ما السؤال اليوم؟/ محمد أبو رمان

08 فبراير 2026
في معرض نقاشه العميق مع نخب سياسية أردنية، في عمّان (على هامش فعاليات عديدة مع معهد السياسة والمجتمع ومنتدى الحموري الثقافي)، يعترف المفكر السياسي برهان غليون بأن حلم الديمقراطية لا يزال بعيد المنال في سورية، وليس منطقيّاً ولا واقعيّاً أن نتوقع تحقيقه خلال فترة قصيرة، إذ هناك تحدّيات كبيرة وهائلة أمام الحكم الجديد قبل الاهتمام بالانتخابات، مثل التوحيد الجغرافي – السياسي للبلاد، وإعادة بناء البنية التحتية، وتحريك عجلة الاقتصاد لمواجهة الفقر الكبير، وإعادة الإعمار، وتهيئة البيئة المناسبة لعودة اللاجئين والمهجّرين السوريين، وهم بالملايين.
حسناً، إذن، لماذا قامت الثورة السورية ودفع الملايين هذه الأثمان الباهظة إنسانيّاً؟ وهل النتيجة المقبولة استبدال نظام سلطوي – استبدادي بنظام آخر؟ ونخبة سياسية بعثية بأخرى أصولية – إسلامية؟… يبدو الجواب لدى غليون هنا أكثر تعقيداً؛ إذ يشبّه السوريين اليوم بمن أفاق بعد حالة من الموت المجازي عقوداً طويلة، ليجد نفسه أمام دولة لا تملك إلا هياكل؛ مفلسة ماليّاً، ومدمّرة داخليّاً، وقد تكون فقط بعض الأحياء في دمشق ومدن أخرى قد سلمت من التدمير الكبير، بينما كثير من البيوت مهدّم، والناس مهجّرون، والخدمات بالكاد تتوافر بصورة جزئية ومؤقتة. كذلك فإن الدولة كانت في حالة من العزلة الدولية وتحت طائلة عقوباتٍ لا يزال بعضها قائمًاً، ولا تزال هناك أجندة إقليمية (إسرائيل) تتقاطع مع بعض الأجندات المحلية، تعمل على عرقلة المرحلة السياسية الجديدة.
في المحصلة، وفي مثل هذه الحالة، الأولوية اليوم لإعادة بناء الدولة والاقتصاد والبنية التحتية والهوية الوطنية، وإيجاد الأساس والبناء السياسي – القانوني الذي يمثّل الإطار القادر على استيعاب الديناميكيات الديمقراطية. وهذا لا يعني (والكلام لغليون) القبول بالضرورة أو تسويغ الاستبداد، أو عدم توجيه النقد للحكومة والنظام السياسي الجديد؛ بل على النقيض من ذلك، يطالب القوى المدنية والسياسية والنقابات بألا تترك المجال العام، وأن تعمل بصورة كبيرة على تعزيز نوع من التوازن بين المجتمع والسلطة، كي لا تتغوّل السلطة الجديدة على الجميع. لذلك يميز غليون بين بناء الدولة (بكونها إطاراً دستورياً ومؤسّساتياً وقانونياً) من جهة، وبناء الأمة من جهة أخرى. وثمّة فرق بين المسارين في المتطلبات والقوى والشروط والديناميكيات؛ فالأول مهمّة السلطة السياسية والحكومة والأحزاب والأجهزة التنفيذية، بينما الثاني مهمّة المجتمع المدني والقوى المشكلة له من أحزاب ونقابات ومثقفين ومفكرين وجمعيات وأندية، إلخ.
يبدو كلام غليون دقيقاً، ويصعب الاختلاف معه في تأطير المشهد السوري الحالي. ولا ننسى أن من يتحدّث بهذه اللغة ليس إسلاميّاً متواطئاً من الزاوية الأيديولوجية مع النظام الحالي، ولا هو من مؤيدي الاستبداد والسلطوية، كمثقفين كثيرين عملوا مع النظام السابق، بل هو صاحب كتابي “بيان من أجل الديمقراطية” و”اغتيال العقل” وغيرهما من كتب عديدة تتضمن نقداً اجتماعيّاً وثقافيّاً وسياسيّاً، ومحاولة لترسيم الطريق نحو الوصول إلى الديمقراطية في العالم العربي. لكنه، في الوقت نفسه، يعيد التشديد على أن الديمقراطية عملية تاريخية وليست لحظة معينة، وليست كذلك قراراً من هذا الحاكم أو ذاك، فضلاً عن أنّ تجارب كثيرة ومتنوعة مرّت بها المجتمعات في إطار عملية الانتقال الديمقراطي، وكذلك هناك نظريات عديدة تفسّر لماذا تصبح بعض الدول ديمقراطية وأخرى تفشل في ذلك. بهذا المعنى، لا نستطيع أن نقفز عن الشروط المجتمعية والتاريخية والسياسية التي تحكم السياقات الخاصة بكل دولة أو مجتمع.
ما يعنينا هنا أن المثقفين والمفكرين والسياسيين الإصلاحيين العرب هم اليوم أمام مهمّة تاريخية كبيرة في التفكير في الحالة العربية الراهنة. وما ينطبق على سورية قد ينطبق على دول ومجتمعات عربية كثيرة. لنحاول أن نحدّد ما هي الأسئلة والتساؤلات التي من الضروري الإجابة عنها في المرحلة الحالية، وكيف نجيب عنها؟ وإذا كان شكيب أرسلان قد طُرح عليه، قبل أقل من قرن، سؤال: “لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟”، فهل هو السؤال المناسب اليوم ليجيب عنه أهل الفكر والإصلاح؟ أم هناك أسئلة أخرى تدفع إليها اللحظة التاريخية الراهنة العصيبة في العالم العربي والإسلامي، بخاصة في المشرق العربي؟
العربي الجديد



