أبحاث

السنوات المئة الطويلة في سوريا: جدلية الأمة والدولة في سياق التفكك المجتمعي السوري/ جوزيف عوض، رؤى الطويل

06-02-2026

        مقدمة

        في ظلّ الأحداث التي يمرً بها السوريّون اليوم، يبدو واضحاً أن هناك حضوراً كبيراً لنظرة السوريين إلى أنفسهم بصفتهم جماعات وطوائف، وأن هناك أزمة ثقة كبيرة يُعاني منها السوريّون فيما بين مكوناتهم هذه.

        تعودُ أزمة الثقة هذه إلى جملة من الأسباب، منها ما هو موجود في طبيعة سوريا مثل العدد الكبير من الطوائف والديانات الموجودة على الأرض السورية، ومنها ما هو تاريخي وبالذات التأثير الكبير والمُدمِّر لطريقة حكم النظام السابق على العلاقات بين المنحدرين من الطوائف وأتباع الديانات المتعددة. لكن أيّاً تكن الأسباب، فإن ذلك لا يعني أن النتيجة المُتمثّلة في حالة عدم التعايش بين المكونات الديمغرافية هي نتيجة حتمية، بل هي نتيجة تفاعلات اجتماعية يجب التغلُّبُ عليها بدليل قدرة شعوب أكثرَ منّا تعددية وأقلَّ منّا تَجانُساً على العيش وتشكيل دول مستقرة.

        في ضوء النظرة إلى تَنوّع مكوّنات الشعب السوري بصفته مشكلة تحتاج إلى حلّ، فإننا نعالج في هذا المقال ما نظن أنه خلل في التفكير السوري السائد وطريقة النظرة العامّة إلى هذه المسألة، بما يؤدي إلى حالات من عدم التجانس بين «المكوّنات»، وهو الخلل الذي يكمن في الفكرة السائدة سوريّاً عن مفهوم الأمّة.

        نحاول في هذا المقال إثبات أن لدى الجماعة (أو الجماعات) المنتمية إلى الدولة السوريّة، التي بالكاد مرَّ على نشأتها الأولى في عام 1918 قرنٌ من الزمن، مشكلة اليوم في نظرتها إلى نفسها كأمّة (أو أمم)، بما يمنعها من بناء الثقة فيما بين مكوناتها كما يمنعها من تكوين دولة مستقرّة، ليس فقط كنتيجة لغياب الثقة بل أيضاً نتيجة الخلل في تَصوُّر الأمّة الذي يطغى بشكل مستمر على تصوّر الدولة.

        المخيال المُدمِّر

        إذن، ورغم أنه لا يمكن، ولا يجب، الحكم على فكرة الأمّة بحد ذاتها فيما إذا كانت صحيحة أم خاطئة، إلاّ أن ما يُطرح في هذا المقال هو أن طريقة تفكير السوريين عموماً في مفهوم الأمّة كانت مُعيقاً لبناء الدولة التي هي أساسُ حياتنا في العصر الحديث. ومن السخرية أن الدولة، التي يتم التضحية بها لصالح تصورات للأمّة تبدو لأصحابها طوق نجاة وحبل خلاص، هي في التطبيق العملي شرطُ الأمّة الأساسي، فأي مشروع للأمّة لا يُمكن له أن يتحقّق دون دولة. ولكن لطالما جرى التعامل مع فكرة الدولة بعداء أو شيطنة، من قبل العقل الجمعي والسلطة على حد سواء، إذ كانت السلطة تُشير إليها كما القوميّون والأمميّون على اختلافاتهم بانتقاصٍ على أنها دولة قُطرية أو دولة فرضها الاحتلال، بينما يفكّر بها مواطنوها على أنّها أداة قمع وخوف، أو خيال نوستالوجي لا مستقبل له، في نوعٍ من تدمير الذات.

        أثر انهيار الإمبراطورية العثمانية على مفهوم الأمة لدى السوريين

        يمكننا القول إن الفكرة السوريّة عن الأمّة مرّت بعدّة مراحل، كانت فيها مبنيّة على عدّة صدمات. ففي الفترة العثمانيّة استفاق السوريّون ليجدوا أن السلطنة قد تخلّت عن امتداداتها في الشرق الأوسط، وأن حاكماً جديداً أتى إليهم من الحجاز وهم لا حول لهم ولا قوة في هذه التغيّرات الكبيرة التي تعصف بالمنطقة.

        لم يكن هذا التغيير مجرد تغيير في شكل الحكم، بل امتد إلى فهم السوريين لمفهوم الأمّة التي ينتمون إليها، ففي الوقت الذي كان السوريّون فيه جزءاً من الإمبراطورية العثمانية الحاكمة بصفتها ممثلة للخلافة، كانوا ينظرون إلى العروبة بصفتها أصلاً تاريخياً وإلى الإسلام بصفته فكرة جامعة لا تقتصر على العرب ويُمثلها الخليفة. مع التحوّل الذي حصل في الثورة العربية الكبرى، وحكم الأمير فيصل لسوريا وهو الآتي من الحجاز بفعل الثورة التي قادها والده الشريف حسين الذي كان والياً عثمانياً على الحجاز، والتي كانت في أساسها تمرداً على السلطنة العثمانية بالتعاون مع أعدائها الأوروبيين وخاصة الإنكليز، فإنّ معاني الأمّة والعروبة والإسلام اتخذت كلها أبعاداً جديدة.

        قدَّمَ الشريف حسين تمرّده على الإمبراطورية العثمانية، التي كان يحكمها ما يُمكن اعتباره خليفة للمسلمين، على أنّه استعادة للخلافة إلى نسل الرسول، فغدت الرابطة الإسلاميّة فجأة رابطة إقصائيّة تُعطي سلالة معينة مكانة خاصة وَجدت ما يؤيّدها في استعادة البُعد العربي للخلافة، والتي تنسجم مع التاريخ التأسيسي للدعوة الإسلامية بصفتها حدثاً عربياً، الأمر الذي تَجسَّدَ في تَمدُّد الثورة العربية الكبرى على المناطق العربية شمال الحجاز، وصولاً إلى سوريا التي حكمها الأمير فيصل وتوَّجَ نفسه ملكاً عليها في خليط من النزعتين العربية والإسلامية.

        في تلك اللحظة الفارقة حدثَ تحوّل في الفكرة الإسلامية من فكرة جامعة إلى صراع سياسي في المقام الأول، وساقها على أنها رابطة إسلامية عربية، ما سمح لفكرة كان يُفترَضُ أن تفتح آفاقاً لتعاون الشعوب المنضوية تحت إطار ديانة واحدة، وحَوَّلها إلى فكرة عصبية تفتقر إلى الأفق الجامع، فهي على سبيل المثال لم تكن تهدف إلى ضم الأتراك تحت لواء «الخلافة الجديدة»، بل اقتصرت آمالها على الجزيرة العربية ومناطق شرق المتوسط لا غير.

        في تلك اللحظة التاريخية حدث تغيير مفاجئ آخر في الفكرة العروبية، ففي الوقت الذي كان العرب ينظرون إلى أنفسهم على أنهم أحد الأعراق المنضوية تحت الخلافة العثمانية، جاءت الثورة العربية الكبرى لتطرح الفكرة العروبية على أنها فكرة قومية انفصالية عن جماعة إسلامية أشمل. صحيحٌ أن تطوير فكرة العروبة كان جارياً في هذه المنطقة قبل ذلك بنصف قرن على أيدي مفكرين سوريين ولبنانيين، إلا أنه يمكن النظر إلى التطبيق العملي للثورة العربية الكبرى على أنها استغلالٌ سياسيٌ لفكرة كانت تحاول التأصيل لمفهوم الأمّة الجامع، وتم استغلالها لصالح مفهوم إقصائي وتمييزي وسياسي للأمّة في الأساس.

        يُمكن القول إذن إن تلك اللحظة التاريخية لم تسمح لفكرة الأمة، بشكليها الإسلامي والعروبي، أن تتأسس كفكرة جامعة حقيقية بل كاجتزاء من فكرة أشمل بهدف مُراعاة أهداف سياسية وتغيرات دولية، لكنها مع ذلك لم تستطع أن تتحول إلى حركة ناجحة. كما أن الفكرة التي كان يُفترَض بها أن تنضج إلى حالة من التفكير العملي العلماني تجاه الدولة في مواكَبة للتيار العالمي، أخذت تنحو إلى اتجاهات أكثر تَطرُّفاً.

        أزمة العروبة والإسلام مع الأصول الغربية لمفهوم الأمة

        في الفترة التي سبقت انهيار الإمبراطورية العثمانية والثورة العربية الكبرى، ظهرت في المنطقة الممتدّة على الأراضي السوريّة واللبنانيّة الحالية تيارات فكرية تدعو إلى فكرة الأمّة العربية. كانت هذه الدعوات نتيجةً مباشرة لحركات الإصلاح التي حدثت داخل الإمبراطورية العثمانية، والتي سعت إلى تمييز العنصر السكاني التركي بصفته القومية هذه، كما كانت الحركتان العربية والطورانية متأثرَتين بالتيارات القومية الغربية التي دعت قبل ذلك بنحو قرن من الزمن إلى مفهوم جديد للاجتماع السياسي قائمٍ على الدولة التي تجد تبريرها في مفهوم الأمّة.

        التأثُّر بمفاهيم الأمّة والدولة في تلك الفترة من التاريخ لم يكن حكراً على المشرق الإسلامي أو العربي، بل كان ظاهرة عالمية امتدت من اليابان شرقاً إلى أميركا اللاتينية غرباً، وكانت ظاهرة غيّرت في قلب أوروبا نفسها قبل أن تُغير العالم، فساهمَتْ في استبدال الإمبراطوريات بدولٍ هيمنت على العالم. لكن التناقض التاريخي بين الشرق المسلم والغرب المسيحي جعل من تبنّي المفهوم الغربي بشأن أفكار الأمّة والدولة عمليةً إشكالية، كما هو حال جميع الأفكار التحديثية الأخرى، وعلى الرغم من أن الرفض المبدئي للأفكار التحديثية الغربية لم يكن سِمةً عربيةً أو إسلاميةً حصرية، فقد عاشته روسيا الأوروبية نفسها كما عاشته الصين واليابان قبلها، إلاّ أنّ المُلاحَظَ أن المُراوَحة السوريّة أمام فكرة الأمّة ما زالت قائمة إلى اليوم.

        الأصول الإسلاميّة واللغويّة التي ساهمت في رفض فكرة الأمّة المؤسِّسة للدولة

        من المُفترَض وفقاً للنموذج التاريخي الغربي أن الفكرة القومية هي فكرة جامعة تُبرر أو تهدف إلى تأسيس دولة، إلا أن التناقض مع الأساس الغربي وحالة الإنكار له أدّت إلى تبنٍ غير ناضج لفكرة الأمّة، اختلطت فيه الأصول اللغوية أو المُقابِلات الدينية لكلمة الأمّة في التراث الإسلامي، بما منعَ من تطويرها إلى مراحل أكثر فعالية.

        لا بدَّ عند الحديث عن الأصول الإسلامية واللغوية العربية لمفهومي الأمّة والدولة أن نلاحظ أصول المفاهيم وترجماتها، فمفهوم الأمّة الحديث هو مفهوم غربي بالكامل كما هو مفهوم الدولة الحديث، وهي ترجمات لكلمتي Nation وState. وباعتبار ما حدث منذ دخول المفهومين إلى اللغة العربية، فإن ترجمة المفهومين بالبحث عن مُقابِلات عربية لهما كان أمراً مدمراً على صعيد فهمهما. فالتاريخ يُثبت أنه يتم تناول مفهوم الأمّة عربياً بالأبعاد العصبية التي وردت في التراث الديني واللغوي التاريخي، بينما تغدو كلمة الدولة تعبيراً مجازياً عن تتابع الحقب التاريخية. وفي تناقض مع المفهوم الحديث للكلمتين، فإن الأمّة لدى الفهم العربي تأخذ مرتبة عالية في تسلسل القيم العصبية، بينما تتراجع مكانة الدولة إلى مجرد واقع تقسيمي يمنع قيام الأمّة العُظمى بمفهومها السماوي وبصفتها مطلقاً موعوداً.

        الأمة والاستعمار والاحتلال

        نتيجة التغيّرات التي واكبت الحربين العالميتين، مرّت المنطقة في مرحلة من تعدّد الهويّات، الذي سيبقى لفترة طويلة محلّ نقاش داخل الهياكل السياسية المرنة التي لم تَكُن قد تبنّت النظام الحداثي للدولة في العصر العثماني المتأخّر، وحتى إلى ما بعد الفرض القسري لهندسة الانتداب الجيوسياسيّة في سايكس-بيكو الذي أدّى إلى تفكيك الرؤية الفكريّة والسياسية لـ «سوريا الكبرى» عن طريق فصل شرق الأردن ولبنان وفلسطين. وعندما زادت فرنسا من تجزئة ما تبقى من الأراضي ومعها الهويّة على أسس طائفية، بإنشائها دويلات منفصلة للعلويين والدروز والسنّة، جوبهت خريطتها الجديدة تلك بمقاومة كبيرة وصراع من أجل الوحدة بالعتاد والخطاب عبر الحركة القومية السورية كخطوة عملية وواقعية، مع اعتبار استراتيجي لهويتها كجزء من دولة قومية عربية أوسع. خلقت تجربةُ الانتداب الفرنسي، ورفضُ فرنسا الاعتراف بهذه الوحدة، صدمة تأسيسية لفرضها بنية دولة مجتزأة ومجزّأة وإعدادها بذلك للفشل. صدمةٌ تأسيسيةٌ أخرى لفكرة الدولة جاءت من احتلال فلسطين، وتقديم الإنكليز جزءاً مما كان يُنظَر له على أنه من سوريا الكبرى لأجل تأسيس «وطن قومي لليهود» كما جاء حينها في وعد بلفور.

        مهّدَ الفشل في صياغةِ هوية وطنية متماسكة وجهازِ دولة شرعي إلى انقلابات متتالية، لجأ كثير من قادة البلاد إلى الاستجابة (أو تجنّب الاستجابة) لها بالتركيز على الأهداف القومية العربية، متجاهلين الشرخ الداخلي الذي كان يتفاقم مع الوقت.

        الأحزاب القومية

        في محاولة لسدّ هذه الفجوة بين الدولة السوريّة والأمة العربية، ظهرت الكثير من الأحزاب والحركات الأمميّة من عروبيّة وسوريّة وإسلاميّة، ومنها تأسيسُ ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار مع آخرين حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي تبنّى إيديولوجية «نهضوية» (إشكالية أيضاً لتَمثُّلِها أسس الحداثة الأوروبية الاستعمارية) تمزجُ ما بين القومية العربية والاشتراكية ومعاداة الإمبريالية. غدت سوريا تحت إدارة البعث «قُطراً» في مشروع أكبر وهو أمّة عربية واحدة وموّحدة. كرّسَ البعث سياساته صراحة تجاه هذا الهدف، رافضاً وقامعاً الهويّات الوطنية الفرعية الأخرى ومتجاهلاً التركيبة الإثنية والدينية المعقدّة للبلاد، ومع حكم الأسد تحوّلَ التركيز العملي إلى توطيد السلطة داخل الدولة السوريّة، في ازدواجيّة ما بين الخطاب والممارسة كانت نتيجته أن أصبحت الدولة السوريّة غاية في حدّ ذاتها وأداة للحكم الاستبدادي وتكريس سلطة عائلة واحدة لنصف قرن قادم.

        الاستغلال السلطوي لمفهوم الأمة المُختَلّ

        يبدو أن أكثر من تَمكَّنَ من استغلال مفهوم الأمّة المختّل وغير الهادف الذي وصفناه أعلاه هي السلطة المستبدّة التي حكمت سوريا طوال نصف قرن. فحكم الأسد لسوريا كان مُبرَّراً بفكرة أمميّة عبثيّة يعرف الجميع، بما فيهم المواطنون قبل السياسيين، أنها غير قابلة للتحقُّق، كما أنّ السلطة في الوقت نفسه لم تبذل أي جهد لتحقيقها. لكن فكرة الأمّة العربية كانت جوهر الخطاب السياسي لحزب البعث والرئيسين حافظ وبشار الأسد. فهذا الخطاب السياسي المُرتكِزُ إلى مفهوم الأمّة حقَّقَ لهذه السلطة عدداً من المكاسب، أوّلها قبولٌ في المخيال الشعبي السوري، ثانياً مزاودة على الحكومات العربية الأخرى في ذلك الوقت الذي ساد فيه هذا المخيال في كثير من الدول العربية، وثالثاً والأهم، نوعٌ من الدولة غير الخاضعة للمحاسبة لأنها أصلاً دولة سماويّة ذات هدف طوباوي لا يُمكن لها أن تُعامَل معاملة الدول العاديّة، كما أنها لكونها طوباويّة التوجّه فهي في طور المشروع المستمر. أي أنها مشروع تسويفي للأبد.

        لا يهم في سياق الاستغلال الإيديولوجي للفكرة كونها أمميّة عروبيّة، فالمهم هنا هو أنّ السلطة تتبنى صيغة تسويفية من نوعٍ ما، بما يمنع من خلالها إمكان المحاسبة. لذلك فإنّه ضمن هذا الإطار، لم تكن خطوات الأسد الاستبداديّة خيانة جوهرية للمبادئ التأسيسية لحزب البعث وحسب (مما استدعى تسميته neo-baath)، وذلك بتخفيض رتبة الأمّة العربية من هدف ثوري إلى واجهة لإضفاء الشرعية، بل هو تابع هندسة التوتر الهوياتي الفرعي (طائفي وإثني) الموروث عن الانتداب الفرنسي، ليغدو في الظاهر معادياً للاستعمار بينما يتشابه معه في كونه سلطة غير ذات مصلحة وطنية.

        الدولة التسويفية

        أحد الأسباب التي سمحت بتفشّي ظاهرة الدولة التسويفية هذه هو أن البعث لم يكن هو الحزب الوحيد الذي انتشر في سوريا مُستغِلَّاً فكرة الأمة غير المُتحقِّقة، إذ يمكن أن نَضمُّ إليه الحزب القومي السوري والأحزاب الشيوعية والإسلامية، ما منع وجود معارضة جذرية للفكرة، وما يوحي كما ذكرنا بأن هذا النوع من التفكير الخلاصي التسويفي مُتغلغل في التفكير الجمعي السوري.

        لا يعني ذلك أن النزاع على السلطة وآليات توزيع القوى بين الفئات المختلفة للمجتمع لم يكن حاضراً، لكنه يعني أن هذا المخيال الجمعي من التفكير في الأمة، الذي لم يستطع النضج إلى تصوّر واضح للدولة، كان هو الحاكمَ لعمليات استحواذ السلطة وتأييدها. فمآلاتُ السلطة في سوريا، التي لا تلبث أن تتخذ أشكالاً طائفية دون أن تكون مُحمَّلة بتطبيقات دينية واضحة، هي نتيجة لهذا المخيال الجمعي الذي يستغله الفاعل السياسي بشكل ممنهج، والذي يرى المجتمع على أنه جماعات منفصلة غير قادرة على رؤية البُعد المصلحي في كيان الدولة.

        الأمّة بصفتها فكرة خلاصيّة

        ضمن هذا الإطار الثقافي تتحوّل فكرة الأمّة إلى فكرة خلاصيّة مطلقة. ففي غياب أو تقزيم دور الدولة، التي هي التطبيق العملي الغائي لأي أمة، تتحول الأمة إلى فكرة مجانيّة لا تُحاسَبُ بإمكان التحقق. كما أن بُعدها التقديسي المتأثّر بورودها في النصوص الدينية، ونشأتها وتطورها كردٍّ على الآخَر (العثماني ثم الفرنسي ثم الإسرائيلي)، فإن فكرة الأمّة تتحول إلى وعد إلهي بالانتصار. فوق ذلك كله، فإن فكرة الأمّة في المخيال العربي تجد إثباتاً تاريخياً لشرعيتها بالنظر إلى نجاح تطبيقاتها الغربية، في حالة من الانفصام بين رفض المفهوم وتَمثُّله عند الاستشهاد والتأصيل للفكرة.

        غلوُّ الأمة وتَراجُع الدولة

        ضمن هذا الإطار لتشكّل فكرة الأمّة في المخيال السوري، والتركيز على أصولها التراثية العصبيّة التقديسيّة وتجلّياتها الخلاصيّة التسويفيّة، ومع تَراجُع فكرة الدولة عن كونها الرديف التطبيقي لفكرة الأمّة في فصلٍ عن أصولها الحديثة، فإن مفهوم الأمّة تَحوَّلَ في سوريا، ومع انهيار الحكم المستبّد لعائلة الأسد الذي كان يُمثّل المُحتكِرَ الوحيد َللتطبيق العملي لفكرة الأمّة في الساحة السياسية السوريّة، تَحوَّلَ مفهوم الأمّة مع غياب الضبط السلطوي إلى مفهومٍ صراعيٍ محلّي، فكلّ مجموعة سوريّة ترى في نفسها أساساً لـ«أمّة متخيّلة خلاصيّة» من حيث أنها تحميها أمام الآخرين في الداخل، الذين لا يمكنها رؤيتهم كشركاء، لأن أساس فكرة الأمّة في المخيال الجمعي هو إقصائي من حيث النشأة والتطور والتأصيل الديني من جهة، ومن جهة أخرى من حيث انعدام البُعد التطبيقي المصلحي العملي في فكرة حَوَّلَها طولُ القمع إلى فكرة طوباوية ربما يقتلها التَحقُّق.

        فكرة الأمّة، بهذا المعنى، هي فكرة مُعيقة لتشكّل الدولة حيث أن كليهما مفاهيم غير ناضجة لدى المخيال السوري العام، فضلاً عن أنها مُهدِّدة للسلم الأهلي كما هو واضح اليوم.

        إن أصدق دليل على الهشاشة البنيويّة الجوهريّة للدولة السوريّة يكمن في تجربة الحرب التي تلت انتفاضة عام 2011، بما في ذلك «المرحلة الانتقالية» الراهنة، إذ لا تزال السجالات العامة المُعبِّرة عن المخيال الجمعي تجاه الدولة السوريّة – المأمولة خلال الثورة أو المتحققة بعد سقوط الأسد – تطرح تصّوراً صِراعياً: بين مؤيد ورافض لمخيالٍ للدولة يُجسِّدُ هوية أممية جامعة لهويات فرعية متنافسة دينية أو طائفية، ترى كلٌّ منها نفسها ضداً للأخرى. يفشل هذا المخيال إذاً في خلق هويّة سوريّة مُوحَّدة ومتجانسة تسمح باستقرار السلطة، وتمنح شرعية تتجاوز مجرد الادعاءات الخطابية لأي سلطة حاكمة.

        الأمّة المستحيلة (وليس الدولة المستحيلة)

        يبدو إذن أن الأمّة كما تحضرُ في المخيال السوري فكرةٌ مستحيلة التحقيق، ليس لأنه لا يمكن لها أن تتجلى في دولة كما هو المآل المفترض بحسب الفرضية الأساسيّة تاريخيّة المَسند، لكن لأنها في صُلبها فكرة إقصائيّة متناقضة خلاصيّة تسويفيّة كما ناقشنا في هذا المقال. لذلك فإن ما نطرحه هنا ليس أن الدولة السوريّة مستحيلة التحقق، بل أن الأمّة في سوريا هي الفكرة مستحيلةُ التحقق، والتي يجب التخلّي عنها لصالح فكرة اجتماعٍ أكثرَ عمليةً ودُنوَّاً من الواقع والحاجات الحقيقية للشعب السوري.

        الدولة المنطقية

        لذلك فإن ما نطرحه هنا أن مخيال السوريين عن الوطن هدَّام، وأنَّ بناء الدولة السورية على أساس مخيال الأمة بصيغته السائدة يجب أن يجري تجاوزه تماماً لصالح التفكير بالدولة في صيغة مصلحة عمليّة وليس كتجسّد للأمّة، فالأمّة مفهوم تم تجاوزه في العصر الراهن من حيث أصبحت الدول دول قانون في المقام الأول، تقوم على صيغ إداريّة مهمتها الأساسيّة ضمان استقرار المجتمع وتنظيمه، وحيث تميل دول كثيرة إلى أن تكون دولاً كوزموبوليتانية من حيث استقبالها لمهاجرين من كلّ أنحاء العالم. يحتاج السوريون الدولةَ لوقف صراعاتهم وبناء استقرارهم السياسي والاقتصادي، وهذا الجهد لتجاوز مفهوم الأمّة هو جهدٌ سياسي وثقافي متزامن بالضرورة. ولما كانت الأفكار لا تنتشر بشكل تلقائي يفيض عن المجتمع، بل بفعل جهود مؤسساتية ثقافية من نوع ما، فلا بد لأي محاولة مؤسساتية أو ثقافية تُحاول ترسيخ مفهوم الدولة من السؤال: ما الذي يدفعنا مراراً وتكراراً إلى التمسّك – حدّ الاستماتة – بمفهومٍ عقيمٍ للأمّة لا يخدم بناءَ الدولة؟

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى