إدارة فجوة التوقعات أكبر تحد في المرحلة الانتقالية/ محمد نزال

فبراير 9, 2026
تعمل الدولة على المستوى الاقتصادي وفق رؤية استراتيجية تقوم على إطلاق مشاريع كبرى ومتوسطة تستهدف إنعاش الاقتصاد وزيادة الإنتاج، بما ينعكس تدريجياً على رفع مستوى الدخل وتحسين الواقع المعيشي. ومن المتوقع أن تترك هذه السياسات آثاراً إيجابية على التطلعات المجتمعية على المدى المتوسط والطويل، غير أن طبيعة هذه المشاريع تتطلب وقتاً قبل أن تبدأ نتائجها بالظهور بشكل ملموس، مع انطلاقها ودخول الدورة المالية مرحلة أكثر انتظاماً.
التحدي الأبرز في أي مرحلة انتقالية لا يقتصر على حجم الموارد أو سرعة التنفيذ، إنما يتمثل في إدارة الفجوة بين تطلعات المجتمع نحو تحسن سريع في الأوضاع المعيشية، وما يمكن للدولة تحقيقه فعلياً ضمن إمكاناتها الواقعية. وتشير التجارب السياسية إلى أن التوتر الاجتماعي يتولد غالباً من الشعور بعدم التناسب بين حجم التضحيات والتوقعات من جهة، ومستوى العائد المرحلي المتحقق من جهة أخرى.
وتزداد حدة هذه الفجوة حين تقترن المرحلة الانتقالية بخطاب مرتفع السقف، تُطلق فيه وعود واسعة دون تقدير دقيق للزمن والقدرة التنفيذية، فكثرة الوعود غير المدروسة تسهم في رفع سقف التوقعات بوتيرة أسرع من قدرة السياسات العامة على الوفاء بها، ما يؤدي إلى تعظيم الإحساس بالحرمان النسبي، وتشكيل مزاج عام يتسم بعدم الرضا عن الأداء الحكومي، حتى في ظل وجود خطوات إصلاحية فعلية.
في هذا السياق تساعد نظرية “الحرمان النسبي” على فهم جانب مهم من المزاج العام، فالأفراد لا يقيمون أوضاعهم بناء على الواقع المادي وحده، إنما من خلال مقارنتها بما يتوقعون تحقيقه في لحظة تاريخية معينة.
ومع اتساع الفجوة بين ما يُنتظر إنجازه وما يتحقق فعلياً، يتعزز الشعور السلبي تجاه الحكومة، وتزداد احتمالات الاحتقان والتوتر. وتظهر هذه الديناميكية بوضوح أكبر في المراحل الانتقالية، حيث تؤدي التحولات السياسية إلى رفع سقف التوقعات بوتيرة تفوق قدرة المؤسسات الناشئة على الاستجابة.
في المقابل يكون الإحساس بالحرمان النسبي أقل وضوحاً في مراحل الاستبداد، نتيجة انخفاض التوقعات العامة، واعتياد المجتمع على واقع ثابت، وغياب الأفق السياسي المفتوح، إضافة إلى القيود التي تحد من التعبير والمقارنة بين الحقوق والامتيازات.
ومن هذا المنظور، لا يصح تفسير صمت الناس في تلك المرحلة باعتباره رضاً، ولا قراءة ارتفاع مستوى النقد اليوم بوصفه ظاهرة سلبية بحد ذاتها، إنما كنتاج طبيعي لتغير السياق السياسي واتساع مساحة التوقع.
هذا يفسر كيف يمكن لمجتمعات خاضعة للاستبداد أن تتحمل مستويات عالية من الحرمان لفترات طويلة دون انفجار اجتماعي واضح، في حين يظهر الاحتقان بوتيرة أسرع خلال مراحل التحول السياسي رغم وجود مسارات إصلاحية فعلية.
انطلاقا من ذلك، تبرز في إدارة المرحلة الانتقالية ضرورة العمل عبر مسارين متوازيين: مسار استراتيجي طويل الأمد يراعي متطلبات كل مرحلة من مراحل التعافي الاقتصادي والمؤسسي، ومسار مرحلي آني يركز على الاستجابة للاحتياجات السنوية المباشرة، بما يسهم في ضبط فجوة التوقعات، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، إلى أن تبدأ آثار المشاريع الكبرى بالظهور بشكل ملموس في حياة المواطنين.
الثورة السورية



