تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععام على انتصار الثورة في سوريامحطات

لستُ مع الدولة!/ سيلفا كورية

فبراير 3, 2026

من بين اللافتات المرفوعة في الوقفة الاحتجاجية المرخّصة التي خرجت في دمشق مؤخراً اعتراضاً على رفع سعر الكهرباء، استوقفتني لافتة كُتب عليها: “نحن مع الدولة قلباً وقالباً”. في الاحتجاجات المعيشية، يُفترض أن يكون المطلب هو مركز الخطاب، فالاحتجاج، في صورته الطبيعية، ليس فعل قطيعة، بل مشاركة، وإشارة ضغط سلمية يوجّهها الشارع إلى المؤسسات من أجل تصحيح مسار أو مراجعة قرار.

من هنا يبرز السؤال: لماذا يشعر المحتج بالحاجة إلى تقديم ما يشبه شهادة حسن سلوك وطني قبل التعبير عن اعتراضه؟ أليس من المفترض أن زمن تهمة وهن نفسية الأمة وإضعاف الشعور القومي قد انتهى؟

اللافتة لم تكن عبارة عابرة، بل حملت دلالة سياسية واضحة. فهي تعكس علاقة ملتبسة بين المواطن وذاته أولاً، وبين إحساسه غير المكتمل بحقوقه وواجباته، كما تعكس علاقة أكثر تعقيداً بين المواطن والدولة في بلد ما يزال في طور إعادة بناء مؤسساته بعد عقود طويلة من الاستبداد والقمع والإذعان للسلطة المختبئة وراء هالة وقدسية الدولة.

المشكلة هنا ليست في اللافتة نفسها، بل في المناخ الذي جعلها تبدو ضرورية، مناخ يُشعِر المواطن بأن الاعتراض يأتي في غير توقيته المقبول، وأن عليه أن يرافقه بخطاب دفاعي يسبق المطلب. هناك إذاً من يقول لك كمواطن بالكاد تستطيع تأمين قوت عيالك: عليك أن تطلب الإذن قبل الكلام، بعدها أحضر طابعاً مختوماً عليه شعار “أين كنت من 14 سنة”. تحتاج بعدها إلى وثيقة تثبت أنك لست فلولاً، لست قسدياً، لست هجرياً، لم تكن يوماً صامتاً ولم تكن رمادياً، بعدها عليك أن تثبت أنك لم تشتر البصل على البطاقة الذكية. إذا اجتزت بنجاح كل هذه الاختبارات برافو! تفضل عبر عن رأيك أنت مواطن صالح!

يتعامل كثير من السوريين، ولا سيما من الشارع الذي خاض تجربة نضال وتضحيات قاسية، مع البلد بوصفه كياناً هشاً، يخشون عليه من أي صدمة إضافية. هذا الإحساس انتقل من مرحلة الحذر المفرط في التعامل مع أي قضية، والخوف المشروع على نجاح المرحلة الانتقالية، إلى مصادرة حق التعبير عن الألم، وحق إبداء الرأي في الشأن العام، وحق انتقاد المسؤولين وقرارات الحكومة، وبات لدينا باسم الخوف على البلد جيش جاهز للسخرية أو التشكيك أو التسفيه لأي رأي لا يردد شعار “نحن مع الدولة قلباً وقالباً” وبدون “لكن” بعدها.

صار لزاماً علينا كصحفيين ومنخرطين في الشأن العام أن نعلي الصوت تجاه ما يمارس على المواطن بذريعة الدفاع عن الوطن، لست مع الدولة التي سأخاف فيها من التعبير عن رفضي لقراراتها المرتبطة بيومياتي ولقمة عيش أبنائي، ولست مع الدولة التي يطالبني أحد فيها بصكوك الوطنية قبل أن أعترض على رفع أجرة سرفيس أو ربطة خبز أو إيجار منزل أو باقة إنترنت، ولست مع الدولة التي سأقايض فيها رأيي السياسي بالأمان، ولست مع الدولة التي سيبدأ فيها إعادة إنتاج النفاق والتزلف والتقية لأجل راتب أو تعويض تقاعد أو حق ما.

لم أكن يوماً مع الدولة المبنية على التخويف والتخوين المبطن والابتزاز بالوطنية والتي تفرز أفرادها صالحين وخونة، تلك الدولة ثرنا عليها وأسقطناها، وعلى ما يبدو علينا أن نعاود التذكير بأنه إذا كان لا بد من هالة وقدسية في هذه البلد فهي للمواطن وحده، للفرد الحر، للقانون، وبالمحصلة سنكون جميعاً بعدها مع  الدولة حينما تخدم مواطنيها.

في الأسبوع المنصرم  وحده كانت هناك عشرات الوقفات الاحتجاجية، إما اعتراضاً على السلاح المنفلت أو كتلك التي ينفذها المعلمون في إدلب واللاذقية وطرطوس، لا يكاد يمر يوم دون شكوى من ارتفاع الأسعار والغلاء والإيجار وضعف الرواتب والبطالة وفرص العمل القليلة.

وهذه تفاصيل حياتية روتينية تحدث في كل بلد، تتعامل معها وسائل الإعلام عادة بالتغطية الحيادية ونقل الرسائل للمسؤولين، وتتعامل معها الحكومات بالإصغاء والتفهم ومحاولة إيجاد الحلول، ويتعامل معها عموم الجمهور من غير أصحاب العلاقة المباشرة بالتجاهل أو التعاطف والدعم، وهذا ما يجب أن نعتاده في بلدنا أيضاً، وأن لا نعيد إنتاج ذات النظام الذي يرى في الاحتجاج المطلبي جريمة لاتغتفر.

من المفترض أن سوريا قد خرجت من ذلك المكان الذي كنا فيه يوماً قبل أربعة عشر عاماً، يومها وقف وزير الداخلية سعيد سمور بين مجموعة لا تتجاوز المئات من الغاضبين وسط شارع الحريقة بدمشق ليقول ما أصبحت لازمة نرددها إلى يومنا هذا بسخرية: “عيب هي اسمها مظاهرة ياشباب”.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى