تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععام على انتصار الثورة في سوريا

كيف نعيد بناء سوريا كي لا تسقط من جديد؟/ ميشال شماس

فبراير 1, 2026

في عامها الثاني بلا حكم الأسد، تدخل سوريا امتحاناً أخلاقياً وسياسياً لا يحتمل الخطأ. سوريا الخارجة من الخراب الذي خلّفه الحكم الأسدي على كل المستويات تجد نفسها أمام استحقاقات كبرى: بناء أمن جديد، إنعاش الاقتصاد، توحيد البلاد سياسياً، واستعادة ثقة مجتمع مثقل بالذاكرة والدماء.

هذه المرحلة تشكل اختباراً لقدرة السوريين على صياغة عقد اجتماعي قابل للحياة. فالفرصة موجودة، لكنها مشروطة بوضوح الرؤية وترتيب الأولويات لا بتشتتها. ومن هنا تأتي الحاجة إلى خريطة طريق تحدّد ما يجب أن يبدأ أولاً، وما لا يمكن تأجيله، وما يشكّل العمود الفقري لسوريا الجديدة.

الأولوية الأولى هي الأمن؛ ليس الأمن الذي عرفته سوريا لعقود، الذي قام على كم أفواه الناس وقتلهم تحت التعذيب، بل الأمن الذي يحمي الحياة اليومية للناس. أمنٌ يعني أن يخرج المواطن إلى عمله ولا يعود قلقاً من الغلاء، من الرصاص أو الثأر أو الفوضى.

أمنٌ تفرض الدولة به سيادتها على السلاح بدلاً من أن يُفرض السلاح على الدولة، ويمنع الجماعات من أن تتحول إلى مراكز قوى. الأمن هنا شرط إنساني، لأن أي حديث عن حقوق أو اقتصاد أو مصالحة لا معنى له في ظل الخوف من السلاح المنفلت. فالدولة، في لحظة تأسيسها، يجب أن تقول شيئاً بسيطاً وواضحاً للسوريين: “حياتكم محمية”.

لكن الأمن وحده لا يبني مستقبلاً. الاقتصاد هو الاختبار الأكثر قسوة لسوريا الخارجة من الخراب والدمار. إن بلداً يعيش معظم شعبه في فقر، لا تشبعه الوعود. الاقتصاد القادم يجب أن ينطلق من حاجات الناس الأساسية ويعيد توزيع الفرص: فرص عمل، استقرار نقدي، بنية تحتية تُعيد الحياة إلى المدن، وزراعة وصناعة قادرتان على إبقاء السوري في بلده.

الاقتصاد ليس مجرد خطط تنموية، بل علاقة ثقة بين الدولة والمواطن. من دون مكافحة حقيقية للفساد، ومن دون شفافية في إدارة الموارد، سيبقى الاقتصاد في نظر الناس أداة لنهب جديد.

وإذا كان الأمن يحمي الحياة، والاقتصاد يحمي لقمة العيش، فإن وحدة المجتمع تحمي استقرار البلد. لقد مزق النظام السابق الثقة بين المكوّنات أكثر مما مزقتها الجغرافيا. اليوم لا يمكننا أن نطلب من الناس أن ينسوا ما جرى، ولا أن يعيشوا في حالة عداء دائم. المطلوب هو الاعتراف المتبادل بأن كل فئة دفعت ثمناً.

نحن بحاجة إلى خطاب وطني يعترف بالاختلاف من دون أن يحوّله إلى قطيعة، ويعيد وصل ما انقطع من علاقات الجوار والذاكرة المشتركة. فالمجتمع الذي لا يتصالح مع ذاته سيظل يبحث عن عدو خارجي أو داخلي يحمّله مسؤولية كل شيء.

في هذا السياق، يأتي توحيد البلاد سياسياً وإدارياً كجزء من وحدة المجتمع. لا يمكن لدولة أن تنهض في ظل وجود قوى ومناطق خارج سيطرتها. التوحيد لا يتم بالقوة وحدها، بل عبر تفاوض سياسي واقعي يعيد دمج هذه المناطق تدريجياً ضمن مؤسسات الدولة. يشمل ذلك اتفاقات مرحلية مع القوى المحلية، كنموذج للامركزية الإدارية المرنة، وضمانات حقيقية لعودة النازحين، ودمج الإدارات المحلية في مؤسسات الدولة، واستعادة ثقة الناس بالدولة وإرساء أسس التوافق الوطني.

وهذه الوحدة لا تترسخ من دون عدالة ومصالحة وطنية. العدالة هنا ليست مرادفاً للانتقام، بل محاسبة واعترافاً بالحقيقة ومنع تكرار الجريمة وتكريم الضحايا. إذا كانت هناك فكرة واحدة يجب تثبيتها في الوعي السوري فهي أن العدالة الانتقالية بكل تعقيداتها تبقى ضرورة سياسية تمنع المجتمع من العودة إلى دائرة العنف.

بدون محاسبة واضحة وشفافة، ستظل الذاكرة السورية مشروخة، وسيظل الناس يخافون على مستقبلهم. لذلك يجب ألا تكون العدالة وعداً مؤجلاً، لأنها إن تأجلت ستكون نهايتها النسيان.

وحتى تكون العدالة فعّالة، تحتاج إلى قضاء مستقل وكفء وعادل. دولة لا يثق مواطنوها بقضائها ستجد نفسها تدفع ثمن الفوضى من جديد، لأن الناس حين يفقدون الثقة بالقانون يبحثون عن حلول في العشيرة، والسلاح، والشارع. استقلال القضاء يعني أن الدولة تقبل بأن تكون خاضعة لسلطة القانون مثلها مثل المواطن. وسوريا الجديدة لن تُقاس بقوة السلطة، بل بقوة مؤسساتها.

وإلى جانب كل ذلك، لا بد من استكمال بناء مؤسسات الدولة المفككة والمدمرة. المطلوب إعادة تعريف وظيفة الجهاز القديم من أدوات سيطرة إلى أدوات خدمة، شفافة، خاضعة للمساءلة، تعتمد الكفاءة لا المحسوبية، وتضع المواطن في مركز مهمتها.

وفي هذا الإطار، يجب أن يأتي المجلس التشريعي بصلاحيات فعلية، قادر على التشريع والرقابة، وإصدار قانون الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والمفقودين، والأحزاب، والتظاهر والانتخابات، وقانون المحكمة الدستورية العليا. هذا المجلس يجب أن لا يكون شكلياً، بل أداة لضبط الإيقاع بين كل الأولويات وترسيخ العقد الاجتماعي الجديد على أساس مؤسسات قوية وشفافة.

هذه الأولويات تشكل خريطة طريق لبناء دولة قابلة للحياة. تبدأ بالأمن لأن الحياة أساس كل شيء، وتمضي نحو اقتصاد يعيد القدرة على العيش، وتحصّن وحدة المجتمع حتى لا تعود الحرب إلى بيوتنا، وتؤسس للعدالة كي لا تتكرر المأساة، وتبني قضاءً مستقلاً يحمي المستقبل، وتعيد تشكيل المؤسسات لتكون في خدمة الناس لا سيفاً فوق رؤوسهم. إنها سلسلة مترابطة لا يمكن القفز فوق أي حلقة فيها.

إن السوريات والسوريين اليوم لا يطلبون معجزات، بل وضوحاً، بأن ما حدث لن يتكرر، وأن الأولويات ليست شعارات. سوريا الجديدة لن تقوم على صفقة بين الاستقرار والعدالة، ولا على اقتصاد يزيّن الخراب، بل على مشروع يعترف بأن الإنسان هو البداية والنهاية. وعندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا السير نحو وطن لا نضطر إلى تبريره أمام أنفسنا.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى