العلاقات السورية-الأميركيةالعلاقات السورية-الروسيةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

الجغرافيا العسكرية في سوريا وحدود تفاعلات القوى على الأرض/ مهيب الرفاعي

12 فبراير 2026

أصبحت سوريا فضاءً عسكريًا وسياسيًا تُقاس أهميته بقدرته على تنظيم التفاعلات الإقليمية داخل حدوده وعبرها، حيث تحولت قيمة الجغرافيا من كونها مساحة للسيطرة المباشرة إلى بنية تضبط سلوك الفاعلين العسكريين؛ لا سيما وأنه خلال سنوات الذروة بين 2013 و2017 تبدلت السيطرة على معظم الأراضي عدة مرات نتيجة حملات واسعة النطاق، إذ خسر نظام الأسد مثلًا  عام 2015  السيطرة حوالي 65 % من الأراضي السورية لصالح قوى المعارضة المسلحة حينها و فصائل “جهادية” وتنظيمات متنوعة؛ ثم رسخ التدخل الروسي في ذات العام توازنًا طويل الأمد أعاد تعريف وظيفة القوة العسكرية، إذ لم تعد المعارك الكبرى تؤدي إلى تغيير جذري في المشهد بقدر ما تؤدي إلى تعديل وضبط طبيعة الحركة بين الأطراف و المكاسب والخسائر و نقاط التثبيت و السيطرة.

بين العامين الأعنف في الحرب السورية 2014 و2016، شهدت سوريا ما يقارب 35 معركة استراتيجية كبرى غيّرت التوازنات الإقليمية منها معركة حلب ومعركة تحرير درعا و معارك البادية  ومعركة “والفجر و ليال عشر” في القنيطرة، وحوالي 200 حملة عملياتية للسيطرة على محافظات ومدن ومحاور رئيسية، وقرابة 1400 معركة تكتيكية داخل المدن والبلدات، إضافة إلى عشرات الآلاف من الاشتباكات الموضعية اليومية على خطوط التماس. توزعت العمليات على خمسة أنماط قتال رئيسية بنسب تقريبية فيها توزعت العمليات على خمسة أنماط قتال رئيسية تمثلت في حرب المدن القائمة على الاقتحام والقتال داخل الأحياء والحصار الطويل، وحرب الممرات والطرق المرتبطة بالتحكم بخطوط الإمداد ( مثل معارك طريق M5 و M4 )، وحرب الجيوب والحصار التي تعتمد تقسيم المناطق وخنقها حتى الاستسلام، وحرب البادية المتحركة ذات الهجمات السريعة واسعة المسافة، إلى جانب اقتتال التنظيمات فيما بينها.إجمالًا يعادل ذلك نحو 1000 معركة واسعة النطاق خلال ثلاث سنوات ضمن منظومة قتال متعددة المستويات.

هنا تشكلت طبقات حضور دولي متزامنة؛ فيها روسيا تُدير الاستقرار العام عبر المظلة الجوية وقنوات التنسيق، الولايات المتحدة تُشرف على شرق الفرات بوصفه مساحة موازنة، تركيا تُنظم الشريط الحدودي وتربطه بأمنها الداخلي، إيران تحافظ على خط العبور البري نحو المتوسط، وإسرائيل تضبط سقف التصعيد الجوي عبر ضربات محسوبة. وهكذا غدت سوريا أقرب إلى جهاز تشغيل جيوسياسي تتحدد عبره حدود الحركة الممكنة في المنطقة بدل أن تكون ساحة يختفي فيها أحد الأطراف.

ضمن هذا التحول برز دور المبعوثين الأمميين غير التقليديين في إدارة التوازن أكثر من إدارة التسويات، واهمهم أخيرّا توماس باراك، الذي توسع نطاق حركته من العلاقة الأميركية التركية إلى ملف متصل يشمل سوريا ولبنان والعراق بوصفها جميعًا مسارًا جغرافيًا واحدًا لا ثلاث ساحات منفصلة. يعمل هذا المسار على تحويل الصراع من منافسة على السلطة داخل الدول إلى تنظيم الحركة بينها؛ إذ أن المقاربة التي يقودها تقوم على تثبيت قواعد المرور والحركة قبل تثبيت قواعد الحكم، أي جعل الحدود قابلة للتوقع كي يصبح السلوك السياسي قابلًا للحساب والترتيب. لذلك يجري التعامل مع الشمال السوري بوصفه امتدادًا لأمن تركيا، ومع شرق الفرات بوصفه امتدادًا لتوازن العراق، ومع جنوب سوريا بوصفه متصلًا باستقرار لبنان، بحيث تتحول الملفات الثلاثة إلى معادلة واحدة أساسها إدارة الممرات لا تغيير الأنظمة.

تتحرك الوساطة على ثلاثة مستويات متوازية؛ فيها مستوى أمني يحدد سقف الاحتكاك العسكري بين الفاعلين ( مثلاً حالة الأكراد وحالة السويداء )، مستوى لوجستي ينظم حركة العبور والتجارة والطاقة، ومستوى سياسي يترجم ذلك إلى تفاهمات تدريجية غير معلنة. وعبر هذا المسار لا يُطلب من الأطراف الاتفاق على رؤية مشتركة للمنطقة، بقدر ما يعزز الالتزام بترتيب مشترك للحركة داخلها، فتتحول سوريا إلى مركز معايرة إقليمي يُقاس فيه استقرار العراق عبر الحدود الشرقية، ويُقاس فيه استقرار لبنان عبر الجنوب والممر الساحلي، ويُقاس فيه التوازن التركي عبر الشمال. هكذا يصبح دور الوسيط تنظيم إيقاع التفاعل الإقليمي وإدارة سلوك الأطراف داخل المجال المشترك بدل حسم الصراعات بينها.

الحدود التي تصنع السياسة

تعمل المعابر الحدودية في سوريا بوصفها أدوات إنتاج سياسي مباشر لأنها تتحكم في التدفقات التي تولّد موازين القوة، فمعبر باب الهوى ينظم اقتصاد إدلب ويحدد مستوى ارتباطها بالمجال التركي، ومعبر نصيب أعاد ربط التجارة بين الأردن وبلاد الشام وخلق بيئة استقرار حدودي، ومعبر البوكمال يمنح الممر البري الممتد من العراق إلى الساحل قابلية الاستمرار العملياتي. تتجسد السيادة هنا في القدرة على تنظيم الحركة؛ إذ يحدد تدفق السلاح والتمويل كثافة القتال وضبط المشهد الأمني، ويحدد تدفق التجارة مستوى الاستقرار الاجتماعي، ويحدد تدفق البشر ( شرعي او غير شرعي ) ضغط السياسات الداخلية في الدول المجاورة ويحدد ضبط التهريب مسار التوافقات الأمنية مع الجوار. لذلك أصبحت سوريا نقطة عبور واحدة قادرة على تعديل سلوك الفاعلين أكثر من سيطرة إدارية على مساحة واسعة، وأصبحت السياسة الإقليمية تُصاغ عند نقاط التفتيش عبر قرارات تشغيلية يومية تتعلق بالمرور والتفتيش والتوقيت والحمولات، حيث تتحول الحدود من نهاية الخريطة إلى مركزها التنفيذي.

يمثل شرق الفرات عقدة التوازن الأكثر حساسية في الجغرافيا السورية لاحتوائه على معظم الموارد الطاقوية والسدود الكبرى ومساحات زراعية واسعة، الأمر الذي جعله بيئة تداخل بين قوى متعددة ضمن نظام ضبط متبادل، ويتحكم بحدود مع العراق وتركيا. تنتظم المنطقة عبر توازن متدرج؛ سلطة محلية تدير الإدارة المدنية والأمن الداخلي وتجري مفاوضات مع حكومة دمشق ، حضور أميركي يوفر مظلة ردع ، وضغط تركي يحدد حدود التمدد شمالًا عبر عمليات عسكرية كلما دعت الحاجة، ودور روسي يعمل وسيطًا لضبط الاحتكاك. ينتج عن هذا الترتيب مجال تتحقق فيه وظيفة الجغرافيا كمساحة تثبيت قيود، حيث يسمح وجود كل طرف بتحديد مجال حركة الآخر ضمن حدود محسوبة، فتتحول المنطقة إلى لوحة معايرة تُضبط عبرها مستويات التصعيد الإقليمي. وبالتالي ينعكس أي تغير ميداني في هذه المساحة فورًا على العراق عبر نشاط الفصائل، وعلى تركيا عبر أمن الحدود، وعلى أسواق الطاقة عبر مسارات الإمداد، مما يجعلها نقطة توازن يتجاوز تأثيرها حدودها المباشرة.

تقوم السلطة في سوريا ما بعد الأسد على ضمان استمرارية الحركة عبر شبكة الطرق أكثر من ارتباطها بخطوط التماس، لأن الطريق يحدد إمكانية الفعل قبل وقوعه ويخلق بيئة اقتصادية واجتماعية مستقرة؛ إذ يعيد فتح الطريق الدولي بين دمشق وحلب ربط الأسواق وأعاد توزيع الموارد البشرية والمالية، بينما كان يؤدي تعطّل طرق البادية إلى تعطيل كامل لحركة الفصائل والإمدادات. يولد الطريق الآمن والخالي من العمليات العسكرية نشاطًا اقتصاديًا متصاعدًا يخلق وظائف ورواتب، وتنتج الرواتب ولاءات اجتماعية متراكمة تعزز الاستقرار، وبذلك تتحول الإدارة إلى عملية لوجستية متكاملة تتعلق بالمرور والحماية والصيانة. هنا يصبح فتح طريق بمثابة اتفاق سياسي فعلي، ويغدو تعطيله إجراءً تصعيديًا مؤثرًا، فتتحول الجغرافيا من تضاريس إلى شبكة تشغيل متصلة تتحدد فيها قيمة الأرض بقدرتها على إبقاء الشرايين مفتوحة.

وحدة القرار عبر الممر

تتشكل سوريا كممر جغرافي متصل تتفاعل أجزاؤه بصورة عضوية؛ أي تغير في الشمال الغربي ينعكس شرقًا، وأي توتر في الشرق يرتد جنوبًا، لأن قابلية استخدام المساحة الجغرافية كاملة تعتمد على استقرار كل منطقة على حدي. وعلى مستوى أوسع، يرفع تصعيد محدود في حلب مثلاً مستوى الحذر شرق الفرات ويزيد نشاط المراقبة الجوية، بينما ينعكس توتر في البوكمال على حركة العبور نحو داخل سوريا ولبنان ، ويغير اضطراب الجنوب حسابات الحدود الأردنية وحدود فلسطين المحتلة ولبنان ويدفع إلى ترتيبات واتفاقيات امنية بوساطات دولية. يخلق هذا الترابط اعتمادًا متبادلًا يجعل كل طرف حريصًا على استقرار مناطق خارج سيطرته للحفاظ على قيمة مناطقه، فتتشكل سياسة موحدة بحكم الاتصال المستمر بين المقاطع، حيث ينتج القرار من استمرارية الممر أكثر مما ينتج من التفاوض المباشر.

تعمل سوريا ضمن النظام الإقليمي الحالي كطبقة تنظيم للاحتكاك بين القوى المختلفة، حيث تتواجد مصالح متعددة ضمن حدود تضبط التفاعل وتحافظ على توازن الحركة؛ ففيها يجتمع الحضور الروسي والإيراني والخليجي والتركي والأميركي داخل مساحة واحدة وفق إيقاع محسوب يحدد مستويات القوة الممكنة لكل طرف، فتتحول الدولة إلى إطار ينظم التعايش العملياتي بدل أن يقتصر دوره على السيطرة المباشرة. ينتج عن هذا الدور استقرار ناتج عن إدارة الوجود المتعدد عبر قواعد تشغيل مشتركة، حيث تصبح الجغرافيا مؤسسة سياسية بحد ذاتها تُنتج الاستقرار عبر تنظيم الحركة اليومية وتحديد حدود الفعل العسكري، وبذلك يغدو المشهد السوري نظام تشغيل إقليمي تُدار عبره الأزمات ضمن حدود قابلة للتوقع.

الترا صوت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى