العلاقات السورية-الأميركيةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

الحمولة الدولية لسوريا فرصة قد لا تتكرر/ غسان المفلح

فبراير 5, 2026

الكتابة في هذه الأجواء المشحونة سورياً، تجعل قضية الحقيقة في موقع زيادة حدة الاستقطاب في البلد. هل قول الحقيقة يعطي نتائج إيجابية دوماً لسوريا التي تعيش حتى اللحظة مخاطر حقيقية على سلمها الأهلي؟ كيف يمكن ادراج الحقائق في سياق يخفف من حدة الاستقطاب الاثني والطائفي؟

المرحلة الانتقالية في سورية منذ التحرير مدعومة دولياً، وعلى رأس الداعمين أميركا بكامل حضورها. لهذا نجدها في كل مفصل وكل زاوية تخص سوريا.

هذه لم تعد تحتاج لتفصيل، هذه أيضا معادلة من طرفين؛ أميركا ومعها الدول الداعمة لهذا المسار، والطرف الثاني السلطة السورية واستجابتها الجيدة لهذه الحمولة، رغم ما مرت ويمكن أن تمر به البلد من أخطاء، ومن جرائم وانتهاكات كما حدث في السويداء. لا يمكننا النظر إلى السلطة فقط من زاوية واحدة. بل يجب النظر إليها من عدة زوايا داخلية وخارجية.

السلطة منذ التحرير تتطور باتجاه أن تنتج نفسها وتعيد إنتاج حمولتها وفقاً لهذه الحمولة الدولية. ما تحقق على الأرض يثبت ذلك بدون مواربة، هذا أولاً.

ثانياً، بالتأكيد من باب التجربة السياسية دولياً. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه الحمولة الدولية تريد سلطة ديكتاتورية في سوريا؟ أو هل تريد سلطة داعشية كما يطرحها بعض المعارضين؟

من حق الناس ألا تثق بدول شاهدت المجزرة الأسدية بحق السوريين ودعمتها. من حق السوريين ألا يثقوا بأي طرف كان داعماً للأسد سواء كان محلياً أو إقليمياً أو دولياً بعد 15 عاماً من المقتلة الأسدية. إذاً السؤال مشروع تماماً. ممارسات السلطة تحدد إلى أين تسير البلد. الحلقة الصلبة من السلطة تحاول أن تستجيب لكل ما من شأنه أن يتوافق مع هذه الحمولة الداعمة. هذا لا يعني أنها لا ترتكب أخطاء سياسية وغير سياسية. ببساطة ليس لديها خيار آخر.

من هنا، يمكننا القول: طبيعة البنية الداخلية للمجتمع السوري وما مر به، لن يقبل بديكتاتورية من أي نوع كان. لا تحتاج هذه السلطة إلى أن تكون ديكتاتورية. هنالك فارق في الحقيقة بين أن تحمل السلطة مشروعاً ديكتاتورياً، وبين أن تحمل مشروعاً يتوافق مع التمفصل بين الحمولة الدولية والوضع الداخلي السوري.

هذا أيضاً يطرح سؤالاً على السلطة نفسها: هل كوادرها ومسؤولوها يريدون سلطة ديمقراطية؟ على السلطة نفسها أن تطرح جوابها على مستوى الممارسات والخطاب. لهذا، نجد في كوادر السلطة كبعض المشايخ، من يريد تطبيق” الشريعة الإسلامية” وفقا لرؤيته على كل السوريين. هذه مصيبة تحتاج السلطة لحلها. تفكيك رموز هذا التيار يعتبر أمراً مهماً، ويجب ألا يتم التساهل معه. من ساهم في التحرير والثورة مشكور. لكن الثورة انطلقت كي يحوز السوريون على نظام ديمقراطي ودولة قانون وحقوق إنسان.

التمفصل وفقاً لنظام ديمقراطي بين الداخل والخارج كما أسلفت، يجعل الوضع السوري أبعد عن المخاطر التي تريد بعض الأطراف الداخلية والخارجية إيقاع سوريا بها. بالتالي، وببساطة شديدة أيضاً: النموذج المطروح من بعض هؤلاء المشايخ يزيد من المخاطر، ويزيد من إمكانية اللعب على هذا الوتر من أجل تهديد السلم الأهلي في سوريا.

في هذا التيار من يعتبر تركيا نموذجاً إسلامياً. حسناً، فليعمل من أجل إنتاج هذا النموذج، إذا كان يريد خيراً للبلد وفقاً لوضع أهلها جميعاً. هنالك أيضاً من يرى نفسه من هؤلاء جزء من السلطة، ويحاول أن يفرض رؤيته المتشددة كما يحدث في بعض المناطق السورية. منهم مزهواً بما يشعر به من انتصار، ومنهم من يريد فعلاً تدمير هذا التحرير. بالتالي ما هو الأفضل للبلد؟ نظام ديمقراطي أم نظام “إسلاموي” غير متفق عليه حتى من الأطراف الذي تطرحه سراً وعلانية.

ما هو الأفضل أيضاً لهذا التمفصل بين الداخل والخارج؟ هؤلاء أيضا يتوافقون مع أطراف داخلية أخرى لا تريد خيراً للبلد. هذه النقطة تحتاج لمعالجة خاصة.

نأتي الآن إلى أطروحات بعض المعارضين “العلمانيين” أفراداً وتجمعات، وزنها إعلامياً أكثر مما هو على الأرض: اتهام السلطة والأكثرية بالدعشنة، والرهان أن يستدرجوا السلطة وتيار المشايخ المتشددين لمعركة، هؤلاء أغلبهم ثلة فاشلين سياسياً سابقاً وحالياً. أحزاب ومثقفون يتهمون السلطة بالسبي، خلال توظيفهم لحملة خطف النساء.

اتهام السلطة بالدعشنة وغيرها، يخدم ببساطة التيار المتشدد ممن ذكرتهم. ويخدم السلطة كلها، لأن الدول الراعية للمرحلة الانتقالية تعرف الحقائق كما هي، وبالتفصيل. هذه ليست معارضة، هذا تحالف الفاشلين المبعثرين، لأسباب يطول شرحها الآن. اتضح فشلهم أكثر في مواقفهم تجاه ما حدث من أحداث منذ حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب وحتى تنفيذ الاتفاق الأخير بين السلطة وقسد.

يريدون استمرار الحرب غير آبهين بالبلد وبشعبها. في هذا السياق، بدأت إحدى نتائج التمفصل المهمة، وهي بداية قوية لظهور نظام سلطة لامركزي في سوريا. هذا النظام يجعل البلد تسير خطوات مهمة نحو الاستقرار والسلم الأهلي، وهذا ما يشكل دعماً دولياً للبلد.

وأنا اكتب هذه المادة، تم الإعلان عن دخول قيادة الأمن الداخلي في حلب لمدينة كوباني. ولفت نظري إصرار قائد قوى الأمن الداخلي في المحافظة خلال مؤتمره الصحفي على التأكيد على تسمية كوباني. هذه التسمية المرفوضة من قبل بعض المتشددين تجاه القضية الكردية في سوريا.

من هذه المقدمات البسيطة، حاولت أن أقول للسلطة أولاً والأطراف السياسية الداخلية الأخرى: إن الحمولة الدولية هذه يمكن أن تكون فرصة لن تتكرر في حال فشلتم، مما يترك البلد في حالة لغم قابل للانفجار في أي لحظة. المطلوب سورنة ديمقراطية حقوقية مقوننة، وهي وحدها التي تنقذ سوريا وأهلها، حتى لو كانت هنالك أطراف داخلية لا تريد ذلك، يجب محاصرتها عبر تقديم الخطاب الديمقراطي بعيداً عما راكمته الأطراف السياسية من خطابات كراهية. هذه فرصة البلد الوحيدة.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى