سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

نشوة احتقار الآخر/ بير داغر اسبر

03 فبراير 2026

من قال إنّ التعصّب ليس جميلاً؟ من قال إنّ الكراهية والغضب والاشمئزاز من المختلفين عنّا ليست أشياء عظيمة ومنعشة للروح، متنفساً واسعاً رحباً، يسمح لك بأن تُفرِّغ كلّ المشاعر التي ظللتَ تخبّئها طوال العمر، بفخرٍ وشجاعة وأنت رافع الرأس؟ في فقاعة التعصّب التي نفختها، صار بإمكانك أن تحتقر الفقراء ووسخهم، وأن تهمل الصوابية السياسية، ونضال الشعوب، وكتب السِّيَر عن المقهورين، وعن العبيد، فتسمّيهم عبيداً للون بشرتهم فقط، وتتجاهل تاريخ العبودية. يصير بإمكانك أن تتخلّص من عبء التعاطف، فترى العالم بلا تاريخ وبلا سياق، مجرّد فتاتٍ وشراذمَ حكاياتٍ بليدة، جاهزة للتصنيف. يمكنك أن تكره المسلمين، وتسمّيهم إسلاميين إرهابيين يسبّون النساء. يمكنك أن تشمئزّ من السوريين اللاجئين لأنهم كذّابون ويتسوّلون المعونات، ويرتدون المظلومية جلداً ثانياً، بينما يملكون المال، وهم، من خرّبوا بلدهم. فالشعوب التي تعيش طويلاً بصحبة الديكتاتورية، تعتنقها، ولا تفعل سوى القفز من عبادةٍ إلى عبادة، من زعيمٍ إلى فكرة، دون أن تتعلّم بعد معنى الحقوق. ومتى فهم السوريون معنىً للحقوق؟

التعصّب فقاعة آمنة تضمّ مجموعة مميّزة من البشر، مجموعة رائعة “أنت منها”، متعالية على الآخرين الذين، وللمصادفة، يكونون دائماً أغبياء وتافهين وكذّابين وسفلة ومتخلّفين. إذا كانوا متديّنين فالباقون كفرة، وإذا كانوا يحبّون السينما فغيرهم تافهون عتيقو التفكير غير متحضّرين. وإذا كنّ بلا حجاب فهنّ متهتّكات، وإذا محجّبات فهنّ مقموعات، ممسوحات الشخصيات، غير جديرات بالظهور في مساحتك الراقية العامة، حيث تكون أنت من يحدّد المساحات. وإن سافرت إلى بلاد الله، وتشاركت الكوكب مع مهاجرين مثلك، فستحتقرهم أيضاً، فأنت وحدك من تليق به الهجرة. وإن صادفت هنوداً فلهم رائحة، وإذا كانوا بيضاً فهم خنازير لا يغتسلون بعد الحمّام… وهكذا، داخل فقاعتك الآمنة، كلّ من خارجها لا يستحقّ أن يعيش، أو يصيبك بالغثيان فتسأل سؤالك الأزلي المحيّر: كيف يعيش هؤلاء أصلاً؟

التعصّب الممتع يتيح لك، وبراحة ضمير، أن تضع نفسك في فئة صغيرة متمايزة. التعصّب البديع الآسر يعفيك من الأسئلة الحرجة، ومن الاشتباك مع فشلك فرداً، ومن ثمّ مجموعةً. يدلّلك لتنسى الصفات “المملّة” مثل الإنسانية، والتعاطف، ووحدة الجوهر لمخلوقات جاءت من مصدر واحد، وتعيش على كوكب واحد وتتنفّس الهواء نفسه. تلك الصفات “المدّعية” التي تُجبرك على أن تعي أنّ مشكلة طفل في الصين هي مشكلتك في سورية وفي المغرب.

لكن، أنت العاجز الضعيف، كيف بإمكانك النجاة من دون هذا الاشمئزاز؟ من لديه وقت ليفكّر في كلّ هذه الأمور المرهقة المتطلّبة؟ الشرّ أكثر إمتاعاً، الغضب أسهل، الشرّ أسهل، ويصبح أكثر متعة حين يظهر صاحب سلطة ليقول لك: لا بأس يا عزيزي، يمكنك قول كلّ هذا وأنت مرتاح ومستمتع، أنت معي، وتحميك فقاعتي. لكن تعصّب صاحب السلطة نفسه لا يعود جميلاً حين يصيبك أنت، حين تفكّر بغيرك “الصديق” ولو لوهلة، فتلفظك مجموعتك الآمنة، وتتحوّل أنت إلى الهامش. ما كان مقبولاً ومحتفى به، كان مقبولاً فقط حين لم يصبك. لكنك، كونك متعصّباً أبديّاً، سيبدأ منطقك الآمن نفسه بالوسوسة في رأسك عن مجموعتك نفسها: من هؤلاء المقرفون الذين يرفعون شعاري نفسه؟ يظنّون أنفسهم يستحقّون هذا الشعار؟ هم وطنيّون أكثر، هم مثقّفون أكثر، هم متديّنون أكثر. وشيئاً فشيئاً، تجد نفسك، وأنت تحذف الصفات عن الآخرين، تصبح وحدك الشخص المميّز الرائع الوحيد.

ياااه، ما أجمل أن يكون المرء غاضباً، حاقداً، كارهاً، ومشمئزّاً من البشر. لو لم أكن من هؤلاء البشر، كم كانت الحياة لتكون أجمل.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى