“غزل” ترامب المتكرّر بالشرع/ شعبان عبود

03 فبراير 2026
في واحدة من أكثر اللقطات رمزية في أثناء زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض قبل نحو ثلاثة أشهر، التقطت عدسات الإعلام مشهداً غير مألوف في البروتوكول السياسي التقليدي: الرئيس الأميركي دونالد ترامب يرشّ ضيفه بالعطر، ثم يقدّم له قارورة عطر هدية شخصية. قد يبدو المشهد للوهلة الأولى تفصيلاً عابراً أو لفتة ودّية، إلا أنه في سياق شخصية ترامب وأسلوبه السياسي يحمل دلالات أعمق، فترامب معروف باستخدامه الإشارات الرمزية واللغة غير المباشرة للتعبير عن القبول والارتياح، وكأن هذه اللفتة كانت رسالة مختصرة مفادها بأن الشرع بات شخصية “مقبولة” داخل رؤيته الخاصة للمنطقة.
جاءت هذه الرمزية تتويجاً لمسار من الإشادات المتكرّرة التي أطلقها ترامب بحق الرئيس السوري في الأشهر الماضية. فمنذ مايو/ أيار 2025، بدأ ترامب يتحدث علناً عن الشرع بوصفه “رجلاً قوياً”، و”قائداً لديه فرصة حقيقية للحفاظ على وحدة سورية”. … ومع تكرار هذه التصريحات، التي قُدّرت بنحو تسع مرات في مناسبات مختلفة، سواء على متن الطائرة الرئاسية أو خلال لقاءات إعلامية واقتصادية، بدا واضحاً أن الإعجاب ليس طارئاً أو عاطفياً، بل جزء من تقييم سياسي متكامل. ترامب قال أكثر من مرة إن الشرع “يقوم بعمل ممتاز”، معتبراً أن خلفيته الصعبة لا تشكّل عبئاً، بل تمنحه قدرة على فهم بلد أنهكته الحرب والانقسامات.
يعكس هذا التقدير العلني فلسفة ترامب في السياسة الخارجية، فهو يفضّل التعامل مع من يراهم قادة أقوياء قادرين على فرض الاستقرار واتخاذ قرارات حاسمة، حتى لو كانت تجاربهم السابقة مثيرة للجدل. في نظره، النتائج العملية تتقدّم على الاعتبارات الأخلاقية والنظرية التي غالباً ما قيّدت السياسة الأميركية التقليدية. من هنا، لم يكن مفاجئاً أن تترافق إشاداته بالشرع مع قرار استراتيجي، رفع العقوبات الأميركية عن سورية وفتح الباب أمام إعادة تطبيع العلاقات. غير أن البعد الأكثر حساسية في هذه العلاقة يتمثل في الملفين الإيراني والإسرائيلي، فترامب، الذي ينتهج سياسة الضغط الأقصى على إيران، لا يخفي ارتياحه لخروج سورية من دائرة النفوذ الإيراني، ويرى في ذلك مكسباً استراتيجياً مهماً. وفي الوقت نفسه، يواصل ترامب سعيه إلى توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، ويرى في سورية عنصراً محتملاً في معادلة السلام الإقليمي الجديدة. … وينبع اهتمام ترامب بالمفاوضات الجارية، المعلنة أو غير المعلنة، بين دمشق وتل أبيب، من رغبته في تسجيل اختراق سياسي جديد يضاف إلى سجله رئيساً “صانع سلام”، فضمّ سورية إلى مسار التسوية، أو حتى تحييدها عن دائرة الصراع، سيكون إنجازاً رمزياً وسياسياً كبيراً في منطقة لطالما كانت ساحة نزاعات مفتوحة.
في هذا السياق، جاءت مواقف الرئيس أحمد الشرع منسجمة إلى حد بعيد مع رؤية ترامب، فالشرع لم يُخفِ استعداده للتفاوض مع إسرائيل، وأعلن بوضوح أنه لا يريد تحويل سورية إلى منصة لشن هجمات ضدها أو ضد أي من دول الجوار. هذا الخطاب غير المسبوق في السياسة السورية الحديثة شكّل عامل طمأنة مهماً لواشنطن ولحلفائها.
إلى جانب ذلك، دعا الشرع إلى بناء علاقة تحالف وشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، ووجّه دعوات صريحة إلى الشركات الأميركية للاستثمار في سورية والمشاركة في إعادة الإعمار. وتلقى هذه اللغة صدى خاصاً لدى ترامب، الذي يرى في الاقتصاد والاستثمار أداة نفوذ أكثر فاعلية وأقل كلفة من التدخل العسكري. في المحصلة، تبدو إشادات ترامب المتكرّرة بالشرع جزءاً من محاولة إعادة رسم موقع سورية في شرق أوسط يتغيّر بسرعة.
العربي الجديد



