأساقفة الكاثوليك في الفاتيكان. وقد أتت جامعة مونستر في إطار المحاضرة المسكونيّة السنويّة، وذلك بدعوة مشتركة من الكلّيّتين اللاهوتيّتين الكاثوليكيّة والإنجيليّة.

استهلّت الضيفة كلامها ببعض العبارات الألمانيّة، مشيرةً إلى أنّها تعلّمت هذه اللغة “الجميلة”، لغة غوته وكانط وهيغل، في المدرسة. لكنّها لا تقوى على إلقاء محاضرة فيها. لذا، ستستعيض عنها بالإنكليزيّة. الفرنسيّون حزينون حين يتكلّمون بلغة غير لغتهم، وتحسّهم مجروحين لكون هذه اللغة، التي كان ينطق بها العالم برمّته، عادت شبه هامشيّة إذا ما قورنت بالإنكليزيّة التي اجتاحت الدنيا. شدّدت بيكار على أنّها ليست لاهوتيّةً بالمعنى الأكاديميّ الصرف، وأنّها تستشعر شيئاً من الرهبة حيال ثلّة الاختصاصيّات والاختصاصيّين المحيطين بها. بيد أنّ المحاضرة اتّسمت بالهدوء والاتّزان والنقاش الموضوعيّ. ولم يشعر الحاضرون بالفجوة بين لاهوت أكاديميّ وآخر يرتبط مباشرةً بالمؤسّسة الكنسيّة.

تطرّقت المتكلّمة إلى خبرة مجمع الأساقفة الذي أطلقه البابا فرنسيس، رحمه الله، في تشرين الأوّل/أكتوبر 2021 وامتدّ على ثلاث سنوات. امتاز هذا المجمع بحضور العلمانيّات والعلمانيّين (والكهنة) فيه حضوراً لافتاً، وبما تمتّعوا به من حقّ التصويت على قاعدة التساوي مع الأساقفة، وذلك للمرّة الأولى في تاريخ الكنيسة الكاثوليكيّة. كذلك اتّصف المجمع بأنّ البابا فرنسيس تبنّى توصياته ذات الطابع الاستشاريّ تبنّياً كاملاً وبلا تحفّظ. أطروحة المحاضرة الأساسيّة أنّ المجمعيّة في الكنيسة تعمّق المسكونيّة، أي روح التقارب بين الكنائس، وأنّ المسكونيّة الحقّ تفضي إلى تعزيز الروح المجمعيّة، والكلمة الأجنبيّة (synodality) ذات الأصل اليونانيّ تحيل على السير جنباً إلى جنب والمسيرة المشتركة. وقد حاولت المحاضِرة أن تربط هذا كلّه بمجمع نيقية، وهو بشهادة المسيحيّين جميعهم المجمع العامّ الأوّل في تاريخ الكنيسة، وقد سنّ دستوراً للإيمان يتّفق عليه الجميع إذا ما تمّت تلاوته في صيغته الأصليّة.

لم يكن للمتكلّمة أن تتجنّب الملاحظات النقديّة على كلامها، ولا سيّما أنّها جنحت إلى إبراز محاسن المسيرة المجمعيّة في الكنيسة الكاثوليكيّة متجنّبةً الخوض في ما تطرحه من أسئلة معلّقة. لعلّ إحدى أبرز هذه المسائل وأخطرها قضيّة النساء. اعترفت المتكلّمة بأنّ القضيّة شائكة، وقادرة على بذر الشقاق في الكثلكة، مضيفةً أنّ حدود الاختلاف في الرأي حيال شمّاسيّة النساء (وكهنوتهنّ) ليست بين المؤسّسة الكنسيّة من جهة، والنساء من جهة أخرى، بل تخترق الكنيسة أفقيّاً. قوام الحجّة، إذاً، أنّ ثمّة أساقفةً (وبابوات؟) يقبلون وآخرين يرفضون، وأنّ هناك نساءً مع الفكرة ونساءً ضدّها. كذلك حسبت بيكار أنّ القضيّة ليست لاهوتيّة، بل ثقافيّة بالدرجة الأولى. وأوحت أنّه بالنظر إلى مدى الاختلاف في الرأي حيالها، فإنّ من الأفضل للكنيسة الكاثوليكيّة إبقاءها معلّقةً في الوقت الراهن حفاظاً على وحدتها، وريثما تنجلي الصورة. فضلاً عن ذلك، حاولت المتكلّمة التقليل من أهمّيّة المسألة على المستوى العالميّ عادّةً أنّ قضيّة النساء الأولى في عالم اليوم العنف ضدّ النساء، لا موضوع الشمّاسيّة والكهنوت.

من السهل فهم موقف الراهبة الفرنسيّة وتفهّمه. لكنّ هذا لا يبدّل من أنّ نزعتها إلى تقديم وحدة الكنيسة، أو المؤسّسة الكنسيّة من باب أولى، على السؤال عن الحقيقة لا تنسجم مع المقاربة التي اعتمدها مجمع نيقية. فمن المعروف أنّ ديدن هذا المجمع كان البحث عن الحقيقة، وأنّ حقبة ما بعد المجمع اتّسمت بشقاقات عديدة في جسم الكنيسة. بكلمات أخرى: هل حقّ النساء في الشمّاسيّة والكهنوت متأصّل في معموديّتهنّ أم لا؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، يصبح رفض كهنوت النساء حفاظاً على وحدة الكنيسة حقّاً يراد به باطل. يضاف إلى ذلك أنّ حضور العوامل الثقافيّة لا يلغي أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة كرّست ربط الكهنوت بالرجال حصراً في نصوص لاهوتيّة يشقّ عليها حتّى اليوم إعادة النظر فيها.

في غمرة التفاعل مع محاضرة ناتالي بيكار، راحت تتناهى أخبار سوريّة عن محافظ لاذقيّة العرب، الذي اتّخذ قراراّ بمنع ماكياج النساء (من دون تحديد ماهيّته) في الوظائف والدوائر الرسميّة. فانبرت السوريّات الشجاعات إلى الدفاع لا عن حرّيّتهنّ في التبرّج فحسب، بل عن حرّيّتهنّ بالمطلق، عبر إطلاق حملة “قلم الحمرة” على وسائل التواصل الاجتماعيّ. إنّ حكاية الرجل مع المرأة محورها قلقه حيال هذه البئر العميقة التي اسمها المرأة، وخشيته من أن تنافسه البئر على السلطة وحكم العالم والقبض على فضاءات الحياة والموت. فتجده يسعى إلى ترويضها والسيطرة عليها بوسائل شتّى، بدءاً من حرمانها من المراتب الدينيّة العليا وصولاً إلى التحكّم بجسدها وقلم حمرتها. لقد أحسنت الراهبة بيكار حين رأت أنّ قضيّة النساء في عالم اليوم ليست لاهوتيّةً بالدرجة الأولى، أي إنّها لا تتأسّس على الدين والغيبيّات، ولو استُخدمت هذه أداةً للتبرير والقمع. والحقّ أنّ متلازمة الرجل في علاقته بالمرأة وقلم حمرتها ليست ثقافيّةً عموماً، بل سيكولوجيّة على وجه الخصوص، ولها اسم واحد: الخوف.

المدن

—————————————

حقوق النساء في مهبّ التقييد/ سلوى زكزك

31 يناير 2026

في سورية، تتوالى القرارات والنصوص والمُمارسات الهادفة إلى تقييد حقوق النساء، والتي تستهدف الحياة الشخصية وتُقيّد الحقوق الخاصّة بالنساء، ممّا يسمح بالقول، وبصورة حاسمة وغير مواربة: إنّ حقوق النساء السوريات تجري مصادرتها بالجملة وبالتقسيط من الأفراد، وخاصّة كلّ صاحب سلطة اجتماعية مثل رب العائلة، أو دينية مثل المشايخ، أو صاحب قرار بموقع مسؤولية بدءاً من المعلّم أو مدير المدرسة وصاحب العمل، وصولاً إلى الأشخاص في المناصب الحكومية وصناعة القرار، إذ تجري كلّ التقييدات بتجاهل رسمي واضح يوحي بالموافقة الفعلية، وإن بدت غير مُعلنة، على التلاعب بحقوق النساء وهدرها.

تهدف الممارسات التمييزية الجارية من أطراف غير رسمية إلى لجم النساء والتحكّم بهنّ وبحريّاتهن الشخصية في جو عام من التقبّل لهذه الممارسات، وفي جو رسمي يرغب ضمناً في تعميم هذه الممارسات، لذلك لا يكتفي بالصمت عنها بل يمنحها التبريرات غير المقبولة مثل حقّ الذكور في الوصاية والولاية على حيوات النساء، ومثل الحفاظ على وحدة العائلة وضرورة احترام التراتبية العائلية.

 أمّا القرارات الرسمية الصادرة، مثل التعميم الذي أصدره محافظ مدينة اللاذقية، والمُتعلّق بمنع المكياج بصورة قطعية للعاملات والموظّفات في كافة الوظائف والإدارات والمكاتب ومراكز العمل التابعة للمحافظة تحت طائلة المساءلة، تهدف فعلياً إلى تقييد الحرية الشخصية للنساء، كما تسعى بصورة لا تقبل الشك إلى ضبط حياة النساء وفق قواعد صارمة تنطلق من قناعات المسؤولين أنفسهم، ومن مواقفهم الحقيقية المُعادية لحقوق النساء، في إعلان وممارسة خياراتهن الشخصية مثل اللباس والمكياج وسواها. إنّ المبدأ الأكثر مدعاة للاعتراض على هذه القرارات هو تسويف مبرّراتها بصورة غير منطقية وغير حقيقية مثل ادّعاء الحرص على سير العمل أو ضرورة ضبط الأداء الوظيفي، وكلّها ادّعاءات تحمل في باطنها اتهامات للنساء بعرقلة الأداء الوظيفي والتسبّب في إضرار العمل الحكومي، وهذا يجري كلّه في صيغة تأديبية تقتصر على النساء وتركّز على وجودهنّ في العمل كخطأ تقني ينبغي التحكّم به وضبطه دوماً بتعليمات ولوائح تنفيذية صارمة تمييزية؛ لأنها موجّهة فقط للنساء، وغير عادلة؛ لأنّها تخالف الإعلان الدستوري الذي نصّ على المساواة الكاملة والصريحة بين السوريين والسوريات جميعاً، كما يناقض المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات الدولية المُتعلّقة بحقوق الإنسان، وخاصة التي وقعت عليها سورية والمذكورة بصريح العبارة في المادة الثانية عشرة من الإعلان الدستوري لعام 2025.

من منظور حقوق الإنسان يُعتبر هذا التعميم تمييزاً مُباشراً قائماً على الجنس لكونه يفرض قيداً على فئة محدّدة وهي النساء دون غيرها، ودون سند موضوعي أو مهني مشروع، وبما يمسّ الكرامة الشخصية والحرية الفردية للنساء، كما يقدّم صورة واضحة عن التمييز المؤسّسي بين النساء والرجال في نفس بيئة العمل، كما يمسّ التعميم حقّ النساء في الكرامة الشخصية؛ لأنّه يُخضع النساء للرقابة على أجسادهنّ ومظهرهنّ الخارجي مع التهديد بالعقوبات من دون وجود لوائح عقابية مُعلنة وواضحة، كما أنّ التعميم المذكور يفتقر وعلى نحوٍ صارخ إلى الضرورة والتناسب لأنّه لا يوجد أيّ مبرّر لصدوره كالسلامة المهنية أو حماية الصحة العامة.

كما أنّه يفشل في تحقيق التناسب، إذ لجأ إلى المنع المُطلق وتحت طائل المُساءلة مع غياب قواعد التنظيم المهني ضمن لوائح محدّدة لشروط العمل، وهذا بحدّ ذاته تعسّفٌ لا يستند إلى حاجة وظيفية حقيقية، تفرضه جهةٌ تعتبر نفسها وصية على النساء من منطلق غير مهني أو قانوني، وإنّما يمكن ربطه بالمنطلق الشرعي.

إنّ التعميم المذكور يسلك نمطاً من الضبط الإداري القائم على تمييز أساسي يستند إلى النوع الاجتماعي (الجندر) ويُعدّ مخالفاً مخالفة صريحة لمعايير حقوق الإنسان المُعترف بها والمنصوص عليها باتفاقات ومواثيق ومعاهدات، والتي وقّعت عليها سورية.

يهدّد التقييد المُتعدّد والمُتجدّد على هيئة قرارات أو تعاميم إدارية رسمية، بالإضافة إلى حالات المنع والردع المُجتمعية المباشرة التي تستهدف وجود النساء في أماكن العمل وفي الحيّز العام، باشتداد التقييد والتضييق على حرية النساء السوريات وتصادر إمكانية تمتعهنّ بحقوقهنّ الأساسية.

العربي الجديد

——————————-

محافظ اللاذقية ضد الماكياج… ووجوه السوريات يعتريها الغضب/ مصطفى رستم

انقسم الشارع السوري إلى لمؤيد متفائل من التغيير الحاصل ومعارض للحكومة الانتقالية وثالث متخوف من “حكم متشدد”

الخميس 29 يناير 2026

القرار يستهدف النساء دون غيرهن في بيئة العمل، وهو يتعارض مع التزامات سوريا الدولية وخصوصا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

منذ اليوم الأول لسقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 واعتلاء الحكم “هيئة العمليات العسكرية” التي سيطرت على مقاليد البلاد، وما تبعها من تأليف حكومة انتقالية، انقسم الشارع السوري إلى مؤيد متفائل من التغيير الحاصل نحو الأفضل، ومعارض للحكومة الانتقالية ومتخوف منها بصمت أو بصورة علنية، لوجود اعتقاد سائد أن سوريا تقبع تحت قبضة حكم متشدد قد يحول البلاد إلى “أفغانستان ثانية”.

مخاوف الأفغنة

وبعد مضي أكثر من عام ظهرت تبدلات ديموغرافية في بنية المجتمع المراقب لتلك التغييرات في المشهد العام، أولاها جولات “الحسبة” الأشبه بشرطة دينية تنشر الدعوة، وظهور نساء منقبات يوقفن المواطنات أمام الأماكن العامة ليدعوهن إلى “التستر”، وهناك أمثلة كثيرة من هجوم على النوادي الليلة والملاهي وتحطيم المشروبات الروحية وغيرها.

وفي مقابل ذلك أعلنت حكومة دمشق أن هذه الحوادث انتهاكات فردية، وطمأنت الشارع السوري المترقب لقرارات تحد من حريته الشخصية إلى أن الدستور والقانون إلى جانب المواطنين، وحرصت قوى الأمن العام والأمن الداخلي في الوقت ذاته على إلقاء القبض على بعض الذين يسعون إلى نشر أفكار ومعتقدات ذات طابع ديني.

وبموازاة ذلك انتاب السوريين صدمة من قرار حمل الرقم (67) بتاريخ 26 يناير (كانون الثاني) الجاري بعنوان “تعميم” موقّع من محافظ اللاذقية محمد أحمد عثمان حول مظهر الموظفات، جاء فيه “إلى كافة إدارات الدولة ومؤسساتها وهيئاتها وشركاتها في محافظة اللاذقية ومديريات المدن والبلدات، يطلب إليكم إبلاغ جميع العاملات لديكم بعدم وضع الماكياج بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي”، وطالب المحافظ الاطلاع على القرار والتقيد تحت طائلة المساءلة القانونية.

تعميم غير قانوني

وفجر القرار استياء غير مسبوق حين طالب كثيرون بإلغاء تنفيذه لأنه يحد من الحرية الشخصية للسوريين، بل يعيد لذاكرتهم الهواجس من الحكومة الانتقالية في حال مارست عليهم تصرفات وقرارات متشددة، ولا سيما أن تجربة إدلب كانت تحظر على النساء الظهور والتبرج، بل وترغمهن على التشدد في اللباس وتفرض عليهن النقاب.

ويرى الباحث الحقوقي والمدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل العدالة والحقيقة” بسام الأحمد في حديث إلى “اندبندنت عربية”، أن القرار يخالف التزامات سوريا الدولية وبخاصة أنها موقعة وجزء من اتفاقات وقرارات دولية، مضيفاً أن “القرار فيه مخالفة واضحة للمادة (17) من بنود عهد الدولي بالحقوق المدنية والسياسية، والذي يمنع تدخل الدول والجهات في الحياة الخاصة، ولا سيما في شكل ومظهر الأشخاص، ويخالف اتفاقات أخرى منها ‘سيداو’، إذ يستهدف القرار نساء دون غيرهن ومحافظة م دون أخرى، ويتدخل بصورة فجة في مظهرهن، ويعزز الصورة النمطية ضد النساء”.

ويرى الأحمد أن اللباس الشخصي أحد أشكال التعبير، “وكل منا يعبر بالشكل والرأي وأيضاً باللباس والطريقة التي يراها مناسبة، والقانون يكفل حرية ذلك بما يراه مناسباً، فضلاً عن استهداف النساء دون غيرهن في بيئة العمل، فالقرار غير قانوني ويتعارض مع التزامات سوريا الدولية سواء من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين”.

وفي مقابل ذلك، وأمام الاستياء الواسع، نشرت مديرية إعلام اللاذقية توضيحاً رسمياً حول التعميم المتداول عن ماكياج الموظفات في الإدارات الرسمية، أشار فيه إلى احترام الرأي العام والتعامل بإيجابية مع الملاحظات كافة، ولفتت المديرية إلى أن انتقاد القرار تعبير صحي يعكس الوعي المجتمعي، والحرص على ترسيخ شراكة حقيقية وبنّاءة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

وفي معرض تفسير مديرية إعلام اللاذقية لحيثيات التعميم الصادر، والذي لا يهدف إلى التضييق على أية فئة أو المساس بالحريات الشخصية التي يصونها الإعلان الدستوري ويكفلها القانون، ذكر البيان أن “التأكيد لا يتعلق بالمنع بل بتنظيم المظهر الوظيفي وتجنب المبالغة في استخدام المواد التجميلية، بما يحقق التوازن بين الحرية الشخصية ومتطلبات بيئة العمل الرسمية وصورة المؤسسة أمام المواطنين، وتعزيز المظهر الوظيفي المهني داخل المؤسسات العامة بما ينسجم مع طبيعة العمل الإداري والخدماتي”.

وأكد البيان في الوقت ذاته تعامل محافظة اللاذقية بإيجابية مع الملاحظات المطروحة، والعمل على توضيح أي التباس في الفهم أو التطبيق، بما يحقق التوازن بين متطلبات الانضباط الوظيفي وراحة العاملين.

حكاية النساء

في غضون ذلك استغرب الفريق المعارض للقرار من كلا الجنسين صدوره في وقت تعيش البلاد أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، ولا سيما الضغط المعيشي الخانق لدى الناس، وتتساءل الناشطة مريم قويدر “كيف ترك المحافظ كل تلك القضايا المهمة، ولا سيما القضايا الخدماتية، ليصدر قراراً مماثلاً؟”، ورأت أن القرار يحتاج إلى مراجعة وتدقيق، وأن التعميم فيه تدخل في الحرية الشخصية بحق المواطنين والمواطنات، فمن حق الجميع اختيار اللباس والمظهر المناسب الذي لا يخدش الحياء.

وأردفت قويدر أن “هذا القرار فتح تساؤلات عن التفرد بصناعة القرار ومعياره، ولا سيما أنه صادر في محافظة اللاذقية فقط من قبل السيد المحافظ، في وقت لم يصدر في بقية المدن السورية، وهذا يدل على مزاجية من قبل صاحب القرار، علاوة على أنه من الواجب أن يدرس ويُقرّ من قبل مجلس الشعب أو المجلس المحلي”.

قرار صائب

في المقابل أبدى فريق من السوريين تأييداً للتعميم الصادر بخصوص الماكياج، ونشر بعضهم صوراً لموظفات متبرجات بصورة لافتة وبعضهن مدرسات، وقال الناشط أحمد خطيب “أنا مع هذا القرار وتطبيقه ضرورة لتكون إدارات الحكومة خالية من الشوائب وآمنة، وهو يصب في المصلحة العامة”.

في الأثناء علقت الشابة ميرا على القرار ووصفته بأنه غير مناسب على الإطلاق وفضفاض لدرجة أنه سيمنح الإدارات داخل المؤسسات العامة حق التدخل في حريات الموظفات الشخصية، وتابعت “لا شك في أن العاملات في معظم المؤسسات الحكومية في المحافظات السورية كافة وليس فقط اللاذقية، ليس لديهن الوقت أو القدرة المالية لتعقب الموضة وشراء مستلزماتها، وبالتالي فالتجمل لدى معظمهن سيكون في المستوى المعقول ليظهرن بطريقة لائقة”.

ويتفق الكاتب من منطقة الجزيرة (شرق سوريا) خلف علي الخلف مع تعميم محافظ اللاذقية، وقد طالب بتعميمه على بقية المحافظات السورية وخارج أوقات الدوام، ووصفه بالقرار “الشجاع والتاريخي الذي يعري الواقع ويكشف الزيف ويقودنا مرغمين إلى رؤية الحقيقة”، مردفاً “أعتبره صائباً من الجانب الاجتماعي ويمثل خطوة متقدمة في الشفافية والمكاشفة، وينتقل من مجتمع المظاهر المزيفة إلى مجتمع الحقائق العارية، لنقبل الواقع بكل تجاعيده”.

ووصفت ناشطات على مواقع التواصل الاجتماعي القرار بـ “الفضيحة الأخلاقية”، وأنه يمثل تدخلاً في خصوصيات النساء وانتهاكاً للحريات الفردية، ويعيد للأذهان ممارسات نظام إيران حين تتحول الدولة إلى شرطة أخلاق تلاحق النساء على ملابسهن ومظهرهن، بدلاً من محاسبة الفساد والفشل في إدارة البلاد.

وصرحت الناشطات أن في هذا الإجراء تكراراً لتجربة “شرطة الأخلاق التي يشرف عليها الحرس الثوري الإيراني وإنما بنسخة سورية”، وطرحت إحدى رافضات القرار تساؤلاً عما يخيف الدولة من حرية المرأة؟

وفي جانب آخر استخدم سوريون السخرية كطريقة لانتقاد القرار، وبدأت تظهر منشورات فكاهية، فضلاً عن مقاطع مصورة وفقرات كوميدية حملت انتقادات مبطنة ولاذعة للقرار الحكومي، مطالبة بالعدول عنه.

———————————————–

 محافظة اللاذقية تمنع ماكياج الموظفات!

الأربعاء 2026/01/28

أصدرت محافظة اللاذقية تعميماً إدارياً موجهاً إلى جميع المؤسسات الحكومية في المحافظة، يقضي بمنع العاملات من وضع المكياج أثناء ساعات الدوام الرسمي، ما أثار موجة غضب واسعة من التدخل في الحريات الشخصية ومخاوف من التضييق على النساء.

وأثار التعميم جدلاً واسعاً بين السوريين في منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات حول الأساس القانوني للقرار وحدود تدخل التعاميم الإدارية في المظهر الشخصي داخل المؤسسات العامة.

وكتب “اللوبي النسوي السوري” في بيان عبر “فايسبوك”: “لا يحق للسلطة أو لأي جهة التدخل في الحريات الشخصية للمواطنين والمواطنات تحت أي ذريعة. يحق للنساء العمل والتعلم والعيش بحرية في بلدهم. ولا يحق لأحد التدخل في اللباس، وفرض طريقة لباس معينة أو منع المكياج. تعتبر هذه التدخلات انتهاكات للحريات الشخصية”.

وفيما تم نفي الخبر أولاً، من حسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، أكد مصدر رسمي في محافظة اللاذقية لمنصة “تأكد” المتخصصو في التدقيق في المعلومات، صحة التعميم المتداول والمنسوب إلى وزارة الإدارة المحلية والبيئة، والذي يطالب جميع الجهات العامة بعدم وضع المكياج بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي، تحت طائلة المساءلة القانونية.

ويلزم التعميم الذي يحمل توقيع محافظ اللاذقية بتاريخ 25 كانون الثاني/يناير 2026 جميع الجهات العامة بعدم وضع المكياج بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي، علماً أنه موجه إلى إدارات الدولة ومؤسساتها وهيئاتها والشركات التابعة لها في محافظة اللاذقية، بما فيها مديريات المناطق والوحدات الإدارية (مدن، بلدات، بلديات).

وأمام الانتقادات الواسعة، نشرت مديرية إعلام اللاذقية تصريحاً رسمياً للتوضيح، قالت فيه أن التعميم الصادر عن محافظ اللاذقية لا يهدف إلى التضييق على أي فئة أو المساس بالحريات الشخصية التي يصونها الإعلان الدستوري ويكفلها القانون. وأضافت أن المقصود ليس المنع بحد ذاته، بل تنظيم المظهر الوظيفي وتجنب المبالغة في استخدام المواد التجميلية!

وشددت المديرية على أن محافظة اللاذقية تتعامل بإيجابية مع الملاحظات المطروحة، وتعمل على توضيح أي التباس في الفهم أو التطبيق، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الانضباط الوظيفي وراحة العاملين، معتبرةً أن هذا التفاعل يعكس وعياً مجتمعياً وحرصاً على ترسيخ شراكة حقيقية وبناءة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

————————–

انتقادات قانونية وحقوقية لتعميم منع “المكياج” للعاملات باللاذقية/ أمير حقوق

أثار التعميم الصادر عن محافظة اللاذقية، والقاضي بمنع العاملات في المؤسسات العامة من وضع “المكياج” خلال الدوام الرسمي، جدلًا واسعًا بين السوريين.

حقوقيون وقانونيون اعتبروا التعميم تعسفيًا وغير قانوني، يحدّ من الحريات الشخصية ويتعارض مع التزامات سوريا الدستورية والدولية.

وانقسم مواطنون بين معارض للتعميم، معتبرين أنه تدخل مباشر بالحريات الشخصية للمرأة في مدينة اللاذقية، خاصة أنه يعنى بمحافظة واحدة فقط، متنتقدين تركيز المحافظ على هذه القضايا في حين أن هناك أمورًا خدمية يجب أن تكون لها الأولوية.

بالمقابل، أيد تيار آخر التعميم، معتبرين أنه مناسب ليحافظ على “قدسية المؤسسات الحكومية واحترامها”، بحسب تعبيرهم.

وفي توضيح رسمي، قالت مديرية الإعلام في محافظة اللاذقية، إن التعميم المنسوب إلى المحافظ لا يهدف إلى التضييق على الحريات الشخصية التي يصونها الإعلان الدستوري، معتبرة أن ما أُثير حوله يعكس وعيًا مجتمعيًا وحرصًا على الشراكة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

وأكدت في بيان، نشرته في 27 من كانون الثاني، أن “التأكيد لا يتعلق بالمنع، بل بتنظيم المظهر الوظيفي وتجنب المبالغة باستخدام المواد التجميلية”، بما يحقق التوازن بين الحرية الشخصية ومتطلبات بيئة العمل الرسمية وصورة المؤسسة أمام المواطنين، مع التعهد بالتعامل الإيجابي مع الملاحظات وتوضيح أي لبس في الفهم أو التطبيق.

انتقادات

في أعقاب صدور التعميم والتوضيح الرسمي المرافق له، لم يهدأ الجدل القانوني والحقوقي حول مضمونه، إذ اعتبر قانونيون أن ما ورد في التوضيح لا يبدّد الإشكاليات التي أثارها التعميم، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق بمشروعيته وحدود تدخل الإدارة في الحريات الشخصية.

المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، وهي منظمة حقوقية مقرها باريس، بسام الأحمد، اعتبر أن الاعتراضات على التعميم “محقّة جدًا”، واصفًا إياه من الناحية القانونية بأنه “شبه فضيحة للمشرّع السوري”، لكونه يتعارض بشكل أساسي مع التزامات سوريا الدولية بوصفها جزءًا من المنظومة الأممية.

وقال الأحمد لعنب بلدي، إن المظهر الخارجي واللباس يدخلان ضمن حرية التعبير غير اللفظية، وإن التدخل فيهما يمثل انتهاكًا لحرية التعبير الشخصية، إضافة إلى كونه يكرّس تمييزًا ضد النساء في بيئة العمل.

من جانبه، يرى الخبير القانوني والمتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، في حديث إلى عنب بلدي، أن التبرير الرسمي “عذره أقبح من ذنبه”، بحسب تعبيره.

وأوضح أن الادعاء بعدم التضييق يتناقض مع الأثر العملي للقرار، إذ إن منع وضع “المكياج” في أثناء الدوام الرسمي يشكّل تقييدًا مباشرًا للمظهر الشخصي، وهو تدخل لا يجوز قانونًا إلا بوجود أساس قانوني صريح ومبرر موضوعي يتعلق بالنظام العام أو السلامة العامة.

يخالف العهود والمواثيق الحقوقية العالمية

من الناحية الحقوقية، أكد مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، لعنب بلدي، أن هذا التدخل الحكومي يمس استقلالية الأفراد، ويطول النساء بشكل أساسي، وهو تدخل تعسفي لا تبرره أي ضرورة قانونية أو أمنية، ولا يستند إلى مبررات حقيقية، بما في ذلك الذرائع المرتبطة بالأمن أو النظام العام.

التعميم يخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يُعد مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما يُعرف بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وسوريا طرف موقع ومصدّق عليها، بحسب تعبير الأحمد.

وبيّن أن القرار ينتهك المادة “17” من العهد، التي تنص على عدم جواز تعريض أي شخص لتدخل تعسفي أو غير مشروع في خصوصياته، مؤكدًا أن التدخل في المظهر الخارجي، سواء تعلق بـ”المكياج” أو اللباس، يُعد انتهاكًا للخصوصية ولا شأن للدولة به.

القرار يخالف اتفاقية “القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” (سيداو)، لأنه ينطوي على تمييز قائم على أساس الجنس، بحسب الأحمد، موضحًا أن حصر هذه القيود بالعاملات الإناث يكرّس قوالب نمطية جندرية، ويخالف التزامات سوريا الدولية، لما ينطوي عليه من تحيز وتمييز.

    المادة 2 من اتفاقية “القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” (سيداو):

    تشجب الدول الأطراف جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتتفق على أن تنتهج، بكل الوسائل المناسبة ودون إبطاء، سياسة تستهدف القضاء على التمييز ضد المرأة، وتحقيقًا لذلك تتعهد بالقيام بما يلي:

    (أ‌) إدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها المناسبة الأخرى، إذا لم يكن هذا المبدأ قد أدمج فيها حتى الآن، وكفالة التحقيق العملي لهذا المبدأ من خلال التشريع وغيره من الوسائل المناسبة،

    (ب‌) اتخاذ المناسب من التدابير، تشريعية وغير تشريعية، بما في ذلك ما يناسب من جزاءات، لحظر كل تمييز ضد المرأة،

    (ج) فرض حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل، وضمان الحماية الفعالة للمرأة، عن طريق المحاكم ذات الاختصاص والمؤسسات العامة الأخرى في البلد، من أي عمل تمييزي،

    (د) الامتناع عن مباشرة أي عمل تمييزي أو ممارسة تمييزية ضد المرأة، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام.

    (هـ) اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة،

    (و) اتخاذ جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لتغيير أو إبطال القائم من القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات التي تشكل تمييزا ضد المرأة،

    (ز) إلغاء جميع الأحكام الجزائية الوطنية التي تشكل تمييزا ضد المرأة.

يتعارض مع الإعلان الدستوري

أما الخبير القانوني والمتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، فأوضح أن التبرير الرسمي تحدّث عن “تنظيم” المظهر الوظيفي دون الاستناد إلى أي نص قانوني محدد أو لائحة تنظيمية معتمدة، مشيرًا إلى أن قانون العمل السوري رقم “17” لعام 2010 يشترط أن يكون أي تنظيم للمظهر مبنيًا على نص قانوني أو نظام داخلي معتمد، لا على قرار إداري عام، معتبرًا أن ذلك يشكّل مخالفة لمبدأ شرعية الإدارة.

التبرير يتعارض مع المادة “12” من الإعلان الدستوري لعام 2025، التي تنص على حماية الحقوق والحريات الأساسية والحقوق الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صدّقت عليها الجمهورية العربية السورية، بما يشمل حرية المظهر الشخصي وحرية التعبير عن الذات، وعدم التدخل في الحياة الخاصة إلا بقانون واضح ومبرر.

وفي الإطار الدولي ذاته، يوافق الكيلاني الرأي مع مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، مشيرًا إلى أن المادة “17” من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحظر أي تدخل اعتباطي أو غير قانوني في الحياة الخاصة، موضحًا أن تنظيم المظهر الشخصي في العمل لا يمكن اعتباره غير تدخل، ما لم يستند إلى نص قانوني واضح وضرورة موضوعية وتحقيق هدف مشروع، وهي شروط لم يثبتها التصريح الرسمي.

وختم الكيلاني بالقول، إن التبرير لا يثبت التناسب أو الضرورة أو وجود نص قانوني موضوعي، بل يبرر قرارًا تقييديًا بلغة عامة، فيما خلص الأحمد إلى أن القرار “غير قانوني، وتعسفي، وتمييزي”، ويعيد سوريا إلى الوراء، ويتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن بناء دولة حديثة، معتبراً أن مثل هذه القرارات ترسل رسالة معاكسة لما يُقال عن التغيير، وتؤكد أن المسار يسير إلى الخلف لا إلى الأمام.

    تنص المادة “17” من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على ما يلي:

        لا يجوز تعريض أي شخص لتدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصيته أو أسرته أو منزله أو مراسلاته، ولا لهجمات غير قانونية على شرفه وسمعته.

        لكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو الهجمات.

عنب بلدي

———————–

في استخدام المرأة السورية لإعادة إنتاج السيطرة/ ميادة سفر

03 فبراير 2026

لا يمكن فهم وضع المرأة في سورية اليوم بمعزل عن الخلفيات الفكرية والأيديولوجية للسلطات الحاكمة. ومهما تكن أهمية تتبّع العنف المباشر الذي تتعرّض له النساء في المجتمع، بكل أشكاله المادّية والمعنوية، وضرورة الحديث عنه وتسليط الضوء عليه، يبقى العنف الحقيقي الأكثر رسوخاً وتأثيراً هو ذلك الذي يتغلغل داخل البنى السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية، ويعيد رسم وتشكيل حياة النساء اليومية بما يتماشى مع ما ترغب به بعض السلطات والشخصيات ذات النفوذ، دون أن يُعلن عن نفسه؛ وإن فعل، فَعبر إضفاء صبغة قانونية من خلال مرسوم أو تعميم أو قرار إداري.

في ظلّ الحكم الحالي، تحوّل هذا العنف البنيوي إلى جزءٍ من آلية السلطة نفسها؛ سلطة تُحكم قبضتها عبر الخوف، وتعيد إنتاج التراتبية الأبوية، وتستخدم هشاشة النساء وسيلةً للضبط والسيطرة. وهكذا، لم تعد المرأة ضحية ظرفٍ عابرٍ أو حرب طارئة، بل ضحية بنية كاملة تُصمَّم بحيث تُضعفها، وتحدّ من خياراتها، وتُخضع جسدها وحركاتها ووجودها لرقابة مستمرّة. عنفٌ يكشف الترابط بين فكرة الدولة الأمنية المزمع تعويمها، والوضع الاقتصادي المتردّي، والقوانين التمييزية التي ما زالت تعامل المرأة مواطنةً من الدرجة الثانية؛ فضلاً عن الخطب الدعائية التي تحاصر المرأة وتحاول فرض شكل وأسلوب محدَّدين عليها، سواء في لباسها أو تحرّكاتها، بما يشكّل حلقاتٍ متشابكةً تحاصر المرأة وتعيد إنتاج هشاشتها وتكريس ضعفها.

يبدو واضحاً اليوم أن ما تعاني منه المرأة السورية لم يكن نتيجة الحرب والانهيار الاقتصادي فقط، بل ترسّخ عبر سلسلة من التراكمات التي اتخذت أشكالاً مختلفةً، من قرارات إدارية إلى حملات دعائية تجوب الشوارع وملصقات تملأ الجدران، تستهدف المرأة وحياتها وحريتها الشخصية، في محاولة لتكوين رأي عام يحابي السلطة ويشدّ على يدها ويدعمها. ولم يكن القرار أخيراً الذي صدر عن محافظة اللاذقية بمنع الموظفات في دوائر الدولة من وضع المكياج في أثناء الدوام الرسمي، مع التهديد بالمساءلة القانونية من دون أيّ سند قانوني واضح، أو القرار الصادر عن مجلس بلدية التل في ريف دمشق بضرورة ألا يكون الباعة في محالّ الألبسة النسائية رجالاً، إلا دليلاً واضحاً على تحوّل السلطة إلى جهة تتحكّم بالجسد الأنثوي: مظهره، حضوره العام، وحدود تحرّكاته، تحت مسمّيات (وذرائع) الأخلاق العامة التي تحكمها الخلفية والأيديولوجيا التي تنتهجها تلك الجهات وتستظلّ بها، وتوسيع دائرة تضييق الحريات الشخصية وفرض معايير محدّدة على السلوك والمظهر العام للمجتمع، بينما تتجاهل تلك السلطات الأزمات المعيشية والكوارث الاقتصادية التي تعيشها البلاد.

تشكّل تلك القرارات وغيرها من الممارسات التي تخصّ المرأة، التي بدأت منذ اللحظات الأولى التي أعقبت سقوط النظام في البلاد، وسيلة لإعادة ضبط المجتمع، سيّما النساء، من خلال فرض معايير سلوكية وجسدية تُعيد من خلالها إنتاج السلطة الأبوية داخل مؤسّسات الدولة، وتكرّس الخوف الذي ترافق مع وصول السلطة الحالية للحكم في سورية. حتى في أكثر المجتمعات التي عرفت تاريخياً هامشاً أوسع من الحريات الشخصية، مثل محافظات الساحل السوري، أصبحت المرأة تواجه قيوداً جديدة امتدت إلى جسدها بوصفه المجال الأكثر سهولة للضبط والخضوع، وإحياء الهيمنة الذكورية وترسيخها.

يبدو واضحاً أن السلطات في سورية لم (ولن) تتجاوز البنى الذكورية المتجذّرة في المجتمع، بل تعيد تشكيلها؛ فتتقاطع السلطة السياسية والسلطة الأبوية من خلال القرارات الإدارية المختلفة التي صدرت لتحديد مظهر النساء والسلوك “اللائق” بهن، الأمر الذي يعزّز بنية عنفية تجاه المرأة، إذ تُستخدم “الأخلاق” و”الذوق العام” أداةً للحكم ولفرض الهيمنة، ويُعاد من خلالها هندسة الحياة اليومية الخاصّة للنساء، فيتحوّل جسد المرأة “مؤسّسةً” تُدار عبر المراسيم والتعاميم والقرارات والتهديد بالعقوبات في حال المخالفة أو الاعتراض.

كثيراً ما استُخدم الجسد الأنثوي أداةً من الأطراف المتنازعة لإخضاع الطرف الآخر والضغط عليه، بالتهديد بالاعتداء والاغتصاب والقتل، وغيرها من ممارساتٍ عانت منها المرأة السورية طوال سنوات الحرب. ولن يكون تغييب المرأة عن المراكز القيادية في الدولة، وتلك القرارات المقيّدة لحياتها وحريتها، إلا امتداداً لأعراف متراكمة هدفها السيطرة على المجتمع من خلال المرأة، ليتحوّل جسدها رمزاً لحضور السلطة وتعزيزاً لقبضتها الأمنية؛ تُمارس عليه رقابتها كأيّ مجال آخر، وتعيد تشكيله بما يتوافق مع رؤيتها للنظام والأخلاق العامة التي يُعاد تعريفها هي الأخرى بالشكل الذي يرضي بعضهم، ويتماهى مع عقائدهم.

تنسجم قرارات صدرت أخيراً استهدفت النساء وسلوكهن في مؤسّسات الدولة في سورية، بما فيها تحويل الجسد ساحةً للصراع تفرض عليها السلطة مختلف أشكال الضبط والتقييد، مع ما أشار إليه ميشيل فوكو بـ”السياسة الحيوية”؛ فلا يقتصر تحكّم الدولة بالمجال العام، بل يمتدّ إلى تفاصيل الحياة اليومية من الجسد إلى السلوك والمظهر. فقرارات مثل منع المكياج للموظفات في محافظة اللاذقية وفرض سلوكيات محدّدة على الموظفات، فضلاً عن ترويج زيّ معيّن عبر حملات تجوب المدن والبلدات، ما هي إلا آلية لإنتاج السيطرة على المرأة بفرض الرقابة عليها والتحكّم بها، وهو ما أطلق عليه فوكو “تطبيع الجسد”، أي جعله خاضعاً لمعايير السلطة ورقابتها.

تنطوي القرارات التمييزية الخاصّة بالمرأة على وجه من أوجه العنف الذي ناضلت السوريات للتخلّص منه؛ إنه العنف الرمزي الذي تحدّث عنه بيير بورديو، حين تلجأ السلطة، أيّاً يكن شكلها، إلى استخدام القوة بشكل غير مباشر، عبر فرض معايير اجتماعية وثقافية تبدو لبعضهم طبيعيةً، إلا أنها تخفي في طياتها عنفاً ناعماً ضدّ النساء، يُعيد تدوير مخلفات الأعراف البالية التي ما زال بعضهم يعتنقها، من خلال استخدام كلمات مثل “الذوق العام” و”الانضباط” وغيرها لإخفاء الطابع القمعي والسلطوي الذكوري للقرار.

بهذا المعنى، تغدو أيّ قراراتٍ تحاول تقييد المرأة، سواء في حياتها الخاصة أو غيرها، تجسيداً للعنف الذي يُمارس عبر القوانين. تلك الممارسات كلّها التي تفضي إلى استبعاد المرأة ومحاصرتها جسدياً ما هي إلا محاولات لاستبعاد دورها ووجودها، سواء في البيت أو في المجتمع ككل. لذلك اعتبر نصر حامد أبو زيد “الهاجس الأساسي في كل أطروحات الخطاب الديني عن المرأة، وهو هاجس تغطيتها وسترها، تغطية العقل أولاً بحجبه عن آفاق المعرفة الحرة، وحجب وجودها الاجتماعي”.

لا يمكن الحديث عن حرية وتحرّر في ظلّ ممارسات القمع والتضييق التي تتعرّض لها المرأة السورية، من خلال محاولات السلطات “تأميم” الجسد الأنثوي وإخضاعه لضوابط ومعايير مفصّلة على مقاس مصدر تلك القرارات. والأمر كذلك؛ لن تحلم السوريات بمستقبل أكثر عدلاً وأماناً، وربّما ستخجل كثيرات منهن من المطالبة بحقّ منح الجنسية لأطفالهن، على سبيل المثال، إذا كنّ لا يمتلكن حقّ تزيين وجوههن واختيار ملابسهن.

العربي الجديد

————————————

منع المكياج في دوائر اللاذقية: بين التمييز الجندري ومخالفة النصوص القانونية/ بتول الحكيم

30 يناير 2026

أثار قرار محافظ اللاذقية منع استخدام المكياج للموظفات أثناء الدوام موجة استياء على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ اعتُبر تقييدًا للحريات الشخصية ووصايةً ذكورية على أجساد النساء. في المقابل، رأى آخرون أن مثل هذه القرارات لا تدخل ضمن صلاحيات المحافظ، ولا تصدر بهذه الصيغة، بل تُعمّم عادة عبر مدونات سلوك داخلية خاصة بالمؤسسات والدوائر على اختلافها. ورغم تداول صور لتعميم يوضح أن القرار لا يشكّل منعًا باتًا للمكياج، فإنه بقي في سياق التدخل في الحريات الشخصية، وقوبل برفض مجتمعي واسع لهذا الشكل من الوصاية.

وكانت محافظة اللاذقية قد أصدرت تعميمًا يطلب من كافة إدارات الدولة، بما يشمل مؤسساتها وهيئاتها وشركاتها، “إبلاغ جميع العاملات بعد وضع المكياج بشل نهائي خلال الدوام الرسمي”. وأوضحت مديرية الإعلام في المحافظة، في بيان منفصل، أن الهدف ليس التضييق على الموظفات، بل “تنظيم المظهر الوظيفي” ليتناسب مع طبيعة العمل الإداري والخدمي، نافية أن يكون القرار مساسًا بالحريات الشخصية أو استهدافًا لفئة معينة، مشددة على أن الغاية هي “الحفاظ على صورة المؤسسة” و”تعزيز المهنية والانضباط”، وفق البيان.

خيار فردي لا يؤثّر على النزاهة أو الكفاءة

تؤكد المديرة التنفيذية لمنظمة “عدل وتمكين”، والباحثة والمدافعة عن حقوق الإنسان، هبة عز الدين، في حديثها لموقع “الترا سوريا”، أن القرار يتعارض بشكل مباشر مع مبادئ الحرية الشخصية. وأضافت أن المكياج خيار فردي لا يؤثّر على النزاهة أو الكفاءة، ولا يمثّل عدم الالتزام الوظيفي، وحين تتدخل المؤسسة في خيارات لا تمس جوهر العمل، فإنها تتجاوز دورها التنظيمي إلى ممارسة الوصاية، مشيرةً إلى أن احترام بيئة العمل لا يعني نزع حق المرأة في التعبير عن ذاتها أو تقييد إرادتها في التحكم بجسدها.

ورأت عز الدين أن القرار يُعدّ شكلًا من أشكال التمييز الجندري، لأنه يستهدف النساء حصرًا، ويحمّل أجسادهن عبء “الصورة” و”الانضباط”، بينما لا تُفرض معايير موازية على الرجال، معتبرةً أن التمييز الجندري لا يكون دائمًا بنص مباشر، بل يظهر في الأثر العملي للقرارات عندما تكون النساء وحدهن المعنيات بها.

ووصفت عز الدين القرار بأنه “منفصل عن الواقع”، مشيرةً إلى أن صدور مثل هذا القرار، في ظل التحديات الموجّهة للنساء، والمتمثّلة في الضغوط الاقتصادية الحادة، وهشاشة فرص العمل، والأعباء الأسرية المتزايدة، يعكس انشغالًا بقضايا شكلية لا تمس جوهر المشكلات. فبدل تحسين شروط العمل أو الأجور أو الأمان الوظيفي، يُعاد توجيه النقاش إلى مظهر المرأة، وكأن المشكلة في شكلها لا في السياسات العامة.

تقييد حرية المرأة باسم “الأخلاق”

أما فيما يخص ارتباط قضايا النساء بفرض رؤى اجتماعية معيّنة، فتوضح الباحثة والمدافعة عن حقوق الإنسان أنه كثيرًا ما تُستخدم “قضايا النساء” كأدوات رمزية لفرض رؤى اجتماعية محافظة، تحت عناوين مثل “الذوق العام” أو “القيم”، ولا يكون الهدف في الواقع التنظيم، بل ضبط حضور المرأة في المجال العام وتقييد حريتها باسم الأخلاق أو الانضباط.

ولفتت عز الدين إلى أنه من المهم الإشارة إلى أن القرار صدر عن محافظ ويُطبّق حصرًا في محافظة اللاذقية، من دون وجود تعميم وطني أو سند قانوني مركزي واضح، ما يعني تجاوز الصلاحيات والإخلال بمبدأ توحيد المعايير الإدارية، وضرب مبدأ المساواة بين الموظفات في المحافظات. وأكدت أنه لا يجوز، بأي شكل من الأشكال، أن تخضع حقوق النساء لاجتهادات محلية أو قرارات فردية تختلف من منطقة إلى أخرى.7

ونوّهت المديرة التنفيذية لمنظمة “عدل وتمكين” إلى أن بدائل مثل هذه القرارات العشوائية لا يمكن أن تكون بالفوضى، وإنما باستصدار معايير مهنية واضحة وعادلة، وإقرار مدونات سلوك مهني مكتوبة تُطبّق على الجميع دون تمييز، مع التركيز على السلوك والأداء المهني لا على الشكل الخارجي، وإشراك الموظفات والموظفين في صياغة هذه السياسات، وفق معايير تحترم الكرامة الإنسانية ولا تُعرّف جندريًا. ويُضاف إلى ذلك تنظيم بيئة العمل وتحسينها للجميع، لا مراقبة النساء أو تقييدهن تحت مسميات تنظيم العمل.

قرار مخالف لنصوص الإعلان الدستوري

على مستوى القراءة القانونية لمخالفة القرار للنصوص القانونية، طالب الحقوقي المختص بحقوق الإنسان، المحامي المعتصم الكيلاني، بإلغاء القرار، استنادًا إلى مخالفته النصوص ذات الصلة من الإعلان الدستوري لعام 2025. فوفق الإعلان، تتضمن الوثيقة ضمانات أساسية للحقوق والحريات، ومنها المادة 12، التي تنص على أن الدولة تحمي حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتكفل حقوق المواطنين والحقوق والحريات الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية، وتُعد جزءًا لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري.

وأشار الحقوقي المختص بحقوق الإنسان، في حديثه لـ”الترا سوريا”، إلى أن المادة 13 تنص أيضًا على حماية الحياة الخاصة ومنع أي اعتداء عليها بغير سند قانوني، ما يؤكد أن الحقوق الشخصية والحريات المكفولة دستوريًا تشمل الحماية من تدخل الدولة أو الإدارة في الحياة الخاصة للمواطن، من دون أساس قانوني واضح وضروري.

وأضاف الكيلاني أن القرار مخالف لنصوص القانون السوري ذات الصلة بسياق العمل والمظهر الشخصي. فوفق قانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010، تنص المادة 2 على أن أي تمييز أو إجراء يتعارض مع حرية العامل الشخصية، بما في ذلك الزي أو أسلوب اللباس، في علاقة العمل من دون سند موضوعي، يُعدّ تمييزًا غير مشروع، إلا إذا كان مبنيًا على معايير موضوعية تتعلق بطبيعة العمل نفسها أو ما يفرضه القانون. وعليه، لا يجوز لصاحب العمل فرض قواعد تتعلق بشؤون شخصية غير متصلة مباشرة بطبيعة العمل، إلا إذا نص عليها قانون أو نظام واضح.

تقييد الحرية الشخصية دون مبرر قانوني

يشترط القانون، وفقًا للكيلاني، أن تكون الإجراءات التنظيمية والأحكام المتعلقة بنظم العمل والزي داخل المنشآت مبنية على شروط موضوعية ومكتوبة في نظام العمل أو العقد، ولا يجوز إدراج ما يخالف حرية العامل الشخصية أو يشكّل مضايقة غير مبررة.

وأوضح الكيلاني أن القرار يفتقد إلى سند قانوني واضح في الدستور أو القوانين السورية، إذ يقيّد الحرية الشخصية والمظهر من دون ضرورة موضوعية أو مبرر قانوني، وقد يشكّل تمييزًا في بيئة العمل إذا لم يرتكز على معايير موضوعية، كما يتعارض مع المعايير الدولية للحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بالخصوصية والتعبير، ما لم يُعدّل أو يُبرّر قانونيًا.

وحول النص التبريري الذي صدر لتوضيح القرار، قال الكيلاني إن ما ورد فيه من ادعاء عدم التضييق على الحرية الشخصية يتناقض مع الواقع، إذ إن منع المكياج يُعد تقييدًا مباشرًا للمظهر الشخصي. ووفقًا لمبادئ القانون الإداري وحقوق الإنسان، لا يمكن للإدارة فرض قيود على المظهر الشخصي إلا استنادًا إلى أساس قانوني واضح وصريح ومبرر، يرتبط بحماية النظام العام أو سلامته.

واعتبر الكيلاني أن التوضيح الصادر لتبرير القرار “تعسفي” وغير متناسب، حتى لو كانت الجهة التي أصدرته ترى ضرورة التنظيم، إذ تتطلب القواعد القانونية تحقيق التناسب بين التدخل والهدف. غير أن التبرير لا يثبت هذا التناسب ولا يوضح الضرورة، بل يسوّغ قرارًا محدودًا بلغة عامة ومرنة.

وختم الكيلاني حديثه لـ”الترا سوريا” بالتأكيد على أنه لا يمكن أن تُبنى القرارات الإدارية، ولا سيما تلك التي تمس الجسد والخيارات الشخصية، وفقًا لأهواء فردية أو تصورات أخلاقية ذاتية، بل يجب أن تخضع لقوانين واضحة وناظمة، مكتوبة ومعلنة، تضمن المساواة وتمنع التمييز. وأضاف أنه حين تُترك مثل هذه القرارات للتقدير الشخصي، تتحول من تنظيم إداري إلى ممارسة سلطوية، ومن إدارة للمؤسسات إلى وصاية على الأفراد، وهو ما يقوّض الثقة ويضرب جوهر العدالة المهنية.

الترا سوريا

————————–

 أحمر الشفاه: السحر الاغواء الخداع الاحتجاج/ محمد حجيري

الأحد 2026/02/01

خلال معارك شرق الفرات في سوريا، رأيت صورة لأسيرة كردية نشرت في “المدن”، مقاتلة وتضع أحمر شفاه، بدت لي الصورة غريبة نوعاً، مقاتلة تجمع بين السلاح وذلك الطلاء على الشفتين الذي يدلّ على انوثة صارخة في خضم المعارك، وبعد أيام على الصورة التي يحسبها المرء تمثيلاً، دخلت منطقة اللاذقية في بلبلة، بعد منع المحافظ الموظفات من وضع مساحيق التجميل وأحمر شفاه أثناء الدوام. خرجت وسائل التواصل الاجتماعي بحملة عفوية بعنوان “رح حط حمرا”، (أحمر الشفاه)، شاركت فيها سوريات من داخل البلاد وخارجها بمقاطع قصيرة تظهر وضع أحمر الشفاه وصور شخصية لمكياج كامل وصورة قلم حمرة. والحال أن الأحمر شفاف مرّ بتاريخ مضطرب. قد يكون أحد أقوى رموز الجمال الأنثوي والإثارة، لكنّ هذه القوة التي يمتلكها أدّت إلى تنظيم لون الشفاه الأحمر وإدانته في مناسبات عديدة بتهمة “خداع الرجال” و”تقويض الفوارق الطبقية”. 

وبعض النظر عن أصل الأحمر شفاه وفصله، سواء أكان من بلاد السومريين أو من بلاد النيل أو من بلاد فارس، ويمكن رصد تاريخه المضطرب من العصور الوسطى (من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر الميلادي)، إذ تشعبت شعبية استخدام أحمر الشفاه في أوروبا بين القبول والرفض، وذلك بسبب محاولات الجماعات الدينية المختلفة لإدانة المكياج باعتباره “تحديًا لله ولخلقه”.  كما استُخدم أحمر الشفاه خلال هذه الفترة لتمييز الطبقات الاجتماعية، كما في عادة سيدات المجتمع الإيطالي في القرن الثالث عشر الميلادي.

عصر النهضة

على الرغم من أن القساوسة الإنكليز في القرن السادس عشر حاولوا التنديد بتلوين الشفاه ووصفه بأنه “عمل شيطاني”، إلا أن ذلك لم يمنع الملكة إليزابيث الأولى من استخدام مزيج من القرمز والصمغ العربي وبياض البيض وحليب التين، مما جعل الشفاه القرمزية أحد العناصر الأساسية في أزياء العصر الإليزابيثي.  وفي القرن السابع عشر، استمر رجال الدين في محاربة ما اعتبروه “خطيئة” تلوين الشفاه، بينما استمر المواطنون الإنكليز في استخدام درجات مختلفة من اللون الأحمر للتمييز بين الطبقات الاجتماعية.

العام 1770، أصدرت الحكومة البريطانية قانونًا يُجرّم استخدام أحمر الشفاه رسميًا، استنادًا إلى أن “النساء اللواتي يُدانْنَ بإغواء الرجال للزواج باستخدام مستحضرات التجميل يُمكن محاكمتهنّ بتهمة السحر”. أما مستحضرات التجميل الثقيلة، مثل أحمر الشفاه الأحمر، فكانت مخصصة فقط لنساء الليل. ومثل إنكلترا، حمت بعض الولايات الأميركية الرجال أيضًا من “خداع” أحمر الشفاه، إذ سمحت بإبطال الزواج إذا استخدمت الزوجة لون الشفاه خلال فترة الخطوبة. لكن، كان الأثرياء في فرنسا منشغلين بممارسة الجنس  في القرن الثامن عشر لدرجة أنهم لم يهتموا بالسحر. هناك، كان يُشجع نساء الطبقة العليا على وضع أحمر الشفاه، إذ كانت النساء اللواتي لا يضعن المكياج يُنظر إليهن على أنهن فلاحات وبغايا.

فكتوريا وقلة الأدب

تراجعت شعبية تلوين الشفاه خلال معظم القرن التاسع عشر بسبب تأثير الملكة فيكتوريا التي اعتبرت أحمر شفاه قلة أدب وعلامة على قلة الاحترام ويرتبط بالعاهرات. مع ذلك، يرى بعض المؤرخين أن ستينيات القرن التاسع عشر شهدت بداية انتعاش استخدام مستحضرات التجميل عالميًا. حققت ماركة التجميل الباريسية “غيرلان” نجاحًا تجاريًا كبيرًا لأول أحمر شفاه لها، والذي كان مصنوعًا من الجريب فروت الممزوج بالزبدة والشمع. العام 1884 أنتج أحمر شفاه مصنوع من شحم الغزلان وشمع العسل وزيت الخروع الذي تم لفه بعد ذلك بورق حريري. ولأن وضع أحمر الشفاه كان لا يزال يُعتبر أمرًا يُمارس في سرية تامة، أثارت الممثلة المسرحية سارة برنارد ضجة كبيرة بوضعها أحمر الشفاه علنًا في أواخر القرن التاسع عشر.

مع مطلع القرن العشرين، أصبح استخدام المكياج مقبولاً اجتماعياً. ووفقاً لمادلين مارش، مؤلفة كتاب “المساحيق التجميلية ومستحضرات التجميل”، فإن أول وأشهر ظهور لأحمر الشفاه كان عندما خرجت المناصرات لحق المرأة في التصويت إلى شوارع نيويورك عام 1912 وهنّ يضعن أحمر شفاه أحمر فاقعاً. ودافعت إليزابيث اردن، سيدة أعمال كندية. أيضاً عن حقوق المرأة، فقررت توزيع أنابيب أحمر شفاه أحمر فاقع على المتظاهرات. وكان التأثير بالغاً حين هتفت نحو 15 ألف امرأة بشفاه حمراء “مُستفزة” بشعارات. واستلهاماً من هذا المثال، بدأت ناشطات حقوق المرأة في أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا أيضاً باستخدام أحمر الشفاه في مسيراتهن. منذ تلك اللحظة، أصبح أحمر الشفاه الأحمر رمزًا غير رسمي لحركة المطالبة بحق المرأة في التصويت – على الأقل بالنسبة للنساء البيض. إذا كان وضع المكياج في منتصف عشرينيات القرن الماضي يُعتبر خطوة جريئة، فقد تغير كل شيء في ثلاثينيات القرن نفسه. فقد رسّخت هوليوود موضة أحمر الشفاه الزاهي، وأصبح نجوم السينما وخبراء التجميل يتشاركون بشكل متزايد منتجاتهم المفضلة ونصائحهم الجمالية في مجلات نمط الحياة.

ازداد عدد النساء العاملات، وازدادت استقلاليتهن. كما أصبحت مستحضرات التجميل أكثر تنوعًا. في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، كتبت مجلات نسائية أن “الجمال جزء من العمل”، وأن “الذكاء والشهادات والطموح لا قيمة لها بدون مظهر جذاب”.

هتلر الجنس الآري

كان أحمر الشفاه رمزًا لنضال المرأة من أجل حقوقها، وخلال الحرب العالمية الثانية أصبح أيضًا رمزا للحرية في أميركا وسلاحًا للانتصار على النازية، حيث كان هتلر يكرهه. وفقاً لسارة شيفر، مؤلفة كتاب “أحمر الشفاه: قصيدة لأيقونة الجمال”، كان هتلر يكره أحمر الشفاه ومنع النساء في ألمانيا من استخدامه، ولعلماء النفس أطروحات عديدة تتعلّق بالسبب الذي يجعله كارهاً لشيء لطيف كالروج، منها ما يتعلّق بعجزه الجنسي أو بمعاناته من خيانة إحدى الحبيبات الأول، وبالتالي أصبح وضع الروج في تلك الفترة نوعاً من مقاومة النازية ولاحقاً مقاومة السلطة الأبوية، فالبعض يقاوم الطغيان بأن يكون أكثر جمالاً فحسب، وبسبب من غلاء المواد المصنعة له في فترة الحرب العالمية الثانية، بدأت النساء باستخدام الشوندر الأحمر. ومنذ عام 1941، أصبح أحمر الشفاه إلزاميًا للنساء اللواتي انضممن إلى الجيش الأميركي. قررت لجنة الإنتاج الصناعي العسكري في البداية وقف إنتاج مستحضرات التجميل. لكنها سرعان ما عدلت عن قرارها وأعلنت أن مستحضرات التجميل “ليست ضرورية فحسب، بل حيوية أيضاً”. ثم جاء العصر الذهبي لإليزابيث أردن، التي وزعت قبل 30 عاماً، على مسؤوليتها الشخصية، أحمر الشفاه الأحمر على المناصرات لحق المرأة في التصويت.

 وفي بريطانيا، شجّع رئيس الوزراء ونستون تشرشل على استخدام أحمر الشفاه ورأى أنه يرفع المعنويات بشكلٍ ممتاز. وفي نهاية المطاف، الانتصار على النازية. وقد ساهم هتلر نفسه في ذلك. فعندما تولى منصب المستشار عام 1933، قرر حزبه النازي أن المرأة الألمانية المثالية لا ينبغي لها استخدام مستحضرات التجميل على الإطلاق، زاعمين أن جمالها الطبيعي “الآري” كافٍ. وبالمثل، لم يُنصح النساء الألمانيات بارتداء المجوهرات والعطور والفراء والسراويل. وكان حليف الفوهرر، زعيم الفاشيين الإيطاليين، موسوليني، لديه أيضًا موقف سلبي تجاه المكياج. وفي حربهم على النازية أطلق المسؤولون البريطانيون حملة دعائية واسعة النطاق تحت شعارات مثل “الجمال واجبكِ” و”أحمر الشفاه سلاحكِ وأنتِ جنديات في المؤخرة”. في ذلك الوقت حققت نجاحًا باهرًا لدرجة أن أحمر الشفاه أصبح رمزًا للعصيان حتى في الأراضي الأوروبية التي احتلتها النازية.

وظل أحمر الشفاه سلاحاً خفياً بعد الحرب العالمية الثانية. وخلال الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفيتي، استُخدم كرمز لحقيقة أن الشيوعية متأخرة كثيراً في إنتاج وتوفير السلع الاستهلاكية.

مارلين مونرو واخواتها

في الخمسينيات، أصبح أحمر الشفاه رمزاً أنثوياً صارخاً وجذاباً، أعاد للمرأة الثقة بجمالها وارتبط بنجمات هوليوود مثل مارلين مونرو وإليزابيث تايلور وغرايس كيلي وأودري هيبورن وغيرهن…. والأخيرة قالت ذات مرة “إن كل امرأة يجب أن يكون لها أحمر شفاه بلون خاص بها”. وتايلور عشقت أحمر الشفاه إلى درجة طلبت أن لا يضع أي شخص آخر من طاقم أفلامها اللون الأحمر على الشفاه، كانت معروفة بقولها: “اسكبي لنفسك كأسا، ضعي أحمر شفاه. واستعيدي معنوياتك”. وعبّرت كوكو شانيل عن اهتمامها بجمال شفتيّ المرأة اللّتين تترجمان ما في قلبها من دون الحاجة إلى الكلام، فقالت: “إذا كنّا نوافق على أنّ العينين هما مرآة الروح، فلِم لا نعترف أيضاً بأنّ الشفتين ناطقتان باسم القلب؟”، صنعت لها أحمر شفاهٍ ثوريّاً خضّ عالم الجمال في الخمسينيّات، انضمّ إلى رموز دار CHANEL وأصبح يُعرف باسم Rouge Coco. عشق كوكو شانيل لأحمر الشفاه دفعها للتفكير في ابتكارٍ يسهّل حياة النساء.

العام 1951، أطلقت رائدة الأعمال كارمن مورفي خطها الخاص من مستحضرات التجميل، “كارمن كوزمتكس”، نظرًا لقلّة المنتجات المتاحة للنساء ذوات البشرة الداكنة. ويعتقد المؤرخون أن مورفي ابتكرت أحد أوائل خطوط التجميل المملوكة لأميركيات من أصل أفريقي والتي تُناسب جميع ألوان البشرة.

في العديد من إعلانات مستحضرات التجميل في ستينيات القرن الماضي، تظهر النساء بأحمر شفاه أحمر. وشهدت المرحلة انخفاضًا كبيرًا في شعبية أحمر الشفاه، وذلك بسبب تفضيل ألوان الشفاه المحايدة في موضة “مود”، وروتين الجمال الطبيعي الذي شاع في ثقافة الهيبيز. عاد أحمر الشفاه مرة أخرى رمزاً للتمرد لكن بطريقة مُختلفة، فحركات الهيبيز والمساواة تظاهرت ضد المكياج والحمرة وتنميط إطلالة المرأة، لذا اختفى قليلاً وزاد الاعتماد على مُرطبات الشفاه الملونة، في الوقت نفسه، نددت بعض الجماعات النسوية بأحمر الشفاه، معتبرةً إياه وسيلةً لإمتاع الرجال فقط. (تغيرت هذه النظرة في أواخر تسعينيات القرن العشرين، عندما شجعت الموجة الثالثة من الحركة النسوية، أو ما يُعرف بـ”نسوية أحمر الشفاه”، النساء على الاستمتاع بأنوثتهن وجاذبيتهن في مواجهة القمع الأبوي).

مع ظهور سحر عصر الديسكو، عادت الشفاه الحمراء اللامعة إلى عالم الموضة الراقية. وشهدتْ ثقافات موسيقى الروك أيضاً ازدياداً في استخدام الرجال لأحمر الشفاه، مع أن هذا لم يكن جديداً: فقد كان الرجال المصريون يلونون شفاههم قبل آلاف السنين من استخدام ديفيد باوي له وجورج واشنطن أيضاً.

شهدت ثمانينيات القرن الماضي رواجاً كبيراً للشفاه الحمراء الفاقعة، ولعلّ أشهرها شفاه المغنية الأميركية مادونا في بداياتها. إلا أن نهاية العقد وبداية التسعينيات شهدت توجهاً قوياً نحو درجات أحمر الشفاه الهادئة، فضلاً عن وفرة من درجات اللون البني.

مع اقتراب نهاية الألفية، فضّلت معظم النساء أحمر الشفاه الذي يتناسب مع مزاجهن ومظهرهن على اتباع الموضة. كان غلوس الشفاه البرّاق والغليترز بألوانه الزاهية هو الصيحة الأهم للنجمات مثل بريتني سبيرز وكريستينا أغيليرا وغيرهن. أصبح أحمر الشفاه الأحمر جزءًا لا يتجزأ من ثقافة البوب، حيث سجلت فنانات مثل ريهانا أغاني تحمل عنوان “أحمر شفاه”، وكتبت مؤلفات أغاني مثل تايلور سويفت كلمات أيقونية مثل: “لديّ ذلك اللون الأحمر للشفاه، إنه اللون الكلاسيكي الذي يعجبك”. وذات مرة تحدّت الأميركية أوكاسيو كورتيز الثقافة النمطية وأعطت اللون الأحمر معنىً آخر، فبدلا من أن يكون معياراً لخضوع النساء، جعلته مقياساً لقوتهنّ؛ فتقول: “من الأسباب التي جعلتني أستخدم أحمر شفاه في الانتخابات التمهيدية للمرة الأولى، إدراكي أن أفضل طريقة لأبدو متماسكة هي استخدام لون حمرة قوي”.

لا يزال أحمر الشفاه رمزًاً للاحتجاج. العام 2018، قامت نساء، بل وحتى رجال، من نيكاراغوا بتلوين شفاههم بأحمر الشفاه ونشروا صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي احتجاجًا على دكتاتورية الرئيس دانيال أورتيغا. بدأ كل شيء بناشطة اعتُقلت في مظاهرة، حيث عرضت على زميلاتها في السكن في القبو وضع أحمر الشفاه، الذي لم يُصادر أثناء التفتيش. العام 2019، في تشيلي، خرجت نحو عشرة آلاف امرأة إلى الشوارع معصوبات الأعين بشفاه حمراء، احتجاجًا على العنف الجنسي. ولاحقًا، تكررت تحركات مماثلة في دول أخرى. وفي كوريا الشمالية، أصبح أحمر الشفاه والمكياج وتسريحات الشعر غير التقليدية من رموز مقاومة الشباب للدولة.

(*) استلت معلومات هذه المقالة من مصادر مختلفة ومتعددة

——————————-

================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى