تحقيقاتسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

“الطابق السابع”.. ألمانيا تبدأ التحقيق بجرائم تعذيب وقتل داخل مشفى حرستا العسكري/ سامر القطريب

 

2026.01.29

بدأت النيابة العامة الفيدرالية في ألمانيا تحقيقاتها بواحدة من أكبر قضايا جرائم التعذيب والقتل التي ارتكبها النظام المخلوع في سوريا، بعد حصولها على قرص صلب يضم أكثر من 70 ألف صورة، توثق جثث معتقلين فارقوا الحياة في سجون النظام، أبرزها مستشفى حرستا العسكري بريف دمشق.

ويعد التحقيق جزءا من “ملفات دمشق” التي كشفت نهاية العام الماضي، تفاصيل جديدة عن “نظام قتل ممنهج” نفّذه النظام المخلوع بحق المعتقلين في سجونه، استنادا إلى أكثر من 134 ألف وثيقة استخباراتية سرية.

وقال الصحفي الاستقصائي سليمان تدمري وأحد المشاركين في التحقيق لموقع تلفزيون سوريا، إن “كبير المدعين العامين الاتحاديين” في كاسل بدأ تحليل الصور وجمع الأدلة، وهو المدعي الذي تابع ملف “أنور رسلان” الضابط السابق في استخبارات النظام المخلوع.

وصدقت المحكمة الاتحادية العليا في ألمانيا على قرار الحكم الذي أصدرته محكمة كوبلنز، بالسجن مدى الحياة على رسلان، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، في آب الماضي.

وحول عمليات القتل والتصفية في مشفى حرستا العسكري أضاف تدمري: “تم نقل جثث المعتقلين إلى مشفى حرستا العسكري، بحسب ما أفاد رئيس قسم الأدلة والتوثيق، العقيد الذي سرّب لنا صور جثث المعتقلين، والتي تجاوز عددها أكثر من عشرة آلاف جثة. وقد جرى ذلك بتعليمات مباشرة من قيادة الأركان، بحيث يتم حصر توثيق جثث المعتقلين القادمين من مختلف الأفرع الأمنية في مشفى حرستا العسكري”.

ويوضح تدمري أن هذه الملفات تثبت كيف كان النظام المخلوع يحاول تحويل جريمته إلى “حادثة قضاء وقدر”.

وانطلق التحقيق بعد أن سرّب العقيد المنشق محمد، ضابط سابق في الشرطة العسكرية، هذا القرص إلى خارج سوريا، ووصل لاحقًا إلى صحفيين في ألمانيا، بالتعاون مع مؤسسات إعلامية كبرى من بينها (NDR وWDR) وصحيفة (Süddeutsche Zeitung)، وبالشراكة مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ).

يتجمع عن أفراد عائلاتهم المفقودين خارج مستشفى المجتهد للتعرف على جثث تم تعذيبها حتى الموت على يد نظام الأسد في دمشق، سوريا في 11 ديسمبر 2024.

القرص الصلب: أرشيف موثق لجريمة منهجية

يحتوي القرص على آلاف الصور التي التُقطت داخل المستشفيات والسجون، وتُظهر جثثًا عارية أو مكبلة، وعليها آثار تعذيب وسوء تغذية وإهمال طبي. وفق تحليل فريق التحقيق، تم تنظيم الصور بدقة حسب التاريخ والمكامن، ما يعكس نمطًا منهجيًا في التوثيق.

محمد، مصدر الصور، قال إن مهمته كانت توثيق وفيات المعتقلين لصالح الأجهزة الأمنية. عمل في قسم الأدلة الجنائية، ووثق كل جثة تصل من المشافي أو الفروع الأمنية، قبل أن يُقرر تهريب القرص مع انهيار النظام خوفًا من تدميره. وقال: “هذه ليست صورًا فقط.. إنها أدلة على جريمة”.

مشفى حرستا.. طابق سري ومشرحة مغلقة

أشارت الأدلة إلى أن عددا كبيرا من الصور التُقط داخل مشفى حرستا العسكري، الذي خضع جزء منه لسيطرة جهاز مخابرات النظام المخلوع. شهود أكدوا وجود طابق سابع غير ظاهر، لا يصل إليه المصعد، ويُستخدم كسجن سري.

فراس الشاطر ونائل المرهبي، وهما سوريان يعيشان في ألمانيا، رويا في الفيلم الوثائقي الذي عرض على منصة (STRG_F) وهي وحدة صحافة استقصائية ألمانية، تفاصيل اعتقالهما وتعذيبهما داخل حرستا. فراس قال إنه كان يحمل رقمًا بدلًا من اسمه، وإن عناصر الأمن كانوا يمنعونه من النوم بالضرب. أما نائل، فأكد أنه سُحل من السطح وتعرض للتعذيب على يد عناصر وضباط في الطابق السري.

صور القرص الصلب، ومشاهد من الموقع، أظهرت تطابقًا دقيقًا مع الأرضيات الرخامية، والأقبية، والأبواب المعدنية التي ظهرت مرارًا في خلفية صور الجثث.

يتجمع الباحثون عن أفراد عائلاتهم المفقودين خارج مستشفى المجتهد للتعرف على جثث تم تعذيبها حتى الموت على يد نظام الأسد في دمشق، سوريا في 11 ديسمبر 2024.

وكشف تدمري ما وصفه بـ”جحيم الطابق السابع” في المشفى، استنادا إلى شهادات المعتقلين نائل وفراس. وقال إنهما احتُجزا في ذلك الطابق، حيث بقي نائل معصوب العينين لأربعة أشهر، كما مُنع جميع المعتقلين من الرؤية، موضحا أن الضرب كان يأتي من كل صوب، والمعتقل لا يعرف من أين تأتي الضربة.

وذكر أن ممرضين أطفؤوا أعقاب السجائر في أجساد المعتقلين، في حين اضطر مرضى متعددين للنوم على السرير نفسه. وأضاف أن أحد المعتقلين أخبره بأن زميله توفي وهو مكبل معه على نفس السرير.

ويؤكد تدمري أن الطابق السابع قد يبدو عاديا لأي زائر فهو لن يرى شيئًا من هذا العذاب. فقد يرى فقط طابقا عاديا وغرفا بأسرّة صغيرة، لكن الألم الحقيقي يبقى في روايات من عاشوا هناك.

وأفادت شهادات أخرى حصل عليها معدو التحقيق بأن الجثث لم تُحتجز في المستشفى فقط، بل نُقلت بشاحنات تبريد إلى أماكن دفن جماعية. محمد نايفة، حفار قبور سابق في دمشق، قال في شهادته إنه كان يستقبل هذه الشحنات مرتين إلى ثلاث أسبوعيًا، واصفًا الجثث بأنها عارية، مقيدة، وعليها آثار تعذيب واضحة.

وأوضح أن الجثث كانت تُدفن بخنادق عبر جرافات، في مساحة مفتوحة شمال المشفى. وأكد أن الروائح والدماء كانت تتسرب من المقطورات عند فتحها، وأكدت أقواله صور الأقمار الصناعية التي أظهرت شاحنات مماثلة وآثارًا لحركتها.

شهادات الوفاة وأطباء “متورطون” يقيمون في ألمانيا

تحليل الوثائق أظهر شهادات وفاة صادرة عن مشفى حرستا، وُقّعت باسم طبيب أطلق عليه التحقيق اسم “د. حيدر”. ظهر اسمه في سجلات مناوبات الأطباء، وتكرر في وثائق رسمية ترجع أسباب الوفاة إلى “سكتة قلبية”، رغم أن الجثث تظهر عليها آثار تعذيب واضحة.

وحول الأسباب التي دفعت بأجهزة أمن النظام المخلوع لنقل المعتقلين إلى مشفى حرستا العسكري وتصفيتهم يقول تدمري “بحثنا عن إجابة لهذا السؤال لدى أطباء سوريين يقيمون في ألمانيا، كانوا يعملون في مشفى حرستا العسكري بين عامي 2011 و2012. وأفاد الأطباء بأنهم كانوا يُجبرون على توقيع شهادات وفاة مزورة لكل جثة تصل إلى المشفى، على أساس أن المريض نُقلت إليه محاولات إنعاش لكنه توفي بشكل مفاجئ نتيجة لسكتة قلبية. وأكدوا أنهم وقّعوا هذه الشهادات من دون رؤية الجثة أو المريض، ومن دون إجراء أي فحص طبي فعلي..”.

“ملف المفقودين”.. من يقود السوريين إلى الحقيقة؟

ويضيف أن المقصود بالتزوير “أن شهادات الوفاة كانت تتضمن جميعها تقريباً الصيغة نفسها، مثل: وصل إلينا المريض الفلاني، حاولنا إنعاشه، لكنه توفي فجأة نتيجة توقف القلب والتنفس”.

وتابع “كأن النظام كان يسعى إلى إظهار أنه ينقل المعتقلين إلى المشفى عند الحاجة، وأن وفاتهم حدثت بشكل مفاجئ وقضاءً وقدراً، في حين أن تحليل الصور يثبت أن 75 بالمئة من صور الضحايا تظهر تعرضهم للتعذيب حتى الموت”.

أحد الأطباء، الذي يعمل حاليًا في ألمانيا، تحدث للصحفيين -بشرط عدم كشف هويته- وأقر بأن التعذيب كان قائما، لكنه أنكر ضلوعه فيه، وقال إن “توقيع الشهادات المزورة كان بهدف إبلاغ العائلات بطريقة غير مباشرة”.

من بين الضحايا، الشاب مهند خليفة، الذي اختفى عام 2013. تعرفت عائلته على جثته من خلال إحدى الصور، وكانت الجثة تحمل الرقم (3641) تأكدت وفاته رسميًا بعد 12 عاما من الانتظار.

النيابة العامة الألمانية تؤكد أنها استمعت لأكثر من ألفي شاهد في قضايا تتعلق بالجرائم في سوريا، وتحقق في تورط أفراد يعيشون على الأراضي الألمانية، بعضهم كانوا موظفين طبيين أو أمنيين في مؤسسات تابعة للنظام المخلوع.

ومع أن محاكمة المتورطين قد تستغرق سنوات، فإن وصول هذه الأدلة إلى القضاء الألماني يعيد الأمل لعائلات الضحايا، ويضع نظام الأسد البائد أمام سجل طويل من الجرائم التي لم تُغلق ملفاتها بعد.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى