حسّان البلخي… الرجل الذي “مات” 6 مرات في سوريا/ عمّار المأمون

29.01.2026
حسّان البلخي، واحد من آلاف المفقودين والمختفين قسراً في سوريا، رفضت أسرته توفيته قبل سقوط نظام الأسد، علماً أنهم وجدوا صورته ضمن “صور قيصر” التي سُرّبت عام 2015. اليوم بعد سقوط نظام الأسد، اتخذت الأسرة قرار استخراج شهادة الوفاة، لتكتشف أن ابنها، وُفّي عبر الإجراءات القانونيّة المتبعة ذاتها في عهد النظام، أي تمت توفية حسان كـ”غائب”، ولم يتم الاعتراف بمقتله تحت التعذيب، ولم يتم اعتباره “شهيداً”.
حسّان البلخي نموذج لآلاف الأشخاص الذين تحولت حياتهم ووفاتهم إلى ملف إداري معلّق بين أجهزة الأمن والمحاكم الشرعية ودفاتر النفوس ومكاتب المحامين.
في بلدٍ جعلت فيه الحربُ الموتَ حدثًا يتكرر مثل إجراء حكومي، “مات” حسّان ست مرات: أولاً في المعتقل، ثم في قصاصات الورق الأمنية، ثم في صور قيصر، ثم في عزاءٍ لم يشهده أحد، ثم في الإجراءات الشرعية التي وصفته بـ”الغائب”، وأخيرًا في شهادة وفاة لا تقول كيف مات ولا أين دُفن ولا من قتله.
بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2025، اكتشفت أسرة حسّان أنّ القانون الذي استخدمته أجهزة النظام السابق لتبرئة نفسها من التعذيب هو ذاته الذي استخدمته المحاكم الجديدة لنظام ما بعد الأسد لإعلان وفاته.
هكذا يستمر الغياب مرة أخرى: لا جثة، لا سبب وفاة، لا اعتراف بالشهادة، ولا أثر لإحدى أبشع جرائم الحرب، وهي الإخفاء القسري.
قصة حسّان تطرح سؤالًا يتجاوز العائلة: كيف يُحصى الموت في بلدٍ قُتل فيه عشرات الآلاف خارج القانون؟ ومن يقرر الموت: القاضي أم العائلة أم الجثة أم الصورة؟ وما هو مصير العدالة الانتقالية حين يتولى موظفون إدارة الموت عبر أوراق رسمية وغياب قوانين جديدة؟
“درج” تتبع قصة حسان والتقى عائلته.
==
وُلد حسان علي البلخي في دمشق عام 1977، حسان بالأصل من درعا، وخريج معهد متوسط إلكترون، وعمل كموظف في مطار دمشق الدولي، حيث كان مسؤولاً عن التدقيق الأمني في الحقائب وراء شاشة الكمبيوتر.
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، انخرط حسان في النشاط المدني، فعمل في نقل المساعدات إلى المناطق التي حاصرها النظام في درعا، كما ساهم في تجهيز مستشفيات ميدانيّة، وساهم عام 2012 في انشقاق رياض حجاب، رئيس الوزراء السابق في عهد الأسد.
يخبرنا أخوه، حسام البلخي، في مقابلة مع “درج” أنه بعد تسريب خبر مساعدة حسّان في انشقاق رياض حجاب، ذهب حسان إلى الأردن، ثم عاد بعد شهر ليتابع نشاطه، فوصلته تهديدات متعددة، وقبل اعتقاله بثلاثة أيام، نصح حسام أخاه بأن يغادر سوريا، فأجابه: “أنا مشروع شهيد”.
الموت الأول
في 19/02/2013 كان حسان في منزل والده في ضاحية دمشق (ضاحية الأسد سابقاً)، حين دُهم البيت، يومها اعتقل حسّان وصودر من المنزل كمبيوتران، و4 موبايلات وهاتف ثريا، هذه التفاصيل شهد عليها حاجب البناء الذي يسكنه، والذي أكد أن حسان كان مستهدفاً بالاعتقال، أي لم يُعتقل ضمن تفتيش اعتيادي، كون عناصر الأمن توجهوا إلى شقته مباشرة.
كحال آلاف الذين اعتقلتهم أجهزة أمن النظام السوري، اختفى حسّان، وبدأت رحلة البحث عنه. يخبرنا حسام كيف بحثت والدته المُسنة بين الأفرع الأمنية في دمشق، التي أنكرت وجود حسّان، رحلة عذاب طويلة، انتهت بالتعامل مع محامٍ، وعدهم بالحصول على “إخلاء سبيل” مقابل 25 ألف دولار.
تمكنت العائلة من تأمين المبلغ، لكن المحامي “سرق النقود وبدأ يتهرب منا” حسب تعبير حسام، الذي أضاف: “لم يختف المحامي لأنه كان مدعوماً من الأفرع الأمنيّة”، سمسار آخر من “سماسرة المعتقلين” الذين حولوا أمل أهالي المُعتقلين والمختفين قسراً إلى تجارة، سواء بصورة مستقلة، أو بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، التي جمعت نحو 900 مليون دولار.
الموت الثاني
فقدت أسرة حسام البلخي نحو 40 شخصاً في أفرع نظام الأسد، مع ذلك لم تفقد الأمل في إيجاد حسان، واستمر البحث حتى آذار/ مارس عام 2015، حين تمكنت والدة حسّان من مراجعة الشرطة العسكرية في القابون. هناك، وبمحض المصادفة، “حنّ” أحد المساعدين على والدة حسّان، وأخرج الملف الخاص بابنها، واقتطع ورقة من رزنامة، بحجم نصف كفّ اليد، وكتب عليها مصير ابنها.
كتب المساعد على الورقة أن على والدة حسان مراجعة مستشفى المجتهد في دمشق، للحصول على وثيقة الوفاة، وأن حسان توفي في 12/10/2013، أي بعد 8 أشهر تقريباً من تاريخ اعتقاله.
يقول حسام، إنه حين صودرت أغراض حسّان الشخصية (الهوية، جواز السفر…الخ) يوم اعتقاله، كانت بينها حقيبة جلدية تحوي مفاتيح متعددة، وفي الشرطة العسكرية، إلى جانب (ورقة الوفاة) المكتوبة بخط اليد، سلّم المساعد والدة حسان “مقتنياته الشخصية”، وهي عبارة عن “كومة من حديد”، في إشارة إلى المفاتيح. حينها، قالت والدة حسان للمساعد الذي سلمها المفاتيح: ” أخذتوا ابني وصهرتوه بالحديد، ورجعتو بس كومة حديد، روحوا الله لا يسامحكم”.
بعد هذا “الخبر”، تعرض والد حسان وحسام لأزمة نفسية شديدة، فلا شهادة وفاة رسمية، ولا جثة، مجرد قصاصة ورق بدون سبب للوفاة، في تلك الفترة، كان النظام السوري يمتنع عن إعطاء شهادات وفاة، وفي حال تم ذلك، كان سبب الوفاة يسجّل بـ”ذبحة قلبية” أو “وفاة طبيعية” كما كشفت تحقيقات استقصائية وتقارير دوليّة عدة.
رفضت أسرة حسّان استخراج وثيقة وفاة رسمية، يقول حسام : “رفضنا حينها أن نعطي صكّ غفران للنظام بأنه لم يكن سبب وفاة حسان”، في الوقت ذاته، كان هناك أمل بأنه ما زال حياً، إذ كانت تتداول حكايات حينها، أن بعض من حصلوا على شهادة وفاة رسمية لمعتقلين في أفرع الأمن، تبين لاحقاً أنهم أحياء.
الموت الثالث
بالتزامن مع رحلة أم حسان للبحث عن ابنها، تسربت صور قيصر، ونُشرت للعلن، آلاف الصور لمعتقلين قضوا تحت التعذيب، تسريب الصور شكّل أملاً ورعباً في الوقت ذاته للكثير من السوريين، فكل من فقد قريباً دخل في رحلة بحث طويلة بين الصور، عائلة حسان واحدة من هؤلاء الذي أمضوا أشهراً يقلّبون بين صور الجثث.
يقول حسام إن البحث بين الصور “كان أشبه بسكين يطعن في القلب… سكين يغرز بين كل صورة وصورة”، فكل وجه يفتح الاحتمالات على إيجاد فقيد أو معتقل، وفي إحدى الليالي يخبرنا حسام أن أخاه في السعودية أرسل له صورة، شاهدها حسام، لكن وعيه لم يتقبل أن من في الصورة هو حسان، أنكر في البداية بسبب الأمل، ثم تأكّد: “هذا أخي”.
راسل حسام الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي (SAFMCD) وقدم لها معلومات عن أخيه وصوراً قديمة له، فتجاوبت الجمعية، وأرسلت له 4 صور. رأى جثة أخيه، شبه عار، وآثار التعذيب على جسده. تمكنت الأسرة من مطابقة الأسنان في الصورة مع صورة قديمة لأسنان أخيه، وتيقنوا أن الجثة تعود إلى حسان بنسبة 90 إلى 95 بالمئة، النسبة القليلة الباقية ظلت لفترة طويلة تدللّ الأمل لدى الأسرة.
رفضاً لتبرئة نظام الأسد، لم تستخرج الأسرة شهادة وفاة رسمية، وأقامت عزاءً متواضعاً في منزل الأب الذي اعتُقل منه حسان. لم يحضر أي أحد من الجيران، في حين فتحت الأسرة صالات عزاء في السعودية والأردن.
الموت الرابع
توفي والد حسام وحسان عام 2023، قبل سقوط النظام، كان حلمه أن يرى سقوط الأسد وسوريا حرّة، ومحاكمة من اعتقلوا أفراد أسرته، إذ فقد ابنه وأخاه، وأبناء أخيه الستة، ووجدت الأسرة نفسها أمام معاملة حصر الإرث، وهنا أُعيد طرح السؤال، هل تقوم الأسرة بتوفية حسّان أم لا؟.
مرة أخرى، رفضت الأسرة التوفية واستخراج شهادة وفاة، كي لا تبرّئ النظام من مقتل ابنها، واتفقت على أن يبقى حسّان “حياً” في الأوراق الرسمية، ويتم حصر الإرث بناء على ذلك.
الموت الخامس
سقط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر عام 2024 وفتحت المعتقلات، وبدأت مؤسسات الدولة تعود إلى العمل بصورة ما، وبدأ أخوة حسّان زيارة سوريا بعد 13 عاماً من المنفى، وهنا قررت الأسرة أن تستعيد حقوق ابنها وتسجيل وفاته قانونياً.
في إزرع في درعا، وكّلت الأسرة محامياً مقابل أجر مقداره 150 دولاراً، مبلغ يصفه حسام بأنه كبير بالنسبة الى أي أسرة في سوريا ذات دخل محدود، خصوصاً أن 90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر حسب آخر الإحصاءات، وبعدما تسلم المحامي “القضية” بدأت الصعوبات القانونية، إذ لا يمكن توفية حسان رسمياً إلا عبر اعتباره “غائباً”، حسبماً أكد القاضي الشرعي لحسام وأسرته.
أسلوب التوفية هذا يستند إلى إجراءات قانونية عدة اتبعها نظام الأسد لدفع تهمة القتل تحت التعذيب عن مؤسساته الأمنية، الممارسة التي أشارت إليها تقارير حقوقية عدة، هذا الأسلوب في “التوفية” يستند بداية إلى القرار رقم 315 بتاريخ 2016 الصادر عن بشار الأسد، والذي يعتبر الأراضي السورية “مناطق عمليات حربية منذ تاريخ 15/3/2011″، ثم الاستناد إلى التعميم رقم 22، الذي أصدرته وزارة العدل التابعة للنظام عام 2022 القاضي بـ”تحديد إجراءات سير الدعاوي الخاصة بتثبيت الوفاة ضمن المحاكم الشرعيّة”، التي تتضمن الحصول على “موافقة أمنية”.
تثبيت الوفاة يتم بناء على المادة “205” من قانون الأحوال الشخصية، التي تنص على” الحكم بموت المفقود بسبب العمليات الحربية أو الحالات المماثلة المنصوص عليها في القوانين العسكرية النافذة، والتي يغلب عليه فيها الهلاك، وذلك بعد أربع سنوات من تاريخ فقدانه”.
الشبكة السورية لحقوق الإنسان وفي تقرير صادر عام 2022، وصلت إلى نتيجة مفادها أن التعميم رقم 22 “يفتح الباب أمام ذوي الضحايا لتوفية أبنائهم، ولكن ذلك يتم بإشراف ومراقبة الأجهزة الأمنية، وعبر ذكر سبب غير حقيقي للوفاة، فيستحيل إعطاء شهادة وفاة مذكور فيها أن النظام السوري اعتقل أحد الضحايا ومات بسبب التعذيب داخل مراكز الاحتجاز التابعة له، أو أن أحد الضحايا قتل بسبب قصف النظام السوري بالبراميل المتفجرة أو الأسلحة الكيميائية”.
بدأت أسرة حسان بالعملية القانونية لاستخراج شهادة الوفاة لدى القاضي الشرعي في إزرع، وصاغت حسب حسام ضبط شرطة يشرح حكاية اعتقال حسان كاملة، والصورة المسربة من وثائق قيصر، أي قدمت الأسرة الحكاية المكتوبة أعلاه، وبعد انتهاء المعاملة القانونيّة والدعوى القضائية، حصلت الأسرة على قرار القاضي الشرعي، وهنا كانت المفاجأة.
قرار القاضي كان بناء على القرار رقم 315 بتاريخ 2016 الصادر عن بشار الأسد، وأحكام التعميم رقم 22 الصادر عن وزارة العدل من النظام السوري، وأحكام المادة 205 التي استخدمها نظام الأسد لتوفية المفقودين/ المعتقلين، إذ نقرأ في قرار القاضي الشرعي أن حسان اعتُبر “ميتاً من اليوم التالي لمرور 4 سنوات على فقدانه”، وذلك بعد الحصول على “بيان حركة” للتأكد من أنه لم يغادر البلاد، ناهيك بأن قرار القاضي جاء فيه أن حسان بتاريخ 19/2/2013 “خرج من منزله قاصداً عمله ولم يعد إليه على رغم تحرير البلاد والسجون، وأن عناصر النظام البائد اعتقلته”، بالتالي “اعتباره بحكم الميت”، وتمت توفيته رسمياً في 20/2/2017.
الموت السادس
مفارقات كثيرة يحويها قرار القاضي بتوفية حسان، أولها الاعتماد على تقنية قانونية كان يستخدمها نظام الأسد، خصوصاً التعميم رقم 22 الذي وصفته الشبكة السورية لحقوق الإنسان حين صدوره بأنه يدفع الأهالي أنفسهم الى “تسـجيل أقربائهـم علـى أنهـم قـد توفـوا، وأن يتنازلـوا عـن معرفـة كيـف ماتـوا، ومـن قـام بقتلهـم، ومتـى، وأيـن هـي جثتهـم”.
ناهيك باستخدام عبارة “القائد العام للجيش والقوات المسلحة”، وأيضاً غياب حكاية الاعتقال من القرار، وصورة قيصر، واعتبار حسان مفقوداً توفي بعد 4 سنوات من تاريخ غيابه، وعدم ذكر أنه قُتل تحت التعذيب، والأهم من وجهة نظر حسام أنه لم يعتبر “شهيداً”، الممارسة التي وصفها بـ”تبرئة لنظام الأسد مرة ثانية”.
ما يلفت الانتباه أيضاً أن خلاصة ضبط الشرطة جاء فيها أن التحقيق في وفاة حسان سببه “خطفه من عناصر النظام البائد واختفاؤه في سجون النظام البائد عام 2013″، الحكاية التي يؤكدها الشهود في الضبط الذي “لم يعثروا فيه على أي دليل على وجوده حي”، وأنه “فقد من المنزل في ضاحية الأسد حيث تم اعتقاله”، في حين جاء في قرار القاضي أنه “خرج من منزله” ولم يعد، و”الشائع أن عناصر النظام البائد اعتقلوه”.
هذه الاختلافات البسيطة في العملية القانونية والإجراءات الجنائية وغياب الحديث عن صورة قيصر يعلق عليها حسام قائلاً :”القرار نفسه يناقض نفسه، يقول نظام الأسد البائد ثم مراسيم بشار الأسد”، ويضيف أثناء حديثنا معه “هكذا قتلوا أخي مرة ثانية، هذه إهانة، لم يتم التعامل مع حسان كحالة خاصة لا هو ولا باقي المختفين قسراً، الذين قررت أسرهم توفيتهم، ولم يتم احتسابه شهيداً”.
عملت الأسرة بعدها على استخراج شهادة وفاة رسمية من النفوس، وهناك طلبوا منهم هوية حسان الشخصية، تلك التي ذكر بوضوح في محضر الشرطة، أن أمن الأسد أخذها حين اعتقل حسان، لكنهم رفضوا في النفوس هذا التبرير. يقول حسام: “إنها إهانة، رفضوا إعطاءنا شهادة الوفاة إلا في حال اسحصلنا على ضبط شرطة يثبت فقدان الهويّة، وذلك كي يتم تسجيل حسان في النفوس كميت، هذه الإجراءات الروتينية والبيروقراطيّة مذلّة”.
استخرجت الأسرة نهايةً شهادة الوفاة، التي لم تذكر سبب الوفاة، وجاء أن مكان الوفاة “ضاحية الأسد”، أي لم تعتمد التسمية الجديدة للحيّ، ومصدر الحكم “محكمة شرعية” بـ”قرار قضائي”.
إضافة إلى كلّ ما سبق، يخبرنا حسام عن الصعوبات التي واجهت الأسرة، خصوصاً والدة حسان التي تابعت القضية بنفسها، مشيراً إلى مصاريف المواصلات، وتكاليف “الرسوم” والتعب الجسدي، والأهم حسب قوله :”العذاب النفسي للحصول على ورقة فيها إهانة لابنها…”.
رأسمال الموت
بعد سقوط النظام، وإفراغ معتقلات الأسد، أعلنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن عدد المفقودين والمختفين قسراً في عهد الأسد وصل إلى الـ112 ألفاً، هكذا رقم يخفي وراءه في حال بدأ مسار العدالة الانتقالية، تساؤلات حول كلفة المعاملات الإدارية والقانونية لحسم مصير المختفين قسراً والمفقودين، لكن حالياً العملية كما في السابق، يشرحها لنا محام في دمشق، عمل على عدد من قضايا “استخراج شهادة وفاة”.
يخبرنا المحامي أنه بالإضافة إلى الأتعاب وأجرة المواصلات الخاصة بالحصول على الموافقات الأمنية والأوراق اللازمة من الأفرع والدوائر المختلفة، هناك تكاليف إدارية قيمتها نحو 25 دولاراً، وهي: “نحو 100 ألف ل.س ثمن الطوابع والمعاملة الرسميّة، وثمن وكالتين، كل واحدة قيمتها 100 ألف ل.س”، كون التوفية لدى القاضي الشرعي تكون عبر دعاوى يرفعها الورثة بعضهم على بعض، وفي حالة حسان، كان حسام خصم والدته.
يؤكد المحامي أن الإجراءات ما زالت على حالها منذ عهد النظام البائد، أي يتم الاعتماد على التعميم رقم 22، والمادة 205 من قانون الأحوال الشخصية، ولم يتم تعديل الإجراء، أي أن قرار الوفاة يتم باعتبار الشخص “غائباً”، ويضيف الأوراق ذاتها التي يجب الحصول عليها من “أفرع الأمن” لإتمام المعاملة، لكنها حسب وصف المحامي: “روتينية وبيروقراطية وبلا فائدة”.
يقول المحامي، أنه كما حالة حسان، لا يتم الحديث عن الاعتقال أو سببه أو إثبات الوفاة تحت التعذيب (كحالة صورة قيصر كما حكاية حسان) ضمن قرار القاضي الشرعي، ويفسر المحامي ذلك بـ”محاولة السعي الى خلق استقرار داخلي وسياسي من دون النظر في المشاكل الشخصية التي يواجهها السوريون”، ويضيف: “تعرقل الإجراءات الحالية عملية المحاكمة مستقبلاً سواء في ظل وجود قوانين عدالة انتقالية أو غيابها، إذ لا دليل واضح على الجريمة في حكم الوفاة، ناهيك بالتهرب من اعتبار المفقود شهيداً تفادياً لإعطائه وذويه ميزات الشهيد الإدارية والمالية”.
رد هيئة المفقودين والمختفين قسراً في سوريا
تواصلنا مع وزارة العدل ولم نلقَ جواباً حتى هذه اللحظة، كما تواصلنا مع الهيئة الوطنية للمفقودين والمختفين قسراً، وطرحنا عليهم أسئلة بخصوص العملية القانونية لاستخراج شهادة وفاة، وإمكانية وجود معاملة خاصة للأسر التي قررت استخراج شهادة وفاة لأحد المختفين قسراً، فكان الجواب من مكتب رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين هو التالي: “نؤكد لكم أن كل هذه التساؤلات والإشكاليات القانونية التي أثرتموها هي بالفعل محل دراسة وعناية من الهيئة، التي تعمل حالياً على إعداد مسودة أولى لقانون المفقودين، بالشراكة والتشاور مع عائلات المفقودين، وروابط العائلات، والمجتمع المدني السوري، ووزارة العدل، ونقابة المحامين، بالإضافة إلى الأكاديميين والخبراء الوطنيين والدوليين والمؤسسات الدولية الفاعلة في هذا المجال، إذ يهدف هذا القانون إلى معالجة الجوانب القانونية والإنسانية المتعلقة بقضية المفقودين، لضمان حماية حقوق العائلات وجبر ضررهم بما يتوافق مع المعايير الدولية واحتياجاتهم الفعلية”.
كاتب سوري
درج”



