مقالات سينمائيةمنوعات

دراما بعد التحرير… فن أم عبثٌ بمسرح الجريمة؟/ ميسون محمد

03 فبراير 2026

تدخل الدراما السورية مرحلة غير مسبوقة بعد سقوط النظام البائد، يُعاد فيها فتح الأماكن المغلقة، لا فقط أمام الكاميرا، بل أيضاً أمام الذاكرة والعدالة والأسئلة المؤجلة. ومع توجّه شركات إنتاج إلى تصوير أعمال درامية داخل مراكز أمنية ومواقع ارتبطت عقوداً بالقمع والاعتقال، يبرز تساؤل واقعي: من يحدّد اليوم حدود استخدام هذه الأماكن؛ المنتج والمخرج، أم المعايير القانونية والحقوقية المرتبطة بالعدالة والذاكرة؟

المشهد الذي التُقط على مدرج مطار المزة العسكري، حيث هبطت مروحية لتصوير مشهد هروب إحدى الشخصيات النافذة في مسلسل “عيلة الملك”، لفت الانتباه لا بسبب قيمته الدرامية فحسب، بل أيضاً لطبيعة المكان نفسه، فالموقع الذي كان قاعدة جوية ومركز اعتقال تديره المخابرات الجوية، تحوّل إلى موقع تصوير مفتوح. ويصف المخرج محمد عبد العزيز هذه اللحظة بأنها “إحساس غريب”، إذ أصبحت الأماكن التي كان تُحكم منها سورية “بالحديد والنار” فضاءً لاختبار أدوات سردية جديدة.

الدراما ومسارح الجريمة

وفقاً لمبادئ القانون الدولي الجنائي، لا تُعامل السجون ومراكز الاحتجاز السابقة بوصفها أماكن مهجورة أو مجرّد رموز سياسية، بل تُصنَّف مواقع يُحتمل أن تكون قد شهدت ارتكاب جرائم دولية، أو ما يُعرف قانونياً بـ”مسارح الجريمة”. ويشمل هذا التصنيف كل موقع ارتبط بأفعال تُشكّل تعذيباً، اختفاءً قسرياً، أو قتلاً خارج نطاق القانون، أو لا تزال فيه أدلة مادية أو رقمية أو بشرية ذات صلة.

وانطلاقاً من هذا الإطار، يبرز تساؤل قانوني مباشر: هل يجوز التعامل مع هذه المواقع بوصفها فضاءات “محايدة” قابلة لإعادة التوظيف الفني؟ أم أن أي تدخل فيها، حتى وإن لم يشمل أقبية التعذيب، ينطوي على مخاطر قانونية تمسّ مسار العدالة، وحفظ الأدلة، وحق الضحايا في الحقيقة؟

في المقابل، تقول اللجنة الوطنية للدراما في سورية إن الإنتاجات الدرامية لم تشمل التصوير داخل سجون أو فروع أمنية شهدت انتهاكات جسيمة خلال حقبة النظام السابق. موضحة أن التصوير الذي أُنجز في بعض المواقع، ومنها فرع فلسطين، اقتصر على المساحات الخارجية الإدارية التابعة للموقع، ولم يشمل أقبية الاعتقال، أو غرف التحقيق، أو أي أماكن استُخدمت للاحتجاز أو التعذيب.

وتؤكد اللجنة أن هذه المواقع تُعد شواهد مادية حسّاسة، وتخضع لمعايير قانونية دولية صارمة تتعلق بحفظ الأدلة وصون الذاكرة الجمعية، مشددة على التزامها بعدم السماح باستخدامها درامياً أو إعلامياً خارج الأطر القانونية والحقوقية المعتمدة.

غير أن هذا التوضيح يفتح بدوره تساؤلات لم تُحسم بعد. فهل يكفي النفي لحسم الجدل القائم؟ وهل يمكن فعلياً فصل “الباحات الخارجية” عن الموقع بوصفه وحدة قانونية ورمزية واحدة ارتبطت بمنظومة القمع والانتهاكات؟ ثم، من يملك سلطة تحديد ما يُصنَّف قانونياً بوصفه “مسرح جريمة” وما لا يُصنَّف كذلك: الجهة الإنتاجية والرقابية، أم الهيئات القضائية والحقوقية المستقلة؟

في هذا السياق، يحذّر الحقوقيون من أن منح موافقات رسمية للتصوير في هذه المواقع، في غياب إطار توثيقي محايد أو مسار قضائي تحقيقي واضح، قد يُعد طمساً محتملاً للأدلة إذا ترتّب عليه تغيير معالم المكان، أو إعادة ترتيب فضاءاته، أو التأثير على عناصره المادية. كما قد يرقى ذلك إلى عرقلة مسار العدالة، أو إلى استغلال غير مشروع لمسرح جريمة لأغراض درامية أو ترفيهية، بمعزل عن حقوق الضحايا وذويهم.

العدالة الانتقالية وحقوق الضحايا

تقوم العدالة الانتقالية، وفق المعايير الدولية، على أربعة مرتكزات أساسية: كشف الحقيقة، المساءلة، جبر الضرر، وضمان عدم التكرار. ومن هذا المنطلق، فإن أي تدخل غير منضبط في السجون أو مراكز التحقيق، حتى وإن جرى تحت غطاء فني أو إبداعي، قد يمسّ مباشرة بركيزة الحقيقة.

في المقابل، يغيب صوت الضحايا وذوي المفقودين إلى حدّ كبير عن هذا النقاش، رغم أن القانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان تشدد على كرامتهم وحقهم في المشاركة في أي عملية تمسّ ذاكرتهم ومعاناتهم. فالتصوير في مواقع الانتهاكات دون موافقتهم أو إشراكهم لا يقتصر أثره على البعد الرمزي، بل قد يشكّل إعادة إيذاء نفسية للناجين، وتسطيحاً للألم، وتطبيعاً غير مباشر مع الجرائم المرتكبة. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل نوقشت هذه الاعتبارات داخل غرف الإنتاج، وهل وُضعت آليات تشاورية حقيقية مع الضحايا أو من يمثلهم؟ أم أن منطق السبق الدرامي واللحظة السياسية طغى على الحسابات الحقوقية ومسؤولية حماية الذاكرة والعدالة.

الذاكرة الجماعية: من يكتبها؟

تؤكد أدبيات القانون الدولي أن الذاكرة الجماعية جزء لا يتجزأ من ضمان عدم تكرار الانتهاكات. تحويل مواقع الانتهاكات إلى منصات تصوير أو ترفيه، دون إطار توثيقي أو تخليدي واضح، يُعد تشويهاً لهذه الذاكرة، وانتهاكاً لما يُعرف بالحق في عدم النسيان.

في المقابل، يرى بعض صنّاع الدراما أن استعادة هذه الأماكن فنياً تمثّل شكلاً من أشكال كسر الهيبة، ونزع القداسة عن أدوات القمع السابقة. لكن، هل يكفي هذا التبرير أمام المخاطر القانونية والحقوقية؟

وبين الرغبة في سرد الحكاية، والحاجة إلى حماية الحقيقة، تقف الدراما السورية اليوم أمام اختبار غير مسبوق. اختبار لا يتعلق بالجرأة الفنية فقط، بل بمدى الوعي بأن هذه الأمكنة ليست ديكورات، بل شواهد اتهام. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً:

هل ستنجح الدراما السورية في بناء سردية مسؤولة تُنصف الضحايا وتخدم الذاكرة والعدالة، أم أن الاستعجال في تحويل المأساة إلى مشهد درامي قد يفتح جرحاً لم يُتح له بعد أن يُداوى؟

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى