أنت حر.. فقط في أن تمدحني/ سلمان عز الدين

6 فبراير 2026
تعرض الأشخاص الذين نظموا وقفات في دمشق، وفي أماكن أخرى، احتجاجًا على فواتير الكهرباء المليونية، لسيل من الهجاء، وتفنن أنصار الحكومة المتحمسون باجتراح أوصاف الذم ومجازات الغمز واللمز، والتهمة الأساس وراء كل ذلك هي أن هؤلاء المواطنين صدقوا، ومن كل عقلهم، أنهم مواطنون وخرجوا ليحتجوا.
ربما نستطيع تلخيص الكلام الكثير الذي قاله “حراس الوطنية الجدد” بحق المحتجين بما يلي: “لقد ثرنا من أجلكم، ضحينا بالغالي والنفيس، ووضعنا أرواحنا على أكفنا لنمنحكم الحرية التي تنعمون بها الآن، ولكن يا حسافة! أول ما فعلتم بهذه الحرية هو أنكم خرجتم لتحتجوا علينا!”.
وللأمانة لا نملك، للوهلة الأولى، إلا أن نتعاطف مع هذه الشكوى المريرة، ونضرب كفًا بكف، ونندب الوفاء المفقود والمروءة الضائعة. ولكم أن تضعوا أنفسكم في مكان هؤلاء الشاكين. تخيلوا أن تذهبوا في مغامرة شاقة تستغرق سنوات طويلة من أعماركم، تجتازون فيها الجبال العسيرة والمفازات المحفوفة بالموت، من أجل أن تعودوا بثمار الحرية اليانعة وتضعوها في أحضان مواطنيكم الكسالى الذين لم يغادورا مجالس لهوهم ومأكلهم ومشربهم، ثم، فوق ذلك، قاموا بالتهام الثمار ورموا بذورها في وجوهكم. والله صعبة. ولكن مهلًا، هل المسألة هي على هذا النحو حقًا؟!
لا، هي ليست على هذا النحو البسيط والتبسيطي طبعًا، ولكن لنفترض أنها كذلك، ولنساير رؤية الغاضبين من أنصار الحكومة (والذين يدعون أنهم من أنصارها)، وهنا يبرز سؤال نظنه مشروعًا: ولماذا فعلتم كل ذلك من أجلنا؟ لماذا ضحيتم بالغالي والنفيس لتعطونا الحرية؟
أليس الجواب بدهيًا: من أجل أن نستخدمها، وإلا، وإذا كنتم قد جلبتم لنا شيئًا غير قابل للاستخدام، فتكون تضحياتكم قد ذهبت سدى. وفيم نستخدم الحرية؟ أليس من أجل أن نقول آراءنا بكل صراحة وجرأة؟
أما إذا كنتم قد منحتمونا الحرية فقط من أجل أن نكون أحرارًا في مديحكم والثناء عليكم، فهذا أمر لا معنى له بصراحة، ذلك أن هذا النوع من الحرية كان موجودًا طوال الوقت، ومنذ نشأة الدولة السورية لم يسبق لحكومة، مهما بلغ ظلمها وظلامها، أن حبست سوريًا لأنه خرج يهتف لها ويشيد بإنجازاتها ويغني الأهازيج عن أمجادها.
منذ نحو عشرين سنة، التقيت مسؤولًا إعلاميًا رسميًا (في ذلك الزمن). كان غاضبًا من أوضاع تلك الأيام، وعبر عن ذلك بقوله: “شعب أثبت أنه غير أهل للثقة. تخيلوا! منحنا هامش حرية للصحف والمنتديات السياسية، فإذا بالصحف تمتلأ بالنقد لعمل الحكومة، والمنتديات السياسية تزدحم بالثرثارين الذين لا يكفون عن الكلام بالسياسة”!
ويبدو أن المعادلة الذهبية في نظر المسؤول كانت على النحو التالي: نعطيكم حرية القول شريطة أن تظلوا صامتين.
وما زلت أذكر من طفولتي جارًا قاسيًا وبخيلًا، وبعد ضغوط كبيرة من أعيان القرية، رضي الجار أن يشتري “لعبة” لابنه المسكين، صديقي ورفيق لعبي في الحارة، وكانت اللعبة حصانًا بلاستيكيًا بائسًا حتى بمقاييس تلك الأيام الخالية من المباهج. وفي يوم عاد الجار من عمله ليجد ابنه يلعب بالحصان، فنزع حزام بنطاله وراح يضربه صائحًا: “والله عال. مفكرني جبتلك اللعبة حتى تلعب بها؟!”.
الترا سوريا



