أنا أيضاً أريد حصّتي من الثورة/ مالك داغستاني

2026.02.12
في كل الثورات هناك فكرة رئيسية واحدة يُفترض أن تكون بديهية، وهي أن الهدف المركزي يسبق كل شيء. كان سقوط نظام الأسد في سوريا هو الشرط الأول لأي عدالة أو تمثيل أو مطالب. طبعاً هذا لا يلغي بديهيات معروفة مرافقة للهدف المركزي، من مثل بناء عقد اجتماعي في دولة مدنية يحكمها القانون.
في التجربة السورية، لم يكن هذا بديهياً كما ظننا عند انطلاقتها. فمنذ البدايات الأولى، ظهرت أنانيات لا تخص الأفراد وحدهم، فهذا مرض مفهوم، إنما شملت جماعات كاملة، حملت مظلومياتها التاريخية إلى طاولة الثورة، بوصفها شروطاً مسبقة للمشاركة وجراحاً تحتاج إلى عدالة مكتوبة وموثقة حتى قبل الانضمام إلى الأجسام السياسية التمثيلية. لم تكن الثورة قد انتصرت بعد، ولم يكن النظام قد سقط، ومع ذلك كان على الجميع أن يقدّم “تعهدات مكتوبة” للجميع من أجل مستقبل لم يولد بعد.
لليساريين والديمقراطيين اشتراطاتهم، وللنسويات مطالب خاصة (أعتقد أنني بهذا السطر فتحتُ على نفسي أبواب جهنم). أما الإسلاميون فلم يكن لهم هذا النوع من المطالب، ليس تعففاً أو لطيب طويّتهم ولا حتى لزهدٍ مشيخي لا سمح الله، لكن لأنهم كانوا مطمئنين إلى استكمال سيطرتهم على المشهد. من أشد الأمثلة التي صدمتني في تلك المرحلة المبكرة، كانت الخلافات العربية الكردية في مؤتمر المعارضة الذي انعقد في القاهرة صيف عام 2012. والشروط المسبقة التي وضعتها بعض الأطراف قبل التوقيع على البيان الختامي. وكنتُ، شخصياً، أفترض وجوب ترك الأمر لنقاشٍ وطني لاحق بعد “صيد الدب”! طبعاً هذا كلّه لا يلغي أحقّية كل ما سبق من المطالب، لكن الكارثة حينئذ أنها أتت كشروط أدّت إلى شروخ وطنية مبكّرة.
هكذا، صار لكل جماعة “فاتورة” تريد تحصيلها قبل أن ندخل معاً معركة إسقاط الديكتاتورية، خصوصاً بعد انعقاد بعض المؤتمرات على أساس الانتماء الطائفي والعرقي، أشهرها كانت في إسبانيا عام 2014. عندها تحولت المظلوميات إلى أوراق للتفاوض، وكلما سردنا مظلوميتنا بنجاح أكبر كان الصراع يزداد على التمثيل كما لو كنّا في مزاد، أما الهدف المركزي، إسقاط نظام الأسد، فهو إن لم يكن قد غاب عن المشهد، لكنه بدا كهدف تالٍ بالنسبة لكل جماعة على حدة، بعد أن تحولت تلك الأنانيات إلى مشروع سياسي متكامل. طبعاً في الوقت نفسه، كنا نشهد أنانيات فردية لا تقل فجاجة. صراع على “المناصب!” داخل المجلس الوطني السوري، ثم في الائتلاف. بدا المشهد يومئذ، كما لو أننا أنهينا نزيف الدم وأصبحنا أمام دولة قائمة.
مع مرور السنوات، صار المشهد أكثر وضوحاً. لم نعد نتجادل حول كيف نُسقط النظام فهذه تركناها للدول المتدخلة، بل حول من سيحصل على ماذا عندما يسقط. حدث كل هذا قبل أن يصيب الجميع اليأس من سقوطه في السنوات الأخيرة. وحين سقط فعلاً بطريقة دراماتيكية لم تكن مُتوقَّعة، كانت المفاجأة أنه لم يسقط لصالح جهة بعينها. حتى هيئة تحرير الشام، التي كانت عاملاً حاسماً في لحظة انهياره الأخيرة، فإنها بعد اطمئنانها للحصول على السلطة، اضطرت للتخلي عن مشروعها الأصل، بفعل العامل الدولي. وشاهدنا جميعاً بدهشةٍ تغيير خطابها وسلوكها. أما الآخرون، ممن لم ينتصروا، بل ولم يكونوا في الحلقة الحاسمة من النصر، فكثير منهم بقي حتى الآن يتعامل مع الثورة بوصفها “عقد مقاولة”. فمن قدّم شيئاً، مهما كان، ينتظر المقابل.
للأسف ما زلنا نرى ذلك بوضوح حتى اليوم، حيث يتم رفع الاشتراطات للعودة مناطقياً والانضمام إلى جسم البلد حالياً، وليس للثورة كما في السابق. طبعاً هنا لا أشير فقط إلى “الأقليات”، فالأكثرية بدورها لم تكن أقل أنانية، عندما يردد لسان حال الكثيرين اليوم: نحن الثورة، دفعنا الدم والخراب، وحققنا النصر، ومن الطبيعي أن نحصل على كل شيء، وليذهب الآخرون إلى الجحيم. هنا تكاملت الأنانيات بين أقليات تريد حصتها، وأكثرية تريد كل شيء، وليغادر الآخرون البلد إن لم يعجبهم الواقع الجديد.
سأعترف شخصياً، حتى لا أُبقي نفسي خارج دائرة النقد. في بدايات الثورة ضبطتُ نفسي متلبساً أكثر من مرة بنوعٍ من الأنانية. كسجينٍ سابق فقد عمله وكل حقوقه المادية في محاكم الأسد. تخيلتُ أنني سأسترد كل شيء تلقائياً بعد النصر مباشرة، يا للفرحة. عدتُ اليوم أتذكر حالتي تلك، وأنا أسمع شكاوى أناس كانوا مشاركين فعليين في الثورة، ولم يحصلوا على تقديرٍ يعتقدون أنهم يستحقونه بعد الانتصار. رغم أن أغلب هؤلاء كانوا اعتزلوا أي نشاط منذ سنوات، وأحالوا أنفسهم إلى تقاعدٍ اختياريّ، بعيداً عن أي نشاط عام، ليعودوا ويستيقظوا فجر يوم 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، ويطالبوا بمقابلٍ لما كانوا قد أدّوه في بعض مراحل الثورة، حتى لو اقتصرت تلك المساهمة على مجرد الموقف الإيجابي منها. طبعاً هذا لا يلغي أني أتفهم أوضاع كثير من الثوار الحقيقيين الأوائل الذين ضاع مستقبلهم العلمي والعملي، ويعيشون اليوم ظروفاً صعبة، وأنا عموماً لا أتناول هذه النماذج في مادتي هنا.
نعم، عاد كثيرون إلى الساحة؛ لأنهم يريدون حصّتهم بمفعولٍ رجعيّ، حتى مع عدم إيمان كثر منهم بأي مشروع وطني. وفي مفارقة قاسية، ينشغل هؤلاء بحساب المكاسب المتوقعة، وفي اللحظة ذاتها يهاجمون، بوحشيّةٍ مُستغربَة، رفاق الدرب ممن حجزوا لأنفسهم أماكن
قريبة من السلطات الجديدة. ضمن هذا المشهد الذي بدا كوميدياً أسود في الأيام الأخيرة، جاء ما حدث خلال هذا الأسبوع، عندما رأينا السيول تجرف أهالي المخيمات، فتنبّهنا فجأةً إلى مئات الآلاف من أولئك الضحايا، سكان الخيام منذ خمسة عشر عاماً، الذين لم يطالبوا حتى اللحظة إلا بسقف يمنع عنهم مفاعيل الطبيعة.
كنت أتساءل بغضبٍ في بدايات الثورة: كيف لهؤلاء أن يضعوا اشتراطاتهم، في حين أن الناس تدفع دمها وحياتها وبيوتها وكل ما تملك من أجل الوصول إلى الهدف الأهم، حريتها؟ اليوم يمكن أن يجيبني البعض، أن تلك الاشتراطات كانت ضرورية، فها هم المنتصرون الجدد يستأثرون بكل شيء. جوابي بسيط جداً: ما كان ما نشهده اليوم ليحدث، لولا تلك الشرذمة المبكرة التي صنعتها تلك الأنانيات نفسها التي تستشري اليوم لدى السلطات الجديدة.
التاريخ ممتلئ بأمثلة مشابهة لما يحدث لدينا. عام 1998، بعد سقوط نظام “محمد سوهارتو” الذي دام أكثر من ثلاثين عاماً في إندونيسيا، تحولت المعارضة التي توحدت لإسقاطه إلى كتل متصارعة على الغنائم السياسية تحت ضغط المحاصصة والمصالح، إضافة إلى المطالبة بمزيدٍ من الحكم الذاتي الإقليمي. هذا ليس غريباً، ففي كثير من الثورات يسهم في قتل حلم الثورة أولئك الذين يريدون “حصتهم” من الجثة، قبل حتى جلد الدب. اليوم، وعلى سبيل النكتة، لن تكفي حكومة من ألف وزير لتوزير الطامحين بمنصبٍ ما، يعتقدون أنهم أهل له ثمناً لنضالاتهم، بفاتورة مؤجلة.
عن نفسي، وعلى عكس ما عنونت به هذه المادة ساخراً، لم أعد أريد شيئاً بعد هذا العمر. فقط أشعر بكثير من الأسى لتواضع مطالب الضحايا الحقيقيين، من أهل المخيمات والشهداء وغيرهم. وبالحزن من تنازلهم المؤلم حيث لا يطلبون ولا ينتظرون سوى حقهم في حياةٍ إنسانية طبيعية لم يحصلوا عليها بعد. وأكثر من ذلك، أشعر بالخوف من أن استمرار هذا الحال ربما يؤدي إلى انفجار آخر قد يقلب الطاولة على رؤوس الجميع.
تلفزيون سوريا



