إعادة توحيد سورية… المهمّة الصعبة/ مالك ونوس

11 فبراير 2026
بعد بسط السلطة السورية في دمشق سيطرتها على المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية (قسد)، في حلب والرقة ودير الزور وغيرها، في الأسبوعين الأخيرين من يناير/ كانون الثاني الماضي، زادت الفرصة في إعادة توحيد سورية جغرافياً وسياسياً. غير أن الأهمية تكمن في ضمان استمرار هذه الوحدة، خصوصاً من جهة ضرورة عدم الوقوع في أخطاء نظام الأسد، في استخدام القوة والقمع، وأحياناً الإرهاب، للحفاظ على وحدة البلاد خلال فترة حكمه. ومن شأن استمرار السلطة الحالية في سياسات مماثلة لسياساته أن يؤدّي إلى نتائج عكسية، تجعل البحث عن فرصة للإفلات من تلك القوة سبباً لنزوع مناطق للانفصال، أو للخروج عن سيطرة المركز، في أحسن الأحوال، إذا ما استمرّت الأسباب التي أدّت إلى ذلك من دون حل، ومنها موضوع الحقوق العامة.
لقد أدّت الفترة التي تواصلت فيها حرب بشار الأسد على السوريين إلى ظهور تباينات مناطقية وتناقضات سياسية وزيادة في عوامل الفرقة الطائفية بين أبناء المجتمع السوري. وأدّى هذا الأمر إلى تكريس هذه التباينات واستدامتها، وسهَّل، على سبيل المثال، خروج مناطق عن سيطرة الأسد، مع ظهور علائم الضعف على نظامه أواخر سنة 2012. وخلال هذه الفترة، شهدت بعض المناطق انسحاب قواته وأجهزته الأمنية، خصوصاً من المناطق ذات الغالبية الكوردية، وصولاً إلى سنة 2019، يوم فرضت “قسد” سيطرتها على منطقة شرق وشمال شرق الفرات، بعد دحر تنظيم داعش، وإخراجه من المنطقة، في إثر معارك قاسية خاضتها ضد التنظيم بالتعاون مع قوات التحالف الدولي. وكانت هذه التطورات فرصة للتنظيمات الكردية لكي تفكر بالانفصال، وهي التي عانت القمع والتهميش خلال حكم الأسد ونظام حزب البعث قبله.
ومع هذا الضعف، خصوصاً مع تفاقم الأزمة الاقتصادية سنة 2023، وزيادة التضخم، وتآكل المداخيل وعجز الأسد عن الاستمرار بتمويل الكثير من القطاعات الخدمية، تقبَّل نظامه خروج محافظة السويداء عن سيطرته، خلال السنوات الأخيرة من حكمه، علاوة على ظهوره بمظهر غير المبالي أو الصاغر، أمام زيادة النزعات الاستقلالية فيها. حدث ذلك بناء على التجربة الفريدة للسويداء مع حكم الأسد بعد ثورة 2011، حين توصلت فعالياتها إلى اتفاق معه، يعفي شبابها من الانخراط بالجيش السوري، مقابل المحافظة على مسافة واحدة معه ومع الثورة.
أما موضوع إدلب، فقد ساهم نظام الأسد بيديه في تقوية التجربة الانفصالية والاستقلالية للمدينة، وهي التي ساهمت بإسقاط نظامه وفراره من البلاد. ومعروفٌ أن الأسد كان يرسل المقاتلين وأهاليهم وغيرهم من المدنيين، إلى إدلب في الحافلات الخضراء، من مناطق سورية كثيرة، تلك المناطق التي كان يطبق الحصار عليها، بعد المعارك الطاحنة مع قواته، والتي كانت تنتهي بتسويات مع قادة التنظيمات العسكرية فيها. وكان هؤلاء يرفدون التنظيمات العسكرية العاملة في إدلب بعديد من الخبرات، وهو ما تضافر مع عوامل عدة زادت من استقلال المدينة وخروجها عن سلطة الأسد، وتكوين ما يشبه الدويلة فيها، أهمها العامل التركي الذي كان حاضراً فيها بقوة، سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية أو الإدارية.
الآن، ومع ما يقال عن إعادة توحيد سورية جغرافياً وسياسياً، مع عودة الجزيرة السورية وغرب الفرات وحيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، إلى سيطرة سلطة دمشق، فُتِحَت الأعين على السويداء، وربما يجري الآن وضع الخطط لتطويعها، عبر أي شكل من أشكال التسويات الممكنة. وفي ظل استمرار الاستقطاب في البلاد، وكثرة اللاعبين الدوليين المنخرطين في الشأن السوري، ومع وجود تربة خصبة في البلاد لاستمرار التأثير الخارجي، مع هذا الواقع، ليس من المعلوم إن كان من دعوا لاستقلال الساحل السوري، سواء عبر كيان مستقل، أو عبر اللامركزية أو الكونفدرالية، ليس من المعلوم إن كانوا قد حازوا على دعم أيٍّ من القوى الدولية التي لا تتوانى عن المسارعة إلى استغلال الفرصة لمد اليد لأي طالب للمساندة، مقابل منافع مستقبلية أو تكوين جماعة ضغط وولاء.
انطلاقاً من تلك المعطيات، ومع التسليم بأن أي تسوية في البلاد لم تعد تجري من دون تدخل الفاعلين الدوليين الذين يستخدمون أدوات القياس الدقيقة التي تضمن مصالحهم، لذلك فإذا تهددت تلك المصالح، يمكن أن يؤثر الأمر على استقرار البلاد، عبر تغيير طرق التدخل وأشكالها. وانطلاقاً أيضاً من هذا المعطى، من الضروري لأركان السلطة في دمشق معرفة حقيقة أن المحافظة على وحدة البلاد تعد مهمة أصعب من إعادة توحيدها. أما كيف يتم ذلك، فمن المؤكد أنه ليس ممكنا عبر الطريقة الرياضية في جعل سورية حاصل جمع هذه المنطقة إلى تلك. كما لم يعد ممكناً فعل ذلك عبر الأسلوب الأسدي في القوة والترهيب، ولا عبر عقلية المنتصر الذي تسهل عليه عملية الإقصاء، ويصعب لديه القبول بالتشاركية والحوار، انطلاقاً من المبدأ الذي انتشر، والذي يقول: “من يحرّر يقرّر”.
يحتاج توحيد سورية والمحافظة على وحدتها إلى البتّ الجدّي في الملفات العالقة، والتي كانت تنتظر انتصار الثورة للبتّ بها. الآن، وبعد مضي أكثر من سنة على إسقاط النظام، بات واضحاً أن هنالك تباطؤاً في حل تلك الملفات، وربما يمكن التطرف أكثر والقول إن منها ما وضع خلف الظهر، بعد توفر فائض القوة لدى السلطة، والذي تعتقد أنه يعفيها من الاستجابة. لذلك من المفترض العودة إلى فتح كل الملفات التي لم تفتح، خصوصاً قضية تبني عقد اجتماعي جديد، يدخل البلاد في تجربة من الحل والتسوية السياسية، تجعلها تختلف عما كانت عليه خلال أيام الأسد. كذلك منع السلاح المتفلت، وتفعيل آلية قانونية، وفق مبدأ العدالة الانتقالية، لوقف حوادث الانتقام التي تزيد من التوتر وتمنع الاستقرار.
إضافة إلى ذلك، هنالك موضوع الحريات والحقوق العامة، لأنه من المفترض بسلطة جاءت بعد إسقاط نظام تسلطي وإجرامي ومنتهك للحقوق، أن تعمل على صيانة حقوق مواطني البلاد ومنع التعدي على حرياتهم. لذلك، ومع ما شهدته البلاد من احتجاجات خلال الأسبوع المنصرم والحالي، بسبب صرف عدد كبير من الموظفين، خصوصاً المتعاقدين مع الجهات العامة، وبسبب ضعف رواتب المعلمين، وكذلك بسبب زيادة تعرفة الكهرباء والاتصالات، الكفيلة وحدها بقضم كل المدخول الشهري للعائلة، مع هذه الوقائع، من المفترض بالسلطة الالتفات إلى تلك الحقوق، ومنع أي تعدٍّ عليها. علاوة على الالتفات إلى الحقوق القومية، التي لا يمكن فصلها عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لجماعات شكلت نسيج المجتمع السوري المميز بتنوعه، وساهمت بوحدة البلاد على مدى عشرات السنين.
لا يمكن لسورية أن تتعافى من دون إعادة توحيدها جغرافياً وسياسياً. كما لا يمكن المحافظة على هذه الوحدة، من دون ضمان حقوق مواطنيها وحرياتهم. لذلك تبدو المهمة أمام سلطة دمشق مضاعفة، كما يبدو أن الشعب السوري، ومع كل ما قدمه من تضحيات لإسقاط نظام الأسد، ما زال يحتفظ بقابلية الاحتجاج، وهي قابلية عليها أن تجعل لدى السلطة قابلية للاستجابة للمطالب. العربي الجديد



