هل ينجح “أبسكرولد” في كسر احتكار منصات التواصل؟

29 يناير 2026
في عالم رقمي تتحكّم به الخوارزميات وتتداخل فيه السياسة مع رأس المال، تتقلّص مساحات التعبير الحر يومًا بعد يوم.
فبين الحجب في منصة، والتقييد في أخرى، والإغلاق المفاجئ للحسابات، يجد المستخدمون أنفسهم أمام مشهد تتحوّل فيه حرية الرأي إلى استثناء، لا قاعدة، تحكمه اعتبارات سياسية وتجارية أكثر من كونه فضاءً مفتوحًا للتواصل.
في هذا السياق، تتزايد شكاوى المستخدمين من تغييب المحتوى المتعلّق بالحرب والإبادة في فلسطين على عدد من منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدّمتها “تيك توك”. ويؤكّد ناشطون أنّ المحتوى الفلسطيني بات محاصرًا، وأنّ الرواية الفلسطينية تواجه قيودًا متزايدة، سواء عبر حذف المقاطع أو تقليص انتشارها، ما عزّز الانطباع بأنّ فلسطين نفسها تُستبعد من المشهد الرقمي العالمي.
ومع دوران عجلة التكنولوجيا بلا توقّف، من “تروث سوشال” إلى “إكس” و”فيسبوك”، يعود سؤال أساسي إلى الواجهة: هل يمكن كسر احتكار المنصات الكبرى؟ وهل لا تزال هناك إمكانية لبناء بدائل مستقلة عن النفوذ السياسي والاقتصادي؟
تغييرات ملكية “تيك توك” تشعل الجدل
تتزامن هذه التساؤلات مع اضطرابات تشهدها منصة “تيك توك” في الولايات المتحدة، عقب الإعلان، الأسبوع الماضي، عن صفقة أعادت تشكيل ملكيتها. وجرى التوصل إلى اتفاق يُبقي التطبيق عاملًا داخل الولايات المتحدة عبر إنشاء مشروع مشترك تملك فيه مجموعة من المستثمرين غير الصينيين الحصة الأكبر.
وبحسب المعطيات المعلنة، تراجعت حصة شركة “بايت دانس” الصينية المالكة الأصلية لـ”تيك توك” إلى أقل من 20%، فيما يمتلك المستثمرون الثلاثة المديرون للمشروع الجديد، شركة “أوراكل”، وشركة الاستثمار الخاصة “سيلفر ليك”، وشركة “MGX” الاستثمارية ومقرها أبو ظبي، حصة تبلغ 15% لكل منهم.
غير أنّ هذه الخطوة، التي جاءت بدعوى معالجة مخاوف الأمن القومي الأميركي، لم تُهدّئ الجدل، بل فاقمته، خصوصًا مع تنامي القلق من تأثير الانتماءات السياسية للمستثمرين الجدد، وما إذا كانت المنصة ستخضع لتوجّهات سياسية داخلية، ولا سيما فيما يتعلّق بالمحتوى السياسي والحقوقي.
“أبسكرولد”.. البديل الذي صعد فجأة
في خضم هذه التطورات، برز اسم منصة “أبسكرولد” (UpScrolled) بوصفها أحد أبرز البدائل الصاعدة. فالمنصة الاجتماعية شهدت قفزة لافتة في عدد التنزيلات عقب الإعلان عن صفقة “تيك توك”، مع توجّه آلاف المستخدمين إلى تحميلها بحثًا عن مساحة أكثر حيادًا وحرية.
وبحسب بيانات شركة “آب فيغرز” المتخصصة في تحليل الأسواق الرقمية، سجّلت “أبسكرولد” نحو 41 ألف عملية تنزيل بين يوم الخميس، يوم إتمام صفقة “تيك توك”، ويوم السبت، وهو ما يمثّل قرابة ثلث إجمالي تنزيلات التطبيق منذ إطلاقه. كما ارتفع متوسط التنزيلات اليومية إلى نحو 14 ألف تنزيل منذ الخميس، بزيادة تُقدّر بـ2850% مقارنة بالمعدلات السابقة. وحتى الآن، جرى تنزيل التطبيق نحو 140 ألف مرة، بينها 75 ألف تنزيل داخل الولايات المتحدة وحدها.
ترتيب متقدّم وضغط على الخوادم
ووفق أحدث التصنيفات التي استعرضها موقع “تيك كرانش” المتخصص، يحتل تطبيق “أبسكرولد” المرتبة 12 بين جميع التطبيقات في متجر “آبل”، والمرتبة الثانية ضمن فئة تطبيقات التواصل الاجتماعي، متقدّمًا على عدد من المنصات الراسخة.
ومع هذا الإقبال المفاجئ، أعلنت الشركة أنّ خوادمها تعرّضت لضغط كبير. وكتبت المنصة في منشور على “إكس”: “هذا جديد علينا… لقد وصلتم بسرعة جعلت خوادمنا تتوقف. الأمر مُحبط؟ نعم. عاطفي؟ أيضًا نعم. نحن فريق صغير نحاول بناء ما توقّفت عنه شركات التكنولوجيا الكبرى. نعمل الآن على التوسّع بسرعة للحاق بما بدأتموه”.
ما هي “أبسكرولد”؟
تأسّست منصة “أبسكرولد” العام الماضي على يد التقني الفلسطيني-الأردني-الأسترالي عصام حجازي، وتهدف، بحسب موقعها الرسمي، إلى تمكين المستخدمين من “التعبير بحرية عن أفكارهم، ومشاركة لحظاتهم، والتواصل مع الآخرين”، بعيدًا عن الأجندات الخفية والخوارزميات الموجّهة.
وتجمع المنصة بين خصائص مألوفة من “إنستغرام” و”إكس”، حيث تتيح نشر الصور ومقاطع الفيديو والمحتوى النصي، إلى جانب اكتشاف المحتوى وإرسال الرسائل الخاصة. وهي متاحة على نظامي iOS وأندرويد.
وقال حجازي في بيان رسمي إنّ “أبسكرولد” تمثّل “أساسًا لنظام رقمي يُعيد السلطة إلى أيدي الناس، لا إلى الشركات”، مشددًا على أنّها ليست مجرد بديل عن “ميتا” أو “إكس” أو “تيك توك”، بل إعادة تخيّل شاملة لمعنى وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها فضاءً يقوم على الشفافية والمساءلة والتحكّم الحقيقي للمستخدمين.
صراع على الرواية
ما يحدث يتجاوز كونه منافسة تقنية بين تطبيقات، ليصل إلى صراع أعمق على الرواية ومن يملك المنصات، ومن يحدّد حدود النقاش العام. ففي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي ساحة سياسية وإعلامية مؤثرة، لم يعد السؤال عن التطبيق الأكثر تطورًا تقنيًا فقط، بل عن المنصة التي تملك الجرأة على ترك الصوت للناس، لا للخوارزميات.
وفي هذا المشهد المتحوّل، تبدو “أبسكرولد” تجربة ناشئة تختبر إمكانية كسر احتكار المنصات الكبرى، في وقت يتزايد فيه وعي المستخدمين بأنّ المعركة الرقمية باتت، في جوهرها، معركة على حرية السرد والتعبير.



