من المحكمة إلى الوسيط والمنصة الرقمية.. كيف تدار النزاعات اليومية في سوريا؟/ جولي بيطار

2026.01.30
تشمل النزاعات اليومية في سوريا طيفاً واسعاً من القضايا المرتبطة بإنهاء عقود العمل، ومشكلات الإيجار، وعدم تسديد مستحقات مالية، إضافة إلى خلافات تعاقدية في الأنشطة التجارية الصغيرة. وفي الممارسة، يُدار جزء كبير من هذه النزاعات خارج الإطار القضائي، عبر وساطات غير رسمية أو تسويات خاصة، وغالباً من دون توثيق أو مسار قانوني واضح.
يقول عامل في القطاع الخاص (طلب عدم ذكر اسمه) فُصل من عمله دون تعويض، لموقع تلفزيون سوريا: “القضية ما بتستاهل محامي ولا سنتين محاكم، الخسارة أكبر من الحق”.
لماذا يتراجع اللجوء إلى القضاء لدى السوريين؟
هذا النوع من القرارات الفردية، حيث يوازن المتضرر بين قيمة النزاع وكلفة التقاضي، يصفه المحامي زاهر كعدي كأحد أبرز أسباب العزوف عن القضاء. ويقول: “من أبرز العوامل التي تجعل أفراد المجتمع غير منجذبين للجوء إلى القضاء هو الوقت الطويل الذي تستغرقه القضايا للوصول إلى الحق المطالب به”.
ويشرح أن طول أمد التقاضي لا يعني فقط تأخير الحكم، بل استنزافاً زمنياً ومادياً يدفع صاحب الحق إلى إعادة حساباته، مضيفاً: “التأخير المستمر يُفرغ العدالة من مضمونها، ويجعل صاحب الحق يفضّل حلولاً بديلة، ولو كانت محفوفة بالمخاطر”.
الروتين والإجراءات المعقّدة
في حالات كهذه، يبدأ النزاع غالباً بمحاولة تسوية مباشرة بين الطرفين عند فشلها، ربما يتدخّل وسيط محلي، أو شخص ذو علاقة بأحد الطرفين. وإذا لم تُحلّ المشكلة، يلجأ بعض المتضررين إلى النشر على منصات التواصل الاجتماعي بحثاً عن ضغط عام. أما المسار القضائي، فيبقى خياراً مؤجلاً أو مستبعداً في كثير من الأحيان.
يروي (أبو حامد) لموقع تلفزيون سوريا، وهو مستأجر في ريف دمشق، أن صاحب المنزل رفض بعد انتهاء العقد إعادة وديعة الإيجار (ما يُعرف بالتأمين، وهو مبلغ يساوي عادةً قيمة إيجار شهر واحد). حاول بداية التفاهم المباشر، ثم لجأ إلى أحد المعارف للتوسط من دون نتيجة.
ويقول إنه لم يفكّر باللجوء إلى القضاء، لأنه افترض أن أتعاب المحامي وحدها ستفوق قيمة المبلغ الذي يطالب به، إضافة إلى أن القضية قد تستغرق وقتاً طويلاً، تصبح خلاله قيمة المبلغ أقل أهمية في ظل التغيّر المستمر في سعر الليرة السورية.
وإلى جانب مشكلة التكاليف، يشير كعدي إلى مشكلة الروتين، قائلاً: “يعاني السلك القضائي من تشبّث مفرط بالروتين والإجراءات الطويلة التي تُقيّد عمل القاضي، حتى في القضايا التي يكون فيها الحق واضحاً وضوح الشمس”.
وبحسبه، تتحول الإجراءات الشكلية في كثير من الأحيان إلى سبب مباشر لضياع الحقوق بدلاً من حمايتها، ما يعمّق نفور الناس من المسار القضائي حيث تظهر البيانات التي نشرتها منظمة الشفافية الدولية في تقرير مؤشر مدركات الفساد لعام 2024 أن سوريا حصلت على 12 نقطة فقط من أصل 100 في تقييم الفساد (من 0 الأكثر فساداً إلى 100 الأقل)، ما يضعها ضمن أسوأ دول العالم على المؤشر.
أما بعد خلع الأسد، فإن هذا الإرث الذي تركه نظام الأسد الفاسد يتضمّن تحديات عميقة في استقلال القضاء وغياب ضمانات حماية الحقوق، ما يستوجب معالجة هذا التاريخ المؤسسي قبل أن يستعيد المجتمع ثقته في المسارات العدلية حسب رؤية الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الصادر العام الفائت.
فجوة التطبيق بين النص والواقع
ويشير كعدي كذلك إلى تدخل بعض السلطات في عمل القضاء، مقدّماً مثالاً عملياً: “في دعوى تثبيت شراء عقار، يُلزم القاضي بإحالة الدعوى إلى مديرية المالية لاستيفاء الضرائب قبل الفصل في النزاع، وكان الأجدر تحصيل الضريبة بعد ثبوت الحق وليس قبله، تجنباً لإطالة أمد النزاع”.
ويرى أن مثل هذه الإجراءات تجعل المواطن يشعر بأن طريق القضاء مليء بالعوائق، فيتجه إلى أي طريق آخر لحل نزاعه، حتى لو كان مكلفاً أو غير آمن.
ويضيف: “بهذه الطريقة يلجأ أفراد المجتمع لحل النزاع بأي طريق من دون القضاء، ولو كان مكلفاً وشاقاً ويحتوي على مخاطرة بتعرضهم للنصب والاحتيال”.
إلى جانب الوساطات الفردية، يلعب الشيوخ ورجال دين دوراً في بعض المناطق بوصفهم مرجعيات اجتماعية لحل الخلافات واحتواء التوترات. ففي مناطق مثل جرمانا بريف دمشق يرى سكان محليون أن الشيوخ لعبوا دوراً في تهدئة التوترات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال شهر نيسان الماضي، عبر الدعوة إلى ضبط النفس وفتح قنوات تواصل بين الأطراف، في محاولة لكبح التصعيد ومنع انزلاق الخلافات إلى مواجهات مفتوحة، ويؤكدون أن مثل هذه “الموانة” مهمة جداً لضبط الشباب الطائش في المدينة حتى في الخلافات الداخلية.
ويعكس ذلك اعتماداً على مرجعيات اجتماعية ودينية كجزء من منظومة وساطات غير رسمية تُستخدم لإدارة النزاعات والاحتقان خارج القضاء.
المنصات الرقمية كأداة لإدارة النزاع
هذا السلوك يظهر بوضوح أيضاً في الفضاء الرقمي. فمنذ خلع نظام الأسد، برزت منصات التواصل الاجتماعي كمساحة أساسية لعرض الشكاوى والنزاعات، سواء المتعلقة باعتقال أو سجن أفراد، أو بالاستيلاء على عقارات، أو بخلافات شخصية، أو حتى بالاحتجاج على قرارات تصدرها الحكومة.
وأصبح توجيه المناشدات العلنية، وتصوير مقاطع فيديو مطوّلة لشرح القضية، أحد المسارات الشائعة لمحاولة تحصيل الحقوق أو دفع الجهات المعنية إلى التدخل، خصوصاً في الحالات التي تحظى بتداول واسع.
خلال اليومين الماضيين، تداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة لسيدتين، صاحبتَي مركزَي تجميل في دمشق، تشتكيان من إغلاق مركزيهما بقرار إداري. وفي تسجيلات مطوّلة، وجّهت السيدتان مناشدات مباشرة عبر المنصات الرقمية مطالبَتَين بوصول شكواهما إلى رئيس الجمهورية، من دون الإشارة إلى تقديم دعوى قضائية أو سلوك مسار قانوني للطعن بالقرار.
ويلاحظ متابعون تضارباً في تقييم هذا المسار، إذ يعتبره البعض مؤشراً إيجابياً على أن الحكومة تستجيب أحياناً للانتقادات التي تنتشر على نطاق واسع عبر المنصات الرقمية، ولا سيما في الحالات التي يجري فيها تخفيف وطأة قرار أو التراجع عنه أو الاستجابة لمطالب أحد المواطنين بعد تحوّله إلى قضية رأي عام. في المقابل، يرى آخرون أن معالجة القضايا عبر الضغط الرقمي تعكس واقعاً تُدار فيه شؤون كثيرة وفق منطق “التريند” أكثر مما تُدار عبر القانون.
ويعكس هذا المثال تحوّل السوشيال ميديا إلى مسار أولي لإدارة النزاع والضغط من أجل معالجته، في مقابل غياب أو استبعاد المسار القضائي حتى في قضايا ذات طابع إداري واضح.
خبرة متراكمة في الحلول غير القانونية
إلى جانب ذلك، يقول صاحب محل تجاري صغير في حديث عن الضرائب والمخالفات التموينية: “النظام المخلوع كنا نعرف شو ديته، أما الحالي فلا نعرف”. (وتشير كلمة “الديّة” إلى الرشوة التي كان يتقاضاها أصحاب النفوذ من النظام المخلوع).
تعكس هذه العبارة خبرة متراكمة في التعامل مع مسارات غير قانونية لكنها متوقَّعة الكلفة، وتكشف أن إدارة النزاعات خارج القانون ليست سلوكاً مستجداً، إنما نمطاً اجتماعياً قديماً ما زال مستمراً بأشكال مختلفة.
جذور اجتماعية وتاريخية للسلوك
في هذا السياق، ترى الدكتورة سيليا أبو شقرا أن ما يظهر في قرارات الأفراد بعدم اللجوء إلى القضاء، أو التوجه مباشرة إلى وسطاء أو إلى المنصات الرقمية، لا يمكن فهمه كتصرفات فردية معزولة، بل كمؤشرات على نمط اجتماعي أوسع.
وتقول: “نلتزم في مجال العلوم الاجتماعية باعتماد مؤشرات تنبثق عن نتائج الدراسات العلمية للقول إنّ سلوكا ما أصبح ظاهرة اجتماعية عامة، وبسبب عدم توافر دراسات حديثة عن هذا الموضوع على حد علمي، فإنّنا سنطرح فرضيّتنا بناء على الملاحظة المباشرة، بأنّ السّوريّين يديرون نزاعاتهم في معظم الأحوال خارج الأطر القانونية والقضائية”.
توضح أبو شقرا في هذا السّياق أنّ فهم علاقة المجتمع السوري بالقانون اليوم يقتضي وضع النقاش ضمن إطارين رئيسيين: البنية الثقافية والاجتماعية التقليدية السائدة، والتجربة التاريخية لعلاقة المجتمع بمؤسسات الدولة.
فمن جهة، ما زال تأثير العشيرة، ولا سيما في الريف والبادية، تشكّل إحدى أهم آليات الضبط الاجتماعي وحل النزاعات، بوصفها مصدراً للحماية وشبكة تضامن ومرجعاً اجتماعياً وأخلاقياً.
ومن جهة أخرى، فإنّ الدولة السورية الحديثة لم تُبنَ على أساس عقد اجتماعي يضمن العدالة والمواطنة المتساوية، بل نشأ فيها نظام حكم هجين جمع بين مؤسسات شكلية وحكم استبدادي توريثي، جرى خلاله تسييس القضاء وتحويله إلى تابع للسلطة التنفيذية.
وتقول: “ضعف الثقة بالقضاء في سوريا ظاهرة بنيوية ناتجة عن تاريخ سياسي طويل يتّسم بضعف وترهّل مؤسّسات الدولة عموماً والمؤسّسات القانونية على وجه الخصوص، بسبب تغوّل سلطة سياسة القوّة والنّفوذ على سلطة القانون والقضاء، بالتوازي مع حضور قويّ للبنى التقليدية، في ظلّ تجارب متراكمة من غياب العدالة المؤسّساتيّة”.
وتضيف أبو شقرا أنّ هذا المسار التاريخي يفسّر لماذا لا يقود تغيّر السياقات السياسية وحده إلى تغيّر فوري في سلوك الناس، إذ تستمر الأنماط التي اعتادها المجتمع في إدارة نزاعاته حتى بوجود واقع مختلف شكلياً.
صورة سلبية عن القضاء السوري
هذا التراكم التاريخي يفسّر أيضاً الصورة الذهنية السلبية عن القضاء التي يشير إليها كعدي، قائلاً: “قبل سقوط النظام المخلوع ترسّخ في وعي شريحة واسعة من المجتمع اعتقاد مفاده أن القضاء غير قادر على استعادة الحقوق”.
ويضيف أن الحديث عن الرشوة كان شائعاً إلى درجة اعتبارها وكأنها جزء من منظومة القوانين السائدة، الأمر الذي عزّز توجه الناس نحو الوسطاء بدل المحاكم.
وفي المقابل، يلفت إلى تحسّن نسبي بعد التحرير، قائلاً: “بعد التحرير، شهدت المؤسسة القضائية خطوات إيجابية مهمة، من أبرزها رفع رواتب القضاة وموظفي السلك القضائي، الأمر الذي أسهم في الحد من ظاهرة الرشوة”.
لكن هذا التحسّن، وفق كعدي، لا يلغي الحاجة إلى إصلاحات إجرائية عميقة، ولا سيما في ملف التبليغ، الذي قد يجعل الدعوى “مضيعة للوقت دون جدوى حقيقية”.
تلفزيون سوريا



