أزمات الداخل السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععام على انتصار الثورة في سوريامحطات

سوريات يتطوّعن لمواجهة خطر الألغام ومخلفات الحرب/ هاديا المنصور

04 فبراير 2026

تخوض متطوّعات سوريات تجربة إزالة الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب، خصوصاً أن سورية احتلت العام الماضي المرتبة الثانية عالمياً في عدد ضحايا الألغام.

في قرى وبلدات شمال غربي سورية، لا تزال الحرب حاضرة بأشكالها الأكثر خفاءً عبر ألغام أرضية وذخائر غير منفجرة تحصد الأرواح بصمت. وبينما يشكل هذا الخطر تهديداً يومياً للمدنيين العائدين إلى مدنهم وقراهم، برزت نساء سوريات قرّرن الانخراط في أعمال إزالة مخلفات الحرب، بغض النظر عن المخاطر والتقاليد الاجتماعية.

وضمن فرق الدفاع المدني السوري، تشارك متطوعات في برامج المسح غير التقني، والتوعية المجتمعية، وصولاً إلى العمل الميداني في إزالة الذخائر غير المنفجرة، في تجربة استثنائية بسورية وسط بيئة شديدة الخطورة، يُهيمن عليها الرجال تاريخياً.

وتقول ريم الرحمون، إحدى المتطوعات في برنامج إزالة الذخائر غير المنفجرة، لـ”العربي الجديد”، إنّ دافعها الأساسي للانضمام إلى هذا العمل كان الألم المتراكم من مشاهد الضحايا، خصوصاً الأطفال الذين فقدوا حياتهم أو أطرافهم بسبب مخلفات الحرب، إذ كانت كل حادثة انفجار بمثابة إنذار شخصي دفعها للشعور بالمسؤولية تجاه حماية الأرواح.

لم يكن قرار الرحمون سهلاً، إذ واجه معارضة شديدة من عائلتها ومحيطها الاجتماعي، بدافع الخوف على سلامتها. وتستعيد الرحمون لحظة مؤثرة عندما طلب منها طفلها التوقف عن العمل، خوفاً من أن يفقدها في انفجار مفاجئ، لكنها حاولت أن تشرح له أن ما تقوم به يهدف إلى حماية الأمهات والأطفال، وأن منع وقوع الكارثة هو جزء من حبها له، ومع مرور الوقت، تغيّر موقف عائلتها، وتحول القلق إلى دعم وفخر.

وترى أن العمل في هذا المجال يتطلب دقة عالية، وأن النساء لسنَ أقلّ كفاءة من الرجال، بل يمتلكن في كثير من الأحيان قدرة أكبر على ملاحظة التفاصيل الدقيقة، وهو عنصر حاسم في التعامل مع الذخائر غير المنفجرة. وعن التحديات اليومية التي تواجهها، بدءاً من المخاطر المباشرة في الميدان، وصولاً إلى الضغط النفسي الناتج عن محاولة الموازنة بين عملها الخطير ومسؤولياتها العائلية، تؤكد الرحمون أنّها تحاول تنظيم وقتها لتمنح أطفالها الاهتمام الذي يحتاجونه، رغم شعورها المتكرر بالإرهاق، لكن إيمانها بأهمية رسالتها هو ما يمنحها القدرة على الاستمرار.

أما راما العلوش، وهي متطوعة أخرى، فتقول إنّ أصعب ما يواجهنه ليس الخطر الجسدي فحسب، بل النظرة المجتمعية المسبقة التي تعتبر هذا العمل غير مناسب للنساء، غير أن النزول إلى الميدان كان في حد ذاته تحدياً لهذه التصورات، ونتائج العمل على أرض الواقع أسهمت تدريجياً في تغيير موقف المجتمع المحلي.

وتضيف لـ”العربي الجديد” أنّ انخراط النساء في هذا المجال لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة فرضها واقع الإصابات المتزايدة، خصوصاً أن كثيراً من الحوادث تقع داخل المنازل أو في محيطها، إذ تكون النساء أول من يلاحظ الخطر، ما يجعل دورهنّ محورياً في التحذير المبكر ومنع الكارثة قبل وقوعها”، وتؤكد العلوش أن وجود النساء في فرق التوعية المجتمعية ساعد في الوصول إلى شريحة أوسع من الأهالي، خصوصاً النساء والأطفال الذين يتردّدون أحياناً في التفاعل مع الفرق بسبب الأعراف الاجتماعية.

لم يقتصر عمل النساء في إزالة الألغام على درء الخطر المحيط بالعائدين فحسب، بل منح العائلات دعماً نفسياً، نظراً لدورهنّ في تبديد المخاوف المستمرة لدى الأهالي من تلك المخاطر. وتقول مريم اليوسف من ريف إدلب الجنوبي: “بعد عودتنا إلى قريتنا، كان الخوف من الألغام يرافقنا في كل خطوة، ولم نكن نجرؤ على السماح لأطفالنا باللعب أو حتى الاقتراب من الأراضي المحيطة بالمنازل، ذلك أن انتشار الذخائر غير المنفجرة جعل فكرة العودة نفسها مخيفة، فكنا نشعر أن الموت قد يكون تحت أقدامنا في أي لحظة”.

وتتابع لـ”العربي الجديد”: “عمل المتطوعات في إزالة الألغام أعاد لنا شيئاً من الطمأنينة، فوجود نساء يخاطرن من أجل حماية الأهالي منحنا ثقة أكبر بالعودة التدريجية إلى حياتنا الطبيعية، خصوصاً أن ما يقمن به ليس مجرد عمل إنساني، بل إنقاذ حقيقي لأرواح كثيرة، وكسر لحاجز الخوف الذي كان يلاحقنا في كل لحظة”.

وفي هذا السياق، يقول رائد الحسون، رئيس عمليات مخلفات الحرب في الدفاع المدني السوري، لـ”العربي الجديد”، إنّ الانفجارات الناجمة عن مخلفات الحرب باتت واقعاً يومياً مؤلماً، وغالبية ضحاياه من النساء والأطفال، ويوضح أن تحليل أنماط الحوادث أظهر أن عدداً كبيراً من الضحايا ينتمون إلى فئات يصعب على الفرق المؤلفة من الرجال، الوصول إليها بسبب الأعراف الاجتماعية. ويشير الحسون إلى أن هذا الواقع دفع الدفاع المدني إلى إشراك النساء في برامج المسح غير التقني، والتوعية المجتمعية، ولاحقاً في فرق إزالة العوائق الميدانية، مؤكداً أن “هذه الخطوة حققت نتائج ملموسة من خلال تحسين التواصل مع السكان المحليين، والمساهمة في خفض عدد الضحايا في المناطق المستهدفة، وبالتالي بدأ المجتمع المحلي يدرك الدور الحيوي الذي تؤديه النساء، بعد أن لمس تأثير مشاركتهنّ المباشرة في جعل الحياة أكثر أماناً، خصوصاً للأطفال والنساء”.

وبحسب الدفاع المدني السوري، تُعدّ مناطق شمال غربي سورية من بين المناطق الأكثر تلوثاً بمخلفات الحرب، إذ تنتشر القنابل العنقودية والألغام الأرضية في الحقول الزراعية، وبين أنقاض المنازل، وعلى مقربة من المدارس والطرق العامة، وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلث الأراضي الزراعية في أرياف إدلب وحلب ملوثة بدرجات متفاوتة، ما يجعلها من أخطر المناطق في البلاد من حيث الانفجارات العرضية.

ومطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي، أعلنت منظمة هيومن رايتس ووتش بناءً على “تقرير رصد الألغام الأرضية 2025″، أن سورية احتلت المرتبة الثانية عالمياً، بعد ميانمار، من حيث عدد ضحايا الألغام، مسجّلة أكثر من ألف حالة وفاة أو إصابة. وتأتي هذه الحوادث بعد عودة آلاف النازحين إلى منازلهم عقب سقوط نظام الأسد، إذ تبين الانتشار الواسع للألغام في مختلف أنحاء البلاد.

وكشفت “هيومن رايتس ووتش” في تقرير سابق بتاريخ 8 إبريل/نيسان 2025 أن الألغام الأرضية والمتفجرات من مخلفات الحرب في سورية، قتلت وأصابت أكثر من 600 شخص، بينهم أطفال، منذ ديسمبر 2024. ويُعزى استمرار ارتفاع عدد الضحايا إلى تراجع التمويل الدولي المخصّص لجهود إزالة الألغام وبرامج دعم الناجين.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى