سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

هل يجوز المزاح مع الثوار؟/ سلمان عز الدين

28 يناير 2026

اجتمعتُ به في مقهى الهافانا إثر عودته إلى دمشق بعد ثلاثة عشرة عامًا من المنفى قضاها في ألمانيا. كان قد فر من البلاد تاركًا وظيفته كمهندس كهربائي في إحدى مؤسسات الدولة، وذلك بعد أن حاصرته تقارير بعض زملائه، متهمة إياه بأنه معاد للنظام ومشبوه بالتورط في تمويل الإرهاب.

والأساس الوحيد لهذه التهمة، وجزاؤها سجن “صيدنايا” على أقل تقدير، هو أنه كرجل مستقيم ونزيه كان قد عبر عن رأيه المنتقد لجرائم النظام بحق المتظاهرين السلميين، رافضًا المشاركة في مسيرات التأييد، التي كانت أجهزة الأمن تجبر موظفي الدولة على الانخراط “العفوي” في صفوفها.

منذ دقائقنا الأولى في الهافانا، أدركت أن شيئًا ما تغير في صديقي. صار أقل عفوية وأقل تواضعًا، حركاته وابتساماته متصنعة وكلماته متكلفة، وبدا أشبه بمتحدث رسمي يلقي بيانًا في مؤتمر صحفي. وعندما أبديت مخاوف إزاء بعض الملفات المستقبلية، سرعان ما رسم ابتسامة ساخرة على شفتيه وقال: “لا تقلق، نحن مسيطرون على الوضع، وكل شيء محسوب حسابه”. حسمه وبروده لم يسمحا لي أن أسأله عن هذه الـ “نحن”، ولكني أدركت أنها إذ تضمه هو في دائرتها، فقد كنت أنا خارجها بالتأكيد.

في اللقاءات التالية، وفيما كنت أزداد تشككًا، كان صديقي يزداد ثقة، بنفسه وبالـ “نحن”، وهي ثقة ستتحول شيئًا فشيئًا إلى عنجهية من نوع ما. قال لي مرة إن الأمور تسير على خير ما يرام ولكن المشكلة الوحيدة هي في هؤلاء المثقفين المائعين الذين لا يكفون عن “النق” و”العلاك” بعبارات متفزلكة من طراز “الديمقراطية” و”المدنية” و”التعددية”. ثم وبعد أن ترقى في شبكة السلطة الجديدة وصار ذا شأن ما، سحب كلامه عن المثقفين إلى الشعب برمته، فهو شعب، وفضلًا عن كونه “نقاقًا”، لا يعرف مصلحته، بل ويتصرف عكسها، وذلك، بالطبع، على خلاف صديقي وصحبه الذين يعرفون هذه المصلحة جيدًا.

ومنذ نحو شهرين، كان الرجل “المهم” قد بلور نظرية في السياسة والإدارة، شرحها لي بكثير من نفاذ الصبر: “كفاكم حديثًا عن أهل الثقة وأهل الكفاءة، فنحن في مرحلة نحتاج فيها إلى الثقاة المخلصين لأننا في مخاض صعب وطريق محفوف بالمخاطر، والأعداء في كل مكان، ولا بد من تحصين أنفسنا وثورتنا بالمخلصين، أما الخبرة والكفاءة فتأتي بالتدريب والممارسة”. يا إلهي! أين مر علي هذا الحديث من قبل؟ أعرف أنه أسلوب البعث طيلة حكمه، ولكن لا، فقد سمعت هذا الكلام أو قرأته، وحرفيًا، في مكان ما. آه تذكرت: في رواية “زينب والعرش” للروائي والصحفي المصري فتحي غانم، وعلى لسان أحد أبطال الرواية، أحمد عبد السلام دياب، ضابط المخابرات الذي عينه نظام ثورة يوليو على رأس مؤسسة صحفية كبيرة. نهاية الرواية معروفة، وكذلك نهاية التجربة التي تتحدث عنها الرواية، ومعها التجربة البعثية، حيث لم تفض الممارسة إلى حصول المخلصين الموالين على أي خبرة أو كفاءة، بل إنها هشمت إخلاصهم وحولت ولاءهم إلى مجرد نفاق.

بسبب سياسة الإفقار الاقتصادي وشد الأحزمة، فثمة في بلادنا الكثير من السيارات المستعملة وأسواق الثياب المستعملة، وبسبب القحط السياسي نخشى أيضًا أننا نقف أمام الكثير من الأفكار المستعملة والأدوار المستعملة.. ولا جديد تحت الشمس، إذ نواظب على إعادة التجارب نفسها للحصول على النتائج نفسها، ومع ذلك هناك من يطلق صيحة أرخميدس بفخر: “وجدتها”.

وأستطيع التنبؤ بمصير صاحبي، بأي مناصب سوف يتدرج صعودًا، وبنظرياته القادمة، وتصريحاته في المقابلات الصحفية والتلفزيونية، بل وبطريقة جلوسه خلف مكتبه، ذلك أني سبق وشاهدت نسخة من هذا الشريط نفسه. وهو للأمانة شريط لا يخلو من مرح لولا أنه طويل بعض الشيء: نصف قرن.

منذ أسابيع، أنبني صديقي إياه على نكتة كتبتها تعليقًا على تصريح من مسؤول إداري، لافتًا نظري إلى أن المسؤول “كان ثائرًا فيما كنت أنت تشرب الشاي في بيتك”.

وما آلمني أكثر من أي شيء آخر هو أن الصديق نسي أنني من مدمني القهوة ولا أشرب الشاي.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى