الانسحاب الأميركي من سوريا.. ترجيحات بصيف ساخن في 2026/ علي إسماعيل

فبراير 5, 2026
إن سوريا، البلد الذي شهد على مدى أكثر من عقد من الزمن صراعاً معقداً متعدد الأطراف جلبه النظام المخلوع بعد حربه على الشعب إثر الثورة السورية، يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة قد تكون حاسمة في مسار استعادة الاستقرار والسيادة الكاملة على أراضيه.
منذ بداية التدخل العسكري الدولي في عام 2014، أصبح الوجود الأجنبي – وبخاصة العسكري الأميركي – جزءاً لا يتجزأ من المعادلة السورية، حيث ركّز على مكافحة الإرهاب ودعم بعض الفصائل المحلية في مواجهة تنظيم “داعش”. غير أن التطورات السياسية والميدانية المتسارعة في الآونة الأخيرة أعادت فتح النقاش حول جدوى هذا التواجد، ومدى قدرته على مواكبة الواقع الجديد الذي تشكّل بعد التغييرات الكبرى في البلاد.
في سياق إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية، ومع تبلور شراكات محلية جديدة لمواجهة التهديدات الإرهابية، تبرز إشارات متزايدة إلى احتمال تحول جذري في الدور العسكري الأميركي، قد يصل إلى مغادرة شاملة للأراضي السورية خلال الفترة المقبلة. هذا التحول، إن تحقق، سيحمل تداعيات عميقة على التوازنات الإقليمية، وعلى مستقبل مكافحة الإرهاب، وعلى مسار توحيد البلاد وإعادة بنائها.
في هذا الصدد، كشفت مصادر أميركية مطلعة لصحيفة “الثورة السورية” أن سوريا ستشهد انسحابا عسكريا أميركيا كاملا من كل القواعد التي أنشأتها الولايات المتحدة منذ عام 2014، في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” الإرهابي.
وقال مسؤول في الإدارة الأميركية، إن واشنطن تعتزم تنفيذ الانسحاب الكامل من سوريا ضمن مهلة زمنية حددتها بمنتصف عام 2026، وأشار إلى أن واشنطن تنظر إلى الحكومة السورية الجديدة باعتبارها الشريك الرئيسي في مكافحة تنظيم داعش.
وفيما تحدثت مصادر إعلامية عن انسحاب رتل أميركي من قاعدة “التنف” العسكرية باتجاه الأردن، أشارت مصادر أخرى إلى أن هناك أنباء عن تحضيرات أميركية لمغادرة القاعدة العسكرية في التنف بشكل كامل.
وفي كانون الثاني من العام الماضي، كشفت “هيئة البث الإسرائيلية” الرسمية عن أن مسؤولين بارزين في البيت الأبيض نقلوا رسالة إلى نظرائهم الإسرائيليين تفيد برغبة الرئيس دونالد ترامب في سحب آلاف القوات الأميركية من سوريا، موضحة أن انسحاب القوات الأميركية من سوريا سيثير قلقا بالغا في تل أبيب.
وكان التدخل العسكري الأميركي في سوريا قد بدأ عام 2014 بقرار من الرئيس الأسبق باراك أوباما، في إطار الحرب على تنظيم “داعش” الإرهابي، لكن الأحداث الأخيرة وانضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد “داعش” أعادا طرح تساؤل قديم متجدد حول جدوى وجود القوات الأميركية في سوريا.
ونقلت صحيفة “وول ستريت جورنال”، في 22 كانون الثاني الماضي، عن مسؤولين أميركيين قولهم إن واشنطن تدرس سحب جميع قواتها من سوريا، وذلك عقب الانهيار شبه الكامل لقوات “قسد” التي كانت تحظى بدعم أميركا في شمال شرقي البلاد.
وأوضح المسؤولون أن هذه الخطوة تأتي بعد تحركات الجيش السوري للسيطرة على مناطق استراتيجية في شمال شرقي سوريا، حيث شن هجوما سريعا أجبر تنظيم “قسد” على الانسحاب من المواقع التي سيطر عليها عقب سقوط النظام المخلوع في 8 كانون الأول، إضافة إلى انسحابه من مواقع حيوية ومساحات واسعة من شرق الفرات.
سياق الوجود العسكري الأميركي في سوريا
تتمركز القوات الأميركية داخل سوريا في 17 قاعدة و13 نقطة عسكرية، معظمها شمالي شرقي البلاد، وتم تحديد عدة قواعد لتكون بمثابة مراكز ثقل رئيسية للقوات، وهي قاعدة التنف جنوب شرق حمص، وقاعدة رميلان في الحسكة وتستخدم كمهبط للطائرات العسكرية، وقاعدتا كوباني وتل أبيض في ريف حلب الشمالي على الحدود مع تركيا، إضافة إلى حقول العمر وكونيكو في دير الزور، لحماية حقول النفط والغاز.
وحظيت قاعدة التنف، التي تمتد على مساحة 55 كيلومترا، باهتمام أميركي غير مسبوق خلال الأعوام الماضية، وتجلّى هذا الاهتمام من خلال إدراجها ضمن زيارات مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية في إطار جولاتهم في المنطقة.
وتقع قاعدة التنف العسكرية على بعد 24 كيلومترا غرب معبر “التنف – الوليد” عند تقاطع الحدود السورية مع الأردن والعراق، وتشرف على طريق دمشق – بغداد الدولي، وتبعد عن مدينة تدمر نحو 240 كيلومترا. واستخدمتها الولايات المتحدة أول مرة عام 1991 خلال الحرب الأميركية ضد العراق إثر غزو الكويت، وذلك عندما انضمت سوريا إلى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة في مواجهة صدام حسين، كما أعادت استخدامها مرة أخرى مع التدخل الأميركي في سوريا عام 2014.
وبدأت علاقة الولايات المتحدة مع تنظيم “قسد” عام 2014 حين دعمته واشنطن عسكريا في مواجهة “داعش”، وقدمت له تدريبا وتمويلا وأدوات استخباراتية ليصبح شريكا لها شمالي وشرقي سوريا، ما أتاح لـ”قسد” السيطرة على مساحات واسعة من البلاد.
أما الوجود العسكري الأميركي الرسمي في سوريا فقد بدأ في تشرين الأول عام 2015، عندما نشرت الولايات المتحدة أول دفعة من القوات الخاصة بنحو 50 جنديا بدور استشاري غير قتالي، ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، حيث استند التدخل إلى تفويضات استخدام القوة العسكرية لعامي 2001 و2002 التي سمحت بمحاربة “تنظيمات إرهابية”.
وفي كانون الأول 2018، وخلال الفترة الرئاسية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعلن حينها رغبته في سحب نحو 2000 جندي أميركي من سوريا، في خطوة أدت آنذاك إلى استقالة وزير الدفاع جيم ماتيس، غير أن القرار خفف لاحقا، وأبقي على قوة محدودة داخل البلاد.
وتنشر الولايات المتحدة حاليا ما يقارب 1000 جندي في سوريا، يتركز معظمهم في منشآت شمال شرقي البلاد، بينما تتمركز قوة محدودة في قاعدة التنف جنوبا.
وفي 20 كانون الثاني الماضي قال المبعوث الأميركي لسوريا توم برّاك إن الغرض الأصلي لـ”قسد” كقوة رئيسية لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية انتهى على الأرض، مشيرا إلى أن دمشق أصبحت مؤهلة لتولي مسؤولية الأمن، بما في ذلك السيطرة على مراكز احتجاز تنظيم داعش.
وأكد أن الولايات المتحدة لا ترغب في وجود عسكري طويل الأمد في سوريا، معتبرا أن هذه اللحظة تتيح مسارا نحو الاندماج الكامل في دولة سورية موحدة مع ضمان حقوق المواطنة.
والجدير ذكره أن القوات الأميركية في سوريا تعمل ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، الذي تشكل عام 2014، وانضمت إليه سوريا في 12 تشرين الثاني 2025.
لماذا تدرس واشنطن انسحابا عسكريا كاملا من سوريا؟
عندما أعلنت الحكومة العراقية في 18 كانون الثاني 2026 أن القوات الأميركية أتمت انسحابها بشكل كامل من المنشآت العسكرية داخل الأراضي العراقية، باستثناء إقليم كردستان، بدأت أسئلة المحللين السياسيين والإعلاميين تحضر بقوة حول السياسات الأميركية الجديدة في المنطقة، وأبرزها: ماذا عن الوجود العسكري الأميركي في سوريا؟
وفي هذا السياق قال الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، أحمد حمادة، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: إن “الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتجه إلى سحب القوات الأميركية من سوريا، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تمكين الدولة السورية من بسط سيطرتها على كامل الأراضي، وأن تكون قادرة على تنفيذ المهام الأمنية ومحاربة تنظيم داعش”.
وأضاف أن “ما شهدناه شرق الفرات من إعادة انتشار للقوات الأميركية، وسحب جزء منها باتجاه العراق تمهيدا للانسحاب الكامل، إلى جانب نقل أعداد كبيرة من سجناء تنظيم داعش، يؤكد توجه واشنطن لإتاحة المجال أمام الدولة السورية للتفرغ لمحاربة التنظيم، خاصة أن الحكومة السورية اليوم شريك استراتيجي موثوق لدى الولايات المتحدة وضمن التحالف الدولي لمحاربة داعش”.
وأوضح الخبير العسكري حمادة أن “هذه الخطوات تعكس مستوى من الثقة والتنسيق في مكافحة الإرهاب بين دمشق وواشنطن، وهو ما دفع واشنطن للضغط على قوات “قسد” للاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية العسكرية والأمنية، باعتبارها شريكا تكتيكيا فرضته الظروف”. وأشار إلى أن “هذا التوجه قد ينسحب أيضا على قاعدة التنف، لا سيما أن ترامب كان قد قرر خلال ولايته الأولى سحب القوات الأميركية، إلا أن بقاءها جاء حينها بتوصية من البنتاغون وأجهزة الاستخبارات”، معتبرا أن الدولة السورية اليوم قادرة على تنفيذ هذه المهام وسحق تنظيم “داعش”.
وختم بالقول إن “الحديث عن تقليص الوجود الأميركي، بما في ذلك التنف، يندرج ضمن سياسة أميركية أوسع لتخفيض القوات في المنطقة، خاصة في ظل احتمالات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران وما يرافقه من تهديدات باستهداف القواعد الأميركية”.
وفي حزيران من العام الماضي نقلت شبكة “فوكس نيوز” عن مسؤولين أميركيين أن الولايات المتحدة سرعت تحركاتها العسكرية في سوريا وفق خطة إعادة انتشار تهدف إلى تقليص الوجود العسكري في بعض القواعد، وحصره بشكل رئيسي في المناطق النفطية، ونتج عن هذه التحركات إغلاق قاعدتي إسناد وتسليم ثالثة لقوات “قسد” حينها.
وأوضح المسؤولون الأميركيون أن القاعدتين تشملان موقع دعم المهام “القرية الخضراء” الذي جرى إغلاقه، وموقع دعم المهام “الفرات” الذي جرى تسليمه لـ”قسد”، بالإضافة إلى موقع ثالث أخلته بالكامل.
وكان هاينو كلينك، نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق، قال في تصريحات للجزيرة نت العام الماضي عقب قرار ترامب تخفيض الوجود الأميركي في سوريا إن قرار الولايات المتحدة مؤشر على حقبة جديدة بين واشنطن ودمشق، مشيرا إلى اجتماع ترامب والشرع في الرياض حينها، ما أوجد مستوى ثقة أعلى بين إدارتيهما بحسب تعبيره.
ووفق كلينك فإن إدارة ترامب تعيد تقييم علاقاتها مع الشرق الأوسط، وتفضل العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية على نظيرتها العسكرية، مشيرا إلى أن واشنطن تثق بأن لديها شركاء في دمشق للتعاون لمواجهة أي تهديد محتمل، مضيفا أن إدارة ترامب تعلمت الدرس من “الانسحاب الكارثي من أفغانستان” الذي تم في عهد إدارة بايدن وأنهى أي وجود أميركي هناك.
وأشارت أوساط سياسية أخرى إلى أن سياسة ترامب تأتي في سياق خفض الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط وأوروبا للتركيز على أولويات أخرى في منطقة المحيطين الهادئ والهندي.
وفي أيار من العام الماضي أعلنت وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” أنها بدأت توحيد تمركز قواتها في سوريا ضمن قيادة القوة المشتركة لعملية “العزم الصلب”، وقالت إن هذه الخطوة ستؤدي إلى تقليص الوجود العسكري الأميركي في سوريا إلى أقل من ألف جندي. وقبيل الإعلان، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز حينها أن البنتاغون يستعد لإغلاق 3 من أصل 8 قواعد شمال شرقي سوريا، مشيرة إلى أن هذه الخطة ستؤدي إلى خفض عدد الجنود الأميركيين هناك.
الثورة السورية



