من يملك الذكاء الاصطناعي العربي؟/ خالد وليد محمود

01 فبراير 2026
مثيرٌ للتأمل، وربما للتوقّف عند دلالاته الاستراتيجية الأبعد، أن يتحوّل الذكاء الاصطناعي في الخطاب العربي الرسمي من مفهومٍ تقنيٍّ نخبويّ إلى أولوية سياسية مُعلنة، تُدرج في صلب الخطط الحكومية وتُقدَّم بوصفها رهان المستقبل. فعند الوقوف على التقرير الذي نشرته صحيفة العربي الجديد (8/1/2026) حول أبرز المشاريع الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي، تتكشّف صورة لسباقٍ عربيٍّ متأخّر، لكنه متسارع، للحاق بعالم يعاد تشكيله على إيقاع الخوارزميات والبيانات. ففي وقت يغيّر الذكاء الاصطناعي حياة الناس في العالم على مستويات الاقتصاد والعمل والتعليم والإدارة، وتضخّ فيه الشركات العالمية مليارات الدولارات لتأكيد تفوقها، تسارع الدول (ومنها دول عربية) إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وصياغة استراتيجيات وطنية، على أمل اقتناص موقع في سباقٍ محموم تقوده القوى الكبرى. غير أن هذا الحضور المتنامي للذكاء الاصطناعي في الخطط الرسمية يثير أسئلة لا تقل أهمية عن الوعود التي يحملها: هل نحن أمام تحوّل استراتيجي حقيقي، أم أمام استجابة خطابية لضغط الزمن الدولي؟
يقدّم التقرير عرضاً بانوراميّاً لأبرز الاستراتيجيات الوطنية لبناء الذكاء الاصطناعي العربي خلال السنوات المقبلة، كاشفاً عن خريطة آخذة في التموضع والتشكّل تتباين فيها الرؤى، وتتفاوت مستويات الطموح والجاهزية، وتتقاطع عند حدودٍ غير محسومة بين التحديث التقني وبناء القدرة السيادية الفعلية. ومن خلال هذا العرض، يتيح التقرير تتبّع الاتجاهات العامة في التفكير الرسمي، وكيفية إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن مسارات التخطيط والتنمية، من دون أن يذهب إلى تحليل السياسات أو تقويمها، بقدر ما يضع بين أيدينا مادة دالّة لفهم حراك عربي يسعى إلى مواكبة نظام دولي باتت فيه البيانات والخوارزميات محددات مركزية للقوة الاقتصادية والإدارية.
يعكس التمعّن في هذه الخريطة (يبرز تنوّع واضح في المقاربات) اختلاف الأولويات والسياقات الوطنية. في قطر، تتّخذ مقاربة الذكاء الاصطناعي طابعاً تشغيليّاً واضحاً، يركّز على إدماج التقنيات الذكية في الخدمات الحكومية عبر شراكات مرنة مع شركات تكنولوجية محلية وعالمية، بما يتيح تحقيق نتائج عملية قابلة للقياس على المدى القريب. وفي مصر والمغرب والأردن، يتخذ الذكاء الاصطناعي مساراً إصلاحيّاً يهدف إلى تحديث المؤسّسات القائمة، مع تركيز على الجوانب الأخلاقية وجودة الحياة وتطوير البنية التحتية الرقمية. أمّا في السعودية والإمارات، فيأتي إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن أطرٍ رؤيوية بعيدة المدى، لا بوصفه أداة تقنية قطاعية، بل ركيزة لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد وأنماط الحكم والمجتمع. ففي الحالتين، يُوظَّف الذكاء الاصطناعي داخل مشاريع تحوّل كبرى، مدعومة باستثمارات ضخمة، وسعي حثيث إلى استقطاب الشركات العالمية، وبناء منظومات متقدمة تتجاوز منطق التجريب إلى منطق إعادة الهندسة الشاملة للدولة.
في سياق مختلف، تبرز الحالة الليبية، حيث يُدرج الذكاء الاصطناعي ضمن مسار إعادة البناء المؤسّسي، مع تركيز لافت على البعدين، البشري والتشريعي، بوصفهما شرطاً مسبقاً لأي تحول تكنولوجي مستدام. ورغم خصوصية هذا السياق، تذكّر هذه المقاربة بأن التكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، لا تُنتج أثراً فعليّاً من دون مؤسّسات قادرة على استيعابها وتنظيم استخدامها. غير أن هذا التنوّع الظاهري يخفي منطقاً مشتركاً يكاد يطغى على معظم الرؤى العربية، يتمثل في التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً في خدمة أغراض محددة سلفاً، مثل تحسين الخدمات، ورفع الكفاءة، وتنويع الاقتصاد، لا بوصفه مدخلاً لإعادة تعريف تلك الأغراض أو طرح أسئلة أعمق حول نماذج التنمية نفسها. يُبقي هذا المنطق الأداتي الذكاء الاصطناعي في إطار تحديث الأنظمة القائمة، بدل أن يكون مدخلاً إلى تحولات معرفية واقتصادية أوسع.
ثمة مفارقة مركزية تتجلى هنا في المشهد العربي، فبينما تتسارع وتيرة تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، يظل الاعتماد شبه كامل على المنصّات والخوارزميات والبنى التحتية التي تطوّرها مراكز الابتكار العالمية. وحتى الاستثمارات الضخمة التي تُعلنها بعض الدول، تتجه في معظمها نحو الاستثمار في شركات أجنبية أو استيراد حلول جاهزة، أكثر من توجيهها إلى بناء قدرات بحثية محلية مستقلة. وهو ما يطرح تساؤلاً جوهريّاً حول حدود هذه الاستراتيجيات، ومدى قدرتها على إنتاج معرفة محلية أو تمكين الدول العربية من التحكّم في الطبقات الأساسية للتكنولوجيا.
يتكشّف هذا التحدّي في مستواه الأعمق عند النظر إلى الذكاء الاصطناعي العربي بوصفه مسارات وطنية متجاورة أكثر منه مشروعاً إقليميّاً متكاملاً، فغياب رؤية عربية جامعة لا يقتصر أثره على تشتّت المبادرات، بل يعكس التباساً في مقاربة الذكاء الاصطناعي نفسه: أهو أداة لتحسين الأداء الإداري، أم ركيزة سيادية لإعادة إنتاج عناصر القوة في النظام الدولي المعاصر؟ تركيز كل دولة على مسارها الوطني، رغم وجاهته في السياق الداخلي، يحدّ من إمكان تشكّل كتلة حرجة قادرة على التأثير، ويُبقي التجربة العربية ضمن هامش التلقّي المتقدّم أكثر من موقع الفعل البنيوي. لماذا نقول هذا؟ لأنه في عالم تهيمن عليه منصات عابرة للحدود تحتكر البيانات وتراكم القيمة على نطاق كوني، يغدو غياب الأطر الإقليمية المشتركة (من البنى) الحاسوبية والخوارزمية الأساسية للذكاء الاصطناعي، إلى بنوك البيانات الآمنة، وصولاً إلى المرجعيات الأخلاقية والتشريعية مؤشّراً على فجوة استراتيجية بين طموحات التحديث ومتطلبات بناء القدرة السيادية طويلة الأمد.
شيئاً فشيئاً، يتقدّم الذكاء الاصطناعي في المشهد العربي من مساحة التفكير النظري إلى لغة التخطيط وصناعة المستقبل. وهذا التحوّل، في ذاته، علامة وعيٍ واستدراك، غير أن السؤال الأعمق لا يتعلّق بتعدّد الاستراتيجيات ولا باتساع الاستخدام، بل بقدرتنا على العبور من ضفّة التبنّي السريع إلى أفق البناء الواعي؛ من استهلاك ما يُنتَج لنا إلى المشاركة في صناعته، ومن إدارة الأدوات إلى امتلاك شروطها الأولى. فهنا، وحده الاستثمار في المعرفة والتعليم والبحث، وصياغة أفق عربي مشترك، قادر على تحويل الذكاء الاصطناعي من تقنية عابرة إلى قوة تُعيد تشكيل المسار.
خلاصة القول، ليس سباق الذكاء الاصطناعي الحقيقي سباق تطبيقاتٍ أو حلولٍ جاهزة، بل سباقٌ على امتلاك الأسس المعرفية والخوارزمية التي ستعيد رسم خرائط القوة والثروة في العقود المقبلة. ومن هذه الزاوية تحديداً، يُعاد طرح السؤال الجوهري: من يملك الذكاء الاصطناعي العربي؟ فالمسار العربي الراهن، على الرغم من زخمه وتوسّعه، لا يضمن، حتى اللحظة، موقعاً فاعلاً في هذا السباق المصيري، ما لم ينتقل من استهلاك التقدّم إلى الشراكة في صناعته، ومن توظيف الأدوات إلى التأثير في بنيتها العميقة وشروطها التأسيسية. وتكتسب هذه المفارقة دلالتها الأوضح عند وضعها في سياق الأرقام: إذ قدّرت أن الإنفاق العالمي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سيبلغ نحو أربعة تريليونات دولار بحلول عام 2030، فيما يُتوقّع أن يرتفع الإنفاق العربي على حلول الذكاء الاصطناعي من قرابة ثلاثة مليارات دولار عام 2024 إلى أكثر من 12 مليار دولار بحلول العام نفسه. غير أن السؤال الحاسم لا يتعلّق بحجم الإنفاق بقدر ما يتعلّق بطبيعته ومآلاته: هل سيُترجم هذا الاستثمار إلى قدرة معرفية وسيادية حقيقية، أم سيظلّ جزءاً من دورة استهلاك متقدّمة لتقنيات تُنتَج خارج المجال العربي؟ هنا، لا يعود السؤال عمّا إذا كنّا حاضرين في سباق الذكاء الاصطناعي واستخداماته، بل: من يملكه… ومن يرسم به مستقبل المنطقة؟
العربي الجديد



