منوعاتنقد ومقالات

المعهد العالي للفنون المسرحية.. اختبار لاستقلالية الثقافة السورية/ حسن عبد الله الخلف

03 فبراير 2026

 نفتح ملفاً مثل أزمة المعهد العالي للفنون المسرحية، فذلك لأن النقد والنقد المضاد هما طريقة الثقافة للدفاع عن نفسها. والمعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق مؤسّسة مركزية، قدّمت على مدى عقود للفن والثقافة العربيتين مخرجين وممثلين وكتّاباً ملأوا الفضاء بمئات الأعمال المؤثرة.

في قلب دمشق، وعلى واحدة من أكثر خشباتها تأثيراً في تشكيل الوعي الفني السوري، تتكشف اليوم أزمة تتجاوز حدود الخلاف الإداري العابر، لتلامس جوهر العلاقة بين الثقافة والسلطة. ما يجري في المعهد العالي للفنون المسرحية منذ شهور لا تمكن قراءته إشكالاً بروتوكولياً أو سوء تقدير إدارياً، بل تعبيراً عن مأزق أعمق يتصل بمفهوم استقلالية المؤسسات الثقافية وحدود حمايتها من التدخل السياسي. فالمعهد الذي شُيّد بوصفه فضاءً أكاديمياً مستقلاً، يتحول تدريجياً إلى ساحة لإعادة إنتاج الوصاية على الثقافة، حيث تُدار شؤونه بمنطق فوقي يتجاهل المعايير الأكاديمية والشرعية المهنية التي تشكلت عبر نصف قرن من العمل المتراكم.

شكّل قرار وزارة الثقافة تعيين غطفان غنوم عميداً مؤقتاً للمعهد صدمة واسعة في الأوساط الأكاديمية والثقافية، فالمعيَّن خارج الهيئة التدريسية، والمفصول سابقاً منذ عام 2002، ولا يمتلك خبرة أكاديمية أو فنية ذات صلة بطبيعة المعهد، الأمر الذي جعل القرار يبدو كأنه قطيعة صريحة مع النظام الداخلي للمؤسسة ومع تقاليدها المهنية الراسخة.

لا يمكن فهم هذا التعيين بوصفه خطأ إجرائياً فحسب، بل بوصفه مساساً مباشراً بالشرعية الأكاديمية التي صاغها المعهد منذ تأسيسه عام 1977. تلك الشرعية لم تكن شكلية أو رمزية، بل كانت نظاماً متماسكاً حافظ على استقلال القرار التربوي والفني، وحمى المؤسسة من تقلبات السياسة حتى في أكثر مراحل الاستبداد قسوة. ويعبّر أحد الأساتذة، الذي فضّل استخدام اسم مستعار، عن هذا الإحساس بالخذلان بقوله: “القرار تجاهل النظام الداخلي الذي ينص بوضوح على أن يكون العميد من الهيئة التدريسية، وأن يمتلك خبرة فنية وأكاديمية. هذا ليس خللاً تقنياً، بل رسالة سياسية تفيد بأن استقلال المؤسّسة لم يعد أولوية”.

50 عاماً من بناء مؤسسة ثقافية مستقلة

منذ تأسيسه، احتل المعهد العالي للفنون المسرحية موقعاً فريداً في المشهد الثقافي السوري والعربي. ضمّ خمسة أقسام رئيسية: التمثيل، الدراسات المسرحية، الرقص (النقد)، السينوغرافيا، والفنون الصوتية والضوئية، واعتمد نظام قبول صارماً، وبرنامجاً دراسياً يمتد أربع سنوات، يجمع بين التكوين النظري والتدريب العملي المكثف. وقد شكّل مجلس المعهد عبر عقود جدار الحماية الأساسي ضد التدخلات الخارجية، مستنداً إلى خبرات أسماء كبرى في المسرح السوري، مثل غسّان المالح، سعد الله ونوس، فواز الساجر، نبيل الحفار، حنان قصّاب حسن، وماري إلياس. في هذا السياق، لم تكن الشرعية الأكاديمية مجرد عنوان إداري، بل ممارسة يومية تضمن استقلال القرار الفني، وتحمي المعهد من التحوّل إلى مؤسّسة خاضعة لأمزجة السلطة. وتخرّج من هذا الصرح عشرات الفنانين الذين أسهموا في تشكيل ملامح المسرح السوري المعاصر، والدراما والسينما العربية، ما جعل المعهد بمثابة ذاكرة حية للإبداع السوري، لا مجرّد مؤسّسة تعليمية تقليدية.

بعد سقوط نظام الأسد، بدت اللحظة التاريخية كأنها تفتح أفقاً جديداً لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والثقافة. وفي غياب فعلي لوزارة الثقافة، تولّى الأكاديميون مسؤولية إدارة شؤون المعهد محافظين على نظامه الداخلي واستقلاليته. للمرّة الأولى، جرى التوجه نحو نموذج انتخاب العميد من الأساتذة، وجرى التوافق على تعيين وكيل المعهد عمار الحامض عميداً للمؤسسة. كان ذلك نموذجاً يمكن أن يشكل بداية لمسار جديد، تُدار فيه المؤسسات الثقافية بآليات ديمقراطية ومسؤولية مهنية. غير أن هذا المسار قُطع فجأة بقرار الوزارة تعيين عميد من خارج السياق الأكاديمي، دون أي تشاور أو احترام للإجراءات الداخلية، ما أعاد إنتاج منطق الوصاية بصورة أكثر مباشرة.

تهديدات، إهانات، وفصل تعسفي

حصل معدّ هذا التحقيق على بيان مكتوب صادر عن طلابٍ في المعهد العالي للفنون المسرحية، يتضمن شهادات موثقة حول ما يجري داخل المعهد. وبناءً على طلب المصادر، وحرصاً على سلامتهم الأكاديمية والشخصية، امتنعنا عن نشر الأسماء، مع احتفاظ هيئة التحرير بالوثائق كاملة.

وقدّم طلاب قسم الفنون الصوتية والضوئية في المعهد شكوى موثقة تتضمن سلسلة من التجاوزات الخطيرة منذ بداية العام الدراسي، تتراوح بين الإهانات اللفظية العلنية، والتهديد المستمر بالفصل، والتشهير، وصولاً إلى التهجم الجسدي على أحد طلاب السنة الأولى. وبحسب إفادات الطلاب، فإن رئيس القسم المكلّف مارس أسلوباً عدائياً منذ اليوم الأول مستخدماً ألفاظاً نابية ومهينة بحق الطلاب، ومطلقاً تهديداتٍ مباشرة، ما أدّى إلى تسرّب عدد من الطلاب، بينهم طالب متفوّق كان الأول على دفعته، بسبب ما وصفوه بسوء المعاملة وغياب البيئة التعليمية الآمنة. كما شملت الشكوى مخالفات إدارية وقانونية جسيمة، أبرزها فصل طلاب وفرض عقوبات من دون الرجوع إلى لجنة الانضباط المنصوص عليها قانوناً، وحرمان الطلاب من حقهم في معرفة أسباب العقوبة أو التقدّم بطلب تظلم، مع التصريح العلني بعدم الاعتراف بالقانون الداخلي للمعهد. وأشار الطلاب إلى أن إدارة المعهد، ممثلة بالمكلف بتسيير شؤونه، استخدمت التهديد بالإحالة إلى محكمة الجرائم الإلكترونية والأمن العام بدل الاحتكام إلى الأطر القانونية الجامعية، في مخالفة صريحة للأنظمة النافذة.

ووفق رأي قانوني من جهة رقابية رسمية اطّلعت على الملف، تفتقر جميع الإجراءات المتخذة بحق الطلاب إلى السند القانوني، إذ لا يجوز فصل أي طالب أو معاقبته إلا بقرار صادر عن لجنة الانضباط ومجلس المعهد ومقترن بموافقة الوزير، مع كفالة حق التظلم. ويؤكد الطلاب أن ما جرى لا يمثل حالات فردية، بل نمطاً متكرّراً من التعسّف الإداري، مطالبين بفتح تحقيق مستقل وضمان حماية الطلاب وحقهم في تعليم كريم ضمن مؤسسات الدولة.

وحرصاً على منح حق الرد لوزارة الثقافة، وفي إطار المعايير المهنية المعتمدة، وجّه معدّ التحقيق، قبل النشر، مجموعة من الأسئلة إلى الوزارة، تضمّنت مجمل الوقائع والمعطيات الواردة في التحقيق، بهدف إتاحة الفرصة لهم لإبداء وجهة نظرهم والرد على ما نُسب إليهم. وحتى موعد نشر هذا التحقيق، لم تتلقَّ هيئة التحرير أي رد رسمي على تلك الأسئلة.

بيان الأساتذة: من الحوار إلى القطيعة

وجّه 65 أستاذاً من المعهد، في 7 أغسطس/ آب 2025، كتاباً رسمياً إلى وزارة الثقافة، أشاروا فيه إلى معوقات خطيرة تهدد العملية التعليمية، وطالبوا بمعالجة مشكلات لوجستية وإدارية تضمن كرامة الكادر التدريسي واستمرارية التعليم. غير أن الرد لم يأتِ في صورة حوار أو معالجة مؤسسية، بل في شكل تجاهل كامل. لا رد مكتوباً، ولا جلسة نقاش، ولا إشارة إلى استعداد لمراجعة السياسات المتبعة. والأسوأ من ذلك، تزامن هذا التجاهل مع عدم تجديد عقود عدد من المحاضرين، في خطوة فُهمت على أنها رسالة واضحة بتهميش الدور الأكاديمي للأساتذة. وعلى إثر ذلك، شهد المعهد للمرة الأولى منذ تأسيسه حالة إغلاق فعلي، وامتناعاً جماعياً عن التدريس، في سابقةٍ تمسّ سمعته مؤسسة أكاديمية مستقلة.

وأفضت هذه السياسات إلى أزمة ثقة عميقة داخل المعهد. فحين يُفرض عميد بلا خبرة أكاديمية، ويُهمَّش الأساتذة، وتُقابل مطالبهم بالتجاهل، تتحول المؤسسة من فضاء تعليمي إلى بنية هشّة مهددة بالشلل… يقول أحد العاملين في المعهد: “كل يوم يمر بلا تصحيح لهذه السياسات يضعف المنظومة، ويحوّل المؤسسات من إخفاق إلى آخر، حتى تصبح الثقافة مجرد واجهة بلا مضمون”.

وبعد استقالة عمار الحامض التي أجبر عليها لعدم الرد على كل مراسلاته، والرد الوحيد من وزير الثقافة محمد ياسين صالح كان الموافقة على الاستقالة. وقد عقد لقاءً مع الأساتذة والطلاب، إلا أن اللقاء اتسم بالاختصار وعدم الجدية. افتتح الوزير حديثه بخطاب ذي طابع أمني، مؤكداً أن البلاد “تحارب على أكثر من جبهة”، وأن وقته محدود. وتجاهل الأسئلة المتعلقة بحرية التعبير ومستقبل المعهد، وأبدى انزعاجه من الاحتجاجات الطلابية، بل وطرح فكرة دمج المعهد العالي للفنون المسرحية مع المعهد العالي للسينما، ما كشف فجوة معرفية بطبيعة المؤسّسات الأكاديمية التي يفترض به الإشراف عليها.

ويعكس هذا الخطاب الأمني، في فضاء أكاديمي ثقافي، تصوراً للثقافة بوصفها شأناً ثانوياً أو عبئاً إدارياً، لا مجالاً مستقلاً للفكر والنقد والإبداع.

الثقافة بين الذاكرة والاستنزاف

يرى مدرّس مادة التمثيل سمير عثمان الباش أن المثقف السوري يعيش دورة استنزاف تشبه “أسطورة سيزيف” موضحاً: “في كل مرة يعاد فيها بناء المؤسّسات، تأتي قرارات فوقية تهدم ما تراكم من خبرات”. ويعتبر أن التعيينات الإدارية غير المدروسة ليست أخطاء عشوائية، بل أدوات تعطيل ممنهجة تشل استقلال المؤسّسات في أكثر المراحل حساسية.

ويرى ناصر منذر، وهو مؤسّس ناد سينمائي وخريج المعهد نفسه، أن “ما يجري رسالة سياسية تهدف إلى إخضاع المؤسسات الثقافية ضمن منطق احتكاري، يحوّلها إلى أدوات تابعة بدل كونها فضاءات مستقلة. ويحذّر الناقد خليل صويلح من “الإنزال المظلي” على المؤسسات الثقافية، بوصفه آلية لهدم بنيتها التحتية وتحويلها إلى واجهات بلا هوية.

وعن احتكار المصير الأكاديمي حين يتحول نقص الكوادر إلى استبدال للجودة بالولاء قالت مدرسة في المعهد: “لا تمكن قراءة المشهد الحالي في المعهد العالي للفنون المسرحية إلا بوصفه أزمة فراغ أكاديمي متعمد”. مشيرة إلى أن تعيين إدارة تفتقر إلى الكفاءة الأكاديمية والقبول المهني لم يكن مجرّد قرار إداري خاطئ، بل تحول إلى “طارد حيوي” للخبرات حيث أدى اعتذار الأساتذة الأكفاء عن التدريس احتجاجاً على سوء الإدارة بتعيين عميد جديد يفتقر إلى أدنى معايير الأكاديمية، وامتناع الكوادر الخارجية عن الالتحاق بالمعهد للسبب نفسه، إلى إيجاد فجوة تعليمية مرعبة.

ولمواجهة هذا النزيف، لجأت الإدارة إلى حلول ترقيعيه تضرب جوهر العملية التعليمية، بإلقاء عبء مواد اختصاصية ونوعية على عاتق عدد محدود من الأساتذة. وحوّل هذا النظام الأستاذ إلى “موسوعي قسري” يدرّس موادّ خارج نطاق اختصاصه الدقيق، ما يعني: تدني السوية العلمية، وغياب التخصص العميق يفرغ المواد الفنية من قيمتها الإبداعية، بالإضافة إلى الإرهاق الأكاديمي، إذ كيف يمكن لأستاذ واحد أن يغطي نصاباً هائلاً من المواد النوعية من دون أن يؤثر ذلك على جودة التقييم؟

وأخطر تداعيات هذه الأزمة مركزية القرار التعليمي. ففي التخصصات المسرحية، تُعتبر “مواد الاختصاص” موادّ مرسبة بامتياز، وغالباً ما تحمل ثقلاً كبيراً في المجموع (علامة كلية تصل إلى 300). عندما يحصر مصير الطالب بيد أستاذ واحد أو اثنين يسيطران على مجمل المواد الأساسية، نكون أمام خرق فاضح لمبدأ تكافؤ الفرص، حيث يصبح التقييم عرضة للمزاجية أو تصفية الحسابات الشخصية (التحطط)، ويُحرم الطالب من “تعدد الرؤى” الفنية التي هي أساس التعليم المسرحي، ويتحوّل الأستاذ إلى “متحكم وحيد” بمستقبل الطالب الأكاديمي، فإذا غضب الأستاذ، ضاع مستقبل الطالب في كل المواد الأساسية دفعة واحدة.

الشرعية الأكاديمية دفاعاً عن الثقافة

ليس جوهر الصراع اليوم على منصب إداري، بل على معنى الشرعية الأكاديمية نفسها. فحين يُفرض عميد بلا خبرة، وتُلغى إرادة الأساتذة والطلاب، فإن ما يُستهدف فكرة الثقافة بوصفها مجالاً مستقلاً عن الوصاية السياسية… ووقوف الأساتذة والطلاب ليس دفاعاً عن مواقع شخصية، بل عن مبدأ استقلال المؤسسة الأكاديمية شرطاً لبقاء الثقافة حية. والصمت في هذه اللحظة لا يعني الحياد، بل المشاركة الضمنية في تفكيك البنية الثقافية التي تشكّلت عبر عقود.

قصارى القول: ما يجري في المعهد العالي للفنون المسرحية اختبار لمفهوم الثقافة في سورية الجديدة: هل ستكون الثقافة مجالاً حراً للإبداع والمعرفة، أم أداة تُدار بمنطق السيطرة والوصاية؟ لا تتوقّف الإجابة عند مصير مؤسّسة واحدة، بل عند مستقبل الذاكرة الثقافية السورية برمتها، فإما أن تُصان الشرعية الأكاديمية، وتُحترم استقلالية المؤسسات، أو يُفتح الباب أمام إعادة إنتاج نموذج ثقافي هش، تتحوّل فيه المسارح والمعاهد إلى واجهات بلا مضمون.

الدفاع عن المعهد اليوم دفاع عن فكرة الثقافة نفسها، بوصفها فعلا حراً، وذاكرة جماعية، ومساحة لا يجوز إخضاعها لمنطق القرار الفوقي أو الحسابات السياسية الضيقة… ما يحدث اليوم هو نتيجة مباشرة لقرار “غير مدروس” بتعيين عميد غير أكاديمي، ما أفرغ المعهد من نخبه، وحوّله إلى ساحة للاحتكار العلمي. ويبدأ إنقاذ المعهد من إعادة الاعتبار إلى الهيئة التدريسية، واستقطاب الخبرات المعتذرة، وتفكيك منظومة “الأستاذ الواحد” التي تهدد بتحويل الصرح الأكاديمي العريق إلى مجرد “مدرسة تفتقر إلى أدنى معايير النزاهة الأكاديمية”.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى