سورية… احتجاجات اجتماعية وهامشية المعارضة السياسية/ عمار ديوب

08 فبراير 2026
شكّل الجمود في انطلاقة النهوض الاقتصادي وإيجاد فرص عمل لأكثرية السوريين خذلاناً إزاء الآمال الكبيرة مع بداية العهد الجديد والخلاص من سلطة بشار الأسد. ظهر تذمّر مجتمعي واسع في كل المدن السورية من جرّاء رفع تسعيرة الكهرباء (600 ضعف) في وقت فيه أكثر من 90% من السوريين عند خط الفقر، وبطالة عالية بين صفوف الشباب وأجور متدنية، رغم رفعها خلال 2025، بالمقارنة مع أسعار الاحتياجات الأساسية، كالخبز والغاز المنزلي والاتصالات وأخيراً الكهرباء ومع ارتفاع الأسعار بعامة.
لم تتوقف احتجاجات المعلمين في أرياف حلب وإدلب وحماه، في البلدات التي كانت خارج سلطة بشّار الأسد! بسبب انخفاض الأجور، ولتثبيتهم بعقود دائمة في الدولة، بين 90 و140 دولاراً، بينما الحد الأدنى للأجور يجب أن يكون 650 دولاراً. برزت احتجاجات جديدة للمعلمين في مدن الساحل، بين العلويين خصوصاً، وتتعلق بالاستغناء عنهم أو دفعهم إلى الاستقالة عبر تعيينهم في أماكن بعيدة عن مدنهم، وتكرّرت وقفاتهم الاحتجاجية؛ وكذلك لم تتوقف احتجاجات المطرودين من العمل في كل المدن السورية، وجديدهم أخيراً الموظفون في مديرية البحوث الزراعية في القنيطرة.
هذه الاحتجاجات تعبير عن تمسّك الناس بحقوقهم في العمل، وهي رفض سياسات السلطة الاقتصادية، المُحرِّرة للسوق من دون ضوابط، كتأمين فرص عمل بديلة أو أجور شحيحة ريثما يستطيع الأفراد تدبر أعمال أخرى، والأسوأ أن هذا التحرير يجري في شروط اقتصادية واجتماعية في غاية الانهيار، هي شروط خلقها بشار الأسد منذ 2011، والدمار في المدن، وارتفاع نسبة المستأجرين لأكثر من 50% من السوريين، والاقتصاد المدمّر وتوقف دورة الحياة الاقتصادية، وتأخّر استجلاب الاستثمارات أو وضع خطة وطنية لإشراك أغلبية السوريين في النهوض بالاقتصاد “زراعة، وصناعة خاصة”.
بدا التذمر الواسع من تسعيرة الكهرباء مؤشراً دقيقاً على بداية تراجع الثقة بالسلطة الجديدة، وزاد الأمر سوءاً إعلام السلطة، الذي ركز وجهته نحو العقوبات بوصفها سبباً للأوضاع الكارثية فرُفعت، ونحو الثروات التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فاستُعيدت. وبالتالي؛ وجدت الأكثرية أنّه لا مبرّرات أبداً في رفع التسعيرة تلك، ولكن التذمّر اقتصر على وزير الطاقة بصورة أساسية. تفسير ذلك متعدّد الأسباب، وهناك “برغماتية” لدى الشعب في إنذارٍ كهذا للسلطة وعبر نقد وزير الطاقة و”إسقاطه”.
لم تترافق الاحتجاجات المطلبية أعلاه مع احتجاجات على المسار السياسي للسلطة، وهيمنة شخصيات قادمة من هيئة تحرير الشام على السلطة أو مسك الرئيس ملفات حساسة في إدارة شؤون السلطة والاقتصاد السوري. غاب هذا النوع من الاحتجاجات، وهو تعبير مكثف عن هامشية السياسة لدى أغلبية السوريين، واكتفائهم بما يُحسن حياة الأفراد بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي، وشيء من القلق تجاه مستقبل السلطة ذاته.
طبيعة المرحلة الانتقالية في سورية كطبيعة مفتوحة على خيارات متعدّدة، وفي المجالات كافة، هو سياق معيق لتشكل السياسة الثابتة، المحدّدة بمشاريع سياسية مختلفة، وبالتالي؛ هناك عدم استقرار في سياسات السلطة يؤدي إلى عدم تبلور معارضة سياسية ببرامج ثابتة.
تستفيد السلطة كثيراً من الحالة السائلة للانتقال السياسي، ومن الحالة الهامشية للقوى المعارضة، وتُعزّز من هيمنتها على السلطة والدولة معاً، وتستفيد كذلك من اقتصار الاحتجاجات على الجانبين، الاقتصادي والاجتماعي. ستواجه السلطة مشكلاتٍ كبرى في استمرارها في السياسات الاقتصادية والاجتماعية نفسها، إذ تتضرّر منها الأغلبية السورية، وكذلك في توهمها أنّ الشعب سيظلُّ في أغلبيته إلى جانبها. يشكل رفض السلطة لتشكيل نقابات مستقلة، وتعيين مجالس النقابات في عموم سورية خطأً استراتيجياً في احتواء الاحتجاجات، إذ تشكّل النقابات المستقلة والدفاع عن مصالح الناس شكلاً مدنياً ومنضبطاً، بينما الاحتجاجات الشعبية قد تأخذ أشكال انفجارية “لم تحدث حتى الآن” تُخلخل الاستقرار الهش أصلاً. تتوهم السلطة أن الناس لن يطوّروا احتجاجاتهم، وكذلك في أنها لن تُستغل من قوى داخلية أو حتى خارجية كذلك، ومن قوى سلفية أو حتى جهادية. هنا نشير إلى أنّ وجود النقابات أو الاتحادات المستقلة أو حرية الأحزاب السياسية سيشكل دافعاً كبيراً لبروز هوية وطنية، ووعي وطني، وسياسات وطنية، والأمر نفسه سيشمل الاحتجاجات بمختلف أشكالها.
تستفيد السلطة من أوضاع المعارضة، التي تُركز أكثر على المسار السياسي للسلطة، بينما تُهمش التركيز على الأسباب الاجتماعية للاحتجاجات أو على أوضاع الأكثرية المُفقرة، 90% من السوريين، وهو ما سيشكل لها أرضية صلبة في مواجهة سياسات السلطة. هل هذا سيستمر؟ ربما، ولكن الخطر يكمن في تأزّم مشكلات سورية الاقتصادية والاجتماعية، وفي رغبة السلطة في الاستمرار في الاستئثار بكل السلطات، وقد برزت أخيراً انتقادات واسعة على خلفية عدم الاستعانة بالدبلوماسيين المنشقين، وتعيين دبلوماسيين غير مختصين في الشؤون الدولية في دول كبرى عدّة، والأمر نفسه يخص أغلبية التعيينات في إدارات الدولة، وأيضاً بدأ الأمر يثير انتقادات واسعة ولا سيّما من جمهور الثورة في 2011، الذين يشعرون بالاستبعاد والتهميش.
استفادت السلطة من شكل المواجهات في الساحل والسويداء ومع “قسد”، فقد بدت مدافعة عن الثورة والطائفة السنية، ولكن تلك الاستفادة، مع إخماد الوضع في الساحل، أو الاتفاق مع “قسد”، وربما يحدُث اتفاق ما مع السويداء، ستبدأ بالتراجع وستضعف “السنيّة السياسية”، وستتعزّز قضية الحقوق العامة من جديد؛ ليست الاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل وكذلك ضرورة المشاركة السياسية، والإقرار بحقوق كل الجماعات السورية بتلك المشاركة.
ارتفع مؤشّر الطائفية كثيراً ولدى كل الجماعات السورية. رغم هذا الارتفاع فقد شكلت الأوضاع الاقتصادية الكارثية سبباً للاحتجاجات، التي تتطلب حلاً، ومشاريع اقتصادية لإخمادها، ومن دون ذلك، لن يتراجع هذا المؤشّر، سيّما إن استطاع الرئيس الشرع فرض سيطرته على الشرق والجنوب كذلك، وهذه مفارقة. فهل تغيّر السلطة سياساتها وتتجه إلى إشراك الشعب، واعتماد الشفافية معه في كل سياساتها؟ هذا هو الطريق الوحيد لتعزيز سيطرتها، ورفع ثقل الضغوط الإقليمية والدولية عنها ومواجهة الخطر الصهيوني خصوصاً، ومن دون ذلك ستتزايد الأثقال عليها، وقد تتضرّر منها سورية بأكملها وليس السلطة فحسب.
العربي الجديد



