الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

هل يصمد الاتفاق الأخير بين الحكومة العربية السورية و”قسد” تحديث 04 شباط 2026

متابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي:

دوافع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وأحمد الشرع

تحديث 04 شباط 2026

—————————–

حكمة ما بعد الواقعة: ثلاث نقاط حول دمج قسد لا تصمد أمام التدقيق

مع انقشاع غبار المعارك في شمال شرق سوريا، تتبلوّر رواية جاهزة حول من رفض التسوية ولماذا أصبح استخدام القوة «حتمي». لكن بالتدقيق، نجد أن ثلاثة من أركان هذه الرواية بدأت بالتصدّع.

كانت المعركة حول مَن يملك حق تعريف ما يحدث في شمال شرقي سوريا دائرة على أشدّها منذ أن هاجمت قوات حكومية أحياء ذات غالبية كردية في مدينة حلب أواخر شهر كانون الأول/ ديسمبر. لكن هل «هوجمت من قِبل القوات الحكومية»؟ هذا تأطيرٌ للحدث! أليست قوات سوريا الديمقراطية (قسد) هي التي صعّدت أولاً عبر قنّاصة وطائرات مُسيّرة انتحارية، قبل أن يتبع ذلك ما وصفه بعضهم بـ «11 سبتمبر سوريا»: ضربة بطائرة مُسيّرة استهدفت مبنى محافظة حلب وتركت ثقباً في لوحٍ خرساني؟ وهذا أيضاً «تأطير». ففي هذه الصياغة تُنقل المسؤولية بعيداً عن قسد، فيما يُحجَب نطاق التفويض المحدود لحكومة الشرع عبر إغفال أنّها حكومة انتقالية. لا توجد تغطية صحافية بلا تأطير. وما يهمّ هو البقاء منفتحين على التفكير النقدي والتفسير التعدّدي، وهما أمران جوهريان للمصالحة التي تحتاجها سوريا.

وفيما يلي ثلاث نقاط لا تصمد فيها السردياتُ المهيمنة أمام التدقيق، وهي، بطبيعة الحال، قابلة للنقاش.

لا ينبغي قراءة اتفاق 10 آذار/مارس قراءة انتقائية

تقدّم روايةٌ واسعة الانتشار اتفاقَ 10 آذار/ مارس بوصفه «فرصةً ضائعة» من جانب قسد. ووفق هذا السرد، رسم الاتفاق مساراً واضحاً نحو الاندماج، غير أنّ قسد رفضت عروضاً معقولة قدّمتها دمشق، ولم تلتزم بالمهلة المتّفَق عليها مع نهاية عام 2025، الأمر الذي أدّى، بحسب هذه القراءة، إلى تفجّر التصعيد اللاحق. غير أنّ هذا الفهم يختزل الاتفاق إلى مسألة ضيقة تتمثّل في الاندماج العسكري، وغالباً ما يُوارى هذا الاختزال خلف لغة تقنية تتحدّث عن إصلاح قطاع الأمن. وفي الوقت نفسه، يتعامل مع الموقف التفاوضي للحكومة في دمشق على أنّه بديهيّ الشرعية وبراغماتيّ، ويُدار بحسن نية.

هذه القراءة لا تصمد أمام التدقيق. فقد انتُهكَت بنود جوهرية في اتفاق 10 آذار/مارس من قبل الحكومة الانتقالية نفسها. وأبرز ذلك ما ورد في النقطة الثالثة التي تدعو إلى وقف إطلاق نار على مستوى البلاد؛ إذ تمّ خرقها خلال أعمال العنف الواسعة النطاق التي ارتكبتها قوات حكومية في السويداء في تموز/ يوليو 2025. كما أنّ النقطة الأولى، التي تضمن حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية ومؤسّسات الدولة، يصعب التوفيق بينها وبين المسار شديد المركزية من أعلى إلى أسفل، الذي تهيمن عليه نخبة ضيّقة تدور في فلك الرئيس الشرع. ويُعدّ الإعلان الدستوري الصادر في آذار/ مارس 2025 مثالاً دالّاً على ذلك، سواء من حيث طريقة تشكيله أم من حيث أحكامه.

لا يمكن توليد زخمٍ حقيقي لدمجٍ عسكري وأمني بمعزل عن بقية المسارات. ففي أي سياق تفاوضي، يتوقّف التقدّم على وجود تقدم موثوق في مسائل التمثيل والمشاركة وسيادة القانون. وعلى النقيض من ذلك، فإنّ الاتفاق ذي النقاط الأربع عشرة الصادر في 18 كانون الثاني/ يناير كرّس بصورة أعمق نموذجاً لتشكّل الدولة تقوده مراسيم رئاسية أحادية، من دون التزامات مُلزمة تُرسّخ الحقوق السياسية ضمن دستور جديد.

يقوم جانبٌ كبير من السردية السائدة على افتراضٍ خلافي: وهو أنّ سوريا تمتلك بالفعل سلطةً دولاتية مكتملة الشرعية، يحقّ لها أن تؤكّد سيادتها على فاعلين يُوصَفون بأنّهم  خارج إطار الدولة. والحال أنّ الواقع مغاير؛ إذ لا تزال سوريا في طورٍ انتقالي تتنازع فيه الأطرافُ ملامحَ الدولة ذاتها، وهو ما يتبدّى بأوضح صورة في غياب دستور دائم. إنّ التعامل مع السيادة بوصفها مسألةً محسومة يخلط بين القوة والشرعية. وبناءُ الدولة، بحكم تعريفه، يفترض أنّ السيادة تُنشأ على نحوٍ مشترك، لا أن تُفرَض كأمر واقع.

ترسيخ شبه الدولة ليس بناءً للدولة

تمتلئ البيانات الرسمية والتغطيات الإعلامية وتعليقات مجموعات الضغط بإشارات متكرّرة إلى «الاندماج في الدولة السورية الجديدة». ووفق القانون الدولي الرسمي، تحتفظ سوريا بصفة الدولة. غير أنّ الدولة نفسها، على المستوى التحليلي والسياسي، لا تزال قيد البناء. وعلى مستوى التعريف الأساسي، الدولة هي منظومة راسخة من المؤسّسات القادرة على ادّعاء احتكارٍ ناجح للعنف المشروع، واستخراج الموارد، وإدارة الإقليم، والتمتّع باعتراف داخلي وخارجي. أمّا الموجود في سوريا، فهو شبه دولة: سلطة تمارس سيطرةً إقليمية جزئية، وتؤدّي وظائف حوكمة محدودة، وتفتقر إلى السيادة الكاملة، وتنافس الجهات الفاعلة المسلّحة داخل صفوفها وخارجها، وضعف المؤسّسات، والاعتماد على الخارج، والاتّكاء على الإكراه.

حتى الآن، تعامل الرئيس أحمد الشرع مع هذه اللحظة بوصفها فرصةً لترسيخ «شبه الدولة»، لا بوصفها مساراً لبناء دولة بالمعنى الحقيقي. ووفق هذا المنطق، تُقدَّم السلطة المركزية القوية باعتبارها نقطة الانطلاق. وفي ظل غياب موافقة شاملة قابلة للإثبات، ومن دون آليات راسخة، على غرار هيئة انتقالية حكومية جامعة بالفعل، تصبح الأدوات المتاحة لتحقيق الترسيخ محصورةً، بالضرورة، في عقد تفاهمات مع النخب، أو اللجوء إلى القوة الغاشمة. أمّا بناء الدولة الحقيقي، الذي يتقاطع في الحالة السورية، بحكم الأمر الواقع، مع أسئلة بناء الأمة والهوية، فينطلق من منطقٍ مختلف تماماً؛ إذ تكون السلطة المركزية القوية نتيجةً لعقدٍ اجتماعي يتأسّس على المشاركة السياسية والتمثيل والموافقة.

إنّ إطلاق صفة «الدولة» على جهاز السلطة القائم هو، في جوهره، ادّعاءٌ للشرعية. ومن هنا يمكن فهم السبب الذي من أجله يلجأ كثيرون ممّن يروّجون للسردية الراهنة إلى استخدام مصطلحي «الدولة» و«الحكومة» بالتبادل، كما لو أنّهما مترادفان. وبهذه الطريقة يُمنَح ترسيخ السلطة بالإكراه شرعيةً مسبقة قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية، ويُعاد توصيف أي شكل من أشكال الاعتراض بوصفه «مناهضاً للدولة». ولسوء الحظّ أنّ هذه المنظومة الذهنية ليست بجديدة. فقد أتقن بشار الأسد توظيفها حين قدّم نظامه بوصفه حارس الدولة السورية، متعمّداً طمس الحدود بين الدولة والحكومة. وكان لويس الرابع عشر أكثر صراحة عندما أعلن قائلاً: «الدولة أنا».

قسد والإدارة الذاتية كانتا مليئتين بالاختلالات.. لكن هذه ليست القضية

بعد أن عبرت القوات الحكومية نهر الفرات، ثم انهارت قوات سوريا الديمقراطية، ومعها الإدارة الذاتية، وسط انشقاقات قبلية واسعة، اندفعت موجة من التعليقات لتصوير الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بوصفها كياناً غير شرعي ومختلّاً معيارياً، وأنّ فشلها كان محتوماً منذ البداية. ولا شكّ في أنّ الإدارة الذاتية لم تكن قط منارة للديمقراطية وحقوق الإنسان كما ادّعى مؤيّدوها. كما لم تكن قسد ذلك التحالف الشامل متعدّد الإثنيات كما قدّمت نفسها تسويقياً. فالواقع يتضمّن نزعات سلطوية، وتهجيراً قسرياً، واحتجازاً غير قانوني. لكن، مع اختلافات طفيفة، يمكن قول الشيء نفسه عن كلّ سلطة أمر واقع سيطرت على أرض في سوريا خلال العقد الماضي، بما في ذلك هيئة تحرير الشام (وهل ننسى الاحتجاجات المناهضة لها التي استمرّت عاماً كاملاً في معقلها بإدلب؟)، وكذلك، في نهاية المطاف، الحكومة الجديدة في دمشق.

لا ينفصل جانب كبير من الانشغال المفاجئ بغياب الحاضنة العربية لقسد، في جوهره، عن محاولة تبرير أمر واقع جرى فرضه. فهناك من يذهب إلى أنّ تقدّم قوات النظام لم يكن إلا تحريراً. ومن المؤكّد أنّ كثيراً من المجتمعات العربية رحّبت بالفعل بالقوات الحكومية بعد سنوات من شعورٍ بالإهانة جرّاء حكمٍ كردي (بينه عناصر وافدة)، غير أنّ هذه الحجّة تظلّ في المحصلة غير مقنعة. ذلك أنّ الهجوم على قسد لا يمكن، بصورة معقولة، إدراجه ضمن تفويض حكومة انتقالية، لأنّه مرشّح لإعادة رسم مسار البلاد السياسي لأجيال. فمسؤولية السلطة الانتقالية هي تيسير إعادة التوحيد بعد سنوات من التقسيم بحكم الأمر الواقع، لا فرضها بالقوة. وبالمنطق ذاته، يمكن تبرير هجومٍ مستقبلي على السويداء بحجّة أنّ الشيخ الهجري اغتصب سلطة الدولة وتواطأ مع إسرائيل. بل يمكن لهذا المنطق أن يبرّر أيضاً تدخّلاً وقائياً روسياً على الساحل بذريعة أنّ العلويين يحتاجون إلى حماية.

يُعدّ إصرار دمشق على أن تندمج جميع المجموعات المسلّحة قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية طرحاً غير معقول. فالقوات الكردية كانت في صراعٍ مفتوح منذ سنوات مع قطاعات واسعة من الجهازين العسكري والأمني القائمين حالياً، ولديها، لأسباب مفهومة، أزمة ثقة عميقة. وليست محاولات تعزيز نزع الشرعية عن الإدارة الذاتية وقسد عبر التركيز على نفوذ حزب العمال الكردستاني، وبالقول إنّ مساواة أكراد سوريا بفرعٍ تابع للحزب تُقصي الأكراد غير المنحازين، بلا وجاهة. غير أنّ ذلك لا يلغي حقيقتين مركزيتين: أولاهما التاريخ الطويل من التمييز المنهجي الذي تعرّض له الكرد في سوريا على أيدي حكومات قومية عربية متعاقبة؛ وثانيتهما الخشية الموثوقة من ارتكاب فظائع على يد القوات الحكومية. ينبغي أن تبقى القوة العسكرية دائماً خياراً أخيراً؛ ويصدق ذلك على نحوٍ خاص عندما يتعلّق الأمر بحكومة انتقالية مُكلّفة بإعادة تعريف وبناء أمةٍ ودولة.

سوريا المتجددة

————————————–

في الاتفاق الأخير بين دمشق والإدارة الكردية/ جلبير الأشقر

كيف نقرأ الاتفاق الأخير بين الحركة الكردية السورية والحكم السوري الجديد؟ هل يشكّل نهايةً لعقد من الإدارة الذاتية الكردية في الشمال الشرقي السوري؟ أم هو اتفاق مؤقت سوف يلتحق بالقائمة بالغة الطول للاتفاقات التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط وقد جرى الإعلان عنها كاتفاقات نهائية، فما لبثت أن انهارت؟ تحيلنا الإجابة عن هذا السؤال بالطبع إلى تقدير طبيعة الاتفاق والظروف التي أدّت إليه.

إن أول ما يُقال في هذا الصدد هو أن الاتفاق الذي أُعلِن يوم الجمعة الماضي هو مساومة تَرجح الكفة فيها لصالح النظام القائم في دمشق. فهو مساومة لأنه تمّ بين طرفين لم يفقد أي منهما القدرة على مواصلة المعركة، بل إن «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، بعد حصرها بمكوّنها الكردي الرئيسي بصورة أساسية، تحتفظ بقوة عسكرية لا يُستهان بها في موازين القوة الراهنة في الساحة السورية. فهي لا زالت تضمّ عشرات آلاف المقاتلين والمقاتلات المتمرّسين، الذين تلهمهم قضية قومية صلّب عودها قرنٌ من التقسيم والاضطهاد، فضلاً عن انتماء عمودها الفقري السياسي إلى فصيل أيديولوجي كيّف أيديولوجيته مع التحولات التاريخية بحيث بقيت راسخة. وفي المقابل، فإن قوات النظام السوري الجديد ليست بأكبر بكثير من القوات الكردية، بل وينقصها الانسجام، إذ إنها جمعٌ هجين بين قوات «هيئة تحرير الشام» وقوات جهادية أخرى التحقت بها، بعضها غير سوري، وقوات موالية بصورة مباشرة لأنقرة، هي وحدات ما أطلِق عليه اسم «الجيش الوطني السوري».

هذه الحالة تعني أن ميزان القوى الراهن يتيح للجانب الكردي أن يصمد طويلاً في وجه قوات دمشق، لو توفَّر له سندٌ خارجي يحول دون انعزاله وإحكام الطوق حوله. بيد أن الطرفين اللذين كان بإمكان أي منهما لعب هذا الدور قد طعنا الحركة الكردية السورية في ظهرها. أهم الطرفين المقصودين هو طبعاً الولايات المتحدة التي انتقلت، تحت إدارة ترامب الحالية، من الاتكال على «قسد» في الحرب على «داعش» إلى الاتكال على تركيا والحكم السوري الجديد الذي ترعاه أنقرة. أما الطرف الثاني فهو «حكومة إقليم كردستان» في شمال العراق التي يتزعمها آل بارزاني، وهم حلفاء أنقرة (أنظر مقال الأسبوع الماضي «في القضية الكردية والحالة السورية»، القدس العربي، 27/1/2026).

في المقابل، تحوز قوات نظام دمشق الجديد في مواجهتها للحركة الكردية على دعم حازم غير محدود من قِبل تركيا. إزاء هذا الوضع باتت «قسد» تواجه خيارين أحلاهما مرّ: الاستسلام أو خوض حربٍ صوناً للكرامة، تُنذر بأن تستحيل حرباً انتحارية على غرار تلك الملاحم البطولية التي شهد لها التاريخ، لكنها كانت يائسة. لذا فضّلت «قسد» المساومة كسباً للوقت على أمل أن تتبدّل الظروف، سواء أكانت الإقليمية منها، والحال أن المنطقة لا تزال على كف عفريت، أو الظروف الدولية، والحال أن دونالد ترامب رجلٌ غريب الأطوار، يمارس عليه نتنياهو ضغطاً معاكساً لضغط أردوغان ويبقى ممكناً أن ينقلب موقفه.

من جهته، فضّل حكم دمشق المساومة على الخوض في حرب ضروس في الشمال قد تضعف مساعيه لإحكام سيطرته على سائر الأراضي السورية، أو تُفاقِم تبعيته لأنقرة بما يسيء لصورته ويقلّص طموحه. وقد قامت المساومة على تخلّي دمشق عن اشتراط حلّ فوري للإدارة الذاتية الكردية وقواتها المسلحة، كما عن اشتراط دخول حشد هام من قوات النظام السوري الجديد إلى قلب مناطق سيطرة «قسد». عوض ذلك، نصّ الاتفاق على البدء بخطى متواضعة، يبقى تفسيرها قابلاً للجدال، نحو دمج تلك المناطق في الإطار العسكري والإداري والقانوني للدولة السورية بحلّتها الجديدة.

لا شكّ بالتالي في أن المساومة الراهنة لم تنهِ الصراع، بل أدخلته في طور سياسي بعد الطور العسكري. وسوف يشهد هذا الطور الجديد صراعاً سياسياً هو مواصلة للحرب بطرق أخرى، مثلما الحرب هي مواصلة للسياسة بطرق أخرى حسب القول المأثور. فسوف يحاول الجانب الكردي الاحتفاظ فعلياً بإدارته الذاتية، بعد أن نعم بها لعقد من الزمن تحقيقاً لتوقه المشروع إلى ممارسة حقه في تقرير مصيره، ولو جرى دمج الإدارة اسمياً بالسلطة السورية، بينما ستسعى أنقرة باستمرار وإصرار لدفع دمشق إلى مواصلة الضغط على الجانب الكردي في سبيل استسلامه وخضوعه التام للحكم المركزي.

فيصبح السؤال في هذه الحال إن كانت واشنطن قادرة على لجم الطرفين، الكردي والتركي، لإبقاء الأمور في إطار المساومة التي يتظاهر كل طرف فيها بأنه راضٍ عنها. هذا رهانٌ صعب للغاية، والأرجح هو ألّا تلبث هشاشة اتفاق يوم الجمعة الماضي أن تتجلّى، وقد تعود معها لغة الحرب، بل وممارستها، إلى الطغيان على لغة التوافق، بحيث تتبع الاتفاق اتفاقات مؤقتة أخرى على نسق معهود في هذه المنطقة من العالم.

كاتب وأكاديمي من لبنان

القدس العربي

—————————–

المخاض السوري… حل منصف للكرد/ علي العبدالله

04 فبراير 2026

جاء اتفاق الـ30 من الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني) بين السلطة السورية الجديدة و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بعد تطورات ميدانية وسياسية، من تقهقر قوات الأخيرة العسكري بعد اشتباكات مع الجيش السوري الجديد شرق محافظة حلب؛ وانشقاق أبناء العشائر العربية عنها في محافظتي الرقة ودير الزور، ما سمح بدخول الجيش إلى شرق الفرات، وصولاً إلى أرياف محافظة الحسكة؛ وحشد “قسد” قواتها في مدينتي الحسكة والقامشلي، وإعلانها “النفير العام” والدعوة إلى التضامن الكردي الشامل؛ وخروج تظاهرات كردية في مدن إقليم كردستان العراق وفي مدن تركية وأوروبية عديدة؛ ووصول متطوّعين كرد من قوات البشمركة ومكافحة الإرهاب التابعة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني وآخرين من إيران ومدن سورية؛ وإعلان الإدارة الأميركية الانحياز إلى جانب السلطة السورية، وتحرّك مشرّعين في مجلس الشيوخ الأميركي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لطرح مبادرة تشريعية لحماية الكرد، أعد نص مشروع قانون من 39 صفحة، ينطوي على فرض عقوبات أشد قسوةً من عقوبات قانون قيصر؛ وصدور دعوات أوروبية إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى المفاوضات؛ وتحفظ المجلس الوطني الكردي على الخيار العسكري ودعوته إلى اعتماد الحوار لحل الخلاف السياسي؛ وفشل اجتماع دمشق الذي عُقد يوم 27 الشهر الماضي بين قيادات من الطرفين، السلطة و”قسد”، في الاتفاق على صيغة حل نهائي، ما وضع قيادة “قسد” أمام الأمر الواقع والقبول بالاتفاق الجديد الذي لعب المبعوث الأميركي إلى سورية، توم برّاك، دوراً رئيساً في صياغته.

جاء الاتفاق تعبيراً عن رغبة أميركية في تحقيق بعض التوازن في الشروط والطلبات بعد طلب الرئيس السوري أحمد الشرع من قائد “قسد” مظلوم عبدي حل قواته، ما نُظر إليه فرضاً للاستسلام والإذلال، من أجل تحقيق دمج عسكري وإداري متفق عليه يرضي الطرفين، فقد عكست بنوده سعياً أميركياً واضحاً إلى تدوير الزوايا والانتقال من إدارة الصراع إلى حل ملفاته العسكرية والمدنية سلمياً، من دون أن يعني ذلك أنه حاز رضا الطرفين بالكامل، حيث بقيت جهات مسؤولة في الطرفين تتحفظ على بعض بنوده، خصوصاً في قيادتي حزب الاتحاد الديمقراطي و”الإدارة الذاتية” التي عبّرت عن عدم رضاها عن صيغة الدمج العسكري والتخلي عن الإدارة المدنية ومؤسّساتها، جاء الموقف المتصلب الذي تبنته “قسد” خلال المفاوضات السابقة مع السلطة السورية الجديدة انعكاساً لرغبة قيادات في حزب العمّال الكردستاني في إقامة إقليم خاص بها شرق الفرات لتوازن به نجاح الزعيم الكردي المنافس مسعود البارزاني في إقامة إقليم كردستان العراق، من جهة، وليكون، من جهة ثانية، وسيلة للتمدّد نحو إقليم كردستان العراق بالتنسيق مع زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني في السليمانية، الذي تبنى خطاباً تصعيدياً ضد السلطة السورية، بما في ذلك توجيه وسائل الإعلام التابعة له باعتماد مصطلح “غرب دولة كردستان”، في إشارة إلى المناطق الكردية في شمال شرق سورية، وهو (التنسيق) يفسّر طلب البارزاني خلال المفاوضات حول الاتفاق في أربيل بإعطاء المجلس الوطني الكردي القريب منه دوراً في الحل وإشراكه رئيس “المجلس” محمد إسماعيل في جلسة المفاوضات أخيراً.

قد لا يكون الاتفاق في بنوده الرئيسة كافياً لنيل موافقة الطرفين وكسب دعمهما الشامل في ضوء الرؤى والسرديات الخاصة بكل منهما. وجود تعارض في رؤى الطرفين حول طبيعة النظام الدستوري السوري المنتظر؛ وحول الصورة النهائية للوضع؛ ووجود نقاط في الاتفاق غير محددة وأخرى مجهولة مثل آليات التنفيذ: إعادة انتشار القوات ودمج “الآسايش” في قوى الأمن الداخلي وضبط المعابر، والجدول الزمني؛ وضمانات استمرار التسوية مع احتمال اصطدام القرارات الإدارية في مناطق الإدارة اللامركزية في محافظة الحسكة باعتبارات أمنية أو سياسية مركزية؛ وانخراط قوى إقليمية ودولية في مجريات التنفيذ ودفعها لخدمة مصالحها الكثيرة والمتضاربة؛ ما سيجعل استقرار المحافظة هشّاً واستمرارية التوافق عرضةً للاهتزاز.

تكمن العقبة الرئيسة أمام تنفيذ بنود الاتفاق في تجاهل قيادة قوات سوريا الديمقراطية المعطيات الواقعية والتوازنات المحلية والإقليمية والدولية التي تحيط بالمشهد، بدءاً بحجم المكوّن الكردي السوري وتوزّعه مروراً باختلال ميزان القوى بين الطرفين لمصلحة السلطة، خاصة بعد انشقاق المقاتلين العرب وتراجع الدعم الأميركي لها، وصولاً إلى وجود شبه إجماع إقليمي ودولي حول دولة سورية واحدة وجيش سوري واحد، عكسته تعليقات ترامب وبوتين وماكرون والاتحاد الأوروبي والرئيس التركي أردوغان وقادة عرب وأجانب على التطورات على الساحة السورية وعلى بنود الاتفاق العتيد، حتى إيران قالت إنها مع وحدة الأراضي السورية، فتمسكها (قيادة قسد) بصورتها عن ذاتها وبرؤيتها القديمة حول دورها شريكاً على قدم المساواة مع السلطة غير واقعي وغير منطقي.

وتشكل السلطة السورية الجديدة، بتوجهاتها السياسية والإدارية، العقبة الثانية أمام تنفيذ الاتفاق وديمومته، فميلها العام في إعلانها الدستوري نحو مركزية شديدة، ووضع صلاحيات شبه مطلقة في يد الرئيس الانتقالي، لا يتناسب مع التعدّد القومي والديني والمذهبي في البلاد، وتعييناتها الإدارية، التي تعتمد معياراً فئوياً قائماً على الولاء لا الكفاءة، معظم التعيينات من المكونّ العربي السُني، تجلّى ذلك مجدّداً في الأسماء التي سُربت عن تعيينات قائمين بالأعمال لسفارات سورية في عدة دول مهمة، تقود إلى استفزاز أبناء القوميات والأديان والمذاهب الأخرى؛ توتّر الأجواء وتكرّس التعصب والانغلاق والكراهية، واحتكار “الأمانة العامة للشؤون السياسية” الحياة السياسية وإيعازها لكل المنشآت الخاصة بمنع استقبال أي فعالية سياسية من دون موافقتها يثير مخاوف القوى السياسية من إعادة تكريس سياسة الحزب الواحد. وقد زاد جمهورها (السلطة) الطين بلة بمواقفه وتعليقاته على مطالب قيادة قوات سوريا الديمقراطية بإطلاق مواقف فجّة ليس من مطالب “قسد”، بل من الكرد بعامة، واعتبارهم وافدين وغير سوريين. ومن المنطقي عدم الاعتراف بما يسمونها حقوقهم (الإشارة هنا إلى حالة التمازج والتعايش التي سادت بين شعوب الإمبراطورية الإسلامية طوال عمرها المديد أكثر من 13 قرناً، وإلى الحضور الكثيف للكرد في بلاد الشام أيام الدولة الأيوبية، حتى إن مؤرّخين كثراً قالوا إن أغلبية سكان دمشق في أواخر أيام السلطنة العثمانية كانوا من الكرد)، فضلاً عن عبارات التحقير والشتائم العنصرية بحقهم وحقّ من يقول بضرورة إنصافهم؛ ودعوة بعضٍ منهم إلى التعامل معهم بالقوة؛ علماً أن السلطة غير قادرة على استخدام القوة العسكرية في مناطق الكثافة الكردية، خوفاً من ردود الفعل الدولية، فهي ما زالت تحت الاختبار والمراقبة الحثيثة وخطر إعادة فرض العقوبات قائم.

تبقى النقطة الأكثر أهمية من الاتفاق وتوقيعه أن توقيع الاتفاق وتنفيذه بدقة لا يستغرق الملف الكردي بكل عناصره وتفاصيله، وأن التفاوض مع قيادة قوات سوريا الديمقراطية عن اندماجها بالدولة السورية لا يشكل حلاً للمسألة الكردية في سورية، فبالرغم من أن “قسد” لا تمثل كل الكرد السوريين، وأن ثمة تيارات كردية مختلفة معها، وتناصبها العداء، إلا أن ما فعلته في العقد ونصف العقد الماضيين بإقامة الإدارة الذاتية وتأسيس جسم سياسي وإداري أنعش الكرد، وأشعرهم بالنخوة والكرامة؛ وهذا سيدفع كرداً كثيرين إلى التعاطف معها والتفاعل مع دعوتها إلى النفير العام والمقاومة بإيجابيةٍ، ما يستدعي التأني في التعاطي مع الموقف في محافظة الحسكة، كي لا يتحوّل إلى صراع عربي كردي مدمّر، خصوصاً والملف الكردي جزء من ملف أوسع، ملف التعدّدية القومية والدينية والمذهبية، والتعاطي معه سينعكس سلباً أو إيجاباً على بقية الملفات، فيعمّق الانقسام أو يرتقه، ما يتطلب معالجته معالجة هادئة ومنصفة، على أمل تحقيق انسجام اجتماعي واستقرار وطني.

ومع أن هدف الاتفاق الجديد تحقيق توجه أميركي لتكريس نفوذ تركي في شمال سورية وإسرائيلي في جنوبها، وهذا يتعارض مع فحوى قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015، الذي اعتبر بمثابة خريطة طريق لحكم ما بعد الصراع لدولة سورية موحدة يقرّرها السوريون أنفسهم، والذي كرّرت الإدارة الأميركية التذكير به مراراً، فإن المطلوب من الجميع، السلطة وقادة المكونات والقوى السياسية والاجتماعية السورية، وضع خلاص سورية أرضاً وشعباً في بؤرة اهتمامها والتعاطي مع الموقف بروح المسؤولية السياسية والاجتماعية، وتجنب الانزلاق نحو مقتلة جديدة وحرب أهلية صريحة، وذلك باختيار السلم الذي يفتح باب الحوار ويؤسّس لعقد اجتماعي جديد، يمنح كل مكوّن حقه ضمن الدولة السورية. مطلوب من السلطة ألّا تقف عند حساباتها السلطوية، وذلك بعدم الاكتفاء بالتسويات العسكرية، وبتوسيع مساحة المفاوضات نحو أفق سياسي مفتوح، يطمئن كل المكوّنات السورية على حقوقها ومستقبلها؛ فمن الخطأ التمسّك بسردية مآلها حروب وصدامات دامية ومدمرة وتفكيك وشرذمة؛ والإعلان عن مشروع سياسي شامل، يضمن حقوق كل المكونات ومشاركتها. ولتكن الخطوات التالية مبادرة أولية للحل مع المكون الكردي ورسالة طمأنة إلى بقية المكونات:

استبعاد الخيار العسكري في محافظة الحسكة والعمل على حل نقاط الخلاف بالطرق السلمية. الدخول في مفاوضات حول بقية نقاط الملف الكردي مع وفود كردية من بقية التيارات السياسية والقوى الاجتماعية الكردية. تنفيذ البند الحادي عشر من الاتفاق المتعلق بالحقوق اللغوية والثقافية والقانونية الكردية بجدّية ودقة، بحيث تمنح الكرد مؤشراً على صدق الوعود وجدّيتها؛ والعمل على تأكيدها وتثبيتها في الدستور المنتظر. إجراء إحصاء في محافظة الحسكة لمعرفة المواقع التي يشكل الكرد فيها أغلبية ومنحها خصوصية في برامج التعليم بما في ذلك دراسة اللغة الكردية. تحويل منطقة القامشلي، التي تقول تقديرات كثيرة إن أغلبية سكانها من الكرد، إلى محافظة ووضع نظام إداري يتناسب مع خصوصيتها.

والمطلوب من قيادة “قسد” التحلي بالواقعية السياسية والاندماج في مؤسّسات السلطة الجديدة بمطالب منطقية تسهّل عملية الاندماج وتحقق التشاركية الشاملة.

العربي الجديد

———————————-

من يَعِش بالسيف..الرئيس السوري يوحّد البلاد بالقوة. خطوة جريئة، لكنّها محفوفة بالمخاطر

تُعاد سوريا إلى ما يشبه الوحدة تحت فوهة البندقية. وقد ينجح رهان الرئيس أحمد الشرع في إعادة ترسيم حدود الدولة وبسط سيادتها، لكنّه قد يُفاقم في المقابل هواجس الأقلّيات، ويقفل البلاد في مستقبل تحكمه الإكراهات لا الرضى، والقسر لا القبول.

اختار أحمد الشرع الحسم بالقوة بدل الحوار. وبالتنسيق مع تركيا وروسيا والولايات المتحدة، يسعى الرئيس السوري إلى سحق قوات سوريا الديمقراطية وإعادة بسط سلطة دمشق على الشمال الشرقي، في رسالة لا لبس فيها مفادها أنّ السيادة الملتبسة لم تعد مقبولة. وفي هذه المرحلة، يتقدّم شعار: «دولة واحدة، جيش واحد، علم واحد». ويقوم رهان الشرع على أنّ استخدام القوة، بصورة حاسمة ونظيفة نسبياً، يمكن أن يُنجِز ما عجزت عن تحقيقه دبلوماسية بدت في معظمها استعراضية.

تبدو المقاربة بسماركية بامتياز. فأوتو فون بسمارك (1815-1898)، رجل الدولة البروسي الذي هندس توحيد ألمانيا، لم ينتظر توافق أمراء الولايات الألمانية، بل صنع وقائع على الأرض وفرضها بقوة الأمر الواقع. ويبدو أنّ الشرع يسلك المسار نفسه. ولو كانت سيادة الدولة وحدها هي المعيار، لَصَعُب الطعن في هذا المنطق. فلا حكومة تستطيع إلى ما لا نهاية القبول بوجود سلطة مسلّحة منافسة تسيطر على ثلث أراضي البلاد، بما في ذلك أغنى مناطقها بالموارد. ووفق منطق اللعبة الصفرية السائد في الشرق الأوسط، وبصورة متزايدة في العالم، غالباً ما يعامَل الجكم الذاتي المدعوم بالسلاح بوصفه تمهيداً للانفصال.

كسر الجمود

قرابة عام من المحادثات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية أفضى إلى بيانات مبدئية، لكنّ التقدّم ظل بطيئاً في السؤال الجوهري المتعلّق بتقاسم السلطة، أي «الاندماج». وفي الأثناء، واصلت قوات سوريا الديمقراطية ترسيخ حضورها إدارياً وعسكرياً، واعتمدت في التفاوض سقوفاً مطلبية قصوى. فجاءت حملة عسكرية قصيرة وحاسمة لتضع حدّاً لهذا الجمود. فهي، من جهة، تُشكّل رادعاً لغيرها ممّن قد يفكّرون في مسار الانفصال، ومن جهة أخرى تُتيح لدمشق فرض شروطها لإعادة دمج المنطقة.

وإذا نجحت هذه المقاربة، فسيُنسب إلى الشرع أنّه أعاد لسوريا سلامة أراضيها على نحوٍ أخفق فيه بشار الأسد بوضوح بعد عام 2011. وسيُقابَل ذلك بترحيب في معظم العواصم.

 غير أنّ التاريخ يقدّم أيضاً تحذيراً صارخاً. فعندما تُنجَز الوحدة عبر حرب داخلية، كما في سريلانكا أو الجزائر، تُستعاد سلامة الأراضي على حساب الثقة والاندماج. وقد وحّد بسمارك ألمانيا أساساً عبر حروب خارجية عزّزت التماسك الداخلي. أمّا الشرع، فيخوض حروباً داخلية ضدّ أقلّيات دينية وإثنية مدعومة من قوى خارجية. وغالباً ما يخلّف هذا النوع من الصراعات أحقاداً طويلة الأمد تبقى قابلة للاستثمار والاستغلال.

أمّا المخاطر المباشرة، فتكاد تكون بديهية. فالمضي في مواجهة حتى النهاية مع الأكراد قد يستدرج جيراناً غير ودودين، مثل إسرائيل والعراق، لا يرغبون في رؤية حكومة عربية سنّية قوية في سوريا. كما قد تتعرّض إعادة الإعمار للتهديد إذا مضى أعضاء مؤيّدون للأكراد في الكونغرس الأمريكي إلى فرض عقوبات خانقة، كما لوّحوا بذلك. ويبقى خطرٌ أشد خفاءً: ما الذي ستعنيه هزيمة الأكراد لطبيعة الدولة السورية الناشئة نفسها؟

انعدام ثقة مستدام

بالنسبة إلى أكراد سوريا، شكّلت قوات سوريا الديمقراطية ضمانة، وإن كانت ناقصة، ضدّ العودة إلى الإقصاء في ظل نظام قومي عربي شديد المركزية. غير أنّ هزيمتها العسكرية لن تُبدّد هذا الخوف، ولا تطلّع الأكراد إلى الاستقلال. ولن يقتصر انعدام الثقة بدمشق على الشمال الشرقي. فالأقلّيات الأخرى تراقب عن كثب، وبالنسبة إليها، قد يكون الرد العقلاني هو إبقاء الخيارات مفتوحة، بما في ذلك الحفاظ على ميليشيات قائمة، وتأمين داعمين خارجيين أقوياء. وتبدو إستراتيجيّة الدروز المتشدّدة، القائمة على قطيعة حاسمة مع دمشق ورفض أي مساومة، على نقيض واضح من المقاربة الكردية الأكثر ليونة؛ وربما تكون في نهاية المطاف أكثر قدرة على انتزاع حكم ذاتي فعلي.

وإذا فشلت كلّ محاولات الحكم الذاتي المحلّي، فقد تكون النتيجة بلداً موحّداً على الورق، لكنّه هش من الداخل. فالتوحيد القسري قد ينجح، لكن بثمن. إذ ستغدو «الدولة الشرسة» أقوى، فيما يضعف في المقابل الإحساس بالوطنية وحب البلد وروح التكاتف والعيش المشترك. وليس المقصود هنا الدفاع عن التشظّي الدائم، فسوريا مقسّمة إلى جيوب مسلّحة، لكلّ منها راعٍ خارجي، أمر غير مقبول. والسؤال ليس عمّا إذا كان على دمشق استعادة سلطتها، بل عمّا إذا كان في استطاعتها القيام بذلك من دون إلحاق ضرر لا رجعة فيه بالهوية الوطنية الجامعة وبالتعايش بين جميع مكوّنات المجتمع.

لم تكن حروب بسمارك من أجل التوحيد سوى الخطوات الأولى في مسار أطول لبناء الوطن. ما تلاها، من بناء مؤسّسات وتعليم وحرّيات ورعاية اجتماعية، هو الذي صنع عظمة ألمانيا. وقد يعتقد الشرع أنّه قادر على تكرار هذا التسلسل، وربما يستطيع. غير أنّه، باختياره القوّة أوّلاً لا بوصفها الخيار الأخير، ضيّق هامش المناورة أمامه. فإذا تبدّلت الظروف الإقليمية أو الدولية، وتكتّلت الخصومات في الداخل، فلن يكون أمامه من ملاذ إلّا السيف.

———————————-

 لقاء المجلس الكردي بالشرع بمبادرة من دمشق: رسالة إلى “قسد

الأربعاء 2026/02/04

في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق، وفداً رفيع المستوى من المجلس الوطني الكردي في سوريا (ENKS)، برئاسة محمد إسماعيل، وعضوية كل من نعمت داوود، فيصل يوسف، سليمان أوسو وفصلة يوسف، وبحضور مسعود بطال مدير منطقة عفرين.

اللقاء، الذي يُعدّ الوحيد حيث يلتقي فيها رئيس الجمهورية ووزارة الخارجية بوفد سياسي كردي منظم، كسر عملياً جداراً طويلاً من القطيعة السياسية بين دمشق والمجلس الوطني الكردي، وأعاد وضع المجلس في قلب المشهد السياسي السوري بعد سنوات من التهميش والتعقيد، سواءً بفعل الصراع الداخلي الكردي، أو نتيجة الحسابات الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف الكردي.

وخلال الاجتماع، شدد وفد المجلس الوطني الكردي على ضرورة الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي كشريك أصيل في سوريا، وضمان حقوقه القومية والسياسية والثقافية، بما يرسّخ مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية، ويحفظ خصوصية الشعب الكردي ضمن إطار سوريا موحدة، تعددية وديمقراطية. كما تناول اللقاء سبل فتح مسار جاد للحوار السياسي، يضع القضية الكردية في موقعها الصحيح كقضية وطنية عادلة لا يمكن تجاوزها في أي حل سياسي مستقبلي.

من جانبه، أكد الرئيس أحمد الشرع التزام الدولة السورية بضمان حقوق المواطنين الكرد ضمن إطار الدستور، في خطاب حمل رسائل طمأنة سياسية، وفتح الباب أمام قراءة جديدة لمقاربة دمشق تجاه الملف الكردي، بعد سنوات طويلة من الإنكار أو التعاطي الأمني البحت.

المرسوم 13 إلى الاختبار التنفيذي

ورحّب وفد المجلس بالمرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، واعتبره خطوة مفصلية في مسار الاعتراف بالحقوق الثقافية والاجتماعية للأكراد السوريين. وكان الرئيس الشرع قد أصدر المرسوم منتصف كانون الثاني/يناير الماضي، متضمناً حزمة قرارات غير مسبوقة في تاريخ الدولة السورية الحديثة.

نصّ المرسوم على اعتماد اللغة الكردية كلغة وطنية تُدرّس في المدارس، في تحوّل جوهري عن السياسات اللغوية السابقة، كما ألغى آثار إحصاء الحسكة لعام 1962، أحد أكثر الملفات حساسية وإيلاما في الذاكرة الكردية السورية. وفتح المرسوم باب منح الجنسية السورية لمكتومي القيد من أصول كردية، مؤكداً أن الأكراد مكوّن أصيل من الشعب السوري لا يمكن التعامل معه كحالة طارئة أو هامشية.

كما كرّس المرسوم حماية التنوع الثقافي واللغوي رسمياً، واعتمد عيد “النوروز” عطلة رسمية مدفوعة الأجر، وحظر أي خطاب تمييزي أو تحريضي في الإعلام والمؤسسات التعليمية، مع التأكيد على مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، واعتماد التنوع القومي ضمن الهوية الوطنية السورية الجامعة.

غير أن أهمية هذا المرسوم، رغم طابعه التقدمي، تبقى مرهونة بمدى صدقية تطبيقه، لا سيما في ظل غياب التعليمات التنفيذية حتى الآن، ما يجعل الانتقال من النص القانوني إلى الواقع العملي هو التحدي الحقيقي أمام الدولة والمجتمع معا.

السياسة في قلب العاصفة

لا يمكن قراءة زيارة وفد المجلس الوطني الكردي إلى دمشق بمعزل عن توقيتها. فهي جاءت في لحظة سياسية شديدة الحساسية، تزامناً مع توقيع اتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية، وبدء تنفيذ بنوده فعلياً، في ظل تصاعد التهديدات العسكرية ضد شمال شرق سوريا مطلع عام 2026.

ففي 6 كانون الثاني الماضي، بدأت هجمات عسكرية استمرت حتى السادس والعشرين من الشهر نفسه، ما فتح الباب أمام تحركات دبلوماسية مكثفة، ووساطات دولية، ولقاءات متعددة بين دمشق و”قسد”، إضافة إلى اجتماعات جمعت

“قسد” مع قوى كردية إقليمية، مثل حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Partî)، والحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK)، والاتحاد الوطني الكردستاني (YNK)، والمجلس الوطني الكردي.

وفي موازاة ذلك، شهد الشارع الكردي في الخارج حالة تعبئة سياسية، حيث انتفضت الجاليات الكردية، ووجهت نداءات متكررة لكل القوى السياسية الكردية من أجل توحيد الصف والموقف في مواجهة المخاطر المتصاعدة.

وأتى ذلك بعد مؤتمر عُقد العام الماضي في مدينة القامشلي بعنوان “كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي”، بمشاركة جميع الأحزاب والشخصيات الكردية، بما فيها المجلس الوطني الكردي. وأسفر المؤتمر عن قرار واضح بتشكيل وفد كردي مشترك يتولى التفاوض مع دمشق نيابة عن الأكراد السوريين.

من هنا، جاءت الزيارة المنفردة إلى دمشق لتفجّر سؤالاً مركزياً: لماذا يتحرك المجلس الوطني الكردي بمفرده، في وقت كان يفترض أن يتولى الوفد الكردي الموحد هذه المهمة؟ وهل فرضت التطورات الميدانية والسياسية تجاوز التوافقات السابقة، أم أن الخلافات الكردية – الكردية لا تزال أقوى من منطق الوحدة؟

وقبل لقاء قصر الشعب، كان وفد المجلس قد عقد في 2 شباط/فبراير الجاري، اجتماعاً مع وزير الخارجية أسعد الشيباني، وهو اللقاء الذي جاء في اليوم نفسه الذي بدأ فيه تنفيذ الاتفاق بين دمشق و”قسد”.

وكان عضو هيئة رئاسة المجلس الوطني الكردي سليمان أوسو، قد صرّح سابقا، بأن مكتب وزارة الخارجية طلب عقد هذا اللقاء، ما يشير إلى أن التحرك لم يكن مبادرة منفردة بالكامل من المجلس، بل جاء ضمن مسار اتصالات أوسع تقودها دمشق في إطار إعادة ترتيب علاقاتها مع مختلف الأطراف الكردية.

الصمت الإعلامي: خطأ في إدارة اللحظة

رغم أهمية اللقاء، اختار المجلس الوطني الكردي ممارسة ما يمكن تسميته بـ”الصمت الاستراتيجي”، إذ لم يصدر حتى الآن أي بيان رسمي يوضح تفاصيل الاجتماع أو يشرح موقف المجلس من مجرياته ونتائجه.

في المقابل، سارعت الرئاسة السورية إلى نشر بيانها الرسمي، وتكفّل الإعلام  بنقل الرواية كاملة من زاوية واحدة. والأكثر إثارة للانتباه أن الموقع الرسمي للمجلس نفسه اكتفى بنقل خبر اللقاء عن موقع الرئاسة السورية، في مشهد بدا وكأن المجلس كان ضيفاً على الحدث لا طرفاً سياسياً أساسياً فيه.

إعلامياً، لا يمكن اعتبار هذا الأمر مجرد هفوة تقنية، بل هو تقصير واضح في إدارة لحظة سياسية حساسة، حيث لا يُترك الفراغ إلا ليملأه الآخرون بسردياتهم، وهو ما يحمل رسائل سلبية لجمهور المجلس، ويضعف موقعه التفاوضي والسياسي.

في خلفية المشهد، تبدو دمشق وكأنها تعتمد سياسة توازن مدروسة في تعاملها مع الملف الكردي. فمن جهة، فتحت قنوات تفاوض مع قوات سوريا الديمقراطية، ومن جهة أخرى استقبلت وفد المجلس الوطني الكردي، بالتوازي مع العمل على تشكيل تجمع كردي مقرّب من الحكومة، يضم شخصيات كردية ذات توجه إسلامي أو وطني سوري منسجم مع خطاب السلطة.

وتبرز في هذا السياق، أسماء مثل أسامة مسلم، ابن شقيق القيادي في “قسد” صالح مسلم، وعلي تمي، وفاتن رمضان، وحسن شندي، كجزء من محاولة لخلق تمثيل كردي متنوع، لا يحتكر القرار ولا يربطه بطرف واحد، بما يمنح دمشق هامش مناورة أوسع في إدارة هذا الملف المعقّد.

إلى أين يتجه المسار؟

وتضع زيارة المجلس الوطني الكردي إلى دمشق، السياسة الكردية السورية أمام مفترق طرق حقيقي. فمن جهة، تمثل الزيارة كسرا لحالة الجمود، واعترافا ضمنيا بالمجلس الوطني الكردي كطرف سياسي لا يمكن تجاهله. ومن جهة أخرى، تعيد إلى الواجهة إشكاليات التمثيل، ووحدة الصف، وإدارة الخلافات الداخلية، فضلاً عن اختبار صدقية الدولة في تحويل الوعود الدستورية إلى واقع ملموس.

ولا يمكن اختزال هذه الزيارة في بعدها البروتوكولي أو الإعلامي. فهي محطة سياسية محمّلة بالأسئلة أكثر من الأجوبة، وتكشف أن القضية الكردية عادت إلى قلب النقاش الوطني السوري، ولكن من دون توافق كردي جامع حتى الآن على كيفية إدارتها.

ويبقى السؤال المفتوح: هل تشكل هذه الزيارة بداية لمسار سياسي جديد يعيد إدماج القضية الكردية في الحل السوري الشامل، أم أنها مجرد حلقة في سلسلة توازنات مؤقتة، ستعيد إنتاج الإشكاليات ذاتها بصيغ مختلفة؟

المدن

—————————–

من الذي انتصر في سوريا؟/ كمال أوزتورك

أتجول في المدن التي أنهكتها سنوات الدكتاتورية والحرب الأهلية في سوريا. عندما رأيت التركمان في الراعي، والأكراد في الشيخ مقصود، والعرب في الرقة، قلت في نفسي: لم يبقَ شعب في سوريا لم ينل نصيبه من الألم.

الفقر، العوز، الدمار، البؤس… هذا أول ما تقع عليه العين في كل مدينة. كل من تحدثت إليهم من التركمان والأكراد والعرب قصوا عليّ آلامهم، وفقدان أحبتهم، والصدمات التي عاشوها. لم أستطع أن أقرر: أي ألم أعمق؟ وأي مصيبة أشد؟ وأي حكاية أكثر حزنا؟

سوريا ممتلئة بالبشر الذين يحملون قصص الألم على ظهورهم.

مررت بأماكن سالت فيها مياه سامة فرقت بين القوميات، والأديان، والهويات، وجعلتها أعداء لبعضها. كان الفرات، بدلا من أن يروي الأرض السوداء، قد صار خط فصل وانقسام. الجسور التي كانت تصل المدن والطرق والناس ببعضهم فجرت في الهواء.

أراضٍ ممزقة، وجغرافيات مقسمة، وأقارب أشيع العداء بينهم، وإخوة متخاصمون، وتربة حمراء سقيت بالدم.

كل هذا المشهد المؤلم هو نتاج دكتاتورية الأقلية، والأيديولوجيات العمياء، والجشع الإمبريالي، والجهل، والفقر. رسموا هذه اللوحة معا بالدم.

لا تفارق مخيلتي صور الأطفال الذين يمشون في المطر البارد بأقدامهم في نعال خفيفة. أطفال الشيخ مقصود في الأزقة الطينية، وأطفال الرقة قرب الجسر المدمر، وأطفال منبج في الطرق الترابية المليئة بالحفر؛ كانوا جميعا متشابهين: أقدامهم عارية ونعالهم بالية.

فهمت أن سوريا مليئة بالأطفال الذين كبرتهم الآلام.

والآن، هاتوا وفسروا لهذا الطفل الكردي، أيديولوجيا “المجتمع الديمقراطي الاشتراكي”، وفسروا للطفل العربي، نظرية “الخلافة” لدى “تنظيم الدولة”، أو أيديولوجيا البعث، وفسروا للطفل النصيري، نظرية “الهلال الشيعي”؛ ترى بماذا سيجيبكم؟

حاولوا أيضا أن تشرحوا ذلك لأبيه داخل ثيابه الممزقة من شدة الفقر… لن ينجح الأمر، أليس كذلك؟ الطفل الحافي لا يحتاج إلى دعاية أيديولوجية، بل إلى زوج من الأحذية، وإلى معطف، وإلى صحن حساء دافئ.

إعلان

لكنهم، للأسف، ظلوا يفرضون عليهم أيديولوجيات لا يفهمونها. أولئك الأطفال وقعوا في شراك تلك التنظيمات؛ لأنهم كانوا جياعا، لا لأنهم آمنوا بالأفكار.

سوريا هي بئر لا قرار لها من الأيديولوجيات العمياء- هناك سُنة ونصيريون، وأكراد وعرب، ودروز- كم من شاب ضاع في تلك البئر!

كل روح رحلت تركت وراءها قلب أم محترقا، وكبد أب متفحما، لكن  لا أحد يعرف حكاياتهم. في تلك البئر السحيقة ستنحدر كل الحروب، وكل النزاعات، وكل الآلام بصمت إلى ظلمة الذاكرة، ثم تنسى.

وخلاصة الأمر، سألت السؤال الذي يرش الملح على كل الجراح، هناك في الرقة، عند أسفل مبنى قصفته الطائرات الأمريكية: “حسنا، من الذي انتصر في النهاية؟”.

أظنني أتجول في أرض يتبدل فيها الخاسر باستمرار، لكن لا وجود فيها لرابح. في الرقة، عام 2014، أعلن “تنظيم الدولة” انتصاره وهو يهتف بشعارات النصر. وعندما انهالت عليه قنابل طائرات التحالف، أدرك أنه الخاسر.

ثم سيطرت العشائر العربية على المدينة، وبعد ذلك جاء الأمريكيون وانتزعوا المدينة من أيديهم وسلموها إلى “وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية” (YPG/SDG)، فاندلع نزاع جديد.

ثم إن “وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية” التي نصبت التماثيل وباعت الأنفاق في مدينة تهيمن عليها العشائر البدوية، ما لبثت أن جمعت أمتعتها واتجهت نحو الحسكة مع دخول الجيش السوري إلى المدينة؛ أي إنني، باختصار، مررت في سوريا بمدن يتصاعد منها الدخان، شهدت حروبا وصراعات خاسرها معروف، لكن لا رابح فيها.

لكل هوية إثنية في سوريا جاليتها في الخارج، وأظن أن هؤلاء لم يروا أبدا البؤس والعوز الذي رأيته في الشوارع. لذلك كانوا يجلسون في غرفهم الدافئة والمريحة، ويوزعون النصائح على الطفل ذي النعل البالي في الشيخ مقصود قائلين: “يجب أن نقاوم من أجل روجافا”.

ينبغي أن نأتي، ولو ليوم واحد، بأولئك الذين يؤججون الصراع الداخلي في سوريا وهم جالسون في تركيا أو أوروبا أو الخليج. لو جعلناهم يتجولون ساعة واحدة فقط في الأزقة الباردة للمدن، لقالوا جميعا، وأنا واثق: كفى قتالا، تصالحوا… على الأقل سيقول هذا من لم تسلّم ضمائرهم نفسها للأيديولوجيات العمياء والجهل.

من يقول لهؤلاء الناس الذين قتل بعضهم بعضا طوال أربعة عشر عاما: “المقاومة، الحرب، القتال، الانقسام، الحكم الذاتي، الاستقلال”، فليعلم أنه ليس صديقهم بل عدوهم. وهؤلاء الذين يطلقون مثل هذه الشعارات سيقطعون دعمهم عند تغير الظروف، كما فعلوا في الرقة، وسيتركونهم وحدهم في برد هذا الشتاء.

عندما دخلت سد تشرين بعد الاشتباكات، رأيت على جدرانه شعارات كثيرة بالكردية. كان أحدها يقول: “لا أستبدل صديق يوم أسود بمئة صديق يوم أبيض”.

الأكراد يلومون أمريكا، لكن الأجدر أن يلوموا أنفسهم؛ فصديق الأكراد ليس الولايات المتحدة، كما أن صديق الدروز ليس إسرائيل.

إعلان

هكذا كان الأمر في التاريخ أيضا؛ لم يكن الروس ولا البريطانيون ولا الفرنسيون يوما أصدقاء لأهل هذه الجغرافيا. كانت لهم مصالح، لكن لم تكن لهم حكاية مشتركة. كانوا يجلسون بعيدا، وعندما يضيق بهم الحال، يركبون طائراتهم ويعودون إلى بيوتهم الآمنة، كما فعلوا في أفغانستان حين غادروا من قاعدة باغرام.

وأثناء مروري بسد تشرين، كان الروس أيضا قد أخلوا آخر قواعدهم العسكرية في القامشلي، وصعدوا إلى طائراتهم العسكرية من طراز “إليوشن” وغادروا.

والآن، بقي العرب والتركمان والأكراد وحدهم، وجها لوجه، في الحسكة من جديد.

لذلك، بدل أن يكتب أهل سوريا تلك العبارة المؤلمة على جدران السد، كان عليهم أن يختاروا صديق يومهم الأسود بعناية.

صديق الأكراد في يومهم الأسود هم الأتراك، وصديق العرب في يومهم الأسود هم الأكراد والتركمان… باختصار، على من يعيشون في سوريا أن يكونوا أصدقاء بعضهم في الأيام السوداء.

وفي الختام، دعوني أكرر السؤال الذي طرحته في بداية المقال: من الذي انتصر في سوريا؟

لقد خمنتم الجواب خطأ. المنتصر في سوريا هو كل من اختار التفاوض، والتصالح، والتفاهم، وقرر أن يكون صديق يوم أسود لغيره.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

مراسل الجزيرة نت في تركيا

الجزيرة

—————————-

دمشق وقسد.. رهان الاندماج ومعضلة الاستقلال/ رامي الخليفة العلي

04 فبراير ,2026

تُعدّ التطوّرات المتسارعة في شمال شرق سوريا، والمتوجة باتفاق ال30 من يناير 2026 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، منعطفاً تاريخياً يتجاوز في أبعاده مجرد الترتيبات العسكرية الميدانية ليلامس جوهر بنية الدولة السورية ومستقبل سيادتها الوطنية، إذ يبرز هذا الاتفاق كمحاولة لردم فجوة عميقة من عدم الثقة تراكمت عبر سنوات من الصراع والرهانات المتناقضة. وبالنظر إلى مسار التفاوض الذي سبق هذا الاتفاق، وتحديداً منذ تفاهمات ال10 من مارس 2025، يتضح أن حجر العثرة الحقيقي لم يكن تقنياً بقدر ما كان بنيوياً، حيث اصطدمت رغبة دمشق في استعادة «الاندماج الكامل» الذي يصهر كافة القوى العسكرية والأمنية ضمن هيكلية الدولة المركزية، بإصرار «قسد» على الحفاظ على «كينونة سياسية وأمنية» ذات استقلالية ذاتية، تكتفي بالتنسيق مع المركز دون الذوبان فيه. إن الجدل القائم اليوم حول تنفيذ بنود الاتفاق الأخير يكشف قراءتين متباينتين للمستقبل؛ فبينما ترى الحكومة السورية برئاسة الشرع أن دخول قوى الأمن الداخلي إلى الحسكة وعين العرب ودمج المقاتلين ضمن ألوية تتبع لوزارة الدفاع هي خطوات حتمية نحو تفكيك حالة الاستقلال الذاتي وإعادة صياغة العلاقة وفق منطق «السيادة المطلقة»، مع تقديم تنازلات إدارية مثل تعيين محافظ مرشح من «قسد» أو معاون لوزير الدفاع، نجد في المقابل أن «قسد» تسعى جاهدة لتطويع هذا الاتفاق ليكون مجرد «غطاء شرعي» يضمن بقاء استقلاليتها العسكرية والأمنية تحت لواء الدولة السورية شكلياً، مع الاحتفاظ بخصوصية القيادة والقرار ميدانياً. هذه المعضلة الوجودية بين منطق «الاندماج» ومنطق «الاستقلالية» تضع الاتفاق أمام اختبار عسير في كل مرحلة من مراحله الأربع، حيث تصبح التفاصيل اللوجستية مثل تسليم المعابر الحدودية كمعبري سيمالكا ونصيبين، أو إدارة حقول النفط في الرميلان والسويدية، ساحات صراع خفي بين رؤية تريد استعادة الموارد والسيادة بالكامل، ورؤية تدافع عن مكتسبات «الإدارة الذاتية» التي استمرت عقداً من الزمن. إن القوة الجدلية لهذا الاتفاق تكمن في كونه اضطرارياً للطرفين؛ فالحكومة تريد تجنّب الصدام العرقي والحفاظ على وحدة الأراضي أمام التهديدات الإقليمية، و«قسد» تدرك أن المظلة الدولية والتحوّلات الميدانية بعد انهيار النظام السابق لم تعد تسمح بمشاريع الانفصال أو الأقاليم المستقلة تماماً. ومع ذلك، تبقى الإشكالية الكبرى في «هندسة السلطة» المقترحة؛ فهل ينجح دمج «الأسايش» في وزارة الداخلية في تحويلها إلى قوة وطنية تلتزم بأجندة المركز، أم ستظل ولادتها التنظيمية حاجزاً يحول دون التماهي الكامل مع الدولة؟ إن قراءة المشهد السوري الحالي تقتضي الاعتراف بأن اتفاق يناير 2026 هو «هدنة سيادية» أكثر من كونه حلاً نهائياً، فالعقبة الأساسية تظل كامنة في التفاصيل الأمنية التي قد تنفجر عند أول اختبار لتراتبية القيادة، مما يجعل هذا المسار محكوماً بتوازن القوى على الأرض وبمدى قدرة الضامنين الدوليين على منع انزلاق التنسيق إلى صدام، في ظل إدراك الجميع أن «قسد» ستقاتل سياسياً وأمنياً حتى الرمق الأخير للحفاظ على استقلالية قرارها، بينما لن تقبل دمشق بأقل من عودة جغرافية الشمال الشرقي كجزء لا يتجزأ من النسيج الإداري والأمني والعسكري السوري الشامل، وهو ما يجعل تطبيق الاتفاق عملية معقدة تشبه السير في حقل ألغام سياسي.

*نقلاً عن “عكاظ”.

—————————

 واقع المسألة الكردية في سوريا وآفاقها/ عبدالله تركماني

2026.02.04

إنّ الحديث عن المسألة الكردية وتشكّلها موضوع تاريخي-سياسي معاصر، عمره تقريباً من عمر الدولة السورية الحديثة، وقد كانت مطالب وخيارات الأحزاب الكردية، قبل تسلّط “قسد” على الكرد، متوائمة مع حجمهم وقدراتهم في سوريا، وحريصة على الحفاظ عليهم، بتوزعهم على كامل الجغرافيا السورية.

وتفيد مصادر مختلفة أنّ مجموعات كردية قدمت في القرن الحادي عشر بصحبة صلاح الدين الأيوبي، وسكنت في بعض المدن الشامية والمناطق الساحلية، واندمجت وتعرّبت، مثل جبل الأكراد في الساحل السوري وحي الأكراد في دمشق.

وهناك الأكراد الذين وفدوا إلى سوريا في عشرينيات القرن الماضي، في زمن الانتداب الفرنسي، وتركز معظمهم في الجزيرة السورية بمحافظة الحسكة، ومنهم ظهر قادة وطنيون لعبوا دوراً بارزاً في الثورة السورية الكبرى وفي قيادتها، ولم يتصرفوا بصفتهم أكراداً بل كوطنيين سوريين.

وخلال عقود أكدت الأولوية السابقة ما هو مشترك بين الأكراد وسواهم من السوريين، أي النضال من أجل بلد تتحقق فيه الحريات العامة والخاصة، علماً أن العديد من الحقوق التي تنادي بها الأحزاب الكردية يندرج ضمن هذا المشروع: الحقوق الثقافية، وحق التعلم باللغة الأم، والحصول على الجنسية، وهذه الحقوق ليست خاضعة للمساومة السياسية.

إنّ الربط بين المسألة الكردية في سوريا وممارسات وتوجهات”قسد”، لا يخدم الجهد الساعي إلى تقديم حلول واقعية وطنية للمسألة الكردية، إذ إنّ مشروعها “مشروع إقليمي”، دخل إلى سوريا بناء على توافقات وتفاهمات مع النظامين الإيراني والسوري، منذ 2015، بهدف المصادرة على الورقة الكردية السورية، والسوريون الكرد يدركون قبل غيرهم الطبيعة التضليلية لهذه المشاريع.

ولكن، في غياب مقاربة واقعية متماسكة مطمئنة لهذه المسألة، من جانب السلطة الانتقالية الحالية، يكسب المشروع المزيد من التأييد، على الرغم من اقتناع الأغلبية بأنه مشروع الغاية منه تسجيل النقاط لشعارات وأهداف حزب العمال الكردي في تركيا.

لقد تسبّب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في خلق شرخ بين كرد سوريا أنفسهم وبينهم وبين المجتمع السوري، إذ لم تكن حقوق الكرد ومظلوميتهم إلا مطية لها لتحقيق مصالح حزبية ضيقة، بالتعاون مع النظام البائد المسبب الرئيسي للمظلومية الكردية في سوريا.

ولا شك أنّ متطرفي القوميين العرب يتحملون جزءاً كبيراً من المسؤولية عن إيصال الكرد إلى مرحلة الكفر بالوطن الواحد والعيش المشترك، فهم طالما نظروا إلى الكرد كأغيار، وتجاهلوا قضاياهم وحقوقهم.

وقد ساد مفهوم “فوبيا الانفصال الكردي”، من دون تمعّن وتفكير واطلاع على الواقع، فمجرد مطالبة الكردي السوري بأدنى حق يتهم بالانفصالية ويحكم عليه أنه يسعى الى تقسيم البلاد واقتطاع جزء منها.

وفي حقيقة الأمر فإنّ غالبية الكرد السوريين لا يرون من مصلحة شعبهم الانفصال أو إعلان الاستقلال لأسباب وجيهة ذاتية وموضوعية، إذ إنهم يدركون أنّ القانون الدولي قد قيد مبدأ حق تقرير المصير بعدة قيود، حتى لا يؤدي إلى تفتيت الدول وزعزعة سيادتها، فلو أنّ كل الأقليات في الدول ستقول بأنّ لها لغة وتاريخ مشتركاً، وبالتالي تطالب بالانفصال عن الدولة الأم، فإنّ هذا يعني تفتيت الدول.

وفي الواقع فإنّ الأحزاب الكردية، منذ نشأتها في العام 1957، كانت على الدوام تطالب بالحقوق الثقافية والاجتماعية والسياسية للكرد في سوريا، وأهدافها تلك ما زالت تتصدر بياناتها، إذ تدرك أنّ توزّع الأكراد الديمغرافي على قسم كبير من الجغرافيا السورية، خاصة في مدينتي دمشق وحلب والساحل، واختلاطهم الكثيف في مناطق الجزيرة السورية وشرق نهر الفرات بالعرب وغيرهم من القوميات الأخرى، يجعل الخيار الوطني السوري خياراً مفروضاً موضوعياً بقوة الجغرافيا والديمغرافيا.

وفي هذا السياق، يجب على “قسد” الإعلان عن فك ارتباطها مع “حزب العمال الكردستاني” التركي من جهة، وتأكيد توجهاتها الوطنية السورية، ولعلَّ اتفاقها الأخير مع السلطة السورية على إيقاف إطلاق النار يشكّل بداية للحل المرضي، مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين، بما فيها دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، والاتفاق على تسوية الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

ومن المؤكد أنّ “المرسوم رقم 13″، الذي يتضمن الإقرار بأنّ اللغة الكردية لغة وطنية، خطوة مهمة على طريق تعزيز الاندماج الثقافي والحقوقي للكرد في سوريا، يعترف بهم باعتبارهم جزءاً أساسياً من المجتمع السوري، ويمنحهم حقوقاً ثقافية ولغوية واجتماعية، ومع ذلك، يظل التنفيذ العملي والتشريعات التفصيلية العنصر الحاسم لنجاح هذا المرسوم، مع تثبيت الحقوق السياسية لكل المكوّنات السورية.

إنّ التحدي لا يقتصر على انتزاع الاعتراف، بل على بناء ثقافة كردية سورية قادرة على مساءلة ذاتها، وعلى الانفتاح على محيطها، وليس من شك في أنّ المظلومية الكردية هي مظلومية وطنية سورية، لهذا تبدو الحاجة ملحة الآن إلى تنظيم وإطلاق حوار وطني واسع، يقوم به سوريون أحرار، يمتد ليشمل البلد بكامله، يفضي إلى عقد اجتماعي جديد، يضمن حقوق كل مكوّنات الشعب السوري في المواطنة المتساوية.

وإنه لأمر بديهي أنّ استعادة الدولة أولاً، وإرساء الدولة الوطنية الحديثة، والمجتمع الديمقراطي التعددي ثانياً، يشكلان حجر الزاوية في العقد الاجتماعي المأمول.

إنّ الأمر يتطلب بلورة عقد وطني جديد، وهذا يستدعي أن يتناول الحل القادم، الذي أقره قرار مجلس الأمن الدولي 2799، المسائل الأساسية كلها، التي تهم جميع المكوّنات السورية، من خلال انخراط الجميع في عملية صياغة هذا العقد، مع توفير الضمانات لإنجاحه وتثبيت نتائجه وحماية هذه النتائج.

مما يستوجب الانخراط في إنتاج نظرة سورية راهنة إلى سائر القضايا السورية، وما يعنيه هذا من ضرورة الانتقال من الصراع القومي إلى الحوار الوطني، الهادف إلى بناء الدولة الوطنية الحديثة، دولة كل مواطنيها المتساوين في الحقوق والواجبات.

تلفزيون سوريا

————————

كيف تُدار الحسكة بين دمشق و”قسد”؟/ عبدالله سليمان علي

فبراير 4, 2026

دخل اتفاق الحكومة السورية و”قوات سوريا الديموقراطية” مرحلة التنفيذ الميداني في محافظة الحسكة، مع بدء انتشار وحدات من وزارة الداخلية داخل المدينة، في خطوة قدّمت رسمياً بوصفها تمهيداً لاستلام المسؤوليات الأمنية. غير أن الوقائع التي رافقت التنفيذ، وتفاصيل الانتشار وطبيعته، أظهرت منذ يومه الأول مساراً مختلفاً عن نماذج السيطرة التي طُبّقت في مناطق أخرى خلال الأسابيع الماضية.

في الحسكة، دخل رتل تابع لوزارة الداخلية مؤلف من نحو 15 آلية مدرعة، وعلى متنه ما بين 100 و125 عنصراً، عبر محور الهول باتجاه المدينة. ووفق الرصد الميداني، اقتصر الانتشار على المربع الأمني السابق والمؤسسات الحكومية، في حين بقيت الأحياء الأخرى تحت سيطرة قوات “الأسايش” التابعة لـ”قسد”. هذا النمط التنفيذي المحدود ترافق مع تأكيد رسمي بأن الخطوة تأتي في إطار “المرحلة التنفيذية” من الاتفاق وبهدف ضمان انتقال انسيابي للوضع الأمني، إلا أن الوقائع على الأرض أظهرت أن الاستلام لم يكن شاملاً، لا جغرافياً ولا وظيفياً.

الأمر نفسه ينسحب على القامشلي، حيث يُنتظر أن يتمركز الأمن الداخلي السوري في مطار المدينة والمراكز الحكومية فقط، على غرار ما جرى في الحسكة، من دون دخول إلى الأحياء أو سحب فوري لقوى الأمن التابعة لـ”قسد”.

في المقابل، واصلت “قسد” تنفيذ إجراءات أمنية موازية، شملت تكثيف الحواجز وحملات اعتقال في أحياء من الحسكة والقامشلي، بالتزامن مع دخول قوات وزارة الداخلية، ما عكس بقاء القرار الأمني موزعاً فعلياً، وعدم حدوث انتقال كامل للسلطة الأمنية في الشارع.

روايتان للتنفيذ

لم يقتصر التباين على الوقائع الميدانية، بل ظهر أيضاً في التصريحات الرسمية نفسها. ففي حين تحدث قائد الأمن الداخلي في الحسكة مروان العلي عن بقاء القوات الأمنية في مواقعها والدخول لاحقاً إلى القامشلي، مشيراً إلى دمج “الأسايش” ضمن وزارة الداخلية بعد تنفيذ بنود الاتفاق، قدّم نائبه سيامند عفريني، وهو قيادي في “قسد”، توصيفاً مختلفاً لطبيعة الانتشار، مؤكداً أن غالبية عناصر الأمن الداخلي ستغادر خلال ساعات، مع بقاء عدد محدود (15 عنصراً) لمدة شهر واحد فقط، بهدف إعادة تشغيل المؤسسات، ثم يغادرون عند انتهاء المهمة.

هذا الاختلاف في توصيف طبيعة الانتشار يعكس، على الأرجح، طبيعة الاتفاق نفسه، الذي نصّ على “دمج متسلسل” للقوات العسكرية والإدارية من دون تحديد آليات تفصيلية أو جدول زمني ملزم، ما فتح الباب أمام تنفيذ مرحلي مرن، يتيح قراءات متعددة بحسب موقع الجهة المصرِّحة ودورها.

لماذا الحسكة تحديداً؟

يبدو اعتماد هذا النموذج المرن في الحسكة خياراً سياسياً محسوباً أكثر منه تفصيلاً تقنياً. فالمحافظة تختلف عن الرقة ودير الزور من حيث حساسيتها الديموغرافية وتعقيد بنيتها الاجتماعية، فضلاً عن احتضانها ملفات أمنية وسياسية عالية الكلفة. إلى ذلك، تبرز رغبة دمشق في تجنّب فتح جبهة جديدة في لحظة انتقالية دقيقة، مقابل سعي “قسد” إلى الحفاظ على أوراق قوة أساسية خلال مرحلة الدمج.

هذه المقاربة تفسّر الفارق الواضح بينها وبين مناطق أخرى دخلت فيها القوات الحكومية بوصفها سلطة أمنية كاملة، كما في الرقة ودير الزور، أو تلك التي انتهى مسارها إلى حسم عسكري مباشر، كما في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بحلب. أما في الحسكة، فيجري اعتماد صيغة تقوم على انتشار جزئي وتأجيل حسم الملفات الحساسة.

ويُلاحظ أن هذا المسار تزامن مع اهتمام فرنسي متقدم بالملف، سبق بدء التنفيذ الميداني، ما يفتح الباب أمام احتمال تأثير هذا العامل ضمن مجموعة الاعتبارات التي رافقت صياغة الاتفاق وتنفيذه، من دون أن يرقى ذلك إلى مستوى الرعاية أو الضمان السياسي المباشر، أو اعتباره العامل الحاسم وحده.

سجون “داعش”: عامل تفسيري

في هذا السياق، يُرجَّح أن يكون ملف سجون تنظيم “داعش” عاملاً تفسيرياً أساسياً لطبيعة الاتفاق وتنفيذه. فقد أبقت التفاهمات المعلنة حماية هذه السجون بيد “قسد”، وهو استثناء لافت في سياق ترتيبات دمج أمني وإداري يُفترض أن تنتهي، نظرياً، إلى استعادة الدولة لوظائفها السيادية.

يمكن قراءة هذا الاستثناء بوصفه أولوية دولية لتفادي أي فراغ أمني في منشآت عالية الحساسية تضم آلاف الموقوفين، أكثر منه تبنّياً لشكل حكم أو نموذج سيادي محدد، وهو ما يفسّر في الوقت نفسه الدعم الدولي لمسار التنفيذ الحذر.

أسئلة دستورية وسياسية مفتوحة

أثار تسريب بنود الاتفاق ثم ظهور بوادر التنفيذ تساؤلات جدية على الصعيدين الدستوري والسياسي. فقد تضمّن الاتفاق منح “قسد” صلاحية ترشيح محافظ الحسكة ونائب لوزير الدفاع، في حين ينص الإعلان الدستوري الموقت على أن هذه التعيينات من اختصاص رئيس الجمهورية من دون تخويل “حق الترشيح” لأي جهة أخرى.

ولا يقتصر السؤال هنا على الشكل القانوني، بل يتجاوزه إلى الدلالة السياسية: هل يشكّل ذلك اعترافاً ضمنياً بترتيبات أمر واقع؟ أم أنه تنازل اضطراري في مرحلة انتقالية؟ وهل يفتح الباب أمام سابقة قد تُطالب بها مناطق أخرى؟ أسئلة لا يقدّم الاتفاق إجابات صريحة عنها، لكنها تظل حاضرة بقوة في قراءة مآلاته.

ويزيد الغموض عدم نشر نسخة رسمية كاملة من الاتفاق، والاقتصار على تسريبات متناقضة، ما يعزّز الطابع الانتقالي وغير المحسوم للتفاهمات الجارية.

رهانات متقاطعة

في هذا المسار، تتقاطع رهانات الأطراف من دون أن تتطابق: تراهن دمشق على استعادة تدريجية للسيادة بأقل كلفة ممكنة، وتراهن “قسد” على الحفاظ على جوهر نفوذها الفعلي مرحلياً، فيما تركز القوى الدولية على منع انفلات أمني مرتبط بملفات حساسة، بينما تسعى المجتمعات المحلية إلى تجنّب فراغ جديد يعيد إنتاج العنف.

اتفاق بلا توصيف نهائي

بناءً على ما سبق، لا يمكن توصيف ما يجري في الحسكة بوصفه فرضاً كاملاً للسلطة المركزية، ولا اعتباره نموذجاً لامركزياً واضح المعالم. بل يبدو أقرب إلى مسار ثالث، مرن ومتدرّج، يُدار عبر تفاهمات تنفيذية أكثر منه عبر نصوص قانونية حاسمة، وتتشابك فيه اعتبارات محلية وإقليمية ودولية.

الحسكة ليست استثناءً فقط، بل مختبراً لطريقة الدولة السورية في إدارة مرحلة انتقالية بلا إطار دستوري واضح، وبلا قدرة على الحسم العسكري أو الإداري الكامل. نجاح هذا المسار أو تعثّره سيبقى مرهوناً بقدرته على الانتقال من الترتيبات الموقتة إلى صيغة مستقرة، وحتى ذلك الحين، ستظل الحسكة اختباراً مفتوحاً لمعنى السيادة وكيفية إدارتها في زمن الانتقال.

النهار

————————

أهالي الحسكة ينتظرون نتائج الاتفاق بين الحكومة و”قسد

تفاؤل لا يلغي القلق..

شهدت مدينتا الحسكة والقامشلي خلال الأيام القليلة الماضية دخول قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية، وهي مناطق كانت حتى أمد قريب تحت السيطرة المطلقة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

هذا التطور الميداني، جاء نتيجة خطوات تنفيذية لاتفاق وقف إطلاق النار الشامل بين الحكومة و”قسد” الذي جاء برعاية دولية، وأعلن عنه في 30 من كانون الثاني الماضي.

وبينما كانت شوارع الحسكة تراقب مرور الآليات التي تحمل العناصر بأسلحتهم الخفيفة، انقسم الشارع المحلي بين متفائل بانفراجة خدمية وإدارية طال انتظارها، وبين متوجس يرى في هذا التطور فتيلًا قد يشتعل في أي لحظة، معيدًا مشهد الصدامات العسكرية التي جرت خلال الأيام الأخيرة في الرقة ودير الزور.

الوجود الجديد للقوات الحكومية في نقاط تماس حساسة، يضع “قوى الأمن الداخلي” (أسايش) التابعة لـ”قسد” أمام تحدي التنسيق اليومي المباشر، وهو ما يجعل السكان في حالة ترقب مستمر لما ستؤول إليه الأمور على الأرض.

ترحيب تشوبه مخاوف

في “سوق الهال” بمدينة الحسكة، يرى “أبو رائد” (52 عامًا)، وهو تاجر جملة، أن أي اتفاق يقلل من الحواجز هو مكسب للمواطن.

وقال “أبو رائد” لعنب بلدي، “نحن في الحسكة كنا نعيش في أيام النظام السابق داخل جزر معزولة. التاجر يعاني لإيصال بضاعته من المربع الأمني إلى الأحياء الأخرى، ودخول قوى الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية ضمن اتفاق رسمي برعاية دولية قد ينهي حالة الإتاوات والتعقيدات على الحواجز المتبادلة، وأتمنى ألا نكرر تجربة المربعات الأمنية السابقة. نحن نرحب بهذا الاتفاق إذا كان سيؤدي فعلًا إلى فتح الطرقات بشكل دائم وتنشيط الحركة التجارية التي خنقها التوتر العسكري”.

لكن “أبو رائد” لم يخفِ قلقه معبرًا عن ذلك بقوله، “كلما رأينا تقاربًا، نخشى من الانتكاسة. مشكلتنا هي أن أي احتكاك فردي بين عنصر من الحكومة وعنصر من (أسايش) قد يحول المدينة إلى ساحة حرب. الترحيب بالاتفاق موجود، لكن التوجس من عودة الصدام العسكري يسكننا جميعًا، فالسلاح منتشر بكثرة، والنفوس مشحونة”.

“سلاح ذو حدين”

بالنسبة لسارة (30 عامًا)، وهي ناشطة في منظمات المجتمع المدني، فإن الاتفاق يمثل “سلاحًا ذا حدين”.

ترى سارة أن وجود الحكومة السورية بشكل أكثر فاعلية في القامشلي والحسكة قد يسهل على السكان استخراج الوثائق الرسمية، وجوازات السفر، وتثبيت عقود الملكية دون الحاجة للسفر الشاق إلى دمشق أو مواجهة مخاطر الطريق.

وقالت سارة لعنب بلدي، إن دخول دفعتين من الأمن الداخلي يعني تفعيلًا أكبر للمقار الحكومية، وهذا أمر يخدم المدنيين في تسيير أمورهم القانونية، وأضافت أن الرعاية الدولية للاتفاق “تعطينا نوعًا من الأمل في أن هناك ضمانات دولية لعدم استمرار التجاوزات الأمنية”.

لكن الشابة أبدت قلقها من التداخل الخاص بين القوتين (الحكومة وأسايش)، متسائلة، “كيف سيتم الفصل في الصلاحيات؟ نحن نخشى من عودة الملاحقات الأمنية من قبل (أسايش) بأساليب جديدة تحت غطاء هذا الاتفاق. كما أننا نتوجس من أن يكون هذا التواجد مقدمة لصراع نفوذ يؤدي في النهاية إلى صدام عسكري يدفع ثمنه المدنيون، كما حدث في معارك الشيخ مقصود والأشرفية بحلب”.

وعود هشة

في حي العزيزية، يجلس محمود (64 عامًا) أمام منزله، يراقب المارة بعينين خبيرتين بتقلبات السياسة في الجزيرة السورية.

بالنسبة لمحمود، فإن دخول القوات التابعة للحكومة السورية ليس خبرًا جديدًا بقدر ما هو تكرار لسيناريوهات سابقة في أماكن أخرى (يشير إلى حلب) لم تجلب استقرارًا مستدامًا.

وقال محمود لعنب بلدي، “نحن نرحب بالاتفاق إذا كان سيحمي بيوتنا من القصف والدمار. نحن أبناء هذه الأرض ونريد أن نرى الحكومة و(قسد) يتفقان بدلًا من الاقتتال، لكن التاريخ يعلمنا أن هذه الاتفاقات هشّة كزجاج النوافذ في وقت الانفجار. دخول الدفعتين بأسلحتهما إلى قلب المدن هو وضع (البارود بجانب النار). الرعاية الدولية للاتفاق قد تضبط الأمور لفترة، لكن ماذا لو اختلفوا مجددا؟”

وأضاف، “توجسنا نابع من أن الحسكة لا تحتمل جولة قتال أخرى. نحن نريد اتفاقًا يضمن لنا الأمن لا أن يأتي بالمسلحين إلى شوارعنا الضيقة. نأمل أن تكون هذه المرة مختلفة، لكننا ننام وعيوننا مفتوحة، تحسبًا لأي طلقة طائشة تنهي هذا الهدوء الحذر”.

ويواجه الاتفاق الأخير تحديات، أبرزها القدرة على رسم حدود واضحة للصلاحيات بين قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية، و”أسايش” التابعة لـ”قسد”، فالتداخل الجغرافي في الحسكة والقامشلي يجعل من الصعب تجنب الاحتكاك اليومي، خاصة في المناطق الحيوية مثل الأسواق والمراكز الإدارية.

ويبقى الصدام العسكري الاحتمال الأكثر رعبًا للسكان، الذين باتوا يربطون بين أي تحرك أمني جديد واحتمالية اندلاع مواجهة شاملة قد لا تنتهي بانسحاب طرف لمصلحة الآخر.

الترقب سيد الموقف

يبقى المشهد في الحسكة والقامشلي معلقًا بين رغبة الأهالي في إنهاء حالة التمزق الإداري والأمني، وخوفهم من أن يكون هذا الاتفاق مجرد “هدنة مؤقتة” لإعادة ترتيب الأوراق العسكرية.

ومع دخول القوات الحكومية إلى المدينتين وبدء انتشارها، تظل الأعين شاخصة نحو نقاط التماس، بانتظار ما إذا كانت الرعاية الدولية ستنجح في تحويل هذا الاتفاق إلى استقرار دائم، أم أن الحسكة ستظل “برميل بارود” ينتظر شرارة المواجهة.

وكان رتلان من الأمن الداخلي التابع للحكومة السورية دخلا تباعًا خلال اليومين الماضين (2 و3 من شباط الحالي) إلى مدينتي الحسكة والقامشلي، تنفيذًا للاتفاق الذي تم الإعلان عنه بين الحكومة السورية و”قسد” في 30 من كانون الثاني الماضي، إثر مواجهات عسكرية أدت إلى إنهاء سيطرة “قسد” على محافظة الرقة وأرياف دير الزور والحسكة، فيما بقيت أجزاء من الأخيرة بيد “قسد” وسط حشد الجانبين لقوى عسكرية على خطوط التماس.

عنب بلدي

——————————————–

قسد” تواصل حملات الاعتقال في شمال شرق سورية رغم الاتفاق مع دمشق/ عبد الله البشير

04 فبراير 2026

تواصل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) حملات الاعتقال في مناطق شمال شرق سورية، رغم التطبيق الفعلي لاتفاق وقف إطلاق النار مع الحكومة السورية ودخول قوى الأمن الحكومية إلى مناطق سيطرتها، وفق ما أفاد به مصدر إعلامي من المنطقة لـ”العربي الجديد”، طالباً عدم الكشف عن اسمه لمخاوف أمنية. وأشار المصدر إلى أن الاعتقالات مستمرة ولم تتوقف منذ بدء العمليات العسكرية شمال شرق سورية، مؤكداً أن هذه العمليات تتم من خلال “وحدة مكافحة الإرهاب” التابعة لـ”قسد”.

وأوضح المصدر أن الاعتقالات جرت في مدينة القامشلي وعموم ريف الحسكة ضمن المناطق التي تسيطر عليها “قسد”، إلى جانب قوى الأمن الداخلي التابعة لها (الأسايش)، وفي مدينتي القحطانية والجوادية، وكذلك في الأحياء ذات الغالبية العربية ضمن مدينة الحسكة، بما فيها غويران والنشوة، حيث جرى اعتقال العديد من الشبان.

ولفت المصدر إلى أن “الاعتقالات تطاول كل من يعترض سياسياً على “قسد”، وكل من يرحب بدخول الحكومة السورية أو يرفع العلم السوري أو ينشط على وسائل التواصل الاجتماعي”، مشيراً إلى أن عدد المعتقلين منذ دخول الأمن العام إلى مدينة الحسكة في 2 فبراير/ شباط الحالي وحده يزيد على 27 شخصاً، ممن أحصاهم ناشطون محليون، مع الإشارة إلى عدم وجود إحصائيات رسمية حول الأعداد الحقيقية. وحصل “العربي الجديد” على قائمة المعتقلين الـ27، ويتحفّظ عن نشر أسمائهم بطلب من عائلاتهم، الذين يتخوفون من تضييقات “قسد”.

وكانت قوات الأمن السورية قد دخلت إلى مدينة القامشلي في ريف محافظة الحسكة الشمالي الشرقي، أمس الثلاثاء، في إطار اتفاق مبرم بين الحكومة و”قسد”. وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، في كلمة ألقاها أمام مقر قوى الأمن الداخلي (الأسايش) في مدينة الحسكة، بحضور مسؤول الأمن الداخلي في المحافظة لدى الحكومة السورية ومسؤول “الأسايش” لدى “قسد”، إن قوات الأمن دخلت القامشلي “وسط اهتمام لافت وتنظيم مشكور من قبل زملائنا في الأسايش”، معرباً عن شكره لهم على “حسن الاستقبال”.

في المقابل، أكد مصدر مقرب من “قسد” لـ”العربي الجديد” أن بعض الأطراف التابعة لحزب العمال الكردستاني تسعى إلى تقويض الاتفاق بين الجانبين، مشيراً إلى أنها تحاول نشر معلومات مضللة، من بينها أن عدد القوى الأمنية الحكومية قليل، وأنها ستنسحب بعد أيام، وسط دعوات إلى عدم التخلي عن السلاح أو قبول الاتفاق.

من جهتها، أكدت المتحدثة باسم “وحدات حماية المرأة”، روكسان محمد، أن الوحدات ستستمر في الوجود جماعةً مسلحةً مستقلة داخل التقسيمات الكردية، وذلك في تصريحات أدلت بها لصحيفة “تلغراف” البريطانية في 3 فبراير/ شباط. وأشارت إلى أن الصفقة المقترحة “ينبغي أن تضمن احتفاظ الفصائل الكردية بدرجة من الاستقلال الذاتي كثقل موازن” لصد ما وصفتها بـ”الانتهاكات المحتملة” من قبل القوات الحكومية.

وقالت محمد: “لقد لعب قادتنا وجنودنا الدور الأكبر في الحرب ضد داعش وضد جبهة النصرة على جميع الجبهات، لذلك لا يمكننا قبول قوة مسلحة بدون نساء”. وبينت استعداد الوحدات لكل الخيارات، سواء الحرب والقتال أو السلام، مؤكدة ضرورة حماية حقوق الوحدات والأكراد في الاتفاقية، وختمت بالقول: “قد تشتد الهجمات، لكنها لن تصل إلى أرضنا إلا على جثثنا. نحن محاصرون نعم، لكننا مستعدون أيضاً”.

وكان الطرفان قد توصلا في 30 يناير/ كانون الثاني الماضي إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار. ونقلت قناة “الإخبارية السورية” عن مصدر حكومي قوله إن الاتفاق يشمل انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات “قسد”، إضافة إلى تشكيل لواء لقوات عين العرب (كوباني) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب. وأضاف المصدر أن الاتفاق يتضمن أيضاً دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية، وتثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

العربي الجديد

—————————–

مسؤولة كردية عن اتفاق قسد ودمشق: منع حرباً أهلية

القيادية فوزة يوسف رأت وقف إطلاق النار خطوة للمحافظة على خصوصية المناطق الكردية

جوان سوز – العربية.نت

04 فبراير ,2026

مع دخول قوات الأمن الداخلي السورية إلى آخر معاقل قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في محافظة الحسكة ومدينة القامشلي في أقصى شمال شرقي البلاد، بدأ التنفيذ الفعلي للاتفاق الأخير الذي أبرمته هذه القوات نهاية الأسبوع الماضي مع الحكومة السورية.

فهل يلبي هذا الاتفاق طموح الأكراد؟

رأت القيادية الكردية فوزة يوسف التي كانت ترأّست وفداً تفاوضياً شكّله قائد “قسد” مظلوم عبدي بعد توقيعه لاتفاق مارس/آذار الشهير مع الرئيس أحمد الشرع، أن الاتفاق الأخير بين دمشق وقسد لا يعد مثالياً، لكنه منع التصعيد العسكري بين الجانبين بعد مواجهات دامت قرابة 3 أسابيع بدأت في محافظة حلب ثاني كبرى محافظات البلاد.

وقالت: “بالطبع لا يمكننا القول إن الاتفاق الأخير مثالي ويعبّر عن تطلعاتنا، لكن الشيء المهم في هذا الاتفاق أنه منع نشوب حرب أهلية كانت ستؤدي إلى مخاطر كبيرة سيما مع استمرار خطاب الكراهية والحرب الإعلامية التي سبقت هذا الاتفاق والتي كانت تدعو لاقتتال كردي عربي”.

وأضافت يوسف في مقابلة خاصة مع “العربية/الحدث.نت”، أن وقف إطلاق النار خطوة مهمة في هذا الاتفاق إلى جانب المحافظة على خصوصية المناطق الكردية من الناحية الأمنية والإدارية، لافتة إلى أنها أمور إيجابية.

أيضاً أشارت إلى أن الضامن الأساسي لتنفيذ هذا الاتفاق هو إرادة الطرفين في تحقيق ذلك، ورأت أن المقاربة بمسؤولية أمرٌ مهم سواءً من قبل الأكراد أو من قبل دمشق.

كما كشفت أن هناك دول راعية للاتفاق وتتابع الوضع عن كثب كالولايات المتحدة وفرنسا وقد أعربتا عن استعدادهما للتعاون بهذا الخصوص، ملمّحة إلى أن شكل الإدارة بعد الاتفاق سيكون وفق المحافظات الأخرى مع اختلاف بالتفاصيل.

وأوضحت أنه تمّ اقتراح اسم محافظ الحسكة ونائب وزارة الدفاع من قبل قوات سوريا الديمقراطية، وهذا لم يتمّ في المحافظات الأخرى، بالإضافة إلى أن قوات الأسايش والألوية الأربعة العسكرية ستحافظ على بقاءها من أجل حماية المنطقة داخلياً وخارجياً.

ولفتت إلى أن سيتمّ المحافظة على مؤسسات الإدارة الذاتية ودمجها مع الوزارات الموازية لها، وبالتالي يمكن القول إن الحالة الإدارية في المناطق الكردية “إدارة محلية” ذات صلاحيات واسعة، إذ هناك لجان تشكلت من قبل قسد ودمشق ستعمل معاً من أجل تطبيق الاتفاقية، كما هناك اتصالات يومية مع الجهات المعنية في دمشق لمناقشة التفاصيل أو العثرات التي قد تواجهها هذه اللجان.

خصوصية المناطق الكردية

يذكر أن دمشق وقسد أبرمتا اتفاقاً نهاية الأسبوع الماضي، نصّ على وقفٍ دائم لإطلاق النار بين الجانبين بعد مواجهات مسلّحة دامت قرابة 3 أسابيع.

وقد حظي هذا الاتفاق بترحيب عربي ودولي كبيرين.

كما نص الاتفاق الذي تلا مرسومٍ رئاسي أصدره الشرع للاعتراف بالحقوق الكردية لغوياً وثقافياً مع إعادة الجنسية للأكراد المجردين منها بعد إحصاء عام 1962، على المحافظة على خصوصية المناطق الكردية.

———————-

==================

تحديث 03 شباط 2026

—————————–

ثلاثية الحقوق الكردية في عهدة الدولة السورية.. المواطنة هي المعيار؟/ مها سلطان

فبراير 3, 2026

في كل اتفاق موقع مع “قسد” كان هناك حرص من الحكومة السورية على تثبيت الحقوق الوطنية للسوريين الكرد في الاتفاق. وزيادة في الحرص، تضمن الاتفاق الأخير الموقع بين الحكومة و”قسد”، يوم الجمعة الماضي، تفاصيل أوسع وأشمل تتكامل مع المرسوم 13 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع لضمان حقوق الكرد السوريين دستوريا، بمنحهم الحقوق الثقافية واللغوية ضمن إطار وطني جامع.

لذلك لاقى الاتفاق الأخير ترحيبا إقليميا ودوليا واسعا بوصفه تطورا نوعيا آخر سيعزز عملية الاندماج التدريجي للهياكل العسكرية والإدارية الكردية تحت مظلة الدولة السورية، بما يعزز أمنها واستقرارها ووحدة أراضيها، إلى جانب الحفاظ على الحقوق المدنية لجميع مكونات الشعب السوري، ومن ضمنهم الكرد السوريون.

وكان الرئيس الشرع أكد حرصه على حقوق الكرد السوريين، وعلى سواسية جميع مكونات الشعب السوري أمام القانون، وذلك في اتصالين هاتفيين أمس مع كل من مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وبحث الشرع مع بارزاني التطورات والتعاون لتنفيذ الاتفاق مع “قسد”، مؤكدا حرص الدولة السورية على حقوق الكرد الثلاثة: الوطنية والسياسية والمدنية، وعلى أن جميع السوريين سواسية أمام القانون ويتمتعون بحقوق متساوية، مشددا على أهمية التعاون والتنسيق المشترك لتنفيذ الاتفاق وتحقيق الاستقرار في سوريا والمنطقة.

وكان ماكرون أشاد بالاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”، مؤكدا أن فرنسا ستواصل دعم سوريا والشعب السوري على درب تحقيق الاستقرار والعدالة وإعادة الإعمار بالتنسيق مع شركائها الدوليين.

وفي الاتصال بين الرئيس الشرع وماكرون تم التأكيد على دعم المسار السياسي السوري وتعزيز الاستقرار. وشدد ماكرون على ضرورة تنفيذ الاتفاق بما يضمن وحدة سوريا وسيادتها، وفق البيان الصادر عن الرئاسة السورية.

الحقوق الثلاثة

بعيدا عن المستوى العسكري المتضمن في الاتفاق، فإن تطبيق البنود المدنية والاجتماعية والتعليمية بدأ فعليا مع بدء عملية التجنيس وإصدار هويات للأكراد السوريين، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية “سانا”.

ومن ضمن البنود الاعتراف بالشهادات التعليمية الصادرة عن الإدارة الذاتية سابقا (مسد)، ووضع إطار لتشكيل لجان وتطبيق الشق المتعلق بالمناهج الكردية في المدارس، وذلك خلال الأشهر الستة المقبلة تمهيدا للعام الدراسي القادم.

ويتضمن الاتفاق كذلك دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة مع تثبيت الموظفين المدنيين، وهو بند يحمل أبعادا سياسية وإدارية حساسة، وفق المحللين الذين يرون أنه سيسهم في منع حدوث فراغ مؤسساتي أو اضطرابات خدمية. وهذا من جهة، ومن جهة ثانية يعكس توجها نحو انتقال تدريجي بدل التغيير المفاجئ الذي قد يهدد الاستقرار المحلي.

فضلا عن ذلك، فإن الاتفاق على تسوية الحقوق المدنية والتربوية لـ”المجتمع الكردي” وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم هي بنود ترتبط مباشرة بإعادة ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز الثقة.

وفي الإطار نفسه يندرج انسحاب القوات السورية من نقاط التماس، الذي يدرجه المحللون في سياق محاولات الدولة إعادة تفعيل مؤسساتها في الجزيرة تدريجيا من دون إحداث صدمة إدارية أو أمنية قد تؤثر على “التوازنات المحلية”.

ويضيف المحللون بأن هذه السياقات من شأنها التمهيد لمرحلة جديدة أوثق من التنسيق والتعاون، وبما يدعم مسار الحلول السياسية وعملية الاندماج، ومن ضمنها الحرص على حقوق الكرد السوريين. ويرون أن الهدف النهائي يتمثل في تحقيق وحدة الأراضي السورية وإنفاذ القانون وتحقيق عملية الدمج من خلال تعزيز الثقة والتعاون بين الأطراف المعنية.

انعطاف بنيوي

تقول الأستاذة غدران نجم، الأخصائية والباحثة الاجتماعية، في حديث لـ”الثورة السورية”: ما نشهده حاليا، فيما يخص الكرد السوريين وضمانة حقوقهم دستوريا تحت سقف الوطن الجامع، هو انعطاف بنيوي في تاريخ الدولة السورية الحديثة. نحن هنا نتحدث عن عملية إعادة عقد اجتماعي جديد يردم فجوات تاريخية وقانونية تراكمت لعقود.

تاريخيا كان جزء من الكرد السوريين يعاني من معضلات قانونية مثل مكتومي القيد والأجانب، مما خلق شعورا بالاغتراب عن الدولة الضامنة. والبدء بعملية التجنيس ومنح الهويات السورية هو فعل اعتراف قانوني ينهي حالة انعدام الجنسية، بل يشكل حجر الأساس لأي استقرار سياسي.

فالهوية ليست مجرد ورقة، إنها التذكرة التي تمنح الفرد حق اللجوء إلى القضاء، وحق الملكية، وحق المشاركة السياسية بشكل عادل. حيث إن الكرد ليسوا وافدين، بل هم خيط أصيل في النسيج السوري، ودمجهم دستوريا يعني الانتقال من مفهوم الأقلية التي تحتاج رعاية إلى مفهوم المواطنة المتساوية التي لا تفرق بين سوري وآخر إلا بالالتزام بالقانون.

إن إدراج الحقوق الكردية في الدستور وفق المرسوم 13 هو أعلى درجات الضمانة، مما يحول هذه الحقوق من منحة إلى واجب دستوري ثابت لا يتغير بتغير الحكومات.

وهو ما أكد عليه الرئيس الشرع على الدوام، ثم أطره ضمن إطار الدولة الواحدة الموحدة في المرسوم 13 وفي الاتفاق الأخير يوم الجمعة الماضية، وفي الاتفاقين السابقين 10 آذار و18 كانون الثاني. ولأن الاتفاق الأخير جاء شاملا ونوعيا، فلا يزال المراقبون والمحللون يتوقفون عنده، وإن كانوا ما زالوا يتحدثون عن مراحل التنفيذ والالتزام في سبيل نجاح الاتفاق، فلا يكون مصيره مثل الاتفاقين السابقين.

علما أن الدولة وضعت هذا الاتفاق موضع التنفيذ الفوري إثباتا لصدق النيات وتأكيدا لربط الاتفاق بالأفعال وبصفة فورية، إلا إذا عمل الطرف الآخر، تنظيم “قسد”، على الإخلال بالبنود وعدم تنفيذها. هذا لن يدفع الحكومة للتخلي عن الاتفاق بأي حال، ولا عن حقوق الكرد السوريين التي تم حفظها دستوريا في المرسوم 13، ولكن أي عرقلة أو إخلال سينعكس على الطرف الآخر نفسه وعلى الكرد السوريين بالمجمل، فهم المتأثرون بصورة أساسية من عرقلة التنفيذ، وتاليا تأخير حصولهم على حقوقهم الأساسية.

ربط اجتماعي مع دمشق

تقول نجم: إن الاتفاق الأخير المتضمن لآليات تنفيذ الحقوق الكردية هو اتفاق وطني بامتياز. هذا الاتفاق الذي يتضمن دمج القوات العسكرية الكردية ضمن فرقة تابعة للجيش السوري ودخول قوى الأمن الداخلي للمدن يمثل عودة سيادة الدولة ولكن بروح تشاركية، فهو يحول السلاح من سلاح فصائلي إلى وطني، ويزيل المخاوف من الصراعات البينية.

فتحويل “قسد” من قوة محلية إلى جزء أصيل من الجيش العربي السوري هو تطبيق لمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، وهذا الدمج يحفظ كرامة المقاتلين ويضعهم في خندق واحد للدفاع عن حدود الوطن، بل يوازن بين هيبة الدولة والقبول الاجتماعي المحلي، ما يمنع حدوث صدام أو فراغ أمني.

ناهيك عن استلام الدولة لمطار القامشلي ومعبري نصيبين وفيش خابور، الأمر الذي سيعيد تنشيط الحركة التجارية والتبادل الاقتصادي، حتى أنه اجتماعيا يسهل لم الشمل، ويخفض تكاليف المعيشة، وينهي التبعية الاقتصادية لقوى الأمر الواقع. وعليه فإن ما سبق هو إعلان فعلي لعودة السيادة الجغرافية الكاملة.

هنا لا بد من التطرق إلى مسألة مهمة ضمن الاتفاق وآليات التنفيذ، وهي المتعلقة بالموظفين وضمان حقوقهم. تتحدث نجم عن سعي الدولة لضمان الأمان الوظيفي لآلاف الكرد السوريين في منطقة الجزيرة، فهذا الاتفاق يربط عمليا بين مصالح الناس المعيشية هناك بالمركز (دمشق).

إضافة إلى الاعتراف بالحقوق الثقافية كاللغة والخصوصية الثقافية ضمن إطار الدولة، فإن ذلك هو الضمان الأكبر والحصانة الأبرز ضد النزعات الانفصالية، فغالبا ما يولد الانفصال من الشعور بإنكار الهوية، وحين تعترف الدولة بهذه الهوية وتحميها تسحب الذرائع من أي مشروع تقسيمي أو دعوات للانفصال، لأن مبرراتها كالتهميش الثقافي والإنكار قد انتفت قانونيا.

حتى الاعتراف بالشهادات الدراسية هو أكبر استثمار في رأس المال البشري، لأنه يمنع ضياع جيل كامل من الطلاب الذين درسوا في مناهج غير معترف بها سابقا، ويوفر الاستمرارية الخدمية للمواطن السوري دون انقطاع.

والحال نفسه ينسحب على تثبيت موظفي “الإدارة الذاتية” في مؤسسات الدولة، إذ يمنع البطالة ويضمن استمرار الخدمات، مما يخلق حالة من الرضا الشعبي السريع تجاه الاتفاق.

وينسحب أيضا على عودة النازحين وتسوية الحقوق المدنية وضمان العودة الآمنة لهم بوصفها الخطوة الأولى لإعادة تشكيل النسيج الاجتماعي وإعمار ما دمرته سنوات الحرب المريرة.

العيش المشترك

وتضيف الباحثة الاجتماعية: “نحن بأمس الحاجة إلى العيش المشترك، وهذه ليست شعارات، بل ممارسة يومية تتطلب تسوية الحقوق المدنية وعودة النازحين كخطوات علاجية لترميم الجروح الاجتماعية التي خلفتها سنوات النزاع”.

وتتطلب أيضا إدراج قيم التنوع في المناهج الدراسية السورية، ليعرف الطالب في دمشق أو طرطوس أن الثقافة الكردية غنى له وليست تهديدا.

كما أن دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن الدولة مع الحفاظ على المرونة في إدارة الشؤون المحلية يقلل من البيروقراطية ويزيد من رضا المواطن ويسهل معاملاته.

ومن وجهة نظر اجتماعية، نعم، الدولة السورية تسير في المسار التصحيحي التاريخي المناسب لأنها اختارت طريق الاحتواء القانوني بدلا من المواجهة العسكرية، لأن الدولة القوية هي التي تستوعب جميع أبنائها تحت سقف القانون.

وإنهاء ملف التجنيس والاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية هو صمام الأمان ضد التفتت، فالوحدة الجغرافية لا تكتمل إلا بالوحدة الوجدانية، وهذه الإجراءات كفيلة ببناء هذه الوحدة.

وبالمحصلة تضيف نجم أننا أمام مشهد سوريا المتجددة حيث المواطنة هي المعيار، والدولة هي المظلة. وفعلا هذا الاتفاق، إذا ما تم تطبيقه وتنفيذه بروح التشارك التي ظهرت في تصريحات القيادة، سيجعل من التنوع السوري العربي الكردي السرياني وغيرهم مصدر قوة ومنعة إقليمية لا ثغرة للتدخلات الخارجية. لأن الانتقال من نقاط التماس إلى نقاط التلاقي في المؤسسات والمدارس والجيش هو الضمانة الوحيدة لوحدة سوريا جغرافيا وبشريا. والتحدي الآن يكمن في التنفيذ الأمين الآمن لهذه البنود، وبناء جسور الثقة يوميا عبر ممارسات الموظفين ورجال الأمن والمعلمين في المناطق التي يشملها الاتفاق.

الثورة السورية

—————————–

سورية… اتفاق في عين العاصفة/ عبد الباسط سيدا

03 فبراير 2026

شهدت محافظة الحسكة ومنطقة كوباني (عين العرب) في الأسابيع المنصرمة أوضاعاً عصيبة، وهيمنت على المدنيين الكرد والعرب مخاوف جدّية مشروعة تمحورت حول التحسّب من إمكانية حدوث تصعيد عسكري بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الأمر الذي كان من شأنه (لو حدث، لا سمح الله) أن يتحوّل كارثة مجتمعية لا تقتصر آثارها المدمّرة على سورية وحدها، بل كانت ستشمل العراق وحتى تركيا، وعلى الأغلب كانت ستمتدّ بهذه الصيغة أو تلك إلى المَهاجر في مختلف أنحاء العالم. ولكن بمجرد إعلان التوصل إلى اتفاق ينصّ على البدء الفوري بدمج قوات “قسد” في الجيش السوري بصورة فرقة في محافظة الحسكة، ولواء في منطقة كوباني (عين العرب)، بالإضافة إلى دمج مؤسّسات الإدارة الذاتية الأمنية والإدارية ضمن مؤسّسات الدولة السورية، وتسوية حقوق الكرد المدنية والتربوية، تنفّس الناس في الحسكة وكوباني بجميع انتماءاتهم المجتمعية الصعداء؛ فقد نزع هذا الاتفاق صاعق التفجير المجتمعي، ليس على مستوى المنطقتَين المذكورتَين فحسب، بل على مستوى سورية بأسرها. وهذا ما يفسّر حالة الارتياح العام بين السوريين جميعاً، رغم خشيتهم من الانتكاسات وإمكانات التراجع عن الاتفاق، أو محاولات قوى متضرّرة دفع الأمور نحو التصعيد والتأزيم بهدف إبطال مفعول هذا الاتفاق، كما جرى في اتفاقات سابقة.

وفي سياق هذا الموضوع، لم يعد سرّاً التحوّل الدراماتيكي في الموقف الأميركي من “قسد”، حتى وصل الأمر بمبعوث الرئيس الأميركي إلى سورية، توم برّاك، إلى الإعلان الصريح أن مهمّة “قسد” قد انتهت، وكان ذلك السبب الأساس للانهيار السريع الذي تعرّضت له تلك القوات في محافظتَي الرقّة ودير الزور، وقبل ذلك في حي الشيخ مقصود ودير حافر في محافظة حلب. وكانت هذه الاستدارة الأميركية متوقّعة، بناءً على ما كان يُستشف من تحرّكات (وتصريحات) مختلف القوى المعنية بالموضوع السوري. وكانت هناك مؤشّرات كثيرة توحي بحدوث تغيير في الموقف الأميركي من “قسد”، إلا أن قيادة هذه الأخيرة لم تتمكّن من قراءة الموقف كما ينبغي، أو ربّما تجاهلته لأسبابها الخاصة، أو بناءً على ضغوطٍ تعرّضت لها من قيادة حزب العمال الكردستاني، المشتّتة راهناً بين مطالبات عبد الله أوجلان، والالتزامات القديمة الجديدة مع النظام الإيراني، وسياساتها في ميدان الاستثمار في الموضوع السوري الكردي. مع العلم أن هذه القيادة ما زالت في لوائح الإرهاب الأميركية.

ولو استمرّ الموقف الأميركي في المنحى نفسه الذي عبّر عنه برّاك، وجسّده في مواقفه خلال الاجتماعات مع “قسد” والمسؤولين الكرد في إقليم كردستان العراق، لما كان هذا الاتفاق أخيراً (30 يناير/ كانون الثاني 2026)، وربّما فُرض على “قسد” الانضمام الفردي إلى الجيش السوري وبشروط صارمة، بموجب اتفاق 18 يناير (2026) بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي.

لكن ما حصل هو الدخول الأوروبي على الخطّ، تحت تأثير الرأي العام بعد تظاهرات الكرد الحاشدة التي شهدتها معظم العواصم والمدن الأساسية الأوروبية، وخشية الأوروبيين من توجّه قوافل جديدة من اللاجئين إلى بلدانهم، وتحسّبهم لعواقب زعزعة الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط القريبة منهم، وهي المنطقة التي تتداخل فيها المؤثّرات والحسابات. وتزامن هذا الدخول الأوروبي مع ارتفاع أصوات مشرّعين أميركيين بضرورة التدخّل الأميركي، ولُوِّح بإمكانية تقديم مشروع قرار “حماية الكرد” إلى الكونغرس، إلى جانب رغبة الإدارة الأميركية الواضحة في تجميد مختلف الملفّات في المنطقة أو تعليقها، استعداداً لتصفية الحسابات مع النظام الإيراني سلماً أو حرباً. وفي هذا السياق، جاء اتصال الرئيس الأميركي ترامب مع الرئيس الشرع قبيل التوقيع على الاتفاق أخيراً، ليؤكّد وجود نزوع أميركي يتجاوز السقف الذي كان توم برّاك قد كشفه في اتصالاته مع الأطراف المعنية بموضوع “قسد” وطريقة دمجها.

وفي الضفة الأخرى، كان للزعيم الكردي في العراق، مسعود بارزاني، دور لافت في بلورة معالم الاتفاق، سواء من جهة الاتصالات والتوافقات التي كانت بينه وبين الرئيس الشرع، أو من جهة العلاقات والاتصالات مع الأميركيين وتركيا وقطر والسعودية، وإقناعه قيادة “قسد” بضرورة التوجّه نحو مشروع الاندماج في الدولة السورية، والتركيز في ضرورة ضمان حقوق الكرد المشروعة. وهي الحقوق التي سلّط المرسوم الرئاسي السوري رقم 13 لعام 2026 الضوء عليها رسمياً، وفتح الآفاق أمام حل عادل للموضوع السوري الكردي ضمن إطار وحدة الشعب والبلاد، ولمصلحة سائر السوريين من دون أي استثناء.

ليس من المعلوم راهناً ما إذا كانت هناك بنود أخرى في الاتفاق الذي أُعلن بالتزامن من الحكومة السورية و”قسد”، وليس هناك أي ذكر لأي ملحق يحدّد بوضوح الآليات والإجراءات التي ستُعتمد لتنفيذ ما اتُّفق عليه، خصوصاً على صعيد دمج القوات والمؤسّسات الإدارية، وتسليم حقول النفط والمعابر والمرافق العامة، كما أنه ليس من المستبعَد أن تلجأ القوى المتضرّرة من هذا الاتفاق إلى محاولات تعطيله عبر الخروق الرامية إلى تفجير الأوضاع في هذه المنطقة أو تلك، ولكن فرص هذه القوى ستظلّ محدودة، ضئيلة، عديمة التأثير، إذا ما توفّرت النيّات الصادقة والإرادة الجادّة لدى الطرفَين الموقّعَين على الاتفاق، وإذا ما استمرّ زخم الدعمين، الدولي والإقليمي، خصوصاً الأميركي والأوروبي والسعودي الخليجي والتركي، لهذا الاتفاق.

ولكن المهمّ للسوريين جميعاً مصادرة عوامل الاضطراب ومخاطر النزاعات الأهلية. ويُعدّ الوصول إلى حل عادل للموضوع السوري الكردي أولوية في هذا المجال، وهو الأمر الذي سيساهم في معالجة القضايا الأخرى التي تقلق السوريين وتثير هواجسهم، خاصّة في منطقتَي الساحل ومحافظة السويداء. وذلك كلّه سيساعد المحاولات الساعية من أجل ترميم النسيج المجتمعي الوطني السوري، هذا النسيج الذي يبقى الأساس لأي جهد مسؤول يرمي إلى النهوض بسورية على صعيد الاجتماع والعمران والظروف المعيشية والمعارف.

الموضوع السوري الكردي، كما هو معروف، أكبر وأقدم من “قسد”، وسيستمرّ ما لم يُعالج معالجة عادلة ضمن الإطار الوطني على قاعدة وحدة الأرض والشعب. وهو موضوع وطني في المقام الأول. وكان من المفروض من البدايات أن يُعالج من خلال حوار وطني تشارك فيه مختلف الأطراف السورية الكردية، وليست “قسد” وحدها. وهنا نشير بصورة خاصّة إلى المجلس الوطني الكردي وأحزاب أخرى وفعّاليات كردية لها تأثير في المجتمع السوري الكردي. والموضوع الكردي لا يمكن اختزاله بأي شكل في مسألة التوافقات الأمنية والعسكرية والإدارية بين “قسد” (ومعها حزب الاتحاد الديمقراطي وإدارته الذاتية) والحكومة، أو في حصول “قسد” على مواقع ووظائف في الدولة السورية، وإنما هو موضوع يستوجب حلّاً سياسياً قبل كل شيء، يقضي برفع الظلم الذي تعرّض له الكرد على مدى عقود طويلة، والإقرار بالحقوق القومية المشروعة للكرد. وهنا علينا أن نقرّ بأن المرسوم الرئاسي رقم 13 (2026) قد مثّل خطوة واعدة جريئة في هذا الاتجاه، يمكن البناء عليها من أجل الوصول إلى حل شامل مستدام يرضي مختلف الأطراف ولمصلحة كل السوريين.

لن يكون هذا الأمر ممكناً ما دامت الحملات الإعلامية الشرسة المتبادلة من خلال الأنصار والمؤيّدين مستمرّة؛ فهذه الحملات تسمّم الأجواء، وتدغدغ الغرائز، وتعطّل العقول. ولتجاوز مخاطر الشكوك والأحكام المسبقة والمخاوف، هناك حاجة ماسّة إلى التركيز في الخطوات التي تعزّز الثقة بين السوريين، وتفتح المجال أمام العمل المشترك في جميع الميادين لصالح الشعب والوطن.

القسم الأكبر من السوريين الكرد اليوم في حيرة من أمرهم، حيرة تدفع بهم نحو التيه أحياناً. فهم باتوا على قناعة بأن مشروع “قسد”، الذي بُني على رمال الحسابات والمصالح الإقليمية والدولية، قد انتهى، بعد تبدل تلك الحسابات والمصالح. فما تعرّضت له “قسد” يذكّرهم بما واجهه حزب الله، ولكن بأسلوب آخر أقلّ عنفاً وكلفة على صعيد الأموال والأرواح. كما أن إصرار المتحكّمين في ما تبقّى من “قسد” من كوادر حزب العمّال الكردستاني على مواصلة التحكّم بالورقة السورية الكردية يذكّرنا هو الآخر بما يفعله اليوم حزب الله بالدولة والمجتمع اللبنانيَّين. وجدير بالذكر هنا أن المشروع المذكور (مشروع “الأمة الديمقراطية” الطوباوي) لم يكن في أساسه تجسيداً لمطالب السوريين الكرد العادلة، بل على النقيض من ذلك؛ كلّفهم الكثير الكثير على صعيد الأرواح والموارد والبنية المجتمعية، لذلك المطلوب من الجسم السياسي الجديد، الذي سيتشكّل على الأرجح على أنقاض “قسد”، قطع الصلة نهائياً مع “العمال الكردستاني”، والسعي إلى التحوّل إلى جزء من الحركة السورية الكردية، والتفاعل مع القوى السياسية الأخرى من موقع المشارك لا المتحكِّم.

أما “العمّال الكردستاني” (المفروض أنه حلّ نفسه بناء على طلب زعيمه) فساحته تركيا، ومن المفروض أن يُسوّى وضعه بموجب المباحثات التي تجري حالياً بين عبد الله أوجلان والحكومة التركية.

العربي الجديد

—————————–

اتفاق قسد.. الفرصة الأخيرة قبل الحسم/ د. وائل مرزا

فبراير 3, 2026

لا تُفهم الاتفاقات، في عالم السياسة، بوصفها نصوصاً قانونية معزولة عن سياقها، وإنما تظهر كحصيلة لمسارات طويلة أعادت ترتيب موازين القوة والشرعية معاً. ومن هذه الزاوية تحديداً، لا يمكن قراءة الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد إلا باعتباره لحظة تتويج لمسارٍ معقّد انتهى بتراجع شرعية قسد على مختلف المستويات، مقابل صعودٍ متدرّج ومركّب لشرعية الدولة سياسياً وإدارياً وعسكرياً.

فعلى امتداد السنوات الماضية، استندت قسد إلى معادلة ثلاثية: دعم خارجي كثيف، وظيفة أمنية مرتبطة بملف تنظيم داعش، وإدارة أمر واقع في جغرافيا واسعة من شمال وشرق البلاد. غير أن هذه المعادلة بدأت تتآكل تباعاً، ليس سياسياً فحسب، وإنما عسكرياً أيضاً. فالمهمة الدولية التي شُكِّلت من أجلها هذه القوة استُنفدت عملياً، وتحول الدعم الخارجي من تفويض مفتوح إلى إدارة حذرة للمخاطر، فيما تكشّفت في الميدان هشاشتها القتالية خارج مظلة الإسناد الخارجي، وانكشاف بنيتها عند أول اختبار جدي، بما أفقدها قدرة الردع التي طالما استندت إليها.

وإلى جانب ذلك، أظهرت تجربة الحكم المحلي محدوديتها في إنتاج الاستقرار والخدمات، وتزايد الاحتكاك بينها وبين محيطها الاجتماعي، ولا سيما في البيئات العربية، ما خصم من رصيدها المحلي، وعرّى في آنٍ واحد تراجع قوتها العسكرية وهشاشة شرعيتها الشعبية معاً.

في المقابل، أعادت الدولة السورية بناء عناصر شرعيتها على مراحل متراكبة. سياسياً، عبر استعادة قنوات التواصل الإقليمي والدولي، وإعادة إدراج نفسها بوصفها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص سوريا. إدارياً، من خلال إعادة تشغيل مؤسسات الدولة خارج منطق المركز المعزول، واستعادة القدرة على إدارة الملفات الخدمية والأمنية في مناطق متزايدة الاتساع. وعسكرياً، عبر انتقال واضح من منطق الاستنزاف الطويل إلى منطق الحسم المرحلي، بما أعاد للدولة موقع المبادرة لا ردّ الفعل. هذا التراكم لم يكن استعراض قوة، وإنما إعادة تعريف دقيقة لمن يملك حق القرار السيادي ومن يتحمل كلفته.

ثم إن جملة من الأحداث المفصلية جاءت، خلال الأسابيع الأخيرة، لتسرّع الوصول إلى الاتفاق. من توسّع سيطرة الدولة غرب الفرات، مروراً إلى تحييد ملفات النفط والحدود من يد قسد، وصولاً إلى إعادة ضبط ملف السجون والمقاتلين الأجانب. وهذه كلها عوامل سحبت من يد قسد أهم أوراق الضغط والابتزاز السياسي. وفي الوقت نفسه، بات واضحاً أن الاستمرار في إدارة كيانٍ موازٍ للدولة لم يعد يحظى بالتسامح الدولي ذاته، خصوصاً في ظل تحوّل الأولويات الإقليمية نحو الاستقرار ومنع التفكك.

ولم تكن هذه التطورات لتجري في فراغ، ولا لتُقرأ بوصفها شأناً محلياً معزولاً. فالنظام الدولي كان وما يزال يراقبها بدقة، ويرصد مساراتها وتقاطعاتها، ليس من باب المتابعة الإعلامية، وإنما لأنها تقع في قلب لحظة إقليمية شديدة السيولة. ومع تسارع التغيرات في الشرق الأوسط، وتحوّل خرائط النفوذ والتحالفات، بات ما يجري في سوريا يُقرأ كجزء من إعادة ترتيب أوسع للمنطقة، حيث تُختبر قدرة الدول على استعادة وظائفها السيادية، وتُعاد صياغة معايير الشرعية والاستقرار.

في هذا السياق، لم تعد المقاربات الدولية تحتمل الكيانات الرمادية أو السلطات المؤقتة، وإنما تميل بوضوح نحو دعم الإطار الدولتي القادر على الضبط والإدارة ومنع الانفلات، وهو ما منح دمشق هامشاً متزايداً للتحرك بوصفها مرجعيةً وحيدة قابلة للاستدامة.

من هنا أيضاً جاء الاتفاق بوصفه تسوية سياسية ذات سياقٍ إقليمي قبل أن يكون إجراءً أمنياً محلياً. فهو يحمل في جوهره إيجابيات واضحة تتمثل في توحيد المرجعية السيادية، وإنهاء الازدواجية الإدارية والأمنية، وفتح الباب أمام دمجٍ مؤسسي يضع السلاح تحت سلطة الدولة، وإعادة تعريف الحقوق ضمن إطار دستوري جامع. كما أنه يخفف من احتمالات الصدام المباشر، ويمنح مناطق الشمال والشرق فرصة انتقال حقيقية من منطق الإدارة المسلحة إلى منطق الدولة.

تجدر الإشارة إلى أن سلوك الدولة في هذه المرحلة لم يعد سلوكاً دفاعياً تقليدياً، وإنما بات يحمل ملامح فكرٍ سياسي وعسكري اقتحامي، يقوم على الحضور المباشر في النقاط الحساسة، وليس على إدارتها عن بُعد. وفي هذا السياق، يمكن قراءة وصول مدير الأمن الداخلي في حلب إلى قلب عين العرب، ليس بوصفه زيارة بروتوكولية أو رسالة استعراضية، وإنما كتجسيدٍ عملي لمنطق الدولة حين تقرر أن تكون حاضرة بنفسها، حيث اعتادت الفراغات أن تُدار بالوسائط. وهذا النوع من الحضور يعكس تحولاً في العقيدة الأمنية والسياسية معاً يقول إن الدولة لا تلوّح بالقوة، لكنها لا تتردد في الاقتحام السيادي حين تقتضي الضرورة، ولا تنتظر إذناً لتأكيد مرجعيتها على أرضها.

وعليه، فإن الاتفاق مع قسد لا يجب أن يُقرأ بوصفه تنازلاً أو منّةً من طرف على آخر، وإنما باعتباره اختباراً أخيراً للانتقال من منطق الأمر الواقع إلى منطق الدولة. فالدولة قدّمت التسوية بوصفها خياراً عقلانياً يحفظ الاستقرار ويغلق أبواب المواجهة، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن هذا الخيار ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية. ذلك أن احتمال نكث الاتفاق، إن وقع تحت ضغط الحسابات العابرة للحدود، لن يُواجَه بجولة تفاوض جديدة، وإنما بقرار حاسم أُعدّت له شروطه السياسية والعسكرية والإقليمية سلفاً.

وإذا التُقطت هذه الفرصة، فإنها ستكون بداية مسار استقرار طويل يُعاد فيه دمج الجغرافيا السورية ضمن إطار سيادي واحد. أما إن أُهدرت، فإن ما يليها لن يكون إلا فصلاً أخيراً تُكتب فيه نهاية الكيانات المؤقتة، ليس بمنطق الغلبة وحده، وإنما بمشروعيةٍ إقليمية ودولية كاملةٍ مواكِبة، وبعد استنفاد كل فرص التسوية. وعندها فقط، ستُغلق هذه الصفحة، وتُكتب الجغرافيا السورية بيد الدولة وحدها.

الثورة السورية

—————————–

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مخاوف من «مقاومة كردية» كما في تركيا

سلطان الكنج

3 فبراير 2026 م

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.

الشرق الأوسط

————————–

جيروزاليم بوست: لماذا تخلت واشنطن عن قسد؟

أوضح الكاتب نيفيل تيلر -الذي يعمل مراسلا لشؤون الشرق الأوسط في موقع “أوراسيا ريفيو” الإخباري- أن إدارة الرئيس الأمريكي بقيادة دونالد ترمب قررت طي صفحة “الحكم الذاتي” الكردي لصالح تقوية سلطة الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع.

وأشار الكاتب إلى أن هذا التحول تبلور مع زيارة الرئيس الشرع للبيت الأبيض في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حيث عبّر ترمب صراحة عن دعمه لقيادة الشرع ورؤيته لسوريا موحدة وقوية.

وبحسب التحليل الإخباري، فإن واشنطن بدأت بحلول ديسمبر/كانون الأول الماضي، تُظهر رضاها العلني عن أداء الحكومة السورية، في إشارة واضحة إلى إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية.

وبعد سنوات من الاعتماد على “قسد” في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، طرأ تحول في السياسة الأمريكية اعتبر هذه القوات عائقا أمام مشروع إعادة توحيد سوريا.

ففي يناير/كانون الثاني المنصرم، شنت القوات السورية حملة عسكرية في مناطق سيطرة “قسد” لحملها على الاندماج في الجيش الوطني، وسط ضغوط مباشرة مارستها الولايات المتحدة على قيادات قسد للقبول بذلك.

وكانت قسد تدير 29 سجنا ومركز احتجاز تضم نحو 10 آلاف رجل، إضافة إلى قرابة 40 ألف امرأة وطفل، من بينهم 8500 أجنبي ينتمون إلى 60 دولة ترفض بعضها استعادتهم. وقد جرى أسر كل هؤلاء خلال حملات ضد تنظيم الدولة.

ووفقا للتحليل، فإن انتقال السيطرة على هذه المنشآت إلى الحكومة السورية قد يفتح الباب أمام حلول دبلوماسية طال انتظارها، ولا سيما فيما يتعلق بإعادة الرعايا الأجانب إلى بلدانهم، وهي خطوة عجزت عنها “قسد” بسبب غياب الاعتراف الدولي.

ويخلص تيلر إلى أن واشنطن اختارت أخيرا الرهان على دولة سورية موحدة، حتى لو جاء ذلك على حساب حليف قديم، في خطوة تعكس براغماتية سياسية قاسية، وتعيد رسم خريطة التحالفات في سوريا ما بعد الحرب.

إعلان

المصدر: جيروزاليم بوست

———————-

 قسد استسلمت للضغط.. هذه تفاصيل الاتفاق وآلية تنفيذه ومدتها/ منصور حسين

الثلاثاء 2026/02/03

بدأت قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية، بدخول محافظة الحسكة شرق سوريا، بعد التوصل إلى اتفاق نهائي بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مساء الجمعة، قبيل انتهاء المهلة الأخيرة بين الطرفين، في حين يكتنف الغموض مصير العديد من الملفات وآليات التطبيق، وسط تباين واضح في تفسير بنود الاتفاق.

وحدة الدولة ومركزية الحكم

وحمل الاتفاق الأخير الذي جرى وسط أجواء تفاوضية معقدة ومتوترة، العديد من البنود المستجدة، أبرزها تكريس وحدة الجغرافيا السورية ومركزية الحكم في دمشق، وهما أبرز نقاط الخلاف بين السلطة السورية و”قسد” منذ بدء المفاوضات.

ونصّ الاتفاق على دخول قوى الأمن إلى مدينتي الحسكة والقامشلي، وعين العرب شمال شرق حلب، إلى جانب تشكيل فرقة عسكرية مؤلفة من ثلاثة ألوية من تشكيلات “قسد”، فضلاً عن تشكيل لواء “كوباني” خاص بقوات عين العرب ضمن فرقة عسكرية تابعة لمحافظة حلب.

وتضمن أيضاً دمج مؤسسات التنظيم الأمنية والمدنية ضمن منظومة الدولة، وتثبيت الموظفين ضمن هذه المؤسسات، ومعالجة ملف الحقوق المدنية والتعليمية للمجتمع الكردي بموجب المرسوم (13)، وضمان عودة النازحين، بالإضافة إلى دمج المؤسسات المسؤولة عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم داعش، والقوات التي كانت مكلفة بحماية هذه المنشآت ضمن مؤسسات الدولة السورية.

كما تعهدت قيادة “قسد” بموجب الاتفاق على عدم ضم فلول النظام البائد ضمن صفوفها، وتسليم قوائم بأسماء عناصر وضباط الفلول المتواجدين ضمن مناطق سيطرتها، مقابل تسمية “قسد” محافظ الحسكة كضمانة للمشاركة السياسية والتمثيل المحلي، والحفاظ على خصوصية المناطق الكردية.

شهر للتنفيذ

واعتبر الاتفاق الأخير، أكثر تفصيلاً عن سابقيه، إلا أنه أيضاً لم يحدد جدولاً زمنياً واضحاً لتنفيذه، وآلية تطبيق الفقرات الخاصة بدمج قوات “قسد” العسكرية، التي دفعت للحديث عن احتفاظ “قسد” بكتلتها العسكرية داخل الجيش السوري.

لكن مصادر حكومية أكدت لـِ “المدن”، أن عملية الدمج ستكون بشكل فردي ضمن الألوية التي ستدرج داخل هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية، تحت قيادة ضباط من وزارتي الدفاع والداخلية، لضمان شمولية هذه المؤسسات التي تمنع التشكيلات المبنية على أساس قومي أو عقائدي.

وأوضحت المصادر أن الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ أمس الاثنين، يُطبق على عدة مراحل، ضمن مهلة إنجاز تنتهي بنهاية شهر شباط/فبراير الجاري، ومعها تُنجز عملية إنفاذ بنوده كاملة، على أن يتحمل الطرف المعرقل المسؤولية كاملة.

وتبدأ أولى مراحل التنفيذ، بحسب المصادر، بدخول قوى الأمن الداخلي إلى مركز مدينة الحسكة ومدينة القامشلي، وتسلمها المربعات الأمنية التي كان يشغلها النظام البائد سابقاً، إلى جانب دخول وحدات أمنية إلى مدينة عين العرب (كوباني) وعلى أساسها تنسحب القوات العسكرية من مراكز هذه المدن وخطوط التماس، وتنتهي المظاهر المسلحة.

وتقول المصادر إنه “بالنسبة إلى مناطق المكون الكردي، تبقى وحدات الأسايش التي كانت تتبع لقسد لإدارة هذه المناطق باعتبارها وحدات حفظ أمن داخلي، مع إلغاء مسماها السابق ودمجها ضمن هيكلة الوزارة، بينما تتشارك مع القوات الحكومية في المناطق السكانية المتداخلة بشكل فردي، على أن تفرض قوى الأمن الحكومية وجودها الكامل في بقية المناطق”.

وتضيف أنه “بالتوزاي مع عملية الدمج والانتشار الأمني تبدأ عملية الدمج العسكرية، حيث تنضم قسد على أساس فرقة عسكرية مكونة من ثلاثة ألوية، بعد تقديم الأوراق والثبوتيات الشخصية للعناصر ودراستها من قبل وزارة الدفاع بشكل فردي”.

ضغط أميركي

والأحد الماضي، زار قائد الأمن الداخلي في محافظة حلب العقيد محمد عبد الغني، مدينة عين العرب وذلك في إطار التمهيد لتنفيذ الاتفاق، رغم الاعتراضات الداخلية لبعض المكونات المشكلة لـ”قسد”، التي تعتبره تنازلاً عن المطالب الرئيسية واستسلاماً لسلطة دمشق.

وهو ما يعتبره الكاتب والسياسي علي تمي، أمراً طبيعياً، خصوصاً أن “قسد” رضخت للاتفاق بسبب الضغوط الأميركية، وواقع السيطرة العسكرية على الأرض، وانغلاق الأفق والبدائل السياسية التي كانت تستطيع المراوغة خلالها.

ويقول: “هناك ضغط أميركي كبير على قسد للاندماج بالدولة السورية، أو مواجهة الخيار البديل والمتبقي وهو الحرب، حيث وصلت قيادة قسد ومكوناتها إلى قناعة بقرب الإطاحة بها في حال تعنتها ورفضها الاندماج، ولهذا السبب رضخت للواقع والتزمت رغماً عنها”.

ومع ذلك يتوقع تمي في حديثه لـ”المدن”، أن يكون هناك مناوشات ومحاولات عرقلة على الأرض ضد الحكومة السورية، خصوصاً في مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، في ظل وجود تيار داخل “قسد” يرفض بنود هذا الاتفاق.

الانتماء عامل حاسم

بدوره يرى الكاتب والسياسي السوري درويش خليفة، أن أنظار الإدارة الأميركية تتجاوز الحدود السورية، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى معالجة البؤر المضطربة قبل الإقدام على أي خطوة تصعيدية محتملة في المنطقة.

ويوضح درويش في حديث لـِ “المدن”، أن الاتفاقات الأربعة الموقَّعة منذ 10 آذار/مارس الماضي حتى اليوم، تؤدي إلى انتقال فعلي في إدارة الدولة من الحقل السياسي إلى منطق الأجهزة الأمنية والتحالفات العسكرية، مع تراجع واضح لدور القرار المدني، وبذلك يتحقق جزء من مصالح الدول المتداخلة عبر السعي إلى إنهاء “قسد” ومشروعها الإقليمي.

ويقول: “يمكن القول إن هذا الاندماج – أياً كانت صيغته- سواء ككتلة عسكرية، وهو خيار مستبعد ومرفوض تركياً وسورياً، أو كأفراد انخرطوا سابقاً في قسد بدافع تحقيق (حلم كردستان سوريا) بوصفه جزءاً من مشروع أوسع، لن يكون سلساً ما لم تسبقه إجراءات جادة لبناء الثقة، وتعزيز الإحساس بالمسؤولية والانتماء إلى جيش الدولة، بوصفه الجهة المنوط بها حماية الحدود والشعب، وعليه، فإن مسار الاندماج يبدو محفوفاً بمطبات عديدة، وقد يصل إلى حدّ الاصطدام المباشر، في ظل وجود قوى كردية ترفض إنهاء سيطرتها المكانية، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية الكردية”.

المدن

———————

أوراق ضائعة تعود للحياة.. كيف أنهى مرسوم الشرع “الهوية المكتومة” بالحسكة؟

أعاد دخول قوات الأمن السوري إلى مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا تسليط الضوء على تداعيات إحصاء عام 1962، الذي خلّف آثارا عميقة على حياة مئات الآلاف من السكان على مدى ستة عقود.

ففي خريف عام 1962، وجد أكثر من 100 ألف كردي سوري أنفسهم فجأة بلا هوية، إثر الإحصاء السكاني الاستثنائي الذي أُجري في محافظة الحسكة وحدها، استنادا إلى المرسوم رقم 93 الصادر عن الرئيس ناظم القدسي.

ونُفذ الإحصاء في يوم واحد فقط، في إجراء نادر بررته السلطات حينها بالتحقق مما وصفته بـ”الوجود غير الشرعي” على الحدود الشمالية، عقب موجات هجرة كردية شهدتها المنطقة خلال العقود السابقة من القرن العشرين.

واشترط الإحصاء للاحتفاظ بالجنسية السورية إثبات الإقامة في البلاد قبل عام 1945، وهو شرط تعجيزي لم يتمكن كثيرون من تلبيته بسبب طبيعة المناطق الريفية، وصعوبة التوثيق المدني في تلك المرحلة.

ونتيجة لذلك، جُرد نحو 120 ألف كردي من جنسيتهم، وصُنفوا إلى فئتين:

    “أجانب الحسكة” وهم حاملو البطاقات الحُمْر.

    “مكتومو القيد” وهم الذين أُخرجوا كليا من السجلات الرسمية.

وترتبت على الإحصاء تداعيات قانونية واجتماعية واسعة، إذ حُرم المتضررون من حقوق أساسية شملت التعليم، والتوظيف، والتملك، والسفر، وفي بعض الحالات توثيق الزواج.

ووفق مصادر إعلامية سورية، فقد تضاعف عدد المتضررين مع مرور العقود ليبلغ اليوم 517 ألف كردي سوري ما زالوا مصنَّفين كأجانب.

وفي عام 2011، وبعد أسابيع من اندلاع الثورة السورية؛ أصدر الرئيس المخلوع بشار الأسد مرسوما يمنح الجنسية لأجانب الأكراد، لكنه استثنى فئة مكتومي القيد، وهو ما أبقى جوهر إحصاء 1962 وتداعياته قائما دون معالجة الإشكالات الثقافية والاجتماعية المترتبة عليه.

وجاء مرسوم الرئيس السوري أحمد الشرع لعام 2026 ليذهب أبعد من ذلك، إذ نصت مادته الرابعة على إبطال جميع آثار إحصاء الحسكة، ومنح الجنسية لكل المتضررين منه بمن فيهم مكتومو القيد.

إعلان

كما تضمن المرسوم اعترافا صريحا باللغة الكردية وتدريسها كلغة وطنية، وتثبيتا لمعالم الهوية الثقافية الكردية، مع حظر أي تمييز على أساس عرقي أو لغوي.

وأكد المرسوم سريان أحكامه من تاريخ صدوره، مع تخصيص مواد لإصدار التعليمات التنفيذية اللازمة، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لرفع أثقال عقود طويلة من “الهوية المكتومة” التي ورثها آلاف الأكراد السوريين منذ إحصاء عام 1962.

وأمس الاثنين، دخلت وحدات من وزارة الداخلية السورية إلى مدينة الحسكة لأول مرة منذ سقوط نظام بشار الأسد، ومن المقرر تسلّمها الثلاثاء مطار القامشلي ترجمة لإعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وتنظيم “قسد”.

المصدر: الجزيرة

—————————–

الأمن السوري يدخل القامشلي والشرع يؤكد التزام الدولة بحقوق الكرد

دخلت وحدات الأمن العام السوري مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة، اليوم الثلاثاء، تنفيذا للاتفاق المُوقع بين الحكومة وتنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بحسب وكالة سانا، في وقت أكد الرئيس أحمد الشرع لوفد من المجلس الوطني الكردي “التزام الدولة بضمان حقوق المواطنين الكرد ضمن إطار الدستور”.

ورحَّب الوفد بالمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، وقال إنه خطوة مهمة في تعزيز الحقوق وصون الخصوصية الثقافية والاجتماعية.

ويؤكد المرسوم أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحَّدة.

في الأثناء، أفادت قناة الإخبارية السورية بأن رتلا للأمن الداخلي وصل إلى مشارف القامشلي، بعد تقدُّمه عبر القرى والبلدات المحيطة، وسط استقبال شعبي لافت من الأهالي على طول الطريق الواصل بين تل براك والقامشلي.

ويأتي دخول هذه القوات في إطار الاتفاق الذي ينص على انتشارها داخل مدينة القامشلي لضبط الأمن وتهيئة الظروف لعودة المؤسسات المدنية، إضافة إلى خطوات لاحقة تتعلق بدمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة.

وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية إن الاتفاق ينص على إخراج المقاتلين الأجانب في صفوف “قسد”، مضيفا أن استكمال الاتفاق يتم بدخول رتل جديد للأمن مدينة القامشلي.

والاثنين، قال قائد الأمن الداخلي في الحسكة مروان العلي إن “عددا من الآليات وعناصر من وزارة الداخلية دخلت إلى الحسكة، وسيعقبه دخول آليات وقوات مماثلة إلى القامشلي”.

وأكد أن “قوات الأسايش والقوى الأمنية الأخرى (التابعة لتنظيم قسد) ستندمج ضمن هيكلية وزارة الداخلية بعد تنفيذ بنود الاتفاق”.

والجمعة، أعلنت الحكومة السورية التوصل إلى “اتفاق شامل” مع “قسد”، ينهي حالة الانقسام في البلاد، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاندماج الكامل.

إعلان

ويُعَد الاتفاق الأخير مع “قسد”، المتعلق بمدينتي الحسكة والقامشلي ودمج القوات العسكرية، متمّما لاتفاق 18 يناير/كانون الثاني المنقضي.

ويوم 18 يناير، وقَّعت الحكومة السورية وتنظيم “قسد” اتفاقا يقضي بوقف إطلاق النار ودمج عناصر التنظيم ومؤسساته ضمن الدولة السورية، لكنَّ التنظيم واصل ارتكاب خروق وصفتها الحكومة بأنها “تصعيد خطير”.

وجاء الاتفاق بعد عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري، واستعاد خلالها مناطق واسعة في شرقي البلاد وشمال شرقيها، إثر خروق متكررة من تنظيم “قسد” لاتفاقه المُوقع مع الحكومة في مارس/آذار 2025.

وينص ذلك الاتفاق على احترام المكون الكردي ضمن حقوق متساوية لجميع مكونات الشعب، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة.

مقتل 3 أفراد أمن

في ريف حلب الشمالي، قُتل 3 أفراد من الأمن السوري وأصيب 7، إثر انفجار داخل نفق في بلدة صرين بمحافظة حلب شمالي البلاد.

وذكرت وكالة الأناضول أن أفراد الأمن كانوا يُجرون أعمال تمشيط داخل أحد الأنفاق التي خلَّفها تنظيم “قسد”.

وأفادت مصادر أمنية سورية بأن قنبلة زرعها مقاتلو “قسد” انفجرت أثناء عمليات التمشيط والتفتيش في صرين شرق نهر الفرات.

وتتواصل عمليات التمشيط والتفتيش في المناطق التي طهَّرها الجيش السوري من تنظيم “قسد”.

المصدر: الجزيرة + وكالات

—————————–

الأمن السوري يدخل مدينة القامشلي

دخلت قوات الأمن الداخلي السورية، اليوم الثلاثاء، مدينة القامشلي في ريف الحسكة شمال شرق سوريا، تنفيذا للاتفاق المبرم بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وقالت مراسلة الجزيرة مباشر بريفان رسول إن عربات الأمن السوري دخلت إلى منطقة المربع الأمني بالقامشلي الذي يضم المؤسسات الحكومية والمدنية الحيوية، مثل مكتب البريد، ومؤسسات الكهرباء والمياه، والمحكمة، وسط استقبال شعبي من الأهالي.

وجرت عملية التسلم والتسليم بالتنسيق مع قوات “الأسايش” (الأمن الداخلي الكردي) التي انتشرت بكثافة لتسهيل دخول القوات الحكومية وحماية المنطقة من أي خروقات أمنية أو تحركات لخلايا نائمة.

ووفق رصد مراسل الجزيرة محمد حسن فإن رتل الأمن الداخلي السوري سلك مسارا مغايرا للطريق التقليدي حيث ابتعد عن المرور بمطار القامشلي الدولي، الذي يفترض أن تتسلمه الحكومة السورية بموجب الاتفاق الذي أُعلن عنه يوم الجمعة الماضي.

وأضاف أنه يبدو أن الرتل فضّل اتخاذ طريق “عنبارة” الرابط بين طريق (M4) والمدينة، وذلك في خطوة لافتة رغم أن الطريق الطبيعي من “تل براك” يمر عبر المطار.

وكانت قوات الأمن السورية دخلت أمس مدينة الحسكة تنفيذا للاتفاق نفسه.

تفاصيل التحرك الميداني

بحسب مراسل الجزيرة مباشر أنس المعراوي من ريف الحسكة فإن الرتل العسكري، كان يضم نحو 100 عنصر من الضباط والأفراد بقيادة العميد مروان العلي (قائد الأمن في محافظة الحسكة)، وانطلق من ريف الحسكة الشرقي وصولا إلى بلدة “تل براك” حيث استقبله الأهالي، قبل أن يتابع طريقه نحو مدينة القامشلي.

ووفق المراسلين، فإن الرتل تألف من نحو 15 سيارة، ضمت مركبات مصفحة وأخرى رباعية الدفع، وعلى متنها مقاتلون ملثمون يرفعون العلم السوري، رافقتهم سيارات تابعة للقوات الكردية منذ دخول الرتل العسكري من المدخل الغربي للمدينة.

إعلان

وذكر المراسلون أن عملية الدخول تمت بانسيابية تامة عبر الحواجز التي تفصل بين مناطق سيطرة الطرفين دون تسجيل أي مشاحنات أو إطلاق نار.

قيود إعلامية

كما شهدت عملية دخول الرتل وتحركاته داخل القامشلي قيوداً أمنية مشددة، حيث فُرض حظر على الصحفيين لمنع ملاحقة القافلة أو تصوير تفاصيل تحركاتها الميدانية، وسط أجواء من الترقب لما سيسفر عنه التنسيق الجديد، بحسب ما أفاد مراسلو شبكة الجزيرة.

وفرضت القوات الكردية حظر تجوّل في الحسكة بدءا من صباح أمس الاثنين، تمهيدا لدخول قوات الأمن السورية، وفُرض الإجراء ذاته في القامشلي اليوم الثلاثاء.

وقالت الداخلية السورية -عبر حساباتها الرسمية- إن دخول قواتها الحسكة يأتي تمهيدا لبدء المرحلة التنفيذية من الاتفاق المبرَم بين الحكومة و”قسد”، وتسلُّم المسؤوليات الأمنية بالكامل.

وأضافت أن هذا الإجراء “يهدف إلى ضمان انتقال انسيابي للوضع الأمني إلى إدارة مؤسسات الدولة، وحماية المواطنين، وصون الممتلكات العامة والخاصة، وتعزيز الاستقرار وفق القوانين والأنظمة النافذة”.

وكان قائد الأمن الداخلي في الحسكة قد طلب من وحدات الأمن الداخلي ضرورة تنفيذ المهام الأمنية وفق الخطط المقررة، والتقيد التام بالقوانين والأنظمة، وضمان سير الإجراءات بانضباط، وحفظ الأمن والنظام العام، وحماية المواطنين والممتلكات العامة والخاصة.

المصدر: الجزيرة

——————————

 الجيش التركي يفكك 755 كيلومتراً من أنفاق “قسد” في منبج وتل رفعت

2026.02.03

أعلنت وزارة الدفاع التركية أن قواتها تمكنت من اكتشاف وتدمير 755 كيلومتراً من الأنفاق التي استخدمتها “قوات سوريا الديمقراطية” في منطقتي تل رفعت ومنبج شمالي سوريا، واصفة شبكة الأنفاق بأنها دليل على تخطيط واسع ودعم خارجي وقدرات هندسية متقدمة.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، إن القوات التركية رصدت ودمرت 302 كيلومتر من الأنفاق في منطقة تل رفعت، و453 كيلومتراً في منبج، خلال عمليات تمشيط وتفتيش نفذتها القوات المسلحة التركية في مناطق عملياتها شمالي سوريا.

وفي تصريحات لوسائل إعلام تركيا، أوضح غولر أن هذه الأنفاق صُممت كممرات آمنة للتنقل، وإخفاء الأسلحة، ونقل المقاتلين، مشيراً إلى أن حجم الشبكة المكتشفة يكشف عن بنية تحتية تحت الأرض أُنشئت على مدى سنوات.

وأضاف أن التقييمات الفنية تشير إلى أن حفر شبكة بهذا الحجم لم يتم بوسائل بدائية، بل اعتمد على معرفة هندسية، ومعدات تقنية، ودعم خارجي، إلى جانب استخدام مستمر للأيدي العاملة.

ووفق وزير الدفاع التركي، برز الحجم الحقيقي لشبكة الأنفاق بعد انسحاب “قسد”، التي تصفها أنقرة بالامتداد السوري لحزب “العمال الكردستاني”، من مساحات واسعة شمالي سوريا وتسليم السيطرة عليها للحكومة السورية.

وأشار غولر إلى أن عمليات الاستطلاع والتحليل الفني ما زالت مستمرة لرسم خريطة كاملة لشبكات الأنفاق، لافتاً إلى أن انسحاب “قسد” مؤخراً من أحياء في مدينة حلب، ومن مناطق واسعة شرقي نهر الفرات، أدى إلى اكتشاف شبكات أنفاق إضافية لم تكن ضمن التقديرات السابقة.

بنية تحتية ومرافق تحت الأرض

وأظهرت صور نشرتها وسائل إعلام بنية تحتية واسعة تحت الأرض، شملت ممرات طويلة ومساحات معيشة في مناطق كانت خاضعة لسيطرة “قسد”.

ومن أبرز الاكتشافات، العثور على أنفاق ومرافق تحت الأرض في بلدة صرّين، الواقعة على بعد نحو 35 كيلومتراً جنوب عين العرب، حيث تشير التقديرات إلى وجود نفق يمتد من صرين وصولاً إلى كوباني.

وأكد مسؤولون أن الأنفاق المكتشفة حديثاً تشير إلى وجود قدرة إضافية تتجاوز 755 كيلومترا التي جرى تدميرها حتى الآن، على أن تتضح الصورة الكاملة مع استمرار عمليات الاستطلاع في المناطق التي باتت تحت سيطرة الجيش السوري.

الجيش السوري يواصل عمليات التمشيط

في موازاة ذلك، يواصل الجيش السوري عمليات التمشيط في المناطق التي انسحبت منها “قسد”، بما في ذلك مناطق شرقي نهر الفرات، حيث جرى الكشف عن أنفاق في محيط بلدة صرين، ضمن جهود تأمين المناطق واستعادة السيطرة الأمنية.

وفي وقت سابق اليوم الثلاثاء، بدأت قوات الأمن الداخلي السورية الدخول إلى مدينة القامشلي في محافظة الحسكة، في إطار اتفاق وقف إطلاق النار والترتيبات المرحلية لدمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية.

وأفادت وكالة الأنباء السورية “سانا” بأن رتلاً لقوات الأمن الداخلي دخل المدينة، في حين كانت وزارة الداخلية قد أعلنت في وقت سابق جاهزية قواتها للانتشار وفقا لبنود الاتفاق.

والجمعة الماضية، أعلنت الحكومة السورية التوصل إلى “اتفاق شامل” مع “قسد”، يهدف إلى ووضع الأسس لدمج المؤسسات والقوات العسكرية ضمن الدولة السورية.

ويأتي الاتفاق، الذي يشمل محافظتي الحسكة والقامشلي وملف دمج “قسد”، مكملاً لاتفاق سابق وُقّع في 18 من كانون الثاني الماضي، ونص على وقف إطلاق النار ودمج عناصر “قسد” ومؤسساتها، عقب عملية عسكرية استعاد خلالها الجيش السوري مساحات واسعة من شرقي وشمال شرقي البلاد.

——————–

الشرع يستقبل وفداً من «المجلس الوطني الكردي» ويؤكد التزام الدولة بضمان حقوق الأكراد

«الوطني الكردي» رحب بالمرسوم 13… و«المستقلين الكرد» عاتبة على الحكومة

دمشق: موفق محمد

3 فبراير 2026 م

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع التزام الدولة بضمان حقوق المواطنين الأكراد ضمن إطار الدستور، وذلك خلال لقائه وفداً من «المجلس الوطني الكردي»، اليوم الثلاثاء، وفق بيان لرئاسة الجمهورية.

وكان الرئيس أحمد الشرع قد أصدر في الـ 16 من ديسمبر (كانون الثاني) الماضي المرسوم رقم 13 لعام 2026 الذي يؤكد أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.

والمجلس الوطني الكردي هو ائتلاف سياسي سوري يمثل تياراً عريضاً من الأحزاب والقوى السياسية الكردية في البلاد، تأسس في أكتوبر (تشرين الأول) 2011.

ضم وفد «المجلس الوطني الكردي» إلى دمشق، محمد إسماعيل، إضافة للأعضاء سليمان أوسو، فصلة يوسف، فيصل يوسف، نعمت داوود، في زيارة تستمر بضعة أيام. وقد رحب الوفد بالمرسوم الرئاسي رقم 13، واعتبره خطوة مهمة في تعزيز الحقوق وصون الخصوصية الثقافية والاجتماعية.

«الشرق الأوسط» تواصلت مع شلال كدو، رئيس «حزب الوسط الكردي في سوريا»، عضو الأمانة العامة للمجلس، لتسأله عن هذه الزيارة، فقال إنها جاءت تلبية لدعوة رسمية تلقاها المجلس من وزارة الخارجية السورية، وتهدف إلى إجراء لقاءات ثنائية مع المسؤولين السوريين رفيعي المستوى، وفي مقدمتهم الرئيس الشرع،

وأضاف: «المجلس قال مراراً إن المرسوم 13 يشكل خطوة إيجابية يمكن البناء عليها، وتطوير مضامينها، بما يفضي إلى تضمينها ضمن الدستور السوري الدائم، وبما يضمن الحقوق القومية والسياسية والثقافية للكرد السوريين ضمن إطار سوريا موحدة وديمقراطية».

واعتبر كدو أن لقاء الوفد مع الشيباني، أمس «عكس الحضور السياسي المتزايد للمجلس ودوره المحوري في تمثيل القضية الكردية على الساحة الوطنية السورية»، مشيراً إلى أنه جرى خلال اللقاء «التأكيد على ضرورة الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي كشريك أصيل في سوريا، وضمان حقوقه القومية والسياسية والثقافية، بما يرسخ مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية، ويحفظ خصوصية الشعب الكردي ضمن إطار سوريا موحدة، تعددية وديمقراطية».

وذكر أن اللقاء تناول أيضاً سبل فتح مسار جاد للحوار السياسي، يضع القضية الكردية في موقعها الصحيح بوصفها قضية وطنية عادلة لا يمكن تجاوزها في أي حل مستقبلي لسوريا.

كدو أوضح في تصريحه أن «المجلس» كان ولا يزال من الداعمين لتطبيق الاتفاقيات التي تم التوصل إليها، سواء اتفاق العاشر من مارس (آذار) أو اتفاق الثامن عشر من يناير (كانون الثاني)، ودعا باستمرار إلى إبعاد شبح الاشتباكات والحرب عن هذه المناطق، حفاظاً على السلم الأهلي وتجنيب المدنيين مزيداً من المعاناة.

وتابع بأن المجلس كان يتعرض بين الحين والآخر في شمال شرق سوريا لإجراءات تضييق حالت دون ممارسة نشاطه السياسي بصورة طبيعية، سواء عبر إغلاق مكاتبه أو تقييد فعالياته وأنشطته، الأمر الذي انعكس سلباً على المناخ السياسي العام في المنطقة. ومع ذلك، بقي المجلس، بحسب شلال كدو، ملتزماً بخيار الحوار والعمل السياسي السلمي، وواضعاً مصلحة المكون الكردي ووحدة سوريا واستقرارها فوق أي اعتبار، إذ مثل الكرد ضمن أطر المعارضة السورية منذ انطلاقة الثورة السورية وحتى سقوط النظام البائد.

من جهة أخرى، عبر رئيس «رابطة المستقلين الكرد»، عبد العزيز تمو، عن عتب الرابطة على الحكومة لعدم دعوتها إلى عقد لقاءات مع المسؤولين في دمشق.

وقال تمو لـ«الشرق الأوسط»، إن الرابطة كانت المنظمة الكردية الوحيدة التي شكلت جزءاً أساسياً من قوى الثورة والمعارضة السورية في نضالها السياسي لإسقاط نظام الأسد، وأيضاً الوحيدة في الحركة السياسية الكردية التي دعمت عملية «ردع العدوان» العسكرية، وواكبت قيادتها عمليات تحرير المدن السورية على التوالي، بدءاً من مدينة حلب وصولاً إلى دمشق.

وأوضح أن قيادة الرابطة موجودة في دمشق منذ اليوم الأول في التحرير، وتشارك في معظم الفعاليات الوطنية ملتزمة ببرامجها السياسية التي كانت تسير عليها، وهدفها الأساسي هو إسقاط النظام البعثي الديكتاتوري والتغيير الديمقراطي في سوريا مع ضمان الحقوق القومية للسوريين الكرد على أساس المواطنة المتساوية.

وأضاف: «لم تتلقَّ الرابطة بشخصيّتها الاعتبارية أي دعوة للقاء المسؤولين في دمشق، ولا نعلم السبب في ذلك، علماً بأن قيادتها شاركت في مؤتمر الحوار الوطني في دمشق والكثير من الفعاليات السياسية واللقاءات التلفزيونية».

وختم تمو تصريحه قائلاً: «بالتأكيد قيادة رابطة المستقلين وجميع كوادرها يشعرون بنوع من الغبن في عدم دعوتها للقاء المسؤولين في دمشق، على الرغم من حضورها السياسي والاجتماعي على الساحة السورية عامة».

الشرق الأوسط

——————–

==================

تحديث 02 شباط 2026

—————————–

هل ينتصر في سورية منطق المواطنة على السلاح؟/ سميرة المسالمة

02 فبراير 2026

لم تكن المعاناة التي عاشها الكرد السوريون عقوداً طويلة من حكم النظام الأسدي طارئة؛ فقد تبنّت الدولة السورية، عبر حكومات متعاقبة، خطاباً قوميّاً أقصى التنوّع القومي، مروراً بالتضييق الأمني وحظر النشاطين، السياسي والثقافي، الكرديين، وصولاً إلى إحصاء 1962 الذي جرّد عشرات آلاف من الكرد من جنسيتهم السورية، وألقاهم في شظف العيش، ومنع عنهم حقوق المواطن، وأذاقهم معنى الغربة في بلدهم، كحال السوريين جميعهم.

… هكذا تحوّلت المعاناة، المتمثّلة بالحرمان من الحقوق المدنية والقومية إلى مظلومية تتوارثها الأجيال. صحيحٌ أن ذلك الحرمان كان، في حقيقة الأمر، يشمل السوريين كلّهم الذين حُرموا أيضاً من حقوق المواطنة المتساوية، في ظلّ نظام تأسّس على الاستبداد والفساد والهيمنة على المجالَين العام والشخصي؛ نظام لم يعترف بالمكانة الحقوقية والسياسية للمواطن. إلا أنه ينبغي الانتباه إلى أن ذلك كان أكثر ثقلاً على الكرد، بواقع أن مصدر معاناتهم كان لمجرّد أنهم كرد، مع إنكار قوميتهم أو حقوقهم القانونية.

ولعلّ ما تقدّم يفسّر حالة الاستعصاء في فهم الواقع السوري الجديد، الذي تمخّض عن إسقاط نظام الأسد البائد، وما نجم عنه من تحرير الدولة السورية من أعباء الحقبة البعثية/ الأسدية وتبعاتها، التي حالت دون إقامة الدولة دولةَ مؤسّسات وقانون، وعطّلت حقوق المواطنة وقيام مجتمع مواطنين سوريين، أحراراً متساوين، كي يصبحوا (أو يتشكّلوا) شعباً بالمعنى الحقيقي للكلمة، مع إدراك أن تنوّعهم وتعدّدهم، بغضّ النظر عن هُويّاتهم الأولية الإثنية والدينية، هو إثراء للشعب السوري.

لم يكتفِ نظام الأسد بفرض العلاقات القائمة على الهيمنة واحتلال الفضاء العام ومصادرة الحريات الشخصية والمدنية؛ إذ تعمّد وضع السوريين في مواجهة بعضهم بعضاً على قاعدة إثارة الهُويّات الإثنية والدينية والتلاعب بها، الأمر الذي ترك آثاره العميقة في توسيع فجوة عدم الثقة بين الدولة/ السلطة وبعض مكوّنات المجتمع السوري، ومنهم الكرد السوريون، وتالياً وضع تلك المكوّنات في موضع الدفاع، كلٌّ إزاء الآخر، مع تغذية روح الكراهية والمخاوف المتبادلة وعدم الاعتراف بالآخر.

اليوم، ومع قيام الدولة الجديدة بعد تحرير البلاد من نظام الأسد والحزب البعثي، وبعد صدور المرسوم رقم 13 لعام 2026 الذي يخصّ الكرد، تبرز فرصة تاريخية لترميم العلاقة بين السوريين بغضّ النظر عن هُويّاتهم الأولية، لبناء دولة المواطنين الأحرار والمتساوين، وأيضاً لتصويب العلاقة وترشيدها بين السوريين شعباً والدولة، التي لا تُقاس فيها الحقوق بالهُويّات القومية أو الدينية، بل بالانتماء إلى سورية وسيادة القانون.

يتطلّب هذا الوضع الاستجابة لمنطق الدولة والشعب والمواطنة، عبر التحرّر من علاقات الماضي القائمة على الكراهية والاستحواذ وفرض المكانة بالقوة، وتالياً، تقويض مشروعية التنظيمات المسلّحة الخارجة عن الدولة وعن الشعب، تحت ذريعة حماية أيّ مكوّن، وتحقّق هذا بإرساء اتفاق وطني مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهذا الاتفاق، الذي ينتصر للسوريين شعباً، كرداً وعرباً، لأنه يفضي إلى عودة الكرد إلى الجسم السوري واستعادة منطقة الجزيرة السورية إلى سيادة الدولة، هو بمثابة خطوة محورية في طريق بناء الدولة المستقرّة لكلّ أبنائها؛ فحصر السلاح بيد الدولة، وبناء مؤسّسات أمنية وطنية جامعة، شرط أساسي لأيّ مشروع سياسي ناجح، واقتصادي وتنموي مستدام. وهذا ما يحتاج إليه السوريون الكرد مثلما يحتاج إليه السوريون العرب.

ما أريد قوله أو ما ينبغي استنتاجه هنا اليوم، أن الشعب السوري كلّه هو الذي انتصر لمنطق الدولة ومنطق المواطنة، ولا يوجد مغلوب أو غالب في تنفيذ الاتفاق، الذي تحقّق في 30 يناير/ كانون الثاني 2026، نتيجةً تتوّج ما سبقه من اتفاقات ومحاولات لاحتواء أيّ صراع محتمل، ويبدأ تنفيذه اليوم الاثنين. أقصد أن هذه هي بداية الطريق، وهذا هو الأمل، بمضيّ الدولة نحو بناء مؤسّسات خدمية وأمنية وعمرانية تحقّق للمواطنين الخدمات التي حرمهم منها النظام السابق، وتأمين مواطنة تتأسّس على العدالة والمساواة والحرية، شرطاً لا بدّ منه للتأسيس لأيّ مشروع سياسي ناجح ومستدام.

تلوح اليوم أمام الكرد السوريين فرصةٌ حقيقيةٌ لإنصاف تاريخي لحقوقهم الفردية والجمعية، المدنية والقومية، للانتقال من موقع الدفاع عن الوجود إلى موقع الشراكة الكاملة في بناء الوطن، تقوم على مضمون المرسوم 13، والاعتراف الدستوري بالحقوق الثقافية والسياسية والقومية في إطار الدولة السورية، وضمان المساواة أمام القانون، والمشاركة الفعلية في بناء مؤسّسات الدولة، بعيداً عن منطق الأكثرية والأقلية، إذ هي دولة مواطنة متساوية.

العربي الجديد

—————————–

 فخ الانتقائية الأخلاقية في أحداث الجزيرة السورية/ عبد الناصر الجاسم

2026.02.02

في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها بلادنا، يبرز التساؤل حول المسار الذي نسلكه نحو المستقبل، هل هذا المسار هو الأقل كلفة والأكثر استدامة، وهل سيوصلنا هذا المسار إلى مستقبل أكثر استقراراً وأماناً؟ وفي حين نعيش مستويات متباينة من العنف في هذه المنطقة أو تلك، يبقى الواقع بعيداً عما نطمح إليه كسوريين من أمان واستقرار. ولعل التحدي الأكبر الذي نواجه اليوم يكمن في القدرة على التمسك بالمعايير الأخلاقية الثابتة، والابتعاد عن الانتقائية في إدانة الانتهاكات، أياً كان مرتكبها، فالحق لا يتجزأ بتغير الظروف أو الأشخاص أو الجهات.

إن القاعدة الأخلاقية والإنسانية التي ننطلق منها تفرض علينا رؤية واضحة، فكما أن إدانة ما تعرضت له السويداء من انتهاكات هو واجب وطني لا مساومة عليه، فإن رفض تعميم وصم أي طائفة أو مكون بالجرائم التي ارتكبتها عصابات الأسد هو أيضاً جوهر هذا الموقف الأخلاقي، وبذات الرؤية، فإن تطلعات الكرد السوريين  في الوصول إلى صيغة تضمن حقوقهم وتعزز وجودهم كقوة فاعلة في بناء سورية المستقبل هي حق أصيل، تماماً كما هو حق أبناء الجزيرة في الرقة ودير الزور والحسكة في الحرية والتنمية والعيش بكرامة كسائر حقوق السوريين، لا يوجد تمايز بين حق وحق، ولا تفاوت في قدسية الكرامة الإنسانية.

إن جوهر المأزق الأخلاقي يتجلى حين تتحول الضحية، تحت ضغط الظلم، إلى ممارسة الدور ذاته، وهو ما يمثل الانتصار الأكبر للمعتدي الذي يسلب من الضحية شرعيتها وحقوقها.

 لقد استثمر نظام الأسد طويلاً في دفع المناطق الثائرة ضده نحو الهاوية، مستفيداً من كل انزلاق أمني أو فوضى لتعزيز روايته الإعلامية وتعميق الشرخ المجتمعي، واليوم نحصد ثمار هذا التدهور في صورة “تعميمات عمياء” تفتقر للمسؤولية، وتنشر بذور الكراهية، وتدمر ما تبقى من ثقة مجتمعية، وغالباً ما تُدفع فاتورتها من دماء الأبرياء.

إن غض الطرف عن انتهاكات “قسد” في الجزيرة السورية —من قمع وسلب ونهب وتجهيل ممنهج— بحجة معارضة السلطة في دمشق، هو سقطة أخلاقية وانتصار للظلم على الحقيقة، وتمثيل صارخ لقدرة الظالم على جرّ خصومه لتبني أدواته ذاتها، وخلال تحولات الثورة وتحدياتها رفع بعضهم سابقاً شعار “مع الشيطان ضد الأسد”، ليكتشفوا لاحقاً أن الظلم لا دين له، وأن الوقوف مع “الشيطان” يلوث الموقف تماماً كما يفعل الوقوف مع الأسد المستبد. نحن لسنا محكومين بالاختيار بين سيئين، بل لدينا خيار الانحياز للموقف الحق والمنسجم مع المعيار الأخلاقي الصرف.

وهنا يبرز التساؤل الجوهري: لماذا نحتفي بموضوعية – ابن الجزيرة – الناقد حين يدين انتهاكات وجرائم نظام الأسد أو الانتهاكات في الساحل والسويداء وعفرين، ثم نتهمه بالتحيز وعدم المصداقية حين يسلط الضوء على سياسات “قسد” في منطقته؟  هذا الأمر ينسحب على كل الحالات لممارسات سلطات الأمر الواقع والمتطوعين الذين يسارعون إلى التبرير والتفسير لهذه الممارسات، هذا التناقض هو أصل العلة.

 أما عن الجزيرة السورية فقد كان قدرها ومنذ زمن بعيد أنها تمتلك أسباب التنمية ولا تنمو، فكل السلطات التي تعاقبت على حكمها اشتركت في النظرة إليها بعين التحدي الأمني والسياسي وغابت عنها عين التنمية، وقد عانت هذه المنطقة طويلاً من نظرة  قاصرة غيبت عنها فرص التنمية الحقيقية، وهو ما يستوجب اليوم وقفة جادة لمراجعة السياسات التنموية وتحديد الفجوات والخلل فيها، و لابد من الاعتراف بأن غض الطرف عن التجاوزات التي ارتكبتها قوى الأمر الواقع المتعاقبة في المنطقة، أو تبريرها تحت أي ذريعة يمثل تعثراً في مسارنا الأخلاقي.

 لا شك أن الوقوف في “الموقف الحق” يتطلب شجاعة الاعتراف بالانتهاكات أينما وجدت وكيفما ارتكبت، فالتحول نحو تبني خطاب الكراهية أو الانتقائية في الدفاع عن المظلومين هو الفخ الذي يجب أن نتجنب الوقوع فيه. وعلينا أن لا نغفل الجانب الأجمل والأكثر حيوية في الجزيرة السورية؛ حيث يمتزج المورد البشري بتنوع مذهل يكتنز جمالاً ثقافياً وفكرياً نادراً، فالجزيرة السورية ليست مجرد جغرافيا وموارد طبيعية، بل هي لوحة إنسانية فريدة يتجاور فيها العربي والكردي والسرياني، والتركماني والأرمني والشركسي، في تناغم يعكس قيم الجوار وعراقة التقاليد، هذا التنوع يمثل ثروة وطنية حقيقية، حيث تنسجم عادات السكان وكرمهم مع خيرات الأرض الطيبة و مواردها، مما يخلق هوية مجتمعية غنية قادرة على أن تكون نموذجاً يحتذى به في البناء والإنتاج إذا ما توفرت لها بيئة الإيمان بقدرات إنسانها.

في نهاية المطاف، إن ما تحتاجه هذه الأرض ليس مزيداً من العسكرة أو خطابات التحريض، بل تحتاج إلى تنمية متوازنة ومستدامة تحتكم لقاعدة ذهبية: “لا حق يتقدم على آخر، ولا كرامة تتميز عن كرامة”. إن الانتصار الحقيقي ليس في الغلبة العسكرية، بل في انتصار المعيار الأخلاقي الذي يرفض العنف بكل أشكاله، ويؤمن بأن مستقبل سورية يبنى بالتوافق والثقة المجتمعية الراسخة.

تلفزيون سوريا

—————————–

لماذا بدا تنفيذ اتفاق دمشق وقسد في عين العرب معقدا؟

يبدو المشهد الميداني في مدينة عين العرب (كوباني) أكثر تعقيدا من مناطق أخرى في شمال شرقي سوريا، لا سيما محافظة الحسكة، مع غياب الانسيابية في انتشار القوات السورية ترجمة للاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.

ولا تزال السيطرة جزئية على الرغم من وصول القوات الحكومية إلى محيط عين العرب، وسط تحديات ميدانية وأمنية ترتبط بطبيعة المدينة وأهميتها الإستراتيجية لـ”قسد”.

ووصلت القوات الأمنية السورية -حسب مراسل الجزيرة صهيب الخلف- إلى ناحية الشيوخ الواقعة ضمن مناطق سيطرة “قسد”، لكنها لا تزال بعيدة عن مركز مدينة عين العرب، ولم تبدأ انتشارا فعليا داخلها.

وأفادت مصادر أمنية سورية بأن القوات تسلمت 3 نقاط فقط من أصل 10 نقاط كان من المقرر تسلمها خلال اليوم، وهو ما يعكس أن تنفيذ الاتفاق في عين العرب -حسب المراسل- لم يجرِ بالسلاسة نفسها التي شهدتها محافظة الحسكة.

وتواجه القوات الأمنية السورية تحديات كبيرة في عين العرب والمناطق المحيطة بها، إذ إن قوات “قسد” وقبل انسحابها من مناطق واسعة دخلها الجيش السوري، تركت أعدادا كبيرة من الألغام، بعضها فردي وبعضها مخفي بطرق معقدة.

ولمواجهة ذلك، يعمل سلاح الهندسة في الجيش السوري بشكل مكثف على تمشيط الطرق الرئيسية وتأمينها، في محاولة لتجاوز هذه العقبات التي تعيق الحركة والانتشار.

وعسكريا، أشار المراسل إلى أن الجيش السوري كان قد ضيق الخناق بشكل كبير على قوات “قسد” قبل الدخول في الهدنة، حيث سيطر على ما يُعرَف بــ”رأسي المثلث”. كما تمكّن الجيش من السيطرة على خطوط الدفاع الأولى التي أقامتها قوات “قسد” في محيط المدينة.

ووفق مراسل الجزيرة، فإن عين العرب تمثل أهمية استثنائية لقوات “قسد”، إذ تُعد بمثابة المعقل الرئيسي الذي انطلقت منه هذه القوات.

وتوجهت قوات “قسد” التي انسحبت من عين عيسى وريف الرقة الشمالي وسجن “الأقطان” جميعها إلى عين العرب، مما يعني أنها تمتلك قوات كبيرة داخل المدينة، وهو ما يفسر -وفق المراسل- حالة التعقيد الشديد التي تطغى على المشهد مقارنة بالحسكة.

إعلان

وفي وقت سابق اليوم الاثنين، دخلت وحدات من وزارة الداخلية السورية إلى مدينة الحسكة لأول مرة منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، ومن المقرر تسلّمها الثلاثاء مطار القامشلي.

وتأتي هذه التطورات ترجمة لإعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و”قسد”، الذي يتضمن تفاهما على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين.

وجاء الاتفاق بعد عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري، واستعاد خلالها مناطق واسعة شرقي وشمال شرق البلاد، إثر خروقات “قسد” لاتفاقات سابقة مع الحكومة.

المصدر: الجزيرة

————————

الحسكة” آخر حصون الكرد في سوريا تنشد الإنصاف في العهد الجديد/ مصطفى رستم

سيطرت حال ترقب لمجريات الأحداث في مرحلة ما بعد تسلم القوات الحكومية المنطقة

الاثنين 2 فبراير 2026

لا يُخفي ممثل “الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سوريا في دمشق الدكتور عبدالكريم عمر المخاوف والهواجس المشروعة لدى الكرد في محافظة الحسكة وفي سائر المناطق الكردية الأخرى، وأعرب لـ”اندبندنت عربية” عن أمله في أن تسير عملية دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية”، العسكرية والأمنية والإدارية، بسلاسة ودون أن تعترضها أي عراقيل مع ضرورة أخذ خصوصية المناطق الكردية بعين الاعتبار في جميع مراحل التنفيذ.

يخترق نهر الخابور في شمال شرقي سوريا منطقة رأس العين قادماً من جنوب شرقي تركيا، ويهبط بغزارة مياهه جنوباً إلى أن يتحد مع نهر الفرات قرب مدينة البصيرة بدير الزور، شرق سوريا، وهذا النهر المرتبط بذاكرة أهالي الحسكة، قسم المحافظة إلى مناطق عدة منها رأس العين، والقامشلي، والمالكية، والحسكة، مع نواحي وبلدات، وأتاح للقاطنين المياه الوفيرة إلى جانب الفرات، وبفضله تحولت هذه المنطقة إلى سلة سوريا الغذائية على مر التاريخ، ولم تتوقف عن كونها مخزون القمح والقطن، وغيرهما من المواسم الزراعية حتى في حال الحرب التي عاشتها البلاد.

نهاية الصراع

ويسري اليوم حظر للتجوال في مدينة الحسكة، شمال شرقي سوريا منذ السادسة صباحاً تمهيداً لتنفيذ تطبيق الاتفاق الشامل بين حكومة دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بغية وضع نقطة النهاية للصراع المسلح بين الطرفين.

وظل فشل اتفاق العاشر من مارس (آذار) 2025 الموقع في دمشق بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، والقائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي وما تبع ذلك من معارك اندلعت في السابع من يناير (كانون الثاني) الماضي، وامتدت من حلب إلى الرقة، وتراجعت على أثرها قوات “قسد” (المدعومة أميركياً منذ نشوئها عام 2015 لمحاربة “داعش”)، وسط غياب أي دعم كانت تعول عليه من الولايات المتحدة، عسكرياً أو سياسياً. وتحدثت “قسد” عن حدوث انتهاكات في حق الأكراد في المنطقة أثناء تقدم القوات الحكومية، بينما وصفت أوساط مقربة من السلطات السورية الجديدة، ما جرى بـ”الانتهاكات الفردية”.

وتشي المعلومات بسيطرة حال ترقب لمجريات الأحداث في مرحلة ما بعد تسلم القوات الحكومية الحسكة والقامشلي، وسط تأكيد قوات الأمن الكردية على أن “حظر التجوال يأتي من منطلق الحفاظ على الأمن والاستقرار وسلامة الأهالي”، وفق بيان لها تزامن مع زيارة قائد الأمن الداخلي في الحسكة، مروان العلبي الذي عين حديثاً، إلى مقر قوات “الأسايش” في مدينة القامشلي، ولقاء آخر في مدينة “عين العرب” (كوباني)، بريف حلب، أجراه قائد قوات الأمن الداخلي في المدينة، العقيد محمد عبدالغني بهدف ترتيب شؤون المنطقة، وبدء دخول قوات وزارة الداخلية مشيداً بـ”إيجابية” الجانب الكردي.

ولا يخفي ممثل “الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سوريا في دمشق الدكتور عبدالكريم عمر المخاوف والهواجس المشروعة لدى الكرد في محافظة الحسكة وفي سائر المناطق الكردية الأخرى، وأعرب لـ”اندبندنت عربية” عن أمله في أن تسير عملية دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” العسكرية والأمنية والإدارية بسلاسة ودون أن تعترضها أي عراقيل مع ضرورة أخذ خصوصية المناطق الكردية بعين الاعتبار في جميع مراحل التنفيذ. وأضاف، “لقد كان الاتفاق مقبولاً، في الأقل في هذه المرحلة، بوصفه خطوة تهدف إلى تجنب مزيد من الدماء والدمار، إلا أن أزمة الثقة لا تزال قائمة ولم تعالج بصورة كاملة حتى الآن”.

الاندماج في النهاية

في غضون ذلك، وافقت “قسد” على الاندماج بعد سلسلة مفاوضات ولقاءات بين مسؤولين من الطرفين في دمشق. وضمن الاتفاق الأخير وقفاً لإطلاق نار شاملاً ودائماً، وانسحاب عناصر “قسد” من مدينتي الحسكة والقامشلي، بينما تنسحب القوات الحكومية إلى بلدة الشدادي، بريف الحسكة الجنوبي. أما بالنسبة إلى الدمج فستشكل وزارة الدفاع قوة عسكرية خاصة بمحافظة الحسكة من ضمنها “قسد” تتألف من 3 ألوية مع دمج لواء في “عين العرب”. وتتولى وزارة الداخلية الملف الأمني مع دخول 15 آلية أمنية وتكفل دمج قوات “الأسايش” الكردية في القوى الأمنية.

ولم يرتب الاتفاق الملفين العسكري والأمني معاً، بل أعاد ترتيب الشؤون الإدارية للمحافظة عبر تعيين محافظ رشحته “قسد” لتولي مسؤولية إدارة المحافظة بالتوازي مع تعيين نائب لوزير الدفاع، علاوة على دمج “الإدارة الذاتية” في مؤسسات الدولة وتثبيت الموظفين المدنيين رسمياً، مع تسليم حقول نفط رميلان، والسويدية ومطار القامشلي.

واتفق الطرفان على حظر القوات العسكرية في المدن، ومنع دخول القوات العسكرية إلى داخل البلدات من قبل جميع الأطراف، مع ضمان عودة كافة النازحين إلى مدنهم وقراهم سواء في عفرين والشيخ مقصود، وتعيين إدارات محلية لمتابعة شؤون هذه المناطق.

وتنتظر الحسكة والقامشلي إنهاء ملف “قوات سوريا الديمقراطية”، إثر موافقة دمشق على ترشيح القيادي في “قسد”، نور الدين أحمد كمحافظ للحسكة، وبانتظار إصدار مرسوم التعيين. ويلقب أحمد بـ”أبو عمر خانيكا”، من مواليد القامشلي، عام 1969، تولى مسؤولية العلاقات العامة في “قسد” منذ عام 2014، وقبلها في شركة الاتصالات السورية، إلى حين اندلاع الثورة السورية.

القضية الكردية

وكانت مدينة الحسكة شهدت خلال الأيام الأخيرة وصول مئات المسلحين بسيارات دفع رباعي قادمين من العراق، وبالذات من منطقة السليمانية، عبر معبر “سيمالكا – فيشخابور” الحدودي. وتشير التقارير إلى أنهم يتبعون إلى وحدات مكافحة الإرهاب في حزب العمال الكردستاني، مما دفع الحكومة السورية إلى الطلب من بغداد منع مرور الفصائل المسلحة عبر الطرق غير الرسمية، وتأمين الحدود.

ويرى القيادي في “الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سوريا سيهانوك ديبو في حديث لـ”اندبندنت عربية” أن “إنصاف القضية الكردية في سوريا يكون حين تعد قضية وطنية سورية وحلها وفق أسس دستورية، ومبادئ أساسية غير قابلة للتنصل منها في لحظة، كما جرى إبان تأسيس الجمهورية التركية الحديثة التي كان من مبادئها الأساسية عام 1921 أن ’تركيا تتألف من الأمتين الكردية والتركية‘، ولكن عام 1923 تم إلغاء ذلك”.

ولفت ديبو إلى أن الاتفاق المعلن في الـ30 من يناير (كانون الثاني) الماضي، على رغم أنه نوعاً ملحوظاً من اللامركزية الأمنية والإدارية الموسعة، فإنه “لم ينصف الكرد في سوريا، ولم يتناسب ومستوى التضحيات الجسام التي قدموها، ليس منذ بداية الثورة السورية في 2011 وحسب، من حيث توجيه ضربة مزدوجة لقوى الإرهاب، وفي الوقت نفسه تقديم نموذج يمنع تسلط نظام الاستبداد المركزي البعثي، إنما قدم الكرد تضحيات جسام منذ بداية تأسيس سوريا الحديثة حتى اللحظة”.

“جاء الاتفاق الأخير في وقت تشهد المنطقة والعالم انعطافات حادة وبأن الصراع في سوريا وعليها هو جزء من صراع أعم إقليمي ودولي”، هكذا يصف القيادي الكردي، ديبو التفاهم الأخير وظروفه، لكنه ينظر إليه على أنه “اتفاق واقعي قابل للحياة في حال توافرت العوامل الضامنة لإنجاحه”. وتابع، “أقصد هنا الضمانات الدولية المقدمة من قبل أميركا وفرنسا وبلدان إقليمية أخرى، وأن يتضمن دستورياً ويكتسب شرط الإلزام، لقد مورس في هذا الاتفاق نوع متقدم من تسوية الملفات، واتخاذ خطوات نحو الاندماج على أساس التكامل، وبخاصة في المجال الأمني والعسكري، ويجب عدم التوقف عندها، وإنما تناول الجوانب الأخرى منها الاقتصادية والتعليمية والثقافية”.

تنوع سكاني

ويشهد لمحافظة الحسكة تنوعها عرقياً ودينياً واسعاً، وعلى رغم الحرب وحركة النزوح الداخلي، واللجوء إلى دول أوروبية منذ اندلاع الحرب، واقتراب خطر “داعش” وقتها في عام 2014، فإنها ما زالت تحافظ على هذا التنوع الديموغرافي.

وتشير دراسة سكانية أجريت في عام 2013 إلى أن إجمال عدد القرى في المحافظة يصل إلى 1717 قرية، 1161 قرية منها عربية تشكل قرابة 67 في المئة من إجمال القرى، مقابل 453 قرية كردية بنسبة 26 في المئة، و50 قرية سريانية بنسبة اثنين في المئة، مع وجود قرى مختلطة من كل المكونات.

ويعتقد الباحث في شؤون القبائل والعشائر مضر حماد الأسعد أن “الاتفاق الأخير أنصف الأكراد السوريين، وبخاصة المرسوم التشريعي رقم 13، وأنصف الشعب السوري لأنه أوقف حمام الدم الذي كان محضراً لأبناء الحسكة من حرب مدمرة وشاملة، وأنقذ الأبرياء، والمنتصر هم أهل الحسكة من عرب وكرد وبقية الأعراق والأديان من آشوريين وسريان وأرمن وغيرهم”.

وأضاف الأسعد، “للحسكة أهمية كبيرة جداً حيث يقطنها تنوع عرقي وديني، وهي سلة غذاء سوريا من قمح وشعير وعدس وقطن وبعض المحاصيل الأخرى، فضلاً عن النفط والغاز، وكان عناصر ’قسد‘ يحصلون على أموال طائلة من ثروات المنطقة وكانوا يريدون البقاء فيها”.

الحقوق الكردية

في الأثناء أعلنت وزارة الداخلية السورية اتخاذ إجراءات تنفيذية لتطبيق المرسوم 13، ويقضي بمنح الجنسية السورية لمواطنين سوريين من أصول كردية. ودعا الرئيس السوري أحمد الشرع في كلمة متلفزة في أعقاب صدور المرسوم، المواطنين الأكراد إلى تجاهل ما وصفه بـ”روايات الفتنة”، حيث يتكون المرسوم من 8 مواد، أبرزها تدريس اللغة الكردية بوصفها لغة وطنية في المدارس العامة والخاصة.

وكانت الحكومة السورية في عهد الانفصال (فك الوحدة بين سوريا ومصر) في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) 1962 أجرت إحصاء استثنائياً في الحسكة لمدة يوم واحد فحسب، وبصورة مفاجئة من دون إخبار مسبق، حرمت أهاليها حقوق المواطنية والهوية السورية، وجد بعدها عشرات آلاف الأكراد أنفسهم بلا وطن “مكتومين” لا مكان لهم في سجلات الدولة.

في المقابل يجزم القيادي في “الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سوريا سيهانوك ديبو إلى أن المرسوم 13 خطوة “لازمة”، لكنها غير كافية، ويجب وفق رأيه أن “تتبعها خطوات أخرى ثقافية وسياسية، والتركيز بالنظر إلى اللغة الكردية كلغة رسمية وليست وطنية وحسب”.

وأردف “ومن المهم عدم تجاوز إرادة الشعب الكردي في سوريا، والذي عقد مؤتمراً في الـ26 من أبريل (نيسان) 2025 نجم عنه رؤية حل للقضية الوطنية السورية والقضية القومية الكردية، ومن المفترض أن نشهد زيارة قريبة للوفد الكردي المنبثق من المؤتمر الكردي مع الحكومة السورية الموقتة، وأعتقد أنه من الضرورة القصوى للتوقف عند رؤية الكرد، وحلها وفق العهود والمواثيق الدولية ذات الصلة وفي الإطار الوطني السوري”.

—————————–

الأكراد وأميركا.. خيانة أم سياسة قائمة على المصالح؟/ محمد سليمان

2 فبراير 2026

عاد الجدل حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والأكراد في سوريا إلى الواجهة مجددًا، مع تصاعد نقاشات سياسية وإعلامية حول ما إذا كان الموقف الأميركي يُعد تخليًا عن حلفاء ميدانيين، أم أنه يندرج ضمن سياق السياسات القائمة على المصالح الاستراتيجية.

وتنقسم القراءات في هذا السياق بين طرحٍ يستند إلى الانطباعات الشعبية على مبدأ “المتغطي بالأميركي عريان” ويركز على البعد الإنساني والأخلاقي لما جرى، وطرحٍ آخر ينطلق من منطق العلاقات الدولية، حيث تُقدَّم المصالح الأميركية وحسابات التوازن الإقليمي بوصفها العامل الحاسم في صياغة السياسات والقرارات.

لمحة عن العلاقة بين واشنطن و”قسد”

تعود العلاقة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية إلى عام 2014، في إطار الحرب على تنظيم داعش، حيث اعتمدت واشنطن على قسد كشريك محلي رئيسي في المعارك البرية، وقدمت لها دعمًا عسكريًا ولوجستيًا واسعًا. وأسهم هذا التعاون في تحقيق انتصارات ميدانية بارزة، أبرزها تحرير مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا، وصولًا إلى هزيمة التنظيم جغرافيًا عام 2019.

غير أن هذا التعاون ظل محصورًا في البعد الأمني والعسكري، ولم يُترجم إلى التزام سياسي واضح تجاه مستقبل قوات سوريا الديمقراطية أو المشروع الإداري القائم في مناطق سيطرتها. كما أكدت الولايات المتحدة مرارًا أن دعمها لقسد لا يتعارض مع التزامها بوحدة الأراضي السورية، ما جعل العلاقة عرضة للتوتر مع تغيّر الأولويات الأميركية، خصوصًا في ظل مراعاة واشنطن لعلاقاتها الاستراتيجية مع تركيا.

“شراكة عسكرية ظرفية”

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي خالد الجبر أن العلاقة بين الولايات المتحدة والأكراد في سوريا “لم تكن في أي مرحلة تحالفًا استراتيجيًا حقيقيًا، بل شراكة عسكرية ظرفية فرضتها الحرب على تنظيم داعش”. ويضيف أن “واشنطن تعاملت مع قوات سوريا الديمقراطية بوصفها أداة ميدانية فعالة، من دون تقديم أي ضمانات سياسية تتعلق بحقوق الأكراد أو مستقبلهم”.

ويؤكد الجبر أن “ما جرى في محطات مثل عفرين عام 2018، ثم سري كانيه وتل أبيض عام 2019، لم يكن نتيجة خيانة مفاجئة، بل انعكاسًا لنهج أميركي ثابت يقوم على تغليب المصالح الاستراتيجية، وعلى رأسها العلاقة مع تركيا كعضو في حلف الناتو، حتى وإن جاء ذلك على حساب شركاء محليين”.

مسؤولية سياسية وأخلاقية

في المقابل، ينتقد الناشط السياسي حسام شلبي هذا الطرح، معتبرًا أن حصر ما حدث بمنطق المصالح فقط “يتجاهل حجم المسؤولية السياسية والأخلاقية التي تتحملها الولايات المتحدة”. ويقول إن “واشنطن لم تكن مجرد طرف مراقب، بل قادت تحالفًا دوليًا واعتمدت بشكل مباشر على القوات الكردية، ما خلق توقعات مشروعة لدى الأكراد بأن تضحياتهم لن تُقابل بالتخلي”.

ويرى الناشط أن “الانسحاب الأميركي المفاجئ من مناطق حدودية، وفتح المجال أمام عمليات عسكرية تركية وما رافقها من تهجير وتغيير ديمغرافي، لا يمكن تبريره فقط بحسابات التوازنات الإقليمية، بل يرقى إلى إخلال بالمسؤولية تجاه حليف لعب دورًا حاسمًا في محاربة داعش”.

بدوره الناشط مؤيد عطفة، يرى أن “واشنطن استغلت التواجد الكردي لأغراض مؤقتة ضمن الحرب على داعش، ولم يكن لديها أي نية لدعم مشروع سياسي مستقل في شمال وشرق سوريا”. ويضيف أن “هذا النهج يعكس سياسة تدخل خارجي مستمرة في الشؤون الداخلية السورية، حيث يتم استخدام قوى محلية لتحقيق أهداف مؤقتة، ثم التخلي عنها عند تغيّر أولويات واشنطن، وهو ما ينسجم مع موقف دمشق الرسمي من تدخلات الولايات المتحدة في البلاد”.

ختامًا، يبقى الجدل حول العلاقة بين الولايات المتحدة والأكراد في سوريا قائمًا، بين من يعتبر ما جرى خيانة صريحة لشريك ميداني قدم تضحيات كبيرة، وبين من يرى أنه انعكاس طبيعي لسياسات القوى الكبرى القائمة على المصالح والتوازنات الإقليمية، كما تؤكد السردية الرسمية السورية أن الولايات المتحدة استغلت الأكراد لأهداف مؤقتة، دون الالتزام بمشروع سياسي مستقل في شمال وشرق سوريا.

في نهاية المطاف، تظل تجربة الأكراد في سوريا درسًا واضحًا حول حدود الاعتماد على القوى الكبرى، وأهمية بناء آليات حماية سياسية وقانونية قادرة على ضمان حقوق شعب دفع ثمنًا باهظًا في المعارك على الأرض، فبين التضحيات الميدانية والرهانات الاستراتيجية، يبقى السؤال المطروح: هل يمكن للأكراد تحقيق مستقبل آمن ومستقل بالاعتماد على تحالفات خارجية، أم أن خياراتهم الحقيقية لا تزال محصورة داخل الحدود السورية والتوازنات الإقليمية؟

الترا سوريا

————————-

بدء تطبيق الاتفاق بين دمشق و”قسد”.. وقوات الأمن تدخل الحسكة

حظر تجول في الحسكة والقامشلي

الرياض: العربية.نت

02 فبراير ,2026

بدات قوات الأمن السورية بدخول مدينة الحسكة الحسكة في انتظار دخولها إلى القامشلي وعين العرب-كوباني، تطبيقا لاتفاق تم التوصل إليه بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية.

وفي وقت سابق، أعلنت قوات الأمن الكردية أنها ستحظر التجول في مدينتي الحسكة والقامشلي في شمال شرقي سوريا تزامناً مع بدء تنفيذ الاتفاق والقاضي بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية في الدولة.

ويقضي الاتفاق بين دمشق و”قسد” أيضاً بانسحاب القوات من خطوط الاشتباك، مع دخول قوة أمنية محدودة إلى المدينتين.

وكانت قوات الأمن الكردية أعلنت، أمس الأحد، أنها ستحظر التجول في مدينتي الحسكة والقامشلي بشمال شرق سوريا تزامناً مع بدء تنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع دمشق لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية في الدولة.

وتوصلت السلطات في دمشق وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) الجمعة إلى اتفاق “شامل” لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية للإدارة الذاتية الكردية في الدولة السورية، بعد أسابيع من الاشتباكات بين قوات الطرفين، تمكّنت دمشق على إثرها من بسط سيطرتها على مناطق واسعة في شمال البلاد وشرقها.

وأعلن قائد “قسد” مظلوم عبدي أن الاتفاق سيبدأ تطبيقه ميدانياً اعتباراً من الاثنين، على أن تتراجع قواته والقوات الحكومية من “خطوط الاشتباك” في الشمال الشرقي ومدينة عين العرب (كوباني)، على أن تدخل “قوة أمنية محدودة” إلى الحسكة والقامشلي.

وأعلنت قوات الأمن الكردية في بيان الأحد فرض حظر تجول في الحسكة الاثنين اعتباراً من السادسة صباحاً بالتوقيت المحلي وحتى السادسة مساء، على أن يُفرض الإجراء ذاته في القامشلي الثلاثاء.

وأوضحت أن ذلك يأتي “في إطار الحفاظ على الأمن والاستقرار وسلامة الأهالي”.

وأفاد مصدر أمني كردي وكالة الأنباء الفرنسية بأن قائد الأمن الداخلي في الحسكة مروان العلي زار الأحد مقر قوات الأمن الكردية (الأسايش) في مدينة القامشلي.

ويشمل الاتفاق “انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات أمن تابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي”. كما ينص على “الدمج التدريجي” للقوى العسكرية والمؤسسات الإدارية الكردية ضمن هيكل الدولة السورية، وإنشاء ألوية عسكرية كردية ضمن تشكيلات الجيش السوري.

وكان وزير الإعلام حمزة المصطفى قال الجمعة إن الدمج العسكري سيتم على أساس فردي، بحيث يتم إلحاق عناصر “قسد” بثلاثة ألوية يجري تشكيلها ضمن هيكلية الجيش، “على أن تخضع هذه الألوية لقيادة الجيش مباشرة، دون أي خصوصية أو استقلالية تنظيمية”.

وأشار إلى أن الاتفاق يشمل تسليم حقول النفط في رميلان والسويدية، ومطار القامشلي، وجميع المعابر الحدودية خلال فترة لا تتجاوز عشرة أيام، إضافة إلى مباشرة مدير الأمن في محافظة الحسكة مهامه ابتداء من الأسبوع المقبل.

وأعلن قائد الأمن الداخلي في محافظة حلب العقيد محمد عبد الغني أنه التقى قوات الأمن الداخلي الكردية في مدينة عين العرب “لترتيب شؤونها وبدء دخول قوات وزارة الداخلية”، بدون تحديد موعد بدء التنفيذ.

وأشار إلى أن الأمر مرتبط “ببعض الجزئيات الفنية”، مؤكداً إيجابية رد الجانب الكردي.

—————————–

بدء تنفيذ اتفاق دمشق و«قسد» في الحسكة… وخطة الدمج من 4 مراحل/ هبة محمد

تشهد مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا، الإثنين، حظرا كاملا للتجوال بالتزامن مع بدء تنفيذ الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) والذي يقضي بوقف فوري لإطلاق النار والشروع في مسار سياسي وأمني وعسكري لدمج مناطق الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة.

ويشمل الاتفاق انسحاب القوات من خطوط التماس، وانتشار قوى الأمن الداخلي في مراكز المدن، وتسليم المعابر وحقول النفط والغاز، إلى جانب ترتيبات إدارية وأمنية تشمل تسمية مرشحين لمناصب محلية، أبرزها منصب محافظ الحسكة، وتمتد على أربع مراحل خلال شهر.

وبينما تؤكد الحكومة أن الضمانات تستند إلى بناء الثقة والإجراءات الأمنية المنسقة، رحّبت أطراف كردية بالاتفاق مع الدعوة إلى تنفيذه بمسؤولية تحفظ الحقوق وتعزز الشراكة الوطنية، في وقت أعلن فيه قائد «قسد» مظلوم عبدي بدء التطبيق العملي للاتفاق وترحيبا دوليا به.

«لسنا دولة انتقام»

وزار الأحد، قائد الأمن الداخلي في حلب العقيد محمد عبد الغني مدينة عين العرب في ريف المحافظة، والتقى قادة من «قسد» للبدء بتنفيذ الاتّفاق.

ووجّه عبد الغني، الأحد، رسائل تطمين مباشرة للأكراد، مفادها أن سوريا في عهدها الجديد «ليست دولة انتقام أو استعراض قوة».

ونشرت قناة «الإخبارية السورية» الحكومية عبر منصة شركة «إكس» الأمريكية تسجيلا مصورا يظهر مقتطفات من كلمة عبد الغني داخل مقر قوى الأمن الداخلي بمقاطعة الفرات، حيث وجّه رسائل تطمينيه للأهالي والقوى الموجودة في المنطقة.

وفي كلمته خلال الاجتماع الذي ضم قادة من «قسد» أكد قائد الأمن الداخلي في حلب أن «الدولة في مرحلتها الجديدة لا تسعى لفرض هيمنة عسكرية».

وأضاف: «أكدنا منذ اللحظة الأولى أن الدولة السورية لا تسعى أبدا لنصر عسكري بعد سقوط النظام السابق».

وتابع عبد الغني: «نحن لسنا دولة انتقام، ولا دولة استعراض قوة، إنما نسعى لبناء دولة قانون وانضباط تتحمل مسؤولية السوريين لتخفيف معاناتهم التي دامت طويلا».

وفي سياق حديثه عن المظالم التاريخية للمكون الكردي، قال العقيد عبد الغني: «نحن نعي ونوقن حجم الظلم الذي مورس على أهلنا الكرد، ويدا بيد إن شاء الله سنرفع الظلم عن كل السوريين».

وتابع: «إذا جئنا للحقيقة، لا يوجد سوري إلا وتعرض للظلم من النظام السابق، وبما أننا تخلصنا منه، فقد جاء الآن دور البناء».

وأوضح أن «الهدف الحالي هو بناء دولة القانون في سوريا الموحدة في كافة أراضيها في القريب العاجل».

أربع مراحل

في سياق بدء تنفيذ الاتفاق وما يرافقه من ترتيبات ميدانية وأمنية وإدارية في مدن شمال شرقي البلاد، كشف مصدر مسؤول في وزارة الخارجية لـ «القدس العربي» عن تفاصيل آلية الانسحاب وخريطة الطريق الزمنية، إضافة إلى الضمانات المطروحة لإنجاح الاتفاق وتجنب أي خروقات محتملة.

وأوضح الباحث الاستراتيجي لدى وزارة الخارجية، عبيدة غضبان لـ «القدس العربي» أن انسحاب قوات «قسد» سيبدأ من مناطق رأس العين والدرباسية والمالكية، وذلك تمهيدا لاستكمال الترتيبات الأمنية اللازمة لعملية الاندماج ضمن مؤسسات الدولة.

وأكد المتحدث أن الحكومة تأمل ألا يشهد الاتفاق أي خروقات وأن يُنفذ بشكل كامل، لكنها في الوقت نفسه تدرك احتمالية وقوع إشكالات، لا سيما بعد دخول قوات الأمن إلى المدينة.

ولفت إلى أن المخاوف الأكبر لا تتعلق بـ«قسد» نفسها، وإنما ببعض العناصر الأكثر تشددا والرافضة للاتفاق، والمرتبطة بحزب العمال الكردستاني، معربا عن أمله في أن تتمكن «قسد» من ضبط المشهد من جانبها، وأن تنجح قوات الأمن الداخلي في السيطرة على الوضع.

وفيما يتعلق بعناصر «قسد» الأجانب، أوضح أن مسؤولية إخراجهم من سوريا تقع على عاتق «قسد» بموجب الاتفاق. أما على صعيد الترتيبات الأمنية، فأشار إلى أن المطلوب هو بناء الثقة والتفاهم المتبادل، والعمل على تأسيس الأجهزة والمؤسسات الأمنية بصورة منظمة، معربا عن أمله بأن تسفر هذه الجهود عن تفاهمات إيجابية ومستقرة.

وبيّن غضبان أن الإطار الزمني لتنفيذ الاتفاق يتألف من أربع مراحل تمتد على مدار شهر كامل. المرحلة الأولى بدأت بالفعل يوم الجمعة الفائت، وتشمل الانسحاب العسكري وتشكيل الألوية والفرق.

أما المرحلة الثانية فتنطلق الإثنين وتستمر ثلاثة أيام، وهي مرحلة أمنية وإدارية ترتبط بتقديم المرشحين واعتماد الأسماء. فيما تركّز المرحلة الثالثة، على المرافق الحيوية، وملفي حقلي الرميلان والسويدية النفطيين، إلى جانب مطار القامشلي، في حين تتمثل المرحلة الرابعة في استكمال عملية الدمج خلال شهر، بالتوازي مع استكمال نقل سجناء تنظيم «داعش» إلى العراق.

وأضاف غضبان أن هناك مجموعة من الالتزامات المرافقة لكامل هذه الفترة، من بينها تعزيز الحرية الثقافية واللغوية، والاعتراف بالشهادات الصادرة عن الإدارة المحلية، إضافة إلى تعزيز تطبيق المرسوم رقم 13.

وحول وجود جهة رقابية دولية للإشراف على التزام بالاتفاق، أشار المتحدث، إلى أنه لا توجد رقابة دولية مباشرة على تنفيذ الاتفاق، وإنما متابعة سياسية خارجية من مختلف الأطراف. أما فيما يتعلق بعمليات التدقيق الأمني ومناطق الانتشار، فهي مرتبطة بوزارتي الداخلية والدفاع، بالتنسيق مع «قسد» لاستكمال هذا الجانب بصورة منظمة.

وفي رده على سؤال حول خصوصية المناطق الكردية وكيفية صونها، أكد أن ذلك يتحقق أولا عبر ضمان الحقوق الثقافية، وتدريس اللغة الكردية في المدارس، وترخيص المؤسسات والمنظمات بمختلف أشكالها الثقافية واللغوية والمدنية، بما يتوافق مع المرسوم 13 من جهة، ومع قانون الإدارة المحلية رقم 107 من جهة أخرى.

سحب أوراق «قسد»

وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي والمواقف الدولية الأخرى، أوضح أنها قامت على الوساطة وأدت دورا داعما عزز الاتفاق ومكّن من تثبيته، لكنها لم تكن العامل الوحيد وراء تحقيقه، لافتا إلى أن ما دفع في اتجاه الاتفاق بشكل أكبر هو وجود عمليتين متوازيتين خلال العام الماضي، الأولى تمثلت في سحب أوراق القوة تدريجيا من «قسد» ما جعلها تدخل المفاوضات دون أوراق ضغط، والثانية كانت تفاهمات داعمة عززت المصلحة المشتركة لجميع الأطراف، الأمر الذي جعل «قسد» مهتمة بتحقيق الاتفاق والمشاركة في بناء الدولة، ومنحها مخرجا مقنعا ومرضيا.

وختم غضبان بالتأكيد على أن المخاوف لا تزال قائمة، غير أن الضمانات تعتمد بالدرجة الأولى على بناء الثقة، وعلى الإجراءات الأمنية المتبعة وتعزيز الانضباط، مشيرا إلى أن الدولة السورية خاضت خلال العام الماضي عملية تطوير لهذه الآليات، وأصبحت أكثر احترافية وقدرة على ضبط المشهد وبناء الهياكل والأجسام اللازمة لتحقيق هذا الانضباط.

ترحيب كردي

ورحّب المجلس الوطني الكردي في سوريا، الأحد، بالاتفاق، معتبرا أنه خطوة تتطلب تعاملا مسؤولا يجنّب البلاد مزيدا من المعاناة والتوتر، ويسهم في تهيئة الظروف لعودة النازحين إلى ديارهم. وقال المجلس، في بيان رسمي، إن تنفيذ الاتفاق يجب أن يتم بجدية وبصورة مستدامة، بما يضمن تخفيف الاحتقان وتعزيز الاستقرار.

كما أشار إلى أن المرسوم الرئاسي رقم (13) يمكن أن يشكل مدخلا لإطلاق حوار وطني جاد بين الحكومة السورية وممثلي الشعب الكردي، بهدف تحقيق الحقوق القومية المشروعة ورفع المظالم التاريخية وتثبيتها دستوريا. وأكد أن ضمان حقوق جميع المكونات السورية على أساس الشراكة الحقيقية والعدالة والمساواة يمثل الركيزة الأساسية لصون المصلحة الوطنية وتحقيق الأمن والاستقرار المستدام.

وسبق أن أكد مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) في بيان السبت، أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة بناء الثقة بين مكونات الشعب السوري، ودرء الفتنة، وتعزيز الشراكة العربية ـ الكردية. وشدد على ضرورة ترسيخ دور القوى المدنية والسياسية باعتبارها الضامن الحقيقي لوحدة البلاد واستقرارها، بعيداً عن منطق الغلبة أو الإقصاء.

وأوضح «مسد» أن تجاوز التحديات التي تواجه سوريا يتطلب خطابا وطنيا جامعا يقوم على الحوار والتفاهم بين مختلف المكونات، مؤكدا أن تعزيز الشراكة بين القوى السياسية والمجتمعية يشكل أساسا متينا للحفاظ على السلم الأهلي. كما اعتبر أن القوى المدنية والديمقراطية تمثل ركيزة أساسية في بناء دولة سورية موحدة قادرة على تحقيق الاستقرار والتنمية.

وأشار المجلس إلى أن حماية وحدة البلاد تستدعي تضافر الجهود الوطنية والعمل المشترك لإفشال محاولات بث الفتنة، وترسيخ قيم التعايش المشترك بين جميع السوريين. وأكد التزامه بالحفاظ على علاقاته الوطنية والدولية الداعمة للاستقرار ومكافحة الإرهاب وحماية الحقوق والحريات، في إطار احترام السيادة السورية وإرادة شعبها.

وبيّن «مسد» أن الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية المؤقتة و«قسد» يمثل خطوة ضمن مسار معقد يهدف إلى إنهاء التصعيد ومنع الانزلاق نحو مزيد من الفوضى، وتهيئة الظروف لمرحلة سياسية جديدة تعالج جذور الصراع. ولفت إلى أن أي تفاهمات سياسية أو أمنية ينبغي تقييمها بمدى التزامها الفعلي بحماية المدنيين، وضمان الحقوق المدنية والسياسية، وتأمين عودة آمنة وكريمة للنازحين، والحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي.

وقال القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، الجنرال مظلوم عبدي، إن الاتفاق مع الحكومة السورية أوقف الحرب وسيحمي الحقوق المشروعة للشعب الكردي. وأوضح، في تصريحات لقناة «روناهي» الكردية، أنه وقّع الاتفاق عقب اتصال مع رئيس الجمهورية أحمد الشرع، وتم إعلانه للشعب السوري.

وبيّن أن قوة محدودة من الأمن الداخلي ستدخل المربع الأمني في الحسكة والقامشلي لتطبيق اتفاق الاندماج عملياً، مشيراً إلى أن القوى الأمنية المحلية ستواصل مهامها في بسط الأمن داخل المناطق الكردية، مع العمل على دمجها تدريجياً ضمن وزارة الداخلية السورية. وأضاف أن الموظفين المحليين وسكان مناطق كوباني والجزيرة سيديرون شؤون مناطقهم بأنفسهم.

وأشار إلى أن الاتفاق يدخل حيز التنفيذ العملي في الثاني من شباط/فبراير، ويتضمن انسحاب قوات «قسد» والقوات الحكومية من خطوط الاشتباك في كوباني والجزيرة. كما لفت إلى ترحيب قوى دولية بالاتفاق وضمانها له، بما في ذلك اتصال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس أحمد الشرع، مؤكداً التواصل أيضاً بشأن ملف المختطفين والأسرى والمفقودين.

وأكد أنه لن يتولى أي منصب حكومي، وأنه سيبقى إلى جانب الكرد، ويعمل على تشكيل مرجعية سياسية لهم في سوريا.

القدس العربي

———————————–

 الوطني الكردي: اتفاق الحكومة مع “قسد” والمرسوم 13 مدخل لإطلاق حوار جاد

2026.02.01

قال المجلس الوطني الكردي إن الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” بتاريخ 30 كانون الثاني الماضي يُعد خطوة مهمة تتطلب تعاملاً مسؤولًا، معربًا عن أمله في أن يُنفَّذ بجدية وبصورة مستدامة، بما يسهم في تجنيب البلاد مزيدًا من التوتر والمعاناة، وتهيئة الظروف لعودة النازحين إلى ديارهم.

واعتبر المجلس، في بيان نشره عبر معرفاته الرسمية اليوم الأحد أن هذا الاتفاق، إلى جانب المرسوم الرئاسي رقم (13)، يشكّلان مدخلًا لإطلاق حوار وطني جاد بين الحكومة السورية وممثلي الشعب الكردي، يهدف إلى تحقيق الحقوق القومية المشروعة، ورفع المظالم التاريخية، والعمل على تثبيت هذه الحقوق ضمن الأطر الدستورية.

وأكد المجلس أن ضمان حقوق جميع المكونات السورية، على أساس الشراكة الحقيقية والعدالة والمساواة، يمثّل ركيزة أساسية لصون المصلحة الوطنية العليا، ويُسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار المستدام، ويوفّر مقومات العيش الكريم لجميع السوريين دون استثناء.

الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”

ويوم الجمعة الفائت أعلن مصدر مسؤول في الحكومة السورية، أنه تم الاتفاق على وقف إطلاق النار بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بموجب اتفاق “نهائي شامل”، مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين.

وأشار المصدر، وفق ما نقلت وكالة رويترز، إلى أن الاتفاق يشمل انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات قسد، إضافة إلى تشكيل لواء لقوات عين العرب (كوباني) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.

وبيّن المصدر أن الاتفاق يشمل دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم، لافتاً إلى أن “الاتفاق يهدف إلى توحيد الأراضي السورية، وإنفاذ القانون، وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية، وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد”.

وقال المسؤول في الحكومة السورية لوكالة رويترز إن “الاتفاق نهائي، وتم التوصل إليه في وقت متأخر من مساء أمس الخميس، وإن التنفيذ سيبدأ على الفور”.

———————–

 استعدادا لحل مؤسساتها.. الإدارة الذاتية تعيد ملايين الدولارات لشركات الصرافة

2026.02.01

أعاد مكتب النقد والمدفوعات في الإدارة الذاتية ملايين الدولارات إلى شركات الحوالات والصرافة العاملة في مناطق شمال شرقي سوريا من مبالغ التأمينات استعدادا لحل مؤسسات الإدارة ودمجها في الحكومة السورية.

وقال صاحب شركة صرافة في الحسكة لموقع تلفزيون سوريا إن “الإدارة الذاتية أعادت مبلغ 75 ألف دولار لشركات الحوالات ومبلغ 7500 دولار لمكاتب الصرافة وهي مبالغ دفعتها الشركات كتأمين”.

وكانت الإدارة الذاتية تفرض من ضمن إجراءات الترخيص دفع مبالغ مالية قبل حصول أي شركة أو مكتب للحوالات والصرافة على موافقة الترخيص للعمل في المناطق الخاضعة لسيطرتها سابقا.

وقال خمسة من أصحاب محال الصرافة في الحسكة والقامشلي إنهم تلقوا اتصالا من مكتب النقد والمدفوعات في الإدارة الذاتية قبل يومين وطُلب منهم القدوم واستلام مبالغ التأمين التي دفعوها للحصول على الرخصة وتسلم إيصال التأمين للإدارة الذاتية.

ووجه مكتب النقد والمدفوعات اليوم الأحد تعميماً إلى شركات والمكاتب الصرافة ينص على “إعفاء مكتب النقد والمدفوعات من الإشراف والرقابة على الشركات والمكاتب الصرافة”.

ودعا التعميم أصحاب الشركات والمكاتب إلى  “عدم الرد على طلبات بعض الموظفين الذين كانوا يشرفون على أعمال هذه الشركات وتعتبر هذه التصرفات شخصية وتحت طائلة المسائلة القانونية”.

وأكد مصدر من “قسد” لموقع تلفزيون سوريا أن مؤسسات الإدارة الذاتية بدأت باتخاذ إجراءات لإعلان حل الإدارة الذاتية وبدء عملية دمج مؤسساتها في الحكومة السورية.

وأشار المصدر إلى أن “مبالغ التأمين لشركات الحوالات والصرافة التي أعادتها الإدارة الذاتية تجاوزت عشرة ملايين دولار أميركي”

وأشار المصدر إلى إيقاف الإدارة الذاتية عشرات الموظفين العاملين في مؤسساتها عن العمل، من أصحاب العقود المؤقتة وإعادة تنظيم جداول الموظفين حسب القدم الوظيفي والشهادات التعليمية تحضيرا لتقديم الجداول للحكومة السورية.

ويوم الجمعة الماضي، أعلنت الحكومة السورية وقسد عن الاتفاق على إيقاف إطلاق النار بموجب اتفاق شامل مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين.

ويشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات قسد إضافة إلى تشكيل لواء لقوات كوباني (عين العرب) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.

كما يتضمن الاتفاق دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، إلى جانب الاتفاق على تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

———————-

 حلب: أكثر من ألف متقدم لمركز التسوية الخاص بعناصر “قسد”/ منصور حسين

الاثنين 2026/02/02

يستمر عمل المركز الذي خصصته وزارة الداخلية في مدينة حلب لتسوية أوضاع العناصر الذين كانوا منضوين تحت مظلة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ووحدات حماية الشعب والمرأة الكردية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، بعد استسلامهم لقوات الجيش السوري، بهدف تمكينهم من العودة وممارسة حياتهم المدنية.

وقالت وزارة الداخلية السورية، في بيان، إن “قيادة الأمن الداخلي في محافظة حلب، بدأت باستقبال العناصر المنتسبين لتنظيم قسد، والراغبين في تسوية أوضاعهم ضمن المركز المخصص في المحافظة، في حي الشيخ مقصود، بعد قيامهم بتسليم أسلحتهم إلى الجهات الأمنية المختصة”.

وأكدت الوزارة أن “هذه الخطوة تأتي ضمن مساعي وزارة الداخلية لترسيخ الأمن وتعزيز الاستقرار في مختلف المناطق، من خلال توفير مسار قانوني يتيح للراغبين العودة إلى حياتهم المدنية، واستعادة حقوقهم المدنية، بما في ذلك استخراج الوثائق الرسمية وممارسة شؤونهم اليومية بشكل طبيعي ومنظّم”.

أكثر من 1000 متقدم

وبدا لافتاً الأعداد الكبيرة التي يستقبلها مركز حي الشيخ مقصود، المخصص لعناصر قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والتي دفعت بوزارة الداخلية في حلب لدراسة خيار تمديد الفترة حتى نهاية الشهر الحالي.

وأكد مالك سعود، مدير مركز التسوية في حي الشيخ مقصود بحلب، أن الهدف من المركز هو مراجعة وتحديث البيانات لجميع المقاتلين المرتبطين بتنظيم “قسد” سابقاً، واستخراج بيانات جديدة للعناصر تسهل عودتهم لممارسة حياتهم المدنية بشكل طبيعي وسلسل، وحصولهم على حقوقهم المدنية كاملة.

ويوضح سعود أن المركز دعا العناصر المنشقين الذين سلموا أسلحتهم لقوات الجيش السوري والوحدات الأمنية في حلب ومن فضل تسوية وضعه والبقاء داخل الحي، مقابل تسليمهم كل مايربطهم بالتنظيم السابق من أوراق ووثائق وأسلحة، على أن يحصل المتقدم على رقم شخصي لتسهيل مراجعته المركز، خصوصاً وأن الأعداد كانت مرتفعة والإقبال تجاوز التوقعات الأولية.

ويقول: “ضمن عمل وزارة الداخلية على دعم وترسيخ الاستقرار في مدينة حلب، وعودة الحياة المدنية لجميع السكان، جرى افتتاح مركز التسوية في حي الشيخ مقصود، حيث تجاوزت أعداد العناصر المنجزة أوراقهم بشكل مبدأي، خلال الأيام الخمسة الأولى، حاجز 1000 عنصراً من تنظيم قسد وتشكيلاته التي كانت تسيطر على حيي الشيخ مقصود والأشرفية”.

ويضيف: أن “المركز قدم للعناصر السابقين ورقة تسوية أولية لتسهيل تنقلاتهم وحركتهم على الأراضي السورية، تمهيداً لاستخراج أوراقهم الثبوتية المدنية، إضافة إلى وجود أكثر من 1000 مقاتل آخرين، جرى تحديد موعد مراجعتهم ضمن المركز خلال الأيام القادمة، بهدف تسهيل مراجعتهم وتجنيبهم الانتظار الطويل أو خلق ازدحامات داخل المركز”.

ويشير إلى أن “الإقبال الكبير كان مفاجئاً، وتجاوز التوقعات التي قدرت عمل المركز لمدة عشرة أيام، إلا أن الإقبال الكبير دفعنا للتمديد حتى نهاية الشهر الجاري كمرحلة أولى، على أن يتم التمديد في حال استمرار توافد العناصر إلى المركز، لضمان الوصول إلى جميع من يرغب بتسوية وضعه، وتسهيل هذه الخطوة”.

دوافع الانضمام لـِ “قسد”

ووفق من التقت معهم “المدن” من العناصر المتواجدين داخل المركز، بدت دوافع الانضمام لتنظيم “قسد” متباينة، بين من قاتل لأسباب قومية وآخرين أجبرتهم الظروف المعيشية القاسية وانعدام فرص العمل على الالتحاق بالتنظيم للحصول على امتيازات ومنح نقدية تعيلهم.

وهو ما تحدث عنه أحمد هزاع، أحد العناصر الذين كانوا ضمن تشكيلات “قسد” العسكرية داخل حي الشيخ مقصود، حيث أشار إلى انعدام مصادر الدخل بالدرجة الأولى والفقر المدقع الذي جعله عاجزاً عن تأمين أدنى مقومات الحياة، مقابل رفضه النزوح باتجاه المخيمات الكارثية.

ويقول هزاع إن “قسد” كانت الطرف الأقوى في المنطقة والانضمام إليه يمنحه بعض الامتيازات من خبز مجاني ومعونات غذائية وغيرها من الأمور مثل السلطة والقوة، عدا عن أولوية حصوله على الغاز والمحروقات التي كانت تصل المنطقة.

أما آزاد علو، وهو عنصر مقاتل ضمن صفوف قوات “الأسايش” التي كانت تنتشر في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، فقد أضاف البعد القومي في الانضمام إلى “قسد” التي كانت تحارب باسم الكرد وترفع شعار الدفاع عن حقوقهم، وهي عوامل “انتهت بعد قرار الحصول على كامل حقوق المواطنة”.

التسوية تشمل الجميع

الأعداد المرتفعة الوافدة إلى مركز التسوية الخاص بحي الشيخ مقصود شمال مدينة حلب، أثارت الحديث عن وضع فلول النظام البائد الذين رفضوا إجراء التسوية والتوجه نحو حي الشيخ مقصود والقتال إلى جانب “قسد”، بعد سقوط نظام الأسد، وآلية التعامل معهم وسط مخاوف من استمرار أعمالهم العدائية ضد القوات الحكومية.

لكن محمد شبيب، عضو مكتب العلاقات العامة في قيادة الأمن الداخلي بحلب، أكد أن عمليات التسوية التي تجري في حي الشيخ مقصود تطبق على العناصر الذين لم يسبق تقديمهم للحصول على ورقة التسوية بالدرجة الأولى، وبالتالي إندراجهم ضمن التوصيفات المطبقة على جميع المتقدمين حالياً.

وأوضح شبيب، أن “عناصر النظام البائد ينقسمون إلى فئات، منهم مقاتلين رفضوا إجراء تسويات أمنية وفروا باتجاه مناطق قسد دون مشاركتهم بالقتال إلى جانب التنظيم، أما الفئة الثانية فهي العناصر التي قاتلت مع التنظيم وشاركت في معاركه ضد الدولة السورية، وأخيراً فئة الخاضعين للتسوية وقاتلوا الدولة السورية، وهذه الفئة غير موجودة حتى اللحظة”.

ويقول: “المقيمون في مناطق قسد من عناصر النظام الذين فروا خوفاً دون خضوعهم للتسوية وشاركوا في القتال تحت مظلة قسد، تقوم المراكز بإجراء عمليات التسوية وتقديم خدماتها الاعتيادية بعد تسلمها الوثائق العسكرية والأسلحة وكل ما يربطهم بالحياة العسكرية السابقة، بينما الرافضين لإجراءات التسوية كلياً، تكون ملفاتهم منفصلة وتحال إلى وزارة العدل باعتبارهم فارين ومخالفين للقانون السوري”.

ومع توسع سيطرة الحكومة السورية في مناطق شمال شرق سوريا، بدأت بتفعيل مراكز تسوية جديدة، في محافظات دير الزور والحسكة والرقة التي دخلتها أخيراً، بينما ينتظر السوريون النتائج النهائية للمهلة المقدمة لتسوية وضع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ووضعها الجديد.

المدن

———————–

==================

تحديث 01 شباط 2026

—————————–

النص الحرفي لـ”الاتفاق الشامل” بين الحكومة السورية و”قسد

آخر تحديث 01 فبراير 2026

أعلنت الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) يوم الجمعة بيانا صحافيا تضمن توصلهما إلى “اتفاق شامل” لوقف النار، والتفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين.

وحصلت “المجلة” على مسودة الاتفاق الذي استند إليه البيان الصحافي، وهو مؤرخ في 30 يناير/كانون الثاني، أي قبل يوم من البيان وبعد ثلاثة أيام من الاتفاق على مسودة أولى.

وهنا نص مسودة الاتفاق بين الطرفين، الذي يتضمن 14 بندا وأربع مراحل يمتد تنفيذها لمدة شهر، إضافة إلى مرحلة خامسة تتضمن التزامات دائمة بين الطرفين:

1- إعلان وقف إطلاق نار دائم وشامل وإيقاف كافة عمليات الاعتقال والمداهمات بناء على الأحداث الأخيرة. مع استمرار حماية سجون “داعش” من قبل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). بالإضافة إلى تقديم كامل الدعم اللوجستي لعملية الإخلاء الجارية.

2- الانسحاب العسكري من مدينتي الحسكة والقامشلي لقوات “قسد” إلى الثكنات العسكرية المتفق عليها، مقابل انسحاب الجيش السوري إلى بلدة الشدادي جنوب الحسكة فورا.

للتسجيل في النشرة البريدية الاسبوعية

احصل على أفضل ما تقدمه “المجلة” مباشرة الى بريدك.

تخضع اشتراكات الرسائل الإخبارية الخاصة بك لقواعد الخصوصية والشروط الخاصة بـ “المجلة”.

    استلام حقل رميلان والسويدية ودمج الموظفين المدنيين من قبل وزارة الطاقة

3- تشكيل فرقة عسكرية لمحافظة الحسكة من قبل وزارة الدفاع السورية، مع دمج قوات “قسد” ضمن ثلاثة ألوية.

4- دمج القوة العسكرية في كوباني ضمن لواء يتبع لفرقة عسكرية في محافظة حلب.

5- دخول 15 سيارة أمنية لكل من مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الأمن والاستقرار، وبدء عملية دمج قوات الأمن التابعة لـ”قسد” ضمن وزارة الداخلية.

أ ف ب أ ف ب

الرئيس السوري أحمد الشرع (يمين) والقائد العام لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي يوقعان اتفاقية لدمج “قوات سوريا الديمقراطية” في مؤسسات الدولة، دمشق، 10 مارس 2025

6- تعيين المسؤولين المحليين:

– تعيين محافظ للحسكة بترشيح من “قسد”.

– تعيين قائد للأمن في المحافظة بترشيح من الحكومة السورية.

– تعيين معاون لوزير الدفاع بترشيح من “قسد”.

7- استلام المواقع الحيوية:

– استلام حقل رميلان والسويدية ودمج الموظفين المدنيين من قبل وزارة الطاقة.

– استلام مطار القامشلي من قبل هيئة الطيران المدني.

8- إرسال فريق من هيئة المنافذ البرية إلى معبر سيملكا ومعبر نصيبين لتثبيت الموظفين المدنيين ومنع استخدام المعابر لإدخال الأسلحة والأجانب من خارج الحدود، وتفعيل المعابر فورا.

    تأمين عودة جميع النازحين إلى مدنهم وقراهم، وتعيين مسؤولين محليين ضمن الإدارات المدنية في تلك المناطق

9- استلام الحكومة السورية لكامل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية وتثبيت الموظفين المدنيين العاملين في تلك المؤسسات.

10- منع دخول القوات العسكرية إلى المدن والبلدات من جميع الأطراف، وخاصة المناطق الكردية.

11- تسوية ومصادقة جميع الشهادات المدرسية والجامعية والمعاهد الصادرة عن الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا.

12- ترخيص كافة المنظمات المحلية والثقافية والمؤسسات الإعلامية وفق القوانين الناظمة للوزارات المختصة.

13- العمل مع وزارة التربية والتعليم لمناقشة المسار التعليمي للمجتمع الكردي ومراعاة الخصوصية التعليمية.

14- تأمين عودة جميع النازحين إلى مدنهم وقراهم (عفرين، الشيخ مقصود، رأس العين/سري كانه)، وتعيين مسؤولين محليين ضمن الإدارات المدنية في تلك المناطق.

المجلة

—————–

ماذا يعني اتفاق “قسد” الجديد مع الحكومة السورية؟/ عمر كوش

يطرح الاتفاق الجديد بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، تساؤلات عديدة، تطال مدى اختلافه عن الاتفاقات السابقة الموقعة بين الطرفين، وخاصة اتفاق 18 يناير/كانون الثاني الماضي، وعن آفاق تنفيذه وتطبيقه على الأرض، وعما إذا كان يشكل نقطة تحول في الوضع السوري.

شمولية الاتفاق

 بداية، ينص الاتفاق على إيقاف إطلاق نار شامل بين الحكومة السورية و”قسد”، والتفاهم على عملية دمج تدريجية للقوات العسكرية والإدارية بين الطرفين، وانسحاب القوات العسكرية من جميع نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية السورية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي؛ بغية تعزيز الاستقرار.

إضافة إلى بدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد”، إلى جانب تشكيل لواء في بلدة كوباني (عين العرب) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.

كما يتضمن الاتفاق دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” في مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

واضح أن الهدف من هذا الاتفاق الشامل هو تحقيق وحدة الأراضي السورية، وإنفاذ القانون، وتحقيق عملية الدمج الكامل لما تبقى من منطقة الجزيرة السورية، من خلال تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية، وبالتالي بات من الممكن، في حال تنفيذ الاتفاق، توحيد الجهود للسير نحو إعادة إعمار البلاد.

آفاق ودلالات

إذن، يحمل هذا الاتفاق الشامل أفقا سياسيا، يمكنه أن يمهد الطريق نحو فضاء سياسي جديد، وبما يؤدي إلى توسيع مشاركة المكونات السورية، وتمثيلها على أسس سياسية، بالابتعاد عن منطق المحاصصة القومية والطائفية، الذي تسعى إليه الكيانات ما قبل الدولتية، والمناهضة بطبيعتها للدولة.

لا يعد الاتفاق مجرد تسوية أمنية مؤقتة، أو تفاهم مرحلي أو تقني، بل هو حدث سياسي متعدد الدلالات، كونه يعكس توازن القوى الجديد في منطقة الجزيرة السورية، حيث ولد من الواقع الميداني الجديد، كي ينهي مرحلة كاملة من الخروج عن سلطة الدولة، ويعيد صياغة العلاقة بين المركز وسائر المناطق السورية، باعتباره يشكل حلا سياسيا فرضته المتغيرات الداخلية في سوريا، والمواقف الإقليمية والدولية.

إعلان

ما يلفت الانتباه هو أن الاتفاق يعبر عن منطق الدولة السورية الساعية لاستعادة سيادتها على كامل أراضيها. ولعل ما يحسب للسلطة السورية هو اتباعها نهجا، يقوم على الترتيب التدريجي لتفكيك الوقائع والعوامل التي كانت تفرض “قسد” كسلطة أمر واقع في منطقة الجزيرة السورية، وكانت تسيطر على ما يقارب ربع مساحة الدولة السورية، وتستحوذ على ثرواتها ومواردها الطبيعية الغنية.

كانت “قسد”، التي انتهت مهمتها الوظيفية حسبما أعلن الجانب الأمريكي، تربط بين الحفاظ على سلطة قادتها ومكاسبهم، وبين حقوق  الأكراد السوريين، واعتاشت سنوات طويلة على سرديات المظلومية الكردية، بعد أن ادعت أنها تدافع عن حقوق السوريين الأكراد.

غير أن “قسد” فشلت في نيل تأييد شعبي حقيقي بين الأوساط الشعبية الكردية وسواها. إضافة إلى فشلها في دفع هذه الأوساط إلى الاقتناع بعقيدتها التي فرضها “حزب العمال الكردستاني”، البعيد عن البيئة السورية.

وجاء المرسوم رقم (13)، الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في 16 يناير/كانون الثاني الماضي، كي يسهم في سحب ذرائع “قسد”، كونه تضمن الاعتراف الصريح بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد السوريين، ورفع المظالم التي لحقت بهم جراء الإحصاء السكاني عام 1962، ومنح جميع مكتومي القيد الجنسية السورية.

عبر هذا المرسوم عن رؤية السلطة السورية الجديدة، التي عملت على تفكيك محاولات قيادة “قسد” التي كانت تربط بين مشروع “قسد” وحقوق الأكراد السوريين، الأمر الذي أسهم في تعرية محاولاتهم.

آلية الدمج

حمل الاتفاق آلية لدمج “قسد” في المؤسسة العسكرية السورية، عبر فرقة من ثلاثة ألوية في الحسكة، إلى جانب لواء آخر في حلب.

ولا شك في أن الدمج مختلف عن الحل أو التفكيك، لكنه يحمل خلافا بين الطرفين حول التنفيذ، حيث ترى قيادات “قسد” أنه يبقي على كيانها ضمن الجيش السوري، بينما يعتبر مسؤولون سوريون أن تشكيل الألوية يتم بشكل فردي لعناصر “قسد”، بعد خضوعهم لتدقيق أمني.

غير أن دمج “قسد” ضمن وزارة الدفاع السورية يعني عدم استمرارها ككيان مسلح خارج مؤسسات الدولة، خاصة أن قيادتها لم تعد تملك هذا الخيار بعد المعادلة الميدانية الجديدة. وبالتالي، يمهد الاتفاق طريق نقلها من الفضاء الفصائلي، الذي يناقض منطق الدولة، إلى فضاء سياسي يحولها إلى بنية سياسية فاعلة ونشطة، ويمكنها المشاركة في المجال السياسي العام للسوريين.

كما يدشن الاتفاق الحاجة إلى عقد سياسي يقوم على التسوية السياسية مع الكيانات العسكرية والسياسية، المسيطرة على مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، حيث يفرض دمج هذه القوى الخضوع للهرمية العسكرية القيادية وللعقيدة القتالية لوزارة الدفاع السورية.

وهنا يأتي دور مؤسسات هذه الوزارة وقدرتها على الاحتواء المؤسساتي، وتحقيق الانضباط ضمن بنية الدولة الساعية إلى تثبيت احتكارها المشروع للسلاح.

في الجانب المدني، يبرز تحدي دمج المؤسسات المدنية والأمنية، التي أنشأتها “الإدارة الذاتية”، ضمن مؤسسات الدولة الإدارية، وأجهزة وزارة الداخلية السورية، مع منح مناطق محافظة الحسكة وبلدة كوباني لامركزية إدارية ضمن سيادة الدولة السورية.

إعلان

يشمل الدمج أيضا الإبقاء على الموظفين المدنيين المحليين؛ منعا للفراغ المؤسسي والانهيار الخدمي، ووضع آليات تنفيذية للمؤسسات التعليمية، بما يضمن الحفاظ على مختلف تفاصيل الحياة اليومية لجميع السوريين في تلك المناطق.

ويطال الدمج مسألة تسلُّم مؤسسات الدولة الموارد الطبيعية من نفط وغاز وقمح ومياه، وإعادتها إلى الإطار المركزي؛ بغية تسخير عائداتها في مشاريع التنمية على المستوى الوطني، وبما ينعكس على تحسين شروط عيش جميع السوريين.

الترحيب الخارجي

كان لافتا حجم الترحيب العربي والإقليمي والدولي بالاتفاق، حيث أشادت به كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا اللتين لعبتا دورا في إنجازه، إلى جانب ترحيب الأمم المتحدة، والعديد من الدول الأوروبية والعربية، الأمر الذي يعكس مدى الاهتمام الدولي بالوضع السوري.

يدفع الترحيب الدولي باتجاه ضمان تنفيذه، خاصة أن الخارجية الأمريكية أعلنت في بيان أصدرته “دعم التنفيذ الناجح للاتفاق التاريخي المبرم بين الحكومة السورية وقسد”، والعمل عن كثب مع جميع الأطراف المعنية؛ لتسهيل عملية اندماج سلسة وفي الوقت المناسب.

من جهتهم، أكد مسؤولون في “قسد” رغبتهم في تنفيذ الاتفاق، فيما تتطلع الحكومة السورية إلى تنفيذه بسلاسة ودون معوقات، خاصة أنها قدمت الاتفاق بوصفه نموذج تسوية يعيد مناطق الجزيرة السورية إلى كنف الدولة الراعية لجميع السوريين، وتحت مظلتها السيادية الواضحة.

سيناريوهات

قد لا يشكل الاتفاق حلا نهائيا للوضع في شمال شرقي سوريا، كونه يقدم تسوية لدمج كيان فصائلي في دولة تريد بسط سيادتها على أراضيها. ويرتبط نجاحه بسلاسة وسرعة التنفيذ، والابتعاد عن منطق الصراع، والاحتكام إلى منطق المشاركة وإدارة التنوع.

يمكن لهذا الاتفاق الشامل أن يشكل نقطة تحول في سوريا إذا نجح تنفيذه. ويتوقف ذلك بالدرجة الأولى على رغبة وإرادة الطرفين، وقدرتهما على معالجة مختلف التفاصيل الواردة فيه، والفجوات التي يمكن أن تنشأ.

يمكن البناء على الوضع السوري الجديد والظروف الدولية للقول باختلاف هذا الاتفاق عن اتفاقي العاشر من مارس/آذار 2025، و18 يناير/كانون الثاني 2026.

ومع ذلك يمكن تصور مسارين، أولهما يفضي إلى التنفيذ التدريجي، مع نشوء مماحكات واحتكاكات، لكن التنفيذ سيأخذ مجراه في النهاية. وثانيهما التعطيل والمراوغة والمماطلة، مثلما حدث مع الاتفاقين السابقين، وبالتالي العودة إلى التوتر والتصعيد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كاتب وباحث سوري

الجزيرة

———————–

 من الاتفاق إلى التنفيذ: جدلية الحسم البنيوي في مسار دمج “قسد” ضمن الدولة السورية/ نوار شعبان

2026.02.01

ومع ذلك، وعلى الرغم من وضوح هذه البنود، تظل المعضلة الأمنية الأخطر خارج النص المعلن، وتحديداً ما يتعلق بالمقاتلين المرتبطين بحزب العمال الكردستاني. فهؤلاء، الذين رفضوا الاتفاقات السابقة بشكل صريح، ولا توجد مؤشرات واقعية على تغيّر موقفهم، يشكلون التهديد الأكبر لقابلية التنفيذ. إن إدماج القوات “المحلية” ضمن ألوية وفرَق نظامية قد ينجح، لكن بقاء عناصر عقائدية عابرة للحدود، ترفض من حيث المبدأ الاندماج في الدولة السورية، يحوّلها إلى كتلة معطِّلة قادرة على تخريب المسار عبر خروقات أمنية أو تعبئة موازية. في هذه الحا

+A

حجم الخط

-A

لم يكن إعلان الاتفاق الشامل بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في 30 كانون الثاني/يناير 2026 مجرد محطة تفاوضية جديدة في سلسلة طويلة من المحاولات غير المكتملة، بل مثّل لحظة اختبار حقيقية لإمكانية الانتقال من منطق الاتفاقات المؤجلة إلى منطق التنفيذ الفعلي. فقد أثبتت تجارب المفاوضات السابقة بين الحكومة السورية و”قسد” في الفترات السابقة، أن الإشكالية الأساسية لم تكن في غياب النصوص أو الإعلانات السياسية، بل في الفجوة البنيوية بين ما يُتفق عليه نظرياً وما يمكن فرضه عملياً على الأرض. من هنا، لا تكتسب أهمية الاتفاق الحالي من بنوده بحد ذاتها، بل من الجدل الذي يحيط بقابليته للتنفيذ: لماذا لم تُنفّذ الاتفاقات السابقة، وهل يشكّل اتفاق كانون الثاني/يناير 2026 قطيعة حقيقية مع هذا المسار، أم مجرد حلقة أخرى فيه؟

يُظهر تتبع المسار الزمني للمفاوضات أن اتفاق 10 آذار/مارس 2025 شكّل الإطار الأولي لمحاولة تنظيم العلاقة بين الحكومة السورية وقيادة “قسد”. غير أن هذا الاتفاق، رغم رمزيته السياسية، بقي أقرب إلى إعلان نوايا عام، إذ نصّ على مبادئ تتعلق بالسيادة والاندماج من دون أن يقترب من الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها بنية القوة العسكرية، والمرجعية الأمنية، والسيطرة على الموارد.

هذا الغموض البنيوي سمح بتعدد التأويلات، وأبقى كل طرف قادراً على التمسك بقراءته الخاصة للاتفاق، ما أفقده منذ البداية أي قوة إلزامية حقيقية. وقد تفاقم هذا الخلل بفعل الانقسام الداخلي داخل “قسد” نفسها، بين قيادة ميدانية رأت في التفاهم مع دمشق مخرجاً اضطرارياً، وأجنحة مرتبطة بحزب العمال الكردستاني اعتبرت أي اندماج تهديداً مباشراً لمشروعها العابر للحدود. في ظل هذا الانقسام، لم يكن فشل تنفيذ اتفاق آذار/مارس 2025 نتيجة سوء نية بقدر ما كان انعكاساً لغياب بنية تنفيذية قادرة على تحويل النص إلى واقع.

مع مطلع عام 2026، دخل هذا المسار مرحلة مختلفة مع التوصل إلى اتفاق 18 كانون الثاني/يناير، الذي غالباً ما يُساء توصيفه على أنه مجرد تفاهم لوقف إطلاق النار. في الواقع، تكشف بنود هذا الاتفاق عن وثيقة شاملة من حيث المضمون، إذ نصّ على وقف شامل وفوري لإطلاق النار على جميع الجبهات، وانسحاب تشكيلات “قسد” إلى شرق الفرات، وتسليم محافظتي الرقة ودير الزور إدارياً وعسكرياً للدولة السورية، مع تسلم المؤسسات المدنية وتثبيت الموظفين. كما شمل دمج المؤسسات المدنية في الحسكة، وتسليم المعابر وحقول النفط والغاز، ودمج العناصر العسكرية والأمنية بشكل فردي ضمن وزارتي الدفاع والداخلية بعد عمليات التدقيق الأمني اللازمة، وترتيبات خاصة بعين العرب/كوباني، وملف سجناء ومخيمات تنظيم الدولة “داعش”، والتمثيل السياسي المحلي، والالتزام بإخراج عناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين، إضافة إلى الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية الكردية.

غير أن المفارقة المركزية في اتفاق 18 كانون الثاني/يناير لا تكمن في نقص نصوصه، بل في التناقض بين شموليته النظرية وواقعيته التنفيذية. فقد جمع الاتفاق في سلة واحدة مهام تهدئة فورية، وإعادة انتشار عسكري، وتسليم موارد سيادية، ودمجاً أمنياً وإدارياً عميقاً، وتسويات حقوقية واجتماعية متراكمة منذ عقود. هذا التراكم جعل الاتفاق، عملياً، أكبر من قدرة الأطراف على تنفيذه دفعة واحدة، ولا سيما في ظل بنية قوة لم تكن قد حُسمت بعد. فقد كُتب الاتفاق في لحظة انكسار ميداني لـ “قسد”، لكن دون أن يقابله حسم تنظيمي داخلي، ما جعل البنود الأكثر حساسية، مثل الدمج الفردي الكامل وإخراج عناصر PKK، مقبولة على الورق ومتعذرة على الأرض.

بهذا المعنى، لا يمكن اعتبار عدم تنفيذ اتفاق 18 كانون الثاني فشلاً سياسياً تقليدياً، بل تعذّراً بنيوياً. فالوثيقة نجحت في وقف القتال وإعادة ضبط خطوط السيطرة، لكنها لم تمتلك الأدوات المؤسسية ولا القدرة القسرية الكافية لتفكيك الهياكل العسكرية الموازية أو نقل السيادة من مستوى النص إلى مستوى الإدارة اليومية. لقد أدّى الاتفاق وظيفته بوصفه اتفاق ضرورة ميدانية، لكنه كشف في الوقت ذاته أن وقف النار وحده لا ينتج استقراراً، وأن أي تهدئة غير مقرونة بحسم مسألة السلاح والقرار ستبقى مؤقتة بطبيعتها.

من هذه النقطة تحديداً، يمكن فهم اتفاق 30 كانون الثاني/يناير 2026 بوصفه إطاراً تنفيذياً عملياً لما ورد في بيان الحكومة السورية بشأن وقف إطلاق النار، لا بوصفه إعلاناً سياسياً عاماً. فالاتفاق، يقوم أولاً على إيقاف شامل لإطلاق النار، مقروناً بعملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية، وهو توصيف بالغ الدلالة يعكس إدراكاً رسمياً بأن الانتقال نحو الدمج لا يمكن أن يكون فورياً أو شاملاً دفعة واحدة، بل يجب أن يدار على مراحل متدرجة ومضبوطة أمنياً. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الاتفاق بوصفه إعادة إنتاج للتفاهمات السابقة، بل كإعادة ترتيب للأولويات تبدأ من تثبيت الاستقرار الميداني ثم الانتقال المنظّم إلى الدمج المؤسسي.

ويبرز في هذا الإطار البعد الأمني كحجر زاوية في عملية التنفيذ، ولا سيما من خلال انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي. هذا الإجراء لا يهدف فقط إلى تعزيز الاستقرار، بل إلى نقل المرجعية الأمنية من واقع الفصائل إلى مؤسسات الدولة، وتهيئة الأرضية لبدء دمج القوات الأمنية في المنطقة ضمن هيكلية واحدة. كما أن الإعلان عن تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات “قسد”، إضافة إلى لواء خاص بقوات عين العرب/كوباني ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب، يعكس توجهاً واضحاً نحو احتواء القوة العسكرية القائمة داخل أطر نظامية محددة، بدلاً من تفكيكها الفوري أو الإبقاء عليها كوحدات مستقلة، وهو ما ينسجم مع منطق “الدمج المتسلسل” الذي ورد صراحة في البيان.

على المستوى الإداري، ينص الاتفاق، على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، في محاولة لتفادي فراغ إداري أو صدام اجتماعي قد يعرقل مسار التنفيذ. ويترافق ذلك مع تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم، بما يهدف إلى خلق بيئة اجتماعية أقل قابلية للاختراق من قبل القوى الرافضة للاتفاق. هنا، لا تُطرح هذه البنود بوصفها تنازلات سياسية، بل كجزء من حزمة استقرار متكاملة تُسحب من خلالها الذرائع التي طالما استُخدمت لتبرير بقاء الهياكل المسلحة خارج سلطة الدولة.

ومع ذلك، وعلى الرغم من وضوح هذه البنود، تظل المعضلة الأمنية الأخطر خارج النص المعلن، وتحديداً ما يتعلق بالمقاتلين المرتبطين بحزب العمال الكردستاني. فهؤلاء، الذين رفضوا الاتفاقات السابقة بشكل صريح، ولا توجد مؤشرات واقعية على تغيّر موقفهم، يشكلون التهديد الأكبر لقابلية التنفيذ. إن إدماج القوات “المحلية” ضمن ألوية وفرَق نظامية قد ينجح، لكن بقاء عناصر عقائدية عابرة للحدود، ترفض من حيث المبدأ الاندماج في الدولة السورية، يحوّلها إلى كتلة معطِّلة قادرة على تخريب المسار عبر خروقات أمنية أو تعبئة موازية. في هذه الحالة، لا يعود الخطر سياسياً أو تفاوضياً، بل يتحول إلى خطر أمني مباشر يتطلب معالجة سريعة وحاسمة.

وعليه، فإن نجاح الاتفاق، كما صرّحت به الحكومة السورية، لا يتوقف على وقف إطلاق النار أو إعلان الدمج، بل على قدرة الدولة على فرض مسار الدمج المتسلسل بوصفه عملية أمنية-إدارية منضبطة، تترافق مع تحييد العناصر الرافضة للاتفاق، ولا سيما تلك المرتبطة بتنظيمات خارج الإطار الوطني. فالتباطؤ في هذا الجانب يهدد بتحويل بعض الجيوب إلى بؤر عدم استقرار، بينما يشكل الحسم السريع والمدروس شرطاً أساسياً لتحقيق الهدف المعلن في البيان: توحيد الأراضي السورية، إنفاذ القانون، والانتقال من مرحلة التفاهمات الهشة إلى مرحلة الدولة الفاعلة.

في هذا السياق، يكتسب الدور الأميركي بعداً أكثر التصاقاً بالتنفيذ مما كان عليه في السابق. فبينما اقتصر دوره في اتفاق 18 كانون الثاني/يناير على ضبط الإيقاع ومنع الانفجار، بات في اتفاق 30 كانون الثاني/يناير معنياً بضمان مسار الدمج نفسه، بوصفه مدخلاً لإعادة ترتيب الوجود العسكري ومنع الفراغ الأمني. كما أن التوافق الإقليمي، وخصوصاً الموقف التركي الداعم لمسار تفكيك الهياكل العسكرية المستقلة تحت مظلة الدولة السورية، يضيف طبقة إضافية من الضغط باتجاه التنفيذ.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى اتفاق 18 كانون الثاني/يناير كاتفاق فاشل، ولا إلى اتفاق 30 كانون الثاني/يناير كضمانة تلقائية للنجاح. الأول كان اتفاقاً شاملاً من حيث النص، لكنه غير قابل للتنفيذ دفعة واحدة في ظل موازين القوة القائمة، فشكّل تمهيداً قسرياً للمرحلة التالية. أما الثاني، فهو اتفاق محاولة حسم بنيوي، يختبر للمرة الأولى إمكانية تفكيك أسباب الأزمة لا الاكتفاء بإدارتها. وبين الاتفاقين تتجلى الجدلية الحقيقية للمسار برمّته: الانتقال من منطق إدارة النزاع إلى منطق الدولة. نجاح هذا الانتقال سيعني بداية مرحلة جديدة من الاستقرار المؤسسي، أما فشله فسيؤكد أن الأزمة السورية لم تكن يوماً أزمة اتفاقات، بل أزمة بنى مسلحة وأيديولوجيات متشابكة لم تُحسم بعد.

تلفزيون سوريا

———————————

شمال شرق سوريا: واقع هشّ… وتحدّيات ثلاثة

فبراير 1, 2026

قد يُمثل الاتفاق الذي أُعلن عنه في 30 يناير/كانون الثاني بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) انفراجة تاريخية في تجنب الصراع وتحديد ترتيبات الحكم في شمال شرق سوريا

في هذا السياق، نشرت “مجموعة الأزمات الدولية” البحثية دراسة بعنوان “فرصة للهدوء في شمال شرق سوريا”، قالت فيها إن الطريق إلى هذا الاتفاق كان وعراً. فقد ضاعت فرص سابقة للتفاوض على انتقال سلمي. وأدّى الفشل في التوصّل إلى بروتوكولات لتنفيذ اتفاق مارس 2025 بحلول نهاية العام إلى اندلاع ثلاثة أسابيع من المواجهة المسلحة التي خلّفت عشرات القتلى من الجانبين، وألحقت جراحاً عميقة بالمجتمع في شمال سوريا. وبإبرام هذا الاتفاق الجديد، أظهرت القيادات العليا في الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية قيادةً حكيمةً في التراجع عن مسار المواجهة العسكرية، وأبدت استعداداً للتسوية، حتى مع تصاعد التوترات على الأرض.

يُقدّم الاتفاق سبباً حقيقياً للتفاؤل في شمال شرق سوريا وخارجها. فهو لا يُوفّر إطاراً قادراً على تحقيق الاستقرار في المناطق التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديموقراطية فحسب، بل يُقدّم أيضاً نموذجاً وأدوات يُمكن استخدامها لتعزيز الثقة والحكم الشامل في مناطق أخرى من البلاد ذات كثافة سكانية عالية من الأقليات. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة وغموض، وسيكون الحوار المستمر ضرورياً مع بدء الأطراف بالوفاء بتعهداتها. رغم ترحيب السوريين بهذه اللحظة، سيرحّب الكثيرون بها بحذر، إذ لا تزال آثار انهيار التفاهمات السابقة بين الجانبين حاضرة في الأذهان. ولتعزيز فرص النجاح هذه المرة، ينبغي على دمشق وقوات سوريا الديموقراطية والوسطاء بقيادة المبعوث الأميركي الخاص توم براك التركيز على التحديات التالية المقبلة، وفق الدراسة.

وتحدّثت الدراسة عن ثلاثة تحديات:

أولاً: ضمان استدامة وقف إطلاق النار

اتفق الطرفان مراراً وتكراراً على ترتيبات لوقف إطلاق النار، إلا أن أياً منهما لم يلتزم بها التزاماً كاملاً. وفي 18 يناير/كانون الثاني، التزم الطرفان بـ”وقف فوري وشامل لإطلاق النار”. ومع ذلك، ورغم هذا الإعلان، استمرت الاشتباكات المتقطعة والقصف والغارات الجوية بطائرات بدون طيار لعدة أيام على طول خطوط المواجهة.

ولتجنب الانزلاق إلى دوامة عنف جديدة، من الضروري أن يتخذ الطرفان الآن خطوات ملموسة لضمان استدامة وقف إطلاق النار. وعلى وجه الخصوص، ينبغي على الوسطاء الأميركيين أن ينبهوا الطرفين إلى مخاطر المبالغة في استخدام قوتهم. ومن المهم خاصةً أن تنتبه قوات سوريا الديموقراطية: فخلال العام الماضي، مالت إلى المبالغة في تقدير نفوذها السياسي والعسكري، ما دفعها إلى التخلي عن فرص التفاوض والتنازل عن جزء كبير من قوتها التفاوضية. ومع استمرار المحادثات، ينبغي على قوات سوريا الديموقراطية مقاومة إغراء المبالغة في استخدام قوتها مرة أخرى. وينبغي عليها تجنب الاعتماد على سيناريوهات غير واقعية في حال انهيار المفاوضات، مثل التدخل الإسرائيلي، الذي دعت إليه قيادتها علناً خلال جولة القتال الأخيرة.

لكن ينبغي على الفريق الأميركي أن يُفهم دمشق أيضاً أنها تواجه مخاطر في حال تراجعها. بعبارة أخرى، لا ينبغي للحكومة السورية أن تُعلّق ثقة مفرطة على دعم البيت الأبيض غير المشروط. صحيح أن هذا الدعم كان قوياً حتى الآن، مدعوماً بالعلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع، إلا أنه ليس بمنأى عن تغيّر الظروف. وقد يتلاشى هذا الدعم، لا سيما إذا امتد القتال المتجدد إلى المراكز السكانية الكردية، ما يُؤدّي إلى سقوط ضحايا مدنيين كثر، مصحوباً بتقارير موثوقة عن فظائع. إذا حدث ذلك، فقد تدفع أصوات مؤثرة في الإعلام الأميركي والكونغرس والجيش – بما في ذلك بعض المقربين من ترامب – واشنطن إلى تغيير نهجها.

ثانياً: سد فجوة المركزية

نظراً إلى اختلاف خلفياتهم وقواعدهم الاجتماعية وأولوياتهم اختلافاً جذرياً، من الطبيعي أن يكون هناك الكثير من الخلافات بين قوات سوريا الديموقراطية ودمشق خلال أشهر من المفاوضات. مع ذلك، برز منذ البداية خلاف جوهري باعتباره الأصعب والأهم في آنٍ واحد: مدى مركزية الدولة السورية، ومقدار الاستقلالية التي ينبغي أن تحتفظ بها قوات سوريا الديموقراطية في الشمال الشرقي.

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ما يتعلق بالقطاعين العسكري والأمني، وهما الوسيلتان الأكثر تأثيراً في ممارسة الدولة لسلطتها. وقد قاومت قوات سوريا الديموقراطية المركزية، ساعيةً بدلاً من ذلك إلى اندماج رمزي في المقام الأول. وقبل أسابيع المواجهة الأخيرة، طُرحت صيغ تدمج بموجبها قوات سوريا الديموقراطية نفسها رسمياً في هيكل الدولة (مثل تبنّي مسمّى الحكومة وإنشاء وجود إداري مركزي محدود)، مع الحفاظ على تفوّق حاسم على الأرض في الشمال الشرقي. بالنسبة إلى الحكومة السورية (والعديد من المراقبين الآخرين)، بدا هذا المقترح مشابهاً لدرجة الحكم الذاتي التي تتمتع بها حكومة إقليم كردستان في العراق. من جانبها، تُبدي دمشق انفتاحاً على أشكال أخف من “اللامركزية الإدارية” التي قد تشمل، على سبيل المثال، تفويض المزيد من الصلاحيات المالية والإدارية من الحكومة المركزية إلى الحكومات المحلية. لكن النهج الذي تفضّله لا يرقى إلى مستوى منح قوات سوريا الديموقراطية الاستقلالية التي تسعى إليها. وعلى وجه الخصوص، أصرّت الدولة على إنهاء احتكار قوات سوريا الديموقراطية العسكري في شمال شرق سوريا، وضمان تمتع دمشق بالقيادة والسيطرة الفعلية، لا الشكلية فقط، على القوات المسلحة.

أسهم فشل الطرفين في تضييق هوة خلافاتهما على مدى أشهر من المفاوضات في عام 2025 في تسريع المواجهة الأخيرة بينهما، التي استولت خلالها دمشق على مساحات شاسعة من الأراضي على حساب قوات سوريا الديموقراطية، ما حسم المسألة في معظم أنحاء شمال شرق سوريا. لذا، ركز الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 30 يناير/كانون الثاني على المناطق التي لا تزال تحت سيطرة قوات سوريا الديموقراطية. وتشمل هذه المناطق كوباني وغيرها من المدن ذات الأغلبية الكردية قرب الحدود الشمالية لسوريا، بالإضافة إلى مدينتي الحسكة (عاصمة المحافظة) والقامشلي (موقع معبر حدودي رئيسي مع تركيا)، وهما مدينتان متنوعتان وتضمّان أعداداً كبيرة من السكان الأكراد.

وفي هذا السياق، يتناول اتفاق 30 يناير/كانون الثاني جزئياً مسألة المركزية على النحو التالي:

انطلاقاً من رغبة قوات سوريا الديموقراطية في الحفاظ على قدر من التماسك العسكري حتى مع دمج قواتها في الجيش السوري، ينص الاتفاق على إنشاء فرقة تابعة للجيش السوري في محافظة الحسكة تتألف في معظمها من قوات سوريا الديموقراطية، بالإضافة إلى لواء مماثل في كوباني يُدمج ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب. في ديسمبر/كانون الأول، عرضت دمشق على قوات سوريا الديموقراطية ما هو أكثر من ذلك – ثلاث فرق كاملة – لكنها عدّلت الشروط لتعكس تحوّل موازين القوى بعد مكاسبها اللاحقة. ومع ذلك، يمنح الاتفاق قوات سوريا الديموقراطية أكثر مما كان مُدرجاً في الاتفاق المُستعجل الذي توصل إليه الطرفان في ذروة مواجهتهما في 18 يناير/كانون الثاني، والذي نصّ على أن يتم الدمج على أساس فردي بحت لا على أساس الوحدات.

ويُحدد الاتفاق صيغة لتأمين مدينتي الحسكة والقامشلي المتنوعتين والهامتين استراتيجياً. ستنسحب وحدات قوات سوريا الديموقراطية، لكن الجيش السوري لن يدخل. وسيُنشر عدد محدود من قوات الأمن المركزية في كل مدينة، لبدء عملية دمج قوات الأمن الداخلي التابعة لقوات سوريا الديموقراطية في وزارة الداخلية.

ويتضمن الاتفاق حلاً وسطاً بشأن التعيينات في المناصب الأمنية والإدارية العليا في محافظة الحسكة؛ وينص على أن تتولى الحكومة السورية إدارة المؤسسات المدنية هناك مع الإبقاء على الموظفين الذين خدموا في الإدارة الموالية لقوات سوريا الديموقراطية.

يتضمن الاتفاق تسوية بشأن التعيينات في المناصب الأمنية والإدارية العليا في محافظة الحسكة؛ وينص على أن تتولى الحكومة السورية إدارة المؤسسات المدنية هناك مع الإبقاء على الموظفين الذين خدموا في الإدارة الموالية لقوات سوريا الديموقراطية.

يُرسّخ هذا الاتفاق التزاماً أوسع نطاقاً بعدم نشر أيٍّ من الطرفين قوات عسكرية في المدن أو البلدات، مُشيراً إلى أهمية هذا المبدأ للمناطق ذات الأغلبية الكردية. مع ذلك، لا يُقدّم الاتفاق صيغة واضحة لكيفية دمج قوات الأمن المحلية التابعة لقوات سوريا الديموقراطية في تلك المناطق ضمن الحكومة المركزية.

ويؤكد الاتفاق أن الحكومة المركزية ستتولى مسؤولية المعابر الحدودية من الأراضي الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديموقراطية إلى العراق وتركيا، دون الخوض في تفاصيل ما يستلزمه نقل هذه السلطة وأشكال التعاون المُحتملة.

ومع ذلك، سيتطلب الأمر مزيداً من التنازلات لضمان استمرار الاتفاق، إذ يترك الاتفاق أسئلة جوهرية عالقة بشأن الترتيبات الأمنية في المراكز السكانية الكردية وإدارة الحدود. هذه قضايا معقدة تتطلب معالجة من خلال حوار مستمر وجهود مُنسّقة من كلا الجانبين. ومع استمرار المفاوضات، سيتعين على قوات سوريا الديموقراطية أن تُقرّ بأنها لن تحتكر الأمن المحلي. من جانبها، ينبغي للحكومة أن تتعامل مع القضايا بأقصى قدر من المرونة الممكنة، مدركةً أنها تملك فرصةً لإرساء نموذج يُرسّخ القيادة والسيطرة المركزية، مع توسيع نطاق المشاركة وبناء ثقة الجمهور في الشمال الشرقي وخارجه. ومن بين الاعتبارات التي يُمكن أن تُثري النقاشات ما يأتي:

في المدن ذات الأغلبية الكردية، يُمكن أن يكون المبدأ التوجيهي هو تشجيع تفويض مسؤولية الأمن اليومي إلى الكوادر المحلية، مع ضمان وصولها الكامل إلى وزارة الداخلية المركزية. وهذا من شأنه أن يسمح للأكراد العاملين حالياً في قوات سوريا الديموقراطية وقوات الأمن الداخلي التابعة لها (بما في ذلك وحدات حماية المرأة) بتشكيل العمود الفقري لقوات الأمن والشرطة المحلية، مع منح الحكومة المركزية حرية إرسال كبار الضباط والدوريات، والتعزيزات عند الضرورة، وفقاً لتقديرها، فيما تحتفظ دمشق بالقيادة والسيطرة النهائية.

في الوقت نفسه، يُمكن إنشاء نقاط تفتيش تضم كوادر كردية وعربية من قوات سوريا الديموقراطية والقوات الحكومية بين المدن ذات الأغلبية الكردية والعربية، حيث تبدو التوترات المحلية مرتفعة، على أن تُبقى هذه النقاط قائمةً كلما دعت الحاجة. قد تكون هذه عملية مشتركة تحت رعاية الحكومة، على عكس نقاط التفتيش المتوازية والمنفصلة التي كانت تعزل سابقاً حي الشيخ مقصود الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديموقراطية عن بقية مدينة حلب. فضلاً عن دورها في حماية المجتمعات من العناصر العنيفين، قد تُصبح هذه النقاط نموذجاً لأنواع أخرى من التكامل العملياتي داخل المراكز السكانية.

في مدينتي الحسكة والقامشلي المتنوعتين، يُمكن اتباع نهج أمني هجين، حيث يضطلع جهاز الأمن العام التابع لوزارة الداخلية بدورٍ عملي في حفظ الأمن في المناطق ذات الأغلبية العربية، مع إتاحة المجال للعناصر الكردية المنتمية إلى القوات التابعة لقوات سوريا الديموقراطية لتولي زمام المبادرة في الأحياء الكردية.

تخضع هذه الحدود لقيادة وسيطرة مركزية.

يمثل تأمين وإدارة الحدود الشمالية الشرقية لسوريا مجموعة أخرى من التحديات المعقدة. فالحدود الشمالية مع تركيا حساسة للغاية، نظراً إلى التوترات القائمة منذ زمن طويل بين قوات سوريا الديموقراطية وأنقرة، فضلاً عن مخاوف تركيا من استخدام المنطقة الحدودية كقاعدة انطلاق لهجمات حزب العمال الكردستاني داخل تركيا. يقع المعبر الرئيسي بين الشمال الشرقي وتركيا على أطراف مدينة القامشلي، ما يزيد من تعقيد مهمة وضع الترتيبات الأمنية لهذه المدينة المتنوعة. تتضح الفوائد الاقتصادية لفتح المعبر لكلا البلدين، وكذلك للسوريين في جميع أنحاء الشمال الشرقي، لكن التوصل إلى صيغة مقبولة للطرفين يتطلب مزيداً من المناقشات المكثفة بين قوات سوريا الديموقراطية ودمشق وأنقرة.

الوضع على الحدود الشرقية مع العراق معقد بالمثل. فقد مثّل معبر سملكا/فيش خابور غير الرسمي مع كردستان العراق شريان الحياة الاقتصادي لشمال شرق سوريا لسنوات، ولولاه لما استطاعت قوات سوريا الديموقراطية الحفاظ على هذا القدر الكبير من الاستقلال الذاتي. بما أن المنطقة الحدودية الأوسع تُشكّل حلقة وصل لوجستية بين قوات سوريا الديموقراطية وحزب العمال الكردستاني، فإنها تُثير قلقاً بالغاً لدى تركيا. ويتطلب هذا الأمر أيضاً مزيداً من التنازلات، أولاً بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية، ثم الحصول على دعم أنقرة وأربيل، وربما أيضاً السلطات المركزية العراقية في بغداد.

ثالثاً: بناء الثقة

ينبغي على كلا الجانبين التفكير بشكل إبداعي في وسائل أخرى لتيسير الاندماج وبناء الثقة. على سبيل المثال، يمكن للحكومة السورية توسيع نطاق تجنيدها للقوات العسكرية والأمنية في المناطق الكردية ومناطق الأقليات الأخرى. وللمساعدة في ذلك، يمكنها تعديل عقائد هذه المؤسسات ومناهج دوراتها التدريبية لتشمل التنوع الثقافي والديني في سوريا بشكل كامل، ما يُساعد السوريين العلمانيين ومن هم خارج الأغلبية السنية العربية على الشعور بالترحيب في صفوفها. ويُقرّ كبار المسؤولين الحكوميين بالفعل بضرورة هذه الخطوة.

بإمكان الرئيس الشرع الالتزام بتضمين مرسومه الرئاسي الصادر في 16 يناير/كانون الثاني بشأن الحقوق الكردية في الدستور السوري المُستقبلي، مُستجيباً بذلك بشكل مباشر لمطلب قديم لقوات سوريا الديموقراطية. ويُمكن أيضاً لدمشق ضمان تمثيل فعّال لقوات سوريا الديموقراطية والأكراد في اللجنة المُكلّفة بصياغة الدستور الجديد.

بإمكان دمشق ضمان تمثيل فعّال لقوات سوريا الديموقراطية والأكراد في اللجنة المُكلّفة بصياغة الدستور الجديد.

أخيراً، يمكن لدمشق أن تُسرع في تنفيذ بنود أخرى من اتفاق 30 يناير، بما في ذلك تعيين مرشحين من قوات سوريا الديموقراطية في مناصب حكومية عليا في دمشق، مع ضمان تمتع هذه المناصب بسلطة حقيقية، وتسهيل العودة السريعة والآمنة للمدنيين النازحين من المناطق الكردية.

وبالخلاصة، وبينما تعمل دمشق وقوات سوريا الديموقراطية والوسطاء الأميركيون على تجاوز هذه التحديات، ينبغي عليهم التركيز على هدف واضح: أي تنازلات إضافية قد تكون ضرورية لتحديد الاندماج وتحقيقه، ستكون أفضل من تكاليف ومخاطر القتال حتى النهاية. يمنح اتفاق 30 يناير شمال شرق سوريا فرصة لتحقيق سلام دائم، وعلى جميع الأطراف المعنية اغتنامها

النهار

—————————–

نهاية الحكم الذاتي.. الخارجية تكشف لـ”الثورة السورية”: الاتفاق الأخير يلحم الجغرافيا بالسيادة/ أغيد أبو زايد

فبراير 1, 2026

رغم وقوف الحكومة السورية والجيش العربي السوري في موقع قوة بعد استعادة السيطرة على مساحات واسعة من شمال شرقي سوريا وانحسار سيطرة تنظيم “قسد” وتفككه خلال وقت قياسي، إلا أن دمشق ما تزال متمسكة بالمسار السياسي والحوار لحل ملف التنظيم، الذي لم يلتزم بجميع الاتفاقات التي جرى التوصل إليها خلال أقل من عام، إذ تتجه الأنظار الآن نحو تطبيق الاتفاق الأخير الذي أُعلن عنه يوم الجمعة، ولاقى ترحيبا دوليا وعربيا وأمميا.

ويبدأ غدا الاثنين تنفيذ الاتفاق وسط حالة ترقب لكيفية تعامل التنظيم وقدرته على الالتزام بنوده، التي أخذت طابعا عسكريا يخص بنية “قسد” العسكرية ومؤسسات ما تسمى “الإدارة الذاتية”، دون وجود بنود تخص الكُرد السوريين، الذين عمل التنظيم خلال الفترة الماضية على محاولة وقوفهم إلى جانبه ضد الحكومة السورية من خلال تحريضهم على مواجهة الجيش العربي السوري وسعيه إلى تسليحهم عبر دعوات النفير العام وحملات إعلامية لم تلق آذانا صاغية، بعد سنوات من تهميشهم واستخدامهم لتحقيق أهدافه.

في حين أن الحكومة السورية لم تغفل عن هذا الجانب، إذ جاء المرسوم التشريعي رقم (13) ليعيد للكرد حقوقهم كمواطنين سوريين، بعد أن سلبها النظام المخلوع على مدار أزيد من خمسة عقود، ما يجسّد رؤية الحكومة وأهدافها في بناء الدولة السورية على المساواة بين جميع مكونات الشعب، إذ بدأت بإصدار التعليمات التنفيذية لتطبيق المرسوم، الذي يكرّس الحقوق ويعزز الوحدة الوطنية والانتماء على أساس المواطنة، مبتعدة عن إطلاق الشعارات والخطاب الشعبوي.

الاتفاق الثالث في أقل من عام

منذ اليوم الأول لتحرير سوريا من سلطة النظام البائد، وضعت الإدارة السورية الجديدة في أولوياتها الحفاظ على وحدة واستقرار البلاد، بما يحقق طموحات الشعب السوري بعد سنوات من الحرب، إلى جانب عدم العودة إلى العمليات العسكرية، الأمر الذي يفسر عدم اللجوء إلى الصدام مع “قسد” وتفضيل الحوار وتقريب وجهات النظر، دون الحلول الأمنية والعسكرية.

إذ جرى التوصل إلى اتفاق العاشر من آذار بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد تنظيم “قسد” مظلوم عبدي، لدمج التنظيم ومؤسساته المدنية ضمن الدولة السورية، إلى جانب وجود نصوص واضحة حول حقوق الكرد السوريين، على اعتبار أنهم مواطنون يتمتعون بكامل الحقوق. لكن “قسد” لم تخطو خطوة واحدة في الاتفاق حتى نهاية عام 2025، بينما بدأت باستفزاز الحكومة السورية في مدينة حلب، ما وضعها أمام الخيار الأمني لإعادة الاستقرار إلى العاصمة الاقتصادية للبلاد.

إلى جانب ذلك، تحالف تنظيم “قسد” مع فلول النظام البائد في الساحل السوري وضم عناصر وضباطا إلى صفوفه، بينما دعم دعوات الانفصال في محافظة السويداء، وفق ما كشفت تقارير صحفية، في محاولة لجر البلاد إلى كسب الوقت من خلال دخول البلاد بحرب أهلية، ما يمكنه من الحفاظ على بنيته العسكرية واستمرار السيطرة على شرقي الفرات وثروات المنطقة، التي كانت عوائدها مسخرة لحفر الأنفاق، بينما يجري تهريب نصفها خارج الحدود، تحديدا لدعم “حزب العمال الكردستاني” (PKK) الموضوع على قوائم الإرهاب، فيما بقي أوضاع السكان الاقتصادية سيئة للغاية ومن دون خدمات.

رغم ذلك، بقيت الحكومة متمسكة بالحلول السياسية والحوار، وأبرمت اتفاق جديدا في الثامن عشر من كانون ثاني الماضي، انبثق من روح اتفاق العاشر من آذار، ثم تبعه إعلان الرئاسة السورية لتفاهم مشترك، لكن تنظيم “قسد” عاد للالتفاف ومحاولة التنصل المستمر، نظرا لارتباطاته الخارجية المتمثلة بالجناح الإيراني لـ “حزب العمال الكردستاني”، ونصّ أحد بنود الاتفاق على استبعادهم وإخراجهم من سوريا.

الاتفاق الأخير، يعتبر الفرصة الأخيرة لـ “قسد”، خاصة أن تنفيذه يخضع لمراقبة من دول منخرطة في الملف السوري، على رأسها الولايات المتحدة، بينما لاقي ترحيبا دوليا وعربيا وأمميا، إذ أكد مكتب شؤون الشرق الأدنى التابع لوزارة الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة تظل ملتزمة تماماً بدعم التنفيذ الناجح للاتفاق التاريخي المبرم بين الحكومة السورية و”قسد”، مشيرا إلى أن واشنطن ستواصل العمل عن كثب مع جميع الأطراف المعنية لتسهيل عملية اندماج سلسة وفي الوقت المناسب، وأنها مستعدة لضمان مضي هذا الانتقال قدماً بشكل سلمي وفعال.

وقال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن “الاتفاق مع قسد يحدد الإجراءات العملية لاتفاق 18 كانون الثاني، وسيندمج عناصر قسد بشكل فردي في الألوية العسكرية التي ستتبع لوزارة الدفاع السورية”، مشيرا إلى أن مدير أمن الحسكة المعيّن سيباشر مهامه يوم غد الإثنين، كما سيجري استلام حقلي رميلان والسويدية النفطيين ومطار القامشلي خلال 10 أيام، بينما سيتم تنفيذ كامل الاتفاق خلال شهرٍ واحد فقط.

بينما أوضح مدير الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، أن “اتفاق 18 كانون ثاني كان إطارا عامًا لوقف إطلاق النار وبدء الاندماج، بينما اتفاق اليوم يمثل مرحلة تنفيذ عملية أعمق وأكثر إلزاما، مع بدء تطبيق عملي على الأرض”.

وكشف الأحمد في حديث خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أن أبرز الفروقات تتمثل في “الانتقال من اتفاق مبدئي سياسي إلى تنفيذ أمني وإداري مباشر، مع بدء تعيينات رسمية للأجهزة الأمنية في الحسكة كخطوة عملية لتسلم الإدارة الأمنية، وتسريع دمج مؤسسات قسد المدنية والعسكرية ضمن مؤسسات الدولة بدل الاكتفاء بالتعهدات العامة، إضافة إلى إنهاء الحكم الذاتي لصالح استعادة السيادة الكاملة للدولة السورية”.

تسوية عسكرية فقط

بنود الاتفاق الأخير ركزت على “قسد” كتنظيم عسكري والمؤسسات الإدارية لما تسمى “الإدارة الذاتية”، وهي العمود الفقري لـ “قسد”، بينما لم يتم إعطاء الأولوية لحقوق الكرد، الأمر الذي لا ينسجم إطلاقا مع شعارات التنظيم وخطاباته السياسية خلال عام من التحرير، إذ أظهرت تصريحات مسؤولي “قسد” أن الأولوية للبنية العسكرية للتنظيم، مع أن ذلك يتنافى مع اتفاق الثامن عشر من كانون ثاني، الذي نص على دخول عناصر “قسد” إلى الجيش السوري بشكل “انفرادي”.

وأقرّت عضو الوفد التفاوضي مع الحكومة السورية، فوزة اليوسف، بأن الاتفاق لم يكن مثاليا فيما يتعلق بالمكون الكردي في سوريا، واختصرت على المكاسب بمنع “الحرب الأهلية” وفق ادعائها في لقاء تلفزيوني، بينما قالت المسؤولة فيما تُعرف بـ “الإدارة الذاتية”، إلهام أحمد، إن جميع الشهادات التي تم الحصول عليها باللغة الكوردية ستكون معترفاً بها، مشيرة إلى أن الدروس باللغة الكودرية ستكون لساعتين أسبوعيا فقط.

منذ تأسيسه، لم يكن تنظيم “قسد” يعبر عن مطالب الكرد في سوريا وإنما كان تنظيما عسكري له أيديولوجيا لا تتسق مع شريحة واسعة من فكر الكرد في سوريا أو في المنطقة عموما، وفق الباحث في الشؤون السياسية والأمنية، فراس فحام. وأضاف: “أقصد هنا مسألة تقديس فكر أوجلان والحديث عن وحدة الشعوب والممارسة الديمقراطية يعني هذه شعارات كلها لا تمثل غالبية الكرد لذلك هو تنظيم يحاول توظيف القضية الكردية لاحقا من أجل البقاء بعد أن انتهى تنظيم داعش”.

وهذا ما يفسر أن “الاتفاق الأخير كان مثله مثل أي فصيل عسكري، يهدف إلى الحفاظ على موقع معين داخل الدولة وإبقاء قوة معينة داخل الدولة، أما قضية حقوق الكرد فهذه تم معالجتها في المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع”، بحسب حديث فحام لصحيفة “الثورة السورية”.

وأضاف أن التنظيم لم يكن يتحدث عن موضوع حقوق الكرد خلال المفاوضات، وإنما كان يطالب بـ “لا مركزية” أو إدارة ذاتية وتعددية سياسية وما إلى ذلك، ما يشير إلى عدم وجود إلا قدر بسيط من التلاقي بين مصالح “قسد” وحقوق الكرد.

وحاول قائد “قسد” مظلوم عبدي تبرير ما تم التوصل إليه من آليات لتنفيذ اتفاق الثامن عشر من كانون ثاني للشارع الكردي، إذ أقرّ بوجود حالة من عدم الرضا الشعبي تجاه بعض البنود، مرجعا ذلك إلى أن الاتفاق الوسيلة المثلى للحفاظ على المكتسبات، مؤكدا أنه “لن يتولى أي منصب حكومي، وسيعمل على تشكيل مرجعية سياسية للكرد في سوريا”، وفق قوله.

وسيكون دمج “قسد” في الجيش العربي السوري على شكل ثلاث ألوية في مناطق الحسكة والقامشلي، مع التأكيد على أن العناصر المنضمة يجب أن تكون قد اجتازت اختبارات ودراسات أمنية وفقًا للمعايير التي وضعتها وزارة الدفاع السورية، بحسب مدير الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية محمد طه الأحمد، الذي أكد أن دمج القوات سيكون وفقًا لآليات محددة تضمن أن الجيش السوري يمثل الشعب السوري ويقوم بمهامه الوطنية.

بالنسبة لموقف الدولة السورية من إخراج عناصر “حزب العمال الكردستاني” غير السوريين من سوريا، قال الأحمد، إن البند كان واضحا في اتفاق 18 يناير، مشددا على أن “عدم ذكره تفصيليا في الاتفاق الجديد لا يعني إسقاطه، بل إدراجه ضمن ملف أمني سيادي يُنفذ عبر أجهزة الدولة وليس كتصريح سياسي إعلامي”، إذ تعتبر الدولة السورية هذا البند جزءا من استعادة السيادة الوطنية وضبط الوجود الأجنبي المسلح، بينما تنفيذه سيكون عبر الأمن العسكري ووزارة الداخلية بعد استكمال عملية الدمج والتدقيق الأمني.

ولن يحتفظ تنظيم “قسد” بالسلاح الثقيل، الذي سيكون بيد الجيش السوري حصرا، بينما سيتم دمج مقاتلي “قسد” كأفراد ضمن وزراتي الدفاع والداخلية، وليس كقوة مستقلة مسلحة، وهذا “ينسجم مع مبدأ الدولة: لا سلاح خارج إطار المؤسسة العسكرية الرسمية”، وفق حديث الأحمد لـ “الثورة السورية”.

فيما يخص مصير المعابر وحقول النفط والغاز (الرميلان والسويدية)، أكد الأحمد أن موقف الدولة السورية واضح، إذ يجب على “قسد” تسليم كامل للمعابر الحدودية للدولة السورية، إلى جانب السيطرة على حقول النفط والغاز وإدارتها عبر المؤسسات الوطنية، بينما سيتم تأمين المنشآت من قبل القوات الحكومية النظامية لضمان أن تعود الموارد إلى خزينة الدولة. ووضح أن التنفيذ المتوقع سيكون على مراحل ميدانية مع انتشار أمني وإداري تدريجي، حيث بدأ التنفيذ فعليًا عبر تعيينات أمنية وتسلّم مواقع، مشددا على أن “الدولة السورية تعتمد نهجًا مرحليًا لضمان الاستقرار ومنع الفراغ”.

قدرة “قسد” على تنفيذ الاتفاق

بالعودة إلى الاتفاقات السابقة، لم يتمكن تنظيم “قسد” من تنفيذ أي بند من بنود اتفاق العاشر من آذار وما تبع ذلك من اتفاقات، إذ يعود ذلك إلى سيطرة ما يعرف بـ “التيار القنديلي” الذي يتلقى الأوامر مباشرة من “حزب العمال الكردستاني” على التنظيم وسلوكه، خاصة الجناح الإيراني، حيث يتواجد عناصر تابعين له ضمن “قسد”، وهو ما كشفته العمليات الأمنية للجيش السوري في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، وما تبع لك في شرقي الفرات، حيث ظهر قادة ليسوا سوريين في صفوف التنظيم بينهم إنكيل الجبل وغيره، بينما نعى التنظيم العدد من العناصر، ممن قتلوا خلال العمليات العسكرية.

ويرى الباحث فراس فحام، أن وجود عناصر أجنبية وقادة في صفوف “قسد”، يدفع للتشكيك بإمكانية تنفيذ الاتفاق، رغم أن هامش المناورة يضيق على التنظيم، و”لذلك البديل هو العودة إلى التصعيد وأعتقد أن التصعيد لا يصب في صالحه، لكنه ما يزال يعول على تدخل لوبيات معينة في الولايات المتحدة بضغط إسرائيلي”.

وأضاف فحام: “إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة بأنها منزعجة لما حصل لقسد فهو ما يزال يعول على هذا الأمر، خاصة مع الحديث عن أن بعض النواب في الكونجرس الأميركي يتحركون لأجل إقرار قوانين معينة رغم أنه لا يوجد فرص كبيرة لمرور هذه القوانين.لكن تنظيم قسد ما يزال يراهن على عامل الوقت وأن تبقى كتلته العسكرية”.

رغم إدراك الحكومة السورية لرهان تنظيم “قسد” على المماطلة واللعب على عامل الوقت، إلا أنها تتمسك بمسار الحوار وإنهاء المسألة سلميا دون المواجهات العسكرية، إلا في حالة الاستعصاء الكامل وانسداد أفق الحلول السياسية، وهذا يعود إلى حرصها على الحفاظ على التماسك الاجتماعي للسوريين وعدم وقوع ضحايا وتهجير خلال العمليات العسكرية، ناهيك عن رغبتها بدخول البلاد في مرحلة استقرار تمهيدا للنهوض الاقتصادي.

إذ يرى فحام في حديث لـ “الثورة السورية” أن الحكومة السورية تتمسك في المسار السياسي وتريد أن “ترسل رسائل داخلية وخارجية بأنها لا تتبنى نهج العنف إلا بالضرورة التي تقتضيها مسألة احتكار الدولة للسلاح وهي لاحظت أن هناك محاولات من قسد من أجل الدفع باتجاه مواجهة كردية عربية وإعطاء الأمر طابع أكبر من أن قسد هي متمردة على سلطة الدولة”، مشيرا أن الحكومة لا تريد أن يكون الحل في المناطق التي فيها تركيز سكان كردي حلاً عسكرياً، بينما تعطي أولوية للمسار السياسي “من أجل مستقبل البلاد عموماً وليس فقط الأمر متعلق بحل ملف قسد”.

واعتبر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، أن الإعلان عن الاتفاق الشامل بين الحكومة السورية و”قسد” علامة فارقة ومهمة في مسيرة سوريا نحو المصالحة الوطنية والوحدة والاستقرار الدائم، موضحا أن “الاتفاق يجسد بالنسبة للحكومة السورية التزاماً راسخاً بالشراكة الوطنية الحقيقية والحوكمة الشاملة”.

بناء على ما سبق، فإن دمشق كانت قادرة على حسم ملف “قسد” عسكريا منذ بداية التحرير، لكنها ما زالت تفضل المسار السياسي، ما يعكس نمطا عمليا قائما على الاحتواء السياسي عبر الحوار، لا المواجهة العسكرية، الأمر الذي تجلى في إصدار المرسوم (13) وبدء تطبيقه ناهيك عن الخطاب الحكومي الجامع لكل السوريين، في وقت تعمل على معالجة جذور حالات الاستعصاء بما بتوافق مع رؤية الحكومة السورية في الحفاظ على سوريا واحدة موحدة.

الثورة السورية

——————————-

 الشرع يؤسّس لمرحلة جديدة: نحو سوريا واحدة موحّدة/ لارا منيف

2026-02-01

مع انتقال ملفّ “قوّات سوريا الديمقراطيّة” (قسد) إلى مسار تفاهم سياسيّ– أمنيّ، تتّجه بوصلة دمشق جنوباً نحو محافظة السويداء، بوصفها الاستثناء الأخير خارج نموذج الحسم…

بعد أيام قليلة على اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، دخل الاتفاق بين الطرفين حيّز الإعلان الرسمي، كاشفًا عن تحوّل نوعي يُعدّ الأوسع منذ اندلاع النزاع السوري. فقد أعلنت “قسد” بنود التفاهم مع الحكومة السورية، في خطوة تعكس تبدّلًا عميقًا في موازين القوى السياسية والعسكرية شمال وشرق البلاد.

بحسب مصادر مطّلعة تحدثت إلى موقع “أساس”، انطلقت عملية التفاهم في أجواء وُصفت بالإيجابية، مستندة إلى اتفاق سابق لوقف إطلاق النار وُقّع في 18 كانون الثاني، ونصّ على تهدئة ميدانية جرى تمديدها حتى الثامن من شباط المقبل. هذا الهدوء النسبي أفسح المجال أمام انتقال التفاوض من منطق الصدام إلى البحث في ترتيبات أمنية وإدارية أكثر شمولًا.

ينصّ الاتفاق على اندماج قوات “قسد” ضمن الجيش السوري على مراحل متسلسلة، تشمل إعادة هيكلة عسكرية، وانسحاب القوات من نقاط التماس، ودخول قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي. ويُنظر إلى هذا المسار على أنه محاولة لإعادة بسط سلطة الدولة تدريجيًا على مناطق كانت خارج سيطرتها الفعلية منذ سنوات.

ضربة لمشروع “الإدارة الذاتية”

على مدى أعوام النزاع الممتدة بين 2011 و2024، نجح الأكراد في فرض سيطرتهم على مساحات واسعة من شمال وشمال شرق سوريا، بما في ذلك حقول نفط وغاز شكّلت رافعة مالية لإدارة مناطق “الإدارة الذاتية”. غير أن الاتفاق الجديد يوجّه ضربة قاسية لهذا النموذج، ويضع حدًا عمليًا لصيغة الحكم اللامركزي التي تمسّكت بها “قسد” في جولات تفاوض سابقة.

قسد

تؤكد مصادر حكومية سورية أن التحدّي الأساسي يكمن في مدى التزام “قسد” الكامل ببنود الاتفاق، ولا سيما في ما يتعلّق بالدمج الأمني والعسكري. وتُبدي دمشق خشية من تدخل أجنحة داخل “قسد” توصف بـ”القنديلية”، إضافة إلى مجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، يُقال إن لبعضها صلات بالحرس الثوري الإيراني. وتشدّد الدولة السورية على أن وجود أي كتل مسلّحة خارج إطارها يُعدّ خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.

ينصّ الاتفاق على اندماج قوات “قسد” ضمن الجيش السوري على مراحل متسلسلة، تشمل إعادة هيكلة عسكرية

في هذا السياق، تشير المصادرنفسها إلى أن “قسد” خسرت خلال فترة قصيرة مساحات شاسعة، إضافة إلى آبار النفط، وورقة الدعم الأميركي، ونفوذها السياسي المرتبط بملف تنظيم داعش، فضلًا عن تراجع حضورها في الكانتونات. كما تكشف المصادر عن تباينات داخلية في صفوف «قسد» حول كيفية التعاطي مع الاتفاق وآليات تنفيذه.

بين الاعتراف بالحقوق واختبار الثقة

سبق الإعلان عن الاتفاق إصدار مرسوم رئاسي سوري اعترف بالحقوق الوطنية للأكراد، شمل اعتماد اللغة الكردية لغة رسمية ومنح الجنسية السورية لمن حُرموا منها سابقًا. ورحّبت “الإدارة الذاتية” بهذه الخطوة، معتبرة إياها بداية، مع مطالبتها بتكريس هذه الحقوق دستوريًا.

في المقابل، تنظر “قسد” إلى الاتفاق بوصفه نتيجة فرضتها موازين القوى أكثر مما هو خيار نابع من قناعة راسخة. ويقول مصدر من داخلها إن الانتقال من الصراع إلى الاندماج الكامل يُعدّ تحدّيًا بالغ التعقيد بعد سنوات من القتال وسقوط الضحايا من الجانبين، معتبرًا أن بناء الثقة يشكّل الحلقة الأضعف في المرحلة الحالية.

يضيف المصدر أن “قسد” لا ترفض مبدأ الاندماج، لكنها تتحفّظ على وتيرة التنفيذ، مطالبة بضمانات عملية تحول دون انفجار توترات داخلية أو صدامات فردية، خصوصًا في المناطق الحساسة. كما يحذّر من إشكالات محتملة خلال دمج نحو 60 ألف موظف من مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية، بعد سنوات من القطيعة الإدارية والسياسية.

مع بدء تنفيذ الخطوات العملية، التي تشمل دخول مؤسسات الدولة إلى الحسكة والقامشلي، وإنشاء نقاط أمنية، وتسلم المراكز الرسمية والمعابر الحدودية، يبقى الاتفاق في مرحلة اختبار فعلي. فبين إصرار دمشق على حسم ملف السلاح وبسط سلطتها على كامل الأراضي، وتحفّظ “قسد” حيال الضمانات وسرعة التنفيذ، يظل المسار مفتوحًا على احتمالات متعددة، رهنًا بما سيحمله البيان التفصيلي المرتقب، ولا سيما في ما يتصل بإدارة المعابر والحدود، وهي العقدة الأبرز في تحديد مستقبل هذا الاتفاق.

 أساس ميديا

 ——————————

لماذا انهارت قسد بهذه السرعة؟

في 6 يناير/كانون الثاني 2026، اندلعت اشتباكات في حلب بين قوات أمن الدولة السورية الجديدة ومسلحين يتحصنون في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، يتبعون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات القيادة الكردية.

لم يكن اندلاع الاشتباكات مفاجئًا؛ ذلك أن المسلحين في الحيَّين لم يتوقفوا عن تصعيد التوتر من وقت لآخر في المدينة السورية الأكثر سكانًا في البلاد والمركز الصناعي والاقتصادي الأكبر والأهم. والأرجح، أن قيام مسلحي الأشرفية والشيخ مقصود بإطلاق النار على قوات الأمن المتمركزة في أطراف الحيين كان مدفوعًا هذه المرة بسعي قيادات قسد، وثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني، للضغط على دمشق، ومنع تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار 2025 بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي.

ما لم يضعه دعاة التمرد والانقسام في قسد وحزب العمال في الحسبان أن عودتهم إلى العبث بأمن حلب سيؤدي إلى سلسلة من التداعيات، التي بدأت بخروج مسلحيهم كلية من المدينة بعد 5 أيام فقط من اندلاع الاشتباكات، وإلى اندفاع قوات الجيش السوري لاستعادة السيطرة على كل المنطقة في ريف حلب الشرقي، وإلى إصدار الرئيس السوري مرسومًا يسحب من الأطراف الكردية مبرراتها الانفصالية، وإلى توقيع مظلوم عبدي، عن بُعد، في مساء 18 يناير/كانون الثاني، اتفاقًا جديدًا مع الرئيس الشرع، هو أقرب إلى الاستسلام.

ما الذي حدث في سوريا في أسبوعي المواجهة بين قسد والدولة السورية الجديدة؟ كيف ولماذا انهارت قوات قسد، وتهشَّمت صورتها الأسطورية، بهذه السرعة؟ وهل سيضع اتفاق 18 يناير/كانون الثاني، وما تلاه من تفاهمات، بين مظلوم عبدي والشرع، نهاية لملف الانقسام والتمرد الذي قادته قسد في سوريا منذ 2014؟

من حلب إلى الجزيرة السورية

وصل مظلوم عبدي على رأس وفد من قيادة قسد إلى دمشق، في 4 يناير/كانون الثاني، أي قبل يومين فقط من بدء الاشتباكات في حلب. كان من المفترض أن يلتقي عبدي المسؤولين السوريين في دمشق، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، موعد الانتهاء من ترتيبات تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار.

إعلان

غير أن قائد قسد طلب تأجيل جولة المباحثات إلى موعد لاحق، انتظارًا لنتائج زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، للولايات المتحدة ولقائه الرئيس دونالد ترمب في 29 ديسمبر/كانون الأول.

كانت قيادات حزب العمال وقسد، التي بدأت اتصالات مع الإسرائيليين منذ أوائل 2025، تأمل بأن يساعد نتنياهو على تغيير موقف إدارة ترمب من اتفاق 10 مارس/آذار، وتأمين غطاء أمريكي لوجود قسد واحتفاظها بمواقع سيطرتها.

ولأن نتنياهو فشل في إقناع ترمب بالتخلي عن سياسة دعم وحدة سوريا واستقرارها، لم يجد عبدي مناصًا من الذهاب إلى دمشق. ولكن، وبخلاف المتوقع، لم ينجح اللقاء بين عبدي ومسؤولي الحكومة السورية في إحراز أي تقدم ملموس. والأرجح، أن الجناح الأكثر تشددًا في قسد، والذي تربطه بحزب العمال علاقات وثيقة، دفع إلى إشعال الموقف في حلب للتوكيد على انهيار الاتفاق، والمحافظة على سوريا ساحة نشطة لحزب العمال الكردستاني، بعد أن كان الحزب قد انخرط فعلًا، بدعوة من مؤسسه عبد الله أوجلان، في عملية سلام وتخلٍّ عن العمل المسلح في تركيا.

لا شك أن سيطرة قسد على الأشرفية والشيخ مقصود ظلت مصدر قلق كبير للقيادة السورية منذ انهيار نظام الأسد، في ديسمبر/كانون الأول 2024؛ ليس فقط لأن مسلحي قسد لم يتوقفوا عن الإخلال بأمن المدينة التي تعد المركز الرئيس للاقتصاد السوري، بل أيضا لأن استمرار وجود تشكيل مسلح في أكبر مدن سوريا يعمق الانطباع بعجز الدولة عن فرض سيادتها على أراضيها وشعبها، ويشجع قسد على المضي في مشروعها الانفصالي. لذلك، فإن فشل مباحثات دمشق، من ناحية، والعبث بأمن واستقرار حلب، من ناحية أخرى، دفعا القيادة السورية إلى العمل على حسم الموقف في الأشرفية والشيخ مقصود.

استدعى الأمن السوري العشرات من العناصر الكردية السورية المنخرطة في صفوفه، إضافة إلى وحدات الجيش التي تضم جنودًا كردًا سوريين، للمساعدة على طمأنة أهالي الأشرفية والشيخ مقصود، الذين طُلب منهم إخلاء الحيين مؤقتًا إلى أن يتم إخراج المسلحين.

ولم تتطلب العملية الأمنية أكثر من خمسة أيام، قُتل خلالها عدد من مسلحي قسد وعناصر تابعة للنظام السابق كانوا يقاتلون إلى جانبهم، واستسلم عشرات آخرون. انتهت العملية، بعد أن تبين عجز المسلحين عن المقاومة، بإعلان قسد، في فجر 11 يناير/كانون الثاني، عن إخلاء حلب من عناصرها، والموافقة على أن تقوم السلطات السورية بنقل من استسلم منهم إلى مناطق نفوذ القوات الكردية في شرق الفرات.

ولأن مواقع تمركز قسد الأخرى في ريف حلب الشرقي استُخدمت لإطلاق طائرات مسيرة على مواقع قوات الدولة السورية في حلب أثناء أيام الاشتباكات، فقد طالبت القيادة السورية بإخلاء فوري لمسلحي قسد من أماكن تواجدها في غرب الفرات. لكن قيادة قسد لم تستجب لطلب الإخلاء؛ ما استدعى تقدم القوات السورية باتجاه كفر حافر ومسكنة، ومن ثم جنوبًا إلى الطبقة، التي تشرف على سد الفرات، أكبر وأكثر سدود الفرات حيوية. وبعد أن نجحت قوات الجيش السوري -إثر اشتباكات محدودة في عدد من المواقع- في محاصرة مسلحي قسد، أعلنت قيادة الأخيرة الانسحاب من غرب الفرات، ثم من سد الفرات الثاني، سد تشرين.

إعلان

ومنذ صباح 19 يناير/كانون الثاني، بدأت محافظتا دير الزور والرقة تشهدان انشقاق أعداد متزايدة من أبناء العشائر العربية، الذين كانوا قد التحقوا في السابق بصفوف قسد. وقد نجح أبناء العشائر في طرد قوات قسد من مراكز تواجدها في ريف دير الزور، ولا سيما من حقول النفط الرئيسة الثلاثة في المحافظة، ومن معظم أحياء مدينة الرقة.

ولأن قوات الجيش السوري كانت قد عبرت بالفعل نهر الفرات إلى الجزيرة، فقد أتمت سيطرتها على محافظتي دير الزور والرقة، وشرعت في تمشيط مواقع تمركز قسد السابقة، تمهيدًا لتسليم المدينتين لأجهزة الأمن التابعة لوزارة الداخلية، والمسؤولين عن قطاعات الخدمات المختلفة.

ولكن، وعلى الرغم من أن مظلوم عبدي كان قد وقَّع اتفاقًا جديدًا مع الشرع يقضي بوقف إطلاق النار وإخلاء محافظتي دير الزور والرقة، وعودة إدارات الدولة السورية إلى محافظة الحسكة، إلا أن مسلحي قسد في الجزيرة لم يكترثوا للاتفاق الجديد، ولم تشهد المحافظتان واقعة انسحاب واحدة دون ضغط عسكري من الجيش السوري.

على العكس من ذلك، لجأ مسلحو قسد إلى إطلاق مئات من معتقلي تنظيم الدولة من سجن الشدادي، الذي كان تحت إدارة قسد، وهو ما عدَّته القيادة السورية ابتزازًا سافرًا.

ثم أخلوا مخيم الهول سيء السمعة؛ حيث يُحتجز الآلاف من عوائل مقاتلي تنظيم الدولة (داعش)، دون تسليمه للدولة السورية. كما اعتصم مسلحو قسد في سجن آخر في الرقة، ولم يوافقوا على الخروج منه إلا في 23 يناير/كانون الثاني، بعد تهديد الجيش السوري باقتحام السجن بالقوة.

كان الهدف من استخدام ملف السجون إثارة مخاوف القوى الغربية من احتمال عودة تنظيم الدولة إلى النشاط في الجزيرة. ولكن هذا التصرف أثار الأمريكيين ولم يوقف الجيش السوري عن التقدم. فقد بدا أنه تسلم أوامر قاطعة بحسم الموقف في محافظات الجزيرة جميعًا، بما في ذلك محافظة الحسكة، المركز الرئيس لقسد وإدارتها الذاتية.

مساء 19 يناير/كانون الثاني، كانت القوات السورية قد أحكمت سيطرتها على الشدادي في منتصف الطريق بين الحسكة ودير الزور.

ومع نهاية اليوم التالي، كانت وحدات من الجيش السوري قد أحاطت بمدينة الحسكة من ثلاث جهات، بينما بدأت وحدات أخرى في طرق أبواب عين العرب (كوباني)، في الجانب الشرقي من الفرات وريف حلب.

وهذا ما طرح السؤال حول هشاشة البنية العسكرية لقسد وتداعي إرادة القتال لدى عناصرها، التي طالما حاولت قياداتها إظهارها في صورة الحارس الصلب للإدارة الذاتية.

قسد.. النشأة والمسار

وُلدت قسد، في 2015، باقتراح أمريكي، لتوسيع نطاق وحدات حماية الشعب، التي كانت قد تشكلت في 2014 ذراعًا مسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني (PYD)، الذي وُلد بدوره في 2003 بوصفه الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني.

خلال العامين الأولين من الثورة السورية، وقبل بدء التعاون مع الأمريكيين، عملت قوات حماية الشعب على قمع القوى السياسية الكردية الأخرى في محافظة الحسكة، وأحكمت سيطرتها على معظم مدن وقرى الوجود الكردي.

ضمَّت قسد، بتشجيع وتمويل وتسليح أمريكي، عشرات الآلاف من أبناء العشائر العربية في الجزيرة، وأعدادًا من السريان والآشوريين، وأقامت إدارة ذاتية في مناطق سيطرتها.

ولكن قيادة قسد ظلت كردية حصرًا، كما حافظت وحدات حماية الشعب على وضعها المركزي في التشكيلات العسكرية. بل إن حزب العمال الكردستاني أرسل عناصر قيادية من جبال قنديل إلى سوريا لتأمين سيطرته على قرار قسد والإدارة الذاتية.

وبعد سقوط نظام الأسد، استقبلت منطقة السيطرة الكردية أعدادًا متزايدة من عناصر النظام وأجهزته الذين قاتل معظمهم إلى جانب وحدات قسد العسكرية.

لم تكن قسد منظمة عسكرية أيديولوجية نقية بل كانت أقرب إلى تجمع من القوى والأفراد الذين جاؤوا من خلفيات متنوعة وبدوافع مختلفة.

بعض أعضاء قسد هم فعلًا من الأكراد الذين تلقوا تدريبًا وتثقيفًا في دوائر حزب العمال الكردستاني، وبعضهم من الشبان الأكراد أو السريان العاطلين، الذين جذبتهم إغراءات الوظيفة والمكافآت المالية السخية، سيما بعد تراجع مخاطر القتال ضد تنظيم الدولة، أو الذين جُنِّدوا بالقوة.

أما المسلحون العرب، فجُلُّهم كان ممن نظَّمتهم القوات الأمريكية في الجزيرة لقتال تنظيم الدولة وظل ولاؤهم في الحقيقة لعشائرهم.

ينحدر كل من وزير الخارجية السوري ورئيس جهاز الاستخبارات السورية في أصولهما من منطقة الجزيرة.

كما أن جهاد عيسى الشيخ، القيادي السابق في هيئة تحرير الشام، الذي عينه الشرع مستشارًا للرئيس مسؤولًا عن ملف العشائر، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، هو ابن قبيلة البكارة، إحدى أكبر عشائر شمال وشمال شرقي سوريا.

ولا يستبعد أن يكون هؤلاء جميعًا قد أسهموا بصورة فعَّالة في انشقاق أبناء العشائر عن قوات قسد، في الرقة ودير الزور، وانحيازهم إلى جانب الدولة السورية.

كما لعب أسلوب قسد في إدارة المناطق التي كانت تحت سيطرتها، وسوء معاملتها للأغلبية العربية في الجزيرة، دورًا في تصاعد الرفض لقسد حتى قبل انهيار النظام السابق.

وليس ثمة شك في أن اتخاذ القوات الأمريكية في المنطقة موقفًا محايدًا من المواجهة بين قسد وقوات الجيش السوري، تسبب في انهيار فادح في معنويات مقاتلي قسد، الذين اعتادوا الاعتماد على الدعم الأمريكي الكبير في كافة مواجهاتهم السابقة مع تنظيم الدولة.

وهذا ما تسبب، في النهاية، في هشاشة تماسك قسد العسكري وانهيار قدرتها على القتال. في حلب، وفي ريفها، كما في الرقة وبعض المواقع في دير الزور.

كانت قلَّة فقط من العناصر الكردية المؤدلجة وبعض بقايا نظام الأسد من قاتلت الجيش السوري بصلابة وتصميم. بينما استسلمت أعداد كبيرة أو تركت مواقعها سريعًا وغادرت إلى الحسكة. وما إن بدأ الجيش السوري في عبور الفرات إلى الجزيرة حتى انقلبت العناصر العربية على قوات قسد الأخرى.

ولكن المؤكد أيضًا أن الطريقة التي أدارت بها القيادة السورية تعقيدات الأزمة، والمقاربة التي تبنَّتها سريعًا للملف الكردي، أسهمت بصورة مباشرة في عزلة قسد السياسية، سوريًّا وإقليميًّا ودوليًّا، وفي هزيمتها في نهاية المطاف.

السياق السياسي والتطورات العسكرية

أَوْلَت القيادة السورية ومنذ اللحظات الأولى لاندلاع الاشتباكات في الأشرفية والشيخ مقصود اهتمامًا كبيرًا للسياق السياسي للعمليات العسكرية التي تعهدها الجيش لحسم الموقف في حلب وريفها، وفي محافظات الجزيرة السورية.

وقد حرصت دمشق على إطلاع مبعوث الرئيس ترمب لسوريا، السفير الأمريكي في أنقرة، توم براك، على تعثر تطبيق اتفاق مارس/آذار، الذي كان قد وُقِّع أصلًا بوساطة أمريكية، وعجز مظلوم عبدي عن التصدي لهيمنة حزب العمال على شؤون قسد والإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا.

والواضح أن دمشق دأبت على التواصل مع الجانبين الأمريكي والتركي وإطلاعهما على تطورات الحملة العسكرية، وكافة جوانب التفاوض مع قسد. وتشير الاتصالات الهاتفية بين الرئيس السوري وكل من الرئيس التركي وأمير قطر وولي العهد السعودي إلى أن هذه الدول الثلاث لعبت دورًا فعَّالًا في تطور الموقف الأمريكي من وحدة سوريا واستقرارها، وفي تحذير الإسرائيليين من التورط في الملف الكردي السوري.

في 16 يناير/كانون الثاني، وبينما كان الجيش السوري يحرز تقدمًا ملحوظًا في إجبار قوات قسد على إخلاء مواقعها في ريف حلب وجانب الفرات الغربي، أصدر الرئيس الشرع المرسوم 13 لعام 2026، الذي خُصِّص لمعالجة المسألة الكردية في سوريا. أكد المرسوم على الحقوق المواطنية لكافة الأكراد السوريين، وألغى كافة الإجراءات التي ترتبت على إحصاء 1962 سيء السمعة، الذي حرم الكثير من الأكراد من جنسيتهم السورية، واعترف بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد في مناطق أغلبيتهم السكانية، وأعلن يوم النيروز عيدًا وطنيًّا للإخاء وعطلة مدفوعة الأجر.

لا شك أن إصدار المرسوم في ذلك التوقيت كان خطوة ذكية من القيادة السورية، ساعدت على طمأنة المجتمع الكردي، وأعادت التأكيد على الهوية الوطنية الجامعة للدولة الجديدة.

وكان هذا المعنى هو ما حرَّك الآلاف من السوريين، الأكراد والعرب، للخروج إلى الشارع في دمشق وعفرين للاحتفال بالمرسوم الرئاسي الجديد. كما استُقبل المرسوم في واشنطن بقدر كبير من الارتياح. في المقابل، دفعت الإدارة الذاتية في الحسكة وقامشلي بمتحدثين باسمها أو مقربين منها للتقليل من قيمة المرسوم. وكانت جهات في دمشق قد أشارت إلى أن المرسوم كان يفترض أن يصدر ضمن سياق تطبيق اتفاق مارس/آذار، ولكن نكوص قسد عن الالتزام بالاتفاق دفع الرئيس السوري إلى إصداره بغضِّ النظر عن موقف قسد.

بعد سيطرة الحكومة السورية على مخيم الهول(غيتي)

في ظل توازن القوى الجديد بين قسد ودمشق، تحرك المبعوث الأمريكي لسوريا، توم براك، وبدأ العمل على تنفيذ اتفاق مارس/آذار، دون المزيد من تفاقم العنف وسفك الدماء.

إعلان

وتكشف خطوات براك في الأيام التالية عن أن تحركه استند إلى تحول جوهري مسبق في مقاربة إدارة ترمب للوضع السوري، وإلى تفاهمات بين أنقرة ودمشق وواشنطن بخصوص الوجود الكردي المسلح في سوريا.

في 17 يناير/كانون الثاني، التقى توم براك مظلوم عبدي، بحضور الزعيم الكردي العراقي، مسعود بارزاني. وكان لافتًا أن اللقاء تم في أربيل وليس الحسكة، وفي ضيافة بارزاني، المعروف بعدائه لحزب العمال الكردستاني.

خلال اللقاء، الذي بدا فيه موقف مظلوم عبدي ضعيفًا، هاجم براك قسد، واتهمها بالتعاون مع إيران ومحاولة جرِّ إسرائيل إلى معركة مع تركيا في سوريا. وقال لعبدي إنه خدعه وخدع الرئيس السوري بالتهرب المتكرر من تطبيق اتفاق مارس/آذار.

وأكد براك أن قسد، من وجهة نظر إدارة ترمب، قد انتهت، ولم يعد ثمة مبرر لوجودها. بذلك، وضع براك أمام عبدي الخطوط العريضة لما يمكن أن يتم الاتفاق عليه لوقف العنف، ودعاه للالتحاق به في دمشق في اليوم التالي.

في 18 يناير/كانون الثاني، جرى اتصال هاتفي بين الشرع ومسعود بارزاني، حرص خلاله الرئيس السوري على طمأنة الزعيم الكردي العراقي بشأن موقف الدولة السورية الجديدة من المسألة الكردية.

وطلب منه دعم جهوده لإخراج حزب العمال الكردستاني من سوريا، ودعم جهود الدولة السورية في التعامل مع الوضع في الشمال الشرقي.

وفي مساء اليوم نفسه، وصل توم براك للاجتماع بالرئيس السوري في دمشق، بينما أعلن عن أن الظروف الجوية وقفت حائلًا أمام التحاق مظلوم عبدي باللقاء.

انتهت مباحثات براك مع الشرع إلى اتفاق ملحق باتفاق مارس/آذار 2025، وقَّع عليه الرئيس السوري حضورًا بينما وقَّع عليه مظلوم عبدي عن بعد.

وضع الاتفاق الجديد تفسيرًا محددًا لكافة المسائل التي لم تكن قد وُضعت في صياغات محددة في اتفاق مارس/آذار. ونصَّ على إخلاء قسد لمحافظتي الرقة ودير الزور، وعلى عودة أجهزة الدولة السورية إلى محافظة الحسكة، وهو ما يعني نهاية ما يسمى بالإدارة الذاتية. كما نص على إخلاء كافة المظاهر العسكرية في عين العرب (كوباني)، بينما ترك مصير قوات قسد في محافظة الحسكة ليُبحث ضمن ترتيبات إدماج مسلحيها في مؤسستي الجيش والأمن، بصورة فردية.

في 19 يناير/كانون الثاني، وبينما كانت قوات قسد تقاوم تقدم الجيش السوري في الجزيرة، وصل عبدي إلى دمشق، والتقى بالرئيس الشرع في اجتماع استمر خمس ساعات.

طالب الشرع عبدي بالتنفيذ الفوري لاتفاق اليوم السابق، وعرض عليه تسمية مرشح لمنصب مساعد وزير الدفاع، وآخر لمنصب محافظ الحسكة، وطلب منه أسماء للتمثيل في مجلس الشعب وأخرى للتوظيف ضمن مؤسسات الدولة السورية.

ولكن عبدي تنصل من التزامات اتفاق اليوم السابق، الذي كان قد وقَّعه بالفعل، وعاد إلى المطالبة بإدارة ذاتية كاملة في محافظة الحسكة، ودمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري كوحدات عسكرية وليس كأفراد، وطالب بمهلة خمسة أيام لبحث بنود الاتفاق مع قيادات قسد الأخرى، يتوقف خلالها الجيش السوري عن التقدم في الجزيرة.

تشير بعض التقارير إلى أن توم براك غادر الاجتماع قبل نهايته غاضبًا من تنصل قسد من التزامات الاتفاق الذي كان هو شخصيًّا من توسط في إتمامه، ويبدو أنه أبلغ واشنطن بذلك؛ وهو ما دفع الرئيس ترمب إلى إجراء اتصال هاتفي مع الرئيس السوري، مباشرة بعد نهاية اللقاء مع عبدي أكد خلاله على وحدة سوريا وسيادة دولتها، في تحول واضح لموقف واشنطن من مشروع قسد الانقسامي. كما دعا ترمب الشرع إلى ضرورة تأمين مراكز احتجاز مسلحي تنظيم الدولة، التي كانت قسد أخلتها دون تنسيق مع الدولة السورية.

في مساء 20 يناير/كانون الثاني، وبينما كان الجيش السوري على أبواب عين العرب والحسكة، أُعلن في دمشق عن تفاهمات إضافية بشأن محافظة الحسكة، أكدت على البنود التي تضمنها اتفاق 18 يناير/كانون الثاني، ومنحت قسد مهلة أربعة أيام تبدأ من مساء اليوم نفسه. خلال المهلة، كان على قسد أن تتوصل إلى توافق بين قياداتها على ترتيبات اندماج محافظة الحسكة في إدارات الدولة السورية، بما في ذلك وزارة الداخلية، على أن تحافظ الأطراف خلالها على وقف إطلاق النار، ويتوقف الجيش السوري عن التقدم إلى القرى والمدن ذات الأغلبية الكردية في المحافظة.

نصَّت الهدنة كذلك على تعيين نائب لوزير الدفاع السوري ومحافظ للحسكة، ترشحهما قسد، وعلى انخراط عناصر قسد العسكرية في الجيش والأمن السوري طبقًا للاتفاق السابق، عبر آلية يجري الاتفاق عليها.

مصير قسد وشمال شرقي سوريا

يمكن القول بأن قسد انتهت فعليًّا منذ تقدمت القوات السورية وسيطرت على معظم الجزيرة. وبانشقاق عشرات الآلاف من المسلحين العرب، وإعلان واشنطن نهاية المهمة التي كانت أوكلت إليها، عادت قسد إلى وضعها الأصلي: وحدات حماية الشعب، الذراع المسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي، فرع حزب العمال الكردستاني في سوريا. المؤكد أنه لا قسد ولا الاتحاد الديمقراطي، ولا وحدات حماية الشعب، كان باستطاعتها، في أية لحظة تمثيل كافة الكرد السوريين والتحدث باسمهم جميعًا.

لم يستطع الاتحاد الديمقراطي كسب ولاء معظم أكراد عفرين، ولا ولاء معظم أكراد حلب ودمشق. ولم يلعب الاتحاد الديمقراطي، ولا وحدات حماية الشعب، دورًا مؤثرًا في مسار الثورة السورية ضد نظام الأسد.

وفي كل حالات التَّماس بين وحدات حماية الشعب، أو قسد، ومواقع نظام الأسد في الجزيرة، كانت قوات النظام تخلي مواقعها لصالح القوات الكردية بأوامر من دمشق. وظلت خطوط الاتصال بين الطرفين مفتوحة إلى وقت قريب من سقوط النظام. الدور الأساسي الذي لعبته قوات حماية الشعب، سيما بعد تشكيل قسد والتحالف مع الأمريكيين، كان في القتال ضد تنظيم الدولة.

لا شك أن سيطرة أذرع حزب العمال الكردستاني على مناطق الأغلبية الكردية في شمال شرقي سوريا كانت وبالًا على القضية الكردية في سوريا.

وقد أوقعت أنظمة الحكم المتعاقبة في دمشق ظلما فادحًا بأكراد شمال شرقي سوريا، نظرا لوصول هذا القطاع المتأخر من المجتمع الكردي إلى سوريا.

ولكن المطالب الانفصالية لم تكن ذات انتشار واسع في صفوف الكرد السوريين، ولا أسست جذورًا عميقة في الخطاب السياسي الكردي السوري. وإلى حدود اندلاع الثورة السورية وبدء موجات الهجرة الكردية إلى أوروبا، لم يكن الأكراد يمثلون أكثر من أربعين بالمئة من سكان محافظة الحسكة

مدينة تحت الأرض من 3 طوابق في عين العرب بنتها وحدة حماية الشعب التي تعمل تحت اسم قسد (الأناضول)

منذ انطلاق الثورة السورية، شارك أهالي الحسكة والقامشلي في كافة الفعاليات الشعبية، كما شارك أكراد سوريون في هيئات الثورة التمثيلية، مثل المجلس الوطني وائتلاف قوى الثورة. وكان واضحًا أن قيادات الثورة، السياسية منها والعسكرية، تبدي تفهمًا ووعيًا بالمسألة الكردية، وتحرص على أن تكون معالجة مظالم الأكراد السوريين في صدر أولويات الثورة وتصورها لسوريا الجديدة.

وبعد نجاح هيئة تحرير الشام والقوى المتحالفة معها في إطاحة نظام الأسد، لم تتوان القيادة السورية الجديدة، في كافة اللقاءات مع مظلوم عبدي ووفود قسد، عن تأكيد عزم دمشق على معالجة المسألة الكردية في إطار المواطنة الجامعة ووحدة ومساواة كافة جماعات الشعب السوري.

وليس من الواضح طبيعة العلاقة بين الاتحاد الديمقراطي السوري ووحدات حماية الشعب، من جهة، وقيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، من جهة أخرى، أو بالأحرى ما انتهت إليه هذه العلاقة.

ثمة من يرى أن مظلوم عبدي ورفاقه من الكرد السوريين أكثر عقلانية وبراغماتية، ولكن حزب العمال الكردستاني يقف حائلًا أمام محاولة التوصل إلى تفاهم مع دمشق. ويرى آخرون أن ما يجري ليس سوى لعبة توزيع أدوار تقليدية، وأن عبدي مجرد واجهة لبرنامج العمال الكردستاني في الساحة السورية.

وكان ملاحظًا في الأسابيع القليلة الماضية أن قيادي حزب العمال الكردستاني البارز، باهوز إردال (اسمه الأصلي فهمان حسين)، هو من قاد المواجهة ضد الجيش السوري في ريف حلب والرقة.

لكن تدخل حزب العمال الكردستاني، مهما كانت طبيعته، لم يُجْدِ نفعًا، بل دفع قيادات الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب إلى وضع حرج.

وكان بإمكانهما الخروج من المواجهة مع الدولة السورية بمكاسب أكبر، تحقق الانتصار للمجتمع الكردي وترفع عنه مظالم العقود الماضية. والحقيقة أن المشروع الانفصالي في شمال شرقي سوريا جرى تسويقه في مرحلة ضعف الدولة وثورة الشعب ضد النظام الحاكم. لذلك، لم يعد هذا المشروع يملك شروط الاستمرار بعد أن نجح الشعب في إسقاط النظام، ونجحت الدولة الجديدة في إعادة بناء جيشها.

عائلات مدنيين في سوريا قتلوا على يد قوات قسد بحلب (الأناضول)

وخلال أسبوعين فقط من اندلاع أحداث حلب، تمكن الجيش السوري من استعادة معظم الأرض التي كانت تحت سيطرة قسد في غربي الفرات والجزيرة، والتي تزيد عن ربع مساحة سوريا. ولولا إعلان الهدنة الأولى، كان يمكن للجيش السوري الاستمرار في التقدم إلى عين العرب والحسكة.

ولكن الحرص على تفادي سفك الدماء دفع وزارة الدفاع السورية إلى القبول، في ساعة متأخرة من مساء 24 يناير/كانون الثاني، بتمديد وقف إطلاق النار في كافة مناطق عمليات الجيش السوري لأسبوعين إضافيين.

ولكن الملاحظ أن بيان وزارة الدفاع السورية تجاهل كلية الإشارة إلى قسد، وربط تمديد وقف النار بعملية نقل عناصر تنظيم الدولة الذين كانوا محتجزين في سجون قسد إلى العراق، التي يقوم بها الأمريكيون.

قسد، من جهتها، رحَّبت بالتمديد، ولكن لا شيء يؤشر إلى أنها بصدد تنفيذ اتفاق الاندماج والتخلي عن مطلب الإدارة الذاتية الكاملة في محافظة الحسكة.

ويبدو أن قياداتها تنتظر حدوث تحول ما في الموقف الدولي، ولا سيما بعد أن صدرت أصوات في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين تعترض على عمليات الجيش السوري وتشيد بتحالف قسد مع القوات الأمريكية في المعركة ضد تنظيم الدولة.

ويبدو أن حزب العمال الكردستاني يقوم في الوقت نفسه، طبقًا لتقارير وزارة الدفاع السورية، بدفع المزيد من مقاتليه من جبال قنديل إلى محافظة الحسكة، إما بهدف ردع الجيش السوري عن محاولة بسط السيطرة على ما تبقى من المحافظة، أو الاستعداد لمواجهة حاسمة.

دمشق، كذلك، لم تتوقف عن تعزيز قوات الجيش في محاور العمليات في الحسكة وعين العرب. والأرجح أن القيادة السورية وصلت إلى قناعة بأن أصحاب القرار فيما تبقَّى من قسد ليس لديهم اهتمام بالاندماج في جسم الدولة السورية، ولا بحقوق الأكراد الوطنية، ولا بوحدة سوريا واستقرارها، وأن اهتمام هؤلاء الوحيد هو السيطرة على قطعة من الأرض السورية لإقامة كيان قومي كردي.

والواضح، أن دمشق ليست مستعدة لتحقيق هذا المطلب. لذلك، ما لم يحدث تطور نوعي خلال أسبوعي تمديد الهدنة، يفضي إلى تطبيق فوري لاتفاق الاندماج، فلابد أن الجيش السوري سيتحرك لإعادة محافظة الحسكة برمتها إلى جسم الوطن السوري. والمؤكد أن الجيش السوري سيتخذ خلال هذين الأسبوعين كل الاحتياطات الممكنة لتجنيب المحافظة وأهلها عواقب المواجهة وأعباءها.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

—————————–

قسد وضرورة الانتقال من لحظة الحرب إلى لحظة السلام/ د. أحمد جاسم الحسين

فبراير 1, 2026

أحد تعريفات السياسة: المرونة في مواجهة المتغيرات. ويقتضي العمل السياسي اليومي في البلاد الخارجة من النزاعات مرونة مضاعفة، بخاصة إن تمت قراءة الوضع الجيوسياسي لبلد مثل سوريا، يشكل نقطة تقاطع للدول الكبرى والإقليمية، يضاف إليه تركيبة ديموغرافية يمكن أن تكون عبئاً أو عامل نجاح للسياسيين الأذكياء.

في هذا المناخ السياسي، الذي يتسم بكثير من الغيوم والأمطار والمنزلقات وتشكل الجليد والحرارة العالية والمنخفضات الجوية، يبدو أن قسد لا تجيد الاشتغال السياسي. ولم تستطع حتى اللحظة أن تتجاوز مناخ المرحلة الماضية الذي منحها بطاقة اعتماد دولية تتعلق بمحاربة داعش، ولم تستوعب صدمة أنه تم الاستغناء عنها دولياً نهائياً، بل إن سجناء داعش الذين كانت تحرسهم بأجر شهري يتمُّ نقلهم إلى بلد آخر!

التفتت قسد إلى ما حولها، وإذ بها تجد أن كل ما حاولت تسويقه في كونها ممثلة لأبناء الجزيرة انكشف دفعة واحدة، فراح عدد من قيادييها ومحلليها يحملون العشائر العربية في الجزيرة ما حدث لها؟ وفي الوقت ذاته يخرج محللون قسديون آخرون ليقولوا إن انسحابها هو اتفاق مع الحكومة السورية، تخبطات التحليل تعبر عن أوجاع السياسيين!

إحدى مشاكل قسد الرئيسية أنها لم تكن تعيش في عصرها، بل كونها قادمة من زمان التعبئة الأيديولوجية والشعارات الكبرى، والكذب على الجمهور، بحيث إننا يمكن أن نقنعه بما نريد ونعمّيه، وأن نخلق واقعاً افتراضياً غير الذي يعيشه المواطن في مناطق نفوذها! شيءٌ من خلطة الأنظمة الاستبدادية وقذف الأمور إلى الأمام دون إيجاد الحلول الجذرية، وإلهاء سكانها بسالفة القائد التاريخي!

لم يعد من السهولة أن تصمد تلك التعبئة الكاذبة الواهمة أمام الجمهور، الذي بات يعيش على ثقافة “الريل” والتحول المستمر، وعدم الثبات والتغير في الأفكار والقناعات، التي تتسم بالسيولة وتلبية الحاجات اليومية!

حسناً، ما حجة قسد، من قبل، كي تحكم تلك الجغرافيا الكبيرة إنْ لم تكن أخوة الشعوب هي الأساس؟ لكن ماذا رأى السكان خلال أكثر عقد من الزمان من قسد؟ وهل يمكن أن تخبَّأ شمس الخيبات بغربال الشعارات؟

سارت قسد على خطا حافظ الأسد حين وجد أن السبيل الوحيد لبقائه هو التمسك بسالفة الوحدة العربية والقومية والتعربش على القضايا التي لا تحل، وتجميع أكبر عدد من المناصرين عبر الكم على حساب الكيف!

حسناً: لماذا لم تحاول قسد أن تأخذ قلوب السكان في المناطق التي حكمتها من خلال الخدمات الصحية والبلدية والأمنية والاجتماعية؟  الأمر يحتمل أكثر من إجابة: التذاكي على المواطنين واعتقاد قادتها أنهم أكثر وعياً من المواطن، ويمكنهم أن يأخذوه إلى البحر ويعيدوه عطشاناً!

كذلك تجميع المال خارج البلد في (جبال قنديل) ذهباً، أو فتح استثمارات جديدة خارجية بهدف الإفادة منه لاحقاً في حروب جديدة أو شراء السلاح. ومعرفتها بأنها مؤقتة والانشغال بإلهاء الناس والاشتغال بإدارة المناطق مرحلياً، وليس حل مشاكلها أو البحث عن حلول جذرية. وعدم القدرة على الديمقراطية واقعاً، والانشغال بها شعاراً، لأن الشعار يتعلق باللغة والحكي، أما الممارسة فتتعلق بمعطيات أخرى، لا توجد في تجربة قسد!

كانت قسد معنية بالاشتغال على خطابين؛ أحدهما باطني؛ حيث إنها حاولت اكتساب مناصرة الكرد لها بكونها حاملة للأحلام الكردية الشوفينية المتعلقة بـ(روج أفا) غرب كردستان، دون النظر إن كانت شرق كردستان تريدها أم لا؟ وبغض النظر إن كنت تستطيع بنصف مليون كردي وسط 25 مليون عربي أن تصنع غرب كردستان؟ بكل المعاني السياسية والجغرافية والاجتماعية والفكرية؟

في الوقت ذاته، استعملت خطاباً آخر موجهاً للعرب والمسيحيين في المناطق التي حكمتها في كونها واحة ديمقراطية ومثالاً استثنائياً للتنوع، غير أن هذا الخطاب المتهافت انهار عند أول طلقة، حيث عادت إلى خطابها المبطن ليصبح علنياً، ولتعود قسد ممثلة للكرد فحسب!

اليوم، ماذا ستفعل قسد بعد هزيمتها كما صرح قادتها؟! فورقة اعتمادها الدولية حُرقت، وانتهت، وأخرِجت من اللعبة. سالفة داعش وتبعاتها انتهت. جغرافيا متقلصة تحت سلطتها. صراعات بين أجنحتها السورية والقنديلية والسياسية والعسكرية.

يقول متابعون: أحد مشاكل قسد الرئيسية أنها لا تعرف لعبة الشطرنج، وكذلك ليس لديها خبرة بالتجاعيد التي يمكن أن يتركها تقدم العمر، اعتقدتْ لفترة طويلة أن الشفط والنفخ والتقويم وابتسامة هوليود يمكنها أن تعوض الابتسامة الحقيقية، تلك قد تصلح لفترة وقد تناسب الأفراد، أما إدارة الجغرافيا والدول والمشاركة في التغيير فيستدعي لغة جديدة!

بدلاً من البحث عن نجاح الذات، عولت قسد على فشل الآخرين، وبدلاً من إعادة التموضع والبراغماتية راحت تنتظر غودو، غير أن غودو السياسة لا يصبر ولا ينتظر! ونصيرك اليوم عدو الغد إن لم تمش مع المتغيرات وتواكبها بمرونة ووعي!

فقدتْ قسد عينها الثانية منذ زمن طويل، واعتقدت أن الأعور يمكن أن يقود العربة، نعم قد يقودها ويسرع، لكنه سيقع في أول حفرة، لأن التوازن يقتضي أن توجد عينان: عين على الداخل وعين على الخارج من أجل لعبة التوازن! استثمار قسد في السلب لا يعني أن البورصة العالمية تمشي في اتجاه واحد، فالبورصة السياسية تحتاج إلى خبراء كي لا تنقص أسهمك أو تقذفك الارتفاعات والانخفاضات خارج السوق!

هل هناك فرصة لتنتقل قسد من المطالب الفئوية والجهوية والعرقية إلى المطالب الوطنية مثلاً؟ الفرصة موجودة لكن هل هي مغرية لقسد كي تدخلها؟ أعضاء سابقون عارفون بقسد ومرجعياتها انشقوا عنها يقولون: قسد لا تجيد غير لعبة واحدة هي الانتحار، لأن العمل السياسي شيء آخر كلياً لا يعني قسد ولا يدخل في اهتماماتها!

بقي، أخيراً، التأكيد للمرة المليون أن قسد شيء آخر مختلف كلياً عن مطالب الكرد السوريين، وعن الكرد الذين حقق معظمَ مطالبهم المرسومُ 13 للعام 2026.

قسد تعطي مثالاً جيداً مفاده: إن متاجرتك بحقوق شريحة ما، لا يعطيك حصانة أخلاقية، أو يجعلك فوق المحاسبة، وإنْ لم تفهم السياسة والعمل السياسي فقد آن لك أن تنسحب منهما وتتراجع، أو تحل ذاتك، فقد يكون أفضل لك ولكل ما تاجرتَ به، فالقضايا التي تتاجر بها بعض التنظيمات مثل البضائع لها زمان صلاحية، وقد يتم الاستغناء في لحظة ما إن توفر البديل، أو باتت سامة لمن وقف معها أو ناصرها!

الثورة السورية

—————————–

دمشق و«قسد»: اتفاق المتفق عليه/ منهل باريش

يشكّل الاتفاق نقطة تحول في إعادة ترتيب التوازنات شمال سوريا إذا ما نجحت الأطراف في تثبيته وتحويله إلى واقع عملي، خاصة مع وجود مؤشرات على استعداد دولي لدعم التنفيذ.

في مشهد أصبح معتادًا خلال الشهور الأخيرة، توصلت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية إلى اتفاق جديد فيما يتعلق باندماج مقاتلي قسد والانضمام إلى مؤسسات الدولة السورية في محافظة الحسكة وعين العرب/كوباني التابعة إداريًا لمحافظة حلب.

ويأتي الاتفاق وسط قدر ملحوظ من الحذر والترقب. فالتجارب السابقة بين الطرفين تُظهر أن التفاهمات، رغم ما تحمله من وعود بالتهدئة، غالبًا ما تعثرت عند اختبار التنفيذ، حتى بات فشل الاتفاقات أو جمودها سمة متكررة في العلاقة بينهما. ومن هذا المنطلق، ينظر مراقبون إلى الاتفاق الجديد بوصفه خطوة مهمة نظريًا، لكنها لا تزال محاطة بأسئلة جوهرية تتعلق بمدى قابليتها للاستمرار في بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، حيث يختبر قدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجته فعليًا، وهو انتقال أثبتت التجربة أنه أكثر صعوبة مما يبدو في البيانات الرسمية.

وينص الاتفاق، حسب مصدرين سوريين، على تسمية معاون وزير دفاع من قبل قسد، وليس نائب رئيس كما كان متفقًا عليه قبل خسارة الشيخ مقصود والأشرفية. كذلك تقترح قسد اسم المحافظ، ويجري تقديم مقترحات للأسماء بشكل أولي بين الجانبين.

الجدير بالذكر أن وزير الخارجية أسعد الشيباني هو من تولى المفاوضات والاتصالات مع إلهام أحمد، رئيسة لجنة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، في مراحلها النهائية، في حين كان محمد قناطري هو مسؤول الاتصال والمفاوضات مع قسد إلى جانب عضوين آخرين من الشؤون السياسية والاستخبارات.

وأُرفق نص الاتفاق ذو البنود العريضة بـ«خريطة طريق» زمنية للمرة الأولى خلال التفاهمات بين الحكومة السورية وقسد.

وتفيد مصادر «القدس العربي» أنه ستُشكَّل «فرقة الحسكة» من قبل وزارة الدفاع السورية بقوام ثلاثة ألوية تنضم إليها قوات سوريا الديمقراطية، في حين يُشكَّل لواء من مقاتلي قسد في عين العرب/كوباني ويجري ضمهم إلى أحد الفرق العسكرية العاملة في محافظة حلب. ومن غير الواضح فيما إذا كانت قسد هي من ستعين قادة الألوية أو أنهم سيكونون من القادة الأكراد.

على مستوى الأمن الداخلي، تدخل قيادة الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي، وتشرف على دمج عناصر الأمن الداخلي الكردية بإدارة الوزارة حسب التخصص مع الاحتفاظ بخصوصية المناطق الكردية مثل عامودا والدرباسية والمالكية وعين العرب/كوباني. وينطبق الأمر على الإدارة المحلية والبلديات.

وستستلم الحكومة السورية معبري نصيبين وفيش خابور ومطار القامشلي خلال مدة عشرة أيام، وفور خروج ما تبقى من القوات الروسية في المطار المدني.

على مستوى آخر، تعترف وزارتا التعليم والتعليم العالي بالشهادات الصادرة عن الإدارة الذاتية سابقًا، ويوضع إطار لتشكيل لجان وتطبيق الشق المتعلق بالمناهج الكردية في المدارس.

ونصت خريطة الطريق على بدء تطبيق دخول القوات الأمنية وإدارات الدولة السورية إلى مدينة الحسكة ابتداءً من يوم الاثنين القادم، وهو خلاف ما أُشيع الجمعة عن منع الأمن الداخلي الحكومي من دخول مدينة الحسكة.

وفي هذا السياق، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية التوصل إلى اتفاق شامل مع الحكومة السورية يقضي بإيقاف إطلاق النار بين الجانبين، إلى جانب التفاهم على تنفيذ عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية. وتُعد هذه الخطوة محاولة عملية لخفض التصعيد وإعادة تنظيم الأوضاع الأمنية في شمال البلاد، وهي منطقة لطالما شكّلت عقدة جيوسياسية بسبب تداخل النفوذ المحلي والإقليمي والدولي. ومن جهة أخرى، نقل مصدر حكومي سوري أن الاتفاق يأتي ضمن مساعٍ أوسع لتعزيز الاستقرار وفتح مسار جديد قائم على التفاهمات السياسية بدل المواجهة، في إشارة إلى تحوّل تدريجي في مقاربة إدارة الملف الأمني.

وحسب بنود الاتفاق، تقرر انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، وهو إجراء يُنظر إليه على أنه خطوة أولى لتقليل احتمالات الاحتكاك المباشر ومنع الانزلاق نحو مواجهات غير محسوبة. ويحمل هذا الترتيب دلالات سياسية مهمة، إذ يشير إلى محاولة إعادة تفعيل مؤسسات الدولة تدريجيًا من دون إحداث صدمة إدارية أو أمنية قد تؤثر في التوازنات المحلية.

إلى جانب ذلك، يتضمن الاتفاق دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، وهو بند يحمل أبعادًا سياسية وإدارية حساسة. فمن جهة، قد يسهم في منع حدوث فراغ مؤسساتي أو اضطرابات خدمية، ومن جهة أخرى، يعكس توجهًا نحو انتقال تدريجي بدل التغيير المفاجئ الذي قد يهدد الاستقرار المحلي. فضلًا عن ذلك، جرى الاتفاق على تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم، وهي ملفات ترتبط مباشرة بإعادة ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز الثقة بين السكان والسلطات.

وفي قراءة أولية، تشير التقديرات إلى أن هذه الخطوات قد تمهّد لمرحلة جديدة من التنسيق بين الطرفين وتدعم مسار الحلول السياسية، غير أن نجاحها سيظل مرهونًا بمدى الالتزام بتنفيذ البنود على أرض الواقع، خصوصًا في ظل تجارب سابقة تعثرت فيها اتفاقات مشابهة بسبب فجوات التطبيق أو تضارب الحسابات السياسية.

وفي تأكيد رسمي، أعلن حمزة مصطفى، وزير الإعلام في الحكومة السورية، أن الاتفاق يهدف إلى توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون وتحقيق اندماج كامل عبر تعزيز التعاون وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد، معتبرًا أن الخطوة تمثل بداية لإعادة ترتيب المشهد الأمني والإداري. ويعكس هذا الطرح رؤية رسمية ترى في الاتفاق مدخلًا لإعادة بسط مؤسسات الدولة وتقليص مظاهر التشرذم.

من جانبها، قالت فوزة يوسف، عضوة الرئاسة المشتركة في حزب الاتحاد الديمقراطي، إن الاتفاق من شأنه تعزيز السلم الأهلي وضمان حقوق الكرد وجميع المكونات، مشيرةً إلى أنه أسهم في تجنب مخاطر التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي والحرب الأهلية. كما لفتت إلى أن مناطق الإدارة الذاتية ستحظى بالحماية من قبل قوات الأسايش بعد دمجها ضمن هياكل وزارة الداخلية، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على الخصوصية الأمنية والثقافية والإدارية للمناطق الكردية وضمان تمثيلها داخل مؤسسات الدولة.

إضافة إلى ذلك، شددت يوسف على أن الجهود السياسية ستتواصل لتحقيق ضمانات دستورية دائمة لحقوق الشعب الكردي، ما يعكس توقعات بأن الاتفاق، رغم أهميته، قد يكون بداية لمسار تفاوضي أطول يتعلق بطبيعة النظام الإداري ومستوى اللامركزية.

بدورها، أكدت إلهام أحمد أن الاتفاق يشكّل خطوة مفصلية نحو الاستقرار، معربةً عن شكرها للدول والجهات الوسيطة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا، ومطالبةً في الوقت ذاته بوجود ضامنين لمراقبة التنفيذ. ويشير هذا المطلب إلى إدراك مبكر لحساسية المرحلة الانتقالية، حيث غالبًا ما تحتاج الاتفاقات المعقدة إلى مظلة رقابية تمنع انهيارها.

وأوضحت أن دخول القوى الأمنية يهدف إلى ضمان عملية دمج مسؤولة ومتدرجة تحفظ كرامة جميع المكونات وتمهّد لتنمية متوازنة، مؤكدةً أن الاتفاق قد يتيح العودة الآمنة لأهالي عفرين ورأس العين. وفي المقابل، أشارت إلى أن واشنطن لم تكن على قدر التوقعات، رغم الدعم الذي أبداه ليندسي غراهام والرأي العام الأمريكي، مجددةً الدعوة إلى دور أمريكي أكثر توازنًا يحمي حقوق جميع المكونات.

دوليًا، وصف المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، الاتفاق بأنه محطة «عميقة وتاريخية» في مسار المصالحة الوطنية، معتبرًا أنه يعكس توجهًا نحو حوكمة أكثر شمولًا عبر دمج الهياكل العسكرية والإدارية وإشراك ممثلي قسد في مستويات متقدمة من صنع القرار، بما قد يمهّد لإعادة بناء المؤسسات واستعادة الثقة وجذب الاستثمارات.

إقليميًا، رحّب رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، بالاتفاق، معتبرًا أنه يمهّد أرضية للاستقرار والتعايش، ومؤكدًا أن الحوار يظل المسار الأكثر فاعلية للحلول المستدامة. وفي هذا الإطار، برز دور أربيل كمنصة دبلوماسية بعد استضافة اجتماعات جمعت مسؤولين من قسد بالمبعوث الأمريكي، في محاولة لتقريب وجهات النظر ودفع المسار السياسي.

وقبل أيام، أصدرت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة بيانًا مشتركًا رحبت فيه بتمديد وقف إطلاق النار لمدة 15 يومًا، داعيةً جميع الأطراف إلى الالتزام الصارم بالتهدئة وممارسة أقصى درجات ضبط النفس، ومشددةً على حماية المدنيين والبنية التحتية وضرورة الحفاظ على الممرات الإنسانية واستئناف الخدمات الأساسية في كوباني.

كما رحّب البيان بالدور الذي يؤديه الشركاء، بما في ذلك العراق وحكومة إقليم كردستان، في مواجهة التهديدات التي يشكلها تنظيم داعش، محذرًا من أي فراغ أمني قرب مراكز احتجاز عناصر التنظيم، ومعلنًا الدعوة إلى اجتماع قريب للتحالف الدولي ضد داعش. كذلك حثّ على التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار واستئناف المفاوضات بهدف تحقيق اندماج سلمي ومستدام لشمال شرق سوريا ضمن دولة موحدة وذات سيادة.

ختامًا، قد يشكّل هذا التفاهم نقطة تحول في إعادة ترتيب التوازنات شمال سوريا إذا ما نجحت الأطراف في تثبيته وتحويله إلى واقع عملي، خاصة مع وجود مؤشرات على استعداد دولي لدعم التنفيذ. أما تعثره، فقد يعيد إنتاج دوامات التوتر التي سعت هذه الخطوة أساسًا إلى احتوائها، ما يجعل مستقبل الاتفاق مرتبطًا بمدى قدرة الفاعلين على ترجمة الالتزامات إلى ترتيبات سياسية وأمنية مستدامة تفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقرارًا.

القدس العربي

————————–

تمجيد «قسد»/ تأثيم «حماس»: ثنائية الإفك/ صبحي حديدي

على امتداد حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة، كانت عناوين مقالاتها تسير هكذا: «الاعتداء الإسلاموي على إسرائيل جريمة بحقّ الإنسانية جمعاء»، أو «جهاد إسرائيل يظلّ جهادي، وجيش الدفاع الإسرائيلي جنود روحي»، أو «العالم المسلم يقول: على حماس أن تلاقي نهايتها»، أو «أورشليم ملكية اليهود: هذه حقيقة إسلامية»….

أهذه كتابات امرأة إسرائيلية؟ يهودية أمريكية أو نمساوية أو أوكرانية، تحمل الجنسية الإسرائيلية أيضاً؟ ناشطة في واحدة من المنظمات الصهيونية المساندة لدولة الاحتلال، هنا وهناك في أوروبا والولايات المتحدة؟ كلا، هي الإجابة على جميع الأسئلة السالفة؛ بل هي كانتا أحمد، البريطانية ــ الأمريكية من أصول باكستانية، سليلة أسرة مهاجرة مسلمة، وأب وأمّ «مؤمنَين بالديانة الإسلامية» كما تصفهما، دأبا على تحفيظها القرآن حتى شبت عن الطوق واختطت لنفسها خيارات مختلفة، كما تسرد أيضاً.

صحيح، بالطبع، أنّ أحمد ليست حالة منفردة بين «بنات الإسلام»، كما يقول تعبير استشراقي غربي بالغ الخبث ومفتضَح الركاكة في آن؛ وإذا لم يحضر سريعاً إلى البال نموذجُ تسليمة نسرين السويدية من أصل بنغلاديشي، فإنّ الأشهر تظل أعيان حرسي علي المواطنة الصومالية ـ الهولندية، مؤلفة «العذراء في القفص: صرخة امرأة مسلمة في سبيل العقل»، أحد أشدّ الأعمال غثاثة وتلفيقاً واختلاقاً حول الإسلام؛ وبطلة شريط ثيو فان غوغ «خضوع» الذي ظهرت فيه شبه عارية وقد خُطّت على جسدها آيات قرآنية.

لكنّ جديد الباكستانية أحمد أنها لا تطلق العنان للركاكة القصوى في امتداح دولة الاحتلال عموماً وجرائم حرب الإبادة خصوصاً، فحسب؛ بل في أنها أيضاً، وعلى سبيل «تكنيك» أداء الوظيفة هذه، لا تملك سوى خلط الحابل بالنابل، كيفما اتفقت لها النقائض. النموذج الأحدث لهذا الخيار البهلواني مقالة نشرتها بالإنكليزية في موقع  Times of Israel، بعنوان «عار على الولايات المتحدة: التخلي عن كرد سوريا يعرّض المنطقة بأسرها للخطر»؛ تساجل فيها بأنّ «أمريكا كما يبدو قد اعتمدت عقيدة جديدة في سوريا: احتضان الإسلامويين، مغازلة تركيا، والتعريض يالأقليات المستضعفة»… نعم، هكذا دفعة واحدة.

وإذ لا يُحجب عن أحمد، أو سواها ومن حيث المبدأ البسيط، حقّ التضامن مع «قسد» تحديداً، والافتراض ضمناً بأنها تمثّل وحدها الكرد السوريين أجمعين، أو هي اختصار المسألة الكردية بأسرها في سوريا، وربما في تركيا (بسبب التبعية للـPKK  وجبال قنديل)؛ بصرف النظر عن الخطل الفادح في مقاربة كهذه. فإنّ صياغة هذا التضامن من داخل انحياز، أشدّ فداحة سياسياً وأخلاقياً وعقلياً، إلى تبرئة دولة الاحتلال من حرب إبادة صريحة فاضحة ومدانة بموجب القانون الدولي؛ يكشف سوأة قميئة لدى المتضامن، ويعرّي قباحة مجانية تُلحق الأذى بالكرد والفلسطينيين على قدم المساواة.

وحين يفعلها سياسي أمريكي من طراز السناتور الجمهوري لندسي غراهام، صاحب الباع الطويل في الرقص على كلّ وأيّ حبال تخدم مآربه، في الداخل الأمريكي كما في الخارج الإسرائيلي؛ فالأمر ليس عسيراً على الفهم أو التفسير، لأنه تكرر مراراً حتى بات أقرب إلى خبر بلا معلومة. أما أن تنخرط في هذا المنحى الرثّ امرأةٌ سليلة أسرة مسلمة، آسيوية، مهاجرة… فإنّ الحصيلة لن تتوقف عند النفاق والانتهاز، بل تنقلب إلى تجنّد طوعي في سردية إفك تبدأ من تضامن زائف مع الكرد، وتمرّ بغسل أيدي الاحتلال الإسرائيلي من دماء آلاف الفلسطينيين، وتنتهي إلى الجوهري ربما: زجّ الإسلام كثقافة، والمسلمين كاجتماع بشري، في سيرورة باطلٍ كاذبة وشائنة.

ثمة تضامن محقّ، مشرّف وقد يكون واجباً، مع حقوق الكرد السياسية والمدنية والإنسانية والثقافية، التي دأبت معظم أنظمة الحكم في سوريا الحديثة على انتهاكها؛ ولكن ليس من مصلحة الكرد أن يكون في عداده ثنائية بذيئة مثل هذه: تمجيد «قسد»/ تأثيم «حماس».

القدس العربي

——————————————-

الجزيرة السورية بين التحوّل السياسي وإعادة تعريف المسألة الاجتماعية/ محمود خلف الديري

31 يناير 2026

مع دخول القوات الحكومية إلى معظم مناطق الجزيرة السورية وبسط السيطرة على الجزء الأكبر من جغرافيتها، تبدو البلاد عموماً، والشرق السوري خصوصاً، أمام مرحلة جديدة عنوانها الأبرز التهدئة وإعادة ترتيب الأولويات. هذا التحوّل لا يمكن قراءته في إطاره العسكري أو الأمني فحسب، بل يتجاوز ذلك ليطاول البنية الاجتماعية والاقتصادية لمنطقة شكّلت، لعقود، أحد أعمدة الثروة الوطنية، وفي الوقت نفسه إحدى أكثر المناطق تهميشاً.

الجزيرة السورية، بما تحمله من ثقل زراعي ونفطي وبشري، لم تكن يوماً هامشاً جغرافياً، لكنها حُوِّلت إلى هامش سياسي وخدمي طوال سنوات طويلة. فعلى الرغم من وفرة الموارد الطبيعية وتنوّعها، ظلّ سكان المنطقة يعانون من ضعف البنية التحتية، وتدنّي مستوى الخدمات الأساسية، وغياب خطط تنموية حقيقية، ممّا ولّد فجوة عميقة بين ما تنتجه المنطقة وما يعود على أهلها من عائدات وفُرص.

اليوم، ومع استعادة الحكومة السيطرة شبه الكاملة على الموارد الاستراتيجية في المنطقة، بما في ذلك حقول النفط والغاز والمرافق الحيوية، تبرز فرصة نادرة لإعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والجزيرة السورية، ليس من زاوية الإدارة فحسب، بل من منظور العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة. فالتحكّم بالموارد لا يكتمل أثره ما لم يُترجم إلى سياسات عامة تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه الغاية الأولى لأيّ استقرار مُستدام.

مخيم الهول: اختبار أخلاقي للدولة والمجتمع

تُعدّ السيطرة على مخيم الهول محطة مفصلية في هذا السياق. فالمخيّم، الذي شكّل لسنوات واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في المنطقة، كان مرآة لفشل جماعي: محلي ودولي. آلاف النساء والأطفال عاشوا في ظروف قاسية، وسط غياب شبه كامل للحلول، وتحويل المُخيّم إلى مساحة خارج الزمن والقانون.

إنّ التعاطي مع ملف مخيّم الهول اليوم يضع السلطات أمام اختبار أخلاقي وإنساني حقيقي. فنجاح أيّ مسار تهدئة أو استقرار لا يُقاس بإنهاء الفوضى الأمنية فحسب، بل بقدرة الدولة على تفكيك المأساة الإنسانية، وإعادة إدماج الضحايا في المجتمع، خصوصاً الأطفال الذين لم يعرفوا من الحياة سوى الأسلاك الشائكة والخوف والحرمان.

ولا يمكن فصل مأساة المخيّم عن مأساة السجون، حيث يقبع آلاف المُعتقلين في ظروف غامضة، بينما خرجت قصص عن أطفال خرجوا من داخل السجن. هذه الوقائع ليست مجرّد ملفات أمنية، بل جروح اجتماعية مفتوحة، ستظلّ تنزف ما لم تُعالَج بمقاربات قانونية وإنسانية شفافة.

التهميش المزمن وغياب العقد الاجتماعي

عانى سكان الجزيرة السورية، بمختلف مكوّناتهم القومية والدينية، من تهميش مزدوّج: تهميش اقتصادي ناتج عن غياب الاستثمار الحقيقي في الإنسان، وتهميش سياسي قائم على ضعف التمثيل والمشاركة في صنع القرار. هذا الواقع ساهم في هشاشة النسيج الاجتماعي، وفتح الباب أمام صراعات وهُويّات فرعية، كثيراً ما استُخدمت كبدائل قسرية عن هُويّة وطنية جامعة.

إنّ إعادة بسط السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة استعادة الثقة. فالثقة تُبنى عبر سياسات طويلة الأمد تُعالج اختلالات الماضي، وتعيد صياغة عقد اجتماعي جديد، قوامه المواطنة المتساوية، وتكافؤ الفرص، والاعتراف بتنوّع الجزيرة السورية بوصفه عنصر قوّة لا تهديداً.

البعد الاجتماعي: مفتاح الاستقرار الحقيقي

الجزيرة السورية ليست مجرّد خريطة موارد، بل فضاء اجتماعي شديد التعقيد، تتداخل فيه العشائر، والقوميات، والذاكرة التاريخية، وأنماط العيش الريفية والحضرية. أيّ مقاربة تتجاهل هذا البعد الاجتماعي محكوم عليها بالفشل، مهما بدت ناجحة أمنياً في المدى القصير.

من هنا، تبرز أهمية السياسات التي تعطي أولوية لإعادة الخدمات الأساسية، والتعليم، والرعاية الصحية، وخلق فرص العمل، بوصفها أدوات لإعادة دمج المجتمع بنفسه أولاً، ثم بالدولة. فالاستقرار لا يُفرض بالقوّة، بل يُصان حين يشعر المواطن بأنّ الدولة حاضرة في حياته اليومية، لا في أوقات الأزمات فحسب.

تقف الجزيرة السورية اليوم عند مفترق طرق تاريخي، فإمّا أن تكون المرحلة الجديدة امتداداً لأنماط إدارة قديمة أثبتت فشلها، أو أن تشكّل بداية لمسار مختلف، يعيد الاعتبار للإنسان، ويحوّل الثروة من عبء صراع إلى رافعة استقرار. إنّ نجاح هذا التحوّل مرهون بقدرة الدولة على الإصغاء، والمراجعة، وتحويل السيطرة إلى مسؤولية، والموارد إلى تنمية، والتهدئة إلى سلام اجتماعي حقيقي.

العربي الجديد

————————————————

من صفحة Kurdê Bedro

إذا كانت هذه الأنفاق للمقاومة، فلماذا لم تفتح يوما عندما كان الكورد بحاجة إليها؟

الأنفاق التي لم تحفر لحماية الكورد… بل لإبقائهم بلا حماية، الأنفاق التي انتشرت في غربي كوردستان وامتداداتها نحو شنگال والرقة ودير الزور لا يمكن قراءتها كتحصينات دفاعية بريئة، بل كجزء من هندسة إقليمية محسوبة. من يحفر بنية تحتية سرية بهذا الحجم، على مدى سنوات، ثم ينسحب فجأة تاركا عشرات المليارات خلفه عند أول مباغتة، لم يكن يستعد لتحرير ولا لصمود، بل لإدارة أرض وفق تعليمات لا علاقة لها بمصير أهلها. المقاومة التي لا تستخدم أدواتها ساعة الخطر ليست مقاومة، بل اداة وظيفية مؤجلة.

قبل اجتياح داعش لشنگال كانت المعلومات الاستخباراتية واضحة، وحكومة إقليم كوردستان حاولت التحصن بخنادق لعرقلة الهجوم. لكن ما تلا ذلك كشف أن المشهد كان أوسع من مجرد تقصير. المالكي، ضمن حسابات إيرانية معروفة، سهل الطريق لداعش، لا فقط لضرب الكورد الإيزيديين، بل لإعادة هندسة السيطرة وسحب شنگال من يد الإقليم ووضعها بيد أذرع قنديل والحشد الشعبي المرتبط بإيران، في قلب مشروع الهلال الشيعي. الدم هنا لم يكن نتيجة فوضى، بل ثمنا لمخطط مدروس.

في تلك اللحظة، لم تتجه ماكينة قنديل نحو داعش، بل نحو الداخل الكوردي. حرك الشارع في غربي كوردستان باتجاه حدود الإقليم، لا دفاعا عن شنگال، بل بشعارات تخوين واتهامات فارغة ضد الخنادق، وادعاءات عن “تقسيم كوردستان”. لم يكن الخوف على الوحدة، بل الخوف من أن تكشف الخنادق الدفاعية التي كانت تحفر آنذاك ما تحت الأرض، شبكة أنفاق متشعبة بهندسة متاهات، لم تحفر لحماية الناس، بل لتبقى مخفية، لأن ظهورها كان سيسقط الرواية كاملة.

وحتى على المستوى الاقتصادي، لم يكن الشعب شريكا في هذا المشروع. أعمال الحفر أنجزت بعقلية ملف أمني مغلق، وبأيد من خارج المنطقة، ما يؤكد أن الأنفاق لم تكن يوما مشروعا محليا ولا موردا لأهله، بل بنية فرضت عليهم دون قرارهم، ودون أن تعود عليهم إلا بالخطر.

وعندما نربط ذلك بانقسام پ ك ك بعد اعتقال أوجلان، تتضح الصورة أكثر. تيار أوجلان تحول إلى واجهة رمزية تدار استخباراتيا، رمز معطل تستخدم صورته وشعاراته لإخضاع القواعد لا أكثر. منذ تلك اللحظة انقسم التنظيم بصمت، أوجلان كأداة تركية استخباراتية بلا فعل ميداني، مقابل تيار قنديل كأداة إيرانية عملياتية تمسك بالسلاح والقرار والمال ميدانيا. هذا التيار لم يستخدم الأنفاق لحماية الكورد، ولم يفتحها ساعة الخطر، ولم يفجرها بوجه العدو، بل أبقاها حيث هي لتؤدي وظيفتها الحقيقية، خدمة توازنات المحور، لا سلامة الناس.

هنا يصبح تشابه هذه الأنفاق مع أنفاق حماس مفهوما،  ليس صدفة، بل انعكاسا لعقيدة إيرانية واحدة،  حفر عميق، تشعيب ذكي، وبصمة حرارية منخفضة، والعمل بعيدا عن الرادار الأميركي–الإسرائيلي. ليس بهدف الدفاع عن السكان، بل لبناء أوراق ضغط صامتة تستخدم أو تترك حسب مصلحة المحور. لذلك لم تستخدم الأنفاق لحماية الكورد، ولم تفتح لإخلاء المدنيين، ولم تفجر بوجه المهاجمين. بقيت كما هي، وكأنها لم تحفر لأجلهم أصلا.

الأخطر من هذه الأنفاق، التي ساهمت في إضعاف الكورد لا حمايتهم، هو ما سمي بـ“معركة الخنادق”. خنادق حفرت في ستة عشر مدينة وبلدة في شمال كوردستان، دفع خلالها الشباب إلى معارك خاسرة بقرار من قنديل، وأسهمت عمليا في عودة الدولة العميقة عبر تحالف AKP–MHP. وفي الوقت نفسه كانت الجغرافيا الكردية في سوريا تفرغ من أي إمكانية لمشروع وطني مستقل، عبر تبادل أدوار بين النظام السوري وپ ك ك/پ ي د، فيما أمسكت إيران بالخيوط. النتيجة واحدة: شعب بلا أدوات ساعة الخطر.

في المحصلة، الأنفاق لم تحفر لحماية أهلها، ولم تستعمل ضد أعدائهم، بل بقيت أداة صامتة لتقوية مشاريع لا ترى في الكورد إلا جغرافيا، وفي دمهم إلا تكلفة جانبية. ما جرى ليس فشلا عسكريا، بل خيانة منظّمة، سياسة باردة، واستغلال كامل لشعب ترك أعزلا أمام الخطر. الأنفاق التي لم تحم أهلها شهادة واضحة على أن هذا المشروع لم يكن يوما مشروع شعب، بل مشروع نفوذ إقليمي، ودفع ثمنه من دماء أبناء الكورد وأرضهم.

وحين يمنع الشعب من القرار، ويستبعد حتى من العمل في مشروع يقام على أرضه، ثم يطلب منه أن يصدق أن ذلك “مقاومة”، فهذه ليست خديعة عابرة، بل استغفال منظم. ما جرى خيار سياسي واع، وعن سبق إصرار وتصميم، هدفه تفريغ غربي كوردستان من أهلها، وترسيخ واقع يبقي الكورد تابعين لا أصحاب قضية.

الأنفاق التي لا تحمي أهلها ليست مجرد حفر تحت الأرض، بل شهادة إدانة فوقها. ومن لا يرى ذلك اليوم، سيدفع ثمنه غدا من نفس الأرض، وبنفس الدم.

————————————-

 قبيل دخول الأمن السوري.. “قسد” تفرض حظر تجوال في الحسكة

2026.02.01

فرضت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، حظر تجوال في مدينة الحسكة، اعتباراً من يوم غد الإثنين، وذلك بالتزامن مع بدء تنفيذ الاتفاق المبرم بينها وبين الحكومة السورية.

وأفادت صحيفة “الثورة السورية”، نقلاً عن مصادر محلية، بأنّ حظر التجوال يهدف إلى منع المواطنين من استقبال قوات الأمن السورية، التي يُفترض أن تدخل إلى المدينة غداً، في إطار الاتفاق الموقع بين الجانبين.

وأمس السبت، أفادت مصادر رسمية ومحلية بأن عناصر من “قسد” استهدفوا مدنيين خلال محاولتهم الخروج من مناطق تحاصرها “قسد” في منطقة عين العرب (كوباني) شمال شرقي حلب.

تأتي هذه التطورات، في وقت أعلنت فيه الحكومة السورية، بدء تنفيذ اتفاق “نهائي شامل” مع “قسد”، يتضمن وقفاً لإطلاق النار، وبدء خطوات دمج متسلسلة للقوات العسكرية والأمنية والإدارية في شمال شرقي سوريا.

“دمج أمني وعسكري على مراحل”

وبحسب مصادر حكومية، يشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، تمهيداً لبدء عملية دمج القوات الأمنية وتعزيز الاستقرار.

اقرأ أيضاً

قال مدير الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية محمد طاه أحمد، إن الاتفاق المعلن بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يأتي استكمالًا للخطوات التي تم وضعها في اتفاق 10 آذار، مشيرا إلى أن هناك بعض الاختلافات في بعض البنود بين الاتفاقين.

“الخارجية السورية”: الاتفاق مع قسد استكمال لاتفاق 10 آذار وسينفذ على أربع مراحل

وأشار مصدر مسؤول في الحكومة السورية، في تصريحات نقلتها وكالة “رويترز”، إلى أن الاتفاق يشمل أيضاً دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم، مؤكّداً أن الاتفاق “نهائي”، وسيبدأ تنفيذه فوراً.

———–

قائد الأمن الداخلي في حلب: نبدأ تجهيز قواتنا للدخول إلى عين العرب وتطبيق الاتفاق مع تنظيم “قسد”/ جودي يوسف

01/02/2026

أكد قائد الأمن الداخلي في حلب، العقيد محمد عبد الغني، اليوم الأحد، 1 شباط، في تصريحات خاصة لـ”صحيفة الثورة السورية”، أن العمل جارٍ على تنفيذ بنود الاتفاق المبرم بين الدولة السورية وتنظيم “قسد”، في منطقة عين العرب، مشددًا على، أن التأخير في التطبيق ينعكس سلبًا على المشهد العام، في وقت يجري فيه التسابق مع الزمن للانتقال إلى مرحلة التنفيذ العملي.

وقال العقيد عبد الغني: “خرجنا منذ قليل من مركز مدينة عين العرب، والتقينا المعنيين بشق الأمن الداخلي، وبدأنا فعليًا اتخاذ خطوات تنفيذية لتطبيق بنود الاتفاق المبرم مع الدولة السورية، ونحن نسابق الزمن في هذا الإطار، وكل ما فيه خير لكل السوريين نسعى لتحقيقه بكل طاقتنا”.

وحول التوقيت الزمني لآلية الدخول، أوضح عبد الغني، أن الأمر مرتبط بجوانب فنية بحتة، قائلاً: “لا يوجد توقيت زمني محدد حتى الآن، فالدخول مرتبط ببعض الجزئيات الفنية ويحتاج إلى ترتيبات، وقد طلبنا الاستعجال للبدء بخطوات عملية على الأرض”.

وفي رده على تساؤلات حول مضمون الاتفاق، أكد قائد الأمن الداخلي أن الاتفاق واضح من حيث المبدأ، مضيفًا: “الجميع سيعمل تحت كنف الدولة السورية، وهذا هو الحال الطبيعي في جميع الدول، وكل السوريين يعملون ضمن مؤسسات دولتهم”.

وشدد العقيد عبد الغني على، أن التأخير في تنفيذ الاتفاق مع تنظيم “قسد” يؤثر سلبًا، لكنه أشار في الوقت ذاته، إلى وجود تجاوب من القائمين على هذا الملف، موضحًا: “وجدنا تجاوبًا بخصوص الاتفاق، إلا أن هذا التجاوب لا يكفي أن يبقى ضمن إطار المباحثات فقط، بل يجب أن يُترجم إلى خطوات سريعة على الأرض ضمن المهلة الزمنية المحددة”.

وأضاف أن قوات وزارة الداخلية ستبدأ بتجهيز عناصرها للدخول إلى مدينة عين العرب، مؤكدًا أن تنظيم أوضاع العاملين حاليًا في عين العرب سيكون ضمن إطار مؤسسات الدولة السورية، وقال: “سيتم تنظيم أمور العاملين حاليًا في عين العرب، والجميع سيعمل تحت ظل الدولة السورية، والضامن للسوريين ولتطبيق الاتفاق هو الدولة السورية نفسها”.

وأشار قائد الأمن الداخلي في حلب إلى، أن منطقة عين العرب ونواحيها تُعد جزءًا لا يتجزأ من محافظة حلب، شأنها شأن باقي المناطق والمحافظات السورية، مؤكدًا أن، العمل الجاري يهدف إلى تثبيت الاستقرار وإعادة انتظام مؤسسات الدولة.

وفي السياق ذاته، كشف العقيد عبد الغني عن لقاءات جرت مع قوات الأسايش في عين العرب، موضحًا: “التقينا بقوات الأسايش لترتيب شؤونهم وبدء دخول قوات وزارة الداخلية إلى المنطقة، وسنبدأ تجهيز قواتنا للدخول إلى ناحية عين العرب”.

وأكد أن العمل يتم بجدية كاملة لتنفيذ الاتفاق بحذافيره، مضيفًا: “عملنا مبني على الجدية في تطبيق الاتفاق والسعي لتنفيذه كاملًا، وقد لمسنا فرحة السوريين مع انتهاء الحروب واستقرار الدولة”.

وختم قائد الأمن الداخلي تصريحاته بالتأكيد على، أن المرحلة المقبلة ستشهد تنظيم نظام عمل داخلي في عين العرب، وفق معايير موحدة تنطبق على الجميع، قائلاً: “نطمئن الجميع أن سوريا تتجه نحو الاستقرار والتنمية قريبًا جدًا، وسيكون في عين العرب نظام عمل داخلي ومعايير واحدة تُطبق على الجميع دون استثناء”.

——————-

وقفة احتجاجية لأبناء قرى في تل أبيض تنديداً بانتهاكات قسد

شباط 1, 2026

نفّذ أبناء من قرى المبعوجة والمختارة وكجل عبيد والصفيان الواقعة في منطقة تل أبيض شمالي الرقة، وقفةً احتجاجية في مدينة الرقة، تنديداً بالانتهاكات التي ترتكبها قوات قسد بحق المدنيين في مناطقهم.

وحسب ما أفاد مراسل الإخبارية، الأحد 1 شباط، فإن المشاركين طالبوا الدولة بفتح ممر إنساني يتيح خروج المدنيين إلى المناطق الآمنة الواقعة تحت سيطرتها.

ووثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في وقت سابق، مقتل ما لا يقل عن 22 مدنياً؛ بينهم 3 أطفال على يد قسد، خلال التصعيد العسكري الواسع الذي شهدته محافظة الرقة بتاريخ 18 كانون الثاني الحالي.

وأكدت الشبكة، في تقرير نشرته على موقعها الجمعة 23 كانون الثاني، أن جميع الضحايا الموثقين لم يشاركوا في الاشتباكات التي شهدتها المحافظة ضد مواقع قسد في عدد من قرى وبلدات المحافظة وأحياء مدينة الرقة.

وأشار التقرير إلى أن أنماط القتل التي استهدفت المدنيين توزعت بين عمليات القنص التي أودت بحياة 12 مدنياً، وإطلاق النار المباشر الذي قتل 5 مدنيين بينهم طفل، والقصف الأرضي لمناطق سكنية أودى بحياة طفلين، إضافةً إلى الاستهداف بطيران مسيّر انتحاري قتل مدنيين.

وشهدت محافظة الرقة، وفق ذات التقرير، تحركات لأبناء المنطقة ضد قسد تمكن خلالها أبناء المنطقة من السيطرة على مناطق متعددة، فيما أقدمت قسد على تفجير جسور رئيسية عند مداخل المدينة، وتنفيذ عمليات قنص واستهداف مباشر للمدنيين.

المصدر: الإخبارية

———————–

قسد” طرحت 10 أسماء لمناصب حكومية/ عبد الله البشير و سلام حسن

01 فبراير 2026

طرحت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) أسماء عشرة أشخاص من كوادرها لتولي مناصب في الحكومة السورية، وفق ما أكد مصدر مطّلع من “قسد” لـ”العربي الجديد” اليوم الأحد، مشيراً إلى أنها تنتظر موافقات الحكومة النهائية على تعيينهم. وأوضح المصدر أن المرشّح لتولي منصب محافظ الحسكة، شمال شرق سورية، هو نور الدين أحمد المعروف بـ”أبو عمر خانيكا”، لافتاً إلى أن “قسد” طرحت أكثر من 70 اسماً لقادة ألوية وكتائب في الجيش والجهات الأمنية، مبيناً أن الأسماء العشرة التي قدمت مؤخراً لدمشق هي مناصب مساعدين للوزراء ونواباً لقادة الأمن الداخلي، مؤكداً أن الترشيحات في انتظار الموافقة النهائية من الحكومة السورية.

وأكد المصدر أنّ المناصب العشرة التي ستمنح لقسد موزعة بين أربعة مناصب مساعدين للوزراء، تشمل كل من وزراء الخارجية والداخلية والدفاع وإحدى الوزارات المعنية بالشأن الاقتصادي، وأربعة نواب لقادة الأمن العام في كل من مدن الحسكة، والقامشلي، والمالكية، في محافظة الحسكة، ومدينة عين العرب (كوباني) التابعة لمحافظة حلب، بالإضافة إلى نائب قائد الأمن العام في محافظة الحسكة، ومحافظ الحسكة.

وأشار المصدر إلى أن الحكومة السورية وافقت على ترشيح ريدور خليل معاوناً لوزارة الداخلية، وكذلك نور الدين أحمد محافظاً للحسكة، وسيامند عفرين نائباً لمدير الأمن في محافظة الحسكة.

في المقابل، أكد مصدر في وزارة الخارجية السورية لـ”العربي الجديد” أن المحافظ يعيّن رسمياً بعد إجراء دراسة أمنية دقيقة عنه، ومن ثم يصدر مرسوم رئاسي بتعيينه، مشيراً إلى أن كل ترشيحات “قسد” تخضع لدراسات أمنية قبل البت بها وإعلانها.

وينحدر نور الدين أحمد المعروف بـ “أبو عمر خانيكا”، من مدينة القامشلي 1969، وهو حاصل على دبلوم من كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية في جامعة دمشق، وفق وكالة “نورث برس” المقربة من قسد، وعمل مهندساً في مديرية الاتصالات السلكية واللاسلكية بالحسكة والقامشلي منذ عام 1993 حتى عام 2012.

وبعد فصله من عمله عام 2012 عمل نور الدين أحمد الذي أكد للوكالة موافقة الحكومة السورية على مقترح ترشحه محافظاً للحسكة، ضمن مجالس الإدارة الذاتية، وعمل 2014 مسؤولاً للعلاقات العامة في “قسد” وكان عضواً بالقيادة العامة لها منذ بداية العام. ومن الأسماء التي رشحتها “قسد” ريدور خليل وهو مسؤول مكتب العلاقات العامة لدى “قسد” وكان ناطقاً باسم “وحدات حماية الشعب”.

وتوصلت الحكومة السورية في 18 يناير/ كانون الثاني، إلى اتفاق مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ينص على وقف إطلاق نار شامل وفوري على كل الجبهات ونقاط التماس بالتوازي مع انسحاب كل التشكيلات العسكرية التابعة لـ”قسد” إلى منطقة شرق الفرات واعتبار ذلك خطوة تمهيدية لإعادة الانتشار.

—————————–

قسد” ترشح بدران جيا لمنصب معاون وزير الدفاع/ أحمد العكلة

1 فبراير 2026

كشفت مصادر مطلعة على المفاوضات الجارية بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والحكومة السورية لـ”الترا سوريا”، عن ترشيحات قدّمتها “قسد” لشغل مناصب حكومية وعسكرية، وذلك في إطار المحادثات المتعلقة بدمجها ضمن مؤسسات الدولة.

وبحسب المصادر، التي تحدثت بشرط عدم الكشف عن هويتها، يتصدر قائمة الترشيحات اسم بدران جيا، المعروف باسم “هفال بدران”، كمرشح لمنصب معاون وزير الدفاع في محافظة الحسكة.

من هو بدران جيا؟

ويشغل بدران جيا، المعروف باسم “هفال بدران”، منصب مسؤول السياسات والعلاقات الخارجية ومندوب منظومة المجتمع الكردستاني (KCK) في سوريا، وسبق أن تولى إدارة ملف العلاقات الخارجية في “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد) والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وفق مصادر مطلعة.

وبحسب المصادر، يُعد جيا من الكوادر القيادية داخل “حزب العمال الكردستاني” (PKK)، ويشغل عضوية اللجنة المركزية للحزب في سوريا، وكان قد انضم إلى صفوفه في مراحل مبكرة، وتلقى تدريبًا عسكريًا وعقائديًا في أكاديمية معصوم قورقماز في لبنان، قبل انتقاله لاحقًا إلى إيران ثم إلى قنديل.

وتشير المصادر إلى أن جيا يحظى بدعم مباشر من جميل بايق، أحد قيادات الحزب، ويُنظر إليه كأحد الوجوه السياسية التي تتولى إدارة العلاقات الخارجية للتنظيم، في سياق الفصل بين العملين السياسي والعسكري.

وأشارت المصادر إلى أن ترشيح جيا قد يواجه رفضًا داخل وزارة الدفاع، وذلك على خلفية اشتراط ترشيح شخصيات غير مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، لتجنب أي تداعيات سياسية أو أمنية.

مرشحون آخرون ضمن قائمة الترشيحات المقدّمة

وأضافت المصادر أن الترشيحات شملت أيضًا اسم نورالدين أحمد عيسى لمنصب محافظ الحسكة، وهو الذي شغل سابقًا منصب مدير سجن علايا، إلى جانب ترشيح أحمد جادي، أحد كوادر جهاز الأمن الداخلي “الأسايش”، للمنصب نفسه.

كما ورد اسم سيماند، وهو من كوادر “قسد” في شمال شرق سوريا، كمرشح لمنصب حكومي آخر، حيث تولى سابقًا مسؤوليات عسكرية وأمنية، من بينها قيادة “الأسايش” في المنطقة، ولا يزال يشغل هذا المنصب حتى الآن، بحسب المصادر.

وتأتي هذه الترشيحات في سياق الاتفاقات الأخيرة المتعلقة بدمج “قسد” ضمن الجيش السوري، والتي أُعلن عنها مؤخرًا، وتشمل إعادة انتشار القوات وسحبها من خطوط التماس، مقابل نشر قوات حكومية في عدد من المدن، بينها الحسكة والقامشلي.

وأكدت المصادر أن هذه الترشيحات لا تزال قيد النقاش، ولم يُتخذ قرار نهائي بشأنها حتى الآن، في ظل تباين المواقف داخل المؤسسات الرسمية، لا سيما فيما يتعلق بالأسماء المطروحة للمناصب السيادية والعسكرية. ولم يصدر تعليق رسمي من وزارة الدفاع أو من “قسد” حول هذه الترشيحات حتى لحظة إعداد هذا الخبر.

اتفاق شامل بين الحكومة و”قسد”

وكانت الحكومة و”قسد” قد أعلنا، الجمعة، التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار وبداية عملية دمج القوات العسكرية والإدارية التابعة لـ”الإدارة الذاتية” في مؤسسات الدولة، بهدف توحيد الأراضي وإنفاذ القانون وتعزيز الاستقرار كمدخل لإعادة الإعمار، بحسب ما صرّح به مصدر حكومي لقناة “الإخبارية”.

وقال المصدر إن الاتفاق يُنظم وقفًا لإطلاق النار ويضع إطارًا زمنيًا لعملية دمج متسلسل للقوات العسكرية والإدارية التابعة لـ”الإدارة الذاتية” في مؤسسات الدولة السورية، بهدف توحيد الأراضي وإنفاذ القانون وتعزيز الاستقرار كمدخل لإعادة الإعمار.

وبحسب التفاصيل التي تم الإعلان عنها، يشمل الاتفاق انسحاب القوات الحكومية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي.

كما ينص على تشكيل فرقة عسكرية جديدة تضم ثلاثة ألوية من “قسد”، بالإضافة إلى تشكيل لواء خاص بقوات عين العرب/كوباني، على أن تُدمج هذه التشكيلات ضمن هيكل القوات المسلحة في محافظة حلب.

وفي الجانب الإداري والمدني، يتضمن الاتفاق دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” في هياكل الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين العاملين فيها ضمن الجهاز الإداري للدولة. كما تم الاتفاق على تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية.

من جهته، أصدر المركز الإعلامي لـ”قسد” بيانًا أكد فيه التفاصيل ذاتها، مشيرًا إلى أن الاتفاق يهدف إلى توحيد البلاد وتحقيق الدمج الكامل في المنطقة عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد.

الترا سوريا

————————-

نور الدين أحمد: دمشق وافقت على مقترح ترشيحي لمنصب محافظ الحسكة

1 فبراير 2026

أعلن نور الدين أحمد، مرشح “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لمنصب محافظ الحسكة، اليوم الأحد، أن الحكومة السورية وافقت على مقترح ترشيحه للمنصب.

وقال أحمد، في تصريح لوكالة “نورث برس”، إنه من المقرر أن يزور العاصمة دمشق خلال اليومين المقبلين، برفقة وفد سياسي من “قسد”، دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول برنامج الزيارة أو جدول المباحثات المرتقبة.

وجاء إعلان أحمد عقب كشف مصادر مطلعة على المفاوضات الجارية بين “قوات سوريا الديمقراطية” والحكومة السورية لـ”الترا سوريا”، عن أسماء المرشحين الذين قدمتهم قسد لمنصبي معاون وزير الدفاع ومحافظ الحسكة.

وبحسب المصادر، التي تحدثت بشرط عدم الكشف عن هويتها، يتصدر قائمة الترشيحات اسم بدران جيا، المعروف باسم “هفال بدران”، كمرشح لمنصب معاون وزير الدفاع في محافظة الحسكة.

ويشغل بدران جيا منصب مسؤول السياسات والعلاقات الخارجية ومندوب منظومة المجتمع الكردستاني (KCK) في سوريا، وسبق أن تولى إدارة ملف العلاقات الخارجية في “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد) و”الإدارة الذاتية” لشمال وشرق سوريا، وفق مصادر مطلعة.

وأشارت المصادر إلى أن ترشيح جيا قد يواجه رفضًا داخل وزارة الدفاع، وذلك على خلفية اشتراط ترشيح شخصيات غير مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، لتجنب أي تداعيات سياسية أو أمنية.

وأضافت المصادر أن الترشيحات شملت أيضًا اسم نور الدين أحمد لمنصب محافظ الحسكة، وهو الذي شغل سابقًا منصب مدير سجن علايا، إلى جانب ترشيح أحمد جادي، أحد كوادر جهاز الأمن الداخلي “الأسايش”، للمنصب نفسه.

كما ورد اسم سيامند، وهو من كوادر “قسد” في شمال شرق سوريا، كمرشح لمنصب حكومي آخر، حيث تولى سابقًا مسؤوليات عسكرية وأمنية، من بينها قيادة “الأسايش” في المنطقة، ولا يزال يشغل هذا المنصب حتى الآن، بحسب المصادر.

———————–

==================

تحديث 31 كانون الثاني 2026

—————————–

لن نطلق رصاصة واحدة لأجلكم”… كيف دفعت واشنطن “قسد” إلى أحضان دمشق في أسبوعين؟/ إبراهيم حميدي

“المجلة” تنشر تفاصيل المفاوضات ومسودة اتفاق الدمج… والتعديلات الدستورية

31 يناير 2026

بعد جولة مفاوضات مكثفة أجراها قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي في دمشق، ومواكبة أميركية، أُعلن يوم الجمعة 30 يناير/كانون الثاني، عن “اتفاق شامل” بين “قسد” والحكومة، كان بمثابة خطة تنفيذية لاتفاق 18 يناير، قضى بتثبيت وقف النار و”دمج متسلسل” لقوات “قسد” و”الإدارة الذاتية”، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي لضمان انتشار الشرطة المحلية، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد” ولواء إضافي في عين العرب (كوباني) لحلب، إضافة إلى انسحاب القوات العسكرية من “نقاط التماس”.

ويحل الاتفاق بدل مسودات مقترحات سابقة لتشكيل ثلاث فرق ولواءين مستقلين من “قسد” ولامركزية لـ”الإدارة الذاتية”.

وحسب قول مسؤول مطلع على المفاوضات لـ”المجلة”، ستتم عملية الدمج بداية فبراير/شباط ضمن مراحل تستمر نحو شهرين كحد أقصى، وتشمل إعادة هيكلة وتشكيل ثلاثة ألوية لتصبح فرقة تضم نحو 16 ألف مقاتل من مقاتلي “وحدات حماية الشعب” الكردية الذين كانوا ضمن “قسد” قبل خروج عدد كبير من المقاتلين العرب منها، وتشكيل لواء من نحو 6 آلاف مقاتل في عين العرب (كوباني)، إضافة إلى انتشار الشرطة في المناطق ذات الغالبية الكردية.

وتشمل المرحلة الثانية من الاتفاق على المناصب الرئيسة مثل محافظ الحسكة ومساعد وزير الدفاع ونواب مديري الأمن في هذه المناطق، قبل أن ينتقل الطرفان لدمج القسم الإداري بحيث تعود مؤسسات الدولة الرئيسة إلى العمل، مع عودة المعابر الحدودية والثروات الاستراتيجية مثل حقلي الرميلان والسويدية إلى سلطة الحكومة.

يعني الاتفاق عمليا انتشار الجيش خارج مراكز المدن لمسافة بين 5 و10 كلم، وبقاء قوات الأمن المحلية في مدن ومناطق ذات غالبية كردية. كما نص الاتفاق على “تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي”، والعمل على ترجمة المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 16 يناير/كانون الثاني، في شأن الحقوق الكردية، ضمن مؤسسات ووثائق الدولة.

وبمجرد إعلان الاتفاق من دمشق و”قسد”، رحب به المبعوث الأميركي توم باراك الذي واكب المفاوضات منذ توقيع اتفاق 10 مارس/آذار بين الشرع وعبدي، واعتبر البيان “محطة عميقة وتاريخية في مسيرة سوريا”.

وخلال أقل من أسبوعين في شهر يناير، انتقلت المفاوضات من “الإدارة الذاتية” إلى ترتيبات محلية، من تعديلات الدستور السوري إلى حقوق الأكراد في مناطق محلية، ومن “المشاركة” في صوغ مستقبل سوريا إلى البحث في مستقبل الحسكة والقامشلي، ومن القضايا الكبيرة إلى التفاصيل الصغيرة. ولشرح حجم التغيير في مطالب وأهداف “قسد”، سوف أنشر  في نهاية المقال، مضمون وثيقتين: الأولى، مسودة خطة لدمج “قسد” في الجيش السوري قدمت في 4 يناير. والثانية، مسودة تعديلات اقترحت “قسد” إدخالها إلى الإعلان الدستوري السوري، الذي أعلنه الرئيس أحمد الشرع في منتصف مارس/آذار الماضي.

اتفاق 10 مارس… شراء الوقت

بعد توقيع الاتفاق بين الشرع وعبدي في 10 مارس الماضي، لـدمج مؤسسات “قسد” في الدولة السورية، عُقدت سلسلة من اللقاءات العلنية والسرية لتطبيق الاتفاق، واكبت المفاوضات بين الحكومة السورية وقيادة “قسد” منذ سقوط النظام في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى 4 يناير/كانون الثاني 2026 وصولا إلى 30 يناير. وكانت الجولات العلنية والاتصالات السرية بين “قسد” ودمشق والسلطات التركية بحضور أميركي غالبا وفرنسي أحيانا.

مرت هذه المفاوضات بجولات متقلبة. لحظات دافئة وهبات ساخنة. دعوات طعام وإلغاء لدعوات غداء كانت مقررة. جلسات طويلة وانسحابات مفاجئة. استخدام ألقاب رسمية أو التخاطب دون ألقاب. رعاية أميركية وغضب أميركي. حضور بارّاك الجلسات وانسحابه من بعضها، كما حصل في يوليو/تموز عندما “اضطر” باراك للقاء عبدي في العاصمة الاردنية لاضطراره للانسحاب من جلسة سابقة عقدت في دمشق.

كل ذلك كان تجليات لجوهر الخلاف: “قسد” تريد “المشاركة في صوغ مستقبل سوريا، ودمشق ترفض التشاركية والمحاصصة وتقترح الاندماج في الدولة الجديدة وفق أولويات القيادة الجديدة”، حسب توصيف مسؤول واكب المفاوضات في جميع مراحلها. ويضيف: “قسد تقول طالما أن دمشق تقول إن من يحرر يقرر، فنحن حررنا وساهمنا في التحرير ويجب أن نساهم في القرار. أما دمشق، فترى أن قيادة قنديل (حزب العمال الكردستاني) خطفت قرار (قسد)، و(قسد) خطفت قرار الأكراد وهي كانت حليفة لنظام الأسد في السنوات السابقة ولديها نحو 7 آلاف من عناصر النظام السابق. ومع سقوط النظام وقيام دولة بعلاقات عربية ودولية، فإن مبرر وجود (قسد) انتهى”.

واقع الحال، منذ 8 ديسمبر 2024، كانت الحكومة تراهن على الوقت، و”قسد” كانت تراهن على الوقت. دمشق ترى أن الوقت لصالحها. فالحكم الجديد فك العزلة عن البلاد ورفع العقوبات وبنى علاقات دولية متنوعة تشمل أميركا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، وإقليمية مع دول وازنة تشمل السعودية وتركيا وقطر والأردن ومصر. كما راهن الحكم الجديد على العلاقة المميزة مع الرئيس دونالد ترمب والقيادتين السعودية والتركية، وأن أميركا ستتخلى عن “قسد” مع تثبيت الحكم السوري الجديد والانضمام إلى التحالف الدولي لقتال “داعش”، أي توجه سوريا غربا.

“قسد”، من جهتها، كانت تراهن على الوقت أيضا. راهنت على أن يفشل الحكم السوري وراهنت على تحالفات مع مكونات سورية تشمل الدروز والعلويين والمسيحيين وبعض السنّة واقتتال بين الفصائل السورية. وراهنت أيضا على المحاسبة على الانتهاكات والمشاكل الاقتصادية. كما راهنت على تحالفات إقليمية تشمل إسرائيل، إضافة إلى التزام أميركي من وزارة الحرب (الدفاع سابقا) الأميركية والوحدات الخاصة. لم تخف قيادة “قسد” ذلك، فاستضافت مؤتمرا لـ”المكونات السورية”، وتحدث بعض مسؤوليها علنا عن تواصل مع تل أبيب.

رهانات خاطئة… وحسم عسكري

التحول في علاقة الشرع مع الخارج حصل في مايو/أيار، عندما استضافت الرياض لقاء بينه وبين الرئيس ترمب. انتقلت العلاقة بين واشنطن ودمشق من الانخراط الشرطي الى الأبواب المفتوحة. بلغت العلاقة ذروتها في يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني عندما استقبل ترمب الشرع في البيت الأبيض، وقرار سوريا الانضمام إلى التحالف الدولي لقتال “داعش”. حسب قول مسؤول: “في هذا اللقاء وعد ترمب الشرع بحل ثلاث قضايا عالقة قبل نهاية 2025: اندماج قسد وكلف باراك بالملف، الغاء قانون قيصر، والعمل مع نتنياهو لتوقيع اتفاق أمني”. وزاد المسؤول: “بعدها أصبح انخراط ادارة ترمب أوضح. انتهى قانون قيصر، وتكثف العمل لحل عقدة قسد وحل عقدة الانسحاب في مفاوضات سوريا واسرائيل”.

بعد لقاء ترمب-الشرع في البيت الأبيض، أصبح انخراط توم باراك واضحا في المفاوضات بموجب تكليف من ترمب. بات يحضر جلسات التفاوض ويقوم فريقه، خصوصا زهرة بل، بنقل الأوراق بين الطرفين. وتلبية لطلب “قسد” بالانتقال من التفاوض الشفوي إلى تبادل الأوراق. بعث عبدي ورقة لتصور “قسد” حول الاندماج في الجيش، يقوم على بقائها مستقلة بثلاث فرق ولواءين. وفي ديسمبر/كانون الأول رد وزير الدفاع اللواء مرهف بوقصرة برسالة خطية حملها دبلوماسي أميركي في 7 ديسمبر، كانت أولى الوثائق الرسمية السورية، فاعتبرها الأميركيون اختراقا كبيرا. وعاد عبدي وبعث ردا خطيا يوم 20 ديسمبر. وعقدت لقاءات موازية بين مدنيين وإداريين لبحث اندماج المؤسسات الأخرى.

وفي وسط “المفاوضات الخطية” وصل وفد تركي رفيع ضم وزيري الخارجية هاكان فيدان والدفاع يشار غولر ورئيس جهاز الاستخبارات العامة إبراهيم كالن إلى دمشق في 22 ديسمبر. وحسب قول دبلوماسي، فإن موقف أنقرة هو  ضد قيام كيان كردي وضد اندماج “قسد” ككتلة وأنه لابد من نزع سلاحها ويجب خروج جميع مقاتلي “حزب العمال الكردستاني” من سوريا.

مع نهاية 2025، حصلت تغيرات في المشهد الاقليمي والدولي. ترمب قامت بعملية خاطفة ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادرور. جهود وتحالفات اقليمية وعربية جديدة لدعم الدولة المركزية واحتكار السلاح ورفض الميليشات والانفصال في اليمن والسودان والصومال.

استؤنفت الاتصالات بين دمشق و “قسد”. اللقاء الحاسم كان يوم 4 يناير ، حيث بحث عبدي بحضور وفده، في لقائه مع وزيري الخارجية أسعد الشيباني والدفاع مرهف بوقصرة ومسؤولين آخرين في “خريطة طريق” مبنية على الأوراق المتبادلة، تضمنت تشكيل ثلاث فرق ولواءين (وحدات المرأة ومكافحة الإرهاب) من “قسد” وعلاقتها مع الجيش، إضافة إلى مناصب مثل “نائب” وزير الدفاع وتعديلات دستورية، ضمن خطة محكمة ينتهي تنفيذها أول أغسطس/آب 2026.

هذا اللقاء، بعد بداية تفاوضية تناولت الخريطة، انهار في نصفه الثاني. واتهمت دمشق “قسد” بالمماطلة والتسويف وشراء الوقت وعدم تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار وخرق اتفاق أول أبريل/نيسان الخاص بأحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد في حلب. وقيل إن تقديرا في دمشق، مفاده أن نافذة الدبلوماسية أغلقت لأنها لم تُستغل، وأنه لا بد من الرد على الخروق و”عدم السماح بترك حلب، عاصمة البلاد الاقتصادية، رهينة لصواريخ قسد”.

وفي 5 يناير عُقدت في باريس جلسة مفاوضات سورية-إسرائيلية بوساطة أميركية بناء على رغبة ترمب وتفاهمه مع نتنياهو في لقائهما في 29 ديسمبر، أسفرت عن تفاهم بتشكيل خلية أمنية لمنع الصدام، حسب بيان أميركي.

ومع بداية 2026 كان الرياح تسير لصالح دمشق ويسير الوقت ضد رهانات “قسد”. فقد نجح الشرع وثبّت حكمه، وفتحت دمشق الأقنية السرية مع “العشائر العربية” لتتخلى عن “قسد” (70 في المئة من نحو 70-100 ألف مقاتل)، وإسرائيل منخرطة في مفاوضات مع دمشق، وأميركا فضلت تحالفها مع دمشق وانضم الرئيس الشرع يوم 10 نوفمبر 2025 إلى التحالف الدولي لقتال “داعش”.

كما حصل في نهاية 2024 عندما قرأ الشرع المشهد السوري والإقليمي والدولي وبدأ هجومه على حلب يوم 27 نوفمبر 2024 لـ”ردع العدوان” فوصل إلى دمشق بعد 11 يوما، فقد قرأ المشهد السوري والإقليمي والدولي وبدأ يوم 6 يناير 2026 بـ “عملية جراحية” لتأمين أحياء حلب فوصلت قواته إلى الحسكة بعد 14 يوما.

تقدمت قوات الجيش السوري إلى شرق حلب وتخوم نهر الفرات فانتفضت “العشائر العربية” في المدن ذات الغالبية العربية ضد “قسد” فخسرت نصف مقاتليها. وكما حصل بعد انطلاق “ردع العدوان”، كانت جميع مؤسسات الحكومة تواكب العملية العسكرية: إدارات الحكومة، جمعيات، إعلام، إضافة إلى مرسوم رئاسي من الشرع يقر حقوق الأكراد في سوريا، ومقابلة إعلامية تفصيلية تشرح موقفه من المفاوضات مع “قسد” والتمييز بينها وبين الأكراد.

“لن نطلق رصاصة واحدة لأجلكم”

بدءا من 6 يناير بدأ المشهد الميداني بالانقلاب. انهيار قوات “قسد” وانسحاب المكون العربي منها في المدن العربية وسرعة تقدم الجيش السوري، كان مفاجأة كبرى. حصل لقاء على عجل في أربيل ضم المبعوث الأميركي توم باراك والزعيم مسعود بارزاني يوم 17 يناير، كان المطروح على الطاولة وثيقة من 12 نقطة تتضمن تنازلات كبيرة وسقف جديد والقبول بتغيير الوضع العسكري الميداني.

فوجئ عبدي وإلهام أحمد، اللذان كانا يراهنان على تدخل إسرائيلي وحماية أميركية، بكلمات توم باراك الذي قال إن واشنطن لن تقبل بـ”مواجهة إسرائيلية-تركية” في شمال شرقي سوريا لأجل “قسد”، بل قال بوضوح ما مفاده إن أميركا “لن تطلق رصاصة واحدة لأجلكم”. في هذا اللقاء وضع عبدي خرائطه على الطاولة وحدد المناطق ذات الغالبية الكردية كـ “خط أحمر”، قائلا إن قواته انسحبت إليها و”سيدافع عنها”.

في اجتماع أربيل وافق عبدي شفويا على الورقة الجديدة وطلب بعض التعديلات، خصوصا ما يتعلق بـ”المناطق ذات الغالبية الكردية”.

بعدها زار مظلوم عبدي دمشق والتقى الشرع، فكان لقاء حادا انتهى دون اتفاق. دمشق رفضت إعطاء مظلوم مهلة خمسة أيام لتنفيذ الاتفاق وتسليم سجون “داعش” (900 في سجن الأقطان، و120 في سجن الشدادي، و20 ألفا من عوائل “داعش” في مخيم الهول وآلاف في سجن الحسكة) وتقديم مرشحين للمناصب.

أرادت دمشق من مظلوم إعلان حل “قسد” انسجاما مع قرارات “يوم النصر” في 29 يناير 2025 التي تضمنت حل جميع المؤسسات المدنية والعسكرية والسياسية التي كانت سائدة قبل سقوط النظام. بمعنى آخر، أن تعود مناطق شمال شرقي سوريا إلى العلاقة مع الدولة كما فعلت إدلب التي كانت تحت ادارة “هيئة تحرير الشام”، فانصهرت بالدولة بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024. وقد رفض مظلوم عبدي وقال إنه قدم أقصى ما يمكن تقديمه وهو التراجع إلى المناطق ذات الغلبية الكردية، واعتبرها “خطا أحمر”.

جراء فشل اجتماع الشرع وعبدي احتدمت المعارك في شرق الفرات ووصل الجيش السوري إلى تخوم الحسكة وتقدمت باتجاه الحدود لقطع خطوط الامداد. وعلى وقع المعارك انسحب الجيش الروسي من مطار القامشلي. وتكثفت اتصالات القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) مع الأطراف لضمان نقل سجناء “داعش” من شمال شرقي سوريا، بينهم 7 آلاف خُطط لنقلهم إلى العراق.

في 18 يناير، أعلنت الرئاسة السورية، من جهتها، اتفاقا مع “قسد”، استنادا إلى الورقة التي بحثت في أربيل، ونص الاتفاق على بنود كثيرة بينها “وقف إطلاق نار شامل وفوري على كل الجبهات”، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بالكامل فوراً، ودمج كل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة السورية لكامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، ودمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ”قسد” ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل “فردي” بعد إجراء التدقيق الأمني، والتزام “قسد” بإخراج كل قيادات وعناصر “حزب العمال الكردستاني” غير السوريين خارج حدود سوريا.

توم باراك: مبررات الشراكة مع “قسد” انتهت

في 20 يناير أصدر توم باراك بيانا أوضح رؤية إدارة ترمب لملف “قسد”، وأكد أن أعظم فرصة متاحة أمام الأكراد هي “الاندماج الكامل” في الدولة الجديدة، وأن مبررات الشراكة الأميركية مع “قسد” لمكافحة “داعش” قد “انتهت صلاحيتها” بعد قيام حكومة مركزية معترف بها، راغبة وقادرة على تولي المسؤوليات الأمنية، وأصبحت عضوا بالتحالف الدولي ضد “داعش”.

الأهم في هذا الموقف أنه رسم حدود المستقبل بوضوح. لا مصلحة أميركية في وجود عسكري طويل الأمد، ولا دعم للانفصال أو الفيدرالية، بل تركيز على تيسير اندماج “قسد”، وتسليم سجون “داعش” والمخيمات والمنشآت الحيوية إلى دمشق. بهذا المعنى، لم يعد الرهان على الغموض الأميركي ممكنا، لأن السقف السياسي بات معلنا وصريحا.

وفي 22 يناير، اجتمع مظلوم مع نيجيرفان بارزاني وتوم باراك في أربيل للبحث في تنفيذ اتفاق 18 ينار. قدم عبدي مقترحات لباراك كي ينقلها إلى الحكومة السورية، بينها مرشحه لتسلم منصبي “مساعد” (بدل نائب) وزير الدفاع السوري، ومحافظ الحسكة، وتشكيل فرقة وثلاثة ألوية (بدل ثلاث فرق)، وتمديد وقف النار في شمال شرقي سوريا، مع عناصر تفصيلية أخرى. ثم زار عبدي دمشق كي يبحث تفاصيل تنفيذ اتفاق 18 يناير، خصوصا ما يتعلق بترتيبات الوضع في المناطق ذات الغالبية الكردية واندماج “قسد” في الجيش السوري “فرادى”.

ومع انتهاء مهلة تنفيذ اتفاق 18 يناير، في 24 يناير، تكثفت الاتصالات لتمديد وقف النار. البعض اقترح شهرا وآخرون اقترحوا أسبوعا، فكان الحل الوسط تمديد الاتفاق لأسبوعين لإعطاء فرصة لتنفيذ بنوده.

في هذه الظروف، عاد الكونغرس الى العمل وتحركت جماعات الضغط الموالية للأكراد، وتحركت في البيت الأبيض ضد توم باراك وضد تقدم الجيش الى المناطق الكردية والحدود.

في 26 يناير، زار مظلوم وإلهام أحمد دمشق، واحتدمت الوساطات. اتصل الرئيس ترمب بالرئيس الشرع في اليوم نفسه، حيث جرى التأكيد على التزام وقف النار والعمل على ترتيبات تنفيذ الاتفاق. ميدانيا، كان الجيش السوري قد التف على “قسد” وقطع خطوط الإمداد في المناطق ذات الغالبية الكردية، فاستنفرت اتصالات عدة باتجاه واشنطن ولوح السيناتور لينسي غراهام بالتحرك لفرض “قانون حماية الأكراد”.

في 27 يناير، على وقع التقدم الميداني نحو “مناطق كردية” وضغوطات في واشنطن، اتصل الرئيس ترمب بالرئيس الشرع بهدف حثه على تثبت وقف النار ووقف العمليات. الشرع قدم “مفاجأة سارة” وأبلغ ترمب بان اتفاقا حصل مع عبدي بما يتضمن وقف النار ووحدة سوريا ومنع عودة “داعش”. عليه، أعلن ترمب ان اتصاله كان “رائعا” مع الشرع.

أعطى اتصال ترمب جرعة إضافية للمفاوضات لأيام تناولت تفاصيل التفاصيل بمواكبة أميركية وفرنسية وتركية. وفي 30 يناير، أعلن عن “اتفاق شامل” بين الحكومة و”قسد” لعملية “دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين”.  ويشمل “انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات أمن تابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي”، اللتين لا تزالان في عهدة “قسد”. ووضع الاتفاق حدّا لآمال الأكراد بالحفاظ على إدارتهم الذاتية.

ونصّ على تشكيل فرقة عسكرية تضمّ ثلاثة ألوية من “قسد” ضمن الجيش السوري في شمال شرق البلاد، إضافة إلى تشكيل لواء آخر لقوات عين العرب (كوباني) التي تحظى بمكانة خاصة لدى أكراد سوريا، ضمن فرقة عسكرية تابعة للقوات الحكومية في حلب شمال سوريا. وأكّدت بنود الاتفاق “دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين”.

ووصف المبعوث الأميركي الاتفاق بأنه “منعطف تاريخي”، قائلا: “من خلال تيسير الدمج المرحلي للهياكل العسكرية والأمنية والإدارية ضمن مؤسسات الدولة الموحدة، مع ضمان إتاحة الفرصة لممثلي (قسد) في المناصب العليا للإسهام الفاعل، يؤكد الاتفاق مبدأ أن قوة سوريا تنبع من احتضان التنوع والاستجابة للتطلعات المشروعة لجميع أبنائها”. وزاد: “بالنسبة للشعب الكردي… إن التطبيق الأخير للمرسوم الرئاسي رقم 13- الذي أعاد الجنسية السورية الكاملة لمن تأثروا سابقًا بإقصاءات تاريخية، واعترف باللغة الكردية لغةً وطنية إلى جانب العربية، وأتاح تعليمها في المناطق المعنية، وكرّس ضمانات الحماية من التمييز- يشكّل خطوة تحوّلية نحو المساواة والانتماء. وتعالج هذه الإجراءات مظالم طويلة الأمد، وتؤكد المكانة الأصيلة للأكراد ضمن الأمة السورية، وتفتح آفاق مشاركتهم الكاملة في صياغة مستقبل آمن ومزدهر وشامل”. ورحب كل من الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون ولندن، بالاتفاق، مؤكدين ‌دعم ⁠ ​تنفيذه.

“المجلة” تنشر مسودة الخطة القديمة  لاندماج “قسد” بالجيش

لإظهار حجم التغيير في القضايا التفاوضية، أضع هنا مسودة ورقة تفاوضية في شأن اندماج “قسد” في الجيش، حصلت عليها “المجلة”، تعود إلى 4 يناير.

دمج الفرق والتشكيلات العسكرية

اتفق الطرفان على أن تقوم “قسد” بدمج ثلاث فرق عسكرية كاملة ولواءين متخصصين (لواء النساء ولواء مكافحة الإرهاب) ضمن وزارة الدفاع، بحيث تستمد هذه الوحدات أوامرها وصلاحيات عملها ورواتبها ودعمها المالي من الوزارة. كما يلتزم جميع أفراد الوحدات التابعة لـ”قسد” بتقديم بياناتهم الشخصية الكاملة إلى وزارة الدفاع لإجراء التدقيق الأمني وإدراجهم رسميا ضمن القوات المسلحة السورية.

وشملت  الخطوات التنفيذية المراحل الآتية:

1- نائب وزير الدفاع

“قسد”: في 15 يناير 2026، ستقدم “قسد” اسم مرشحها لمنصب نائب وزير الدفاع مع كامل معلوماته الشخصية والسيرة الذاتية الخاصة به.

وزارة الدفاع: في 1 فبراير/شباط 2026، ستعلن وزارة الدفاع والحكومة السورية رسميا الموافقة على مرشح “قسد” لهذا المنصب بعد استكمال إجراءات التدقيق الأمني.

2- إجراءات تدقيق القادة:

“قسد”: في 15 يناير 2026، ستقدم “قسد” أسماء المرشحين ومعلوماتهم الشخصية الكاملة لإجراء التدقيق الأمني على المرشحين للمناصب التالية: قادة الفرق، نواب قادة الفرق، وقادة الألوية لتلك الفرق واللواءين المتخصصين.

وزارة الدفاع: في 1 فبراير 2026، ستستكمل وزارة الدفاع إجراءات التدقيق الأمني لجميع قادة الفرق ونوابهم وقادة الألوية، ليتم ضمهم رسميا إلى وزارة الدفاع. وفي هذه المرحلة، سيتم إصدار بطاقات هوية صادرة عن وزارة الدفاع للأعضاء الذين تم تدقيقهم والموافقة عليهم. وسيتم إبلاغ “قسد” بأسماء المرشحين الذين لم تتم الموافقة على ضمهم مع توضيح المبررات، وستبدأ إجراءات استئناف القرار أو سيتم تقديم مرشح جديد. وإذا لم تُصدر وزارة الدفاع إعلانا بحلول 1 فبراير بشأن الموافقة على القادة المرشحين، فسيُعتبر هؤلاء المرشحون مقبولين.

الطرفان: في 1 فبراير 2026، وبمجرد الاعتراف الرسمي بقادة الفرق والألوية المتخصصة كأعضاء في وزارة الدفاع، ستلتزم الفرق والألوية المعنية بالأوامر والمعايير التي يحددها وزير الدفاع. وسترفع وحدات “قسد” العلم الرسمي للجمهورية العربية السورية.

“قسد”: في 1 فبراير 2026، ستتوقف وحدات “قسد” عن القيام بأي نشاط عسكري لا يتوافق مع أوامر وزير الدفاع، ولن تقوم هذه الوحدات وأفرادها بتنفيذ أي عمليات عسكرية أو استعدادات أو أنشطة غير مصرّح بها، وخاصة تلك الموجّهة ضد مكونات الجمهورية العربية السورية أو تركيا.

3- تدقيق الأفراد والإدماج النهائي:

“قسد”: ابتداءً من 15 يناير 2026، ومرة أخرى في 1 و15 فبراير 2026، ستقدم “قسد” قائمة تتضمن 2000 اسم مع بياناتهم الشخصية الكاملة إلى وزارة الدفاع لإجراء التدقيق الأمني وإدراجهم رسميا ضمن القوات المسلحة السورية. واعتبارا من 1 مارس 2026، ستقدم “قسد” 5000 اسم مع بياناتهم الكاملة للتدقيق الأمني. ومن ذلك التاريخ فصاعدًا، ستقوم “قسد” بتقديم 5000 اسم مع بياناتهم الكاملة إلى وزارة الدفاع في اليوم الأول واليوم الخامس عشر من كل شهر حتى يتم تقديم كافة أفراد الفرق والألوية المتخصصة.

وزارة الدفاع: اعتبارا من 1 مارس 2026، وفي اليوم الأول من كل شهر بعد ذلك، ستزوّد وزارة الدفاع “قسد” بقائمة الأفراد الذين تمت الموافقة عليهم بعد تدقيقهم الأمني، ليتم إصدار بطاقات هوية صادرة عن وزارة الدفاع مهلة 30 يوما لتدقيق وإقرار القائمة المقدمة قبل شهرين؛ فعلى سبيل المثال: في 1 مارس 2026، سيكون لدى وزارة الدفاع رد على جميع الأسماء التي قدّمتها “قسد” في شهر يناير. وفي 1 أبريل 2026، سيكون لدى الوزارة رد على جميع الأسماء التي قدّمتها “قسد” في شهر فبراير.

الطرفان: بحلول 31 يوليو 2026، سيكون قد تم استكمال تدقيق جميع فرق وألوية “قسد”، وسيكون جميع الأفراد قد حصلوا على بطاقات هوية صادرة عن وزارة الدفاع.

الطرفان: في 1 أغسطس 2026، يُصار إلى تغيير التسميات والأرقام الرسمية لفرق وألوية “قسد” لتتوافق مع نظام الترقيم والتسميات المعتمد لفرق وألوية الجيش العربي السوري، وذلك وفق سياسات ومعايير وزارة الدفاع.

كما تضمنت خريطة الطريق تفاصيل مشابهة لدمج “حرس الحدود”، وإجراءات لوقف حفر الأنفاق وبناء السواتر الترابية.

مسودة مقترحات دستورية لـ”حقوق الأكراد”… ومرسوم من الشرع

كما ننشر فقرات من وثيقة قدمتها “قسد” بشأن التعديلات في الإعلان الدستوري. دمشق لم تتسلم رسميا هذه الوثيقة، حيث كان الموقف أن تعديل الإعلان الدستوري يتطلب تشكيل مجلس الشعب وقرارات رئاسية.

أهم التعديلات التي يمكن أن نركز عليها في الإعلان الدستوري:

1- تسمية المكونات العرقية للشعب السوري واللغة الرسمية للدولة.

2- ذكر موضوع تعدد مستويات الحكم/اللامركزية

3- برلمان بغرفتين

4- في الديباجة: يجب الإشارة إلى مكونات الشعب السوري وتسمية المكونات العرقية على الأقل مرة واحدة في المقدمة، والإشارة إلى أن التنظيم الإداري في المرحلة الانتقالية سيكون على أساس تعدد مستويات الحكم أو اللامركزية كبديل.

5- في باب الأحكام العامة: تعديل اسم الجمهورية. واللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وتعتبر اللغتان الكردية والسريانية هما اللغتان الرسميتان في مجتمعاتهما المستقلة إلى جانب العربية. أو بصياغة أخرى اللغات العربية والكردية والسريانية هي اللغات الرسمية للدولة.

6- إضافة مادة لباب الأحكام العامة: الكرد شعب أصيل ويعيش على أرضه التاريخية، ويضمن الدستور حقوقه الاجتماعية والسياسية والثقافية في إطار وحدة الدولة السورية. أو الشعب السوري مكوَّن من قوميات متعددة، العرب والكرد والسريان والآشوريين والتركمان، ويضمن الدستور هذا التنوع في إطار وحدة الدولة السورية.

7- في باب نظام الحكم في المرحلة الانتقالية: السلطة التشريعية: يتولى مجلس الشعب ومجلس المحافظات السلطة التشريعية. وإضافة مادة جديدة حول مهام الغرفة الثانية للبرلمان، ونصها: “يضمن مجلس المحافظات مشاركة المناطق اللامركزية في السلطة التشريعية وإدارة الدولة”.

في 16 يناير، وقّع الرئيس الشرع أمام عدسة الكاميرا مرسوما يضمن حقوق “أهلنا الكرد” وخصوصياتهم لتكون مصانة بنص القانون. وتنص المادة الأولى من المرسوم على أن “المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب”. كما فتح باب العودة الآمنة والمشاركة الكاملة في “بناء وطن واحد يتسع لجميع أبنائه”. ودعا الأكراد إلى عدم تصديق “روايات الفتنة”، مخاطبا إياهم بالقول: “ومن يمسكم بسوء فهو خصيمنا”.

وأصدرت وزارتا الداخلية والتعليم تعليمات تنفيذية إزاء تعليم اللغة الكردية في المدارس ومنح الجنسية لعشرات آلاف الأكراد مكتومي القيد. وتريد قيادة “قسد” حاليا التفاوض مع دمشق لإدخال هذا المرسوم في الإعلان الدستوري.

“اتفاق 30 يناير” ليس الأول، بل سبق وأن وُقّعت اتفاقات كثيرة بين دمشق و”قسد”، تعكس الوقائع الميدانية. هل سيكون مصير هذا الاتفاق التنفيذ وتثبيت وقف النار؟ أم إنه اتفاق آخر لشراء الوقت؟

المجلة

————————–

عن انتهاكات “قسد”/ بشير البكر

31 يناير 2026

تفضح الصور والشهادات والتفاصيل التي خرجت من الجزيرة السورية حكم قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، وتطرح أسئلة كثيرة حول شراكتها مع رعاتها ومموليها الأميركيين والأوروبيين، الذين أمدّوها بالمال والسلاح، ووفّروا لها التغطية الدولية، وكان يهمهم محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) فقط، من دون وضع ضوابط قانونية وأخلاقية لإدارة ثلاث محافظات تمثل ثلث سورية. لقد تسبّب التسيب الدولي بقدر كبير من المعاناة لجزء من الشعب السوري، عاش تحت حكم حزب العمال الكردستاني التركي العابر للحدود، ضمن شروطٍ لا تحترم حقوق الإنسان الأساسية في التعليم والصحة والغذاء والماء الصالح للشرب. تشهد كل التفاصيل على أن أهل تلك المناطق عاشوا أكثر من عشرة أعوام أوضاعاً مزرية داخل معتقل كبير من دون أن يلتفت أحد إلى ما لاقوه من تمييز وفقر وانتشار للأمراض. وتفيد إحصاءات رسمية بأن النسبة الأكبر من نزلاء المشافي في دمشق وحلب هم من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور الغنية بالثروات التي جرى نهبها، ولم يتم توظيف ولو جزء يسير منها لصيانة البنية التحتية للصحة، بينما صرفت “قسد” موازناتٍ مهمّة على حفر الأنفاق.

نشرت “قسد” المعتقلات ومخيمات الاحتجاز على كامل مساحة الجزيرة، والتهمة جاهزة، الانتماء إلى تنظيم داعش أو التعاطف معه. لقد تحوّل ثلث مساحة سورية إلى ميدان لصيد الساحرات، وقرابة خمسة ملايين إلى متهمين مطاردين، ما أدّى إلى نزوح عشرات آلاف الشباب، وجرى تكديس آلاف من عوائل “داعش” في مخيم الهول داخل بيئة خطرة، يضاف إلى ذلك ترك أعداد كبيرة من المعتقلين من دون محاكمات. والمسألة التي لا تقل غرابة سجن “قسد” عشرات القاصرين، ممن لا ينتمون لـ”داعش” مع بالغين. ويعني ذلك كله أن الولايات المتحدة وأوروبا تركتا لـ”قسد” حرّية التصرف من دون وضع آلية مشتركة للإشراف والمتابعة، ما أفسح المجال أمامها لأن تتحوّل إلى نظام حكم أقام قانونه الخاص حسب مصالحه ووفق حساباته، مستفيداً من تهمة “الداعشية”.

يحارب حزب العمال الكردستاني تركيا منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، بهدف انتزاع حقوق أكراد تركيا بالسلاح. والنتيجة، بعد حوالي نصف قرن، وقوع آلاف الضحايا من الطرفين، وإلحاق دمار كبير بالقرى الحدودية مع سورية. وفي معركته تحالف مع نظام الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد الذي استخدمه ضد الدولة التركية، ومن ثم تخلى عنه عام 1998 تحت التهديد باجتياح حلب، وطرد زعيمه عبد الله أوجلان، الذي انتهى في سجن جزيرة إيمرلي التركية. ولم يتعظ رفاقه من ذلك الدرس، بل تحالفوا مع الأسد الابن في عام 2011 ضد الثورة السورية، وتحوّل الحزب إلى شرطي ضد العرب والكرد السوريين، واستفاد من الحرب الدولية ضد “داعش”، ليحكم الجزيرة وينهب ثرواتها ويقمع أهلها.

تتعدّى المسؤولية حيال ما تعرض له أهل الجزيرة من اضطهاد ونهب لثرواتهم من “قسد” الأطرافَ الدوليةَ التي كوّنت هذا التنظيم، إلى نظام بشار الأسد، والهيئات التي تصدّرت تمثيل الثورة السورية. لم يتعامل هؤلاء مع الجزيرة بوصفها جزءاً أصيلاً من سورية، وسكتوا عن انتهاكات “قسد” ضد المجتمع المحلي بالجزيرة السورية بنسائه ورجاله وأطفاله، ولم يتحرّكوا ضد قرارها بمنع التعليم بالعربية. ولولا أن المنطقة ليست خزّان ثروات كبيراً، كان يمكن أن يتنازلوا عنها. قلة هم من شعروا بمعاناة أبناء الجزيرة تحت حكم “قسد”. وأجزم، من دون تردّد، بأن الغالبية العظمى من السوريين لا تملك تصوّراً كافيا عن وضع أهلها، ما يستدعي مراجعة شاملة من السلطة الجديدة كي لا تكرّر أخطاء الأنظمة السابقة، والخطوة الأولى أن تغادر عقلية أن الجزيرة آبار نفط وغاز وأهراءات قمح وقطن، وأهلها عشائر من العربان لا تجيد سوى الفزعات.

العربي الجديد

—————————–

هل تفشل التفسيرات المتناقضة اتفاق دمشق وقسد؟

أنهى الاتفاق المعلن بين الحكومة السورية وقوات “قسد” جولة توتر عسكري كانت مرشحة للتوسع شمالي وشرقي البلاد، لكنه في الوقت ذاته نقل مركز الصراع من الميدان إلى السياسة، حيث لا تزال الأسئلة الجوهرية حول شكل الدولة وطبيعة الحكم بلا إجابات حاسمة.

فالترتيبات التي شملت وقف إطلاق النار، ودخول مؤسسات الدولة إلى الحسكة والقامشلي، والانسحاب من نقاط التماس، بدت كأنها تحسم ملف السيطرة على الأرض، لكنها لم تحسم بعد كيفية إدارة ما بعد السلاح، ولا طبيعة العلاقة السياسية بين المركز ومكوناته.

وفي حلقة برنامج “ما وراء الخبر”، اتفق الضيوف على توصيف الاتفاق بوصفه تسوية عسكرية ضرورية، لكنهم اختلفوا عند تفسير دلالاته السياسية، ولم يكن هذا الاختلاف في التفاصيل التقنية، بل في القراءة العميقة لما يؤسس له الاتفاق مستقبلا.

من زاوية دمشق، كما عرضها الكاتب والباحث السياسي حسن الدغيم، يُنظر إلى الاتفاق باعتباره خطوة سيادية تعيد توحيد الجغرافيا السورية، وتُنهي مرحلة استثنائية فرضتها الحرب، وفي هذا السياق، تُفهم ترتيبات الدمج وإعادة الانتشار كإجراءات تنفيذية لا تمس جوهر بنية الدولة.

هذا التصور ينطلق من أولوية استعادة القرار المركزي مع تقديم مرونة مرحلية لاحتواء حساسيات الميدان من دون أن يعني ذلك فتح مسار تفاوضي حول شكل الحكم أو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها.

نهاية للعسكرة فقط

في المقابل، قدّم الكاتب الصحفي شيفان إبراهيم قراءة ترى في الاتفاق نهاية لعسكرة القضية الكردية، لا نهاية للقضية نفسها، فوقف القتال وفق هذا الطرح يمنع الانزلاق إلى مواجهة وجودية، لكنه لا يغني عن معالجة سياسية أوسع تتعلق بالتمثيل وإدارة التنوع.

هذا التباين في المنطلقات انعكس بوضوح في الجدل حول تفاصيل الاتفاق، ولا سيما مسألة دمج قوات “قسد”، فغياب وثيقة منشورة وتعدد الروايات حول طبيعة الدمج، كشفا أن الخلاف لا يتعلق بالتنفيذ فقط بل بتفسير معنى الدمج وحدوده.

إعلان

الباحث الأول في مركز الجزيرة للدراسات الدكتور لقاء مكي أشار إلى أن الاتفاق تضمّن تغيرا لافتا مقارنة بالتفاهمات السابقة، تمثل في القبول بدمج جماعي جزئي ضمن تشكيلات محددة، وهو ما لم يكن مطروحا سابقا لكنه يظل محكوما بسقف الدولة المركزية.

ووفق هذا التحليل، قدّمت دمشق تنازلا محسوبا لإنهاء التنازع على الأرض، وضمان انتقال منضبط من المواجهة إلى الترتيبات الأمنية، فيما تنظر “قسد” إلى هذه الصيغة بوصفها ضمانة انتقالية تمنع التفكيك الكامل قبل اتضاح الأفق السياسي.

مخاوف الدولة و”قسد”

هنا تحديدا تتقاطع المخاوف، فالدولة ترى أن أي نقاش سياسي سابق لأوانه قد يفتح الباب أمام مطالب تتجاوز ما تعتبره خطوطا سيادية، في حين تخشى “قسد” أن تتحول التسوية العسكرية إلى استيعاب أمني بلا شراكة سياسية حقيقية.

ويضاعف من حساسية هذه المرحلة أن ملفات التنفيذ، مثل إعادة انتشار القوات ودمج “الآسايش” في الأجهزة الأمنية وضبط المعابر، ستُدار في بيئة مثقلة بانعدام الثقة، ما يجعل كل خطوة ميدانية محمّلة بدلالات سياسية.

كما أن البعد الإقليمي والدولي، رغم حضوره كعامل تهدئة، لا يبدد هذا الإشكال البنيوي، فالضمانات الخارجية قد تمنع الانفجار السريع لكنها لا تصنع توافقا داخليا حول شكل الدولة أو طبيعة الحكم.

في هذا السياق، يبدو أن الاتفاق أغلق فصلا عسكريا لكنه فتح فصلا أكثر تعقيدا، حيث سيجري اختبار النوايا عبر الممارسة اليومية لا عبر البيانات، وحيث يصبح التنفيذ ذاته ساحة صراع سياسي غير معلن.

المصدر: الجزيرة

————————-

نهاية “اتفاق داعش” بين واشنطن و”قسد”/ حايد حايد

29 يناير 2026

لم تتضح بعد ملامح التسوية بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، لا من ناحية الزمن ولا من ناحية الشروط. لكن المؤكد أن الولايات المتحدة أغلقت فصلا من حربها ضد “داعش”.

على مدى أكثر من عقد ارتكزت قيمة “قوات سوريا الديمقراطية” لدى واشنطن على حقيقة واحدة مفادها أنها القوة الوحيدة المستعدة والقادرة على قتال “داعش” على الأرض، كما تحملت لاحقا عبء احتجاز آلاف من مقاتلي التنظيم ومن يرتبطون به في السجون والمخيمات. وقد منحها هذا الدور نفوذا يفوق وزنها الفعلي، ووضع الولايات المتحدة أمام خيار شبه وحيد يتمثل في استمرار دعمها.

غير أن هذا الترتيب بدأ يتداعى. فما كان يوما أبرز مكاسب “قسد” صار في واشنطن عبئا ثقيلا، ما يحد من نفوذها ويقوّض الأساس الذي حمى استمراريتها.

ففي 20 يناير/كانون الثاني، أعلنت “قوات سوريا الديمقراطية” أنها اضطرت إلى الانسحاب من مخيم الهول الواسع في محافظة الحسكة، وهو مخيم يضم منذ سنوات آلاف العائلات المرتبطة بتنظيم “داعش”، بينها عائلات لمقاتلين أجانب. ويبدو أن هذا الانسحاب، الذي قيل إنه جرى من دون تنسيق مع واشنطن أو دمشق، فتح المجال أمام فرار بعض المحتجزين. وجاء ذلك بعد أيام قليلة من خرق أمني خطير آخر، تمثل في فرار نحو 120 من عناصر “داعش” من منشأة احتجاز في الشدادي.

تجنب مسؤولون أميركيون توجيه اللوم علنا، لكن تصريحاتهم حملت دلالة واضحة: لم تعد المنظومة المعتمدة لتأمين محتجزي “داعش” تبدو جديرة بالثقة. ووراء اللغة الدبلوماسية، برز تراجع ملموس في الثقة بقدرة “قسد” على إدارة هذا الملف.

أضحى هذا التحول أكثر وضوحا في الرسائل الأخيرة الصادرة عن مسؤولين أميركيين كبار. فقد عكست تصريحات المبعوث الخاص للرئيس ترمب، توم باراك، ميلا متزايدا إلى الابتعاد عن “قوات سوريا الديمقراطية” والتعامل مع دمشق بوصفها الشريك الأساسي لواشنطن في منع عودة “داعش”. ولم تعد مفاهيم مثل الاستقرار والسلطة المركزية وتوحيد السيطرة على مرافق الاحتجاز تقدم بوصفها أهدافا سياسية عامة، بل طرحت كمتطلبات ميدانية لا غنى عنها.

وعزّز الرئيس دونالد ترمب هذا التحول بلغته المباشرة المعهودة. فعند حديثه عن واقعة فرار “الشدادي”، قال إنه ساعد على وقف هروب سجناء من “داعش” عبر العمل مع القيادة السورية الجديدة، وتباهى بأنهم أعادوا بسرعة اعتقال مقاتلين أوروبيين فروا من “الشدادي”. وكانت الرسالة السياسية واضحة: وفق رواية ترمب، جرى احتواء الأزمة عبر التنسيق مع دمشق، لا عبر الاعتماد على “قوات سوريا الديمقراطية”.

شكّل ذلك بالنسبة إلى “قوات سوريا الديمقراطية” ضربة استراتيجية. فطوال سنوات مثّل الإشراف على ملف محتجزي “داعش” أقوى أوراق تفاوضها مع واشنطن. لكنّ الخطاب الأميركي يعيد اليوم تصوير هذه الورقة عبئا. وبدلا من أن تبرهن الأحداث الأخيرة أنّه لا غنى عن الاعتماد على “قوات سوريا الديمقراطية”، بات المسؤولون يقدمونها دليلا على أنّ تشتت السلطة يخلق ثغرات ينفذ منها “داعش”.

في المقابل هيأت دمشق لهذه اللحظة منذ وقت مبكر. فقد انضمت الحكومة السورية إلى التحالف الدولي لمكافحة “داعش” وطرحت علنا تولي إدارة السجون والمخيمات، وقدمت تعامل “قوات سوريا الديمقراطية” مع المحتجزين بوصفه محكوما بحسابات سياسية لا باعتبارات أمنية. وفي الآونة الأخيرة مضت أبعد من ذلك، فدعت إلى مثول المشتبه بهم من “داعش” أمام محاكم محلية بدلا من إبقائهم رهن الاحتجاز إلى أجل غير معلوم. ورغم أنّ عددا من الحكومات الغربية يرى هذا الطرح مثيرا للجدل، فإنه يعكس ميلا إلى الانتقال من إدارة أزمة مفتوحة إلى البحث عن مخرج نهائي.

وفي الأيام الأخيرة ترجمت القوات الحكومية السورية هذا الموقف إلى خطوات ميدانية. إذ تعاونت دمشق مع القوات الأميركية على استعادة نحو ثمانين سجينا فروا من منشأة “الشدادي”. وبعد يوم واحد على إعلان “قوات سوريا الديمقراطية” انسحابها من مخيم الهول، انتشرت وحدات أمنية سورية لتأمين المخيم. وتولت قوات حكومية السيطرة على “سجن الأقطان” في محافظة الرقة بموجب اتفاق توسطت فيه الولايات المتحدة.

وإلى جانب هذه الإجراءات، تفيد تقارير بأن واشنطن تتابع ترتيبات لنقل ما يصل إلى سبعة آلاف من محتجزي “داعش” من سجون تديرها “قوات سوريا الديمقراطية” في الحسكة إلى العراق. ويقول مسؤولون أميركيون إن عمليات النقل تركز أولا على العناصر “الأكثر خطورة”، وبينهم عدد كبير من الأجانب بمن فيهم أوروبيون، بهدف تقليص احتمال وقوع عمليات فرار جديدة.

وبينما يظل مستقبل شمال شرق سوريا قيد التفاوض بات اتجاه السياسة الأميركية واضحا. فقد أغلقت واشنطن صفحة من حربها على تنظيم “داعش”، وأغلقت معها مرحلة اعتبرت خلالها “قوات سوريا الديمقراطية” شريكا لا بديل عنه. وما يلوح الآن لا يقتصر على تراجع نفوذ، بل يدل على انتقال إلى واقع سياسي جديد لا تحتفظ فيه “قوات سوريا الديمقراطية” بدور يضمن لها الاستمرار.

المجلة

——————————

هل يكون الاتفاق مع «قسد» نقطة تحول في سوريا؟

أعلنت الحكومة السورية، و”قوات سوريا الديمقراطية”، في وقت متزامن، عن “وقف إطلاق نار شامل” يتضمن تفاهما على دمج القوات التي يقودها الأكراد ضمن القوات الحكومية السورية، وانسحاب القوات العسكرية للطرفين من خطوط التماس، ودخول قوات من “الأمن العام” التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي.

ستقوم القوات الأمنية التي تدخل إلى مركزي المحافظتين الأخيرتين اللتين تسيطر عليهما “قسد”، حسب تصريح لوزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، بتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة.

يتضمن الاتفاق أيضا تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات “قسد”، إضافة إلى تشكيل لواء لضم القوات الكردية الموجودة في كوباني (عين العرب) إلى فرقة عسكرية حكومية تابعة لمحافظة حلب.

يتضمن الاتفاق الجديد حلولا لقضايا اجتماعية شديدة الأهمية منها تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم، وحل قضية موظفي “الإدارة الذاتية” الكردية عبر تثبيتهم ضمن مؤسسات الدولة السورية.

يعتبر الاتفاق الجديد تطويرا على ما أعلنه رئيس الفترة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، في 18 الشهر الجاري، بعد التغيّر الكبير في موازين القوى بين الحكومة و”قسد”، الذي تدرّج إثر سيطرة القوات الحكومية على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، ثم بلدتي مسكنة ودير حافر شرق المدينة، وما لبثت القوات التي يقودها الأكراد أن تعرضت بعدها لهزيمة كبيرة أدت لخسارتها السيطرة على محافظتي دير الزور والرقة، ومناطق في ريف محافظة الحسكة أعلن بعدها اتفاق يمهل “قسد” أربعة أيام، تم تمديده لاحقا إلى 15 يوما.

برز تغيّر لافت بين الاتفاق الذي أعلنه الشرع ” و”الاتفاق الشامل” الأخير، الذي تجاوز ما ذكر في الاتفاق الأول عن دمج كامل لعناصر “قسد” العسكرية والأمنية “بشكل فردي”، فميا بقيت عناصر مذكورة سابقا من غير توضيح في الاتفاق الجديد ومن ذلك ما هو المتفق عليه بخصوص قائمة القيادات المرشحة من “قسد” لشغل مناصب عسكرية وأمنية ومدنية، كما لم يشر إلى ضرورة التزام القوات الكردية بإخراج كافة قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين، وبإبعاد ضباط النظام السابق وتسليم قوائم بأسمائهم. إضافة لذلك فإن الاتفاق لم يتضمن حل تنظيم “قسد” وتحوله الى حزب، كما لم يتطرق لقضية المعابر والسيطرة على جميع مواقع الطاقة.

من الناحية المبدئية، يعكس الاتفاق، إذا نجح الطرفان في الالتزام الحقيقي بتنفيذه، انتقالا مهما من مرحلة تعدد الجيوش ومراكز القوى التي كانت تنوء سوريا تحتها في ظل نظام بشار الأسد، إلى مرحلة توحيد كل الأراضي السورية (باستثناء جيب صغير في مدينة السويداء جنوب سوريا).

تؤدي هذه النقلة إلى انتهاء فوضى مراكز القوى وإعادة احتكار الدولة للقوة المنظمة الذي لا يمكن لبناء الدولة أن يجري من دونه وخصوصا في فترة الانتقال من الصراعات المتعددة إلى حقبة بناء الدولة.

يوازن الاتفاق الأخير بين شرط نشوء القوة المنظمة المحتكرة للعنف، وبين الحاجة إلى عقد سياسي يقوم على تسوية (أو تسويات) مع القوى السياسية والعسكرية التي كانت تقوم خارج الدولة المركزية، وبذلك يمهد لنقل تلك القوى من الفضاء الحربيّ الذي يعاكس نشوء دولة سورية جديدة، إلى الفضاء السياسي الذي يحوّل تلك الكيانات إلى بنى سياسية فاعلة ونشطة تثري المجال السياسي العام للسوريين.

يطرح الاتفاق، بهذا المعنى، أفقا سياسيا لتجاوز الكيانات المناهضة بطبيعتها للدولة، ويعبّد الطريق، نتيجة طبيعته التسووية، لفضاء سياسي يمكن أن يفضي إلى ديمقراطية أوسع، وتمثيل على أسس سياسية وليس كولاءات طائفية أو قومية.

القدس العربي

———————————-

عين على إدلب والجزيرة وعين على كامل سورية/ ضاهر عيطة

31 يناير 2026

لا بدّ من التيقّن من حقيقة أنّ لجميع الناس والشعوب والأفراد، والأحزاب والمنظمات، أحلاماً يتطلّعون إليها، وهو حالنا وحال أهلنا وإخوتنا الكرد، لكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ما يكون حلماً في مرحلة ما قد يتحوّل، في مرحلة أخرى، إلى وهم. ومن الضروري الإشارة هنا إلى أنّ هناك فرقاً جوهرياً وعميقاً بين الحلم والوهم؛ فالأوّل يفترض أن يقود صاحبه في دروب الممكن والقابل للتحقّق، بينما يظلّ الثاني يعارك المستحيل، ويتحوّل إلى كابوس يؤرّق صاحبه ويشلّ إدراكه، حتى يفقد القدرة على وعي الأرض التي يتحرّك فوقها.

ومن منطلق هذا التمايز بين الوهم والحلم، يمكن إجراء نوع من المقارنة بين تجربتين وطرح أسئلةٍ بشأنهما: كيف أمكن لتجربة عاشت ثماني سنوات في إدلب تحت حصار خانق، فقيرة الموارد، ومُتّهَمة بالرجعية والتخلّف، أن تأتي على يديها لحظة تحرير سورية، وأن يتحوّل ذلك المكان المنبوذ دوليّاً إلى مختبر يدرّب كوادره على كيفية إدارة أجهزة الدولة، والاشتغال على ما هو ضروري من بناء المؤسسات التعليمية والحِرَفية والسياسية والعسكرية، حتى أصبحت إدلب قادرة، حين سنحت اللحظة، على الانتقال من منطق الكيان إلى منطق الدولة، ومن الحلم إلى الممكن؟ في حين عجِزت تجربةٌ أخرى مدعومةٌ عالمياً، غنيّةٌ بالثروات والموارد، ترفع شعارات التقدّم والعدالة والديمقراطية، في الجزيرة السورية، عن إنتاج شيءٍ سوى البؤس والخراب والتخلّف، وعن بناء أيّ ركنٍ من أركان الدولة.

المقارنة هنا ليست مجرّد استعارة لغوية، بل توصيف دقيق لما يمكن أن يحدث حين تتحوّل السياسة إلى هندسة للواقع على الأرض والبناء فوقه سعياً وراء الحلم، مقابل سياسة تعمل على هندسة الأنفاق وبناء متاهات لا تُبنى عليها سوى الأوهام والهدر للموارد والطاقات البشرية.

ولعل مثل هذا النوع من السياسات لا يتأتّى عن عقلية واعية ومدركة لما يحدث في العالم، بل لما يحدث تحت الأرض؛ فمن يحفر نفقاً لا ينتظر حياة، ولا يبني مجتمعاً، بل يبني قبراً. وهذه المفارقة بين التجربتين تستدعي أسئلةً عديدة غالباً ما يتمّ التغاضي عنها في المحافل الثقافية والفكرية والسياسية من بعض النخب، رغم أنها تمسّ جوهر الثقافة والفكر والسياسة، وخصوصاً في الواقع السوري، ففي إدلب كان هناك حلم واسع وكبير يتطلع إلى تحرير سورية من الطغمة الأسدية، واحتاج هذا الأمر، بالتوازي مع بناء الجيش، إلى بناء مدرسة وجامعة ومصنع ومستشفى وحديقة وشجرة وشارع يسير فيه الناس؛ وهي استراتيجية نابعة من التعلّق بالأرض والجغرافيا. في المقابل، كانت زعامات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجزيرة السورية تتصرف حسب أجندات حزب العمال الكردستاني القادمة من جبال قنديل، وتتحرّك فوق رمال من وهم، وتعاملت مع سورية باعتبارها أرضاً مستباحة، لا تراها أكثر من كهف مهجور وبئر نفط. تجلّى ذلك بوضوح حين كشفت شبكات الأنفاق التي حفرتها تحت القرى والمدن وتركتها خراباً؛ فالمشهد لم يكن صادماً من الناحية العسكرية فحسب، بل أيضاً من النواحي الأخلاقية والفلسفية والإنسانية والسياسية والاجتماعية. وكأن مشروع الحياة كله كان معطلاً، ومهندساً منذ البداية في باطن الأرض، لا على السطح. والمستقبل الذي كان الناس يُوعدون به لم يكن مجتمعاً ولا حياةً ولا دولة، بل شبكة مخابئ طويلة تقود إلى المتاهات، يعيش فيها الإنسان كائناً محاصراً لا مواطناً حرّاً. فأيّ حلم هذا الذي يبدأ بحفر الأنفاق والسراديب؟ وأيّ مشروع هذا الذي يرى في الأرض قبراً لا بيتاً؟

وقد يصير الحلم وهماً أيضاً حين يُبنى على الخداع والأساطير والخرافات، وعلى التهديد والخوف والوعيد، ورفع شعارات زائفة مشبعة بالكراهية، مع الادّعاء المستمر بأن هناك عدوّاً يتربّص بنا. وعندها، لا بدّ للوهم من أن يرتدي قناع الحلم لمغازلة عواطف الناس، واللعب بعقولهم، وإغراقهم في محاربة طواحين السراب. وقد بدا، لبعضٍٍ ممن شربوا من كؤوسه، أن تنظيم “قسد” هو الحامي والحامل لحلمهم وخلاصهم التاريخي، حتى صار هذا التنظيم وكأنه إله الأحلام “مورفيوس” عند الإغريق، الذي سيقودهم إلى المستقبل والنعيم، لكن ما تكشّف لاحقاً أنه لم يكن إلا “أباتي”، إله الوهم والخداع، الذي قادهم إلى خيبة الأمل.

ولكن من الجيد أن يبقى هناك دائماً متّسع من الأمل، وإدراك لطبيعة هذا التنظيم، وفهم أن الأنفاق التي سعى إلى حفرها تنمّ عن بنية ذهنية وسياسية واجتماعية لا ترى في الحياة إلا متاهة، والناس فيها رهائن، والعالم ساحة حرب. وإدراك أن ذهنية كهذه، ما لم تتبدّل، لن تستطيع فهم الحلم الإنساني، ولا إدراك معنى الحرية، ولا معنى الدولة. وربما هذا ما يميّز الوهم عن الحلم: فالحلم الذي ترعرع في إدلب، وفي كل المدن السورية، رأى في الإنسان غايةً وقيمة، وتطلعَ إلى مستقبلٍ يمكن تحقيقه عبر التضحيات والمؤسّسات والعمل والبناء والتفاوض والسياسة، في حين أن الوهم مجنونٌ وهمجي، وقد يرى في الإنسان غنيمة ووسيلة وفريسة، وما أن يستهلكها ويلتهمها، يرمي بعظامها في غياهب الصحراء. وحين تتحوّل سياسة الأنفاق إلى سياسة طبيعية وعادية، تغدو الحياة برمّتها حالة انتظار وخوف: انتظار هجوم، انتظار حصار، انتظار لحظة موت وانهيار… وفي معمعة هذه الانتظارات الطويلة، يذبل المجتمع، وتتآكل قيمه، وتُستهلك أجياله لأجل اللاشيء، ويصير الوطن سجناً.

ومن هنا لم يكن غريباً أن تظهر مناطق الجزيرة السورية، التي خضعت لهذا النمط من التفكير والسياسة، وكأنها خرجت من نفق بعيد وزمن آخر: بنية تحتية متهالكة ومدمّرة، تعليم هشّ، وأنظمة صحّة منهارة، واقتصاد معطّل، ومجتمع مرهق، وشبّان غارقون في مستنقع المخدّرات، وبعضهم لا يرون أمامهم من خيار لعيش الحياة إلا الهجرة، أو حمل السلاح وحجز تذكرة سفر إلى الأنفاق أو القبور. لا جامعة بُنيت هناك، ولا معهد، ولا مقرّ، ولا مدرسة، ولا عقد اجتماعي يُسيّر حياة الناس، وكل ما تمّ إنتاجه سلطة مغلقة ومنفصلة عن المجتمع، تختطف الأطفال والشابّات والشبان وتسوقهم إلى العسكرة. ولأجل العسكرة وحدها تُستنزف جميع الموارد؛ والنفط يُباع لصالح زعامات جبال قنديل، والأحلام تُهرَّب إليهم، فيما يقع غيرهم في اليأس. فأيّ رهان وحلم يمكن أن يُبنى على تنظيم مُشبَع بالشعارات الكبرى عن الحداثة والتنوير والتقدّم، وهو يعيش في الأنفاق، ولم يجلب لمن حوله إلا الضياع والبؤس؟

المشكلة هنا لا تبدو مشكلة في “النية” فقط، بل في فلسفة مبنية على ذهنية لا تدرك معنى المسؤولية. … والمقارنة بين ما كان يحدث في إدلب وما كان يحدث في الجزيرة، تستدعي التأمّل والدهشة، وإعادة الجرأة لبعض النخب للاعتراف والتفكّر فيها، عسى أن يتكوّن لديهم فهم جديد لواقع ما حدث، وما يحدُث حالياً في سورية، بعيداً عن الأيديولوجيات والانتماءات العرقية والمذهبية والطائفية، فالتجربة لا تُقاس بما يرفع من شعارات، بل بما أنتجته فعليّاً من معنى على أرض الواقع، بقوة الإرادة والوعي، لا بمحض المصادفة. وما أنجزه الفقير المحاصر، وما عجز عن إنجازه الغني والمدعوم دوليّاً، هو درس سياسي وفكري لا يجوز تجاهله، على الأقل لمن يحترم مقدار حاجة الوطن إلى التفكّر والعقلنة. ولعل أكثر ما يحتاجه السوريون اليوم، بعد كل هذا الخراب، ليس مزيداً من الأنفاق، ولا مزيداً من الأوهام، بل حلماً واضحاً وبسيطاً ومستقبلاً مشتركاً.

ولا يتحقّق هذا الحلم السوري في بناء كانتونات وحفر الأنفاق، ولا في إعادة إنتاج التنظيمات العقائدية، بل في دولة المواطنة والعدالة والحرية والكرامة. في حين أن الوهم، مهما ارتدى من شعارات التحرّر والمقاومة والخصوصية والهوية، لن يقود إلا إلى مزيد من التيه والدم، والراكض خلف وهمٍ لم ولن يحصد غير السراب.

تبقى مشكلة معقّدة، أن تنظيم قسد وحزب العمّال الكردستاني وأتباعهما أوجدوا لأنفسهم سطوةً وسلطةً وشبكات علاقات معقدة ومتعدّدة، سياسيّاً وعسكريّاً وماليّاً، في الداخل والخارج، أسّسوا لها على مدار عقود طويلة، وتماهوا مع هذا المعطى واعتادوا عليه، وخُيّل لتنظيم قسد أنه صار دولة. ومن هنا يصعب جدّاً على كوادره أن تتحرّر من هذا الوهم بكبسة زرّ، وهو ما يستدعي من الدولة السورية الناشئة معالجة الأمر بالتروّي والحكمة، والتحلّي بكثيرٍ من الصبر، وهذا طبعها كما أرى، رغم لهفة الأحداث إلى الاستعجال.

العربي الجديد

—————————–

الحكومة السورية و”قسد”… اتفاق شامل لإنهاء أزمة متصاعدة/ عدنان علي و سلام حسن

31 يناير 2026

بعد سلسلة من الاتفاقات الجزئية خلال الأسابيع الأخيرة، بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والتي تخللتها خروق واستئناف للقتال بين الطرفين، أعلن في دمشق، أمس الجمعة، عن التوصل إلى اتفاق “نهائي شامل” بين الحكومة السورية و”قسد” مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين. هذا الاتفاق يفتح المجال أمام تسوية لهذه الأزمة التي كانت تهدد بمعارك واسعة بين الطرفين، ويسمح بعودة آلاف النازحين الذين غادروا مناطقهم في الشمال السوري، كما يوفر فرصة لتسوية الحقوق المدنية للأكراد في سورية.

الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”

ونقلت قناة الإخبارية السورية عن مصدر حكومي قوله إن الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” يشمل انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، لـ”تعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات قسد، إضافة إلى تشكيل لواء لقوات عين العرب (كوباني) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب”. وأضاف المصدر أن الاتفاق يتضمن أيضاً “دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم”. ورأى المصدر الحكومي أن الاتفاق يهدف إلى “توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة، عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد”. وأوضح المصدر أن الدمج العسكري والأمني سيكون “فردياً ضمن الألوية، بحيث تتسلم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ، ولا يكون أي جزء من البلاد خارج سيطرتها”.

وكانت وزارة الدفاع السورية قد أعلنت في 20 يناير/ كانون الثاني الحالي عن وقف لإطلاق النار لمدة أربعة أيام، بعد الاتفاق الأخير مع “قسد” ثم أعلنت في 24 منه تمديد مهلة وقف إطلاق النار لمدة 15 يوماً. ووقع الرئيس أحمد الشرع في 18 يناير الحالي اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة مع قائد “قسد” مظلوم عبدي. وقال مسؤول في الحكومة السورية لـ”رويترز” إن “الاتفاق نهائي وتم التوصل إليه في وقت متأخر من مساء الخميس، وإن التنفيذ سيبدأ على الفور”. من جهتها، ذكرت “قسد” في بيان أن الاتفاق يتضمن “دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين، وانسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، إضافة إلى تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قسد، ولواء لقوات كوباني ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب، ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، ويعمل الاتفاق على تسوية الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم”.

وفي تعليقه على التطورات، وصف المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك التوصل لاتفاق شامل بين الحكومة السورية و”قسد” بأنه محطة تاريخية وعميقة الأثر في مسار سورية. وأضاف في منشور على منصة إكس، أمس الجمعة، أن هذه التطورات تفتح الطريق أمام إعادة بناء المؤسسات واستعادة الثقة وترسيخ سلام دائم لجميع السوريين، معتبراً أن الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” يظهر التزاماً راسخاً من الحكومة السورية بشراكة وطنية حقيقية وبنهج شامل. ورأى برّاك أن هذا الاتفاق يظهر التزام الحكومة السورية بـ”الشراكة الوطنية الحقيقية والحكم الشامل من خلال تسهيل الدمج المرحلي للهياكل العسكرية، والأمنية، والإدارية ضمن مؤسسات الدولة الموحدة، مع ضمان منح ممثلي قسد رفيعي المستوى الفرص للمساهمة على أعلى المستويات”.

وأضاف أن قوة سورية “تنبع من احتضان التنوع ومعالجة التطلعات المشروعة لجميع شعوبها. هذه المقاربة لا تقتصر على توطيد السيادة عبر الأراضي، بل توجّه أيضاً رسالة واضحة من الانفتاح والعدالة إلى المجتمع الدولي”. وأكد برّاك أهمية الاتفاق للشعب الكردي في سورية الذي كان لـ”تضحياته الاستثنائية وصموده الثابت الدور المحوري في الدفاع عن سورية ضد التطرف وحماية الفئات الضعيفة”، مشيراً إلى أهمية تنفيذ المرسوم الرئاسي رقم 13 “الذي أعاد الجنسية السورية بالكامل لأولئك الذين تأثروا بالاستبعاد التاريخي، واعترف بالكردية كلغة وطنية بجانب العربية، مما يتيح تدريسها في المناطق ذات الصلة، ويكرس الحماية ضد التمييز”. وأشاد برّاك بما سمّاه الخطوات الشجاعة التي اتخذها الجانبان في سبيل الوصول إلى هذا الاتفاق.

وأصدر الشرع في 16 يناير الحالي المرسوم 13 الذي يمنح الجنسية السورية للأكراد المحرومين منها بموجب إحصاء 1962، والذي يؤكد أن المواطنين السوريين الأكراد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة. وبالتوازي مع الإعلان عن الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” أمس الجمعة، ذكر مصدر أمني لوكالة “سانا” الرسمية أنه جرى تعيين العميد مروان العلي قائداً للأمن الداخلي في محافظة الحسكة. ووفق مصادر كردية، فإن العلي من المسؤولين الأمنيين في “هيئة تحرير الشام” وينحدر من مدينة القامشلي في محافظة الحسكة وهو من عشيرة الغنامة.

ولاقى الاتفاق ارتياحاً بوجه عام في الأوساط الكردية الحزبية والشعبية، رغم عدم اتضاح تفاصيل اندماج قوات “قسد” وإداراتها المدنية في الدولة السورية، فيما أكد مصدر حكومي لقناة الإخبارية السورية أن الدمج العسكري والأمني “سيكون فردياً ضمن الألوية بحيث تتسلم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ، ولا يكون أي جزء من البلاد خارج سيطرتها”.

ووصف رئيس حزب الوسط الكردي في سورية، شلال كدو الاتفاق بأنه اتفاق جيد، موضحاً في حديث لـ”العربي الجديد” أن الجانب المهم فيه أنه يبعد شبح الحرب عن المناطق الكردية، ويوقف المواجهات المسلحة، فضلاً عن أنه يبنى عليه في المناطق الكردية في سورية. وأضاف أن من شأنه أن يخلق ارتياحاً لدى الأكراد خصوصاً، والسوريين عموماً، ويفتح المسار السياسي والدبلوماسي أمام حقوق الأكراد لتثبيتها ودمجهم في مختلف مؤسسات الدولة السورية، ومشاركتهم في سائر مناحي البلد.

بدوره قال زيد سفوك، المنسق العام للحركة الكردستانية المستقلة في سورية لـ”العربي الجديد”: “أعتقد أن ما طُرح من صيغة اتفاق هو بمثابة قرار وليس اتفاقاً، أي بمعنى أن الحكومة السورية، كما عبرت وسائلها الإعلامية، تؤكد أن الحل الوحيد لإنهاء الإشكال شمال شرق سورية هو دمج جميع المؤسسات العسكرية والأمنية”. ورأى أن بند وقف إطلاق النار يحافظ على السلم الأهلي والتعايش المشترك، وهو قرار دولي ملزم للطرفين، لكن التفاصيل الأخرى فيها الكثير من الثغرات، ربما تنفذ وربما لا تنفذ، لوجود تجارب سابقة بين الطرفين. وأضاف سفوك: “أرى من الصعوبة تنفيذ البنود الأخرى، فبند وقف إطلاق النار قرار دولي، أما البنود التي بعدها فهي بحاجة إلى عام أو عامين، لا سيما أن مؤسسات الإدارة الذاتية التي أسسها حزب الاتحاد الديمقراطي بنيت على عقد اجتماعي مختلف عن مراسيم الحكومة السورية، لذلك من الصعب جداً نقلها إلى مؤسسات ثانية”.

مخاوف من تعطيل الاتفاق

من جهته، رأى الباحث السياسي محمد المصطفى، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن الحكومة لا تستبعد أن يقوم الطرف الآخر بتعطيل الاتفاق، وبالنسبة لها المهم هو أن تبقى الإشكالية لدى الطرف الآخر، معتبراً أن بنود الاتفاق هي مجرد آليات لا أكثر. وتابع أن “الأهم التزام قسد بتسليم المعابر والدوائر الحكومية، وهذا ينهي قضية الإدارة الذاتية. الحكومة تريد السيطرة على الأرض”. بدوره، رأى إبراهيم برو، القيادي في حزب “اليكيتي” الكردي، أن التفاهمات الأخيرة بين الحكومة السورية و”قسد” “قد تمنع سيناريو حرب مدمّرة وتفتح نافذة استقرار، وتعكس قراءة واقعية من قسد لمعادلات الداخل والخارج”. وأضاف برو في حديثٍ لـ”العربي الجديد” أن الخطوة القانونية الجديدة يمكن أن تكون مدخلاً لمسار سياسي لمعالجة القضية الكردية إذا استُثمرت بجدية.

واعتبر الباحث السياسي في مركز جسور للدراسات وائل علوان، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” يشير إلى أن الحكومة متمسكة بموقفها المبدئي والوطني، القائم على إدماج كافة القوات ضمن هياكلها، وإعطاء مرونة في الإدارة ضمن السقف الوطني وضمن وحدة سورية. واعتبر أن هذا الموقف “كان واضحاً من الحكومة، وهو أحد أسباب قوتها، في حين أن الخلافات الداخلية ضمن صفوف قسد أدت إلى نهايتها”. ورأى علوان أن قوات “قسد” انتهت لسببين: الأول أن الولايات المتحدة أعلنت بشكل شبه رسمي نهايتها، فهي قوات شكلها التحالف الدولي لمواجهة “داعش”، وأعلنت واشنطن صراحة أن هذه المهمة لم تعد لـ”قسد”، وأن جهود مكافحة “داعش” ستتولاها الحكومة السورية بالتنسيق مع التحالف الدولي. والسبب الثاني وفق علوان لنهاية “قسد” ككيان عسكري هو أنها لم تستطع أن تحقق مكتسبات في المسار السياسي، وأن تكون شريكاً للحكومة السورية في بناء سورية الجديدة، الأمر الذي جعلها منقسمة داخلياً، فجزء منها كان يبدي مرونة في المفاوضات، وجزء كان يتجه إلى التصعيد.

العربي الجديد

———————————-

دمشق: مرحلة شراكة جديدة مع واشنطن والدعم الأميركي لـ”قسد” سيتوقف/ محمد كركص و سلام حسن

31 يناير 2026

قال مدير الشؤون الأميركية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، قتيبة إدلبي، في تصريحات للإخبارية السورية، إنّ الدعم الأميركي الذي كان يتوجه إلى “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) سيتوقف، لافتاً إلى أن دمشق باتت في طور تطوير شراكة جديدة مع الولايات المتحدة، وأضاف أن الحكومة السورية ستبدأ، بعد إعادة الاستقرار إلى البلاد، البحث في أجندة تهدف إلى تعزيز حياة السوريين وتحسين ظروفهم المعيشية.

وأشار إدلبي إلى أنّ الاتفاق المعلن مع “قسد” يُعد مكملاً لتفاصيل اندماج مارس/آذار الماضي، موضحاً أن المجتمع الدولي، والدول التي كانت تقدم الدعم لقوات سوريا الديمقراطية، هي ذاتها التي تقدم الدعم اليوم للحكومة السورية. وتأتي هذه التصريحات عقب إعلان قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب مصدر مسؤول في الحكومة السورية، صباح الجمعة، التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل لوقف إطلاق النار بين الطرفين، والتفاهم على آلية متسلسلة لدمج القوات والمؤسسات، في خطوة تهدف إلى إنهاء القتال وتعزيز الاستقرار في سورية.

تنفيذ صعب لاتفاق دمشق و”قسد”

إلى ذلك، أكد مكتب شؤون الشرق الأدنى التابع لوزارة الخارجية الأميركية، مساء الجمعة، التزام الولايات المتحدة بدعم التنفيذ الناجح للاتفاق الذي وصفه بـ”التاريخي”، والمبرم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مشدداً على أن هذا الاتفاق يعزز وحدة سورية وسيادتها واستقرارها، بما يخدم مصلحة الشعب السوري بأكمله.

وقال المكتب، في بيان نشره عبر منصة “إكس”، إنّ واشنطن ستواصل العمل عن كثب مع جميع الأطراف المعنية لتسهيل عملية اندماج “سلسة وفي الوقت المناسب”، مؤكداً أن الولايات المتحدة، وبالتنسيق الوثيق مع شركائها الإقليميين، مستعدة لضمان مضي هذا الانتقال قدماً على نحوٍ سلمي وفعال، بما يحقق مصالحة وازدهاراً دائماً في سورية والمنطقة، وأضاف البيان أن الولايات المتحدة تتطلع إلى “مستقبل أكثر إشراقاً لسورية وللشرق الأوسط برمته”.

عبدي: قوة من الأمن الداخلي ستدخل المربع الأمني في الحسكة والقامشلي

من جانبه، قال القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، ليل الجمعة، إن قوة محدودة من شرطة الأمن الداخلي ستدخل المربع الأمني في مدينتَي الحسكة والقامشلي، شمال شرق سورية، في إطار التطبيق العملي لاتفاق الاندماج، مؤكداً أن هذه الخطوة محصورة بإجراءات الدمج فقط، ولن تتبعها أي تحركات أو عمليات عسكرية.

وأوضح عبدي، في مقابلة مع قناة “روناهي” الكردية، أن القوى العسكرية لن تدخل إلى أي قرية أو مدينة كردية، مشدداً على أن الجيش السوري لن يدخل مدن وبلدات الجزيرة أو عين العرب/ كوباني، وأن عناصر محدودة من شرطة الأمن الداخلي التابعة لدمشق ستدخل إلى الحسكة والقامشلي لفترة مؤقتة، لتنفيذ إجراءات الدمج، قبل أن تنسحب لاحقاً. وأضاف أن قوات “الأسايش” الكردية ستبقى الجهة المسؤولة عن حماية المناطق الكردية، ولن يُسمح بحدوث أي فراغ أمني.

وأشار إلى أن الاتفاق سيدخل حيّز التنفيذ العملي في الثاني من فبراير/شباط المقبل، وبموجبه تنسحب قوات “قسد” والقوات الحكومية من خطوط الاشتباك في عين العرب كوباني ومنطقة الجزيرة، داعياً الأهالي الذين نزحوا من مدينة الحسكة وبلدة تل تمر إلى العودة إلى منازلهم. وفي الشأن السياسي، أكد عبدي أنه لن يتولى أي منصب حكومي، قائلاً: “سأبقى بين شعبي وبجانبهم، وسأعمل على تشكيل مرجعية سياسية للكرد في سورية”، ولفت إلى أن شريحة واسعة من أبناء الشعب الكردي غير راضية عن الاتفاق، معتبراً أنه لم يكن في المستوى المطلوب، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن المرحلة الحالية سمحت بالحصول على بعض الاستحقاقات، مع العمل مستقبلاً لتحقيق المزيد.

وكشف عبدي عن وجود تواصل يومي مع دمشق، مؤكداً أن القنوات مفتوحة باستمرار، وأن الولايات المتحدة منخرطة في مسار التفاوض عبر مؤسّساتها السياسية والعسكرية، كما أشار إلى طرح أسماء لتولي مناصب حكومية، من بينها منصب مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، من دون التوصل حتى الآن إلى قائمة متوافق عليها. وأكد أن ما سيجري الاتفاق عليه في المناطق الكردية في الجزيرة وعين العرب سيُطبق أيضاً في عفرين وسري كانيه (رأس العين)، موضحاً أن عين العرب ستقود المرحلة المقبلة، وأنه جرى الطلب من القوات الحكومية عدم دخول القرى الكردية هناك، وقد أبدت موافقتها تقديراً لحساسية الوضع.

وشدد عبدي على أن المناطق الكردية في سورية “خط أحمر”، قائلاً: “سندافع عنها حتّى آخر مقاتل، ولن ينتصر أحد في هذه الحرب”، مع تأكيده في الوقت ذاته ضرورةَ محاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات بالوسائل القانونية، محذراً من الانجرار نحو العنصرية والطائفية، كما أكد أن الموظفين المحليين وسكان المناطق الكردية في عين العرب والجزيرة سيديرون مناطقهم بأنفسهم، مشدداً على أن قوات دمشق لن يكون لها أي دور أمني في هذه المناطق، وداعياً السكان إلى الاطمئنان.

وفي السياق ذاته، يُنظر إلى الاتفاق باعتباره خطوة تصبّ في مصلحة السوريين عموماً، في إطار السعي إلى بناء دولة مركزية خالية من الفصائل المسلحة، مع التأكيد أنّ حقوق الأكراد لا ترتبط باتفاق عسكري بعينه، والإقرار بالدور الذي لعبته قوات سوريا الديمقراطية في محاربة تنظيم “داعش”، في ظل تقاطعات إقليمية ودولية ترى في الحكومة المركزية بدمشق الجهة المعنية بإدارة المرحلة المقبلة.

العربي الجديد

—————————-

 “الخارجية السورية”: الاتفاق مع قسد استكمال لاتفاق 10 آذار وسينفذ على أربع مراحل

2026.01.31

قال مدير الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية محمد طاه أحمد، إن الاتفاق المعلن بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يأتي استكمالًا للخطوات التي تم وضعها في اتفاق 10 آذار، مشيرا إلى أن هناك بعض الاختلافات في بعض البنود بين الاتفاقين.

وأوضح محمد طاه أحمد في لقاء ضمن برنامج “سوريا اليوم”، أن الاتفاق الجديد لا يعد تحولًا جذريا، بل هو استكمال للخطوات التنفيذية التي تم وضعها في اتفاق 10 آذار الماضي، مشيرا إلى أن هذا الاتفاق يأتي في إطار توحيد الأراضي السورية ومنع أي شكل من أشكال التقسيم والانفصال. كما أكد أن الاتفاق يتضمن مجموعة من الخطوات التفصيلية التي ستسهم في تحسين الوضع الأمني والإداري في المناطق التي كانت تسيطر عليها “الإدارة الذاتية”.

وأشار إلى أن هذا الاتفاق يتضمن خطوات عملية لتكامل مكونات الشعب السوري، ويعد تجسيدًا للالتزام بالوحدة الوطنية، وعودة كافة المناطق إلى حضن الدولة السورية. وأضاف أن السوريين اليوم يعبرون عن إصرارهم على أن يكون الأمن والاقتصاد تحت مظلة الحكومة السورية، حيث لن يكون هناك مكان للانفصال أو أي محاولات لتقسيم الأراضي.

دمج قوات “قسد” وفق معايير وزارة الدفاع

وحول موضوع دمج قوات “قسد”، أكد أحمد أن القوات ستكون جزءا من الجيش العربي السوري، لكن دخول العناصر سيتم وفق شروط معينة. وأوضح أن دمج “قسد” سيكون على شكل ثلاث ألوية في مناطق الحسكة والقامشلي، مع التأكيد على أن العناصر المنضمة يجب أن تكون قد اجتازت اختبارات ودراسات أمنية وفقًا للمعايير التي وضعتها وزارة الدفاع السورية. كما أشار إلى أن دمج القوات سيكون وفقًا لآليات محددة تضمن أن الجيش السوري يمثل الشعب السوري ويقوم بمهامه الوطنية.

وأوضح أن هذا الدمج يتم تحت إشراف وزارة الدفاع، وفقًا لمواصفات فنية وأمنية مشروطة، بحيث يكون جميع الأفراد المنضمين للجيش السوري قادرين على أداء مهامهم بأعلى مستوى من الاحترافية. وأكد أن القوات العسكرية السورية ستكون تحت السيطرة المباشرة لوزارة الدفاع السورية فقط، ولا مكان لأي قوات تابعة أو تتبع أطرافًا خارجية.

لا مركزية إدارية للمناطق الكردية

فيما يتعلق بالإدارة المحلية في المناطق ذات الأغلبية الكردية، أكد أحمد أن الاتفاق يتماشى مع قانون الإدارة المحلية السوري رقم 107، الذي ينص على أن المحافظ يجب أن يكون من أبناء المحافظة، ويُنتخب بالطرق القانونية داخل المجالس المعتمدة في تلك المناطق. وأضاف أن الدولة السورية لا تمانع في أن يتم تعيين المحافظ من قبل “قسد” طالما أن ذلك يتم وفقًا للإجراءات القانونية المعتمدة.

كما أكد الدكتور أحمد أن هذه الخطوة تهدف إلى طمأنة المكون الكردي في سوريا، خاصة أن الدولة السورية مستعدة لدعم المناطق ذات الأغلبية الكردية وتعزيز الانتماء الوطني من خلال هذه المناصب. وأضاف أنه لا مانع من تعيين شخصيات كردية في مناصب قيادية ضمن هيكل الدولة السورية، بشرط أن يكونوا ملتزمين بمصلحة الوطن السوري.

مراحل تنفيذ الاتفاق

وعن مراحل تنفيذ الاتفاق، أوضح مدير الشؤون العربية أن الاتفاق يتضمن أربع مراحل محددة، تبدأ بالمرحلة العسكرية الأمنية، تليها مرحلة أمنية إدارية، ثم مرحلة إدارة المرافق الحيوية، وأخيرًا دمج المؤسسات المدنية في هيكل الحكومة السورية. وأكد أن كل مرحلة لها جدول زمني محدد ويجب الالتزام به لضمان سير الأمور بشكل صحيح. وأضاف أن الحكومة السورية تتوقع أن يتم تنفيذ هذه المراحل في الوقت المحدد، مع التركيز على عدم التأخير في أي مرحلة من المراحل.

وأشار إلى أن المرحلة الأولى من الاتفاق، وهي المرحلة العسكرية الأمنية، ستركز على ضبط الأمن وتوحيد الجهود العسكرية تحت مظلة وزارة الدفاع. أما المرحلة الثانية، فتتعلق بتشكيل قوة أمنية إدارية تسهم في تحقيق الاستقرار في المناطق التي كانت تحت سيطرة “قسد” من خلال دمج قواتها ضمن أجهزة الأمن التابعة للدولة.

أما بالنسبة للتحديات التي قد تواجه تنفيذ الاتفاق، فقد أشار الدكتور أحمد إلى أن أبرز المخاوف تتعلق ببطء تنفيذ بعض البنود، خاصةً المتعلقة بعملية دمج القوات والجهات الأمنية. ومع ذلك، أبدى الدكتور أحمد تفاؤله بحرص الحكومة السورية على التزام بنود الاتفاق بسرعة، مشيرًا إلى أن الحكومة السورية ماضية في توحيد الأراضي وحصر السلاح تحت مظلة الدولة.

وقال: “إن أي تأخير في تنفيذ هذا الاتفاق سيؤدي إلى زيادة الخسائر على جميع الأطراف. نحن ملتزمون بتنفيذ بنوده، ولن نسمح بأي عرقلة”. وأضاف أن العملية ستكون تدريجية، ولكن يجب أن تتم وفقًا للخطط المتفق عليها، وأن الحكومة السورية تأمل في أن يسير تنفيذ الاتفاق بسلاسة.

وفيما يتعلق بالدور الأميركي في هذه الاتفاقية، أوضح أحمد أن الولايات المتحدة كانت تلعب دورًا في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، لكنها لم تكن طرفًا رئيسيًا في الاتفاق. وأكد أن الدول السورية، ممثلة بوزارة الدفاع والداخلية، هي التي تولت مسؤولية الأمن في هذه المناطق، وأن الحكومة السورية هي المسؤولة عن تنفيذ الاتفاق.

وأشار إلى أن تصريحات المسؤولين الأمريكيين كانت في إطار دعم التفاهمات بين الجانبين، ولكن الدور الأساسي هو للدولة السورية التي تعمل على إعادة الأمن والاستقرار في المناطق التي كانت تحت سيطرة “قسد”. كما أكد أن التنسيق مع الدول الجوار في هذا السياق كان مهمًا، خاصة فيما يتعلق بالوجود العسكري الأجنبي في بعض المناطق.

تنفيذ بند إخراج عناصر الـPKK

وفيما يتعلق ببند إخراج عناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) من المناطق السورية، قال المسؤول السوري إن هذا الموضوع سيتم تنفيذه ضمن الجهود المشتركة مع الدول الجوار، خاصةً تركيا والعراق. وأكد أن الدولة السورية تعمل على ضمان خروج هؤلاء العناصر بشكل منظم، وأن هذا البند سيكون جزءًا من عملية دمج القوات في هيكل الدولة السورية.

وأضاف أن المجريات على الأرض قد وضعت هؤلاء العناصر أمام حقيقة أن الدولة السورية ماضية في توحيد الأراضي وحصر السلاح تحت إشراف الحكومة. وأشار إلى أن “الجزء الأكبر من هؤلاء العناصر أصبحوا الآن خارج حدود سوريا”.

التفاؤل بتنفيذ الاتفاق

وأبدى مدير الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية تفاؤله بإمكانية تطبيق الاتفاق بشكل ناجح، مؤكدًا أن الدولة السورية ماضية في تنفيذ كافة بنوده. وقال: “نحن متفائلون أكثر من المرات السابقة، ولكن لدينا بعض التخوفات من العناصر التي قد تحاول عرقلة التنفيذ. لكننا نأمل أن تكون الحقيقة قد تكشفت أمامهم، وأنهم سيخسرون أكثر إذا طال أمد التأخير”.

وأضاف أن الهدف الأساسي من هذا الاتفاق هو ضمان الأمن والسلام لجميع السوريين، دون أي تمييز أو تقسيم، وأن الحكومة السورية مستعدة للعمل مع جميع الأطراف المعنية لضمان تطبيق الاتفاقات وتحقيق الاستقرار في كافة المناطق السورية.

ختامًا، أكد الدكتور أحمد أن الحكومة السورية تأمل في أن يتم تنفيذ الاتفاق بالكامل دون عراقيل، مشيرًا إلى أن أي تأخير قد يؤدي إلى خسائر إضافية، وأن الدولة السورية ماضية في استعادة السيطرة الكاملة على الأراضي السورية.

تلفزيون سوريا

—————————–

فرنسا حريصة على إبراز دورها في التوصل إلى اتفاق بين دمشق والأكراد

وزير الخارجية إلى العراق ولبنان وربما سوريا الأسبوع المقبل

باريس: ميشال أبونجم

30 يناير 2026 م

لا تبدو باريس مندهشة من الخسارة المتعجلة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي طردت من مناطق واسعة كانت تسيطر عليها منذ ست سنوات في شمال وشمال شرقي سوريا.

ووفق القراءة الفرنسية، فإن هناك أربعة أسباب رئيسية تفسّر هذا التراجع؛ أولها الرهان «الخاطئ» لـ«قسد» على ما كانت تنظر إليه على أنه «ضمانات أميركية». وما حصل في الأيام الأخيرة أوصل هذه القوات التي يقودها الأكراد إلى خلاصة مفادها أن حكومة دمشق حصلت على «ضوء أخضر» أميركي لاجتياح المناطق التي كانت تحت سيطرتها.

وبالتوازي، فإن هناك سبباً ثانياً يتمثل في أن «قسد»، بحسب التقييم الفرنسي، أخطأت في تقدير قوتها العسكرية وقدرتها على حرمان السلطات السورية من استرجاع مناطق بالغة الحيوية بالنسبة إليها، وتشكل نحو ثلث مساحة سوريا.

أما العامل الثالث الذي يمكن اعتباره الأهم، فيتمثل في نجاح السلطات السورية في دفع جزء كبير من مقاتلي العشائر العربية في الشمال الشرقي لسوريا للانفصال عن «قسد». وبحسب التقديرات المتوافرة لباريس، فإن هؤلاء المقاتلين يشكلون ما لا يقل عن 70 في المائة من مجموع قوات «قسد»، وبالتالي فإن «انسحابهم» من المعركة مكّن قوات الجيش من السيطرة سريعاً على مساحات واسعة، بدءاً بريف حلب الشرقي وصولاً إلى محافظة الحسكة، مروراً بالرقة. وثمة سبب آخر دفع هؤلاء المقاتلين للانفصال مردّه أن «بيئتهم» العربية لم تكن موالية لحكم «قسد»، وكانت ترغب بالتخلص منها، بحسب التقييم الفرنسي. في المقابل، لا ترى باريس أن القوات التركية الداعمة بقوة للحكم الجديد في سوريا، لعبت دوراً مباشراً في المعارك الأخيرة، لكنها قد تكون قدمت دعماً لوجيستياً ومعلوماتياً.

فرنسا الداعم الأخير لـ«قسد»

إزاء هذه التطورات، برزت فرنسا على أنها «الداعم الأخير» لـ«قسد». وقد أشارت مصادرها، أكثر من مرة، إلى أنها تدعم بقوة هدف سيادة سوريا على كامل أراضيها وتحقيق وحدتها، إلا أنها كانت تفضّل وبقوة أن يتم ذلك عبر الطريق السياسي والتوافقي، وليس عن طريق السلاح. ويبدو أن ثمة «برودة» في العلاقات ظهرت في الأسابيع الأخيرة بين باريس و«قسد». ومن هنا، فإن باريس حرصت على التذكير، مراراً، بما قدمته لحكومة دمشق، ومن ذلك دعوة الرئيس أحمد الشرع لزيارة فرنسا التي كانت أول بلد غربي يحل فيه بعد توليه السلطة. واللافت أن جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، سيقوم الأسبوع المقبل (الأرجح في يومي 5 و6 فبراير «شباط») بزيارة للعراق تشمل بغداد وأربيل (مقر حكومة إقليم كردستان)، قبل أن يتوجه إلى لبنان في محطته الثالثة. وتترك باريس المجال مفتوحاً ربما لزيارة دمشق التي لا يبدو أنه تم التوافق حولها.

ورغم ما سبق، تشدد باريس على الدور الذي لعبته في التوصل إلى اتفاق لوقف النار بين دمشق و«قسد»، وعلى مجموعة الاتصالات التي أجرتها الدبلوماسية الفرنسية على مستويي رئيس الجمهورية ووزير الخارجية مع كافة الأطراف المعنية لبلورة الصيغة الأخيرة من مسودة الاتفاق.

وتنطلق باريس من مبدأين: الأول، وضع حد للمعارك وتجنب أن يحصل في شمال شرقي سوريا ما حصل في مناطق الساحل العلوي أو في المناطق الدرزية بالسويداء، وبدل ذلك التوصل إلى اتفاق مع الطرف الكردي يوفر الضمانات الأمنية والسياسية. والثاني، منع انبعاث تنظيم «داعش» الذي كان يمكن أن يستفيد من الأوضاع الأمنية لتهريب مقاتليه من مراكز الاعتقال.

ماكرون: باريس حريصة على التنفيذ الكامل للاتفاق

والأحد، قال الوزير بارو، من بروكسل إن انخراط فرنسا والرئيس ماكرون بالدرجة الأولى «سمح بتجنب حمام دماء، ودفع السلطات السورية وشركاءنا الأكراد إلى محادثات (للتوصل إلى اتفاق)، ونحن حريصون على أن يحفظ حقوق الأكراد كاملة، وأن يمنع عودة (داعش) ومعها الإرهاب إلى سوريا».

وأشارت باريس إلى أن ماكرون تواصل مرات مع الرئيس الشرع ومع قائد «قسد» مظلوم عبدي، وأيضاً مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني وآخرين؛ للدفع باتجاه التهدئة ووقف النار.

وفي السياق عينه، قام بارو بزيارة تركيا والاجتماع بنظيره هاكان فيدان الذي يلعب دوراً مؤثراً في الحدث السوري. وتعتبر فرنسا أن ا،

الشرق الأوسط

—————————–

أهالي الحسكة يترقبون تنفيذ “الاتفاق الشامل” بتفاؤل حذر

في أزقة مدينة الحسكة وأريافها، لم يكن ليل 30 من كانون الثاني 2026 كغيره، فخلف الشاشات والهواتف المحمولة، ترقّب الأهالي تفاصيل “الاتفاق الشامل” الذي أُعلن رسميًا بين الحكومة السورية في دمشق و“قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

الاتفاق، الذي يأتي تتويجًا لمسار بدأ في آذار 2025، يحمل وعودًا بإنهاء حالة التوتر العسكري المتواصل، لكنه يضع المحافظة أمام اختبار حقيقي لمصيرها السياسي والعسكري.

ورصدت عنب بلدي انقسامًا حادًا في آراء الشارع المحلي، بين ترحيب بالاعتراف بالحقوق القومية للمكون الكردي، وحذر من تعقيدات الدمج العسكري، ومخاوف من أن يكون هذا التفاهم مجرد “استراحة محارب” تسبق صدامًا أوسع.

ترحيب بحقوق “المواطنة”

بالنسبة لكثير من العائلات الكردية في الحسكة، شكّل البند المتعلق بالحقوق المدنية واللغوية محور الاهتمام الأبرز.

المرسوم الذي سبق الاتفاق، ونصّ على اعتبار اللغة الكردية لغة رسمية في المنطقة، واعتماد عيد “النوروز” عطلة وطنية، ومنح الجنسية للمحرومين منها (المكتومين)، وُصف بأنه “تاريخي”.

“أبو آزاد”، وهو معلم متقاعد من الحسكة، قال لعنب بلدي، “لطالما انتظرنا هذه اللحظة. الاعتراف بهويتنا ضمن إطار الدولة السورية الموحدة هو انتصار للمنطق. ما نلمسه اليوم من سياسة دمشق يجعلنا نشعر أن الدولة عادت لتكون حاضنة لا سجانة”.

وأضاف أن غياب التجنيد الإجباري في مناطق سيطرة الحكومة المركزية شكّل عامل جذب قويًا للأهالي، الذين سئموا من رؤية أبنائهم يُساقون إلى الجبهات، فـ“اليوم، الشاب في دمشق أو حمص يمارس حياته دون خوف من الخدمة الإلزامية، وهذا ما نتمناه هنا في الحسكة أيضًا”.

هواجس “الدمج الفردي”

على الصعيد السياسي، يسود الحذر أوساط المثقفين والناشطين حيال آلية “الدمج العسكري”.

وينص الاتفاق على دمج مقاتلي “قسد” ضمن ثلاثة ألوية عسكرية تتبع لفرقة في الحسكة، بإمرة وزارة الدفاع، مع انتشار قوى الأمن الداخلي في مراكز المدن.

تقول “لينا”، وهي ناشطة حقوقية من ريف الحسكة الشمالي، لعنب بلدي، “نخشى من شيطان التفاصيل. هل سيكون الدمج حقيقيًا أم مجرد تغيير في الألوان والشعارات؟”.

مخاوف من الانهيار

بين الرغبة في الاستقرار والخشية من تكرار الصدام، لا تزال مشاهد المواجهات المسلحة حاضرة في أذهان السكان.

وتخشى شريحة واسعة من انهيار الاتفاق فجأة نتيجة خلافات سياسية أو ميدانية.

صاحب محل في سوق الحسكة، قال لعنب بلدي، “اتفقوا اليوم وقد يختلفون غدًا. المشكلة أننا نحن من ندفع الثمن. إذا انهار الاتفاق، ستعود الحرب إلى أبواب بيوتنا. نحن بحاجة إلى ضمانات فعلية، لا إلى بيانات صحفية فقط”.

وتتزايد هذه المخاوف في ظل وجود أطراف داخلية وإقليمية قد لا يخدمها هذا التقارب، ما يجعل موعد تنفيذ بند تسليم المؤسسات الخدمية والمدنية، المقرر في 2 من شباط، اختبارًا حاسمًا لصدق النوايا.

انتظار “الأفعال” لا “الأقوال”

تطوي الحسكة صفحة كانون الثاني 2026 وهي تراقب الحواجز: هل ستتغير الوجوه؟ وهل ستتوقف ملاحقات التجنيد الإجباري؟

يعيش الأهالي حالة من “الترحيب المشروط”، يرحبون بعودة الدولة، لكنهم يحذرون من استمرار القبضة العسكرية المحلية، ويخشون انهيارًا يعيد المنطقة إلى المربع الأول.

ويبقى سكان الجزيرة السورية الحكم النهائي، فإذا لم يلمسوا تحسنًا في مستوى المعيشة، وأمنهم الشخصي، وحرية تنقلهم دون قيود عسكرية، سيظل “اتفاق 30 من كانون الثاني” في نظر الشارع مجرد مناورة سياسية، بانتظار ما ستكشفه الأيام من تطبيق فعلي على الأرض.

وكان اتفاق وقف إطلاق النار الشامل بين الحكومة السورية و“قوات سوريا الديمقراطية” دخل حيز التنفيذ الجمعة، 30 من كانون الثاني، ممهّدًا الطريق لعملية دمج تدريجية في القطاعين العسكري والإداري.

وبحسب بيان مشترك، ينص الاتفاق على سحب القوات العسكرية من نقاط التماس، وتولي قوى الأمن الداخلي (وزارة الداخلية) مسؤولية مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، في خطوة تهدف إلى تعزيز الاستقرار.

وعلى الصعيد العسكري، تقرر تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد”، إضافة إلى لواء خاص بـ“قوات كوباني” يتبع لفرقة عسكرية في محافظة حلب.

أما إداريًا، فيقضي الاتفاق بدمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن هيكلية الدولة، مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وتأمين عودة النازحين، في إطار مسعى لإعادة فرض القانون واستعادة وحدة الأراضي السورية.

عنب بلدي

—————-

سفير سوريا بالأمم المتحدة: قسد لن تندمج في الجيش كقوة مستقلة

قال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم العلبي إن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لن تنضم إلى الجيش السوري كقوة واحدة وإنما كأفراد، على غرار ما حدث مع بقية الفصائل التي قاتلت خلال الثورة.

وأضاف العلبي -في مقابلة مع الجزيرة- أن الاتفاق الأخير بين الحكومة وقسد يمثل مصلحة أمنية واقتصادية وسياسية لعموم السوريين، وأن دمج المقاتلين سيدعم الجيش الموحد.

وسيجري دمج مقاتلي قسد كأفراد في ألوية وفرق عسكرية كغيرها من الفصائل التي قاتلت خلال سنوات الثورة، حسب الدبلوماسي السوري، الذي أكد رفض الحكومة وجود أي قوة عسكرية مستقلة داخل الجيش.

وجاء الاتفاق الأخير خلال فترة تمديد الهدنة التي حددتها الحكومة لمنح قسد فرصة إيجاد آلية ملائمة للاندماج في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.

ولا يهدف دمج قوات قسد في مؤسسات الدولة إلى إذلالها أو النيل منها، وإنما لأسباب وطنية، وقد قبلت الحكومة بالاندماج التدريجي خلال شهر واحد، تماشيا مع متغيرات إقليمية ودولية، كما قال العلبي.

وتابع السفير السوري أن الحكومة لم تطلب ضمانات لتنفيذ الاندماج، وقال إن الاتفاق في مصلحة قسد، مضيفا أن الدول الوسيطة أوضحت لهذه القوات مدى الأضرار التي يمكن أن تتعرض لها في حال لم تلتزم بما تم الاتفاق عليه.

خطوة تاريخية

من جهته، قال مسؤول مكتب العلاقات بمجلس سوريا الديمقراطية عبد الوهاب خليل إن الاتفاق يمثل خطوة تاريخية، لأنه يدعو لوقف القتال بشكل كامل بين المكونات السورية كافة، ويفتح باب التفاوض، ويتيح للأكراد الاندماج في الحكومة بشكل أوسع.

وأضاف خليل -في مقابلة مع الجزيرة- أنه من المتوقع أن ينعكس هذا الاندماج إيجابا على سوريا عموما، وعلى المناطق ذات الأغلبية الكردية خصوصا، لأن قوات سوريا الديمقراطية “تراه لامركزية إدارية في جوهره”.

ويتطلب الاندماج شهرا، بسبب وجود ما سماها خليل “تحديات تنظيمية تتعلق بمناطق انتشار قوات الجيش والأمن الداخلي، ويجب التعامل معها حتى لا تنعكس سلبا على الاتفاق”.

إعلان

وحسب المتحدث نفسه، فإن الولايات المتحدة وفرنسا وإقليم كردستان العراق لعبوا دورا مهما في التوصل لهذا الاتفاق، ومن ثم فإن قسد تعول على هذه الأطراف في ضمان الالتزام بما تم الاتفاق عليه مع الحكومة السورية.

المصدر: الجزيرة

—————————–

قائد قسد يؤكد: لن أتسلم أي منصب حكومي وسأبقى بين أهلي

الرياض- العربية.نت

31 يناير ,2026

بعد الإعلان عن الاتفاق الشامل بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ووسط الجدل الدائر حول الأسماء المطروحة لشغل منصب محافظ الحسكة ونائب وزير الدفاع، أكد قائد قسد أنه لن يتولى أي منصب حكومي، بل سيبقى “بين شعبه وإلى جانبه”، وفق تعبيره.

كما أوضح أن الاتفاق “سيدخل التطبيق العملي في الثاني من شباط/فبراير”.

إلى ذلك، أضاف عبدي في مقابلة مع فضائية “روناهي” ليل الجمعة أن موظفي “الإدارة الذاتية” في المناطق الكردية “سيبقون في وظائفهم ويندمجون في الوزارات الحكومية المعنية”. ولفت إلى أن “قوة أمنية محدودة” سوف تدخل الحسكة والقامشلي، مشدداً على أنه “لن تدخل قوات عسكرية أي مدينة أو قرية كردية”.

كما أكد أن قواته والقوات الحكومية ستنسحب من “خطوط الاشتباك في كوباني/عين العرب” في شمال شرق البلاد.

3 ألوية

بدورها، قالت المسؤولة الكردية إلهام أحمد في مؤتمر صحافي أمس الجمعة إن الاتفاق يعني “وقفا دائما لإطلاق النار”، موضحة أن المحادثات لا تزال جارية بين الطرفين حول تفاصيل عملية الدمج. وأكدت أن “3 ألوية” سوف تنشأ في مناطق الأكراد وسيكون عناصر من قوات سوريا الديموقراطية ضمنها، كما سيأتي القادة أيضاً من الأكراد”، على أن تشرف عليها وزارة الدفاع.

كما أوضحت أن “الولايات المتحدة وفرنسا هما الضامنتان للاتفاق”، مشيرة الى أن واشنطن “لعبت دورا سلبيا” حين اعتبرت أن دور قوات سوريا الديموقراطية في مكافحة تنظيم داعش انتهى.

فيما كان مصدر سوري حكومي أوضح سابقاً أن الدمج العسكري والأمني سيكون فردياً ضمن الألوية، بحيث تتسلم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ، ولا يكون أي جزء من البلاد خارج سيطرتها.

يذكر أن الجانبين توصلا إلى الاتفاق في ظلّ وقف لإطلاق النار بين قواتهما بدأ في 24 يناير إثر أسابيع من التوتر والاشتباكات خسرت خلالها قسد السيطرة على مساحات واسعة في شمال وشرق البلاد، مقابل تقدّم القوات الحكومية.

وكانت قوات قسد أدت دورا محوريا في سنوات النزاع السوري، إذ قاتلت بدعم أميركي تنظيم داعش، ونجحت في القضاء عليه تقريباً في الداخل السوري. وتمكّنت نتيجة ذلك من بسط سيطرتها على مناطق واسعة في شمال البلاد وشرقها تضمّ حقول نفط كبيرة، وأقامت فيها “إدارة ذاتية”.

إلا أنه منذ سقوط الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، أعلنت السلطات السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تصميمها على توحيد البلاد تحت راية الدولة.

——————-

==================

تحديث 30 كانون الثاني 2026

—————————–

ما المسكوت عنه في الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وقسد؟

وضع إعلان الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) الاتفاق على وقف إطلاق النار ودمج التنظيم في مؤسسات الدولة، حدا للتوتر السياسي والأمني في البلاد المتواصل منذ شهور.

وفي ضوء الاتفاق الجديد، وهو الثالث بعد اتفاقي العاشر من مارس/آذار الماضي و18 يناير/كانون الثاني الجاري، تتكرس الوحدة الجغرافية للدولة السورية، ومركزية الحكم في دمشق، وهما النقطتان اللتان كانتا موضع خلاف بين الحكومة وقسد.

ما الجديد في الاتفاق؟

يتميز اتفاق 30 يناير/كانون الثاني الجاري عن سابقيه، بنصه على تشكيل فرقة عسكرية من 3 ألوية من قوات قسد، فضلا عن تشكيل لواء لقوات عين العرب (كوباني) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب، وهو ما كان نقطة خلاف سابقة بين قسد والحكومة التي طلبت أن يكون انضمام قوات قسد إلى الجيش على أساس فردي، لا كتلة عسكرية.

ما أبرز فقرات الاتفاق الجديد؟

نص الاتفاق على فقرات مهمة، من بينها دمج مؤسسات الإدارة الذاتية التابعة لقسد ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

ومن الفقرات المهمة دخول قوات الأمن السورية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي لترسيخ الأمن والإشراف على عملية الدمج لاحقا.

وتضمن الاتفاق دمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجناء ومخيمات تنظيم الدولة -إضافة إلى القوات المكلفة بحماية هذه المنشآت- في مؤسسات الحكومة السورية، لتتولى الأخيرة المسؤولية القانونية والأمنية عنها بالكامل.

ما المسكوت عنه في الاتفاق؟

خلا الاتفاق من تحديد جدول زمني أو مهلة لإنجاز عملية دمج مقاتلي قسد في صفوف الجيش السوري، أو تطبيق فقرات الاتفاق، كما خلا من الإشارة إلى ملف المعابر الحدودية.

ما ملابسات الاتفاق؟

جاء الاتفاق عقب سيطرة الحكومة السورية على مساحات شاسعة من مدن وبلدات شمالي وشمال شرقي سوريا، أو ما تعرف بالجزيرة السورية، بمعارك سريعة دامت أياما معدودة.

إعلان

كذلك أُنجز الاتفاق في ظل تحركات للمبعوث الأمريكي إلى سوريا توم برّاك في المنطقة، وخصوصا لقائه بقائد “قسد” مظلوم عبدي ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني في أربيل بإقليم كردستان العراق.

هل يسلك الاتفاق الثالث مسار التطبيق العملي؟

أُنجز الاتفاق وسط أجواء تفاوضية معقدة تتضارب فيها مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين.

ورغم أن كل المؤثرين في الملف السوري يرون مصلحة في تطبيق الاتفاق، فإن الماضي القريب ينبئ باتهامات متبادلة بين الحكومة وقسد بشأن عدم الالتزام بما اتُفق عليه في اتفاقي العاشر من مارس/آذار و18 يناير/كانون الثاني، وهو ماض يبقي الباب مواربا أمام تساؤلات عما إذا كان هذا الاتفاق سيمثل نهاية فعلية للتوتر في شمال شرقي سوريا، أم محطة مؤقتة في مسار لم يُحسم بعد.

كما يبقى نجاح الاتفاق مرهونا بقدرة الحكومة السورية وقسد على معالجة ما سُكِت عنه، لا سيما آليات التنفيذ وجدوله الزمني. فالتجارب السابقة أظهرت أن غياب التفاصيل قد يحوّل التفاهمات إلى نقاط خلاف جديدة.

المصدر: الجزيرة

——————————

مقاربة دمشق لملف قسد: انعطافة في مسار توحيد الجغرافيا السورية/ فراس فحام

28 يناير 2026

تتناول الورقة مقاربة دمشق لملف قسد بوصفها انعطافة لتوحيد الجغرافيا السورية، عبر مزيج سياسي عسكري أنهى شرعية قسد، ووسَّع سيطرة الدولة، وفرض مسار اندماج، مع تداعيات محلية وإقليمية ودولية على إعادة بناء سوريا.

مقدمة

تعد مسألة توحيد الجغرافية السورية من أهم أولويات الدولة السورية التي ورثت جغرافيا منقسمة خلَّفتها سنوات الصراع السوري. شكَّلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أكبر تحدٍّ أمام السلطات لإعادة توحيد الجغرافية السورية، نظرًا لامتلاك قسد هياكل إدارية وعسكرية وأمنية منفصلة عن الدولة السورية منذ عام 2015، فضلًا عن استحواذها على أهم المناطق السورية شمال البلاد وشرقها، التي تحتوي أهم الموارد السورية مثل النفط والغاز والقمح؛ الأمر الذي منحها قدرًا كبيرًا من الاستقلالية الاقتصادية أيضًا.

تعاملت قسد في العام الأول بعد التغيير، بندية مع دمشق وقدمت نفسها على أنها نظير أو بديل عن الحكومة السورية، عبر التأكيد على أن قواتها العسكرية تضم مكونات سورية متنوعة المشارب، ووضعت رؤية دستورية خاصة بها، ترى أنها تتوافق مع مطالب “الأقليات السورية”، واحتضنت لهذه الغاية، في أغسطس/آب 2025، ما سمته “مؤتمر المكونات”. كما فتحت قسد أبوابها لاحتضان عناصر وضباط سابقين عملوا في نظام الأسد، بالإضافة إلى مطلوبين أمنيًّا فارِّين من منطقة الساحل. وتمسكت خلال مسارها التفاوضي مع الحكومة السورية بمطلب عدم دخول القوات الحكومية إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها(1).

تبنَّت قسد خطابًا تصعيديًّا ضد الحكومة السورية في أعقاب المواجهات التي اندلعت بين قوات عشائرية وفصائل درزية محلية في محافظة السويداء، في يوليو/تموز 2025، وما تبعها من تدخل القوات الحكومية ومحاولتها السيطرة على الوضع في المحافظة. وفي هذا السياق، اعتمدت شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من قسد خطابًا هجوميًّا على الحكومة السورية، مؤكدة صعوبة الموافقة على حل وتفكيك قوات قسد، وأن سلاحها سيبقى من أجل “الدفاع” عن الأكراد.

اتبعت قسد نهجًا متشددًا حيال الحكومة السورية، خاصة في المفاوضات التي استمرت بين الجانبين قرابة 10 أشهر حول كيفية تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار 2025، الذي يقضي باندماج قسد ضمن الدولة السورية. وقد أفضى هذا النهج إلى مواجهة عسكرية بين الطرفين، وتحديدًا إثر هجمات نفذتها مجموعات “تابعة” لقسد على قوات حكومية في مدينة حلب، في مطلع يناير/كانون الثاني 2026، لتمتد هذه العمليات إلى خارج محيط المدينة وصولًا إلى محافظات الجزيرة السورية، أهم مواقع تمركز قسد. بهذا دخلت العلاقة بين الطرفين مسارًا جديدًا يزاوج بين القوة الخشنة والتفاوض.

تهدف هذه الورقة إلى استعراض المسار الذي تنتهجه دمشق من أجل معالجة تحدي قوات سوريا الديمقراطية بوصفها كيانًا يطالب باستقلال ذاتي، ويرفض توحيد البلاد وفق مطالب الحكومة المركزية. كما تسعى الورقة إلى تقييم مخرجات قرابة ثلاثة أسابيع من المواجهات العسكرية، وآثارها الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتداعياتها المحتملة على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية، وآثارها المتوقعة على مسار إعادة بناء الدولة.

أولًا: حصيلة 3 أسابيع من المواجهة العسكرية ونتائجها

مرَّت المواجهات الأخيرة بين الحكومة السورية وقسد، التي امتدت من 7 إلى 21 يناير/كانون الثاني 2026، بثلاث مراحل. في الأولى منها تمكنت من السيطرة على ثلاثة أحياء داخل مدينة حلب كانت تتمركز فيها قسد، وهي: الأشرفية، والشيخ مقصود، وبني زيد. ثم استكملت القوات الحكومية عملياتها لإخراج قسد من كامل محافظة حلب وصولًا إلى دير حافر، وسد تشرين قرب منبج، باستثناء منطقة عين العرب (كوباني) التي لا تزال تحت سيطرة قسد.

المرحلة الثانية كانت على شكل انتفاضة عشائرية في الرقة ودير الزور ضد سيطرة قسد، ولم تتدخل القوات الحكومية بشكل مباشر في الأيام الأولى لهذه الانتفاضة، خاصة في المنطقة التي تقع شرق نهر الفرات، والتي بقيت طيلة السنوات السابقة حدًّا فاصلًا بين مناطق النفوذ الأميركي وباقي سوريا(2).

أما الثالثة، فقد جاءت بعد سيطرة القوات العشائرية على كامل محافظتي الرقة ودير الزور؛ حيث توغلت القوات الحكومية شرق النهر، وبدأت تتسلم المناطق التي انسحبت منها قسد، إضافة إلى دخولها معبر اليعربية في محافظة الحسكة مع العراق. وشدَّدت الخناق على ما تبقى من مناطق تحت سيطرة قسد، والتي يقطنها مئات الآلاف من المكون الكردي، سواء القامشلي، والدرباسية، والمالكية وبعض أحياء المدينة في الحسكة، أو منطقة عين العرب (كوباني) بريف حلب، لكن دون اقتحامها، فيما يبدو بهدف عدم منح التنظيم فرصة دفع الأكراد للصدام مع الحكومة تحت ذريعة الدفاع عن المناطق الكردية. ودخل الطرفان بعدها في مرحلة خفض تصعيد دون وقف كامل لإطلاق النار.

استطاعت الحكومة السورية تأمين مدينة حلب بالكامل بعد إخراج عناصر قسد المتمركزين في أحياء مرتفعة ومطلة على باقي المدينة مثل الأشرفية، واستكملت عملية التأمين هذه بعد أن سيطرت على دير حافر ومسكنة التي كانت تنطلق منها الطائرات المسيرة التابعة لقسد لضرب أهداف في حلب.

ومن شأن سيطرة الحكومة السورية على محافظتي الرقة ودير الزور، توحيد القرار الأمني بيدها، وبالتالي إغلاق الفجوات الأمنية المحتملة التي يمكن أن تنتج عن ضعف التنسيق الأمني بين أطراف أمنية متعددة، كما أن تأمين الحدود السورية مع العراق سيقلص إلى حدٍّ كبير عمليات التهريب التي تشمل الأسلحة في بعض الأحيان.

على الصعيد السياسي، أدَّت العمليات العسكرية الأخيرة إلى تآكل شرعية قوات قسد؛ فمن جهةٍ انفض عنها المكوِّن العربي وانحاز إلى الجانب الحكومي، كما ظهر بشكل واضح حجم رفض المجتمع المحلي وخاصة المناطق ذات الغالبية العربية لهيمنة قسد. من جهة أخرى، أظهرت قسد استعدادها للتخلي عن المهمة الموكلة بها من قبل التحالف الدولي، المتمثلة بحماية السجون التي يتحفظ فيها التحالف على عناصر سابقين من تنظيم الدولة، أو مشتبه بهم بالعمل مع التنظيم. بالفعل، تخلَّت قسد عن حماية سجن الشدادي بريف الحسكة دون تنسيق مع قوات التحالف؛ مما أدى إلى فرار عشرات السجناء، قبل أن تتمكن الحكومة السورية من القبض على قسم منهم فقط. في أعقاب ذلك، أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس براك، في 20 يناير/كانون الثاني 2026، انتهاء المهمة الرئيسية المكلفة بها قسد والمتمثلة بمكافحة تنظيم الدولة. الأمر الذي يعد بمنزلة نزع الشرعية السياسية وغطاء التحالف الدولي عن استخدام قسد السلاح في مواجهة الحكومة السورية، وانتقل هذا الغطاء للحكومة التي أخذت تعزز شرعيتها الدولية من بوابة مكافحة الإرهاب(3).

ولا شك أن الحكومة السورية حققت مكاسب اقتصادية مهمة نتيجة التمدد والسيطرة الجغرافية؛ إذ يتعلق الأمر باستعادة السيطرة على مناطق تضم الغالبية العظمى من احتياطيات سوريا من النفط والغاز، وتحتوي حقولًا مهمة مثل الهول والعمر وكونيكو والتنك. وفي المقابل، فقدت قسد موارد اقتصادية مهمة مكنتها على مدار قرابة 11 عامًا من توطيد أركان إدارتها الذاتية في مساحة كانت تُقَدَّر بربع الأراضي السورية، واستغلتها في توفير نفقات المتطوعين في صفوفها.

ثانيًا: التداعيات المحتملة لتطورات المشهد بين دمشق وقسد

من المتوقع أن تفضي تطورات المشهد الأخيرة بين دمشق وقسد في المديين، القريب والمتوسط، إلى جملة من التداعيات، يمكن تصنيفها على ثلاثة أصعدة رئيسية:

الصعيد المحلي: من الواضح أن المنجزات العسكرية التي حققتها الحكومة السورية على حساب قسد، أعطت الحكومة زخمًا شعبيًّا جديدًا مشابهًا للزخم الذي حصلت عليه عندما كانت تترأس إدارة العمليات العسكرية وأطاحت بنظام الأسد.

وجاءت هذه المنجزات بعد ازدياد منسوب الانتقادات للحكومة، وبالأخص من المكون العشائري العربي، على خلفية ما عدَّه تساهلًا في التفاوض مع قسد على حساب سكان المناطق العربية التي تسيطر عليها. غير أنه بعد سيطرة الحكومة على الرقة ودير الزور سجلت مراكز تجنيد الأمن والجيش إقبالًا كبيرًا من أبناء المنطقة بهدف الالتحاق بمؤسسات الدولة؛ ما عكس ازدياد الثقة الشعبية بهذه المؤسسات.

وبعد أن أظهرت الحكومة السورية قدرتها على كسر حالة الاستعصاء في ملف قسد، وتمكنت من تقويض مشروع “الإدارة الذاتية المستقلة” إلى حدٍّ كبير، من خلال المزاوجة بين المسارين، السياسي والعسكري، بات من المرجح أن تنخفض التوقعات حيال إمكانية تأسيس أقاليم ذاتية كما كانت تطرحها قوى علوية ودرزية مرتبطة بالمرجعيتين الدينيتين، غزال غزال وحكمت الهجري، واللذان حضرا مؤتمر المكونات الذي عُقد برعاية قسد، في شهر أغسطس/آب 2025.

أدَّت العمليات العسكرية ضد قسد إلى حالة من التشنج في بعض الأوساط الكردية السورية عمومًا، ولاسيما في ظل الدعاية التي مارسها التنظيم والقائمة على تصوير تلك العمليات بوصفها استهدافًا للكرد. وقد دفع ذلك الحكومة السورية إلى العمل على تخفيف حالة الاحتقان، وتقليص قدرة قسد على الاستثمار فيها، وذلك من خلال إصدار المرسوم رقم 13 لعام 2026، الذي تضمن الاعتراف بالحقوق الثقافية والمدنية للمكون الكردي في سوريا. أسهم هذا المرسوم في خلق مزاج إيجابي لدى شريحة من القوى السياسية والمجتمع المدني الكردي؛ إذ قرأت هذه القوى المرسوم وإجراءات الحكومة بتسهيل عودة نازحين أكراد إلى مناطق غادروها قبل قرابة 8 سنوات مثل عفرين، بوصفها مؤشرات على رغبة الحكومة وجديتها في توفير الرعاية لكافة مكونات المجتمع وإعادة بناء الدولة السورية على أسس جديدة(4).

وفي السياق نفسه، عملت الحكومة على تعزيز مشاعر الاطمئنان اتجاهها؛ إذ أظهرت خلال عملياتها العسكرية اهتمامًا واضحًا بمعالجة الآثار الإنسانية؛ فقامت بفتح ممرات آمنة لمغادرة السكان المحليين إلى مناطق بعيدة عن الاشتباكات مع توفير ملاذ آمن للنازحين. وقد تجلَّى ذلك في إيواء نازحي الأشرفية والشيخ مقصود ضمن ملاجئ في منطقة عفرين، وسهَّلت عودتهم إلى منازلهم مع انتهاء العملية ضمن الحيين. واستطاعت بهذا النهج أن تعطي انطباعًا بأن المؤسستين، العسكرية والأمنية، في تطور مستمر، وأن قيادات هذه الأجهزة عزَّزت من مستوى السيطرة المركزية على العناصر؛ ما أدى لانخفاض الانتهاكات في العمليات العسكرية. وذلك بخلاف ما حدث في محافظة السويداء، منتصف عام 2025؛ حيث سجلت تجاوزات بحق المدنيين عقب دخول فصائل حديثة الاندماج ضمن الجيش، إلى جانب قوات عشائرية غير نظامية(5).

الصعيد الإقليمي: لملف قسد امتدادات إقليمية، بحكم أن وحدات حماية الشعب، المكون الكردي الأكبر داخل قسد والمهيمن على قرارها، ترتبط بعلاقات فكرية وسياسية عابرة للحدود مع أحزاب كردية فاعلة في المنطقة، وبالتحديد في العراق وتركيا. ويزيد من حساسية البعد الإقليمي أن العديد من قيادات الوحدات هم في الأصل قياديون ضمن حزب العمال الكردستاني. ظهرت هذه الارتباطات بوضوح عقب اندلاع المواجهات بين قسد والحكومة السورية؛ إذ تدخل الحزب الديمقراطي الكردستاني، الحاكم في إقليم كردستان العراق، ورعى مسعى وساطة بين الجانبين. وفي المقابل، دفع كل من حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بعناصر محسوبة عليهما للقتال إلى جانب “وحدات حماية الشعب”، إضافة إلى زيارة وفد من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب التركي الكردي إلى سوريا(6).

إن حرمان وحدات الحماية من عائدات النفط والغاز التي كانت تبيعها للداخل السوري أو لجهات ضمن إقليم كردستان العراق، يعني بالضرورة تقليص قدرتها على توفير التمويل لحزب العمال الكردستاني، الذي كان يحصل على جزء من هذه العائدات. إضافة إلى ذلك، فإن سيطرة الحكومة السورية على قسم كبير من الحدود مع العراق، من شأنها قطع خطوط الاتصال بين الوحدات، ومنطقة سهل سنجار التي ينشط فيها حزب العمال الكردستاني. ومن المتوقع أن يؤدي هذا إلى إضعاف موقف الحزب، وتقليص هامش مناورة القيادات الرافضة لمسار التسوية السياسية التي يقودها زعيم الحزب المحتجز في تركيا، عبد الله أوجلان.

ومن جهة أخرى، فتحت التطورات الأخيرة الباب أمام تعاظم التأثير الإقليمي في الملف السوري؛ إذ ازداد حضور تركيا في المشهد السوري، بوصفها إحدى الدول الأكثر تأثرًا بما يجري على حدودها. ويأتي ذلك في ظل قيام قيادات في حزب العمال وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب، في أكثر من مناسبة، بربط مصير مسار عملية السلام مع تركيا، التي انطلقت مطلع عام 2025، بتطورات الوضع في شمال سوريا وشرقها، مع إظهار رغبة في توظيف ملف قسد ورقة ضغط للتأثير على مواقف الحكومة التركية.

أيضًا، دخلت حكومة إقليم كردستان العراق بشكل رسمي في الملف السوري، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع الجانب الأميركي، وانفتاح الحكومة السورية على توسيط طرف كردي إقليمي غير مرتبط بتيار العمال الكردستاني “المتشدد”، وهذا أتاح المجال أمام أربيل لرعاية وساطة بين قسد والحكومة السورية، واستضافة مباحثات شارك فيها المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس براك، وقائد قسد، مظلوم عبدي، نتج عنها التوصل إلى اتفاق 18 يناير/كانون الثاني 2026 المتضمن وقف إطلاق النار والبنود الخاصة بآلية إدماج قسد ضمن الدولة السورية.

على صعيد التداعيات السورية على الإقليم، أسهم وصول قوات الحكومة السورية إلى الحدود العراقية، فيما يبدو وبدرجة معينة، في قرار قوى الإطار التنسيقي العراقية وبدعم من إيران، المتعلق بترشيح نور المالكي لمنصب رئيس الحكومة بوصفه خيارًا محسوبًا على “تيار الصقور”. هذا الخيار يعكس على الأرجح قلق إيران وأطراف شيعية عراقية من تبدل موازين النفوذ، في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، ومن بينها ما تشهده سوريا من توسع في سيطرة الحكومة ذات الخلفية الإسلامية، والمتموضعة ضمن محور تركي عربي، إلى جانب تطور علاقتها مع إدارة ترامب الأميركية. وتتزايد هذه المخاوف مع احتمال انعكاس هذه التغيرات على المشهد العراقي ولاسيما مواقف القوى السياسية والعشائرية السنية، التي تكتلت مؤخرًا ضمن المجلس السياسي الوطني، وتعمل على زيادة فاعليتها وتأثيرها.

ومن غير المستبعد أن يؤدي تآكل قوة قسد وفقدانها للغطاء السياسي الأميركي إلى تراجع اندفاعة إسرائيل نحو الاستثمار فيها، ولاسيما بعد أشهر من تبادل إشارات ورسائل إيجابية، وعقب مطالبة قسد لتل أبيب بدعمها.

الصعيد الدولي: سرعان ما برزت التداعيات الدولية لتطورات المشهد في شمال شرق سوريا؛ إذ سُجِّل تراجع ملحوظ في مستوى الدعم الأميركي لقسد، بالتوازي مع مؤشرات واضحة على ازدياد الثقة بالحكومة السورية. ويعزى ذلك إلى سلوك قسد خلال المسار التفاوضي، وعجزها عن الوفاء بالاتفاقيات المرتبطة بالاندماج ضمن الدولة السورية، والتي جرى التوصل إليها برعاية أميركية، فضلًا عن تقليص التزاماتها المتعلقة بحماية سجون احتجاز عناصر تنظيم الدولة.

وبالفعل، بدأت القوات الأميركية بنقل سجناء تنظيم الدولة إلى العراق، بالتزامن مع تقارير تشير إلى أن الجيش الأميركي يدرس خيار الانسحاب من سوريا بشكل كامل. وعليه، قد تتجه واشنطن إلى حصر دورها في التنسيق الأمني مع الحكومة السورية عبر مستشارين، من دون وجود عسكري رسمي مباشر(7).

كذلك دفعت سيطرة الحكومة السورية على الغالبية العظمى من مساحة سوريا، باستثناء جيب صغير في ريف حلب وشريط ضيق بمحافظة الحسكة، روسيا -فيما يبدو- إلى إعادة تقييم سياساتها وجدوى بقاء قاعدتها في مدينة القامشلي ضمن مناطق سيطرة قسد. وبدأت بالفعل عملية نقل طواقم لها من القاعدة باتجاه قاعدة حميميم الواقعة ضمن مجال سيطرة الحكومة السورية.

ثالثًا: المآلات المستقبلية لملف قسد وآثاره على إعادة بناء الدولة

وفقًا للمعطيات الداخلية والخارجية الراهنة، لم يعد من الممكن بقاء قسد على الصيغة السابقة التي كانت تمثل حالة استثنائية ضمن الدولة السورية، فهي فقدت مساحات واسعة من سيطرتها، ونزعت عنها الشرعية الدولية المتمثلة بمكافحة الإرهاب، كما لا يمكنها أن تعوِّل طويلًا على دعم عابر للحدود من قبل أحزاب كردية أخرى، لأن هذا سيستجلب أيضًا المزيد من الدعم السياسي والأمني والعسكري للحكومة السورية، لما تشكِّله هذه الأحزاب من تهديدات لدول إقليمية وعدم قبول دولي.

كما أن المجتمع الدولي عمومًا بات يطالب باندماج قسد في الدولة السورية، بما فيها الدول التي لا تزال تمتلك علاقات جيدة مع التنظيم مثل فرنسا، التي تؤكد مؤخرًا ضرورة دمج الأكراد في الدولة السورية.

بناء على ما سبق، تبدو قسد أمام استحقاق حاسم يتمثل في الاندماج ضمن الدولة السورية وفق صيغة مقبولة لمختلف الأطراف، سواء اختارت هذا المسار نتيجة تفاوض أو بعد جولة جديدة من المواجهات الميدانية وتشديد الخناق عليها لتقديم تنازلات لاحقة والتراجع عن مطالب الاحتفاظ بالإدارة الذاتية، أو اللامركزية على أساس عرقي.

من المرجح أن تواصل الحكومة اتباع مسارها المنفتح القائم على الإقرار بخصوصية المكونات السورية، في إطار إظهار قدرتها على الاحتواء، على غرار ما فعلته عند إصدار المرسوم رقم 13، وتتجه على الأغلب إلى تقبل مشاركة المكون الكردي في إدارة المناطق التي يشكل فيها ثقلًا سكانيًّا، إضافة إلى إيلاء مهمة حفظ الأمن إلى عناصر كردية لكن تحت سقف الارتباط بالسلطة المركزية دون أن يُفْضِ ذلك إلى حالة إدارية أو أمنية مستقلة.

إن الآلية التي اعتمدتها الحكومة السورية في معالجة ملف قسد، والمتضمنة ترك هوامش للمجتمع المحلي للمشاركة في إدارة شؤونه، من المتوقع أن تُعمَّم لاحقًا لتكون نموذجًا للحل في محافظة السويداء التي لا يزال قسم منها خارج سيطرة الحكومة. وبذلك قد يكرِّس ملف قسد نموذج حكم لا مركزي إداري جغرافي يراعي، إلى حدٍّ ما، المشاركة المحلية في الإدارة والأمن، ليصبح هذا النموذج خيارًا عمليًّا للحكومة ويمكِّنها من استيعاب مختلف المكونات السورية، وليعزز ثقة المجتمع المحلي والأطراف الدولية بقدرتها على إدارة البلاد. خاصة أن الحكومة أظهرت، خلال المواجهات الأخيرة مع قسد، عدم رغبة في الصدام مع المكون الكردي؛ إذ حصرت المواجهة إلى حدٍّ كبير، مع قوى عسكرية سعت إلى تكريس حالة استعصاء ضمن الدولة. ويتجلى ذلك في عدم المسارعة إلى اقتحام التجمعات السكانية الكردية والعمل على إجلاء السكان قبل أي عمليات عسكرية، إضافة إلى فتح ممرات إنسانية واتخاذ إجراءات أخرى لاحتواء الوضع.

خاتمة

حرصت الحكومة السورية على مدار أشهر من المفاوضات على إبداء قدر من المرونة، بما عكس أمام الوسطاء الدوليين تبنيها للحلول السياسية، ثم عززت هذا المسار بسلوك منضبط خلال عملياتها العسكرية التي انطلقت من أحياء حلب، مع تقديم المساعدات للنازحين الكرد من الحيين (الأشرفية والشيخ مقصود)، لتعطي انطباعًا بأنها قادرة على إدارة البلاد بشكلها المتنوع.

بالمقابل، أظهرت المشاركة الواسعة للعشائر العربية في “الثورة” على قسد داخل الرقة ودير الزور وجود حالة سخط محلي إزاء الطريقة التي أدارت بها قسد المناطق المتنوعة سكانيًّا. كما كشفت المواجهة الأخيرة عن تورط قواتها في انتهاكات بحق السكان العرب، فضلًا عن تصفيات استهدفت سجناء سابقين، وتبين كذلك احتجازها أطفالًا قاصرين في سجونها لا علاقة لهم بتنظيم الدولة. هذه العوامل عمومًا أسهمت في التأثير على الموقف الأميركي وأضعفت ثقته بجدوى استمرار دعم قسد خارج إطار الدولة السورية.

وعلى الرغم من احتفاظ وحدات حماية الشعب بمواقع سيطرة جغرافية، إلا أن الواضح أنها فقدت مظلة “قوات سوريا الديمقراطية” التي كانت تقدم الأخيرة نفسها من خلالها على أنها إطار جامع لمكونات متعددة، وقادرة على تمثيل الجميع.

قد أسهم ذلك في تكريس البعد العرقي في نهج الوحدات، ولاسيما مع اعتماد قسد المتزايد على حزب العمال الكردستاني، الذي أرسل دفعات من مقاتليه الموجودين في العراق لمساندة الوحدات في سوريا. وبذلك، أكدت الوحدات، فعليًّا، ارتباطها بالحزب المدرج على قوائم الإرهاب الدولية بعد سنوات طويلة من نفي هذا الارتباط.

وفي السياق نفسه، كشفت التطورات الأخيرة في سوريا أن الفاعلين الدوليين المؤثرين في المشهد السوري يدعمون مبدأ وحدة الأراضي السورية، بغضِّ النظر عن آلية إدارة البلاد التي يتوافق عليها السوريون. ومن شأن نجاح الحكومة السورية في استحقاق دمج المكوِّن الكردي ضمن الدولة أن يفتح المجال لاحقًا لمعالجة ملف السويداء العالق.

نبذة عن الكاتب

فراس فحام

باحث مهتم بالصراعات في منطقة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية، رئيس وحدة الدراسات في مركز أبعاد، له العديد من الأوراق التحليلية حول سياسات الفاعلين الدوليين في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط، منها: إيران وحرب غزة: التحديات والفرص والنهج المحتمل، محركات الانفتاح الدولي والعربي على النظام السوري ومآلاته.

مراجع

1.كواليس ما قبل وبعد اتفاق الشرع-عبدي وانهياره، صحيفة المدن، 20 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1iwPG

2.المتحدث باسم الداخلية السورية: انتفاضة العشائر سرعت عملية التحرير بالرقة ودير الزور، الإخبارية السورية، 20 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1iwY9

3.واشنطن: مهمة قسد انتهت، والحكومة السورية مستعدة لتولي الأمن، وكالة الأناضول، 20 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1nx44

4.المجلس الوطني الكردي السوري: مرسوم الشرع حجر أساس لبناء سوريا لا مركزية ديمقراطية وإنهاء عقود من المظالم، كردستان 24، 18 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 26 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1ix4C

5.عودة آخر العائلات إلى الأشرفية والشيخ مقصود بعد إغلاق آخر مركز إيواء في حلب، وكالة سانا، 14 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 26 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1nx6O

6.وصول عناصر من بي كي كي إلى الحسكة لمؤازرة قسد، الخابور، 25 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 26 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1nx7S

7.واشنطن تدرس انسحابًا عسكريًّا كاملًا من سوريا بعد انهيار قسد، الجزيرة نت/ وول ستريت جورنال، 23 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 26 يناير/كانون الثاني 2026)، https://h7.cl/1nx9Q

مركز الجزيرة للدراسات،

—————————–

اتفاق “قسد” والحكومة السورية: تفاهم سياسي بانتظار الترجمة الميدانية/ محسن القيشاوي

30 يناير 2026

توصلت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار في شمال شرق البلاد، في خطوة وصفها مراقبون بأنها تمهيد لإعادة الدمج التدريجي للقوات العسكرية والإدارية، وفرض الاستقرار في المناطق الخاضعة للإدارة الذاتية.

خطوات دمج واستقرار في شمال شرقي سوريا

ووفقًا للبيان الرسمي للحكومة السورية، يشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس في مدينتي الحسكة والقامشلي، مع دخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية لتعزيز الاستقرار وبدء دمج القوات الأمنية في المنطقة.

كما تقرر تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد”، بالإضافة إلى لواء لقوات كوباني ضمن فرقة مرتبطة بمحافظة حلب. ويشمل الاتفاق أيضًا دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

وأكد البيان أن الهدف من الاتفاق هو توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون، وتحقيق عملية دمج كامل في المنطقة عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد.

من جهته، أكد المكتب الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” أن الاتفاق يمثل خطوة تاريخية نحو الحل السياسي والتسوية الشاملة في شمال شرق سوريا، ويعكس التزام الطرفين بتخفيف الاحتكاك العسكري وتهيئة الأرضية لإدارة مشتركة للمنطقة.

وأشار البيان إلى البدء بإخلاء المباني الإدارية والأمنية في القامشلي، بما فيها مكاتب الشرطة والسجل المدني والمحاكم، تمهيدًا لتسليمها للحكومة السورية، مع استمرار التنسيق لضمان حقوق الموظفين والمجتمع المحلي، ومراعاة الخصوصية الثقافية والسياسية للسكان المحليين.

خطوات ميدانية تمهيدية

شهدت منطقة شمال شرق سوريا قبل الإعلان عن الاتفاق خطوات ميدانية ملموسة، حيث وصل عدد من الموظفين والمسؤولين الحكوميين إلى مناطق سيطرة الجيش السوري والعشائر العربية في محافظة الحسكة. كما أخلت قوات الأمن الداخلي (الأسايش)، الذراع الأمنية لقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، مبنى مديرية المنطقة ضمن المربع الأمني في مدينة القامشلي، والذي كان تحت سيطرتها.

ويضم المبنى مكاتب قيادة الشرطة التابعة للحكومة السورية، إلى جانب عدد من المؤسسات والدوائر الحكومية، بينها مكتب السجل المدني والأحوال المدنية، ومبانٍ تابعة لوزارة العدل والمحاكم، إضافة إلى مديرية الزراعة.

وقد فسرت مصادر محلية هذه التحركات على أنها تمهيد لتسليم هذه المرافق إلى الحكومة السورية. وتشير مصادر كردية إلى أن وصول الموظفين والمسؤولين الحكوميين إلى مناطق سيطرة الجيش السوري والعشائر العربية يعكس الحراك السياسي والأمني المتسارع الذي تشهده المنطقة تمهيدًا لتنفيذ الاتفاق.

علاقة معقدة واتفاق هشّ

يعد هذا الاتفاق هو الرابع بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، ويأتي في وقت تتشابك فيه علاقات الطرفين بين التعاون المشروط والصراع المباشر، ما يطرح أكثر من سؤال حول استدامة هذا التفاهم وقدرته على الصمود في المدى القريب أو المتوسط.

على الورق، يحمل الاتفاق عناصر تقارب واضحة: انسحاب القوات المتحاربة من نقاط التماس، دمج تدريجي للقوات الأمنية، ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية داخل مؤسسات الدولة السورية مع الحفاظ على الحقوق المدنية للسكان المحليين. وقد تزامنت هذه البنود مع تحركات ميدانية معلنة، أبرزها إخلاء مبانٍ أمنية في القامشلي وتسليمها إلى الحكومة، ووصول مسؤولين حكوميين إلى مناطق حسكة.

لكن قراءة المشهد يكشف أن هذه التطورات لا تعكس تحوّلًا جذريًا في العلاقة بين دمشق و”قسد” بقدر ما تمثّل تسوية مؤقتة نتجت عن تقاطعات وإدراك متبادل لثمن استمرار الصراع.

الحكومة السورية: بين المصالح والضغوط

بالنسبة لدمشق، يمثل الاتفاق فرصة لإعادة الشرعية والسيطرة على أراضٍ كانت خارج نطاق الدولة السورية الفعلي منذ سنوات. دمج مؤسسات الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية، يترجمان رغبة الحكومة في فرض سيطرتها المركزية وإعادة بناء مؤسساتها في الشمال الشرقي.

وتعكس التحركات الحكومية في الحسكة والقامشلي فهمًا لإمكانية استغلال النفوذ المتراجع لقوات سوريا الديمقراطية، خاصة بعد اتهامات الحكومة لها بانتهاك اتفاق آذار/مارس 2025، وما تلا ذلك من شن الجيش السوري عمليات عسكرية استهدفت مواقع “قسد” داخل مدينة حلب ومناطق شمال شرقي سوريا، ما أدى إلى استعادة مساحات واسعة من الأراضي. كما يرتبط هذا التوجه بضغط دولي وإقليمي، وخاصة من الولايات المتحدة، التي تسعى إلى تحقيق استقرار نسبي في منطقة استراتيجية دون الانخراط المباشر في مواجهة مفتوحة.

“قسد”: توازن بين الأمن والهوية

من جانبها، تحاول قسد الموازنة بين الحفاظ على مكاسبها الأمنية والإدارية وبين تجنّب مواجهة “مؤلمة” مع الدولة السورية. وقد عبر بيانها عن رغبة في تجنّب تصعيد، مع الحفاظ على ما يمكن من تأثير سياسي وإداري في مناطق سيطرتها.

لكن “قسد” تواجه خيارات صعبة: قبول دمج قواتها العسكرية والأمنية في هيكل الدولة قد يقلّص من استقلاليتها الفعلية، في حين أن رفضه قد يهدّد بعودة التصعيد العسكري. وتسعى “قسد” إلى احتواء المجتمع المحلي، وضمان حقوق مكوّناته، لكن تلك الجهود مرهونة بقدرتها على ضمان حماية فعّالة ضمن إطار الدولة.

هل يصمد الاتفاق؟

لا يمكن اعتبار الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية تحولًا نهائيًا في العلاقة بين الطرفين، بل يمثل مرحلة انتقالية. ويعتمد صموده على مدى قدرة الطرفين على بناء آليات تنفيذ واضحة وفعالة، تضمن ترجمة نصوص الاتفاق إلى واقع ملموس على الأرض. كما يرتبط استمراره بقدرة الأطراف على التوصل إلى توازن مع القوى الفاعلة دوليًا، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي لا تزال تمثل عامل تأثير رئيسي في مجريات الصراع.

وبناءً على ذلك، فإن الاتفاق، رغم كونه يمثل فرصة لتهدئة الصراع في شمال شرق سوريا، يظل هشًا وقابلًا للانهيار ما لم يُدعّم بنوايا تنفيذ صادقة، وآليات مراقبة مستقلة، وتفاهمات سياسية أوسع تأخذ في الاعتبار التنوعات المحلية والإقليمية، بما يضمن استقرار المنطقة على المدى المتوسط على الأقل.

الترا سوريا

—————————–

 عن رحلة قسد من الصعود إلى الانهيار/ محمود علوش

2026.01.30

كانت سوريا حتى اندلاع الثورة في عام 2011 استثناءً من دول الانتشار الكردي في عدم وجود قضية كردية فيها ذات حيثية سياسية وعمل مسلح مصممين لخلق قضية.

ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة، أهمها أن النظام السابق كان قوياً بما فيه الكفاية لمنع ظهور مثل هذه الحالة، رغم أنه استثمرها في بعض الأحيان لابتزاز تركيا، عندما احتضن مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي وزعيمه عبد الله أوجلان في تسعينيات القرن الماضي. وذلك ما يفسر كيف أن الكرد في سوريا لم يتمكنوا من تحويل حالتهم إلى قضية على غرار دول الجوار، رغم أنهم تعرضوا لسياسة الاضطهاد وإنكار الهوية بشكل أكبر مما كان الحال عليه في ذلك الوقت في الدول الثلاث الأخرى: تركيا والعراق وإيران. أتطرق إلى اندلاع الثورة في هذا الإطار لأنها كانت محطة مفصلية أمام ظهور قضية كردية في سوريا، وهذه نتيجة طبيعية عندما تضعف الدولة المركزية في سوريا وتغرق في حرب.

وقد نجح حزب العمال الكردستاني في استثمار تلك اللحظة السورية من أجل التأسيس لحالة كردية سياسية وعسكرية في سوريا ترفع مشروعه في دول الانتشار الكردي، بعدما تعرض لانتكاسة في تركيا. ومن هنا بدأت رحلة صعود وحدات حماية الشعب الكردية، قبل أن تتطور إلى مشروع سياسي لاستنساخ تجربة إقليم كردستان العراق في سوريا، مستفيدة من الحرب على داعش للخروج من إطارها الجغرافي الكردي المحدود في شمالي سوريا، والسيطرة على منطقة شرق الفرات، ومحاولة التمدد إلى الغرب لربط مناطق سيطرتها في شرق الفرات بغربه، وصولاً إلى عفرين. ولم يكن بمقدور الوحدات الكردية تحقيق ما حققته من خلق قضية كردية لولا الدعم الأميركي لها. وهذا الدعم الذي قدمته واشنطن كشراكة مع الكرد السوريين في الحرب على الإرهاب، كان غطاءً لمشروع إقليم كردستان سوريا الذي عملت عليه باهتمام بالغ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.

علاوة على ذلك، عزز تواطؤ نظام بشار الأسد في مشروع الوحدات الكردية من زخمه. كان للأسد أسباب متعددة في تمكين هذا المشروع، أبرزها تحويله إلى حليف له في مواجهة المعارضة السورية، والتماهي مع المشروع الأميركي في سوريا لتحفيز واشنطن على التراجع عن هدف الإطاحة به، وهذا ما حصل فعلاً منذ أن قررت واشنطن إحداث تحول كبير في سياستها السورية قبل منتصف العقد الماضي، من التركيز على الإطاحة بالأسد إلى تمكين المشروع الكردي تحت غطاء الحرب على داعش. مع ذلك، بدأت أولى انتكاسات هذا المشروع في عام 2016 عندما انخرطت تركيا عسكرياً وبشكل مباشر في سوريا لقطع الطريق على الوحدات الكردية في ربط مناطق سيطرتها في شرق الفرات بغربه، ثم التدخل العسكري في شرق الفرات في عام 2019 وإنشاء جيب فيه خاضع لنفوذها. ويمكن النظر إلى التدخل التركي على أنه الضربة الأولى والبداية الفعلية لسقوط مشروع قسد.

وفي الواقع، استمد التدخل التركي قوته وفعاليته ليس من الانخراط العسكري المباشر بحد ذاته فحسب، بل من حقيقة أن الديمغرافيا لم تكن عاملاً مساعداً للحالة الكردية السياسية والعسكرية لتمكين مشروعها في شمال سوريا. فغالبية سكان الجزيرة السورية على سبيل المثال من المكون العربي، وتبلغ نسبتهم ما يقرب من سبعين في المئة من عدد السكان. وقد سعت قسد للتغلب على هذه المعضلة من خلال استراتيجية التهجير القسري والتغيير الديمغرافي التي مارستها في مناطق كثيرة مثل الرقة ومنبج ودير الزور والحسكة وغيرها. لكن هذا النهج لم ينجح في نهاية المطاف في التغلب على قوانين الديمغرافيا في المشاريع السياسية ذات الهوية القومية.

حتى سقوط نظام بشار الأسد، استطاعت قسد إحداث استقرار إلى حد كبير في حالتها السياسية كإدارة ذاتية شبيهة بالحكم الذاتي، لكن التحول السوري شكل الضربة الثانية لمشروعها. فعلاوة على أن النظام الجديد في سوريا وضع نصب عينيه إعادة توحيد سوريا، فقد أصبح شريكاً استراتيجياً لأنقرة في مواجهة المشروع الانفصالي الكردي في الشمال. إن الاندفاعة التركية، التي عرقلت المشروع الأميركي لإنشاء إقليم للكرد في شمال سوريا، إلى جانب سقوط نظام بشار الأسد وظهور نظام جديد حليف لأنقرة، والفرص التي أوجدها التحول السوري للولايات المتحدة لتحويل سوريا من دولة معادية لها ولسياساتها في الشرق الأوسط إلى دولة حليفة لها، من العوامل التي أسهمت في إحداث تحول جذري أميركي في المشروع الكردي السوري.

وحتى في الوقت الذي راهنت فيه قسد على عدم قدرة الرئيس أحمد الشرع في إحداث استقرار للسلطة وفي التعامل مع التحديات الكبيرة التي واجهت سوريا في مرحلة ما بعد التحول على صعيد التعامل مع أزمتي الساحل والسويداء والتدخل الإسرائيلي، وعلى صعيد قدرته في إقناع العالم بأنه قادر على حكم سوريا بالنظر إلى خلفيته الإسلامية والجهادية السابقة، فإن قدرة الشرع في تفكيك هذه التحديات شكلت الضربة الثالثة لمشروع قسد. وقد استثمر الشرع ما حققه خلال عام ونيف من حكمه لسوريا في التأسيس القوي لمرحلة الاندفاعة الموجهة لإنهاء مشروع قسد. في رحلة صعود قسد وانهيارها دروس كثيرة، منها أن القوة والاحتضان الأميركي لا يمكن أن يتغلبا في النهاية على الديمغرافيا والجغرافيا التي تضع على حدود المشروع السياسي الكردي السوري دولة وجهت جانباً كبيراً من استراتيجيتها الأمنية وسياساتها مع دول الجوار لعقود طويلة من أجل كبح النزعات الانفصالية الكردية داخلها وفي جوارها.

تلفزيون سوريا

———————

هل خيبة أمل الأكراد في سوريا واقعية؟/ كمال أوزتورك

أكتب هذا المقال من داخل سوريا. هناك فجوات واسعة بين ما أراه بعيني وما يقال في الرأي العام، وكثير مما يتداول لا يعكس الحقيقة.

عندما دخلت حي الشيخ مقصود في حلب، حيث بدأت أول الاشتباكات بين “وحدات حماية الشعب” (YPG) والجيش السوري في 6 يناير/كانون الثاني 2026، شعرت بصدمة وحزن عميقين. فالطرقات والشوارع والمنازل التي رأيتها كانت أشبه بمخيم للاجئين.

هذا الحي الذي بقي قرابة 15 عاما تحت سيطرة، التي كانت تعرف نفسها ممثلا للأكراد، بدا لي شبيها بمخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين في لبنان. الطرق مليئة بالحفر، والطين في كل مكان. أسلاك الكهرباء مكشوفة ومتشابكة كشبكة عنكبوت، البيوت مهدمة ومتهالكة، وفقر الناس واضح على وجوههم من النظرة الأولى.

في الشوارع التي تجولت فيها لم تكن هناك آثار قتال أو حرب حديثة، وهذا البؤس لم يكن جديدا. فبدلا من إعمار المنطقة، أنفقت وحدات حماية الشعب الأموال في مكان آخر: في حفر الأنفاق تحت الأرض.

    كان سكان الأحياء الكردية يعيشون تحت ضغط وقمع شديدين من قبل التنظيم، ولذلك لم يرغبوا في الحديث أمام الكاميرات. أما الأكثر جرأة فذكروا أن “وحدات حماية الشعب” لم تستثمر في الأحياء بأي شكل، ومارست التمييز بين العرب والأكراد، واعتقلت الناس بشكل تعسفي

أنفاق تمر من داخل المسجد

يقع مسجد الشيخ حسن على أطراف حي الشيخ مقصود، في موقع مرتفع يطل على مدينة حلب. استولى مقاتلو وحدات حماية الشعب على المسجد، وأقاموا داخله متاريس من أكياس الرمل. كُسرت جدرانه، وحولت إلى نقاط قنص.

في وسط المسجد تماما فتحت حفرة كبيرة، وأصبحت ممرا إلى الأنفاق المحفورة تحت المسجد. كانت هناك أنفاق عديدة محفورة باتجاه داخل الحي. وقد بني المسجد على صخرة صلبة جدا، ما جعل من الواضح أن حفر الأنفاق تم بصعوبة بالغة.

هذه الأنفاق المظلمة، ذات الأرضية الطينية، امتدت مئات الأمتار في اتجاهات متعددة. بينما كنت أمشي فيها بصعوبة، كان عنصر أمني يشرح لي أن هذه الأنفاق مليئة بالفخاخ والألغام.

كان مقاتلو “وحدات حماية الشعب” يأتون عبر هذه الأنفاق إلى المسجد، يطلقون النار ويخوضون الاشتباكات، ثم ينسحبون عبر الأنفاق نفسها ليختبئوا داخل الحي. وكانت آثار الاشتباكات العنيفة واضحة على بنية المسجد التي تحولت إلى أنقاض.

إعلان

فقد كانت هناك ثقوب كبيرة لقذائف مدفعية في القبة والجدران. وتحت كلمة “الله” المكتوبة في جهة القبلة وضعت أكياس الرمل، وكانت الجدران مثقوبة بالرصاص بشكل كثيف.

في المباني المقابلة للمسجد نشرت قناصة ورشاشات ثقيلة، وأطلقت منها النيران، ولذلك تحولت تلك الأبنية أيضا إلى خراب. وعندما اشتدت الاشتباكات وضيق الخناق على مقاتلي “وحدات حماية الشعب” في المسجد ومحيطه، انسحبوا نحو داخل الحي وحولوا مستشفى إلى موقع قتالي.

وعندما دخلت المستشفى، كان واضحا من آثار الرصاص والصواريخ على الجدران أن اشتباكات عنيفة دارت هناك أيضا. كانت السماعات الطبية، والأدوية، ومعدات المستشفى متناثرة على الأرض. ملصقات عبدالله أوجلان المعلقة على الجدران كانت ممزقة وملقاة على الأرض، والأسرة والنقالات في غرف المرضى كانت مبعثرة.

كان هذا المكان، كالمسجد، ساحة حرب، وموقع اشتباك بين القوات السورية ومقاتلي “وحدات حماية الشعب”.

البؤس في حي الشيخ مقصود

لا ينبغي الاعتقاد أن كل أنحاء حي الشيخ مقصود كانت على هذا النحو، إذ لم تحدث اشتباكات في كل المناطق. لكن عندما تجولت في الأحياء الأخرى، رأيت آثارا عميقة للبؤس والفقر والتخلف في الشوارع. الحقيقة أنني حزنت كثيرا؛ فطريقة العيش المفروضة على الأكراد كانت مخجلة.

قبل الحرب الأهلية، كان عمال المنطقة الصناعية في حلب يسكنون هذه الأحياء، أي أنها كانت في الأصل أحياء الفقراء. لكن بعد سيطرة “وحدات حماية الشعب” تغير التركيب السكاني بالكامل: ارتفعت نسبة الأكراد من 45% إلى 80%، فيما هاجر العرب والمسيحيون. ومع الحرب الأهلية وإدارة “وحدات حماية الشعب”، ازداد الفقر والبؤس في الحيين.

بدلا من إصلاح الطرق وشبكات الكهرباء والبنية التحتية، أنفقت “وحدات حماية الشعب” الأموال على حفر الأنفاق تحت الأرض.

“وحدات حماية الشعب” أرهقت الناس

كان سكان الأحياء الكردية يعيشون تحت ضغط وقمع شديدين من قبل التنظيم، ولذلك لم يرغبوا في الحديث أمام الكاميرات. أما الأكثر جرأة فذكروا أن “وحدات حماية الشعب” لم تستثمر في الأحياء بأي شكل، ومارست التمييز بين العرب والأكراد، واعتقلت الناس بشكل تعسفي. واشتكى المتدينون بشكل خاص من العداء الذي أبدته “وحدات حماية الشعب” تجاه المساجد والحياة الدينية.

حتى لو لم أستمع إلى هذه الشكاوى، فإن البؤس والفقر اللذين رأيتهما بعيني كانا كافيين لفهم مدى سوء الإدارة التي مارستها “وحدات حماية الشعب”، وكيف أرهقت الناس وجعلتهم يائسين. ومن خلال مقابلات أجريت مع السكان في المدن الأخرى التي حكمتها “وحدات حماية الشعب”، تبين أن الوضع كان مشابها هناك أيضا.

كل ذلك يظهر كيف أهدرت “وحدات حماية الشعب” فرصة تاريخية في جغرافيا شاسعة كانت تسيطر على ثلث سوريا تقريبا. فبدلا من كسب قلوب الناس، والتعاون معهم، وإعمار المدن، وتقديم نموذج حكم ناجح، أمضت سنواتها في حفر الأنفاق تحت الأرض.

أخطاء التصور العالمي حول “وحدات حماية الشعب”

أنا الآن في الطريق من حلب إلى الرقة، وأواصل كتابة مقالي في السيارة. السائق لا يبدو مستغربا من السيارات التي تسير في الاتجاه المعاكس، أما أنا فأراقب البؤس والخراب في القرى والمباني على جانبي الطريق.

إعلان

لا يمكن لبلد أن يكون أكثر فقرا وبؤسا من هذا. ستة عقود من الدكتاتورية وأربعة عشر عاما من الحرب الأهلية دمرت هذا البلد الجميل، ولا يزال بعيدا عن السلام.

واليوم، لا تزال البلاد تعاني بسبب مطالب الحكم الذاتي والاستقلال من قبل “وحدات حماية الشعب” والدروز والنصيريين، وبسبب الاحتلال والإرهاب الإسرائيلي. هذا المشهد المؤلم يؤثر فيّ إنسانيا بعمق.

كانت الرقة ودير الزور مدينتين عربيتين، وكانت العشائر العربية تسيطر عليهما فعليا. لكن تحت ضغط الولايات المتحدة ولأسباب مادية، تعاونت هذه العشائر مع “وحدات حماية الشعب” ضمن إطار قوات سوريا الديمقراطية “قسد” عام 2015. وانضمت الحسكة وعين العرب (كوباني) والقامشلي ودير حافر إلى هذا الإطار. تكفلت الولايات المتحدة بكامل نفقات “قسد”، بل ومنحتها أيضا عائدات النفط في تلك المناطق.

تعيين مظلوم عبدي قائدا لقسد أدى إلى انتشار صورة مفادها أن كامل القوة المسلحة، التي بلغ عددها نحو 45 ألفا، كانت تحت سيطرة “وحدات حماية الشعب”، بل أعلن مظلوم عبدي أن عدد القوات وصل إلى 100 ألف، لكن هذا لم يكن صحيحا. ومن الحقائق غير المعروفة أيضا أن “وحدات حماية الشعب” لم تملك يوما سيطرة كاملة على العشائر.

ورغم ذلك، ساد في العالم تصور بأن الأكراد (مع أن “وحدات حماية الشعب” لم تكن تمثل كل الأكراد) يشكلون قوة كبرى في سوريا، وهو تصور لا يمت للواقع الميداني بصلة.

ومع هذه التصورات الخاطئة، ومع سوء الإدارة، والعنصرية، والتمييز، والفساد في المدن التي سيطرت عليها “وحدات حماية الشعب”، كانت النهاية محتومة.

كيف تغيرت السيطرة على المدن بهذه السهولة؟

اتبعت “وحدات حماية الشعب” في جميع المناطق التي سيطرت عليها سياسة تمييزية وعنصرية ضد غير الأكراد وضد من لا يتبنى أيديولوجيتها، بمن فيهم عشائر كردية. استخدمت المساعدات الأمريكية، وعائدات النفط والكهرباء والضرائب والتجارة لمصالحها التنظيمية، وارتكبت عمليات فساد هائلة، بمليارات الدولارات.

عندما التقيت في حلب الدكتور أسامة مسلم، ابن شقيق صالح مسلم قال لي:

“قادة وحدات حماية الشعب اغتنوا من الفساد وهربوا ثرواتهم إلى الخارج. لم يمنحوا الأكراد ولا العرب أي نصيب من الإيرادات. ازداد فقر شعبنا، وساد البؤس في كل المناطق التي حكمتها “وحدات حماية الشعب”.

هذه المظالم دفعت بعض العشائر العربية إلى التمرد عام 2023 في دير الزور. اندلعت اشتباكات عنيفة امتدت حتى ريف حلب الشمالي. لم تتدخل الولايات المتحدة، بل دعمت “وحدات حماية الشعب” سرا، بينما اكتفى النظام الإيراني ونظام الأسد بالمشاهدة. انسحبت العشائر العربية بعد خسائر كبيرة”

لم تأخذ “وحدات حماية الشعب” مطالب العشائر العربية على محمل الجد، واعتمدت على الدعم الأمريكي للاحتفاظ بالمدن والأراضي، وكان ذلك خطأ قاتلا، واجهت حقيقته المؤلمة مطلع هذا العام.

أما الرئيس أحمد الشرع، فقد انتهج سياسة ذكية، وبنى علاقات دافئة مع العشائر العربية، التي دعمت نتيجة لذلك اتفاق 10 مارس/آذار. لكن قادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل لم يكونوا راضين عن الاتفاق، ولم يكن مظلوم عبدي قادرا على مخالفتهم.

وبأمر من “العمال الكردستاني” دخلت “وحدات حماية الشعب” في اشتباكات مع الجيش السوري في حيي حلب، وكانت تلك بداية الهزيمة الكبرى. أعلنت العشائر العربية تباعا انسحابها من “قسد” وانضمامها إلى صفوف حكومة دمشق. وهكذا تغيرت السيطرة على الرقة ودير الزور ودير حافر خلال أيام قليلة، ما صدم العالم، لكنه لم يكن مفاجئا في الواقع السوري.

وصفت “وحدات حماية الشعب” انتقال الناس إلى الطرف الآخر بـ”الخيانة”، لكن الحقيقة أن الناس، بمن فيهم الأكراد الوطنيون، غيروا موقفهم هربا من الظلم.

لماذا صفت الولايات المتحدة “وحدات حماية الشعب”؟

بعد فترة قصيرة من تسويق مظلوم عبدي لقاءاته مع المسؤولين الأمريكيين إعلاميا، واجه صدمة نفسية كبيرة. فقد أعلن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم برّاك، عبر تغريدة، أن العمل مع “قسد” انتهى، وأن الولايات المتحدة ستتعاون مع الحكومة السورية. كان ذلك من أكثر اللحظات رمزية في مسار الحركة الكردية المسلحة. وجدت “وحدات حماية الشعب” نفسها فجأة وحيدة، واتهمت الولايات المتحدة بـ”الخيانة”.

إعلان

الأكراد في المهجر، الذين خدعتهم “وحدات حماية الشعب” بتشويه الحقائق، أصيبوا بصدمة ربما أكبر من مظلوم عبدي، ووجهوا الاتهامات للجميع، وفي مقدمتهم تركيا. حاول حزب “حزب المساواة وديمقراطية الشعوب” (DEM) عبر التظاهرات دعم “وحدات حماية الشعب”، لكن دون جدوى.

رأت الولايات المتحدة الواقع الميداني، وفهمت أن دعم “قسد” لم يعد منطقيا في مواجهة قيادة قوية يمثلها أحمد الشرع، وتحظى بدعم تركيا، والسعودية، وقطر ودول أخرى. وكان اعتماد “وحدات حماية الشعب” و”حزب العمال الكردستاني” الأعمى على الولايات المتحدة، وعدم استخلاص الدروس من التاريخ، سبب خيبة الأمل الكبرى.

ليس الأكراد من يجب أن يصابوا بخيبة الأمل، بل “وحدات حماية الشعب”.

ليس كل أكراد سوريا يدعمون “وحدات حماية الشعب”. فهم مختلفون أيديولوجيا، ومعظمهم متدينون، في مقابل “وحدات حماية الشعب” الاشتراكية التي حولت المساجد إلى متاريس. لكن ضعفهم منعهم من تغيير الوضع، فالتزموا الصمت.

هذه السياسات والصراعات والتحالفات لا تمثل الأكراد السوريين. لذلك، بعد تخلي الولايات المتحدة والعشائر العربية عن قسد، لم يشعر الأكراد غير الانفصاليين بخيبة أمل.

الخيبة الحقيقية يجب أن تكون من نصيب “وحدات جماية الشعب” و”حزب العمال الكردستاني”، لأنهم أخطؤوا قراءة المرحلة، وفشلوا في التفاوض، ولم يلتزموا بالاتفاقات، ولم ينجحوا في بناء المدن أو كسب قلوب الناس. وتنظيم بهذه الصفات لا ترغب الدول ولا العشائر ولا أصحاب العقول في التعامل معه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

مراسل الجزيرة نت في تركيا

الجزيرة

———————–

تطورات الشمال الشرقي السوري: هل هذه نهاية قسد؟

27 يناير 2026

خلال أيام قليلة تغيرت خارطة السيطرة على الأرض في الشمال الشرقي لسوريا. انطلقت الأحداث باشتباكات في حيين بمدينة حلب بين قوات الأمن التابعة للدولة السورية ومسلحين تابعين لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتطورت إلى تقدم سريع للجيش السوري انتهى بالسيطرة على محافظتي دير الزور والرقة والوقوف على أبواب عين العرب والحسكة. فهل تطوي هذه التطورات ملف الانقسام والتمرد الذي قادته قسد في سوريا منذ 2014؟

في السادس من يناير/كانون الثاني 2026، اندلعت اشتباكات في حلب بين قوات أمن الدولة السورية الجديدة ومسلحين يتحصنون في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، يتبعون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات القيادة الكردية. لم يكن اندلاع الاشتباكات مفاجئًا؛ ذلك أن المسلحين في الحيَّين لم يتوقفوا عن تصعيد التوتر من وقت لآخر في المدينة السورية الأكثر سكانًا في البلاد والمركز الصناعي والاقتصادي الأكبر والأهم. والأرجح، أن قيام مسلحي الأشرفية والشيخ مقصود بإطلاق النار على قوات الأمن المتمركزة في أطراف الحيين كان مدفوعًا هذه المرة بسعي قيادات قسد، وثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني، للضغط على دمشق، ومنع تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار 2025 بين الرئيس الشرع وقائد قسد، مظلوم عبدي.

ما لم يضعه دعاة التمرد والانقسام في قسد وحزب العمال في الحسبان أن عودتهم إلى العبث بأمن حلب سيؤدي إلى سلسلة من التداعيات، التي بدأت بخروج مسلحيهم كلية من المدينة بعد خمسة أيام فقط من اندلاع الاشتباكات، وإلى اندفاع قوات الجيش السوري لاستعادة السيطرة على كل المنطقة في ريف حلب الشرقي، وإلى إصدار الرئيس السوري مرسومًا يسحب من الأطراف الكردية مبرراتها الانفصالية، وإلى توقيع مظلوم عبدي، عن بُعد، في مساء 18 يناير/كانون الثاني، اتفاقًا جديدًا مع الرئيس الشرع، هو أقرب إلى الاستسلام.

ما الذي حدث في سوريا في أسبوعي المواجهة بين قسد والدولة السورية الجديدة؟ كيف ولماذا انهارت قوات قسد، وتهشَّمت صورتها الأسطورية، بهذه السرعة؟ وهل سيضع اتفاق 18 يناير/كانون الثاني، وما تلاه من تفاهمات، بين مظلوم عبدي والرئيس الشرع، نهاية لملف الانقسام والتمرد الذي قادته قسد في سوريا منذ 2014؟

من حلب إلى الجزيرة السورية

وصل مظلوم عبدي على رأس وفد من قيادة قسد إلى دمشق، في 4 يناير/كانون الثاني، أي قبل يومين فقط من بدء الاشتباكات في حلب. كان من المفترض أن يلتقي عبدي المسؤولين السوريين في دمشق، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، موعد الانتهاء من ترتيبات تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار. ولكن قائد قسد طلب تأجيل جولة المباحثات إلى موعد لاحق، انتظارًا لنتائج زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، للولايات المتحدة ولقائه الرئيس ترامب في 29 ديسمبر/كانون الأول.

كانت قيادات حزب العمال وقسد، التي بدأت اتصالات مع الإسرائيليين منذ أوائل 2025، تأمل بأن يساعد نتنياهو على تغيير موقف إدارة ترامب من اتفاق 10 مارس/آذار، وتأمين غطاء أميركي لوجود قسد واحتفاظها بمواقع سيطرتها. ولأن نتنياهو فشل في إقناع ترامب بالتخلي عن سياسة دعم وحدة سوريا واستقرارها، لم يجد عبدي مناصًا من الذهاب إلى دمشق. ولكن، وبخلاف المتوقع، لم ينجح اللقاء بين عبدي ومسؤولي الحكومة السورية في إحراز أي تقدم ملموس. والأرجح، أن الجناح الأكثر تشددًا في قسد، والذي تربطه بحزب العمال علاقات وثيقة، دفع إلى إشعال الموقف في حلب للتوكيد على انهيار الاتفاق، والمحافظة على سوريا ساحة نشطة لحزب العمال الكردستاني، بعد أن كان الحزب قد انخرط فعلًا، بدعوة من مؤسسه عبد الله أوجلان، في عملية سلام وتخلٍّ عن العمل المسلح في تركيا.

لا شك أن سيطرة قسد على الأشرفية والشيخ مقصود ظلت مصدر قلق كبير للقيادة السورية منذ انهيار نظام الأسد، في ديسمبر/كانون الأول 2024، ليس فقط لأن مسلحي قسد لم يتوقفوا عن الإخلال بأمن المدينة التي تعد المركز الرئيس للاقتصاد السوري، ولكن أيضًا لأن الوجود المسلح في أكبر مدن سوريا يعزز الانطباع بعجز الدولة السورية عن فرض سيادتها على بلادها وشعبها، ويشجع قسد على المضي في مشروعها الانفصالي. لذلك، فإن فشل مباحثات دمشق، من ناحية، والعبث بأمن واستقرار حلب، من ناحية أخرى، دفعا القيادة السورية إلى العمل على حسم الموقف في الأشرفية والشيخ مقصود.

استدعى الأمن السوري العشرات من العناصر الكردية السورية المنخرطة في صفوفه، إضافة إلى وحدات الجيش التي تضم جنودًا كردًا سوريين، للمساعدة على طمأنة أهالي الأشرفية والشيخ مقصود، الذين طُلب منهم إخلاء الحيين مؤقتًا إلى أن يتم إخراج المسلحين. ولم تتطلب العملية الأمنية أكثر من خمسة أيام، قُتل خلالها عدد من مسلحي قسد وعناصر تابعة للنظام السابق كانوا يقاتلون إلى جانبهم، واستسلم عشرات آخرون. انتهت العملية، بعد أن تبين عجز المسلحين عن المقاومة، بإعلان قسد، في فجر 11 يناير/كانون الثاني، عن إخلاء حلب من عناصرها، والموافقة على أن تقوم السلطات السورية بنقل من استسلم منهم إلى مناطق نفوذ القوات الكردية في شرق الفرات.

ولأن مواقع تمركز قسد الأخرى في ريف حلب الشرقي استُخدمت لإطلاق طائرات مسيرة على مواقع قوات الدولة السورية في حلب أثناء أيام الاشتباكات، فقد طالبت القيادة السورية بإخلاء فوري لمسلحي قسد من أماكن تواجدها في غرب الفرات. ولكن قيادة قسد لم تستجب لطلب الإخلاء؛ ما استدعى تقدم القوات السورية باتجاه كفر حافر ومسكنة، ومن ثم جنوبًا إلى الطبقة، التي تشرف على سد الفرات، أكبر وأكثر سدود الفرات حيوية. وبعد أن نجحت قوات الجيش السوري في محاصرة مسلحي قسد على إثر اشتباكات محدودة في عدد من المواقع، أعلنت قيادة قسد الانسحاب من غرب الفرات، ثم من سد الفرات الثاني، سد تشرين.

ومنذ صباح 19 يناير/كانون الثاني، بدأت محافظتا دير الزور والرقة تشهدان انشقاق أعداد متزايدة من أبناء العشائر العربية، الذين كانوا قد التحقوا في السابق بصفوف قسد. وقد نجح أبناء العشائر في طرد قوات قسد من مراكز تواجدها في ريف دير الزور، سيما حقول النفط الرئيسة الثلاثة في المحافظة، ومن معظم أحياء مدينة الرقة. ولأن قوات الجيش السوري كانت قد عبرت بالفعل نهر الفرات إلى الجزيرة، فقد أتمت سيطرتها على محافظتي دير الزور والرقة، وبدأت تمشيط مواقع تمركز قسد السابقة، تمهيدًا لتسليم المدينتين لأجهزة الأمن التابعة لوزارة الداخلية، والمسؤولين عن قطاعات الخدمات المختلفة.

ولكن، وعلى الرغم من أن مظلوم عبدي كان قد وقَّع اتفاقًا جديدًا مع الشرع يقضي بوقف إطلاق النار وإخلاء محافظتي دير الزور والرقة، وعودة إدارات الدولة السورية إلى محافظة الحسكة، إلا أن مسلحي قسد في الجزيرة لم يكترثوا للاتفاق الجديد، ولم تشهد المحافظتان واقعة انسحاب واحدة دون ضغط عسكري من الجيش السوري. على العكس من ذلك، لجأ مسلحو قسد إلى إطلاق مئات من معتقلي تنظيم الدولة من سجن الشدادي، الذي كان تحت إدارة قسد، وهو ما عدَّته القيادة السورية ابتزازًا سافرًا. ثم أخلوا مخيم الهول سيء السمعة؛ حيث يُحتجز الآلاف من عوائل مقاتلي داعش، دون تسليمه للدولة السورية. كما اعتصم مسلحو قسد في سجن آخر في الرقة، ولم يوافقوا على الخروج منه إلا في 23 يناير/كانون الثاني، بعد تهديد الجيش السوري باقتحام السجن بالقوة.

كان الهدف من استخدام ملف السجون إثارة مخاوف القوى الغربية من احتمال عودة داعش إلى النشاط في الجزيرة. ولكن هذا التصرف أثار الأميركيين ولم يوقف الجيش السوري عن التقدم. فقد بدا أنه تسلم أوامر قاطعة بحسم الموقف في محافظات الجزيرة جميعًا، بما في ذلك محافظة الحسكة، المركز الرئيس لقسد وإدارتها الذاتية.

مساء 19 يناير/كانون الثاني، كانت القوات السورية قد أحكمت سيطرتها على الشدادي في منتصف الطريق بين الحسكة ودير الزور. ومع نهاية اليوم التالي، كانت وحدات من الجيش السوري قد أحاطت بمدينة الحسكة من ثلاث جهات، بينما بدأت وحدات أخرى في طرق أبواب عين العرب (كوباني)، في الجانب الشرقي من الفرات وريف حلب. وهذا ما طرح السؤال حول هشاشة البنية العسكرية لقسد وتداعي إرادة القتال لدى عناصرها، التي طالما حاولت قياداتها إظهارها في صورة الحارس الصلب للإدارة الذاتية.

قسد: النشأة والمسار

وُلدت قسد، في 2015، باقتراح أميركي، لتوسيع نطاق وحدات حماية الشعب، التي كانت قد تشكلت في 2014 ذراعًا مسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني (PYD)، الذي وُلد بدوره في 2003 بوصفه الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. خلال العامين الأولين من الثورة السورية، وقبل بدء التعاون مع الأميركيين، عملت قوات حماية الشعب على قمع القوى السياسية الكردية الأخرى في محافظة الحسكة، وأحكمت سيطرتها على معظم مدن وقرى الوجود الكردي.

ضمَّت قسد، بتشجيع وتمويل وتسليح أميركي، عشرات الآلاف من أبناء العشائر العربية في الجزيرة، وأعدادًا من السريان والآشوريين، وأقامت إدارة ذاتية في مناطق سيطرتها. ولكن قيادة قسد ظلت كردية حصرًا، كما حافظت وحدات حماية الشعب على وضعها المركزي في التشكيلات العسكرية. بل إن حزب العمال الكردستاني أرسل عناصر قيادية من جبال قنديل إلى سوريا لتأمين سيطرته على قرار قسد والإدارة الذاتية. وبعد سقوط نظام الأسد، استقبلت منطقة السيطرة الكردية أعدادًا متزايدة من عناصر النظام وأجهزته الذين قاتل معظمهم إلى جانب وحدات قسد العسكرية.

لم تكن قسد منظمة عسكرية أيديولوجية نقية بل كانت أقرب إلى تجمع من القوى والأفراد الذين جاؤوا من خلفيات متنوعة وبدوافع مختلفة. بعض أعضاء قسد هم فعلًا من الأكراد الذين تلقوا تدريبًا وتثقيفًا في دوائر حزب العمال الكردستاني، وبعضهم من الشبان الأكراد أو السريان العاطلين، الذين جذبتهم إغراءات الوظيفة والمكافآت المالية السخية، سيما بعد تراجع مخاطر القتال ضد تنظيم الدولة، أو الذين جُنِّدوا بالقوة. أما المسلحون العرب، فجُلُّهم كان ممن نظَّمتهم القوات الأميركية في الجزيرة لقتال داعش وظل ولاؤهم في الحقيقة لعشائرهم.

ينحدر كل من وزير الخارجية السوري ورئيس جهاز الاستخبارات السورية في أصولهما من منطقة الجزيرة. كما أن جهاد عيسى الشيخ، القيادي السابق في هيئة تحرير الشام، الذي عينه الشرع مستشارًا للرئيس مسؤولًا عن ملف العشائر، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، هو ابن قبيلة البكارة، إحدى أكبر عشائر شمال وشمال شرقي سوريا. ولا يستبعد أن يكون هؤلاء جميعًا قد أسهموا بصورة فعَّالة في انشقاق أبناء العشائر عن قوات قسد، في الرقة ودير الزور، وانحيازهم إلى جانب الدولة السورية. كما لعب أسلوب قسد في إدارة المناطق التي كانت تحت سيطرتها، وسوء معاملتها للأغلبية العربية في الجزيرة، دورًا في تصاعد الرفض لقسد حتى قبل انهيار النظام السابق.

وليس ثمة شك في أن اتخاذ القوات الأميركية في المنطقة موقفًا محايدًا من المواجهة بين قسد وقوات الجيش السوري، تسبب في انهيار فادح في معنويات مقاتلي قسد، الذين اعتادوا الاعتماد على الدعم الأميركي الكبير في كافة مواجهاتهم السابقة مع داعش. وهذا ما تسبب، في النهاية، في هشاشة تماسك قسد العسكري وانهيار قدرتها على القتال. في حلب، وفي ريفها، كما في الرقة وبعض المواقع في دير الزور، كانت قلَّة فقط من العناصر الكردية المؤدلجة وبعض بقايا نظام الأسد من قاتلت الجيش السوري بصلابة وتصميم. بينما استسلمت أعداد كبيرة أو تركت مواقعها سريعًا وغادرت إلى الحسكة. وما إن بدأ الجيش السوري في عبور الفرات إلى الجزيرة حتى انقلبت العناصر العربية على قوات قسد الأخرى. ولكن المؤكد أيضًا أن الطريقة التي أدارت بها القيادة السورية تعقيدات الأزمة، والمقاربة التي تبنَّتها سريعًا للملف الكردي، أسهمت بصورة مباشرة في عزلة قسد السياسية، سوريًّا وإقليميًّا ودوليًّا، وفي هزيمتها في نهاية المطاف.

السياق السياسي والتطورات العسكرية

أَوْلَت القيادة السورية ومنذ اللحظات الأولى لاندلاع الاشتباكات في الأشرفية والشيخ مقصود اهتمامًا كبيرًا للسياق السياسي للعمليات العسكرية التي تعهدها الجيش لحسم الموقف في حلب وريفها، وفي محافظات الجزيرة السورية. وقد حرصت دمشق على إطلاع مبعوث الرئيس ترامب لسوريا، السفير الأميركي في أنقرة، توم براك، على تعثر تطبيق اتفاق مارس/آذار، الذي كان قد وُقِّع أصلًا بوساطة أميركية، وعجز مظلوم عبدي عن التصدي لهيمنة حزب العمال على شؤون قسد والإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا.

والواضح أن دمشق دأبت على التواصل مع الجانبين الأميركي والتركي وإطلاعهما على تطورات الحملة العسكرية، وكافة جوانب التفاوض مع قسد. وتشير الاتصالات الهاتفية بين الرئيس السوري وكل من الرئيس أردوغان وأمير قطر وولي العهد السعودي إلى أن هذه الدول الثلاث لعبت دورًا فعَّالًا في تطور الموقف الأميركي من وحدة سوريا واستقرارها، وفي تحذير الإسرائيليين من التورط في الملف الكردي السوري.

في 16 يناير/كانون الثاني، وبينما كان الجيش السوري يحرز تقدمًا ملحوظًا في إجبار قوات قسد على إخلاء مواقعها في ريف حلب وجانب الفرات الغربي، أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، المرسوم 13 لعام 2026، الذي خُصِّص لمعالجة المسألة الكردية في سوريا. أكد المرسوم على الحقوق المواطنية لكافة الأكراد السوريين، وألغى كافة الإجراءات التي ترتبت على إحصاء 1962 سيء السمعة، الذي حرم الكثير من الأكراد من جنسيتهم السورية، واعترف بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد في مناطق أغلبيتهم السكانية، وأعلن يوم النيروز عيدًا وطنيًّا للإخاء وعطلة مدفوعة الأجر.

لا شك أن إصدار المرسوم في ذلك التوقيت كان خطوة ذكية من القيادة السورية، ساعدت على طمأنة المجتمع الكردي، وأعادت التأكيد على الهوية الوطنية الجامعة للدولة الجديدة. وكان هذا المعنى هو ما حرَّك الآلاف من السوريين، الأكراد والعرب، للخروج إلى الشارع في دمشق وعفرين للاحتفال بالمرسوم الرئاسي الجديد. كما استُقبل المرسوم في واشنطن بقدر كبير من الارتياح. في المقابل، دفعت الإدارة الذاتية في الحسكة وقامشلي بمتحدثين باسمها أو مقربين منها للتقليل من قيمة المرسوم. وكانت جهات في دمشق قد أشارت إلى أن المرسوم كان يفترض أن يصدر ضمن سياق تطبيق اتفاق مارس/آذار، ولكن نكوص قسد عن الالتزام بالاتفاق دفع الرئيس السوري إلى إصداره بغضِّ النظر عن موقف قسد.

في ظل توازن القوى الجديد بين قسد ودمشق، تحرك المبعوث الأميركي لسوريا، توم براك، وبدأ العمل على تنفيذ اتفاق مارس/آذار، دون المزيد من تفاقم العنف وسفك الدماء. وتكشف خطوات براك في الأيام التالية عن أن تحركه استند إلى تحول جوهري مسبق في مقاربة إدارة ترامب للوضع السوري، وإلى تفاهمات بين أنقرة ودمشق وواشنطن بخصوص الوجود الكردي المسلح في سوريا.

في 17 يناير/كانون الثاني، التقى توم براك مظلوم عبدي، بحضور الزعيم الكردي العراقي، مسعود بارزاني. وكان لافتًا أن اللقاء تم في أربيل وليس الحسكة، وفي ضيافة بارزاني، المعروف بعدائه لحزب العمال الكردستاني. خلال اللقاء، الذي بدا فيه موقف مظلوم عبدي ضعيفًا، هاجم براك قسد، واتهمها بالتعاون مع إيران ومحاولة جرِّ إسرائيل إلى معركة مع تركيا في سوريا. وقال لعبدي إنه خدعه وخدع الرئيس السوري بالتهرب المتكرر من تطبيق اتفاق مارس/آذار. وأكد براك أن قسد، من وجهة نظر إدارة ترامب، قد انتهت، ولم يعد ثمة مبرر لوجودها. بذلك، وضع براك أمام عبدي الخطوط العريضة لما يمكن أن يتم الاتفاق عليه لوقف العنف، ودعاه للالتحاق به في دمشق في اليوم التالي.

في 18 يناير/كانون الثاني، جرى اتصال هاتفي بين الرئيس الشرع والسيد مسعود بارزاني، حرص خلاله الرئيس السوري على طمأنة الزعيم الكردي العراقي بشأن موقف الدولة السورية الجديدة من المسألة الكردية. وطلب منه دعم جهوده لإخراج حزب العمال الكردستاني من سوريا، ودعم جهود الدولة السورية في التعامل مع الوضع في الشمال الشرقي. وفي مساء اليوم نفسه، وصل توم براك للاجتماع بالرئيس السوري في دمشق، بينما أعلن عن أن الظروف الجوية وقفت حائلًا أمام التحاق مظلوم عبدي باللقاء. انتهت مباحثات براك مع الشرع إلى اتفاق ملحق باتفاق مارس/آذار 2025، وقَّع عليه الرئيس السوري حضورًا بينما وقَّع عليه مظلوم عبدي عن بعد.

وضع الاتفاق الجديد تفسيرًا محددًا لكافة المسائل التي لم تكن قد وُضعت في صياغات محددة في اتفاق مارس/آذار. ونصَّ على إخلاء قسد لمحافظتي الرقة ودير الزور، وعلى عودة أجهزة الدولة السورية إلى محافظة الحسكة، وهو ما يعني نهاية ما يسمى بالإدارة الذاتية. كما نص على إخلاء كافة المظاهر العسكرية في عين العرب (كوباني)، بينما ترك مصير قوات قسد في محافظة الحسكة ليُبحث ضمن ترتيبات إدماج مسلحيها في مؤسستي الجيش والأمن، بصورة فردية.

في 19 يناير/كانون الثاني، وبينما كانت قوات قسد تقاوم تقدم الجيش السوري في الجزيرة، وصل عبدي إلى دمشق، والتقى بالرئيس الشرع في اجتماع استمر خمس ساعات. طالب الشرع عبدي بالتنفيذ الفوري لاتفاق اليوم السابق، وعرض عليه تسمية مرشح لمنصب مساعد وزير الدفاع، وآخر لمنصب محافظ الحسكة، وطلب منه أسماء للتمثيل في مجلس الشعب وأخرى للتوظيف ضمن مؤسسات الدولة السورية. ولكن عبدي تنصل من التزامات اتفاق اليوم السابق، الذي كان قد وقَّعه بالفعل، وعاد إلى المطالبة بإدارة ذاتية كاملة في محافظة الحسكة، ودمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري كوحدات عسكرية وليس كأفراد، وطالب بمهلة خمسة أيام لبحث بنود الاتفاق مع قيادات قسد الأخرى، يتوقف خلالها الجيش السوري عن التقدم في الجزيرة.

تشير بعض التقارير إلى أن توم براك غادر الاجتماع قبل نهايته غاضبًا من تنصل قسد من التزامات الاتفاق الذي كان هو شخصيًّا من توسط في إتمامه، ويبدو أنه أبلغ واشنطن بذلك؛ وهو ما دفع الرئيس ترامب إلى إجراء اتصال هاتفي مع الرئيس الشرع، مباشرة بعد نهاية اللقاء مع عبدي أكد خلاله على وحدة سوريا وسيادة دولتها، في تحول واضح لموقف واشنطن من مشروع قسد الانقسامي. كما دعا ترامب الشرع إلى ضرورة تأمين مراكز احتجاز مسلحي داعش، التي كانت قسد أخلتها دون تنسيق مع الدولة السورية. 

في مساء 20 يناير/كانون الثاني، وبينما كان الجيش السوري على أبواب عين العرب والحسكة، أُعلن في دمشق عن تفاهمات إضافية بشأن محافظة الحسكة، أكدت على البنود التي تضمنها اتفاق 18 يناير/كانون الثاني، ومنحت قسد مهلة أربعة أيام تبدأ من مساء اليوم نفسه. خلال المهلة، كان على قسد أن تتوصل إلى توافق بين قياداتها على ترتيبات اندماج محافظة الحسكة في إدارات الدولة السورية، بما في ذلك وزارة الداخلية، على أن تحافظ الأطراف خلالها على وقف إطلاق النار، ويتوقف الجيش السوري عن التقدم إلى القرى والمدن ذات الأغلبية الكردية في المحافظة. نصَّت الهدنة كذلك على تعيين نائب لوزير الدفاع السوري ومحافظ للحسكة، ترشحهما قسد، وعلى انخراط عناصر قسد العسكرية في الجيش والأمن السوري طبقًا للاتفاق السابق، عبر آلية يجري الاتفاق عليها.

مصير قسد وشمال شرقي سوريا

يمكن القول بأن قسد انتهت فعليًّا منذ تقدمت القوات السورية وسيطرت على معظم الجزيرة. وبانشقاق عشرات الآلاف من المسلحين العرب، وإعلان واشنطن نهاية المهمة التي كانت أوكلت إليها، عادت قسد إلى وضعها الأصلي: وحدات حماية الشعب، الذراع المسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي، فرع حزب العمال الكردستاني في سوريا. المؤكد أنه لا قسد ولا الاتحاد الديمقراطي، ولا وحدات حماية الشعب، كان باستطاعتها، في أية لحظة تمثيل كافة الكرد السوريين والتحدث باسمهم جميعًا.

لم يستطع الاتحاد الديمقراطي كسب ولاء معظم أكراد عفرين، ولا ولاء معظم أكراد حلب ودمشق. ولم يلعب الاتحاد الديمقراطي، ولا وحدات حماية الشعب، دورًا مؤثرًا في مسار الثورة السورية ضد نظام الأسد. وفي كل حالات التَّماس بين وحدات حماية الشعب، أو قسد، ومواقع نظام الأسد في الجزيرة، كانت قوات النظام تخلي مواقعها لصالح القوات الكردية بأوامر من دمشق. وظلت خطوط الاتصال بين الطرفين مفتوحة إلى وقت قريب من سقوط النظام. الدور الأساسي الذي لعبته قوات حماية الشعب، سيما بعد تشكيل قسد والتحالف مع الأميركيين، كان في القتال ضد داعش.

لا شك أن سيطرة أذرع حزب العمال الكردستاني على مناطق الأغلبية الكردية في شمال شرقي سوريا كانت وبالًا على القضية الكردية في سوريا. وقد أوقعت أنظمة الحكم المتعاقبة في دمشق ظلمًا فادحًا بأكراد شمال شرقي سوريا، نظرًا للوفود المتأخر لهذا القطاع من المجتمع الكردي إلى سوريا. ولكن المطالب الانفصالية لم تكن ذات انتشار واسع في صفوف الكرد السوريين، ولا أسست جذورًا عميقة في الخطاب السياسي الكردي السوري. وإلى حدود اندلاع الثورة السورية وبدء موجات الهجرة الكردية إلى أوروبا، لم يكن الأكراد يمثلون أكثر من أربعين بالمئة من سكان محافظة الحسكة.    

منذ انطلاق الثورة السورية، شارك أهالي الحسكة والقامشلي في كافة الفعاليات الشعبية، كما شارك أكراد سوريون في هيئات الثورة التمثيلية، مثل المجلس الوطني وائتلاف قوى الثورة. وكان واضحًا أن قيادات الثورة، السياسية منها والعسكرية، تبدي تفهمًا ووعيًا بالمسألة الكردية، وتحرص على أن تكون معالجة مظالم الأكراد السوريين في صدر أولويات الثورة وتصورها لسوريا الجديدة. وبعد نجاح هيئة تحرير الشام والقوى المتحالفة معها في إطاحة نظام الأسد، لم تتوان القيادة السورية الجديدة، في كافة اللقاءات مع مظلوم عبدي ووفود قسد، عن تأكيد عزم دمشق على معالجة المسألة الكردية في إطار المواطنة الجامعة ووحدة ومساواة كافة جماعات الشعب السوري.  

وليس من الواضح طبيعة العلاقة بين الاتحاد الديمقراطي السوري ووحدات حماية الشعب، من جهة، وقيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، من جهة أخرى، أو بالأحرى ما انتهت إليه هذه العلاقة. ثمة من يرى أن مظلوم عبدي ورفاقه من الكرد السوريين أكثر عقلانية وبراغماتية، ولكن حزب العمال الكردستاني يقف حائلًا أمام محاولة التوصل إلى تفاهم مع دمشق. ويرى آخرون أن ما يجري ليس سوى لعبة توزيع أدوار تقليدية، وأن عبدي مجرد واجهة لبرنامج العمال الكردستاني في الساحة السورية. وكان ملاحظًا في الأسابيع القليلة الماضية أن قيادي حزب العمال الكردستاني البارز، باهوز إردال (اسمه الأصلي فهمان حسين)، هو من قاد المواجهة ضد الجيش السوري في ريف حلب والرقة.

لكن تدخل حزب العمال الكردستاني، مهما كانت طبيعته، لم يُجْدِ نفعًا، بل دفع قيادات الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب إلى وضع حرج. وكان بإمكانهما الخروج من المواجهة مع الدولة السورية بمكاسب أكبر، تحقق الانتصار للمجتمع الكردي وترفع عنه مظالم العقود الماضية. والحقيقة أن المشروع الانفصالي في شمال شرقي سوريا جرى تسويقه في مرحلة ضعف الدولة وثورة الشعب ضد النظام الحاكم. لذلك، لم يعد هذا المشروع يملك شروط الاستمرار بعد أن نجح الشعب في إسقاط النظام، ونجحت الدولة الجديدة في إعادة بناء جيشها. وخلال أسبوعين فقط من اندلاع أحداث حلب، تمكن الجيش السوري من استعادة معظم الأرض التي كانت تحت سيطرة قسد في غربي الفرات والجزيرة، والتي تزيد عن ربع مساحة سوريا. ولولا إعلان الهدنة الأولى، كان يمكن للجيش السوري الاستمرار في التقدم إلى عين العرب والحسكة. ولكن الحرص على تفادي سفك الدماء دفع وزارة الدفاع السورية إلى القبول، في ساعة متأخرة من مساء 24 يناير/كانون الثاني، بتمديد وقف إطلاق النار في كافة مناطق عمليات الجيش السوري لأسبوعين إضافيين. ولكن الملاحظ أن بيان وزارة الدفاع السورية تجاهل كلية الإشارة إلى قسد، وربط تمديد وقف النار بعملية نقل عناصر داعش الذين كانوا محتجزين في سجون قسد إلى العراق، التي يقوم بها الأميركيون.

قسد، من جهتها، رحَّبت بالتمديد، ولكن لا شيء يؤشر إلى أنها بصدد تنفيذ اتفاق الاندماج والتخلي عن مطلب الإدارة الذاتية الكاملة في محافظة الحسكة. ويبدو أن قياداتها تنتظر حدوث تحول ما في الموقف الدولي، سيما بعد أن صدرت أصوات في مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين تعترض على عمليات الجيش السوري وتشيد بتحالف قسد مع القوات الأميركية في المعركة ضد داعش. ويبدو أن حزب العمال الكردستاني يقوم في الوقت نفسه، طبقًا لتقارير وزارة الدفاع السورية، بدفع المزيد من مقاتليه من جبال قنديل إلى محافظة الحسكة، إما بهدف ردع الجيش السوري عن محاولة بسط السيطرة على ما تبقى من المحافظة، أو الاستعداد لمواجهة حاسمة.

دمشق، كذلك، لم تتوقف عن تعزيز قوات الجيش في محاور العمليات في الحسكة وعين العرب. والأرجح أن القيادة السورية وصلت إلى قناعة بأن أصحاب القرار فيما تبقَّى من قسد ليس لديهم اهتمام بالاندماج في جسم الدولة السورية، ولا بحقوق الأكراد الوطنية، ولا بوحدة سوريا واستقرارها، وأن اهتمام هؤلاء الوحيد هو السيطرة على قطعة من الأرض السورية لإقامة كيان قومي كردي. والواضح، أن دمشق ليست مستعدة لتحقيق هذا المطلب. لذلك، ما لم يحدث تطور نوعي خلال أسبوعي تمديد الهدنة، يفضي إلى تطبيق فوري لاتفاق الاندماج، فلابد أن الجيش السوري سيتحرك لإعادة محافظة الحسكة برمتها إلى جسم الوطن السوري. والمؤكد أن الجيش السوري سيتخذ خلال هذين الأسبوعين كل الاحتياطات الممكنة لتجنيب المحافظة وأهلها عواقب المواجهة وأعباءها.

مركز الجزيرة للدراسات،

——————————

اتفاق شامل بين الحكومة السورية و”قسد” بشأن وقف إطلاق النار وعملية الدمج/ حسام رستم و محمد شيخ يوسف و محمد كركص

30 يناير 2026

توصلت الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، صباح اليوم الجمعة، إلى اتفاق جديد وصفه الطرفان بـ”الشامل”، يتضمن بالأساس وقف إطلاق النار وعملية الدمج عسكرياً وإدارياً.

وكان لافتاً نشر وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى والمركز الإعلامي لـ”قسد”، بشكل متزامن، بيانين شبه متطابقين بشأن الاتفاق. فقد أكد البيانان “الاتفاق على إيقاف إطلاق النار بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بموجب اتفاق شامل، مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين”، مشددين على أن الاتفاق يهدف إلى “توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد”.

كما “يشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات قسد، إضافة إلى تشكيل لواء لقوات كوباني (عين العرب) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب”، بحسب البيانين. ويتضمن الاتفاق أيضاً “دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين”، إضافة إلى “تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم”.

من جهته، قال مصدر حكومي لقناة الإخبارية السورية إن الدمج العسكري والأمني سيكون فردياً ضمن الألوية بحيث تتسلم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ، ولا يكون أي جزء من البلاد خارج سيطرتها.

برّاك يشيد بالاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”: محطة تاريخية

إلى ذلك، رحّب المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك، اليوم الجمعة، بالاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”، مشيداً بـ”الخطوات الشجاعة” التي اتخذها الطرفان. وفي منشور على منصة إكس، وصف برّاك الاتفاق بأنه “محطة فارقة عميقة وتاريخية في مسار سورية نحو المصالحة الوطنية والوحدة والاستقرار الدائم”.

وقال برّاك إن الاتفاق ثمرة مفاوضات جرى التشاور حولها بدقة، وتستند إلى أطر سابقة وجهود حديثة لخفض التصعيد، ويعكس التزام الحكومة السورية بمبدأ الشراكة الوطنية والحوكمة الشاملة. وأضاف أن الاتفاق “يبعث برسالة انفتاح وعدالة إلى المجتمع الدولي”، ويعزز وحدة الأراضي السورية.

وفي السياق نفسه، رحّب رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني بالاتفاق المبرم بين الحكومة السورية و”قسد”، مؤكداً دعمه لما يحمله من دور في وقف القتال، ودمج المؤسسات العسكرية والإدارية، وضمان الحقوق المدنية والتعليمية للشعب الكردي، وعودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية. واعتبر بارزاني في منشور على منصة إكس أن الاتفاق يشكل خطوة صحيحة ومهمة نحو حل سلمي وإنهاء حالة الفوضى والتوتر، مشدداً على أن الحوار والتفاهم والحلول السياسية تمثل السبيل الوحيد للتوصل إلى حل دائم يخدم مصالح جميع الأطراف.

وأضاف أن الاتفاق يوفّر أرضية قوية لتحقيق الاستقرار والسلم المجتمعي والتعايش بين مختلف المكونات، معرباً عن أمله أن يكون منطلقاً لبناء سورية موحدة، وضمان حقوق الشعب الكردي وجميع المكونات في الدستور المستقبلي، وتحقيق الأمن والاستقرار لسورية والمنطقة.

فيدان: ندرس الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”

من جهته، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن بلاده تدرس اتفاق الدمج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. وأفاد فيدان في مؤتمر صحافي عقده مع نظيره الإيراني عباس عراقجي بإسطنبول، بأن “تركيا تواصل وقوفها بحزم ضد أي محاولة تستهدف وحدة سورية وسلامتها”، وذلك في أول ردة فعل تركية رسمية على الاتفاق. وأضاف “كما تعلمون فإن وقف إطلاق النار ساري المفعول منذ 24 يناير (كانون الثاني) وقد تم تمديده، وعلمنا اليوم بالتوصل إلى اتفاق بشأن الدمج، وقد تلقينا رسائل بهذا الشأن الليلة الماضية. ندرس هذا الاتفاق بدقة”، واعتبر أن “الدمج الحقيقي يصب في مصلحة سورية العليا، الأطراف على دراية تامة بشروط هذا الدمج، ويعد النقل الآمن للسجناء من السجون إلى العراق أمراً بالغ الأهمية”.

ماكرون: الاتفاق خطوة أساسية نحو وقف دائم لإطلاق النار

إلى ذلك، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعم بلاده للاتفاق، معتبراً أنه يشكّل خطوة أساسية نحو وقف دائم لإطلاق النار وتحقيق الاستقرار في سورية. وقال ماكرون، في منشور على منصة إكس، إن “فرنسا تدعم سورية ذات سيادة، موحّدة ومستقرة، تنعم بالسلام وتحترم جميع مكوّناتها، وتنخرط بشكل كامل في مكافحة الإرهاب”. وأضاف: “أهنّئ الرئيس أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي على إقرارِهما هذا الصباح اتفاقاً شاملاً يتيح التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، ويضمن الاندماج السلمي لقوات سوريا الديمقراطية”، مؤكداً أن فرنسا ستدعم “التنفيذ الكامل لهذا الاتفاق”. وأشار الرئيس الفرنسي إلى أن بلاده تواصل، بالتنسيق مع شركائها، دعم سورية والشعب السوري على طريق الاستقرار والعدالة وإعادة الإعمار.

ترحيب سعودي والشرع يهاتف بن زايد

من جهتها، رحّبت المملكة العربية السعودية، اليوم الجمعة، بالاتفاق. وقالت وزارة الخارجية السعودية، في بيان، إن المملكة تأمل بأن يساهم الاتفاق في “دعم مسيرة سورية نحو السلام والأمن والاستقرار، بما يحقق تطلعات الشعب السوري الشقيق ويعزز وحدته الوطنية”، مجددة دعمها الكامل لكل الجهود التي بذلتها الحكومة السورية في الحفاظ على سيادة ووحدة وسلامة أراضيها، كما ثمّنت الوزارة تجاوب الحكومة السورية و”قسد” مع مساعي المملكة، مشيرة إلى الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية في تثبيت التهدئة والتوصل إلى هذا الاتفاق.

إلى ذلك، أعلنت الرئاسة السورية أن الرئيس أحمد الشرع أجرى اتصالاً هاتفياً مع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، جرى خلاله بحث آخر التطورات في المنطقة وسبل تعزيز التعاون بين البلدين. وأفادت الرئاسة بأن الاتصال تناول سبل دعم سورية، ومشاركة دولة الإمارات في جهود إعادة الإعمار، إضافة إلى تعزيز فرص الاستثمار في البلاد خلال المرحلة المقبلة.

وكانت مصادر كردية قد قالت لـ”العربي الجديد”، مساء أمس الخميس، إن القائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي موجود حالياً في العاصمة السورية دمشق لبحث اتفاق مع الحكومة السورية، يهدف إلى التوصل لوقف إطلاق نار شامل وكامل للعمليات القتالية في البلاد. وبالتزامن، أخلت قوى الأمن الداخلي (الأسايش)، الذراع الأمنية لقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في شمال شرق سورية، صباح اليوم، مبنى مديرية المنطقة الواقع ضمن المربع الأمني في مدينة القامشلي، والذي كانت قد سيطرت عليه سابقاً.

العربي الجديد

————————-

 باراك: اتفاق الحكومة السورية و”قسد”محطة فارقة نحو الاستقرار

الجمعة 2026/01/30

أكد المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك إن الاتفاق الشامل بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) يمثل محطة “فارقة” نحو الاستقرار الدائم والمصالحة الوطنية والوحدة.

مفاوضات دقيقة

وقال باراك في منشور على منصة “إكس”، إن الاتفاق جرى التوصل إليه بعد مفاوضات دقيقة وجهود حثيثة لتهدئة التوترات، وبالاستناد إلى أطر سابقة، ما يعكس التزاماً مشتركاً بالاحترام والكرامة الجماعية لجميع المكونات السورية.

ووفق باراك، فإن الاتفاق يعكس “التزاماً راسخاً بالشراكة الوطنية والحكم الشاملة” من قبل الحكومة السورية، مشدداً على أن الاتفاق يؤكد أن قوة سوريا تنبع من احتضان التنوع وتلبية التطلعات المشتركة لجميع مكوناتها.

وأشار المبعوث الأميركي إلى أن الاتفاق يتضمن تيسير الدمج التدريجي للهياكل العسكرية والأمنية والإدارية في مؤسسات الدولة السورية الموحدة، وإتاحة الفرصة لكبار ممثلي “قسد” للمساهمة على أعلى المستويات.

وأكد أن هذا النهج يرسخ السيادة على كامل أراضي سوريا، ويبعث برسالة واضحة من الانفتاح والإنصاف إلى المجتمع الدولي.

وقال باراك إن الاتفاق يمثل لحظة خاصة بالنسبة للشعب الكردي، “الذي لعبت تضحياته الاستثنائية دوراً محورياً في الدفاع عن سوريا في وجه التطرف”، معتبراً أن تطبيق “المرسوم-13” يُعد خطوة هامة نحو المساواة والانتماء، إلى جانب تصحيح مظالم “طال انتظارها”.

وأكد أن الحكومة السورية و”قسد” اتخذتا خطوات “شجاعة”، وذلك “انطلاقاً من الهدف المشترك” في توسيع نطاق الاندماج والحقوق بشكل هادف من قبل الحكومة السورية، فيما تبنت المجتمعات الكردية إطاراً موحداً يعزز مساهمتها في الصالح العام.

وقال باراك: “تُمهّد هذه التطورات مجتمعةً الطريق لإعادة بناء المؤسسات، واستعادة الثقة، وجذب الاستثمارات الضرورية لإعادة الإعمار، وتحقيق سلام دائم لجميع السوريين”، مضيفاً أنه “بفضل الوحدة التي تُبنى على الحوار والاحترام، تقف سوريا على أهبة الاستعداد لاستعادة مكانتها اللائقة كمنارة للاستقرار والأمل في المنطقة وخارجها”.

أحمد: الاتفاق خطوة هامة

وفي وقت سابق اليوم الجمعة، أعلنت “قسد” عن التوصل إلى اتفاق شامل مع الحكومة السورية ينص على “إيقاف إطلاق النار”، والتفاهم على “عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين”.

وقال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن الاتفاق يشمل انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الاستقرار، وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات قسد.

في غضون ذلك، قالت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، إلهام أحمد، إن الاتفاق مع الحكومة السورية “يشكّل خطوة مهمة على طريق الاستقرار”، كما توجهت بالشكر إلى “الدول والجهات الوسيطة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا التي بذلت جهوداً حثيثة للتوصل” إلى الاتفاق.

كما أعربت أحمد عن أملها في أن تلعب هذه الدول “الدور الضامن لتحقيق عملية الدمج”.

وعن دخول الأمن السوري إلى مناطق “قسد”، قالت إنه “لضمان عملية دمج مسؤولة ومتدرجة، تضمن الشراكة وتحفظ كرامة جميع المكونات، وتمهّد لتنمية عادلة ومتوازنة في مختلف المناطق”، مؤكدةً “الالتزام بإنجاح مسار الدمج بما يخدم وحدة سوريا ويعزز السلم الأهلي، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية، ويضمن العودة الآمنة والكريمة”.

ماكرون: ندعم تنفيذاً كاملاً للاتفاق

وفي إطار المواقف الدولية، هنّأ ماكرون الجمعة الشرع وعبدي على “اتفاقهما الشامل الذي يتيح وقف إطلاق نار دائم”، مؤكداً أن بلاده “ستدعم تنفيذه كاملاً”.

وقال في منشور على “أكس”: “سوريا ذات سيادة، موحّدة ومستقرة. سوريا تنعم بالسلام وتحترم جميع مكوّناتها. سوريا منخرطة بشكل كامل في مكافحة الإرهاب. هذا ما تدعمه فرنسا”.

واضاف: “أهنّئ الرئيس أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي على إقرارِهما هذا الصباح اتفاقاً شاملاً يتيح التوصل إلى وقفٍ دائم لإطلاق النار، ويضمن الاندماج السلمي لقوات سوريا الديمقراطية. وستدعم فرنسا التنفيذ الكامل لهذا الاتفاق”.

وتابع: “ستواصل فرنسا دعم سوريا والشعب السوري على طريق الاستقرار والعدالة وإعادة الإعمار، بالتنسيق مع شركائها”.

وكان مصدر في قصر الإليزيه أعلن الخميس، أن فرنسا بذلت “الكثير من الجهود الدبلوماسية للدفع نحو التوصل إلى اتفاق”، بدءا من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي “عقد عدة اجتماعات منذ 10 كانون الأول/ يناير مع الرئيس الشرع والجنرال مظلوم عبدي”، قائد قوات سوريا الديمقراطية.

———————–

اتفاق دمشق و”قسد”: دمج متسلسل “عسكري وإداري

تشكيل فرقة مسلحة من “سوريا الديمقراطية” ولواء لـ”قوات كوباني” وتسوية حقوق الأكراد وعودة النازحين

الجمعة 30 يناير 2026

الاتفاق يشمل انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات أمن تابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي في شمال شرقي سوريا، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ألوية من “قسد”.

قال المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية، إنه جرى الاتفاق على إيقاف إطلاق النار بين الحكومة السورية و”قسد” بموجب اتفاق شامل، مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين.

ويشمل الاتفاق، بحسب المركز، انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى تشكيل لواء لـ”قوات كوباني” ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.

كما يتضمن الاتفاق دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكردي، وضمان عودة النازحين لمناطقهم.

ويهدف الاتفاق إلى توحيد الأراضي السورية وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد.

وأعلن الطرفان الاتفاق بعد أن انتزعت قوات الحكومة السيطرة على مساحات كبيرة من شمال وشرق سوريا من قبضة قوات سوريا الديمقراطية هذا الشهر، مما أجبرها على التراجع إلى منطقة آخذة في التقلص.

ويعد مصير قوات سوريا الديمقراطية، التي كانت تسيطر على ربع سوريا أو أكثر، من أبرز القضايا التي تلقي بظلالها على البلاد منذ أن أطاح مقاتلون إسلاميون بقيادة الرئيس أحمد الشرع ببشار الأسد قبل 14 شهراً.

من جهة أخرى، أفادت وزارة الداخلية السورية بأنه جرى تعيين العميد مروان العلي مديراً للأمن الداخلي في محافظة الحسكة.

براك يرحب

ورحب المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك اليوم الجمعة بالاتفاق بين الحكومة السورية والقوات الكردية، الذي ينص على دمج مؤسسات الأكراد العسكرية والمدنية تدريجاً ضمن مؤسسات الدولة، مشيداً بـ”الخطوات الشجاعة” التي اتخذها الطرفان.

وفي منشور على منصة “إكس”، وصف براك الاتفاق، الذي يأتي بعد أسابيع من الاشتباكات بين القوات الحكومية والكردية، بأنه “محطة فارقة عميقة وتاريخية في مسار سوريا نحو المصالحة الوطنية والوحدة والاستقرار الدائم”.

وأعلنت “قوات سوريا الديمقراطية” الجمعة التوصل إلى اتفاق “شامل” مع الحكومة السورية يتضمن وقف إطلاق النار والبدء بـ”عملية دمج متسلسلة” للمؤسسات والقوى العسكرية والأمنية والإدارية بين الطرفين.

وقالت في بيان إن الاتفاق يشمل “انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات أمن تابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي” في شمال شرقي سوريا، إضافة إلى تشكيل فرقة عسكرية تضم ألوية من “قوات سوريا الديمقراطية”.

بموجب الاتفاق سيجري إدخال قوات أمن تابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي (أ ف ب)

من جهتها أكدت المسؤولة في الإدارة الذاتية الكردية إلهام أحمد على منصة “إكس” اليوم الجمعة الالتزام “بإنجاح مسار الدمج بما يخدم وحدة سوريا ويعزّز السلم الأهلي، ويؤسّس لمرحلة جديدة من الاستقرار”.

وشدّدت على أن “دخول الأمن يأتي لضمان عملية دمج مسؤولة ومتدرجة، تضمن الشراكة وتحفظ كرامة جميع المكونات”، معبّرة عن شكرها العميق للدول والجهات الوسيطة” على رأسها الولايات المتحدة وفرنسا.

في باريس، أكد مصدر في قصر الإليزيه أمس الخميس أن فرنسا بذلت “الكثير من الجهود الدبلوماسية للدفع نحو التوصل إلى اتفاق”، بدءاً من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي “عقد اجتماعات عدة منذ الـ10 من يناير (كانون الثاني) مع الرئيس الشرع والجنرال مظلوم عبدي”، قائد قوات سوريا الديمقراطية.

وهنّأ ماكرون اليوم الشرع وعبدي على “اتفاقهما الشامل الذي يتيح وقف إطلاق نار دائم”، مؤكداً أن بلاده “ستدعم تنفيذه كاملاً”.

وأضاف في منشور على “إكس” أن فرنسا تدعم “سوريا سيدة وموحدة ومستقرة وتحترم كل مكوناتها”، و”سوريا ملتزمة تماماً بمكافحة الإرهاب”.

وعلى هامش المفاوضات التي جرت خلال الأشهر الماضية بين الأكراد والحكومة السورية، أصدر الشرع في الـ13 من يناير مرسوماً غير مسبوق ينصّ على اعتبار اللغة الكردية “لغة وطنية”، وعيد النوروز “عيداً وطنياً”، وذلك للمرّة الأولى منذ استقلال سوريا عام 1946، إضافة إلى منح كل الأكراد المقيمين في سوريا جنسيتها.

من جانبه، قال مسؤول في الحكومة السورية لـ”رويترز” إنه جرى بالفعل التوصل إلى “اتفاق نهائي” مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وسيجري تنفيذه فوراً.

كان الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب قال أول من أمس الأربعاء إنه ووزير الخارجية ماركو روبيو “حلا مشكلة هائلة بالتعاون ‌مع ‌سوريا”. في إشارة إلى الأزمة مع “قوات سوريا الديمقراطية”.

وتبذل واشنطن جهوداً دبلوماسية مكثفة للتوصل إلى وقف ​دائم لإطلاق النار وحل سياسي بين ⁠”قوات سوريا الديمقراطية” التي يقودها الأكراد، وكانت حليف واشنطن الأبرز في سوريا، والشرع الذي أصبح الآن شريكها المفضل.

المجلة”

———————

 توافق شامل للدمج.. ‏مسؤول بالحكومة السورية يعلن التوصل إلى “اتفاق نهائي” مع قسد

2026.01.30

أعلن مصدر مسؤول في الحكومة السورية، الجمعة، أنه تم الاتفاق على وقف إطلاق النار بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بموجب اتفاق “نهائي شامل” مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين.

وأشار المصدر وفق ما نقلت وكالة رويترز، إلى أن الاتفاق يشمل انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات قسد إضافة إلى تشكيل لواء لقوات عين العرب (كوباني) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.

وبين المصدر أن الاتفاق يشمل دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم، لافتاً إلى أن”الاتفاق يهدف إلى توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد”.

وقال المسؤول في الحكومة السورية لرويترز إن “الاتفاق نهائي وتم التوصل إليه في وقت متأخر من مساء أمس الخميس، وإن التنفيذ سيبدأ على الفور”.

عملية دمج “متسلسلة”

من جهتها قالت “قسد” في بيان إنه تم “الاتفاق يشمل التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين. ويشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، وينص أيضا على تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى تشكيل لواء لقوات كوباني ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب، ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، ويعمل الاتفاق على تسوية الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم”.

تمديد وقف إطلاق النار

ومساء السبت الماضي، أعلنت وزارة الدفاع السورية تمديد مدة وقف إطلاق النار في شمال شرقي سوريا، والذي كانت قد أعلنته الثلاثاء الفائت، عقب توصل الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” إلى تفاهمات جديدة، أكدت الأخيرة التزامها بها.

وقالت وزارة الدفاع السورية إنها ستمدّد وقف إطلاق النار في جميع قطاعات عمليات الجيش العربي السوري لمدة 15 يوماً، وذلك “دعماً للعملية الأميركية الخاصة بإخلاء سجناء تنظيم داعش من سجون قسد إلى العراق”.

من جانبها، قالت “قسد” في بيان إنه جرى تمديد الاتفاق بوساطة دولية، وبالتزامن مع استمرار الحوار، مؤكدة التزامها بالاتفاق الذي اعتبرته “خطوة تهدف إلى خفض التصعيد وحماية المدنيين، إضافة إلى تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الاستقرار في المنطقة”.

تلفزيون سوريا

—————————

تفاصيل جديدة توضح اتفاق دمشق- “قسد

أوضحت تصريحات صدرت عن شخصيات حكومية وقياديين في “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) تفاصيل جديدة عن الاتفاق المبرم بين الجانبين، والذي أعلن عنه اليوم الجمعة 30 من كانون الثاني.

الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية” (الذراع الحوكمي لقسد)، إلهام أحمد، عقدت مؤتمرًا صحفيًا، نقلته وسائل إعلام مقربة منها، قالت فيه إن تنفيذ الاتفاق سيبدأ الاثنين 2 من شباط المقبل.

وأضافت أن أول بنود الاتفاق يتمثل في وقف شامل لإطلاق النار، على أن يدخل حيز التنفيذ مع انسحاب جميع القوات العسكرية من الطرفين إلى قواعدها الرئيسية بعيدًا عن خطوط التماس.

العسكر والأمن

من جانبها، قالت الرئيسة المشتركة لوفد التفاوض ضمن “قسد” فوزة يوسف، إن الألوية العسكرية ستتموضع في مناطق الجزيرة السورية ومدينة عين العرب/ كوباني، شرقي حلب، مشيرة إلى أن القوى الضامنة ستتابع تنفيذ بنود الاتفاق.

من جانبه، قال الباحث الاستراتيجي في وزارة الخارجية والمغتربين عبيدة غضبان، إن دمج ألوية “قسد” سيتم ضمن هيكلية وزارة الدفاع العسكرية، مشيرًا إلى أن الدمج بشكل فردي مازال قائمًا.

ولفت في مقابلة مع قناة “الإخبارية” الرسمية إلى أن الاتفاق يتعلق بالعامل الجغرافي، مؤكدًا أن معاون وزير الدفاع في هذه المنطقة الذي سترشحه “قسد” هو من سيكون مسؤولًا عن هذه المنطقة.

وبالنسبة لـ”قوى الأمن الداخلي” (أسايش) ستتولى حماية المناطق ذات الغالبية الكردية، فيما سيكون وجود قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية التابع للحكومة مؤقتًا، بهدف التنسيق لإتمام عملية الدمج، وليس وجودًا دائمًا، وفق ما أكدته فوزة يوسف خلال مقابلة لها بقناة “اليوم“.

وفيما يتعلق بالمناطق التي تحتوي على سكان كرد، وتسيطر عليها الحكومة حاليًا مثل عفرين شمالي حلب، أو رأس العين شمالي الحسكة، فستكون إدارتهما من قبل سكان المنطقتين.

المؤسسات المدنية

أوضحت يوسف أن المعابر والمطار وحقول النفط ستتبع للحكومة في دمشق، مع توظيف إداريين محليين، كما أن ترخيص المؤسسات الإعلامية في شمال شرقي سوريا سيتم من المركز بالعاصمة.

وشددت إلهام أحمد على أن جميع العاملين في مؤسسات “الإدارة الذاتية”، بما في ذلك حتى حرس الحدود، سيكونون من أهالي المنطقة.

وحول معبر “سيمالكا” الحدودي مع إقليم كردستان العراق، أكدت أحمد أنه سيبقى مفتوحًا، ولم يصدر أي موقف سلبي من الحكومة بشأن استمراره، مشيرة إلى أن الموظفين سيواصلون عملهم ضمن إطار رسمي يتبع للدولة.

مرسوم مقبل لشهادات “الإدارة”

وأوضحت أحمد أنه سيتم الاعتراف رسميًا بشهادات الثانوية والجامعات الصادرة في شمال شرقي سوريا، مشيرة إلى أن مرسومًا خاصًا سيصدر خلال الفترة المقبلة بهذا الخصوص.

وذكرت فوزة يوسف أن المؤسسات التربوية ستحافظ على خصوصيتها، مع تشكيل لجان مشتركة لمناقشة استمرارية العملية التعليمية، بما في ذلك المناهج ولغات التدريس، مؤكدة التصديق على جميع شهادات “الإدارة الذاتية”.

على الجانب الآخر، قالت أحمد إن النقاش مستمر حول المناهج التعليمية وآليات التدريس، نظرًا لوجود نظام تعليمي قائم في المنطقة، بهدف التوصل إلى صيغة توافقية.

وفيما يتعلق بالسجون التي تحتوي على معتقلي تنظيم “الدولة الإسلامية” أكدت فوزة يوسف أن “قسد” ستستمر في حمايتها، بالتزامن مع نقل السجناء إلى العراق.

لا تعيين لمحافظ الحسكة

كما أوضحت يوسف أنه لم يتم تحديد اسم محافظ الحسكة حتى الآن (الذي يتوقع أن تسمّيه قسد وتوافق عليه الحكومة)، مبينة أن نائب قائد الأمن الداخلي في المحافظة سيتم تعيينه من قبل “قسد”.

وكانت الحكومة أعلنت في وقت سابق من اليوم، تعيين مروان العلي قائدًا للأمن الداخلي في محافظة الحسكة، فيما لم تشر إلى تسمية المحافظ حتى الآن.

من جانبه، قال رئيس تحرير مجلة “المجلة” إبراهيم حميدي، إن “قسد” عرضت ترشيح فوزة يوسف لكن دمشق رفضت ذلك، في حين لم تذكر وسائل الإعلام الحكومة أو التابعة لـ”قسد” ذلك.

ما الاتفاق؟

وكانت الحكومة و”قسد” اتفقتا اليوم، الجمعة 30 من كانون الثاني، على وقف إطلاق نار شامل بين الجانبين، إضافة إلى التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية.

وبحسب نص مشترك نشرته كل من الحكومة و”قسد” اليوم، الجمعة 30 من كانون الثاني، يشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة.

عسكريًا، تم الاتفاق على تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد” إضافة إلى تشكيل لواء لـ”قوات كوباني” (عين العرب) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.

وتضمن الاتفاق دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين.

وأشار الاتفاق إلى تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

ووفق ما نقله البيان المشترك، فإن هدف الاتفاق توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد.

ولاقى الاتفاق ردود فعل دولية  وإقليمية مرحبة، لا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية وحكومة إقليم كردستان العراق وفرنسا والسعودية.

ميدانيًا، تشهد جبهات القتال في محاور الحسكة ورأس العين وعين العرب/ كوباني، هدوءً عقب الإعلان عن الاتفاق، وفق ما أكده مراسلو عنب بلدي، ومصدر عسكري.

عنب بلدي

—————————–

اتفاق شامل بين “قسد” ودمشق على وقف إطلاق النار ودمج القوات العسكرية والإدارية… ماذا يتضمن؟

أعلنت “قوات سوريا الديموقراطية” عن اتفاق شامل على إيقاف إطلاق النار مع الحكومة السورية يشمل “التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين”.

كما أفاد مسؤول في الحكومة السورية وكالة “رويترز”، بـ”التوصل إلى (اتفاق نهائي) مع قوات سوريا الديموقراطية وسيجري تنفيذه فوراً”.

وبحسب بيان لـ”قسد”، فإنّ الاتفاق يشمل:

⭕انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة.

⭕دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين.

⭕تسوية الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكردي وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

⭕يهدف الاتفاق إلى توحيد الأراضي السورية وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد

من جهتها، أعلنت الحكومة السورية عن بنود الاتفاق مع “قسد” وفق التالي:

⭕إيقاف إطلاق النار مع “قسد” وتفاهم على عملية دمج متسلسلة

⭕دخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي

⭕انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول الأمن لمركز مدينتي الحسكة والقامشلي

⭕دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين

⭕تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي وضمان عودة النازحين لمناطقهم

⭕الاتفاق يهدف إلى توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة

⭕تشكيل فرقة من 3 ألوية من “قسد” ولواء لقوات عين العرب كوباني ضمن فرقة تابعة لحلب

النهار

—————————–

ردود فعل دولية ترحب باتفاق دمشق- “قسد

لاقى الاتفاق بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ردود فعل دولية مرحبة، جاءت أبرزها من الولايات المتحدة الأمريكية وإقليم كردستان العراق وفرنسا والسعودية.

وكانت الحكومة و”قسد” اتفقتا اليوم، الجمعة 30 من كانون الثاني، على وقف إطلاق نار شامل بين الجانبين، إضافة إلى التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية.

براك: خطوة نحو الاستقرار الدائم

المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، قال إن الاتفاق يمثل “إنجازًا عميقًا وتاريخيًا” في رحلة سوريا نحو المصالحة الوطنية والوحدة والاستقرار الدائم.

وأضاف في تغريدة على “إكس”، أن هذه الخطوة المفاوض عليها “بعناية”، والتي تبني على الإطارات السابقة والجهود الأخيرة لتخفيف التوترات، تعكس ما وصفه “التزامًا مشتركًا بالشمولية، والاحترام المتبادل، وكرامة جميع المجتمعات السورية الجماعية”.

واعتبر أن هذه التطورات تمهد الطريق لإعادة بناء المؤسسات واستعادة الثقة وجذب الاستثمار الأساسي لإعادة الإعمار وتأمين سلام دائم لجميع السوريين.

كردستان العراق

رحبت حكومة إقليم كردستان العراق بالاتفاق معربة عن أملها في أن يشكّل خطوة أولى نحو توسيع مسار التفاهم، بما يفضي إلى ما أسمته ترسيخ السلام والحرية والاستقرار والتنمية في عموم سوريا، ولا سيّما في المناطق الكردية.

وتأمل حكومة كردستان العراق أن يكون هذا الاتفاق منطلقًا لضمان الحقوق “المشروعة” لجميع المكوّنات السورية، وأن يمهّد الطريق لعودة اللاجئين إلى ديارهم ومناطقهم الأصلية.

وأشادت بدور الزعيم مسعود بارزاني وجهوده في “نزع فتيل التوترات، وترسيخ نهج الحوار بوصفه السبيل الأمثل لمعالجة المشكلات جذريًا”.

كما أشادت بدور واشنطن والدول الصديقة في دعم مساعي إنهاء التوترات، ودعم الحقوق “المشروعة” لجميع المكوّنات السورية، والإسهام في تحقيق الاستقرار في المنطقة، وفق تعبيرها.

فرنسا تدعم الاتفاق

هنأ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، نظيره السوري، أحمد الشرع، وقائد “قسد”، مظلوم عبدي، بالتوصل إلى الاتفاق، معلنًا دعم بلاده التنفيذ الكامل لهذا الاتفاق.

وقال في تغريدة له على “إكس” باللغة العربية، إن فرنسا ستواصل دعم سوريا والشعب السوري على طريق الاستقرار والعدالة وإعادة الإعمار، بالتنسيق مع شركائها.

وأكد دعم فرنسا لـ”سوريا ذات سيادة، موحّدة ومستقرة، تنعم بالسلام وتحترم جميع مكوّناتها، منخرطة بشكل كامل في مكافحة الإرهاب”.

السعودية تثمن الاستجابة لمساعيها

رحبت أيضًا المملكة العربية السعودية بالاتفاق بين الحكومة و”قسد” معربة عن أملها في أن يسهم بدعم مسيرة سوريا نحو السلام والأمان والاستقرار، مؤكدة دعمها لجهود دمشق في الحفاظ على سلامة ووحدة الأراضي، وفق تعبيرها.

وأشادت بتجاوب الحكومة السورية و”قسد” مع مساعي السعودية والجهود الأمريكية في تثبيت التهدئة والوصول إلى الاتفاق.

ما الاتفاق؟

بحسب نص مشترك نشرته كل من الحكومة و”قسد” اليوم، الجمعة 30 من كانون الثاني، يشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة.

عسكريًا، تم الاتفاق على تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد” إضافة إلى تشكيل لواء لـ”قوات كوباني” (عين العرب) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.

وتضمن الاتفاق دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” (الذراع الحوكمية لقسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين.

وأشار الاتفاق إلى تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

ووفق ما نقله البيان المشترك، فإن هدف الاتفاق توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد.

عنب بلدي،

———————-

==================

تحديث 29 كانون الثاني 2026

—————————–

في نهاية دور “قسد” الوظيفي/ بشار نرش

29 يناير 2026

ينطلق التحليل السياسي الرصين من مقاربة موضوعية للأحداث والظواهر، تقوم على تفكيكها في سياقاتها الزمنية والبنيوية، بعيداً عن التحيّزات الأيديولوجية والمصالح الذاتية والقراءات الانفعالية. وضمن هذا الإطار المنهجي، يبرُز المشهد السوري بعد إسقاط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024 بوصفه حالة نموذجية لتحوّلات عميقة لم تقتصر على بنية السلطة في دمشق، بل امتدّت إلى إعادة توزيع مراكز النفوذ والقوة في مختلف الجغرافيا السورية، سيما في مناطق شمال شرقي سورية التي شكّلت طوال سنوات الثورة السورية ساحة نفوذ رئيسة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وعلى الرغم من أنّ هذه التحولات تأتي اليوم في سياق مشهد سوري بالغ التعقيد، يختزن في داخله تداخلات السياسة والجغرافيا والتاريخ، وتشابكات الهويات والأيديولوجيات، فضلاً عن تقاطع المصالح الإقليمية والدولية، إلا أنّ هذا التعقيد لا يلغي حقيقة أنّ قواعد اللعبة السياسية في سورية آخذة في التغيّر جذرياً، فالمعادلة التي حكمت شمال شرقي سورية في سنوات الثورة السورية، والتي كانت قائمة على دور أمني – عسكري وظيفي لـ”قسد” ضمن ترتيبات دولية مرتبطة بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لم تعد تجد البيئة الاستراتيجية نفسها التي سمحت باستمرارها قرابة عشر سنوات، فتراجع أولوية مكافحة الإرهاب في سورية، والتي شكّلت العنوان الرئيس الناظم لانخراط التحالف الدولي في سورية، بالتوازي مع صعود مسار إعادة بناء الدولة السورية ومؤسّساتها يدفع باتجاه إعادة تعريف أدوار الفاعلين المحليين في سورية ضمن إطار سيادي مركزي، لا يحتمل ازدواجيات السلطة ولا صيغ الحكم الرمادي.

ومن هذا المنظور تحديداً، لا يمكن مقاربة التحولات الجارية في سورية اليوم بمنطق التمنّي أو الاصطفاف، بل بوصفها مساراً سياسياً جديداً يُعيد تشكيل خرائط النفوذ والسلطة ومعادلات القوة على امتداد الجغرافيا السورية، ويُظهر، في الوقت نفسه، أن “قسد” لم تعد تواجه أزمة تكتيكية عابرة أو تعثراً تفاوضياً مؤقتاً، بل تقف أمام نهاية دور وظيفي تشكّل أساساً في سياق الحرب على “داعش”، وبذلك انتهت صلاحياتها مع تغيّر أولويات الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين وصعود الدولة السورية الجديدة بوصفها المرجعية الوحيدة للسيادة. وهذا ما تؤشّر إليه التطورات أخيراً، سيّما الاتفاقيات الموقعة في مارس/ آذار 2025 ويناير/ كانون الثاني 2026 ما بين الإدارة السورية الجديدة و”قسد”، والتي تدلل إلى أنّ المسار السوري الجديد يقوم على مبدأ واضح، وهو لا مكان لأي قوة مسلحة أو كيان سياسي انفصالي خارج الدولة السورية ومرجعيتها السيادية.

لم تكن هذه الإشكالية الأساسية التي تواجهها “قسد” اليوم نتيجة الضغوط الخارجية فقط، بل ترجع، في جزء أساسي منها، إلى عجز “قسد” عن قراءة واقعية للمتغيرات الداخلية والإقليمية. وكما يُقال “الجهل بالسياسة يُترجم بقرارات خاطئة”، فقد تجاهلت “قسد” مؤشّرات عديدة على تراجع الغطاء الدولي، وامتنعت عن تنفيذ التزاماتها الواردة في الاتفاقيات الموقعة، وواصلت خطاباً تصعيدياً ودعوات إلى النفير العام في لحظةٍ كانت فيها موازين القوى تميل بوضوح إلى مصلحة الدولة السورية. فسلوكها هذا أدّى إلى تعميق عزلتها وإضعاف موقعها التفاوضي، وتسريع انتقال أوراق القوة إلى الدولة السورية، وفتح المجال أمام قوى كردية سورية معتدلة، تمتلك قابلية الاندماج المؤسّسي والاشتغال السياسي ضمن الأطر الوطنية بعيداً عن السلاح والارتهان الخارجي، وهو ما يضع “قسد” اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، فإمّا الاندماج الكامل ضمن مؤسّسات الدولة السورية الجديدة، أو الخروج التدريجي من المشهد.

مع التأكيد هنا أنّ نهاية الدور الوظيفي لـ”قسد” وخروجها من المشهد السوري لا يعني نهاية الحضور الكردي في سورية، بل على العكس، قد يُشكّل هذا الخروج فرصة لإعادة صياغة الحضور الكردي على أسس وطنية أكثر صلابة، خصوصاً أنّ الدولة السورية الجديدة تسعى إلى ترميم شرعيتها الداخلية والخارجية، وباتت مضطرّة إلى معالجة ملف الحقوق السياسية والثقافية للكرد ضمن أطر المواطنة المتساوية، وهو ما لم يكن ممكناً في ظل هيمنة نظام الأسد البائد أو منطق الميلشيات المسلحة.

خلاصة القول، لا يمكن في أي حال اقتطاع مشهد واحد من الصورة السورية الكلية لبناء رأي منطقي يفضي إلى خلاصات نهائية. ومع ذلك، يبرز تساؤل يتجاوز اللحظة السياسية الراهنة إلى عمق التجربة التاريخية للكرد في سورية، وهو ألم يحن الوقت بعد ليتعلّم الكرد من تجارب الماضي، ويظهروا أنّهم استفادوا من أخطاء العقود الماضية؟ أم أنّ الأيادي المرتعشة لا يمكنها أن تصنع التاريخ؟

وعليه، ما تواجهه “قسد” اليوم، في جوهره، نتيجة تراكم أخطاء في التقدير السياسي، وسوء قراءة للتحولات الإقليمية والدولية، وإصرار على ممارسة سياسة الصم السياسي أكثر مما هو مؤامرة أو انقلاب مفاجئ في المواقف. ومن هذه الزاوية، تبدو التحولات الجارية أقرب إلى إعادة فرز نهائي للأدوار داخل المشهد السوري، وفق منطق الدولة لا منطق الوظائف المؤقتة.

العربي الجديد

——————————-

هل سورية الموحّدة على الأبواب؟/ أحمد مظهر سعدو

29 يناير 2026

رغم كل الآلام التي سببتها النزاعات داخل الجغرافيا السورية، منذ كنس نظام بشار الأسد، وبالرغم من حجم الانتهاكات الكبير الذي جرى في السابق، سواء في جبل العرب محافظة السويداء، أو كذلك في الساحل السوري، إلا أن ما يجري في شمال شرق سورية، وهذه الدروس المستفادة، التي امتلكتها الحكومة السورية، ومن ثم الاشتغال حثيثاً على الإقلال ما أمكن من حجم الضحايا المدنيين، والجنوح إلى الحل السلمي ما أمكن إلى ذلك سبيلاً، بديلاً عقلانيّاً سياسيّاً ووطنيّا منفتحاً، تستعيض فيه الحكومة عن كل الحروب المحتملة، وخصوصاً بعد إصدار المرسوم الرئاسي 13 الذي يخص الإثنية الكردية، وبالتالي منحهم الكثير مما كانوا يحلمون به، إلا أن الأيام المقبلة وتمديد الهدنة فترة كان سقفها 15 يوماً، يشي باحتمالاتٍ كثيرة، وتوقعاتٍ عديدة، حيث يتبادر إلى الذهن سؤال مهم، طالما كان وارداً وحاضراً في مخيال السوريين جميعاً، مفاده: إذا كانت مهلة التسعة أشهر التي منحت لتنفيذ اتفاق 10 مارس (2025) لم تنتج شيئاً ولم تؤت أُكلها، ثم الأربعة أيام التي منحت لاتفاق 18 يناير (2026) لم تلبِّ أي تنفيذ عملي، فهل يمكن لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أن تلتزم أو تنفذ أي بند في هذه الاتفاقات، وقبل انتهاء التمديد أسبوعين، بما يدفع إلى تنفيذ الاتفاق الأخير، ومن ثم تنفيذ كل ما تبعه من تفاهماتٍ أخرى؟

سؤال محوري وحقيقي بواقعيته، ولا بد من محاولة الإجابة عنه، من حيث إن مصائر الوطن السوري، كما يبدو، باتت مرتبطة بشكل أكيد بما يمكن أن يسفر عنه الوضع الجديد شمال شرق سورية، بعد أن أثبتت الحكومة السورية، وكذلك الجيش، القدرة على تنفيذ الاتفاقات بأقل الخسائر الممكنة في صفوف المدنيين، خصوصاً أن من يرعى هذه التوافقات والاتفاقيات هي الإدارة الأميركية نفسها التي رعت سابقاً وما زالت نشوء “قسد” واستمرارها ونواتجها العسكرية والمدنية، منذ عام 2015 بل يزيد.

ما يتبدّى ويتمظهر على السطح أن الأميركان ذاهبون جدّيّاً هذه المرّة إلى حالة جديدة في إنفاذ الاتفاقيات، والدعم الحقيقي لوحدة سورية، وبالتالي، دمج كل مخلفات تنظيم قسد ضمن إطار الدولة السورية الموحّدة، على أن تكون سورية المقبلة دولة محورية مهمة في المنطقة وذات سيادة، ومتوافقة مع المحيط الإقليمي بشكل عام، بما فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي التي مازالت متربصة بالسوريين، وتتابع تنفيذ انتهاكاتها في المنطقة العازلة السورية التي احتلتها بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ومازالت تقترف ذلك بكل صلف وعربدة، رغم التفاهمات الأولية التي توافقت فيها مع الدولة السورية في اجتماعات باريس أخيراً.

تفيد كل المؤشرات في المشهد السوري الآني بأن وحدة سورية أرضاً وشعباً أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الإنجاز، وأن كل المشاريع الانفصالية الهجرية في الجنوب، أو القسدية شمال شرق سورية، لم تعد ممكنةً ضمن آليات الاشتغال السوري الجاد على إعادة إنتاج سورية الواحدة الموحدة، وأن مهلة الأسبوعين التي جرى منحها لتنظيم قسد سوف تُؤتي أُكلها سلماً أو حرباً، ولن يكون أمام “قسد” من خيارات أخرى للمماطلة أو التسويف، حيث أصبحت فكرة الفيدرالية المطروحة منها أو ما يسمونها اللامركزية السياسية، من الماضي، وليس هناك من إمكانية لاستمرار إعطاء المهل والتمديدات، بعد أن أشارت الإدارة الأميركية علناً إلى أن الدور الوظيفي الذي كان منوطاً بتنظيم قسد قد انتهى، وأن العلاقة الأميركية والغربية عموماً في هذه الآونة هي مع الدولة المركزية السورية والحكومة السورية الجديدة، التي تمكّنت من كنس نظام الاستبداد المشرقي الأسدي، وأخرجت إيران من المنطقة والجغرافيا السورية بكليتها، من دون بخس للكرد وحقوقهم، وهو ما سبق وأصدر الرئيس أحمد الشرع مرسومه على أساسه، والذي سبق بأيام قليلة الإعلان عن اتفاق 18 يناير (2026) ببنوده الـ 14، والتي لا يبدو أن أحداً في وارد التنازل عنها، هذه البنود التي تبنّتها أميركا والحكومة السورية الجديدة، ويصرون جميعا على تنفيذها بنداً بنداً، لأهميتها في بناء مستقبل الكرد وكل سورية وأيضاً المنطقة، بعد أن وقّع زعيم “قسد”، مظلوم عبدي، على الاتفاق المذكور بأحرفه الأولى والتفاهمات التي تلته.

رب قائل يقول: هل سيسمح قادة حزب العمّال الكردستاني الذين يسيطرون على قرار قوات سوريا الديمقراطية، ومن ثم قرارات عبدي بتطبيق هذه الاتفاقات، وبالتالي الانتهاء من كل هذه الإشكالات المتتابعة سلماً لا حرباً، وهم الذين يرسلون تباعاً القوات الكردية المدرّبة لدعم “قسد” وإقامة صرح “روج آفا”، وحلمه ومن أجل خوض الحرب المنتظرة حسب رؤيتهم، مع الحكومة السورية، وهذا الاحتمال بالتأكيد وارد، والوارد أيضاً أن الحكومة السورية وبدعم أميركي ما زالت مصمّمة على إنهاء الملف شمال شرق سورية، وتوحيد سورية، ولا مجال أبداً (كما ترى حكومة دمشق) للمساومات، وسوف يلتحق بإنجاز هذا الملف العمل على الخروج من عنق الزجاجة، بما يخصّ ملف الجنوب، وتفيد تسريبات كثيرة باحتمالات قريبة لزيارة شيخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء، حكمت الهجري، الولايات المتحدة، بعد أن سبقه الى ذلك آخرون من قادة الدروز السوريين متحالفين مع الدولة السورية الجديدة.

يتطلع السوريون إلى إنجاز وحدة سورية، ولا يريدون حروباً جديدة، ولا دماء ولا ضحايا. ولكن هل يعني هذا أن وحدة الجغرافيا السورية أصبحت على الأبواب؟ يبدو ذلك. ويبدو أيضاً أن ملفاتٍ كثيرة في طريقها نحو الحل، رغم صعوبة التحدّيات، وهي كثيرة ومريرة.

العربي الجديد

—————————–

 كيف يضيّع مظلوم عبدي فرصته التاريخية في سوريا؟/محمد السكري

2026.01.29

في أدبيات النزاعات المسلحة، يتمخّض عن الثورات أو النزاعات العسكرية ما يُسمّى بالفصائل العسكرية، وهي تُعدّ وتُصنَّف كفاعلٍ ما دون الدولة. وهذه الفواعل إمّا أن تكون نتيجة ثورات شعبية تواجه النظام السياسي ردًّا على العنف غير الشرعي من قبل الدولة، أو تكون نتيجة صراع بين المعارضة والنظام، كطرف ثالث يتغذّى على الفوضى ويحمل مشروعًا مختلفًا عن السياق العام عقب انهيار السلطة المركزية.

غير أن هذا التصنيف لا يكون ثابتًا، بل يرتبط بوظيفة الفاعل وعلاقته بمشروع رؤية سياسية ناضجة وبديلة. فبحسب مقاربات الفاعلين من دون الدولة، لا يُعدّ وجود السلاح بحد ذاته مؤشرًا على اللاشرعية، بل يصبح كذلك عندما يتحوّل الفاعل المسلّح إلى كيان يعتمد في بقائه على استدامة الصراع بدل إنهائه.

في الثورة السورية، كانت فصائل المعارضة فاعلًا ما دون دولة طبيعيًا لديه هدف وحيد، وهو إسقاط نظام الأسد وإعادة بناء دولة الحرية والقانون وفق رؤية وطنية موجودة رغم كل تباينات الفصائل العسكرية، بعكس تنظيمات أخرى، كحال قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي لا تمتلك رؤية واضحة بهذا المعنى الوطني، بل كانت تتغذّى على الصراع العسكري خلال فترة الثورة السورية وتناقض الأجندات المحلية والدولية، ما جعلها تنظيمًا هجينًا ما دون دولتي، يقوم على الصراع ولا يمتلك مشروعًا سياسيًا واقعيًا، ولا شرعية سياسية أو شعبية، إلا في حدود تناقضات الملف السوري.

عقب سقوط نظام الأسد وسيطرة فصائل الثورة السورية، إثر عملية “ردع العدوان” على دمشق، دخلت سوريا مرحلة جديدة عنوانها “احتكار العنف الشرعي”، مع تحوّل فصائل الثورة تدريجيًا إلى فاعل دولتي من خلال إعادة بناء منظومة الجيش، بما يتوافق مع أطروحات “تشارلز تيلي” حول تشكّل الدولة الحديثة عبر توحيد أدوات القوة ضمن مؤسسة عسكرية مركزية. وقد مثّل برنامج إعادة الدمج والتسليح المنظّم الإطار العملي لتحويل الفصائل المسلحة من فاعلين ما دون الدولة إلى مكوّنات ضمن جيش وطني خاضع للسلطة السياسية الجديدة. وفي ظل هذه المتغيرات، بقيت قسد تُعدّ فاعلًا ما دون دولة، ما وضعها نظريًا في موقع الفاعل المعرقل لمسارات التحوّل، لا الفاعل المقاوم لها. فالفاعلون الذين لا يستطيعون الانتقال من فاعل حرب إلى منطق الدولة يصبحون جزءًا من مشكلة بناء الدولة، لا جزءًا من حلّها.

حتى جاء اتفاق آذار/مارس 2025، الذي شكّل نقطة اختبار حاسمة، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على المستوى البنيوي لطبيعة قسد ودورها. فقد كان هذا الاتفاق بمثابة إعلان من الحكومة السورية الجديدة عن نيتها عدم خوض حرب جديدة، ومنح مجال للتفاوض السياسي، وتجنيب سوريا حربًا داخلية جديدة. وكان ذلك بمثابة رسالة ودعوة لقسد بضرورة الالتحاق بالواقع الجديد، والتحوّل من فاعل ما دون دولة يتغذّى على الفوضى ويغيب عنه المشروع، إلى فاعل يُعدّ جزءًا من منظومة الجيش السوري ومشروع وطني شامل. غير أن تعطيل قسد، على مدار عام كامل، حال دون تنفيذ الاتفاق.

لقد لعبت قسد دور المفسد للسلام، ولمجال السلام ذاته. ووفق نظرية “المفسدين” في عمليات السلام، لا يُعدّ تعطيل الاتفاق بالضرورة تعبيرًا عن رفض نهائي أو قبول، بل قد يعكس سلوك “المفسد” الذي يسعى إلى “السيولة”، وفق مفهوم “زيغمونت باومان”، بمعنى التمييع المقصود، في ظل إدراك قسد لتغيّر ميزان القوى. غير أن إطالة هذا التعطيل تنقل الفاعل تدريجيًا من موقع المساومة إلى موقع العزلة السياسية، والحرب الشرعية على فاعل ما دون دولة، خاصة في بيئة انتقالية تسعى إلى تثبيت الاستقرار وتجنّب العودة إلى الحرب.

يُعدّ هذا الاتفاق بمثابة طوق نجاة لقسد، ولا سيما لمظلوم عبدي، الذي يبدو أنه لم يتعلّم من التجارب القريبة قبل البعيدة. فتجربة الرئيس أحمد الشرع، كفاعل أعاد تشكيل هويته التنظيمية بشكل مستمر، تُظهر أن الإصرار على الواقع الجامد لا يساعد على تحقيق نتائج مرضية، بينما التفاعل مع المتغيرات الظرفية والزمنية يساهم في التطوّر المستمر وتحقيق المكاسب.

فالمشروع المرتبط بهدف يتطوّر ويتّسع هو أهم وأولى من التمسّك بسياقٍ ماضٍ وتقليدي لا يساعد على تحقيق نتائج مرضية. وكانت خطوة حلّ “هيئة تحرير الشام”، وقبلها الانتقال من جبهة النصرة إلى تنظيم ذي هوية محلية، قرارًا حاسمًا ورؤية نوعية تقوم على مقاربة أن “الثابت الوحيد في السياسة هو المتغيّر”.

هذا المتغيّر، الذي ما إن استطاع مظلوم عبدي أن يتماهى معه، قد يمنحه فرصة حقيقية ليكون فاعلًا مهمًا في سوريا خلال المرحلة الانتقالية. وتعكس هذه التحوّلات جدّية حكومية في التعامل مع مظلوم كفاعل، بشرط فهمه للتحولات الجديدة وتفاعله معها بإيجابية. فالتنظيمات ما هي إلا وسيلة، وعندما تتحوّل إلى هدف قائم بذاته تصبح تنظيمات سائلة. والتغيير في سوريا جاد، فلكل مرحلة سياقها المختلف، وربما لا تساعد عقلية مظلوم الحالية على إدراك هذه التحوّلات.

في خيارات قسد الحالية، ليس مظلوم هو الخاسر بالضرورة، بل قد يكون رابحًا إذا ما فهم التحوّلات واستثمرها على مستوى البنية الداخلية، عبر دفع الأطراف المعطِّلة إلى خارج بنية قسد نفسها، والتوجّه نحو إعادة هيكلة تتوافق مع الظروف الموضوعية والسياقية في سوريا. ويقوم ذلك أولًا على فكّ ارتباط جدي بحزب العمال الكردستاني، وإعادة توليف بنية جديدة متماهية مع السياق المحلي السوري، عبر استثمار الضغط الشرعي الذي تمارسه الحكومة السورية، والعمل على تفكيك داخلي حقيقي، تدريجي وقابل للتحقيق. وثانيًا، من خلال العودة إلى اتفاق آذار وتطبيقه ضمن الإطار الوطني الجامع، حينها ستكون دمشق طرفًا مساندًا لمشروع عبدي المتجدّد وفق السياق الجديد.

لذا، فإن إعادة تعريف دور وبوصلة قسد نحو سوريا ودمشق كوطن جامع تُعدّ الخيار الوحيد. حينها سيكون مظلوم شريكًا حقيقيًا، وسيُجنّب سوريا استقطابًا إثنيًا لا يستفيد منه سوى حزب العمال الكردستاني المصنّف على قوائم الإرهاب، والذي يحمل طروحات متطرفة لا يمكن تحقيقها. وبناءً على ذلك، فإن الخيارات المتاحة أمام قسد، ولا سيما أمام مظلوم عبدي، لا تتحدّد بمنطق الخسارة أو الربح الآني، بل بقدرتها على إعادة تعريف دورها وهويتها السياسية ضمن إطار وطني جامع، وتطبيق الاتفاق السياسي كفرصة أخيرة. ولمظلوم تحديدًا خياران لا ثالث لهما: إمّا الارتهان لقيادات حزب العمال الكردستاني المتطرّفة، أو التحوّل إلى فاعل دولتي يمارس دوره، معارضًا كان أو مؤيدًا، ضمن الحدود الوطنية السورية، لا خارجها.

تلفزيون سوريا

—————————–

 ما صلة قوات “قسد” بحزب العمال الكردستاني؟/ عبد المجيد عرفة

2026.01.29

كان حافظ الأسد يعتبر تركيا عدوًا استراتيجيًا لأسباب ـ ادّعاها ـ حول ترسيم الحدود السورية التركية. لذلك قرر أن يخلق كيانًا عسكريًا مسلحًا يحارب من خلاله تركيا، ولم يكن أمامه إلا القضية الكردية، كقومية ظُلمت بعد الحرب العالمية الأولى بتوزيع جغرافيتها التاريخية بين تركيا والعراق وإيران وسوريا. وقد نشطت أحزاب وحركات سياسية كردية مطالِبة بذلك قبل عقود.

عمل حافظ الأسد على دعم مواطنين أتراك من أصل كردي ليقاتلوا الدولة التركية ليتمكنوا من بناء دولة كردية في تركيا.

اجتمع حافظ الأسد مع عبد الله أوجلان، التركي/الكردي، في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وشجعه في نيته تأسيس حزب عقائدي مسلح يطرح ضرورة العمل لتحرير كردستان من تركيا، وأن لا يكون في أجندته إلا محاربة الحكومة التركية التي تمنع قيام هذا الكيان القومي، وأن الكرد السوريين ليسوا مواطنين سوريين، وأنهم أتراك/أكراد هاربون من تركيا، وأن ينشط وسط الشباب الكرد السوريين ويجندهم في حربه ضد تركيا.

وبالفعل أنشأ عبد الله أوجلان حزب العمال الكردستاني، ذا التوجه العقائدي الماركسي، عام 1978م بشكل سري. وكانت معسكرات التجنيد والتدريب بجوار دمشق وفي البقاع اللبناني. وبدأت العمليات الإرهابية للحزب في تركيا عام 1979م، وزاد نشاطه وتوسع في تركيا حيث وجود المكون الكردي–التركي.

الدولة التركية ومواجهة حزب العمال الكردستاني ووراءه حافظ الأسد

استمر تعامل الأتراك أمنيًا مع العمل (الإرهابي) لحزب العمال الكردستاني، حتى قررت الدولة التركية أن تحارب الدولة السورية الداعمة لهذا الحزب، وحشدت قواتها على الحدود السورية. وتدخلت قوى دولية وإقليمية واحتوت الخلاف، وحصلت اتفاقية أضنة بين سوريا وتركيا عام 1998م، التي بموجبها تم حظر حزب العمال الكردستاني في سوريا. وتم تسليم عبد الله أوجلان إلى المخابرات التركية في كينيا عام 1999م، وسُجن في تركيا وما زال مسجونًا حتى الآن.

بعد اتفاقية أضنة تم حظر حزب العمال الكردستاني في سوريا رسميًا، حيث غادر أغلب عناصره إلى جبال قنديل.

وهكذا أصبحت العلاقة بين نظام بشار الأسد وتركيا منذ بداية عام 2000م وحتى بداية الثورة السورية عام 2011م علاقة إيجابية، خاصة تجاريًا.

استعادة نظام بشار الأسد لحزب العمال الكردستاني ضد الثورة السورية وضد تركيا

ما إن بدأت الثورة السورية السلمية في ربيع عام 2011م، وامتدت إلى جميع المدن والبلدات السورية، بما فيها الشمال الشرقي السوري ومدينتا القامشلي والحسكة، حيث النسبة الأعلى للكرد السوريين.

شارك الكرد السوريون، ككل المكونات السورية، في الثورة، وتصدّر في تلك المدن ناشطون وطنيون ديمقراطيون كرد لمع بينهم مشعل تمو، الذي اغتالته المخابرات السورية لاحقًا. وسرعان ما قرر نظام بشار الأسد أن يعتمد العنف المطلق في التعاطي مع الثورة السورية: قتل، وتدمير، واعتقال، وتشريد. هكذا في كل سوريا، مستخدمًا الجيش والأمن والإيرانيين والميليشيات الطائفية، حزب الله وغيره.

أما في الشمال الشرقي السوري فقد كانت أجندة نظام بشار الأسد مختلفة، حيث استدعى خلايا حزب العمال الكردستاني من جبال قنديل، وعادت الخلايا النائمة للحزب إلى الظهور بشكل علني. وتبع ذلك تسليم الحزب المواقع الأمنية وسلاح وعتاد النظام السوري في تلك المدن والبلدات، وتشكل شبه جيش قوامه الأساسي حزب العمال الكردستاني، وقام بالدور القمعي ذاته من اعتقال وعنف وقتل، كما فعل نظام بشار الأسد في كل سوريا.

اعتمد حزب العمال الكردستاني، بإعادة ظهوره في سوريا خلال سنوات الثورة، واجهة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بقيادة صالح مسلم، وبدؤوا بخلق وحدات حماية الشعب. ومن ثم بدأ يأخذ أشكالًا رديفة في حضوره بخلفيته العقائدية اليسارية الماركسية، وأنه جاء ليؤسس لبناء روج آفا، أي غرب كردستان، وأنهم جزء من مشروع كردستان الكبرى، وأنهم معنيون بدعم النظام السوري الذي أوجدهم وأحضرهم وقدم لهم كل وسائل الدعم، وأنهم سيقاتلون ضد الثورة السورية التي انتقلت إلى المرحلة المسلحة، وكذلك العودة لمحاربة تركيا التي دعمت الثورة السورية بعمليات إرهابية، كما كان سابقًا.

وهكذا وجدت تركيا والثورة السورية أنهما أمام عدو جديد فتح جبهة صراع ضدهما في الشمال الشرقي السوري، ثم شرق الفرات.

أميركا وداعش وولادة قسد

ازداد الحال السوري تعقيدًا مع انفتاح سوريا على التدخلات الإقليمية والدولية، وولادة داعش في العراق وعملياتها الإرهابية الاستعراضية والممتدة دوليًا، وتمددها إلى سوريا. وهذا بالطبع أضر بالثورة السورية التي حاربت داعش، وأفاد نظام بشار الأسد الذي بدأ يحظى بالقبول مجددًا وإعادة شرعيته في سوريا.

دفع ذلك أميركا والغرب إلى بناء تحالف دولي ضد داعش، بحاجة إلى قوة عسكرية تقوم بدور محاربة داعش على الأرض. فوجدوا حزب العمال الكردستاني بمسمياته الجديدة: حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب ضمن روج آفا، ودخلوا في حرب على داعش بالنيابة.

ولكي تجد هذه القوة مشروعية أكبر بعدم حصر انتمائها وعملها وتمددها بين الكرد السوريين في روج آفا، تم طرح اسم قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، الذي ضم إليه، إضافة إلى الكرد، كثيرا من الشباب العرب السوريين الذين وجدوا أنفسهم واقعين بين نار النظام السوري وداعش، وروج آفا التي تبنتهم واستخدمتهم كقوات مقاتلة. وكان الدعم الأميركي والغربي لهم بالمال والعتاد بلا حدود لكي يحاربوا داعش ويقضوا عليها.

المهم أن قسد كان عمودها الفقري وقيادتها حزب العمال الكردستاني.

انتصار الثورة السورية ومصير قوات سوريا الديمقراطية، النهاية المحتومة

استمر دور قسد في شرق الفرات ضد داعش وتلبية لمطالب أميركا وحلفائها، ونهب النفط والغاز السوري شرق الفرات طوال سنوات الثورة السورية. وعند انتصار الثورة السورية، ودخول الحكومة السورية الجديدة في تحالف إقليمي تركي قطري سعودي، ودولي أميركي غربي، ونجاح الرئيس أحمد الشرع، بعد أكثر من سنة، بالتحكم في الملفات الداخلية والخارجية وتحريكها بنجاح وجدارة.

صار الخيار الدولي والإقليمي، وكذلك خيار الدولة السورية، أن تعود سوريا موحدة. فتم إنهاء تحركات الفلول في الساحل، وتمت محاربة داعش ومطاردة بقاياها، وتم تحييد الدور الإسرائيلي لأجل توافقات مدعومة أميركياً، وتم تسكين الحراك في السويداء قبل حلّه ضمن توافقات سورية–سورية ودولية.

لذلك كان لا بد أن يعود شمال شرقي سوريا إلى سلطة الدولة السورية. ورغم حصول اتفاقات قبل أكثر من سنة بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي قائد قسد، ومماطلة مظلوم عبدي، فإن إرادة الحكومة السورية وحلفائها العرب وتركيا وأميركا هي توحيد سوريا واحدة موحدة كرافعة تنموية في الإقليم كله.

لذلك كله، وبدءًا من هذا العام، حصل حراك سياسي ثم عسكري أنهى وجود قسد في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، ثم انتقل طرد قسد إلى غرب الفرات ثم شرقه، وتم تحرير دير الزور والرقة والطبقة ورأس العين ومنبج، إلخ. وتوقف الجيش العربي السوري على حدود الحسكة والقامشلي وعين العرب.

لقد كان المرسوم المهم، والذي جاء في زمانه، من رئيس الجمهورية أحمد الشرع، بتجنيس الكرد المحرومين من الجنسية، وإعطاء المكون الكردي حق التعليم بلغتهم، والاعتراف باللغة الكردية لغة وطنية سورية، إلخ، دورٌ في إلغاء أي ذريعة لقسد حول أنها وُجدت لحماية الكرد ومصالحهم.

ما هي إلا أسابيع أو أكثر، وتعود سوريا موحدة جغرافيًا ومجتمعيًا، تمتلك ثرواتها، ويعمل كل السوريين ورشة واحدة لإعادة البناء والتنمية وصناعة الحياة الأفضل.

تلفزيون سوريا

———————-

ماذا يعني أن تكون الكردية لغة وطنية في سورية؟/ علي سفر

28 يناير 2026

مع صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 منتصف الشهر الجاري في سورية، الذي اعترف باللغة الكردية لغة وطنية، تعاملت بعض المؤسسات المعنية معه بوصفه تكليفاً عملياً وليس مجرد إعلان نيّات، وهو ما ظهر في تعليمات تنفيذية أصدرتها وزارة التربية والتعليم، أول أمس، لتطبيق المرسوم، حيث كلّفت الوزارة المركز الوطني لتطوير المناهج بإعداد مناهج اللغة الكردية لجميع المراحل خلال ستة أشهر، لضمان اعتمادها قبل بدء العام الدراسي المقبل. هذه النقلة، على أهميتها، لا تُنهي النقاش المستمر حول القضية منذ عقود، بل تعيد طرحها من زاوية السؤال عن استجابة الدولة وإداراتها لإحياء لغة حُوصرت طويلاً خارج المجال العام، وكذلك التفكير في الإرث التاريخي الذي جعل الكردية، أصلاً، موضوعاً للريبة والخوف لدى السلطة؟

أسئلة مؤجلة

مع اندلاع الثورة السورية، انفجرت كل الأسئلة المؤجلة. الكرد، مثل غيرهم من السوريين، وجدوا أنفسهم أمام دولة تتفكك وتنسحب أمام مسؤولياتها، وفراغ يُملأ بالقوة. الثقافة الكردية هنا دخلت مرحلة جديدة من الالتباس: من جهة، تحررت جزئياً من المنع الرسمي، وظهرت مدارس ومراكز ومنابر ثقافية واجتماعية. ومن جهة أخرى، خضعت هذه الثقافة أحياناً لمنطق الحزب الواحد، ولأدلجة جديدة، جعلت اللغة مرة أخرى أداة تعبئة، لا فضاء حراً للتعبير.

ومع سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على مناطق واسعة في شمال وشرق سورية، ظهرت الحاجة إلى توحيد المعايير اللغوية، وهو ما دفع “مؤسسة اللغة الكردية” التابعة للإدارة الذاتية إلى إعداد مرجع “Rêzimana Kurmancî” لتوحيد قواعد الكتابة الكردية الكرمانجية الشمالية، وفقاً للمعايير اللغوية والقواميس المعاصرة من ستة أجزاء: علم الأصوات، علم الصرف، النحو، علم الدلالة، الإملاء، علامات الترقيم. هذا المشروع، لم يكن مجرد خطوة تعليمية، بل إعادة بناء للغة في سياق سلطوي جديد: أي أن هذه اللهجة التي جرى اعتمادها أصبحت معياراً للتعليم والمؤسسات الرسمية، فيما بقيت اللهجات الأخرى أقل حضوراً. خلال هذه الفترة، ظهرت أيضاً محاولات لتثبيت اللغة في المناهج وإنشاء مراكز تعليمية وبحثية، لكنها لم تخلُ من الجدل حول أي لهجة يجب اعتمادها وأي معيار لغوي يصبح المرجع الرسمي.

جذور القضية

قبل وصول حزب البعث إلى الحكم، لم تعرف سورية ما يمكن تسميته “سياسة دولة” موجهة لقمع اللغة الكردية أو محو الثقافة الكردية، حيث قامت الدولة السورية الحديثة على تصور أحادي للهوية الوطنية، جعل العربية لغة الدولة الوحيدة في الإدارة والتعليم والمجال العام، من دون أن يرافق ذلك مشروع خاص لاستهداف اللغات الأخرى، على غرار الدول القومية الناشئة في المنطقة بعد الاستقلال. في تلك المرحلة، لم تكن هناك مسألة كردية متبلورة بوصفها حالة قومية جامعة، فالكرد كانوا منخرطين في الأحزاب السياسية السورية؛ قومية ويسارية، ولم يكن هناك آنذاك وعي جمعي كردي منظّم يطالب بحقوق قومية أو لغوية واضحة، بل كان ثمة وعي نخبة تحاول إحياء الثقافة الخاصة. هذا لا يعني غياب التهميش، لكنه تهميش ناتج عن نموذج الدولة الأحادية اللغة.

لم تُعامَل اللغة الكردية جسماً زائداً داخل الوطن، ولا جرى توصيف الكرد رسمياً خطراً قومياً قائماً بذاته، بل أُدرجت اللغة، مثل غيرها من أشكال التعبير المستقلة، ضمن حقل الريبة العامة. العربية نفسها، رغم كونها لغة الدولة، لم تكن فضاءً حراً بل خضعت لتقنين أيديولوجي صارم، فيما كانت اللغات غير العربية أكثر عرضة للتهميش بحكم غياب أي اعتراف قانوني أو حماية مؤسساتية لها.

غير أن أثر هذه السياسة كان بالغاً إذ نُقلت اللغة الكردية من حيّزها الاجتماعي الطبيعي إلى حيّز أمني مؤدلج، فصار تداولها مشوباً بالخوف، وأُجبرت الثقافة الكردية على التشكل في شروط دفاعية، لا بوصفها ممارسة يومية عادية داخل المجتمع. وحين تُمنع اللغة من المجال العام، وتُحاصر المؤسسات الثقافية، وتُجرَّم المبادرات المستقلة، فإن ما يبقى هو ثقافة شفوية، أو ثقافة سرّية، أو ثقافة مشحونة بالسياسة أكثر مما تحتمل.

هذا الواقع أضعف إمكانية تشكّل حياة ثقافية كردية طبيعية، نقدية، ومتنوعة. الأدب، والمسرح، والبحث الأكاديمي، والتعليم النظامي باللغة الكردية، كلها بقيت خارج الفضاء الشرعي. وفي المقابل، تشكّل خطاب ثقافي كردي مشدود دائماً إلى فكرة البقاء والهوية المهددة، ما جعل السياسة تطغى أحياناً على الجماليات، وعلى الأسئلة الداخلية للثقافة نفسها.

يقرّ المرسوم الرئاسي الأخير باللغة الكردية لغة وطنية لا رسمية، وهذا التمييز يعني الإقرار بأن الكرد جزء أصيل من النسيج السوري، وأن لغتهم ليست لغة أجنبية أو طارئة، بل لغة من لغات البلاد، ولكن عدم تحويلها إلى لغة رسمية يفتح نقاشاً أوسع حول معنى الرسمية، وحدودها. ووصف لغة ما بأنها وطنية هو أعلى مرتبة من ناحية الهوية والانتماء من وصفها رسمية، ذلك أن تسميتها وطنية يوحي بأنها جزء من الهوية الوطنية و”أصيلة”، بينما يمكن للغة أجنبية أن تكون رسمية أي معتمدة قانونياً لمعاملات الدولة كحال الفرنسية في بعض البلدان التي كانت سابقاً مستعمرات فرنسية ولديها لغاتها الوطنية ــ الرسمية في آن. في المقابل، قد تكون اللغة الوطنية غير مسماة رسمية، في حين أن الاستخدام يكون إجبارياً عندما تكون صفتها رسمية، أي أن المرتبة القانونية للرسمية أعلى من الوطنية.

المرسوم، مهما كانت دوافعه السياسية، يكسر الإرث البعثي ويعترف بخطأ تاريخي. لكنه يبقى خطوة رمزية ما لم يُترجم إلى سياسات تعليمية وثقافية حقيقية، تتيح للغة الكردية أن تُدرَّس، وتُبحث، وتُنتج خارج منطق الاستثناء. المشكلة الأساسية في تناول الثقافة الكردية في سورية أنها غالباً ما تُختزل في سؤال الهوية. من نحن؟ ماذا نطالب؟ ما حقوقنا؟ وهي أسئلة مشروعة، لكنها ليست كافية. الثقافة، في معناها العميق، ليست فقط هوية، بل إنتاج معرفة، وخيال، ونقد ذاتي.

خارج الحسابات الضيقة

التحدي اليوم لا يقتصر على انتزاع الاعتراف، بل على بناء ثقافة كردية سورية قادرة على مساءلة ذاتها، وعلى الانفتاح على محيطها، وعلى التحرر من ثنائية الضحية والخصم. ثقافة لا تُعرّف نفسها فقط في مواجهة العروبة أو الدولة، بل في علاقتها بالإنسان، وبالحداثة، وبالسؤال الديمقراطي. الاعتراف باللغة الكردية لغة وطنية يمكن أن يكون بداية لمسار مختلف، إذا جرى التعامل معه خارج الحسابات الضيقة. هذا المسار يفترض إعادة التفكير في مفهوم المواطنة نفسه، وفي معنى أن تكون سورية دولة متعددة، لا تخاف من تنوّعها. الثقافة الكردية ليست عبئاً على الهوية الوطنية السورية، بل اختبار لها. إما أن تكون هذه الهوية قادرة على استيعاب الاختلاف، أو أن تعود إلى منطق القمع، ولو بأدوات جديدة. وفي الحالتين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يريد السوريون ثقافة تعيش في الظل، أم ثقافة تشارك في صياغة المستقبل؟

العربي الجديد

———————

مئات المسلحين الأكراد يعبرون من العراق إلى الحسكة/ زيد سالم

29 يناير 2026

أفادت مصادر سياسية وأمنية في إقليم كردستان العراق “العربي الجديد” بأن المئات من المسلحين يرافقهم ناشطون سياسيون تمكنوا، خلال اليومين الماضيين، من العبور إلى داخل الأراضي السورية باتجاه محافظة الحسكة قادمين من محافظة السليمانية بإقليم كردستان، بعضهم عناصر يتبعون وحدات “مكافحة الإرهاب” التابعة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة بافل طالباني.

وقالت المصادر لـ”العربي الجديد” إن “سيارات رباعية الدفع نقلت المسلحين الكرد عبر معبر سيمالكا ـ فيشخابور الحدودي الذي يربط حدود سورية وكردستان العراق، ومن خلال معابر أخرى بينها نهر دجلة والخابور وعلى مرأى من قوات البشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان.

وينتقل المسلحون، وجميعهم من العراقيين الكرد، بصفة متطوعين للدفاع عن الحسكة، وفقاً للمصادر نفسها التي كشفت لـ”العربي الجديد” أن سيارات تحمل مساعدات أيضاً عبرت إلى الجانب السوري بالتزامن مع عمليات عبور غير رسمية من العراق إلى سورية.

وجزء من هولاء العناصر المسلحين يرتبط بقوات “مكافحة الإرهاب” في السليمانية، وهي قوة يشرف عليها رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني الذي يتبنى منذ أيام خطاباً تصعيدياً ضد دمشق، ووجه باعتماد مصطلح “غرب دولة كردستان” في الإشارة إلى المناطق الكردية شمال شرقي سورية.

وكانت فضائية “الثامنة” التي يملكها بافل طالباني، ومقرها مدينة السليمانية، قد نقلت مشاهد ولقطات لمسلحين وصلوا قبل أيام إلى الحسكة السورية، وكتبت عنهم: “قوات مكافحة إرهاب السليمانية في غرب كردستان”.

كما اعترفت القناة عبر سلسلة من التغطيات أن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني قرر إرسال قيادات في الحزب إلى الحسكة في الأيام الأخيرة. وبحسب المصادر نفسها، فإن “دخول كرد العراق إلى المناطق السورية جرى من دون جوازات أو تأشيرات دخول”.

كما علم “العربي الجديد”، من مسؤول في وزارة الخارجية العراقية، أن “السلطات السورية في دمشق أبلغت بغداد بضرورة منع استمرار عبور المسلحين من الكرد والمواطنين بطرق غير رسمية أو قانونية، كما دعت سورية إلى أن يحافظ العراق على حدوده الشمالية ومنع الانخراط العراقي المسلح في المسألة السورية”، مؤكداً أن “الحكومة أبلغت السلطات في إقليم كردستان، إلا أن التساهل الكردي في هذا الشأن يسمح لمزيدٍ من حالات العبور”.

وسبق أن أكد رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني أن ما يجري في سورية أمر غير مقبول، مشدداً على ضرورة إيقافه بشكل فوري. وذكر في بيان أن “الشعب الكردي لن يلتزم الصمت ولن يتغاضى إزاء الانتهاكات، وأن استهدافه مرفوض بكل المقاييس”. كما دعا الولايات المتحدة الأميركية والشعب الأميركي إلى “التعامل مع هذه القضية من دون تردد وبمسؤولية، من أجل حماية المدنيين والعمل على تحقيق الاستقرار في المنطقة”.

من جانبه، أشار الخبير في الشؤون القانونية والدستورية أحمد حميد الحسني إلى أن “عبور مقاتلين من قوات عراقية كردية مشمولة دستورياً بكونها قوات عراقية يعني خرقاً دستورياً كبيراً، وعلى بغداد ألا تقبل باستمرار هذه الأفعال التي يستغلها حزب الاتحاد الوطني في سبيل التحشيد الجماهيري لصالحه ويعبر من خلالها عن استفزاز الجانب التركي أيضاً”، مستكملاً حديثه مع “العربي الجديد” بأن “عبور مقاتلين من السليمانية إلى الحسكة لا يختلف عن عبور وقتال المليشيات الشيعية خلال السنوات الماضية في سورية بحجة الدفاع عن المراقد، وأن كلتا الحالتين متشابهتين”.

——————————

بالتفاصيل.. ما الذي اتفقت عليه دمشق وقوات سوريا الديمقراطية؟

العربية.نت- جوان سوز

29 يناير ,2026

عقد قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي ومسؤولون في ما يسمى بـ “الإدارة الذاتية الكردية” شمال شرق سوريا، جولة تفاوض جديدة مع الحكومة السورية في العاصمة دمشق قبل يومين، حيث تم التوافق على عدد من القضايا من بينها العمل على دمج المؤسسات في مناطق الرقة ودير الزور وغيرها بالدولة.

فما هي التفاصيل التي تم التوافق عليها بين الجانبين؟

في السياق، نفى مسؤولون أكراد من “قسد” و”الإدارة الذاتية” الوصول لاتفاقٍ يقضي بدخول قوات الأمن العام إلى المناطق ذات الأغلبية الكردية، مؤكدين أن الجانب الكردي سلّم الحكومة قائمة بأسماء شخصياتٍ ستتولى مناصب سيادية في الدولة لتشغل منصب نائب وزير الخارجية والداخلية والدفاع، علاوة على قائمة بأسماء مرشّحين لمنصب محافظ الحسكة.

ووفق معلومات “العربية.نت/الحدث.نت”، فقد كان اجتماع دمشق الأخير بين الحكومة ووفد “قسد” الذي ترأّسه عبدي مع إلهام أحمد مسؤولة الشؤون الخارجية في “الإدارة الذاتية”، “إيجابياً”، حيث اتفق الطرفان على العمل على وقفٍ دائم لإطلاق النار وهو ما أدى لوقف الاشتباكات بين “قسد” والجيش في محيط محافظة الحسكة ومدينة “عين العرب”.

ضم الأسايش

كما اتفقت دمشق و”قسد” وفق المعلومات، على ضمّ “الأسايش” التي تعتبر بمثابة قوى الأمن الداخلي في قسد، بمنطقتي الحسكة وعين العرب إلى وزارة الداخلية، بحيث تصبح جزءاً من الأمن العام مع مراعاة تمركز العناصر الأكراد في المناطق الكردية والعناصر العرب في المناطق العربية.

كذلك اتفق الجانبان على استمرار النقاش بشأن عودة المهجرين الأكراد إلى مدنهم وتحديد نسبة الموارد المالية من عائدات النفط لمحافظة الحسكة وعين العرب، وتقدّيم الجانب الكردي قائمة بأسماء مرشحي مجلس الشعب لاحقاً مع وضع آلية زمنية لتطبيق مرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع هذا الشهر ويتعلق بالاعتراف باللغة الكردية ومنح الأكراد حقوق ثقافية ولغوية ومنح الجنسية للمجردين منهم مع تصحيح الضرر الذي لُحق بهم بعد إحصاء 1962.

وبحسب المعلومات فقد عُقِدت جولة التفاوض برعاية أميركية وفرنسية لتطبيق اتفاق 18 يناير “بطرق سلمية” وتجنّب المواجهات العسكرية بين الجانبين لفتح الطريق أمام تطبيق اتفاق يناير ومرسوم الشرع الأخير حول الحقوق الكردية.

ماذا عن معبر سيمالكا والقامشلي؟

أما في ما يتعلق بتسليم معبر سيمالكا الذي يربط بين سوريا وإقليم كردستان العراق للحكومة السورية، فقد نفى مسؤول كردي ذلك وقال إن “المعبر يتبع لمحافظة الحسكة وسيتم مناقشة هذه المسألة لاحقاً بعد تسمية المحافظ” إلى جانب مسائل أخرى تتعلق بمعبر القامشلي مع نصيبين وكيفية تشغيل مطار القامشلي الدولي.

وفيما يتعلق بمسألة الدمج العسكري لقوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش، فأشار المسؤول الكردي ل “العربية.نت/الحدث.نت” إلى أن “هناك محاولات ونقاشات بشأن تحويل قسد إلى جهاز أمني لمكافحة الإرهاب، لكن لم تصل بعد إلى نتيجة نهائية، وهناك وساطات دولية بهذا الشأن”.

علماً أن دمج “قسد” كان أحد أكبر التحديات أمام دمشق، مع تمسك عبدي سابقاً بدمجها ككتلة واحدة لا أفراد. لكنه وافق أخيراً على الدمج الفردي وفق اتفاق يناير.

يذكر أن اتفاق يناير كان جاء بعد قرابة عام من اتفاق العاشر من مارس الشهير الذي تبادلت دمشق و”قسد” الاتهامات حوله بشأن المماطلة في تنفيذ بنوده. إذ اتفق الطرفان يوم السبت الماضي (18 يناير) على تمديد وقف إطلاق النار حتى الثامن من فبراير المقبل.

فيما تواصل الولايات المتحدة بذل جهود دبلوماسية مكثفة لإرساء وقف دائم لإطلاق النار والتوصل إلى حل سياسي بين قسد، التي كانت سابقا الحليف الرئيسي لواشنطن في سوريا، والشرع، الحليف

الجديد للولايات المتحدة.

العربية

—————————–

الحسكة.. بين طاولات دمشق ونيران الميدان

على نقيض الهدوء الذي تصدره المفاوضات الجارية في العاصمة دمشق بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، تشتعل خطوط التماس في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا بمواجهات ميدانية وتحركات عسكرية تنذر بتبدد آمال التهدئة التي تم تمديدها 15 يومًا في 24 من كانون الثاني الحالي.

وشهدت جبهات ريف الحسكة، منذ فجر اليوم الأربعاء 28 من كانون الثاني، حالة من الترقب المشوب بالحذر، إذ ساد هدوء نسبي استمر حتى ساعات ما قبل الظهر، قبل أن تنفجر الأوضاع مجددًا عبر استهدافات متبادلة وتعزيزات عسكرية ضخمة دفع بها الطرفان إلى نقاط الاشتباك، ما يعكس فجوة عميقة بين ما يُناقش خلف الأبواب المغلقة وما يحدث على الأرض.

اشتباكات ميدانية وتدمير أنفاق

وأفاد مراسلو عنب بلدي ومصادر محلية في ريف الحسكة بأن محيط قريتي “رميلان الباشا” و”اليوسفية” في الريف الجنوبي لمدينة رميلان، شهد تبادلًا محدودًا للقصف بالأسلحة المتوسطة والمسيرات بين الجيش السوري ومقاتلي “قسد”.

تزامن هذا التصعيد مع عمليات عسكرية جديدة، حيث قامت وحدات من الجيش السوري بنسف مدخل نفق عسكري كانت تتحصن فيه عناصر تابعة لـ “قسد” في ريف المحافظة، في خطوة تهدف إلى شل حركة التنقل والتحصين تحت الأرض التي تعتمد عليها القوات الكردية.

ليس بعيدًا، شهدت مدينة القامشلي اليوم مراسم تشييع 11 مقاتلًا من “قسد” قتلوا خلال المواجهات الأخيرة.

وتعكس هذه الحصيلة حجم الضراوة في الاشتباكات التي دارت في الأيام القليلة الماضية، رغم استمرار الحديث عن مسارات تفاوضية بين الحكومة السورية والقيادات الكردية.

عسكرة الأحياء المدنية.. منازل تحت السيطرة

بينما واصلت “قسد” سياسة الاستيلاء على الممتلكات الخاصة لتحويلها إلى نقاط عسكرية.

وأفاد سكان محليون في بلدة “الجوادية” والقرى المحيطة بها، عنب بلدي، أن القوات المسيطرة استولت على عدد من المنازل السكنية، ونشرت فوق أسطحها قناصات، تزامنًا مع وصول تعزيزات عسكرية تضم مدرعات ومدفعية ثقيلة إلى تلك القرى.

ولم يقتصر الأمر على الجوادية، بل امتد ليشمل قرية “القاسمية” بريف القامشلي، حيث حُولت منازل المدنيين إلى ثكنات عسكرية، ما أدى إلى حالة من الذعر بين الأهالي ودفع بعضهم للنزوح خوفًا من تحول قراهم إلى ساحات حرب مباشرة.

تأتي هذه التحركات وسط استنفار أمني ملحوظ وتوتر يسود مركز مدينة الحسكة، حيث انتشرت الحواجز والتدقيق على المارة بشكل مكثف.

ملف السجناء وتحركات دولية

في موازاة التصعيد المحلي، يستمر التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بنقل سجناء من تنظيم “الدولة الإسلامية” من “سجن الصناعة” بمدينة الحسكة باتجاه الأراضي العراقية.

هذه الخطوة بدأها التحالف في 21 كانون الثاني الحالي، موضحًا أن العملية تستهدف نقل سبعة آلاف من السجناء، وإيداعهم في مراكز احتجاز داخل العراق، وذلك على خلفية محاولات هروب عدد من السجناء من سجن الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي إبان المواجهات الأخيرة.

تحذيرات من “مفخخات” ومخلفات حرب

وفي سياق متصل، أصدرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث بيانًا تحذيريًا عاجلًا للمواطنين، دعتهم فيه إلى عدم العودة إلى مناطق معينة في ريف حلب والرقة والحسكة قبل إعلان تأمينها بالكامل.

وأشار البيان إلى وجود مخاطر عالية ناجمة عن الألغام والعبوات الناسفة التي زرعتها “قسد” في المناطق التي انسحبت منها مؤخرًا.

وحذرت الوزارة بشكل خاص من دخول المباني والمنازل التي كانت تُستخدم كمقرات عسكرية، مؤكدة وجود معطيات ميدانية تشير إلى تفخيخ بعضها بعبوات ناسفة “مبتكرة” تفعّل فور فتح الأبواب أو الدخول إليها، مما يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة المدنيين الراغبين في العودة إلى ديارهم بعد بسط الحكومة السورية سيطرتها أو تأمين المنطقة.

عنب بلدي

—————————–

يهدد المشاريع الانفصالية في الجنوب… اتفاق دمشق و”قسد” يُعيد رسم خريطة القوى السورية/ عمار جلّو

الخميس 29 يناير 2026

لا يمثل الاتفاق المبرم بين الحكومة الانتقالية السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في 18 كانون الثاني/ يناير الجاري، مجرد تسوية محلية عسكرية، بل هو يعيد رسم معادلات القوى في سوريا والمنطقة، ويكشف عن تحولات عميقة في الإستراتيجيات الدولية، لا سيما الأمريكية والإسرائيلية. فتداعيات هذا التحول لا تقتصر على شمال شرق سوريا، بل تُرخي بظلالها الثقيلة على مناطق الساحل والجنوب السوريين، وتضع محافظة السويداء ومشروعها الانفصالي الناشئ أمام اختبار وجودي.

فالاتفاق بين دمشق و”قسد” أكثر من مجرد تسوية عسكرية، إذ يُصنّفه مركز “تقدم للسياسات” على أنه “هزيمة أيديولوجية وسياسية” للنموذج الذي دافعت عنه “قسد” طوال عقد من الزمن. ذلك أن رفض الحكومة السورية التنازل تجاه مفهومي “الحكم الذاتي” أو “الفيدرالية”، وقبولها بصيغة مرنة وغامضة للامركزية الإدارية داخل الهيكل المركزي للدولة، يُلغي فعلياً أي أفق لطموح كردي منفصل.

ويعزز النجاح العسكري والسياسي من استقرار الحكومة السورية ويوفر راحة أكبر لحلفائها، بحسب الباحث في مركز “جسور” للدراسات، وائل علوان، مما يفتح الطريق نحو تعافٍ تدريجي للبلاد. وينوّه في حديثه لرصيف22 بتحول المواجهة من رد فعل على استفزاز (الاشتباكات في حلب وريفها) إلى فرصة إستراتيجية استغلتها دمشق عسكرياً وسياسياً، مما أعاد رسم موازين القوى الداخلية والإقليمية لمصلحتها.

ويضيف: “هذا التحول سيكون له آثار تتجاوز تغيير الخريطة الميدانية، مؤثِّراً في الحسابات الدولية وزيادة الثقة بدمشق كقوة فاعلة وقادرة على تحقيق الاستقرار. وينتقل الأثر مباشرة إلى الملفات الأخرى، حيث يُتوقع أن يكون ملف السويداء التالي، مع تسريع الحل لمصلحة الدولة السورية”.

يؤيد ذلك، الكاتب السياسي السوري منهل باريش. برأيه، “نهاية المشروع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب ستؤثر في الملفات الأخرى، وأبرزها ملف السويداء”، مشيراً خلال حديثه لرصيف22 إلى توجه الضغط الأمريكي الحالي نحو دعم “سوريا موحدة”. كما أن توقُّع انسحاب أمريكي كامل من سوريا خلال الفترة المقبلة، سيعزز قبضة السلطة المركزية.

من الفيدرالية إلى اللامركزية المرنة “المُسَيطر عليها”

يشير مركز تقدم إلى أن نجاح نموذج دمج “قسد” في المؤسسات العسكرية والأمنية الحكومية قد يمهد لشكل من اللامركزية الإدارية القائمة على المحافظات، وقد تمتد آثاره ليطال ترتيبات المناطق الأخرى مثل الساحل والسويداء. لكنه يستدرك بالقول إنه “حتى لو انهار الاتفاق، لن تتمكن قوات المعارضة في المنطقة الساحلية أو السويداء من الاستفادة من مثل هذا الانهيار، ولن تغير ميزان القوى الجديد”.

من جهة أخرى، يرى مركز “الإمارات للسياسات” أن التحدي الحقيقي للرئيس السوري أحمد الشرع لن يكون عسكرياً بالضرورة، بل سياسياً ويتمثل في “قدرته على استمالة قوة كردية سورية بقيادة مظلوم عبدي بعيداً من حزب العمال الكردستاني”، مشيراً إلى أن نجاح هذا المسار قد يرسم نموذجاً إيجابياً للتسوية والاندماج داخل الدولة لبقية المكونات. وهذا التحول يتوافق مع توجه أمريكي مُعلن، عبّر عنه المبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك، حين وصف الاندماج الكردي في الدولة المركزية مع ضمان الحقوق بأنه “أعظم فرصة” أتيحت للأكراد، معتبراً أن اللامركزية “لم تنجح في أي مكان في الشرق الأوسط”.

ويوضح “تقدم” أن هذا الموقف يعكس إعادة تقييم واشنطن لسياساتها السابقة الداعمة لنماذج لامركزية، والتي ينظر إليها الآن كمُساهمة في الإخفاقات الإقليمية. وعليه، يُشير إلى حراك دبلوماسي أمريكي-أردني لترتيب اتفاق بين دمشق والسويداء على غرار اتفاق الشمال، وإلى إمكان بحث ترتيبات حدودية وأمنية بين دمشق وتل أبيب، وهو ما قد يفسر دعوة شخصيات درزية لمحادثات في واشنطن.

في سياق متصل، دعا محافظ السويداء، مصطفى البكور، إلى تشكيل “لجنة حوار وطني” تجمع أهالي المحافظة. وتهدف المبادرة إلى مناقشة هموم المجتمع “بواقعية وعقلانية” بعيداً من الانقسام، وتعزيزاً للاستقرار والسلم الأهلي. ويشدّد على أن “الدولة وطن للجميع مهما اختلفت الآراء، وأرض الوطن قادرة أن تضم جميع أبنائها وتحفظ مصالحهم”. وأكد أن المطالبة بالحقوق المشروعة “أمر لا خلاف عليه”، لكن تحقيقها يجب أن يتم عبر “الحوار البنّاء والقنوات الرسمية”، وضمن إطار القانون والدستور.

وتأتي هذه الدعوة في سياق مساعٍ رسمية لاحتواء التوترات في المحافظة، وإعادة ربطها بالحوار مع الحكومة المركزية في دمشق، بعد القطيعة التي جاءت عقب أحداث دموية شهدتها المحافظة في تموز/ يوليو 2025.

فيما يرى محللون تحدثوا لموقع “ألترا سوريا” أن اتفاق دمشق مع “قسد” يؤسس لواقع جديد يُجبر القوى في الساحل والسويداء على مراجعة حساباتها. فبحسب الكاتب السياسي سليمان الشمر، “كما تبخرت أحلام قسد بالفيدرالية ستتبخر أحلام حملة المشروعين الآخرين”، معتبراً أن القرار النهائي نتاج تفاعل “القرار الخارجي مضافاً إلى قرار السلطة داخلياً”.

من جهته، يُشير الباحث عزيز موسى إلى أن التطورات تفرض على الأطراف في الساحل والسويداء، الذين سعوا سابقاً نحو “السقف الأعلى” المتمثل بالانفصال أو الفيدرالية، على “إعادة النظر في مقارباتها”. ويوضح أن هؤلاء الأطراف كانوا يعوّلون على تجربة “قسد” كنموذج لتحالف متعدد، مما يدفعها الآن لإعادة تقييم موقفها نحو الاندماج في عملية بناء الدولة.

ويطرح موسى مسارين محتملين للتعامل مع ملف السويداء: التفكيك الداخلي، بالاعتماد على تفكيك شبكات الفصائل المحلية عبر استثمار الخلافات بينها، وفتح قنوات أمنية مباشرة مع دمشق. إلى جانب مسار إقليمي مرتبط بإسرائيل ومدى تفاهمها مع دمشق، حيث يمكن أن تؤدي أي تفاهمات بينهما إلى “صيغة تضمن التوافق” وتفتح الباب أمام عودة السيطرة الحكومية على السويداء.

أما في ما يتعلق بموضوع اللامركزية، فيرى موسى أنها تبقى قضية مستقبلية ستُحسم في “المسار السياسي الانتقالي” وبموجب ما سيتم التوافق عليه في الدستور الجديد، سواء أكان ذلك عبر “نموذج من اللامركزية الموسعة” أو سيناريوهات أخرى.

“تحالف الأخوة” بات مهدداً

على ما يبدو، لن يتوقف الدور الأمريكي في تسهيل اتفاق دمشق و”قسد” عند هذا الحد، بل الأرجح أن يُتبع بدعم قوى لاستعادة السيادة السورية على جميع الأراضي، بما فيها السويداء والمنطقة الساحلية، كجزء من رؤية لـ “انتقال موحد ومستقر”. ومن الطبيعي أن يبقى مصير ملف السويداء معلّقاً بشكل مباشر بالتقدم في المحادثات السورية-الإسرائيلية الجارية. فيما يُفسّر “تقدم” غياب التدخل الإسرائيلي لمصلحة “قسد” خلال الصراع الأخير بأنه يعكس “نقصاً في المصلحة الإستراتيجية” مع التزام بالقيود الأمريكية المفروضة على هذا الملف.

ولكن هل يكون سلوك إسرائيل في السويداء مشابهاً لما كان في ملف “قسد”، لكون الجنوب السوري يبقى من الأمور المعقدة نسبياً والتي بحاجة إلى حلول مستدامة نسبياً في المفاوضات الجارية بين إسرائيل وسوريا، ومن هنا يظهر التمسّك الإسرائيلي إلى الآن بالبقاء بجبل الشيخ والمناطق التي احتلّتها بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، كورقة تفاوض في المرحلة المقبلة، والسويداء ستكون جزءاً منها بلا شك.

من جانبه، يُرجح علوان أن تدفع التطورات إسرائيل إلى مزيد من الاستجابة للضغوط الأمريكية والتوجه نحو التفاهم مع حكومة دمشق الأكثر سيطرة على الأرض والقرار. ويشير إلى أن اتفاق دمشق مع “قسد” يمثل نهاية المرحلة العسكرية للمشروع الكردي المستقل في شمال شرق سوريا، في ظل تحول الدعم الأمريكي والدولي نحو دعم “سوريا موحدة” ومركزية الدولة. هذا التحول سيكون له انعكاس مباشر على الملفات الأخرى المعلقة، وعلى رأسها ملف السويداء.

وتشكل التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا ضربة إستراتيجية للإمكانيات الإسرائيلية للتدخل الداخلي، وفقاً لتقارير وتحليلات. فقد كشف تحقيق لـ”واشنطن بوست” الشهر الماضي أن “قسد” كانت تعمل “كجسر مالي ولوجستي” لنقل الدعم الإسرائيلي إلى فصائل درزية في السويداء، تحديداً “المجلس العسكري” التابع لطارق الشوفي والمدعوم من الشيخ حكمت الهجري، حيث تولت “قسد” أيضاً تدريب مقاتلين دروز بطلب وتمويل إسرائيلي.

وبحسب الكاتب الإسرائيلي تسفي باريل في صحيفة “هآرتس”، فإن اتفاق الدمج بين دمشق و”قسد” واستعادة السيطرة على الموارد الاقتصادية والمعابر يعني أن إسرائيل فقدت “الرئة التي كانت تتنفس منها مشاريعها في جنوب سوريا”. ويوضح باريل أن الدروز في السويداء أصبحوا بالتالي “الأقلية الوحيدة” التي لا تزال تتحدى السلطة المركزية، مما يجعلهم “الهدف القادم” للضغط العسكري والسياسي من دمشق، بدعم من واشنطن الراغبة الآن في “سوريا موحدة”. ويشير إلى أن “تحالف الأخوة” الإسرائيلي-الدرزي بات مهدداً، وقد تضطر إسرائيل للتخلي عن وكلائها المحليين.

بدوره، يشير موقع هاشتاغ سوريا، إلى أن محافظة السويداء تجد نفسها في وضع حرج بعد اتفاق دمشق مع “قسد”، حيث تواجه واقع قطيعة مع الحكومة المركزية، مع مطالب محلية بإنشاء “كيان مستقل” وتشكيل قوة “الحرس الوطني” المسلحة، إلى جانب ضغط متغيرات إقليمية جذرية، بخاصة بعد تحوّل السياسة الأمريكية نحو دعم “سوريا موحدة” وتهميش النموذج الكردي للحكم الذاتي.

التحليل نفسه يتحدث عن أن لدى السويداء خيارين صعبين، إما الاندماج السياسي مع الدولة السورية مقابل ضمانات دستورية، أو طلب الحماية الإسرائيلية المباشرة. والأخير خيار عالي المخاطر ويتعارض مع التوجه الأمريكي الحالي. لذا يبدو ترجيح كفة الاندماج كسيناريو أكثر واقعية، نظراً لتردد إسرائيل ووضوح الموقف الأمريكي الرافض للمشاريع الانفصالية، مما يضع السويداء على طريق التفاوض للعودة إلى الحكم المركزي بضمانات محدودة. وبشكل أساسي، فإن التغير في الموقف الدولي والإقليمي قد أفقد الخيار الانفصالي في السويداء الكثير من مقومات نجاحه، لمصلحة حل تفاوضي يضمن وحدة الدولة.

ووفقاً لباريش، من المتوقع ألا تتجه دمشق نحو “حسم عسكري” في السويداء، بل ستواصل الاعتماد على الضغط السياسي والمفاوضات، مستفيدةً من الدعم الدولي والإقليمي المتحقق. مرجحاً أن يسلك مسار السويداء مساراً مشابهاً للمناطق الكردية في الشمال الشرقي، فقد يُمنح “الحرس الوطني” المحلي صلاحيات أمنية وشرطية محدودة، دون الوصول إلى حكم ذاتي سياسي. لكن مع مرور الوقت، سيكون التفاوض من موقع القوة لمصلحة الحكومة السورية، مما قد يؤدي إلى إعادة دمج السويداء في الحكم المركزي بشكل أو بآخر، بينما ستفقد القيادات المحلية (مثل الشيخ حكمت الهجري) نفوذها السياسي تدريجياً بسبب استمرار الأزمة الاقتصادية.

رصيف 22

————————————-

كفاكم عبثاً بمصير شعبنا.. اخرجوا!/ د. عبد الحكيم بشار

يناير 29, 2026

لا أعتقد أن هناك كوردياً سورياً لا يدرك حقيقة النظام السوري البائد بعد فشله في تحييد الكورد عن الثورة السورية وبعد رفض قادة الأحزاب الكوردية الاستجابة لدعوة الرئيس الفارّ بشار الأسد، وأنا كنت أحدهم، حيث طلب اللقاء معي أربع مرات ولم ألبّ دعوته، فكان خياره أن استدعى واستنجد بحليفه السابق حزب العمال الكوردستاني.

يقيم مسلحو العمال الكوردستاني في جبال قنديل، ويتمركز قادته بين جبال قنديل وإيران، حيث يرتبط بعلاقات وثيقة مع جهاز الاستخبارات الإيرانية. وهكذا، لم يتردد حزب العمال لحظة واحدة في التجاوب مع دعوة النظام البائد، بل كانت فرصة للانتقام من الكورد وتشويه القضية، كما مارسها بحق شعبنا في كوردستان تركيا.

في البداية، اتبع أنصار الحزب “أسلوباً سلمياً” بمنع مظاهرات  الكورد، حيث كان عددهم يقدر بالمئات، بينما الاحتجاجات الكوردية كانت بالآلاف، وعندما عجز أنصاره عن التصدي للاحتجاجات الكوردية بدأت مرحلة تشكيل الميليشيات تحت اسم (ypg)، وهي اختصار من كلمة كوردية ترجمتها العربية وحدات حماية الشعب، ثم الـ (ypj)، ومعناها وحدات حماية المرأة. مهمتهم منع الاحتجاجات الكوردية وإسكات الأصوات الحرة المنادية بالحرية وإسقاط النظام.

بدأت هذه الميليشيات بارتكاب المجزرة تلو الأخرى، من ذلك مجزرة آل شيخ نعسان في عفرين، حيث قتل أب وشابان بطريقة بشعة وتم سحل جثة أحدهم بالسيارة، ثم تلتها مجزرة تل غزال في كوباني، والتي راح ضحيتها ستة أشخاص، ثم مجرزة عامودا والتي راح ضحيتها سبعة أشخاص بدم بارد وبسيناريوهات هوليودية. وقتل ثلاثة أشقاء في قامشلو.

كما نفذه المليشيات المزيد من الاغتيالات، منها اغتيال المناضل نصر الدين برهك، عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، واختطاف المناضل بهزاد دورسن، عضو المكتب السياسي للحزب، والذي لا يزال مصيره مجهولاً.

وأنا شخصيا كنت على لائحة الاغتيالات قبل رفيقنا نصرالدين برهك، إلا أنني خرجت من سوريا هرباً من بطشهم ولا زلت غير قادر على العودة إلى مدينتي، فلقد توفى والداي ولم أستطيع أن أحضر دفنهما.

وفيما بعد، وفي 2015، تأسست “قسد”، وشكلت وحدات حماية الشعب والمرأة عمودها الفقري وقادتها الفعليين. لقد مارس هذا التنظيم من البطش والتنكيل والقمع بحق الكورد ما لم يمارسه النظام البائد، وتسبب في تهجير ما يمثل ثلث عدد الكورد في سوريا، عبر سياسات الترهيب والتجنيد الإجباري وأدلجة التعليم وقمع المختلف.

ولم يكتف بممارسة سياسة قمعية شديدة، بل تسبب في انتشار الإدمان على المخدرات، وكذلك انتشار الفقر في المناطق الكوردية رغم غناها بثرواتها. كان التنظيم يسيطر على مجرى نهرين كبيرين؛ هما الدجلة والفرات، وكذلك سد الطبقة، ومع ذلك كان ولا زال ثمة انعدام تام للكهرباء، واعتماد السكان على المولدات، وكذلك انعدام مياه الشرب في الحسكة منذ حوالي عشر سنوات، والاعتماد على شراء الماء غير الصالح للشرب من الصهاريج.

إن الإيرادات الضخمة لمناطق شرق الفرات من حيث البترول والزراعة والثروة الحيوانية والمعابر كانت كافية لتأمين حياة كريمة لكل سكان سوريا، إلا أن المنطقة تعيش في حالة فقر مدقع، حيث انتشر الفساد وتجارة المخدرات واختطاف القاصرين وحفر الأنفاق في كل المدن والقرى، وكذلك بمليارات الدولارات من قوت الشعب.

أضف إلى ذلك دخولهم المناطق العربية كدير الزور والرقة بصفة محتل وسعيهم إلى تشويه مجتمعاتهم من خلال نشر أفكار تتناقض وقيم المجتمع وفرض فلسفات خاوية دون مراعاة عادات المجتمع وتقاليده. 

ومن المفارقات الغريبة أن حزب العمال كان يعتبر أحد الأذرع العسكرية لنظام طالما تنكر لوجود الكورد ومارس بحقهم كل أشكال الاضطهاد على مر العقود، بينما نراهم اليوم يعارضون  نظاماً أقر بوجود الكورد كمكون أصيل، وبلغته وهويته وثقافته، بموجب مرسوم رئاسي، الأمر الذي يؤكد بأن لا علاقة لهذا التنظيم بالقضية الكوردية، وإنما بالبحث عن السلطة وامتيازاتها وأجندتها التي لا تمت للقضية بتاتاً.

آن الاوان أن ترتفع الأصوات عالياً ليغادروا بلادنا دون وداع، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تركتهم السيئة والمدمرة. عودوا إلى كهوفكم ، لقد انتهى عقدكم الوظيفي المشروط…فالتاريخ يسجل ولن يرحم جرائمكم بحق شعبنا وقضيته العادلة وان العدالة والتاريخ سيحاسبكم ولو بعد دهر.

الثورة السورية

—————————–

لماذا انتفضت العشائر في شرق سوريا ضد قسد؟/ سلطان الكنج

يناير 29, 2026

شهدت مناطق شرق سوريا، ولا سيما محافظتا دير الزور والرقة، إضافة إلى أجزاء من الحسكة، انتفاضات وتحركات طوال السنوات الماضية من قبل العشائر العربية ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

خلال تلك السنوات، لم تكن هذه الانتفاضات حدثاً مفاجئاً أو معزولاً، بل جاءت نتيجة تراكم طويل لعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، عمّقت حالة الاحتقان بين السكان المحليين وقسد المسيطرة على الأرض.

تشكّلت قوات سوريا الديمقراطية بوصفها تحالفاً عسكرياً يضم مكونات متعددة، إلا أن القيادة الفعلية بقيت بيد القوى الكردية، وهو ما ولّد شعوراً واسعا لدى العشائر العربية بالتهميش والإقصاء.

فمع السيطرة العسكرية لقسد على مناطق ذات أغلبية عربية، غابت المشاركة الحقيقية لأبناء هذه المناطق في صنع القرار، ما عزز الاعتقاد بأن قسد تمارس حكماً أحادياً لا يراعي الخصوصية الاجتماعية للعشائر.

تُعد مناطق شرق سوريا من أغنى المناطق بالثروات الطبيعية، وعلى رأسها النفط والغاز والزراعة. غير أن هذه الموارد لم تنعكس إيجاباً على حياة السكان المحليين، إذ استمر الفقر والبطالة وتردي الخدمات والهجرة الداخلية والخارجية، لا سيما إلى أوروبا، شعرت العشائر بأن ثرواتها تُدار وتُستثمر بعيدا عنها، وأن العائدات لا تُستخدم لتحسين البنية التحتية أو دعم المجتمعات المحلية، ما فاقم الشعور بالظلم الاقتصادي.

برزت ظاهرة التمييز في التوظيف والإدارة والخدمات، حيث اعتبر كثير من أبناء العشائر أن فرصهم في العمل أو التمثيل السياسي أقل مقارنة بمكونات أخرى. هذا الواقع أسهم في توسيع الفجوة الاجتماعية، وأضعف ثقة العشائر بالإدارات التابعة لقسد، التي فشلت في بناء عقد اجتماعي جامع.

على الرغم من ادعاء قسد توفير الأمن والاستقرار، فإن المنطقة شهدت تصاعداً على الدوام في عمليات الاغتيال والخطف والانفلات الأمني، إضافة إلى هجمات متكررة لتنظيم داعش. هذا التدهور الأمني جعل العشائر تشعر بأنها تُترك لمصيرها، ما دفع بعضها إلى تشكيل مجموعات حماية ذاتية، ودخولها في مواجهات مباشرة ضد تنظيمي قسد وداعش.

أدت سنوات الحرب الطويلة إلى أزمات إنسانية خانقة، شملت النزوح، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية. رأت العشائر أن الاستجابة لهذه الأزمات كانت محدودة وغير كافية، وأن قسد فشلت في كسب ثقة السكان عبر سياسات إغاثية وتنموية حقيقية.

لعبت الهوية الثقافية دوراً محورياً في تأجيج الصراع، إذ شعرت العشائر العربية بأن هناك محاولات لفرض نموذج ثقافي وإداري لا ينسجم مع تقاليدها، ما فُسّر أحياناً على أنه تهديد مباشر للهوية العربية في المنطقة. هذا الشعور دفع العشائر إلى الانتفاضة دفاعاً عن وجودها الاجتماعي والثقافي.

برز عامل جديد زاد من جرأة العشائر على التحرك، تمثّل في تقدم الجيش العربي السوري وسيطرته على مناطق غرب وشرق الفرات. هذا التمدد أعطى العشائر في الرقة ودير الزور انطباعاً بأن ميزان القوى قد يتغير، وأن الفرصة أصبحت سانحة للانتفاض دون الخشية من أن تنفرد بها قسد عسكرياً.

فبعد سنوات من التردد والخوف، رأت العشائر في هذا التطور مظلة سياسية وعسكرية لكسر واقع السيطرة المفروض.

ورغم مشروعية مطالب العشائر، إلا أن استمرار الصدامات يحمل خطراً كبيراً يتمثل في تعميق الانقسام العربي–الكردي، ما يهدد النسيج الاجتماعي السوري. لذلك، تقع على عاتق الدولة السورية مسؤولية التعامل بحذر مع هذا الملف، واحتواء التوترات عبر حلول سياسية واجتماعية شاملة، تمنع انزلاق المنطقة إلى صراع أهلي يزيد من تعقيد الأزمة.

إن انتفاضة العشائر في شرق سوريا ضد قسد ليست مجرد رد فعل آني، بل هي نتيجة تراكم طويل من التهميش والظلم وفقدان الثقة.

ولا يمكن معالجة هذه الأزمة بالقوة وحدها، بل عبر مقاربة شاملة تعيد الاعتبار لدور العشائر، وتضمن العدالة في إدارة الموارد، وتحافظ على وحدة المجتمع السوري. فبدون ذلك، ستبقى المنطقة عرضة لانفجارات متكررة تهدد الاستقرار والسلم الأهلي.

البثورة السورية

————————

من سجون “قسد” إلى مؤسسات الدولة: ما مصير أطفال ونساء مخيمات تنظيم الدولة؟/ أيهم الشيخ

29 يناير 2026

مع انتقال ملف السجون والمخيمات، بما فيها مخيما الهول وروج، إلى المسؤولية القانونية والأمنية الكاملة للحكومة السورية، يواجه عشرات الآلاف من النساء والأطفال السوريين والعراقيين والأجانب مرحلة مفصلية جديدة، تثير تساؤلات واسعة حول المصير القانوني والإنساني والأمني لهؤلاء، وآليات تعامل الدولة السورية مع أحد أكثر الملفات تعقيدًا في مرحلة ما بعد قوات سوريا الديمقراطية.

تأتي هذه التطورات في سياق سياسي أوسع، يتقاطع مع مسار التفاوض الجاري بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، حيث يُعدّ ملف السجون والمخيمات أحد أبرز الملفات السيادية المطروحة على طاولة النقاش، لما يحمله من أبعاد قانونية وأمنية وإنسانية متشابكة.

وتتزامن هذه التحولات مع استمرار دفعات إعادة العراقيين إلى بلادهم، في إطار تفاهمات بين بغداد و”الإدارة الذاتية”، في وقت يجري فيه تداول مقترحات لتحويل المخيمات من أماكن احتجاز مفتوح إلى مراكز “فرز ومعالجة قانونية للحالات”، وسط مخاوف حقوقية تتعلق بظروف المعيشة، وضمانات المحاكمة العادلة، ومستقبل الأطفال على وجه الخصوص.

مخيم الهول: الجغرافيا والتحولات

يقع مخيم الهول في ريف محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، على بعد نحو 40 كيلومترًا من مركز المدينة، ويبعد قرابة 13 كيلومترًا عن الحدود السورية العراقية. ويتألف المخيم من سبعة أقسام، تمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3.1 كيلومتر مربع، ويحيط به سياج أمني بطول يقارب 12.1 كيلومترًا.

أُنشئ المخيم عام 1991 إبان حرب الخليج الثانية (1991) لاستقبال اللاجئين العراقيين، ثم أُعيد استخدامه بعد عام 2003، قبل أن يتحول، عقب عام 2019، إلى مركز يضم آلاف العائلات المرتبطة بعناصر تنظيم الدولة الإسلامية، عقب سقوط آخر معاقله في الباغوز.

شهادات من الداخل.. وحدود التحقق

تصف إحدى السيدات المحتجزات في أحد مخيمات محافظة الرقة، في حديثها لموقع “الترا سوريا”، المكان الذي تعيش فيه بأنه “أقرب إلى سجن منه إلى مخيم”، مشيرةً إلى أن الواقع اليومي يتسم، بحسب تعبيرها، بالتفتيشات المشددة والحملات الأمنية المتكررة.

وتقول إن سنوات الاحتجاز الطويلة تركت آثارًا نفسية وجسدية عميقة على النساء والأطفال، متحدثةً عن تمزيق بعض الخيام ومصادرة ممتلكات بسيطة خلال الحملات الأمنية، إضافةً إلى شعور دائم بعدم الاستقرار. وتضيف أن زيارات أقاربها من إدلب كشفت، وفق وصفها، حجم الصدمة التي يُحدثها الواقع داخل المخيم لدى من يراه لأول مرة.

وتوضح السيدة، وهي من مدينة معرة مصرين في محافظة إدلب، أنها محتجزة منذ ست أو سبع سنوات دون أفق واضح لإنهاء ملفها، بعد أن نُقلت من مناطقها الأصلية عبر شاحنات، في سياق العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة. وتشير إلى أن المساعدات الغذائية تصل على فترات متباعدة، وقد تكون غير مكتملة في بعض الأحيان.

ويُلاحظ أن الطبيعة المغلقة للمخيم، وصعوبة وصول الصحفيين والمنظمات المستقلة إليه بشكل دائم، تجعل من التحقق الكامل من جميع تفاصيل هذه الشهادات أمرًا بالغ التعقيد، وهو ما تشير إليه أيضًا تقارير أممية وحقوقية عند تناولها للأوضاع داخله.

تحولات ديمغرافية لافتة

شهد مخيم الهول تغيرات سكانية كبيرة منذ إعادة افتتاحه عام 2016 على يد “قسد”، إذ ارتفع عدد قاطنيه من نحو 10 آلاف في مطلع 2019 إلى أكثر من 74 ألفًا في أبريل/نيسان من العام نفسه، غالبيتهم من النساء والأطفال، عقب انهيار سيطرة تنظيم الدولة في شرق سوريا.

ومع مطلع عام 2025، تراجع عدد السكان بشكل ملحوظ نتيجة عودة عشرات العائلات العراقية إلى بلادها ضمن خطة منسقة بين بغداد و”الإدارة الذاتية”. وحتى يونيو/حزيران 2025، يُقدَّر عدد المقيمين في المخيم بنحو 37 ألف شخص، معظمهم من سوريا والعراق، إضافة إلى قرابة 6500 شخص من 42 جنسية مختلفة.

البعد الأمني: مخيم إنساني أم بؤرة مخاطر؟

يرى خبراء أمنيون أن استمرار المخيمات بصيغتها الحالية لا يطرح تحديات إنسانية فقط، بل يحمل مخاطر أمنية كامنة، إذ تشير تقارير صادرة عن الأمم المتحدة إلى وجود خلايا نائمة داخل مخيم الهول، واستمرار أنشطة دعوية متشددة، خصوصًا في قسم “المهاجرات” الذي يضم عائلات أجنبية.

ويحذر مختصون من أن غياب الحلول القانونية الواضحة، وترك آلاف الأطفال في بيئة مغلقة تفتقر إلى التعليم والدعم النفسي، قد يساهم في إعادة إنتاج التطرف على المدى المتوسط والبعيد، وهو ما يجعل معالجة الملف أمنيًا وقانونيًا ضرورة لا خيارًا.

أوضاع إنسانية حرجة

وفق تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية، يعاني سكان المخيم من ظروف إنسانية صعبة نتيجة الاكتظاظ، وضعف البنية التحتية، وغياب الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والمياه الصالحة للشرب والتعليم.

وتشير هذه التقارير إلى انتشار أمراض سوء التغذية والإسهال الحاد بين الأطفال، في ظل محدودية المرافق الطبية وشح التمويل الإنساني، مع التأكيد على أن أي مقاربة مستقبلية يجب أن توازن بين الاعتبارات الأمنية والالتزامات الإنسانية والقانونية.

الموقف الرسمي السوري

في تصريح لموقع “الترا سوريا”، قال مسؤول حكومي سوري، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن الدولة السورية تنظر إلى ملف السجون ومخيمات عائلات عناصر تنظيم الدولة باعتباره “ملفًا سياديًا وقانونيًا بحتًا”، مؤكدًا أنه لا يجوز التعامل معه بمنطق العقاب الجماعي.

وأوضح أن الحكومة تعمل، في إطار المفاوضات الجارية مع “قسد”، على استعادة هذا الملف ضمن رؤية شاملة تقوم على الفرز القانوني بين المتورطين بجرائم مثبتة، وبين النساء والأطفال الذين يُنظر إليهم كضحايا لظروف الحرب والانتماء القسري.

وأضاف أن الأولوية ستُمنح لمعالجة أوضاع الأطفال من خلال إعادة دمجهم اجتماعيًا، وتأمين التعليم والرعاية الصحية، بالتعاون مع الجهات الدولية المختصة، وبما يتوافق مع القوانين السورية والمواثيق الدولية. وشدد على أن أي محاسبة قانونية ستتم عبر القضاء السوري حصريًا، وفق إجراءات عادلة وشفافة، معتبرًا أن استمرار المخيمات بصيغتها الحالية “أمر غير قابل للاستمرار على المستويين الإنساني والوطني”.

الترا سوريا

——————

الأطفال في سجون “قسد”.. كارثة إنسانية أم ملف يخضع للتسييس؟/ بتول حكيم

29 يناير 2026

مع انسحاب “قسد” من مناطق سيطرتها في الرقة والحسكة ودير الزور، فُتحت أبواب المعتقلات ومراكز الاحتجاز، لتكشف عن واقع غاية في السوء، يتضمن احتجاز أطفال لم يتجاوزوا الثانية عشرة من العمر. وقد تحدث بعضهم لوسائل الإعلام عن سوء المعاملة، والضرب، والتجويع، وتقديم طعام فاسد، كما ظهر بعضهم دون أحذية وبملابس خفيفة في ظل البرد القارس، في مشاهد تتنافى جملةً وتفصيلًا مع ادعاءات الإدارة الذاتية بأن الاحتجاز كان يتم في ظروف إنسانية.

وبلغ عدد الأطفال المفرج عنهم من سجن الأقطان، بحسب وزارة الداخلية، 126 قاصرًا، احتُجزوا “دون مسوغات قانونية”، بتهم شملت “تسريب معلومات لجهات إرهابية، واستهداف حواجز عسكرية” تابعة لـ”قسد”، إضافة إلى المشاركة في المظاهرات، وهو ما يُعد انتهاكًا سافرًا لحقوق الأطفال.

من جانبها، لم تنكر “قسد” وجود أطفال في سجن الأقطان، وأفادت في بيان رسمي بأن السجن “يضم عددًا من الأحداث، بعضهم تورط في جرائم متنوعة رُفعت بشأنها شكاوى رسمية من المواطنين، فيما وقع آخرون ضحايا للتجنيد والاستغلال من قبل تنظيم داعش الإرهابي”.

وجود أطفال في سجون قسد ليس أمرًا مستهجنًا

خلال حديثه لـ”الترا صوت”، أبدى الكاتب السياسي عبد الحكيم بشار عدم استغرابه من وجود أطفال وقُصَّر في سجون “قسد”، رغم توقيع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، مع المنظمات الدولية والأمم المتحدة، معاهداتٍ تقضي بوقف اختطاف الأطفال واحتجازهم، إلا أن “قسد” لم تلتزم بذلك.

ولفت بشار، وهو أيضًا عضو في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى وجود جهة تُدعى “جوانين شوركر” (الشبيبة الثورية)، تابعة لحزب العمال الكردستاني، تتولى استدراج الأطفال وخطفهم واحتجازهم داخل مراكز خاصة، تمهيدًا لتجنيدهم لاحقًا. وأكد استخدام “قسد” مختلف أشكال العنف والتعذيب بوصفها سياسة ممنهجة، إلى جانب غياب أدنى المعايير الدولية والإنسانية والأخلاقية في مراكز الاحتجاز والسجون التابعة لها.

هل تخضع قضية احتجاز الأطفال في سوريا للتسييس؟

من جهته، أكد المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، والمدافع عن حقوق الإنسان بسام الأحمد، في حديثه لـ”الترا صوت”، حساسية القضايا المرتبطة باحتجاز الأطفال عمومًا، سواء كانوا مجندين سابقين في صفوف تنظيم داعش، أو مشاركين في العمليات العسكرية، أو محتجزين على خلفية تهم وجنح جنائية. وأشار إلى أن هذا الملف يتعرض لتسييس واسع في سوريا، نتيجة الاستقطاب الحاد بين أطراف النزاع، ما يجعل من الصعب التأكد من صحة روايات أي طرف، وفق تعبيره.

وبحسب الأحمد، تمتلك الإدارة الذاتية رواية تفيد بنقل الأحداث إلى سجن الأقطان مراعاةً للمعايير الدولية، في حين تشير رواية أخرى إلى أن جميع الأطفال المحتجزين أبرياء، دون وجود إمكانية حقيقية للتحقق من هذه الروايات المتضاربة.

وطالب الأحمد بفتح تحقيق مستقل في هذا الملف، عبر لجان أو منظمات محايدة، مثل الصليب الأحمر الدولي أو لجنة التحقيق الدولية، للوقوف على حقيقة احتجاز الأطفال والظروف المحيطة به.

وأوضح أن القانون الدولي، ولا سيما في حالات النزاع المسلح كما في سوريا، يتعامل مع احتجاز الأطفال بوصفه قضية بالغة الحساسية، إذ يتمتع الأطفال بحماية مزدوجة كونهم أطفالًا ومدنيين، باستثناء من جرى تجنيدهم في سن مبكرة، حيث يُعاملون وفق أطر قانونية خاصة تراعي أعمارهم وظروف احتجازهم.

وأكد الأحمد مسؤولية الإدارة الذاتية عن ملف احتجاز الأطفال، مشددًا على أن الاحتجاز يجب أن يكون الحل الأخير ولأقصر مدة ممكنة، مع ضرورة فصل الأطفال عن البالغين، ومنع احتجازهم معهم منعًا باتًا، إلا إذا اقتضت مصلحة الطفل الفضلى ذلك، كاحتجازه مع أحد والديه. كما شدد على ضرورة ضمان تواصل الأطفال مع ذويهم، وحصولهم على المساعدة القانونية، وحظر تعريضهم لأي خطر يهدد حياتهم، أو إخضاعهم للتعذيب أو المعاملة المهينة أو الاعتداءات، إضافة إلى توفير الحد الأدنى من الرعاية الصحية والتعليم. وأكد أن هذه المعايير يجب التحقق من مدى الالتزام بها داخل سجون الإدارة الذاتية عبر تحقيقات مستقلة.

وأشار الأحمد إلى أن دوافع احتجاز الأطفال تختلف من حالة إلى أخرى، موضحًا أن بعض الأطفال، في سن الخامسة عشرة مثلًا، جرى تجنيدهم وحملوا السلاح، ما يجعلهم يُصنَّفون كمقاتلين في نظر أطراف النزاع، ويعرّضهم للاعتقال وفق القوانين والمعايير الدولية، مع التأكيد على ضرورة التعامل معهم بوصفهم ضحايا في المقام الأول، مع مراعاة أعمارهم وظروفهم الخاصة.

احتجاز الأطفال دون مسوغ انتهاك لحقوق الطفل

قال الحقوقي المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، في حديثه لـ”الترا صوت”، إن المادة (37) من اتفاقية حقوق الطفل تنصّ على حظر احتجاز الأطفال تعسفيًا، ولا يجوز اللجوء إلى الاحتجاز إلا كملاذ أخير ولأقصر مدة ممكنة. وأشار إلى أن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تؤكد أن احتجاز الأطفال في سياق النزاعات المسلحة قد يندرج ضمن المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، وقد يشكّل أحد أشكال العنف النفسي والحرمان التعسفي من الحرية، لا سيما إذا جرى الاحتجاز في مرافق غير مخصصة للأحداث، أو دون الفصل بين الأطفال والبالغين، ومن دون ضمان رقابة قضائية سريعة ومستقلة.

وحَمَّل الكيلاني قوات سوريا الديمقراطية “قسد” المسؤولية المباشرة عن الانتهاكات التي وقعت داخل السجون الخاضعة لإدارتها الفعلية، بوصفها السلطة المسيطرة على المنطقة وقت وقوع تلك الانتهاكات. وبيّن أن هذه المسؤولية تمتد إلى القيادة الفعلية التي تمتلك سلطة التوجيه والسيطرة، وذلك استنادًا إلى مبدأ مسؤولية القيادة والسيطرة المعترف به في القانون الدولي الجنائي.

أما التحالف الدولي، فأوضح الكيلاني أن مسؤوليته القانونية قد تقوم على أساس المشاركة أو التواطؤ، وفق قواعد المسؤولية عن المساعدة أو الإسهام في فعل غير مشروع دوليًا، كما ورد في مشروع مواد مسؤولية الدول الصادر عن لجنة القانون الدولي.

متى يكون الاحتجاز حرمانًا تعسفيًا من الحرية؟

من جهته، أوضح المحامي علي المليجي، في حديثه لـ”الترا صوت”، أن الاحتجاز لأسباب أمنية قد يكون مشروعًا بشكل مؤقت وفق القانون الدولي، إذا كان متوافقًا مع المعايير الدولية، لكنه يتحول إلى حرمان تعسفي من الحرية عند غياب أساس قانوني واضح للاحتجاز. وأضاف أن غياب النص القانوني أو غموضه يجعل الاحتجاز تعسفيًا، فضلًا عن عدم احترام المبادئ الأساسية لإجراءات العدالة.

وبيّن المليجي أن الحرمان من الحرية يُعد تعسفيًا أيضًا عندما يُفتقر إلى الإعلام الفوري بأسباب وموجبات الاحتجاز، أو يُحرم المحتجز من حق توكيل محام، أو من حق المثول أمام قاضٍ خلال فترة زمنية معقولة، وضمان محاكمة عادلة وشفافة، وعدم التمييز على أساس عرقي أو ديني أو جندري، ما يؤكد، وفق قوله، أن احتجاز القُصّر في سجون “قسد” ليس مشروعًا.

وأضاف المليجي أن فصل الطفل عن والديه دون مسوغ قانوني واضح، وقبل استنفاد الوسائل الأقل تدخلًا، يُعد انتهاكًا مستقلًا لحقوق الطفل وفق القانون الدولي، إذ تُعدّ التربية الأسرية والوصاية من الحقوق الأساسية للطفل. وأكد أن فصل الطفل عن ذويه دون قرار قضائي مستقل، وإجراءات قانونية عادلة، وتقييم دقيق لمصلحة الطفل الفضلى، يُشكل انتهاكًا لحقوقه، مشيرًا إلى أن القانون الدولي يعترف بهذا الحق بوصفه حقًا قائمًا بذاته، ويُلزم الدول بالحفاظ عليه.

وبموجب معايير حقوق الطفل، يُنظر إلى الفصل غير المبرر للطفل عن والديه على أنه إيذاء نفسي تترتب عليه آثار نفسية عميقة، تتمثل في القلق والخوف والاضطراب، بحسب المليجي. وأوضح أن القانون الدولي لا يكتفي بحماية الحقوق الشكلية، بل يحظر أيضًا إلحاق الأذى النفسي، وأن الفصل غير المبرر قد يُصنَّف ضمن سوء المعاملة المعنوية والإيذاء النفسي المباشر.

وأشار المليجي إلى أن القانون الدولي يعترف كذلك بمفهوم “الضرر المستقبلي المتوقع” بوصفه جزءًا من العنصر الضرري في الانتهاكات الجسيمة، ولا سيما في حال إثبات أن الفصل يؤدي إلى آثار نفسية بعيدة المدى.

وحول الجهات القضائية والحقوقية التي يمكن اللجوء إليها عمليًا، أوضح المليجي أنه يمكن تصنيفها ضمن آليات دولية، أبرزها اللجنة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، عبر آلية الشكاوى الفردية، في حال كانت الدولة طرفًا في البروتوكول الاختياري، إضافة إلى اللجوء إلى المحاكم المحلية في سوريا، بما يشمل النيابات العامة ومحاكم البداية والجنايات.

أرقام وإحصائيات لم تكتمل بعد

يُذكر أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثّقت 701 حادثة تجنيد أطفال على يد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” منذ عام 2011 وحتى 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، إضافة إلى توثيق حالات تعرّض أطفال للاعتقال ضمن حملات أمنية، من دون أوامر قضائية واضحة، ومن دون تمكينهم من التواصل مع عائلاتهم أو الحصول على مساعدة قانونية.

وبيّنت الشبكة أن ما تُسمّى “وحدات حماية الشعب” لم تكتفِ، منذ تأسيسها عام 2012، بتجنيد الأطفال ضمن نطاق محدود، بل اتسعت هذه الممارسات مع اتساع مناطق سيطرتها، لتشمل معظم الجغرافيا الخاضعة لها، ما جعل الأطفال جزءًا أساسيًا من بنيتها العسكرية، في انتهاك واضح للقوانين الدولية.

ووفق تقرير صادر عن الأمم المتحدة، جرى توثيق احتجاز 10 أطفال من قبل “قسد” خلال عام 2023، بشبهة الارتباط بأطراف النزاع.

وتقع اليوم على عاتق الحكومة السورية مسؤولية التعامل مع هذا الملف الشائك والمعقّد، إذ يتوجب دراسة ملفات الأحداث بدقة قبل اتخاذ أي إجراء، نظرًا لوجود قُصّر متهمين بارتكاب جنح، ما يجعل من الضروري أن توضّح الجهات المعنية في وزارة العدل أسس قرارات إخلاء السبيل أو الاستمرار في المحاكمات، وأن يُنفَّذ أي احتجاز بناءً على دراسة حيادية ومفصلة لملف كل حدث على حدة.

إن استمرار احتجاز الأطفال خارج أي مسار قضائي واضح لا يقوّض فقط مفهوم العدالة، بل يخلق أزمة مستقبلية تُشكّل خطرًا حقيقيًا على المجتمع بأسره.

الترا سوريا

—————–

تركيا تدعم التهدئة مع قسد.. للدفع بخطة دمشق نحو الحسم/ محمد كساح

الخميس 2026/01/29

كشف مسؤول رفيع المستوى من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لـِ “المدن” حدوث تبدل طفيف في الموقف التركي تجاه ملف شرقي الفرات، من حيث الحرص على احتواء الملف وتجنب التصعيد، مؤكداً “وجود مباركة من أنقرة لوقف إطلاق النار واللجوء إلى الحلول السياسية الدولية بما يرضي جميع الأطراف”.

وأشار المصدر إلى أن “قسد لا تزال ملتزمة بوقف إطلاق النار الذي تم تمديده لمدة 15 يوماً، بالتوازي مع الاتجاه نحو الحوار”. وحول مجريات زيارة مظلوم عبدي لدمشق ألمح إلى أن “قسد” ستصدر بياناً رسمياً في فترة قريبة، يتضمن خارطة طريق لحل الملف سلمياً.

من جانبه أكد مصدر مطلع مقرب من أنقرة في حديث لـ”المدن” أن تصريحات وزير الخارجية التركية هاكان فيدان الأخيرة التي أشارت إلى أهمية وقف إطلاق النار، تدل على حرص أنقرة على التهدئة لتجنب حدوث أي عمليات تصعيد على حدودها الجنوبية، والانتهاء من ملف سجون تنظيم “داعش” التي يجري تأمينها تحت إشراف الدولة السورية وترحيل قسم من السجناء إلى العراق تحت مظلة التحالف الدولي.

خطة قضم بنفس بطيء

ولا يعني حرص تركيا على وقف إطلاق النار حدوث تغيير جذري في نظرتها لـِ “قسد” التي تسيطر على قراراتها قيادات من اتحاد العمال الكردستاني، وفق المصدر، بل تسعى تركيا إلى مساندة دمشق في حسم ملف عين العرب على نحوٍ تام، بحيث يتم التضييق على المقاتلين التابعين لـِ “قسد” والـ “بي كا كا”، بهدف إجبارهم على إخلاء عين العرب باتجاه محافظة الحسكة التي ستكون الجيب الأخير لـِ “قسد”.

ومن قراءة التحركات العسكرية للجيش السوري، يبدو واضحاً اعتماده خطة قضم وتجزئة للمناطق تجنباً لأي عمليات عسكرية موسعة.

ويبدو أن الجيش السوري يسعى إلى إطباق الحصار العسكري على عين العرب عبر التمدد في ناحية شيوخ من جهة نهر الفرات، إضافة لمحاولة السيطرة على جلبية، ما يضطر المقاتلين التابعين لـِ “قسد” إلى مغادرة المنطقة في ظل الحصار المطبق.

سيناريو الشيخ مقصود

من جانبه، أشار مصدر عسكري تابع للجيش السوري لـ”المدن” إلى أن إعلان هيئة العمليات في الجيش العربي السوري عن ممر إنساني في عين العرب يهدف إلى تعرية “قسد” أمام المجتمع الدولي وإيضاح أن الحاضنة الاجتماعية في المنطقة لا توافق سياسات “قسد” بالضرورة.

ولفت إلى أن الجيش السوري يرسل رسالة تهديد مبطنة لـِ “قسد” بأن ما يلي افتتاح المعابر هو العمل العسكري الذي سيحسم الملف، وذلك في حال لم تتراجع “قسد” عن موقفها المتصلب وتضع الاتفاقيات المبرمة مع دمشق قيد التطبيق الحقيقي.

وأكد أن دمشق تتعامل مع الملف ضمن سياسة النفس الطويل وتضع الكرة دائماً في ملعب قيادات “قسد”، فقد انتظرت لمدة عام تقريباً لتنفيذ اتفاق آذار/ مارس لكنها لم تلمس أي رغبة حقيقية في تنفيذه.

وتوقع المصدر أن يجري تطبيق سيناريو الأشرفية والشيخ مقصود على عين العرب بدءاً من افتتاح ممرات للمدنيين وانتهاء بالقيام بعمليات جراحية بأقل الخسائر مع تجنب أي انتهاكات تذكر.

ونفى المصدر حدوث تبدل في الموقف التركي في هذا الملف، بل عزا رغبة تركيا باستمرار التهدئة إلى مواكبتها ودعمها لخطط دمشق الرامية إلى الحسم مع تجنب الارتدادات السلبية المحتملة.

 ————————

 خطاب يوجّه لتطبيق مرسوم منح الجنسية السورية للأكراد فوراً

الأربعاء 2026/01/28

أصدر وزير الداخلية السورية أنس خطاب قراراً يقضي بالعمل الفوري على تطبيق “المرسوم- 13″، الذي ينص على منح الجنسية للأكراد المقيمين على الأراضي السورية، ضمنهم مكتومي القيد.

مهلة قصوى

ونص القرار على إلغاء العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية كافة التي ترتبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، و”منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، بمن فيهم مكتوم القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات”.

وأوضح أن الوزارات والجهات المعنية ستتولى إصدار التعليمات التنفيذية اللازمة لتطبيق أحكام هذا المرسوم بحسب اختصاص كل جهة.

وطلب القرار “العمل الفوري على إعداد التعليمات التنفيذية اللازمة ليصار إلى تنفيذ هذا المرسوم وفق منطوقه، مع الأخذ بعين الاعتبار تبسيط الإجراءات على أهلنا الكرد قدر المستطاع”.

وحددت الوزارة تاريخ 5 شباط/فبراير المقبل، “مهلة قصوى” لاستلام التعليمات التنفيذية المتعلقة بتطبيق المرسوم.

الأكراد جزء أساسي

وفي 16 كانون الثاني/يناير الجاري، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع “المرسوم- 13” الذي يسمح بمنح الجنسية السورية لجميع الأكراد السوريين، واعتبار اللغة الكردية لغة وطنية، ويؤكد أن هويتهم الثقافية واللغوية هي جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.

وجاء في المادة الأولى من نص المرسوم (13): يُعد المواطنون السوريون الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، وتعد هويتهم الثقافية واللغوية جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.

ونصت المادة الرابعة على إلغاء العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية كافّة التي ترتبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، وتُمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، بمن فيهم مكتوم القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات.

بعد عقود من الحرمان.. دمشق تبدأ بإجراءات منح الجنسية لأكراد سوريا

أعلنت وزارة الداخلية السورية بدء اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتطبيق مرسوم رئاسي يقضي بمنح الجنسية السورية لمواطنين من أصول كردية.

ووجّهت الوزارة، عبر الإدارة العامة للشؤون المدنية، بإعداد التعليمات اللازمة لتنفيذ المرسوم رقم 13 الصادر عن الرئيس أحمد الشرع في 16 يناير/كانون الثاني الجاري.

وينص المرسوم على اعتبار المواطنين السوريين من أصول كردية جزءا أساسيا وأصيلا من الشعب السوري، ويؤكد أن هويتهم الثقافية واللغوية تمثل مكوّنا لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.

ودعا الرئيس الشرع المواطنين الأكراد في سوريا إلى تجاهل ما سماها “روايات الفتنة”، وقال في خطاب متلفز، إن المرسوم الجديد “يضمن حقوق أهلنا الكرد وخصوصياتهم لتكون مصونة بنص القانون”.

تهميش وحرمان

ويُعد إحصاء عام 1962 إجراء استثنائيا أُجري ليوم واحد في محافظة الحسكة، وأسفر عن تصنيف الأكراد إلى 3 فئات.

والفئات الثلاث هي: أكراد يتمتعون بالجنسية السورية، وأكراد مجرّدون من الجنسية ومسجلون أجانب في القيود الرسمية، وأكراد غير مقيدين في سجلات الأحوال المدنية ويُعرفون بـ”مكتومي القيد”، وهو مصطلح إداري يشير إلى عدم وجود الشخص في السجلات الرسمية.

وتسبب هذا الإحصاء بحرمان عشرات الآلاف من حقوق أساسية، بينها التعليم والتملك والعمل وتسجيل الزواج والمواليد والوفيات، وأدى إلى نشوء أجيال من عديمي الجنسية.

وطلبت وزارة الداخلية من الإدارة العامة للشؤون المدنية الشروع فورا في إعداد التعليمات الصادرة عن المرسوم الرئاسي، مع تبسيط الإجراءات قدر المستطاع للمواطنين الكرد، ورفعها خلال مهلة أقصاها 5 فبراير/شباط 2026.

الكردية لغة وطنية والجنسية للجميع

ويؤكد المرسوم الرئاسي، المكون من 8 مواد، التزام الدولة السورية بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق المواطنين الأكراد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم الأم في إطار السيادة الوطنية.

إعلان

وينص المرسوم على أن اللغة الكردية لغة وطنية، ويسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل الأكراد فيها نسبة ملحوظة من السكان، سواء ضمن المناهج الاختيارية أو في إطار الأنشطة الثقافية والتعليمية.

كما يقرر المرسوم إلغاء العمل بجميع القوانين والتدابير الاستثنائية التي ترتبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، ومنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع تأكيد مبدأ المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات مع باقي المواطنين.

وكانت الحكومة السورية قد وقّعت، في 18 يناير/كانون الثاني الجاري، اتفاقا مع تنظيم “قسد” يقضي بوقف إطلاق النار ودمج عناصره ومؤسساته ضمن مؤسسات الدولة.

وجاء الاتفاق عقب عملية عسكرية للجيش السوري استعاد خلالها مناطق واسعة في شرق وشمال شرق البلاد، بعد خروقات متكررة لاتفاق سابق وُقّع في مارس/آذار 2025، ونص على احترام حقوق المكوّن الكردي ضمن إطار المساواة الكاملة بين جميع مكونات الشعب السوري، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في المنطقة ضمن إدارة الدولة.

المصدر: الجزيرة + الأناضول

———————————

تصعيد في تل تمر.. اشتباكات هي الأولى من نوعها بين الحكومة و”قسد

شهد ريف الحسكة الشمالي الغربي، مساء اليوم الأربعاء 28 من كانون الثاني، تطورًا ميدانيًا لافتًا بوقوع اشتباكات مباشرة وقصف متبادل بين قوات الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على محور بلدة تل تمر، وهو المحور الذي بقي هادئًا نسبيًا لفترات طويلة مقارنة بغيره من خطوط التماس.

قصف متبادل وتوتر ميداني

أفاد مراسلو عنب بلدي في شمال شرقي سوريا ومصادر محلية بأن مدفعية الجيش السوري استهدفت مواقع تابعة لـ “قسد” في قرى الأغيبش، تل جمعة، وعالية بريف تل تمر.

وجاء هذا القصف ردًا على استهداف “قسد” لقرى العريشة، دبسة، والمقرن الواقعة في ريف رأس العين شمالي الحسكة.

وعلى الرغم من حدة الاستهداف المتبادل، أكدت المصادر عدم حدوث أي تغيير في خريطة السيطرة أو خطوط التماس حتى لحظة تحرير الخبر.

إلا أن حالة من التوتر الشديد تسود المنطقة، تزامنت ظهر اليوم مع مناوشات أخرى بالأسلحة المتوسطة والمسيرات في محيط قريتي “رميلان الباشا” و”اليوسفية” بريف رميلان الجنوبي.

تل تمر.. خصوصية المنطقة وذاكرة الصراع

يكتسب هذا التصعيد حساسية مضاعفة لكونه يتركز في ريف تل تمر، وهي المنطقة التي تشكل الثقل التاريخي والديموغرافي للمكون الآشوري المسيحي في سوريا.

وتحمل قرى مثل “تل جمعة”، رمزية وجدانية وقاسية في ذاكرة السكان، إذ كانت مسرحًا لهجوم تنظيم “الدولة الإسلامية” في شباط 2015.

حينها، تعرضت المنطقة لهجوم واسع استهدف الوجود الآشوري، وأسفر عن تفجير كنيسة “العذراء” التاريخية في تل جمعة، واختطاف المئات من أبناء المنطقة، ما أدى إلى موجة نزوح جماعي أفرغت القرى من سكانها الأصليين.

ويأتي التوتر اليوم ليزيد من مخاوف القلة المتبقية من السكان من تحول قراهم ومقدساتهم مجددًا إلى ساحة صراع عسكري.

تكمن أهمية هذا التصعيد في كونه يكسر حالة “الهدوء الميداني” بين الحكومة السورية و”قسد” في هذا المحور تحديدًا، في حين أفادت مصادر عسكرية بهدوء تام على جبهات عين العرب (كوباني) بريف حلب.

————————

====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى