محاكاة الواقع في أدب الغرب… أنطون مقدسي وإدوارد سعيد وآيريش أورباخ/ محمد أمير ناشر النعم

03 فبراير 2026
أخبرني الصديق المترجم محمد جديد أن الأستاذ الجليل أنطون مقدسي، رحمه الله، أرسل في طلبه، وحين لقائه به قال له: أريد منك أن تترجم كتاب آيريش أورباخ “محاكاة الواقع كما يتصوره أدب الغرب” لوزارة الثقافة، فسأله محمد: ما أهمية هذا الكتاب؟ فأجابه أنطون: إنّه أهم كتاب ظهر في النقد الأدبي على الإطلاق.
ومباشرةً صرت أتحيّن الفرصة لاقتناء هذا الكتاب وقراءته إلى أن شاهدته لدى بسطة بائع كتب على الرصيف أمام مدرّج جامعة دمشق، فاشتريته بما يعادل نصف دولار، وكان أوّل ما قرأت الكلمة التعريفية على غلافه الخلفي، وتبادر إلى ذهني مباشرة أنّ كاتبها هو أنطون مقدسي نفسه: “هناك إجماع على أن هذا الكتاب هو النموذج الأكمل الذي ظهر حتى الآن للدراسة الأدبية، وهذا ما دفع وزارة الثقافة إلى ترجمته، كي تقدم للأدباء ولدارسي الأدب طريقة في شرح النصوص أو ما نطلق عليه اسم النقد. فكل قطعة من قطع هذا الكتاب تبعث أمام القارئ عالماً كاملاً بكافة أبعاده الفنية والثقافية والإنسانية وغيرها”.
توزّع الكتاب على 20 فصلاً بعناوين لا تُدرك أبعادها إلا إذا قُرأ الفصل نفسه من قبيل: مغامرات خروج فارس البلاط، أو سيدة القلعة، أو الشرط الإنساني، أو العشاء المنقطع، أو الجورب البني، أو آدم وحواء، إلى آخر ما هنالك من عناوين، ويبدأ كل فصل باستشهاد مطوّل من عمل محدَّد يثبته المؤلف بلغته الأصلية، ثم يبدأ بشرح النص بوتيرة تأملية تنمو بدورها لتتحول إلى خميلة من الملاحظات عن العلاقة بين الأسلوب البلاغي للمقطع وإطاريْه الاجتماعي والسياسي.
قرأت الكتاب في 1999، وشعرت يومها بالاغتناء، وأنّني بتّ على مقربة من فهم تاريخ الأدب الغربي منذ إشراقته الأولى في العصور اليونانية الغابرة مروراً بالعصور الوسطى وانتهاءً بالعصور الحديثة، من هوميروس والعهد القديم إلى فرجينا وولف ومارسيل بروست. وكنت فيما بعد أعاود تقليبه كل بضع سنوات متلمّساً موهبة الملاحظة وقوة التعبير، وهو يصف الأعمال الأدبية التي يتناولها ويحلل شخوصها، فبعضهم يتمتع بلعبة الحياة الحسية، وآخرون يحظون بأروع الكنوز في دواخلهم: النظرة الإنسانية العليا، والفضيلة التي تستحق الإعجاب، والجرأة التي لا تُقهر، والقناعة التي لا مثيل لها، والرضا الدائم، والصلابة الكاملة، والازدراء الذي لا يُصدّق لكل ما يسهر الناس من أجله كثيراً، فيركضون ويجتهدون ويكافحون ويرحلون، وبعضهم الآخر لا يحوزون الفضيلة ولا الكرامة ولا الفكاهة ولا رباطة الجأش، ونقرأ عن أناس تُعدّ معاناتهم الذاتية مفرطة في الضيق، أو مفرطة في السطحية، ونقرأ عن فلان الذي تشكّل غلظته من ناحية، وجبنه من الناحية الأخرى، رزانةً قلّ نظيرها.
ونغوص في أوصاف الأعمال الأدبية مستمتعين بها، بل ومأخوذين: فهذا النص لغته مرنة غنية بالتعبير، أو صياغته تامة مكتملة لا تدع شيئاً في الظلام، وذاك يمتلئ بالتكديس التوكيدي، وذلك يمهّد بطريق موكب كامل من الجمل التحضيرية، بحيث يظهر مثل أمير أو ملك يتقدمه المنادون، والحرس الخاص، وأصحاب الرتب وحملة الرايات، أما ذيّاك النص، فيسهب في سرد المسرّات البائسة والخشنة، والاستهلاك السريع لمادة الإنسان بالرجال السكارى والبنات الحبالى.
نقرأ في هذا الكتاب مقارناتٍ بين أقاصيص الكتاب المقدّس وأقاصيص هومير، والفرق بينها، فأقاصيص الكتاب المقدّس لا تسعى إلى كسب تأييدنا، مثل أقاصيص هومير، ولا تتملقنا لتحظى بإعجابنا وتسحرنا، بل تريد إخضاعنا، وحين نرفض نكون متمردين. وهذه فكرة جديرة بالتأمل، إضافة إلى الفكرة الأخرى التي يوردها، أنّ المثقفين في أواخر العصر القديم كانوا يعدّون أسفار الكتاب المقدّس من قبيل تحطيم الأسلوب، ونقرأ عن الأدب الواقعي القديم، وكيف أنّه بالقياس إليه لا يوجد المجتمع في صورة مشكلة اجتماعية، بل في صورة مشكلة أخلاقية، ونقرأ كيف أخرجت النزعة المعادية للنساء والزواج في الأخلاقية الكهنوتية نوعاً من الأدب الواقعي، كان يُفصِّل القول في متاعب الحياة الزوجية وإدارة البيت وتربية الأطفال… إلخ، بأسلوبٍ تعليميٍّ كئيب متكدّر المزاج مزوِّقاً ألوان وصفه بالاستعارات والأمثلة، ونعرف كيف بدأت تكتسب الدموع في أدب القرن الثامن عشر أهمية لم تكن تتمتع بها من قبل، من حيث هو موضع مستقل بذاته، وتستثمر طاقاتها التأثيرية الواقعة على الحدود بين الروحي والشهواني.
يسير معنا المؤلف في هذا الكتب كأنّه دليلنا أمام بوفيه مفتوح. يغرف من أواني الأدب ويقدّم لنا القطع المختلفة حتى نتذوقها، فنستمتع بطعم مبدأ “التداخل” العاصف كالزوبعة بين فئات الحدث والمعاناة ومجالات المعرفة والأساليب، ونستطعم نكهة “السخرية” المثمرة التي تبعث الفوضى في الجوانب والنِّسب المألوفة، والتي تدع الواقعي يظهر في ما فوق الواقعي، والحكيم يظهر في الجنوني، والتذمر يظهر في بهجة الحياة ذات الألق والرفاهية، وتجعل إمكانية الحرية تضيء ضمن عبث الإمكانات. ونتذوق صنعة هؤلاء الكتّاب على اختلاف صنوفهم، فهذا الكاتب أَخذ عليه نقّاده في أقصى الحالات الإفراط في الصدق، ولم يأخذوا عليه التفريط فيه أبداً، وهذا الكاتب يدور في فلك التقنيات المباغتة السفسطائية، وذاك في فلك التبسيط، ويكاد التبسيط يتمُّ في كل مكان عن طريق ردّ المشكلة إلى نقيضة، وعن طريق إظهار تلك النقيضة في قصة ملتوية متموّجة، مرحة، سريعة، يتقابل فيها الأسود والأبيض، أو النظرية والممارسة تقابلاً واضحاً وبسيطاً، وهذا كاتب آخر خالٍ كلَّ الخلوِّ من اللهجة الخطابية البالية التي تطمس كل الملامح التي تفسد وضوح التفكير، كما تفسد نقاء الشعور على حدّ سواء، وهذا كاتب تأويلاته مفتعلة وغريبة، ولا تتبلور في نظرية موحّدة.
طوال السنوات الماضية، كنت أفكر في وصف أنطون مقدسي هذا الكتاب وإشادته الاستثنائية به، وأتساءل: هل أثّر حكمه ووصفه في تقديري وتقييمي لهذا الكتاب؟ أم أنّ ما شعرت به من متعة وفائدة وإكبار هو حكم أقرب إلى الموضوعية؟ وهذه الحيرة تصيب أي قارئ يعرف أنطون مقدسي، ورحابة ثقافته، وصفاء ذائقته، ودقة أحكامه، وحرصه الصادق على إغناء المكتبة العربية بما تحتاجه فعلاً. وقد أصابتني هذه الحيرة إلى أن قرأت كتاب إدوارد سعيد “الأنسنية والنقد الديمقراطي”، وقرأت فيه المقدمة التي كتبها إدوارد سعيد للطبعة الإنكليزية لكتاب “محاكاة الواقع في أدب الغرب” فإذا به يقول: “هو الأعظم، والأكثر تأثيراً ببين المنتجات الأدبية الأنسنية في نصف القرن الأخير” ( )، وفي هذه المقدمة اكتشفت أن أورباخ ألّف كتابه في إسطنبول خلال الحرب العالمية الثانية، من دون مكتبة تسعفه، وأنّه “اعتمد أساساً على الذاكرة وعلى مهارة تأويلية تبدو كأنّها لا تخطئ لجلاء العلاقات بين الكتب والعالم الذي تنتمي إليه” ( ). ولذلك فكّرتُ أنّه في بعض الأحيان، تكون قلة المراجع سبباً لنجاح الكتاب، لأنّه لا يتيح لمؤلفه الغرق في التفاصيل، أو الضياع في متاهاتها فلا يعرف الخروج منها.
تكشف هذه الإلمامة إبراز الدور الحاسم الذي أدّاه أنطون مقدسي في توجيه حركة الترجمة، من خلال اختيارات واعية لم تكن محكومة باللحظة الثقافية العابرة، بل بقيمة الكتاب وقدرته على إحداث تحوّل في الوعي النقدي. ويأتي كتاب محاكاة شاهداً على هذا الحسّ الاختياري الدقيق، الذي أكّدت وجاهته أحكام لاحقة، وفي مقدّمتها شهادة إدوارد سعيد. وبهذا المعنى، غدا أنطون مقدسي مثقفاً أو بالأحرى صانع ثقافة يساهم في نقل المعرفة، ويؤدّي دوراً تأسيسياً في انتقاء ما يستحق البقاء فيما يُترجم ويضاف إلى الثقافة العربية، وعسى أن نرى في وزارة الثقافة السورية اليوم من يكون في هذا المستوى من سداد النظر وركانة الاختيار.
العربي الجديد
لتحميل الكتاب اتبع الرابط التالي:
أو من الرابط التالي



