امتحان الشرع الداخلي/ شعبان عبود

11 فبراير 2026
رغم الزخم السياسي والدبلوماسي الذي رافق وصول الرئيس أحمد الشرع إلى سدة الحكم، ورغم النجاحات الواضحة التي حققها على صعيد إعادة فتح قنوات التواصل مع دول عربية وإقليمية، ومع قوى كبرى، كالولايات المتحدة وروسيا وغيرهما، فإن هذا الرصيد الخارجي المتراكم يبدو اليوم مهدداً من الداخل. فثمّة “ثالوث” معيشي شديد الخطورة بات يضغط بقوة على المزاج الشعبي، وقد يتحول، إذا ما استمر من دون معالجة، إلى عامل تآكل حقيقي لشعبية الرئيس والسلطة الجديدة، هذا الثالوث هو: الفقر، البطالة، وارتفاع أسعار فواتير الكهرباء.
لا يمكن إنكار أن الشرع نجح في فترة قصيرة في إعادة الاعتبار لموقع سورية السياسي، بعد سنوات من العزلة والقطيعة. عادت دمشق إلى طاولة النقاش الإقليمي، وبدأ الحديث عن شراكات اقتصادية واستثمارات محتملة، وتخفيف قيود، ومسارات انفتاح تدريجي. هذه الاختراقات منحت شريحة واسعة من السوريين شعوراً باستعادة الدولة لجزء من حضورها وهيبتها، وأعادت الأمل بإمكانية خروج البلاد من النفق الطويل. غير أن السياسة الخارجية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لإقناع مواطن أنه يعيش تحسناً فعلياً في حياته اليومية أو يشعر بالأمان الاقتصادي داخل منزله.
على المستوى الداخلي، تبدو الصورة أكثر قتامة. الفقر لم يعد حالة استثنائية، بل تحوّل إلى واقع عام يطاول شرائح واسعة من السوريين، بمن فيهم موظفون وأصحاب مهن كانوا حتى وقت قريب ضمن الطبقة المتوسطة. البطالة، من جهتها، تتوسع في ظل ركود اقتصادي واضح، وضعف الاستثمارات، وغياب مشاريع إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل حقيقية، خصوصاً للشباب والخريجين الجدد. أما الصدمة الكبرى، فهي فواتير الكهرباء التي تحولت إلى كابوس شهري، إذ بلغت قيمة بعض الفواتير أرقاماً تفوق الراتب الشهري الكامل لموظف في القطاع العام، ما يطرح سؤالاً بديهياً: كيف يمكن لمواطن أن يدفع جلّ راتبه لفاتورة كهرباء فقط فيما هذه “الكهرباء” لا يراها إلا ساعات قليلة في اليوم؟
صحيح أن الحكومة الحالية ورثت بلداً منهكاً، وبنية تحتية مدمرة، واقتصاداً مشلولاً بفعل سنوات الحرب الطويلة، إضافة إلى إرث ثقيل من الفساد وسوء الإدارة في عهد النظام السابق. ومن غير المنصف تحميلها كامل المسؤولية عما وصل إليه السوريون من ضيق معيشي. لكن الصحيح أيضاً أن هذه الحكومة، بما تمتلكه اليوم من شرعية سياسية وزخم خارجي ودعم نسبي، مطالبة أكثر من أي وقت مضى، وأكثر من أي شيء آخر، بالتعامل الجدّي والعاجل مع القضايا التي تمس حياة الناس مباشرة.
تجاهل خطورة ارتفاع أسعار الكهرباء، أو الاكتفاء بتبريرات تقنية ومالية، قد يبدد سريعاً أي إنجاز سياسي. فالكهرباء لم تعد مجرد خدمة، بل قد تكون معياراً للعدالة الاجتماعية، ومؤشراً على قدرة الدولة على حماية مواطنيها ومنع انزلاقهم نحو العوز، وحصول المواطن على واحد من حقوقه الأساسية. كذلك فإن استمرار البطالة واتساع رقعة الفقر يهددان بإنتاج حالة من الإحباط العام، قد تتحول إلى نقمة صامتة، لا تُجدي معها لغة الخطاب السياسي ولا الوعود المؤجلة.
التحدي الحقيقي أمام الرئيس الشرع اليوم لا يكمن في عدد اللقاءات الدولية التي يعقدها، بل في قدرته على إيجاد توازن حقيقي بين النجاح الخارجي والاستجابة الداخلية. فبدون خطوات ملموسة لتخفيف العبء المعيشي والحدّ من نسب الفقر والبطالة، وفتح أفق العمل أمام السوريين، سيبقى “الثالوث” المعيشي الأخطر قادراً على تقويض أي رصيد شعبي، مهما كان حجمه، ومهما بدت الإنجازات السياسية لافتة في عيون الخارج.
العربي الجديد



