تشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

تطور الاقتصاد السوري تحديث 12 شباط 2026

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:

تطور الإقتصاد السوري

——————————————

تحديث 12 شباط 2026

—————————-

 بين منطق السوق الحر وواقع الفقر.. لماذا يثير رفع الدعم الجدل في الشارع السوري؟/ خالد الخطيب

2026.02.12

في الاقتصادات الخارجة من ثورات طويلة، كسوريا مثالاً، لا تكون القرارات الاقتصادية مجرد خيارات تقنية تناقش في غرف الخبراء، بل تتحول إلى قرارات تمس مباشرة تماسك المجتمع واستقراره المعيشي، فبعد سنوات من الحرب التي شنها النظام المخلوع على الشعب السوري وما خلفه من دمار، وانهيار البنى التحتية، وتراجع الإنتاج، وتآكل القدرة الشرائية، يصبح لأي تغيير في السياسات الاقتصادية أثر فوري ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية للناس، من كلفة الخبز والمواصلات إلى فواتير الكهرباء والمياه.

وهنا يبرز ملف تحرير الأسعار ورفع الدعم، وخصوصاً عن خدمات أساسية كالكهرباء، بوصفه واحداً من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل في الشارع السوري، إذ لا ينظر إليه فقط كخيار اقتصادي يهدف إلى تقليص الأعباء المالية على الدولة أو معالجة تشوهات السوق، بل كتحول يمس مباشرة قدرة غالبية الأسر السورية على الاستمرار في تلبية احتياجاتها الأساسية في ظل دخول محدودة للغاية، كالدخول المالية التي يحصل عليها المعلمون مثلاً، والتي تتراوح بين 90/140 دولاراً كراتب شهري، وبحسب المنطقة.

وبين فريق يرى في هذه الخطوات ضرورة لإدارة شح الموارد وإعادة تنظيم السوق وتقليل الهدر، وفريق يحذر من كلفتها الاجتماعية المرتفعة في بيئة يطغى عليها الفقر والبطالة وانعدام شبكات الحماية، يتشكل نقاش واسع حول توقيت هذه السياسات وحدودها، وحول ما إذا كانت الظروف الحالية مؤهلة لتحمل مثل هذا التحول، أم أن كلفته قد تفوق بكثير أي مكاسب متوقعة منه.

صدمة السوق الحر

 يرى خبراء في الاقتصاد أن تطبيق سياسات السوق الحر دفعة واحدة في بلد خرج لتوّه من حرب مدمرة شنها النظام المخلوع واستمرت لأكثر من عقد، لا ينظر إليه بوصفه إصلاحاً اقتصادياً تقليدياً بقدر ما يعد مجازفة عالية الكلفة، فالدول التي شهدت حروباً أو انهيارات سياسية احتاجت عادةً إلى مراحل طويلة لإعادة بناء مؤسساتها، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار الإنتاجي والنقدي، وتثبيت أسواقها، قبل الانتقال التدريجي نحو تحرير الأسعار وتقليص الدعم.

ويقول أحمد عزوز، وهو متابع للشأن الاقتصادي في حلب، لموقع تلفزيون سوريا، إن تجارب دولية مثل روسيا في تسعينيات القرن الماضي، والأرجنتين عام 2001، واليونان بعد أزمة 2010، أظهرت أن التحرير السريع للأسعار ترافق مع ارتفاع معدلات الفقر، وتراجع الإنتاج، واتساع الجريمة والفساد، رغم امتلاك تلك الدول بنى مؤسساتية واقتصادية أقوى بكثير، ويضيف أنه في السياق السوري، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن الغالبية الساحقة من السكان تعيش تحت خط الفقر، يصبح التساؤل مشروعاً حول قدرة اقتصاد بهذه الهشاشة على تحمل صدمة مماثلة دون كلفة اجتماعية باهظة.

وفي حلب، بوصفها واحدة من أهم المراكز الصناعية والتجارية في البلاد، تبدو آثار هذه السياسات أكثر وضوحاً على الأرض، فخلال استطلاع أجراه موقع تلفزيون سوريا، أشار عدد من أصحاب الورش والمنشآت الصغيرة إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والمواد الأولية جعل الاستمرار في الإنتاج أكثر صعوبة من أي وقت مضى، الركود لا يزال يخيم على الأسواق، والحركة التجارية محدودة، في حين لم ينعكس مرور أكثر من عام على سقوط النظام المخلوع في تحسن ملموس في النشاط الاقتصادي.

وبحسب آراء عدد من الصناعيين والتجار، فإن الفجوة بين القدرة الشرائية للمستهلكين وكلفة الإنتاج آخذة في الاتساع، فارتفاع الأسعار لا يقابله تحسن في الدخل، ما يحد من تصريف المنتجات ويبقي المخازن ممتلئة والبضائع راكدة، وبذلك يتحول تحرير الأسعار من أداة يفترض أن تنشط السوق إلى عامل ضغط إضافي على قطاع إنتاجي لم يستعد بعد عافيته، ويجد نفسه بين كلفة تشغيل مرتفعة وسوق استهلاكية ضعيفة.

هذا الواقع، كما يراه صناعيون وتجار في حلب، يعكس فجوة بين الفرضيات النظرية لسياسات السوق الحر وبين البيئة الفعلية التي تطبق فيها، حيث لا تزال البنية التحتية متهالكة، وسلاسل التوريد غير مستقرة، والمنافسة محدودة، ما يجعل قدرة السوق على تصحيح اختلالاته ذاتياً أمراً موضع تساؤل.

الكهرباء نموذجاً

يضيف عزوز أن ملف تسعير الكهرباء يعد مثالاً عملياً ومباشراً على الجدل الدائر حول تحرير الأسعار، ففي الدول المستقرة، لا تتجاوز فاتورة الكهرباء المنزلية عادة 2 إلى 3 في المئة من دخل الفرد، ما يجعل أثرها المالي ضمن حدود يمكن استيعابها من دون أن تتحول إلى عبء معيشي، أما في بيئة ذات دخول متدنية للغاية، حيث لا يتناسب مستوى الأجور مع تكاليف الخدمات، فإن تسعير الكهرباء وفق منطق السوق لا يؤدي إلى ترشيد الاستهلاك بقدر ما يتحول إلى ضغط يومي إضافي على الأسر.

لكن الأثر لا يتوقف عند حدود المنازل السورية، فالكهرباء في مدينة مثل حلب ليست خدمة منزلية فحسب، بل هي عصب رئيسي للورش الصناعية الصغيرة، والمعامل الضخمة، ومحال الحدادة والنجارة والخياطة، ومضخات المياه في الأراضي الزراعية، وسلاسل التبريد في المتاجر، وأي زيادة في كلفتها تنعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، التي تنعكس بدورها على السعر النهائي للسلعة، في سوق يعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية.

في أحد الأمثلة التي رصدها موقع تلفزيون سوريا خلال استطلاع ميداني، أشار صاحب ورشة خياطة في حي سيف الدولة إلى أن فاتورة الكهرباء الشهرية أصبحت تقارب قيمة أجور العاملين لديه، ما اضطره إلى تقليص ساعات التشغيل وخفض عدد العمال، وفي ريف حلب، أوضح مزارعون أن تشغيل مضخات المياه لري الأراضي بات أكثر كلفة من العائد المتوقع من المحصول، ما دفع بعضهم إلى تقليص المساحات المزروعة أو التوجه نحو الزراعة البعلية، فالمخاطرة في زراعة البعل أقل.

وبهذا المعنى، لا تتحول زيادة تسعير الكهرباء إلى بند مالي إضافي فقط، بل إلى عامل يؤثر في قرار الإنتاج ذاته، هل يستمر صاحب الورشة؟ هل يزرع الفلاح أرضه؟ هل يوسع التاجر نشاطه أم يجمده؟ كل ورشة تغلق، وكل أرض تتوقف عن الإنتاج، تعني عملياً زيادة في البطالة، وتراجعاً في المعروض من السلع، وما يتبع ذلك من ارتفاع إضافي في الأسعار، في حلقة تضغط أكثر على المجتمع.

ويرى منتقدون أن أي خطوة نحو تحرير أسعار خدمات أساسية كالكهرباء ينبغي أن تسبقها إجراءات موازية وواضحة، مثل تنظيم الأسواق والحد من الاحتكار، وفرض حد أدنى حقيقي للأجور يتناسب مع تكاليف المعيشة، وتوفير شبكات حماية اجتماعية فعّالة، وقياس الأثر المتوقع على القطاع الإنتاجي قبل التنفيذ، حتى لا يتحول الإصلاح المالي إلى عبء اقتصادي واجتماعي مضاعف.

بين ضرورات الإصلاح ومخاطر الكلفة الاجتماعية

يشير الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن تحرير الأسعار يعد من أكثر الخيارات الاقتصادية حساسية في الدول الخارجة من اضطرابات طويلة، لأن هذا القرار يقع في نقطة تقاطع دقيقة بين الحاجة الملحّة لإصلاح الاختلالات المالية، وبين هشاشة الواقع الاجتماعي والمعيشي، ففلسفة تحرير الأسعار، من الناحية النظرية، تقوم على تقليص التشوّهات في السوق، وإعادة توجيه الموارد بكفاءة، والحد من الهدر، وتخفيف العبء المالي عن الدولة، خاصة عندما تكون الإيرادات العامة محدودة والالتزامات كبيرة.

ويوضح السيد عمر أن الحكومة، وفق هذا المنظور، لا تتبنى نموذج السوق الحر بصيغته الكاملة، بل تتجه نحو مسار مرحلي يهدف إلى إدارة الندرة وضبط الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات، أي أن المسألة، كما يصفها، ليست انتقالاً أيديولوجياً نحو اقتصاد حر، بل محاولة للتكيّف مع واقع مالي ضاغط، غير أن هذا التوجه، كما يؤكد، لا يمكن فصله عن ضرورة مرافقة أي تحرير للأسعار بإجراءات واضحة تحمي القدرة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة، لأن السوق في بيئة ضعيفة الإنتاج والمنافسة قد يتحول من أداة تنظيم إلى عامل ضغط إضافي على المجتمع.

ويبرز عامل التوقيت هنا بوصفه عنصراً حاسماً في تقييم هذه السياسة، فتحرير الأسعار في اقتصاد مستقر، يمتلك قطاعاً إنتاجياً نشطاً، ومنافسة حقيقية، وبنية تحتية سليمة، يختلف جذرياً عن تطبيقه في اقتصاد يعاني من ضعف الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، ومحدودية المنافسة، واختلال سلاسل التوريد، وفي مثل هذا السياق، قد لا تؤدي آليات السوق إلى تصحيح الاختلالات ذاتياً، بل قد تكرسها، ما لم تترافق مع رقابة فعّالة وسياسات مكملة تضبط إيقاع السوق وتمنع تحوّل التحرير إلى فوضى سعرية.

من هنا، يرى السيد عمر أن الحكم على هذه السياسة لا يمكن أن يكون تبسيطياً، بوصفها طريقاً مؤكداً للتعافي أو وصفة جاهزة للانهيار، بل هي مسار ضيق بين ضرورات مالية ملحة وكلفة اجتماعية مرتفعة، يتطلب دقة في التوقيت، ومرونة في التنفيذ، واستعداداً للتعديل المستمر وفق النتائج على الأرض، فنجاح أي تحرير للأسعار يبقى مرتبطاً بمدى قدرته على الاندماج ضمن رؤية أوسع تربط الإصلاح الاقتصادي بالاستقرار الاجتماعي، لأن غياب هذا الربط يفقد السوق وظيفته كأداة إصلاح، ويحوّله إلى عبء إضافي على مجتمع أنهكته سنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية.

لا يبدو الجدل حول تحرير الأسعار في سوريا مجرد خلاف اقتصادي بين فريقين في إدارة السوق، بقدر ما هو نقاش حول قدرة المجتمع نفسه على تحمل تبعات هذا التحول في لحظة لا يزال فيها التعافي هشاً وغير مكتمل، فالفجوة الواسعة بين مستويات الدخل وكلفة المعيشة، وضعف الإنتاج، وغياب شبكات الحماية الكافية، تجعل أي قرار من هذا النوع يتجاوز أثره الحسابات المالية ليصل مباشرة إلى الاستقرار الاجتماعي، والتجارب الدولية، والواقع الميداني في مدن كحلب، يقدمان مؤشرات واضحة على أن نجاح مثل هذه السياسات لا يرتبط بجرأة القرار بقدر ما يرتبط بتوقيته، وتسلسله، والإجراءات المرافقة له، فالسوق، في بيئة مستقرة، قد يكون أداة فعالة لإعادة التوازن، لكنه في بيئة منهكة قد يتحول إلى عامل يضاعف الاختلالات القائمة.

لذلك، يبقى التحدي الحقيقي أمام صانعي القرار ليس في تبني تحرير الأسعار أو رفضه، بل في كيفية إدارته ضمن رؤية أشمل توازن بين متطلبات الإصلاح المالي وحماية الفئات الأوسع، بحيث لا يتحول الإصلاح المنشود إلى عبء إضافي على مجتمع لا يزال يدفع كلفة سنوات طويلة بسبب حرب النظام المخلوع وما نتج عنها من خراب ودمار طال مختلف القطاعات، بما فيهم الإنسان السوري.

تلفزيون سوريا

—————————–

 ثروات المتوسط: رهانات “شيفرون” وقطر على الغاز السوري/ رهام علي

الخميس 2026/02/12

بينما كانت الحفارات البحرية في دول شرق المتوسط ترفع شعارات الاكتفاء والتصدير، بقيت المياه السورية طوال عقود في حالة “انتظار تقني” وجيوسياسي معقد. واليوم، ومع توقيع وزارة النفط السورية مذكرات تفاهم مع شركة “شيفرون” الأميركية و”باور إنترناشونال” القطرية، يعود ملف الاستكشاف إلى الواجهة، لا كرهان سياسي فحسب، بل كاستثمار في “كنز” أكدته مسوحات زلزالية تعود جذورها إلى عام 2005، لتضع سوريا أمام فرصة تاريخية لاقتناص موقعها بين منتجي الغاز البحري.

​حين كشف النرويجيون أسرار القاع

​لم تأتِ “شيفرون” اليوم من فراغ، فالمسار الاستكشافي السوري بدأ فعلياً في عام 2005 حين تعاقدت دمشق مع شركة “INSEIS” النرويجية (التي استحوذت عليها لاحقاً CGG الفرنسية)، إذ أجرت الشركة مسحاً زلزالياً ثنائياً الأبعاد (D2) غطى 5000 كم طولي على مساحة 10 آلاف كلم²، أي كامل المنطقة الاقتصادية السورية.

نتائج التحليل التي قدمتها شركة “Sagex” آنذاك، وصفت المنطقة بـ”المعقدة جيولوجياً” والواعدة جداً، كونها تقع فوق حدود تكتونية حساسة بين الصفائح الإفريقية والأوراسية، وتضم ثلاثة أحواض رسوبية رئيسية هي: ليفانتين، وقبرص، واللاذقية. هذه البيانات التي نُشرت في تقرير “CGG” عام 2011 هي ذاتها التي تشكل اليوم “بنك المعلومات” الذي تستند إليه مذكرات التفاهم الموقعة أخيراً.

​من البر إلى أعماق البحر

​لا يعدّ الأمل السوري في التحول إلى “دولة غازية” مجرد أمنيات. فقبل عام 2011 كانت سوريا تنتج أكثر من 400 ألف برميل نفط يومياً، وتمتلك احتياطيات برية مؤكدة تصل إلى 2.5 مليار برميل، بحسب هيئة الطاقة الأمريكية ومجلة النفط والغاز 2013. أما في البحر، فإن تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) لعام 2010، يُقدر احتياطيات حوض شرق المتوسط بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاسترداد.

وعليه، فإن سوريا، التي تمتلك نحو 6.5 بالمئة من مساحة هذا الحوض المعروف بـ”ليفانتين”، تراهن اليوم على تحويل هذه التقديرات إلى واقع عبر خبرات “شيفرون” التقنية، خاصة بعد أن أظهرت الأقمار الصناعية “وفق الباحث ستيفن بومان 2011″، بقعاً نفطية وإشارات غازية في توضعات عميقة قبالة الساحل السوري.

تحالف الخمسة الكبار ورهان “أديس”

​وبينما تتركز الأنظار على غاز المتوسط، كشفت تقارير “رويترز” عن تحرك موازٍ لا يقل أهمية في الحقول البرية، حيث تبلور تحالف خماسي يضم عمالقة الخدمات النفطية (بيكر هيوز، هنت إنرجي، وأرجنت للغاز) بالتعاون مع  (شركة طاقة)، هذا التحالف يضع ثقله في 5 مواقع استكشافية في المنطقة الشمالية الشرقية.

​وفي تطور ميداني لافت، أكدت مصادر صحفية اقتراب شركة “أديس” (ADES Holding) السعودية من إبرام اتفاق لاستثمار وتشغيل معمل غاز “كونيكو” في دير الزور. دخول “أديس” – المعروفة بخبرتها في الحفر المتقدم – لا يمثل مجرد استثمار مالي، بل هو “قاطرة تقنية” تهدف لرفع كفاءة المعالجة في المعمل لضمان تدفق الغاز نحو محطات التوليد المحلية، مما يربط طموحات “شيفرون” البحرية بواقع إنتاجي فوري على الأرض، ويحول الخريطة النفطية السورية إلى ورشة عمل متكاملة تقودها تحالفات “عابرة للحدود”.

بين الطموح البحري وتهالك البر

​في حديث خاص لـ”المدن”، يضع الخبير النفطي حيدر البطاط، النقاط على الحروف، مشيراً إلى أن منشآت مثل “كونيكو” التي أُنشئت بتكنولوجيا تسعينيات القرن الماضي، تعاني من “شيخوخة المعدات” (Aging Facilities)، تآكل الأنابيب (Corrosion)، تضرر أنظمة التحكم (SCADA)، وضعف وحدات المعالجة. أما على صعيد المكامن، فقد تعرضت الآبار لانخفاض في الضغط وزيادة في المياه المصاحبة (Water Cut) بسبب الإنتاج غير المنظم.

​ويرى البطاط أنه رغم امتلاك شركات مثل “بيكر هيوز” للخبرة في إعادة تأهيل الضواغط والتحفيز الحمضي، و”أديس” في تنشيط الآبار، إلا أن العودة لمستويات إنتاج ما قبل 2011 خلال جدول زمني قصير هو أمر “غير واقعي”، إذ تتطلب إعادة تأهيل 60 إلى 70 بالمئة من الطاقة السابقة ما بين 2 إلى 3 سنوات من العمل المنظم، مؤكداً أنه “أحياناً يكون بناء معمل جديد أسرع وأرخص من محاولة ترقيع معمل متهالك بتكنولوجيا قديمة”.

​وعن احتياطيات البحر، يكشف البطاط أن رقم 1.2 تريليون متر مكعب هو “تقديرات موارد محتملة” (Prospective Resources) وليس احتياطيات مؤكدة (Proven Reserves)، حيث تواجه استخراجها عوائق تقنية كحفر المياه العميقة (Deepwater)، والضغط والحرارة المرتفعين (HP/HT)، وغياب البنية التحتية، مما قد يتطلب 7 سنوات واستثمارات بمليارات الدولارات.

​وبخصوص دخول “شيفرون” و”باور”، يؤكد البطاط أن العقود “أقل جاذبية” إذا كانت بنظام الخدمة (Service Contracts) ذي الأجر الثابت، بينما تكون “أكثر تحفيزاً” إذا كانت بنظام مشاركة الإنتاج (PSA) الذي يضمن استرداد التكاليف (Cost Recovery) في بيئة عالية المخاطر.

كذلك، يشدد الخبير النفطي على أن المسوحات ثلاثية الأبعاد (D3) ضرورية لتقليل مخاطر الحفر الجاف بنسبة 40 إلى 60 بالمئة، مشيراً إلى أن الاكتشافات العملاقة “فنياً” ممكنة جيولوجياً، لكنها تتطلب حفراً استكشافياً للتأكيد، حيث تحدد أول بئرين أو ثلاثة الاتجاه.

​رحلة العودة من “عقد سويوز” المجمّد

​التوقيع الحالي يعيد الاعتبار لخطة عام 2011، حين طرحت دمشق أربعة قطاعات بحرية (بلوكات) بمساحة 7750 كم²، وهي المناقصة التي تعثرت حينها بسبب ظروف الحرب.

بالتالي، فإن ما حصلت عليه “شيفرون” اليوم، كان من نصيب شركة “سويوز نفط غاز” الروسية في 2013 عبر “عقد عمريت البحري” (البلوك رقم II)، الذي غطى 2977 كلم² بين طرطوس وبانياس.

ورغم رصد 100 مليون دولار للعمل، إلا أن الروس انسحبوا في 2015 لدواعٍ أمنية؛ واليوم، يؤكد صفوان شيخ أحمد مدير الاتصال في السورية للبترول، أن سوريا تمتلك 5 بلوكات بحرية، وسيتم تخصيص أحدها لنطاق العمل المشترك مع “شيفرون” و”باور”، مع توقعات ببدء الدراسات الفنية خلال شهرين، في خطوة تهدف لتحويل مذكرات التفاهم إلى اتفاقيات تنفيذية خلال 8 أشهر.

العقدة اللبنانية والوساطة القطرية المأمولة

​بالتوازي، لا يكتمل المشهد دون حل “لغز الحدود” الذي ظل عالقاً لسنوات، فالمعطيات الفنية المستندة إلى الأرشيف الجيوفيزيائي لشركة (INSEIS) النرويجية تؤكد وجود تداخل في التراكيب الجيولوجية الغازية بين “البلوك رقم 1″ السوري و”البلوكات الشمالية” اللبنانية. هذا التداخل يظهر بوضوح في تقارير “اللجنة الفنية اللبنانية الرسمية المكلفة بملف الحدود البحرية”، والتي وثّقت وجود منطقة نزاع و”تداخل إحداثيات” بمساحة تقارب 900 كيلومتر مربع نتيجة التباين في تحديد “النقطة شمال”، مما جعل هذه المنطقة معطلة استثمارياً لعقود.

​إلا أن المشهد اليوم يتغير جذرياً، إذ تشير استراتيجيات “قطر للطاقة” وتمدد شركة “باور” في حوض المتوسط إلى دور قطري محوري يتجاوز الاستثمار المالي ليلعب دور “الوسيط التقني”. ووفقاً لمؤشرات مذكرات التفاهم الإقليمية المرتبطة بـ”خط الغاز العربي”، يبرز تحالف “شيفرون وقطر” كقوة قادرة على فك اشتباك الحدود عبر نموذج “الاستثمار المشترك” للآبار العابرة للحدود. هذا التوجه يهدف لتجاوز العوائق التي أفشلت الوساطات السابقة، والبدء باستخراج الثروة بناءً على الإحداثيات الهندسية التي أقرتها اللجان الفنية، مما يضمن حصص الأطراف بعيداً عن التعقيدات السياسية التي قد تطول.

بين فكّي “الكفاءة الميدانية” و”الربط الإقليمي”

​وبناءً على قراءة تحليلية لتقارير الاستدامة والتقارير السنوية (2025-2026) لعمالقة الطاقة المشاركين، يتضح أن خارطة طريق الغاز السوري لا تقتصر على مجرد إعادة التشغيل، بل تنقسم إلى مسارين متكاملين: مسار فني-تشغيلي سريع تقوده شركة “أديس” السعودية في حقول المنطقة الوسطى. ومسار استراتيجي-استثماري طويل الأمد تقوده “شيفرون” الأمريكية في المياه الإقليمية، بهدف ربط الحقول البحرية السورية بالمنظومة المتوسطية للإمداد، مما يحول سوريا من مستهلك إلى لاعب طاقوي إقليمي. هذا التكامل، المدعوم بتقنيات التحول الرقمي من “بيكر هيوز”، يضمن استدامة الإنتاج ويقلل الهدر الميداني، مما يضع سوريا أمام مرحلة انتقالية حاسمة تعتمد نجاحاتها على سرعة تأهيل البنية التحتية والموائمة بين المتطلبات المحلية والمصالح الاستراتيجية للشركاء الدوليين.

المدن

—————————-

الليرة السورية الجديدة.. لماذا لا تزال غائبة عن الأسواق؟

رغم مرور أكثر من شهر ونيف على قرار طرح “الليرة” العملة السورية الجديدة للتداول، لا يزال حضورها في الأسواق خجولا ومحدودا، مما يثير تساؤلات واسعة بين المواطنين حول أسباب بطء وصولها إلى التداول الفعلي في حياتهم اليومية.

وفي جولة لمراسل سوريا الآن أحمد أمين بمحافظة دمشق على عدد من الصرافين ومحال الصرافة، اشتكى مواطنون من عدم توفر العملة الجديدة، إذ يقول أحدهم: “تروح على الصرافات بالجملة، بتقول لهم بدي الليرة الجديدة يقولك ما عندي خالص، أي صراف تروح لعنده بيقول لك: ما عندي إلا عملة قديمة، ما عم يحطوا الجديدة بالتداول”.

ويحمّل بعض المواطنين جزءا من المسؤولية للصرافين، معتبرين أنه يجب إلزام مكاتب الصرافة بتأمين العملة الجديدة للزبائن، وأن يكون هناك دور رقابي واضح يحاسب من يرفض تبديل الأموال أو يحتكر الفئات الجديدة.

من جهتهم، يقدر بعض المتابعين أن نسبة تداول العملة الجديدة لا تتجاوز 10%، مقابل استمرار هيمنة العملة القديمة بنسبة تصل إلى 90% في التعاملات اليومية، رغم الفترة التي انقضت منذ بدء الطرح.

ويشير هؤلاء إلى أن المفترض، وفق الخطط الرسمية المعلنة، أن تكون النسبة قد اقتربت من 80% لصالح العملة الجديدة بعد نحو شهر ونصف من صدورها.

ويرجح مختصون أن تعود حالة التعثر إلى جملة من العوامل، من بينها:

طرح متحفظ من المصرف المركزي، لا يسمح بتدفق كميات كافية إلى السوق. واختناقات لوجيستية في قنوات التوزيع، تعيق وصول الفئات الجديدة إلى مختلف المناطق. وأيضا ضعف الرقابة على الصرافين وبعض المؤسسات المالية، مما يفتح الباب أمام ممارسات احتكارية أو تلاعب في التوزيع.

سوريا – إدلب – تدهور الليرة السورية والقرب الجغرافي فرض على المعارضة التعامل الليرة التركية في 2020 . الجزيرة (عمار دروبي)

ويضيف أحد الخبراء الاقتصاديين أن هناك سببين رئيسيين يعمقان المشكلة:

أولهما، معاناة المواطن في إجراءات التبديل، إذ يتطلب تبديل العملة غالبا تزويد المصارف أو مكاتب الصرافة ببيانات شخصية ونسخ عن الهوية، مما يثير تخوّف شريحة من المواطنين من طريقة استخدام هذه البيانات أو توظيفها.

إعلان

والآخر، الخوف من التغيير والاعتياد على القديم فالكثير من المواطنين يفضلون الاستمرار في التعامل بالعملة القديمة رغم رداءة حالها وتلفها، بدافع الاعتياد والخشية من كل ما هو جديد، فضلا عن التخوف من أي إرباك في الحسابات أو القيمة.

المصدر: وكالة سانا الرئيس أحمد الشرع خلال إطلاق العملة السورية الجديدة

الحاجة إلى قرار حاسم؟

في ضوء هذا التعثر، يطرح بعض المراقبين خيارا آخر، يتمثل في سن قانون أو إصدار قرار يحدد سقفا زمنيا نهائيا للتعامل بالعملة القديمة، بحيث تُلغى قانونيا بعد تاريخ معين، ولا يُعتد بها في أي عملية بيع أو شراء، مما يدفع المواطنين والمؤسسات على حد سواء للإسراع في استبدال ما بحوزتهم من فئات قديمة.

ويحذر هؤلاء من أنه إذا استمرت وتيرة الاستبدال بالبطء الحالي، “فقد تحتاج عملية الإحلال الكامل للعملة الجديدة إلى نحو خمس سنوات” قبل أن تخرج العملة القديمة نهائيا من التداول.

وفي يوم 29 ديسمبر/كانون الأول 2025، كشف الرئيس السوري أحمد الشرع عن تفاصيل العملة السورية الجديدة التي حُذف منها صفران، فصارت كل 100 ليرة سورية قديمة تعادل ليرة واحدة جديدة. وأشار إلى أن التصميم الجديد للعملة عكس هوية وطنية جامعة، تقوم على الرمزية المرتبطة بالطبيعة والجغرافيا السورية، والابتعاد عن تقديس الأشخاص.

كما أشار الرئيس السوري إلى أن العملة ركزت على السلع المتوفرة في الدولة السورية، وهي الوردة الشامية (10 ليرات) والتوت الشامي (25 ليرة)، والحمضيات (50 ليرة)، والقطن (100 ليرة)، والزيتون (200 ليرة)، والقمح (500 ليرة).

المصدر: الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

—————————-

عقود بمليارات الدولارات… فأين أثرها على حياة السوريين؟/ أحمد الجابر

الاستثمارات في سوريا بين الوعود والواقع: لماذا لم يلمس السوريون التحسّن الاقتصادي بعد؟

2026-02-12

في ظل التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها سوريا منذ سقوط النظام السابق في نهاية عام 2024، يتجدد الاهتمام على الساحة الاقتصادية بالاستثمارات كمحرك أساسي لإعادة الإعمار والتنمية بعد أكثر من عقد من الحرب والعزلة الدولية.

وتشير التطورات الأخيرة إلى تزايد تحرك المجتمع الدولي والإقليمي لتفعيل دور الاستثمار في الاقتصاد السوري، سواء من خلال توقيع عقود واتفاقيات كبرى أو من خلال زيارات وفود اقتصادية تهدف إلى فتح آفاق تعاون جديدة.

ففي الأيام القليلة الماضية، تم الإعلان عن تأسيس مجلس الأعمال السعودي ـ السوري الذي لاقى ترحيباً من رجال أعمال من الجانبين كخطوة لتعزيز الثقة في مناخ الأعمال السوري وتحفيز المشاريع المشتركة بين البلدين.

كما شهدت دمشق توقيع اتفاقيات استثمار استراتيجية مع السعودية بقيمة كبيرة، ما يمثّل نقطة تحول في العلاقات الاقتصادية ويضع الأساس لمرحلة تعاون أوسع تتجاوز حدود العقود التقليدية.

ولا تقتصر هذه الدينامية على الشق الخليجي فقط، بل يزور وفد اقتصادي أردني العاصمة دمشق حالياً لبحث آفاق التعاون المشترك، في مؤشر يعكس اهتماماً متجدداً من الدول المجاورة بالفرص الاستثمارية في سوريا.

وتأتي هذه التحركات في وقت لا يزال فيه الاقتصاد السوري يواجه تحديات بنيوية كبيرة، إذ يقدر الخبراء أن الناتج المحلي لا يزال صغيراً مقارنة بحجم التحديات، مع حاجة كبيرة لتمويل وتطوير البنية التحتية وإصلاح المؤسسات الاقتصادية.

ومع تخفيف العقوبات الدولية ودخول رؤوس أموال أجنبية إلى السوق السورية، يرى كثير من المراقبين أن البلاد تتحول تدريجياً من الاعتماد على المساعدات إلى منهجية الاستثمار كمحرك أساسي للتنمية، رغم أن النتائج الحقيقية لهذه العقود لم تبرز بعد على المستوى المعيشي للمواطن السوري.

وتبقى الأسئلة حول قدرة هذه الاستثمارات على تحقيق الانتعاش الاقتصادي المنشور ورفع مستوى المعيشة، وما إذا كانت العقود الحالية تحمل في طياتها فرصاً حقيقية للنمو المستدام أم أنها مجرد تعهدات سياسية واقتصادية تحتاج إلى سنوات لتظهر آثارها على أرض الواقع.

خلفيات تأخر الانتعاش الاقتصادي

يقول رامي الدباس، الكاتب والمحلل السياسي لـ”963+”، إن كثرة العقود الاستثمارية الموقَّعة تثير تساؤلاً مشروعاً حول سبب عدم انعكاسها على الواقع الاقتصادي للسوريين حتى الآن.

ويتساءل: لماذا لم ينتعش الوضع المعيشي رغم الإعلان عن هذه العقود؟ ويعتقد أن هناك مخططاً دولياً يقضي بتأجيل ظهور نتائج هذه الاستثمارات إلى ما بعد حرب محتملة بين الولايات المتحدة وإيران. ويضيف موضحاً أن فهم هذا الموضوع يرتبط بالسياق السياسي والعسكري في المنطقة.

ويشير الدباس إلى أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع يتعهد بحرب ضد لبنان، في حين تتعهد الولايات المتحدة بحرب ضد إيران، ويرى أن هناك تحالفاً دولياً لا يريد لسوريا أن تزدهر اقتصادياً في المرحلة الراهنة. ويعتبر أن الدولة السورية الحالية برئاسة الشرع، ضمن الحكومة الانتقالية، لا تتجه فعلياً نحو إنعاش الاقتصاد في الوقت الحالي.

ويطرح الدباس سيناريوهين محتملين؛ الأول يتمثل في انتصار الولايات المتحدة في الحرب وبقاء سوريا موحَّدة، وفي هذه الحالة، كما يعتقد، سيبدأ الواقع الاقتصادي للسوريين بالتحسن وتظهر نتائج العقود الاستثمارية. أما السيناريو الثاني، فيصفه بإمكانية تقسيم سوريا إلى كيانات، مثل دولة في السويداء، وأخرى في الساحل، وربما دولة للأكراد، ويرى أن الانتعاش الاقتصادي قد يحدث في هذه المناطق بشكل منفصل.

ويلفت الدباس إلى أن السوريين خرجوا في عام 2011 مطالبين بالديموقراطية والحرية، لكنه يرى أنه لم تتحقق ديموقراطية حقيقية حتى الآن. ويضيف أن بعض المظاهر الشكلية تغيرت، مثل السماح باستخدام منصات كانت محظورة كـ”تويتر” و”تيك توك”، إلا أنه يعتبر أن ذلك لا يعكس تحولاً سياسياً عميقاً.

كما يصف الدباس المشهد الحالي “بوجود فساد داخل الحكومة السورية، ويقارن بين المرحلة السابقة في عهد الرئيس بشار الأسد، حيث كان المقربون من الحاشية الحاكمة أثرياء، وبين المرحلة الحالية، إذ يعزو الأمر ذاته إلى المقربين من الشرع، خصوصاً جماعة إدلب، الذين يعتقد أنهم سيصبحون خلال سنوات من أصحاب الثروات الكبيرة”.

عوائق

من جهته، يقول رامي الخليفة العلي، الأكاديمي والكاتب الصحفي والباحث في الفلسفة السياسية في جامعة باريس لـ”963+”، إن هناك عدة عوائق تحول دون ظهور أثر العقود الاستثمارية على أرض الواقع، رغم توقيعها.

ويوضح أن أول هذه العوائق يتمثل في الحالة الأمنية التي لم تستقر إلا منذ فترة وجيزة، مشيراً إلى أن حل مشكلة “قسد” جاء بعد فترة من التوتر، كما أن الجنوب السوري شهد مشكلات أمنية، ما يعني أن الاستقرار الأمني والعسكري لم يترسخ بشكل كامل بعد، في ظل استمرار وجود تشكيلات مسلحة على الأرض.

ويتابع موضحاً أن الأمور بدأت تتحسن، خاصة بعد دخول قوات الجيش السوري إلى منطقة الجرجيرة، ما أعطى شعوراً بتحسن نسبي في الوضع، إلا أنه يلفت إلى أن بعض المشكلات الأمنية والعسكرية ما تزال قائمة. ويرى أن أي صاحب رأس مال سيتردد في المخاطرة والدخول إلى منطقة لا تُعد آمنة بالكامل من الناحية الأمنية والعسكرية.

ويشير العلي إلى عائق ثانٍ يتمثل في البنية التشريعية، موضحاً أنه لا يوجد حتى الآن مجلس شعب، وأن العمل ما يزال يجري وفق القوانين القديمة والقرارات التنفيذية السابقة. ويعتقد أنه لا توجد إصلاحات كبيرة وواضحة في هذا الإطار، ما يشكل بيئة غير جاذبة للاستثمار.

أما العائق الثالث، فيتمثل في ضعف البنية التحتية، إذ يوضح أن أي استثمار يحتاج إلى طرق ومواصلات وكهرباء ومياه وإنترنت متطورة، ويضيف أن هذه القطاعات ما تزال تعاني من تأخر كبير، وأن إصلاحها قد يتطلب سنوات من العمل.

ويعتبر العلي أن الاستثمارات بطبيعتها لا تظهر نتائجها بشكل فوري، بل تحتاج إلى سنوات حتى يمكن قطاف ثمار النمو الاقتصادي وانعكاسه على حياة المواطنين. كما يلفت إلى أن القضية لا تتعلق فقط بحجم الاستثمارات، بل أيضاً بطريقة توزيع الدخل والثروة الوطنية، وهو أمر “لا يزال غير واضح في ظل الإدارة والحكومة الجديدتين”.

ويشير إلى ما يراه انحيازاً في بعض الأحيان نحو المستثمر على حساب المواطن، ويستشهد بملف الكهرباء، حيث ارتفعت الأسعار قبل دخول المستثمرين فعلياً، ما يطرح تساؤلات حول أولوية مصلحة المواطن.

ويخلص إلى أن الإجابة عن سؤال: كيف ستؤثر هذه الاستثمارات على الواقع الاقتصادي للسوريين؟ ما تزال غير واضحة حتى الآن، لكنه يعتقد أنه للوصول إلى نتائج ملموسة في التنمية الاقتصادية، فإن الأمر يتطلب سنوات بكل تأكيد.

+963

—————————-

لبنان والأردن يسعيان لإنهاء منع دخول شاحناتهما لسوريا

يسعى لبنان والأردن إلى إيجاد حلول مع دمشق بشأن قرار منع دخول الشاحنات غير السورية المحملة بالبضائع إلى الأسواق المحلية، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولين في وزارتي النقل اللبنانية والأردنية.

واصطفت عشرات الشاحنات أمام معبر المصنع الحدودي بين لبنان وسوريا الثلاثاء بعد منع دخولها، وفق الوكالة.

وقال مدير عام النقل البري والبحري في وزارة الأشغال العامة والنقل اللبنانية أحمد تامر إن ثمة مباحثات مع سوريا بشأن قرارها، مضيفا: “ننتظر أن ينعقد اجتماع قريب، ونتمنى أن يكون في الاجتماع حلول.. الموضوع مسألة وقت والمشكلة داخلية وليس المقصود فيها لبنان أو العلاقات معه، وإنما المقصود إيجاد حلول لمشاكل في حدود أخرى (لسوريا)”.

ونوه تامر بوجود “عملية تبادل تجاري يومية بين لبنان وسوريا تشمل المرافئ ومراكز الإنتاج والتبادل الزراعي”، مؤكدا أن “كل ذلك يتأثر، وأي شيء قد يعيق سلاسل الإمداد والحركة التجارية”.

حجم حركة العبور

تشكّل سوريا بوابة التصدير البرية الوحيدة للبنان لنقل بضائعه، خاصة إلى دول الخليج، وتعبر يوميا 500 شاحنة لبنانية إلى سوريا، وفق المسؤول.

وأصدرت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا السبت الماضي قرارا يقضي “بعدم السماح بدخول الشاحنات غير السورية” إلى الأراضي عبر المنافذ البرية، على أن تتم عملية إفراغ الحمولة من البضائع الموجهة إلى الداخل السوري في نقاط جمركية على المعابر حصرا.

واستُثنيت، وفق القرار الذي نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا)، شاحنات الترانزيت العابرة إلى دول أخرى.

وقال مصدر في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) إن القرار يهدف إلى “تنظيم حركة الشحن عبر المنافذ”.

وفي الأردن، الذي تأثر أيضا بالقرار السوري، قال الناطق الرسمي باسم وزارة النقل الأردنية محمد الدويري “هناك مباحثات حاليا وننتظر الرد من الجانب السوري بخصوص السماح للشاحنات الأجنبية بالدخول والعبور”.

إعلان

وأضاف الدويري أن الشاحنات الأردنية تفرغ حمولاتها في المنطقة الحرة عند معبر نصيب مع سوريا، على الرغم من وجود بعض “الإرباك”، مشيرا إلى أن 250 شاحنة أردنية كانت تدخل يوميا إلى سوريا.

مخاوف في لبنان

أثار القرار السوري مخاوف في قطاع النقل في لبنان الذي أعرب ممثلون عن نقاباته واتحاداته عن خشيتهم لما “يترتب على ذلك من أعباء تشغيلية إضافية وتكلفة مرتفعة، وانعكاسات سلبية على قطاع النقل البري وحركة التبادل التجاري بين البلدين”.

وأعرب هؤلاء في أعقاب اجتماع لهم في مديرية النقل وفق الوكالة الوطنية للإعلام عن “رفضهم تحميل قطاع النقل البري اللبناني أعباء إضافية ناتجة عن إجراءات أحادية الجانب”.

وطالبوا وزارة الأشغال العامة والنقل اللبنانية “باتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية هذا القطاع، بما في ذلك اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل في تنظيم دخول الشاحنات السورية إلى الأراضي اللبنانية”.

ونقلت الوكالة الوطنية للإعلام عن رئيس اتحاد النقل البري في لبنان بسام طليس قوله: “نحن دولتان جارتان على حدود واحدة، واقتصادنا متداخل ومتكامل. والهدف الأساسي يجب أن يكون مصلحة لبنان وسوريا معا، وتأمين سلاسل الإمداد بأسرع وقت وبأقل كلفة ممكنة”.

ووفق بيانات الأمم المتحدة بلغت الصادرات اللبنانية إلى سوريا 101.35 مليون دولار في عام 2024، وحسب أحدث البيانات التي نقلتها وكالة الأنباء الأردنية (بترا) بلغت صادرات الأردن إلى سوريا 174 مليون دينار أردني (نحو 207.33 مليون دولار) خلال أول 9 أشهر من عام 2025، مقارنة مع 36 مليون دينار (نحو 50.77 مليون دولار) للفترة المقابلة من عام 2024.

المصدر: الجزيرة + الصحافة الأردنية + الفرنسية

———————–

 سوريا تكشف عن فساد بالمليارات في مؤسسة التجارة الخارجية

إعفاء المتهمين من مهامهم ومنع تكليفهم بأي أعمال تتضمن مسؤولية مالية

الرياض – العربية

12 فبراير ,2026

كشف الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن قضية فساد مالي في المؤسسة العامة للتجارة الخارجية التابعة لوزارة الاقتصاد في عهد النظام السابق، والتي أسفرت عن ضرر مالي كبير في المال العام بلغ نحو ملياري ليرة سورية قديمة.

وأظهرت التحقيقات أن المؤسسة أبرمت عقداً مع شركة خاصة لتوريد سيارتين مصفحتين لصالح المصرف التجاري، إلا أن المتعهد لم يلتزم بالمدة المحددة لتنفيذ العقد حيث تم تسليم السيارتين بعد انتهاء المهلة المتفق عليها.

وحسب نتائج التحقيق، فإن التأخير كان يستوجب فرض غرامات مالية منصوص عليها في العقد، إلا أن مدد التنفيذ جرى تبريرها بطرق مخالفة للأنظمة والقوانين ما أدى إلى إهدار مبلغ وقدره 614 مليون ليرة، بالإضافة إلى 119 ألف دولار أي ما يعادل أكثر من 1.35 مليار ليرة قديمة، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

عدد قياسي للرحلات ورد أموال للمسافرين.. ماذا حدث في “الخطوط الجوية السورية”؟

سياحة وسفر اقتصاد سوريا عدد قياسي للرحلات ورد أموال للمسافرين.. ماذا حدث في “الخطوط الجوية السورية”؟

وحمّل التحقيق المسؤولية للمتعهد والشركة بصفتها الاعتبارية إضافة إلى المدير العام للمصرف التجاري ورئيس شعبة الآليات ورئيس دائرة الآليات، نتيجة تبرير التأخير بصورة غير قانونية وما ترتب عليه من ضرر مالي ناجم عن سوء تنفيذ بنود العقد.

وخلصت التحقيقات إلى إحالة المتعهد إلى القضاء المختص، وتجريم المعنيين في المؤسسة بتهمة الإهمال المؤدي إلى الإضرار بالمال العام، مع إلزام المتعهد والشركة بصفتها الاعتبارية إلى جانب المعنيين في المؤسسة بسداد المبلغ بالتكافل والتضامن، إضافة إلى إعفائهم من مهامهم ومنع تكليفهم مستقبلاً بأي أعمال تتضمن مسؤولية مالية.

—————————-

 سوريا تتعاون مع “ماستر كارد” لتطوير البنية المالية الرقمية

وتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز الثقة في المنظومة المالية الحكومية

الرياض – العربية Business

12 فبراير ,2026

بحث وزير المالية السوري محمد يسر برنية، مع وفد إقليمي من شركة ماستر كارد العالمية، سبل تعزيز التعاون بين الجانبين في المجال المالي الرقمي ودعم جهود التعافي الاقتصادي.

وأوضح برنية، خلال اللقاء الذي عقد في وزارة المالية بدمشق أمس الأربعاء، أن اللقاء مع وفد “ماستر كارد” يأتي استمراراً لحوار عميق واستراتيجي بدأ منذ الأيام الأولى بعد التحرير بالتعاون مع مصرف سوريا المركزي لدعم جهود التعافي الاقتصادي في سوريا.

وقال برنية إن المناقشات تركزت على أولويات طويلة الأمد، تشمل بناء بنية تحتية مالية رقمية شاملة، وتعزيز الشمول المالي المستدام، إلى جانب مكاسب عملية سريعة، مثل رقمنة الخدمات المالية، والمدفوعات الحكومية، وتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الثقة في المنظومة المالية الحكومية، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

عدد قياسي للرحلات ورد أموال للمسافرين.. ماذا حدث في “الخطوط الجوية السورية”؟

سياحة وسفر اقتصاد سوريا عدد قياسي للرحلات ورد أموال للمسافرين.. ماذا حدث في “الخطوط الجوية السورية”؟

وكانت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية، وقعت أمس الأربعاء، مذكرة تعاون مع شركة “ماستر كارد” الشرق الأوسط وأفريقيا، بهدف تعزيز البنية التحتية الرقمية والمالية، بطريقة تتوافق مع المعايير التنموية والتكنولوجية المعترف بها دولياً.

———————-

====================

تحديث 11 شباط 2026

—————————-

 فوربس: مشكلة وحيدة تعترض سبيل الاستثمارات السعودية في سوريا

ربى خدام الجامع

2026.02.11

تستثمر السعودية ودول الخليج بكثافة في إعادة إعمار سوريا، مع مشاريع تشمل مطارات وشبكات اتصالات ومحطات للطاقة والمياه. ومع ذلك، تأتي هذه الاستثمارات في بلد لا تزال مؤسساته القضائية والإدارية ضعيفة، ودون إطار حوكمة واضح يضمن الشفافية أو العدالة الجغرافية.

تتركز معظم الاستثمارات في دمشق وحلب، بينما تظل مناطق عانت من العنف في مراحل الانتقال خارج نطاق الاهتمام. ولذلك تمثل الفجوة بين ضخ الأموال وأطر الحكم المؤسساتي اللازمة لتحويلها إلى نتائج تنموية حقيقية التحدي الأكبر أمام استقرار سوريا وإعادة إعمارها.

يقدم موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذه المادة التي نشرتها مجلة فوربس ضمن إطار تحليل الواقع الاقتصادي لسوريا خلال المرحلة الانتقالية، من دون أن يعتبر ذلك تبنياً لموقف فوربس أو تماهياً مع رأي كاتب المقال.

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

في السابع من شباط 2026، وقعت المملكة العربية السعودية على تعهدات استثمارية مع الحكومة الانتقالية السورية بلغت قيمتها مليارين وثمانمئة ألف دولار، وتشمل تلك الحزمة إعادة تأهيل مطار حلب وإقامة مطار آخر في تلك المدينة، إلى جانب مد شبكة ألياف ضوئية في البلد على امتداد 4500 كيلومتراً، وتأسيس شركة طيران مشتركة، ومحطة لتحلية مياه البحر على الساحل. وهذه الاستثمارات ترسخ حضور كبرى الشركات السعودية في البنية التشغيلية لدولة ما يزال جهازها القضائي لا يعمل بشكل كامل، أي أن الرساميل وصلت قبل أن تعود مؤسسات الدولة إلى العمل.

أما المخاطر التي تكتنف عملية إعادة إعمار سوريا فتحدد على مستويات ثلاث، وجميعها تشير إلى وجود مشكلة بنيوية أعمق مع كل أرقام الاستثمارات التي تصدرت العناوين.

تركز الامتيازات بيد جهات معينة

أعلنت دول الخليج عن تخصيص مبلغ يقرب من 28 مليار دولار وقعت عليه في مذكرات تفاهم في أواسط عام 2025، مع بلد لا يتجاوز ناتج الدخل القومي فيه 21 مليار دولار، كما قدر البنك الدولي كلفة إعادة إعماره بنحو 216 مليار دولار، غير أن الرساميل التي تدفقت على البلد بقيت محصورة بجهات محدودة. إذ وقعت الشركة السعودية للاتصالات عقداً لإقامة شركة سينكلينك للاتصالات بقيمة تجاوزت 800 مليون دولار. كما وقعت شركة أكوا باور مذكرات تفاهم لإنشاء محطة تحلية لمياه البحر، أما صندوق إيلاف الذي تأسس منذ فترة قريبة، فقد رصد مبلغاً قدره ملياري دولار من أجل مطار حلب. وفي قطر، حصلت مجموعة تعود ملكيتها لعائلة واحدة، وهي شركة UCC القابضة، إحدى شركات المجموعة الدولية للطاقة التي تمتلكها عائلة الخياط، على امتيازات شملت قطاع توليد الطاقة، ومطار دمشق الدولي، واشترت حصصاً في مصرفين سوريين. في حين حصلت شركة دي بي وورلد على امتياز لتشغيل مرفأ طرطوس لمدة ثلاثين عاماً، بقيمة 800 مليون دولار، وذلك لصالح دولة الإمارات العربية المتحدة.

وبعبارة أصح، يمكن القول بإن أربع مجموعات لشركات خليجية باتت تسيطر اليوم على مفاصل حيوية في سوريا، وتشمل هذه المفاصل مطارات وموانئ وشبكة الكهرباء، والبنية التحتية للاتصالات، وشبكة المياه، والقطاع المصرفي، وذلك بعد أن منحت الحكومة الانتقالية التي يترأسها أحمد الشرع تلك الامتيازات للشركات قبل إقرار قانون للمنافسة أو وضع إطار للشراكة بين القطاع العام والخاص، أو إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة لأي من القطاعات المعنية.

الضبابية

كشف تحليل أجرته مبادرة الإصلاح العربي عن حصر عملية صنع القرار على المستوى الاقتصادي في هيئتين، وهما المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية وهيئة الاستثمار السورية، وكلتاهما تخضعان للرئاسة بصورة مباشرة. كما لا توجد إلا نسبة ضئيلة من الشفافية بالنسبة لطريقة التفاوض على عقد الاتفاقيات والصفقات، وكيفية اختيار الشركاء، وإنشاء هياكل الملكية وأطرها. فبالنسبة لحزمة الاستثمارات السعودية التي بلغت قيمتها 6.4 مليارات دولار والتي أعلن عنها في تموز من عام 2025، تحدثت رويترز عن وجود 47 اتفاقية شاركت فيها أكثر من مئة شركة سعودية، وأغلب تلك الاتفاقيات لم يكن أكثر من مذكرات تفاهم غير ملزمة وبشروط غير معلنة.

تمثل شركة سيلك لينك التي ستقيمها شركة الاتصالات السعودية أحد المشاريع القليلة التي تجاوزت عتبة مذكرة التفاهم وتحولت إلى اتفاق تنفيذي جرى التوقيع عليه عقب الحصول على ما وصفه مسؤولون سعوديون “مناقصة قائمة على المنافسة”. غير أن الشروط التنظيمية مثل مدة الترخيص، وتقاسم الإيرادات، وسياسة الطيف القانوني والاقتصادي، والملكية المشتركة مع الجانب السوري، لم تعلن حتى اللحظة، ولا أحد يعرف شيئاً عن الشركاء المحدودين لصندوق إيلاف ولا عن هيكلية لجنته الاستثمارية.

إعادة بناء دمشق وحلب.. والبقية على قائمة الانتظار

سيطرة جغرافية على مناطق معينة

حالياً تركز معظم المشاريع السعودية والقطرية على دمشق وحلب، في حين لم تحظ مناطق الساحل والسويداء الدرزية والشمال الشرقي إلا بنسبة ضئيلة من الاهتمام في الاستثمارات المعلنة التي تدفقت على البلد، على الرغم من تعرض هذه المناطق لأعتى موجة عنف وقعت خلال الفترة الانتقالية، وعلى الرغم من أن الثورة السورية التي بدأت في عام 2011 كان أحد أسباب قيامها الاحتجاج على النموذج الاقتصادي الذي كان يرصد موارد الدولة للمدن صاحبة الحظوة، فكانت تلك الموارد تنتقل إليها عبر مرورها بشبكات مرتبطة بالنظام المخلوع. وعليه، فإن عملية إعادة الإعمار التي تستنسخ تلك المخاطر التي تتمثل بظهور هذا النمط الجغرافي من جديد، لابد أن تعيد إنتاج المظالم نفسها التي تمايز بين المركز والهوامش.

وهنالك شيء أعمق من الجغرافيا يمر بالتوزاي مع ذلك، إذ أيام حكم الأسد، كان القطاع الخاص في سوريا يخضع لسيطرة الأوليغارشيين المرتبطين بالنظام الذين كانوا ينتزعون ريعاً من الدولة عبر عقود وتراخيص لشركات اتصالات. أما عملية إعادة الإعمار اليوم فتعمل من خلال عناصر فاعلة مختلفة، إلا أنها تتبع الآليات نفسها على المستوى الهيكلي، حيث تمنح امتيازات طويلة الأمد لإقامة بنية تحتية لهيئة تنفيذية مركزية في ظل شفافية محدودة، وتتركز تلك الامتيازات في قطاعات ذات حظوة ومكانة على الصعيد السياسي، من دون القيام بعمليات شراء تنافسية أو أي إشراف مؤسساتي.

فجوة كبيرة في المؤسسات

بلغت قيمة التعهدات الغربية والتي أتت من أطراف متعددة نحو 766 مليون دولار، فقد رصد الاتحاد الأوروبي مبلغاً قدره 620 مليون دولار لسوريا سيقدم خلال الفترة ما بين 2026-2027، كما قدم البنك الدولي مبلغاً قدره 146 مليون دولار لبناء محطة لتحويل الكهرباء، في حين تجاوزت مذكرات التفاهم الخليجية الموقعة بين الطرفين 28 مليار دولار. وهذه النسبة التي تعادل تقريباً 36/1 ترجح لصالح الرأسمال الثنائي غير المشروط على حساب أموال المؤسسات التي تتبع للحوكمة، وهذا ما يحدد هوية عملية إعادة الإعمار وشكلها.

يفرض البنك الدولي والاتحاد الأوروبي معايير لعمليات الشراء وقواعد لحماية البيئة، وشروطاً لمكافحة الفساد، مثل شروط صرف التمويل، في حين لا تفرض الاستثمارات الثنائية الخليجية أي شرط، فالعائد الاستراتيجي الذي تنتظره السعودية سياسي بالدرجة الأولى، ويتمثل بإعادة توجيه سوريا بعيداً عن إيران، وتحويل الرياض إلى قبلة للعالم العربي في بناء المنظومات، ودعم واشنطن من خلال سردية تقاسم العبء، أما العوائد المالية فمؤجلة لفترات لاحقة. غير أن الفراغ في الحوكمة الذي تعمل هذه الاستثمارات داخله لا يعتبر تأثيراً جانبياً للسرعة، بل هو الشرط الذي يمكنها من العمل أصلاً.

تحتل تركيا موقعاً متميزاً في هذا السياق، فقد بلغت قيمة التجارة بين البلدين 1.9 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، أي بزيادة تصل إلى 54% سنة بعد سنة. وتعهدت أنقرة بتزويد سوريا بـ 900 ميغاواط من الكهرباء وتشغيل خط الغاز بين كيليس وحلب، غير أن المشاركة التركية تتم من خلال أطر تجارية، مثل إقامة لجنة اقتصادية مشتركة والدخول في مفاوضات للتوصل إلى اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة، وليس عبر الحصول على امتيازات غامضة في مجال البنية التحتية.

لم تعد مشكلة إعادة إعمار سوريا تتلخص بقدرة الرساميل على دخول سوريا، بعد أن رفعت جميع العقوبات عن هذا البلد، بل باتت تلك المشكلة منوطة بقدرة الهندسة المؤسساتية على استيعاب تلك الرساميل من دون استنساخ الديناميات التي دمرت البلد. لأن الاستثمار من دون ضوابط مثل الشراء عبر المنافسة، والشفافية في الإفصاح عن الملاك المستفيدين، ووضع قوانين مستقلة، والعدالة في التوزيع الجغرافي، لابد أن يسفر عن حالة استغلال لا إعادة إعمار.

إن الهوة ما بين مبلغ 28 مليار دولار الذي ورد في مذكرات التفاهم الخليجية وأطر الحكم اللازمة لتحويل تلك الأموال إلى نتائج تنموية تمثل الموضع الذي يخلق الاستقرار في سوريا. أما ردم تلك الهوة من عدمه فيعتمد على العناصر الفاعلة التي لم تصل إلى سوريا بعد بأعداد كافية، وكذلك على وصول تلك العناصر أو عدم وصولها قبل أن تغلق شروط الامتيازات في وجه جيل كامل.

المصدر: Forbes 

————————-

 خيط حرير إستراتيجي بين دمشق والرياض/ عبادة اللدن

2026-02-11

اختارت سوريا اسماً له مغزى للمشروع الذي فازت به شركة سعوديّة لتطوير البنية التحتيّة لقطاع الاتّصالات، هو “Silklink“، ومعناه الحرفيّ “الصلة الحريريّة”، وتصل قيمته إلى 900 مليون دولار. والمغزى أنّ دمشق الجديدة تطرح نفسها، بلا مواربة، صلة وصلٍ استراتيجيّة واقتصاديّة بين المملكة السعوديّة، بما تمثّل من عمقٍ عربيّ وإسلاميّ، وبين أوروبا وما وراءها.

يعد مشروع “الصلة الحريريه” واحداً من أكبر الاستثمارات السعودية المباشرة في سوريا، وتقوده مجموعة “إس تي سي” التي يملك صندوق الاستثمارات العامة النسبة الأكبر من أسهمها. وقد أتى الإعلان عنه ضمن حزمة من الاستثمارات والعقود ومذكرات التفاهم بقيمة 20 مليار ريال (5.3 مليار دولار)، تم الإعلان عنها خلال زيارة وفد سعودي رفيع، برئاسة وزير الاستثمار خالد الفالح.

يعدّ هذا المشروع واحداً من أكبر الاستثمارات السعوديّة المباشرة في سوريا، وتقوده مجموعة “إس تي سي” التي يملك صندوق الاستثمارات العامّة النسبة الكبرى من أسهمها

ليّن وقويّ؟

شملت تلك الإعلانات تأسيس صندوق “إيلاف” للاستثمار السعوديّ في سوريا، واستثمار شركة سعوديّة في إدارة وتشغيل مطار حلب، وتأسيس شركة طيران اقتصاديّ بشراكة شركة “ناس” السعوديّة، ومذكّرة تفاهم لإنشاء محطّة لتحلية مياه البحر، وغيرها الكثير. وتضاف هذه الاتّفاقيّات إلى استثمارات سابقة معلنة بنحو 40 مليار ريال، ليصل إجمالي الاستثمارات السعوديّة المرتقبة والممكنة إلى 60 مليار ريال، أي نحو 16 مليار دولار. ليس هذا الرقم الضخم حدثاً اقتصاديّاً محضاً، بل هو بيانُ استراتيجيّ يعلن قرارَ الرياض الاستثمار في مستقبل سوريا واستقرارها وموقعها الإقليميّ.

توصف الخيوط الحريريّة بأنّها ناعمة وجذّابة وليّنة كالقطن، لكنّها قويّة جدّاً، لا تنقطع مهما بلغ الشدّ والجذب. وربّما يختزل مشروع “Silklink” النظرة إلى طبيعة الصلة المتصوَّرة للعلاقة الاستراتيجيّة بين الرياض ودمشق. الحديث هنا عن مشروع ينقل البينة التحتيّة للاتّصالات في سوريا إلى مكانٍ آخر، من خلال شبكة ألياف ضوئيّة تمتدّ لأكثر من 4,500 كيلومتر، وتتجاوز حدودها الجغرافيّة في كلّ الاتّجاهات، لتجعل منها منظومة ربط إقليميّ تربط الأسواق العربيّة والآسيويّة والأوروبيّة، ليصبح هذا المعبر الرقميّ رديفاً للمعبر التقليديّ للكابلات البحريّة عبر قناة السويس والبحر الأحمر.

ما ينطبق على الاتّصالات ينطبق على قطاعات أخرى، وربّما يشكّل التصوّر الأكبر للدور الذي ترسمه سوريا لنفسها كعقدة وصل بين العمق العربيّ وأوروبا، وهو الدور الذي اضطلع به لبنان لعقودٍ قبل الحرب الأهليّة، ولا تخفي إسرائيل تطلّعها إليه منذ سنوات. يسري الأمر على قطاع الطاقة، حيث يمكن لسوريا أن تصير حلقة وصل في خطوط أنابيب الغاز، من مصر إلى الشبكة التركيّة، ومنها إلى أوروبا، وقد يسري على خطوط نقل الهيدروجين مستقبلاً ومشاريع الربط الكهربائيّ.

لكنّ أهميّة الاستثمار السعوديّ تكمن في أن يشكّل رسالة بأنّ نجاح سوريا هو قرار استراتيجيّ سعوديّ، وهذا القرار بحدّ ذاته يفتح الأبواب الدوليّة المغلقة أمام دمشق، فوجود اسم المملكة بهذا الثقل في سوريا يشجّع مؤسّسات التمويل المتعدّدة الأطراف على تمويل مشاريع البنية التحتيّة وإعادة الإعمار وإعادة بناء المؤسّسات. وهو أمر تلمسه الوزارات السوريّة بالفعل في تعاطيها مع الجهات المانحة والشركات الأجنبيّة المهتمّة بالفرص الاستثماريّة.

بيروت تلتقط الإشارة؟

لم تكن الرياض لتقدّم جواز العبور لولا وضوح الفكرة السياسيّة التي يقدّمها الرئيس السوريّ أحمد الشرع. وقوّة هذه الفكرة أنّها النقيض العميق للفكرة السياسيّة لنظام الأسد، الذي كان يعيش على افتعال المشاكل ومقاولة حلّها، كما فعل في لبنان لردحٍ من الزمن.

يقول الشرع إنّه يريد نقل سوريا من حالتها السابقة، حين كانت ساحة للميليشيات الإيرانيّة، ومصدراً للكبتاغون، لتصبح جزءاً من منظومة الاستقرار والازدهار الاقتصاديّ التي تقودها المملكة السعوديّة في المشرق العربيّ، وهو ما يقتضي الاستثمار في الاستقرار ووحدة الجغرافيا والقرار السياسيّ، وجعل البرنامج الاقتصاديّ العربة التي تجرّ خلفها البرنامج السياسيّ. ومن الواضح أنّ هذا الخطاب يلقى تشجيعاً أميركيّاً مباشراً عبّر عنه المبعوث الأميركيّ توم بارّاك فور إعلان الاتّفاقيات.

يشير الدعم السعوديّ المتجدّد إلى أنّ تمتين قاعدة الحكم في دمشق مسارٌ لا رجعة عنه، وقد أكّدته المظلّة الإقليميّة والدوليّة التي رعت بسط الدولة سيطرتها في شرق الفرات، وفتح قنوات الحديث عن حلّ مستدام لمعضلة السويداء.

تصل هذه الإشارات إلى بيروت أفضل من ذي قبل، وقد تكون اتّفاقيّة نقل السجناء السوريّين المحكومين إلى بلدهم تعبيراً عن التقاط الإشارة.

أساس ميديا

—————————-

هل ينجح “سيلك لينك” في إنقاذ اتصالات سوريا؟

دمشق – يعاني السوريون منذ سنوات من تدهور حاد في خدمات الاتصال، يتمثل في ضعف الجودة وارتفاع الأسعار بما يفوق القدرة المعيشية لغالبية السكان، غير أن الحكومة التي جاءت بعد سقوط نظام بشار الأسد تتعهد بأن يتغير الوضع بعد تنفيذ مشروع “سيلك لينك” الخاص بالإنترنت والاتصالات.

ويرتبط الواقع السيئ بتداعيات الحرب الطاحنة التي طالت البنية التحتية لقطاع الاتصالات في سوريا، إلى جانب غياب التطوير والاستثمار الكافي وارتفاع تكاليف التشغيل، ما جعل خدمات الاتصال عبئا إضافيا، بدل أن تكون رافدا تنمويا داعما للاقتصاد السوري وحياة المواطنين.

في هذا السياق، بدأت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية في مايو/أيار 2025 استقطاب استثمارات خليجية لتنفيذ مشروع “سيلك لينك” الواسع النطاق، الذي يهدف إلى تحديث العمود الفقري الوطني لشبكة الإنترنت والاتصالات، وإنشاء مسارات ربط دولية عالية السعة تمر عبر الأراضي السورية.

اتفاقية للبنية التحتية

وفي السابع من فبراير/شباط الجاري، وقعت اتفاقية البنية التحتية للاتصالات بين الوزارة وشركة الاتصالات السعودية “إس تي سي” (STC) لتطوير المشروع وتنفيذه، بعد عملية تنافسية متعددة المراحل، جرت بإشراف مستشارين دوليين وخبراء في قطاع الاتصالات.

وتقدر الاستثمارات المرتبطة بالمشروع بنحو 900 مليون دولار، ضمن إطار استثماري طويل الأمد بترخيص يمتد 15 عاما مع خيار التمديد، بما يضمن الجدوى والاستدامة التشغيلية.

واستعانت الوزارة في إعداد المشروع بشركتي “آرثر د.ليتل” للدعم الإستراتيجي والتحليلي وتصميم الحوكمة، و”دي إل آي بيبر”  للمراجعة القانونية المستقلة، وتحديد المخاطر التنظيمية والتعاقدية وآليات الحد منها.

وتتضمن مرحلة ما بعد التوقيع تأسيس شركة تشغيل مشتركة، واستكمال التراخيص والتصاريح، وإجراء المسوحات الميدانية للمسارات والمواقع، وتجهيز مقاولي التنفيذ والموردين، إضافة إلى بناء هيكل إدارة المشروع ومؤشرات الأداء تمهيدًا لبدء التنفيذ الفعلي.

مهام الأطراف الرئيسية

وتشمل الأطراف الرئيسية للاتفاقية وزارة الاتصالات المشرفة على السياسات العامة، والهيئة الناظمة للاتصالات والبريد (جهة الترخيص والرقابة)، إلى جانب شركة تشغيل مشتركة بين “إس تي سي” والصندوق السيادي السوري كشريك محلي إستراتيجي، مع ضمان الحفاظ على الحقوق السيادية للدولة السورية.

إعلان

وبحسب الاتفاق، تتمتع الشركة المشغلة بحق حصري لتوريد السعات لمدة 7.5 سنوات بسعر الكلفة مع سقف زيادة محدد، من دون البيع المباشر للمستخدمين، فيما تنتقل ملكية البنية التحتية إلى الدولة فور إنشائها، مع احتفاظ الشركة بحق الانتفاع الاقتصادي طيلة مدة الترخيص.

كما يجري تقاسم صافي إيرادات العبور الدولي بنسب تصاعدية تبدأ من 7.5% في السنوات الـ3 الأولى، وتصل إلى 20% لاحقا، إضافة إلى رسوم تنظيمية ومساهمة في صندوق الخدمة الشاملة بنسبة 1.5%.

الجودة قبل خفض الأسعار

يؤكد مسؤول في المكتب الإعلامي لوزارة الاتصالات، في تصريحات للجزيرة نت، أن المشروع يركز على تطوير شبكة الألياف الضوئية الوطنية والربط الدولي، وتحديث شبكات الهاتف المحمول، بما يشمل خدمات الجيل الرابع (4G) والتحضير التدريجي لنشر الجيل الخامس (5G)، إلى جانب إنشاء مراكز بيانات وتطوير الخدمات السحابية بوصفها أساس التحول الرقمي والحوكمة الإلكترونية وعاملًا لتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.

ويعزو المصدر تراجع جودة الاتصالات إلى إرث طويل من الإهمال، وتقادم الشبكات والدمار الواسع، والضغط المتزايد على البنية الحالية، متوقعا تحسنا تدريجيا مع بدء تنفيذ مشروع “سيلك لينك”.

وأشار المصدر نفسه إلى أن دخول الاستثمارات لا يعني تلقائيا خفض الأسعار، إذ تخضع التعريفات لسياسات تنظيمية تراعي البعد الاجتماعي، بينما يُنتظر تحقيق توازن أفضل بين السعر وجودة الخدمة على المدى المتوسط، مع تحسن الكفاءة وزيادة المنافسة.

غلاء وخدمات متراجعة

كان تعديل تعريفات الباقات نهاية العام الماضي قد أثار جدلا واسعا، بعدما وصل سعر بعض الباقات إلى نحو 300 ألف ليرة (26 دولارا)، وسط انتقادات لعدم تناسب الأسعار مع متوسط الدخل وجودة الخدمة. وانعكس ذلك سلبا على شرائح واسعة، خاصة الطلاب والعاملين عبر الإنترنت.

وتقول هند، وهي مبرمجة من دمشق تعمل مع شركة برمجيات سعودية، إن ارتفاع الأسعار دون تحسن الجودة كان “صدمة حقيقية”، مضيفة أنها تضطر أحيانا للبحث عن إشارة شبكة لإرسال رسالة بسيطة، خصوصا مع انقطاع الكهرباء وضعف التغطية.

وتشير البيانات إلى أن متوسط سرعة الإنترنت في سوريا لا يتجاوز 3.31 ميغابايت في الثانية، وهو من الأدنى إقليميا، ما يعكس حجم التراجع في البنية التحتية.

كما تُقدَّر خسائر القطاع منذ عام 2011 بنحو 500 مليون دولار، مع تضرر قرابة 60% من الشبكات والمقاسم الهاتفية، في ظل استمرار احتكار السوق من قبل شركتي “سيريتل” و”إم تي إن”، ومنع دخول شركات مشغلة جديدة.

المصدر: الجزيرة،

———————————

بعد استعادة الجزيرة السورية… هل تُدار الموارد لإنتاج الاستقرار أم لإعادة إنتاج الهشاشة؟L جمعة حجازي

11 فبراير 2026

على ضفاف الفرات والخابور، حيث تتجاور منظومات الإنتاج الزراعي مع البنية التحتية الاستخراجية لقطاع الطاقة، تتكرّر مفارقة سورية الأكثر قسوة: كيف يمكن لبلادٍ أن تتعب من نقص الخبز والوقود، وهي جالسة فوق قمحها ونفطها؟ في الرقة والحسكة ودير الزور كانت الثروة دائماً حاضرة، لكن التنمية لم تكن كذلك.

تفيد الدراسات بأن هذه المنطقة (الجزيرة السورية) تختزن الجزء الأكبر من الموارد الاستراتيجية للبلاد، نحو: 70% من النفط، وقرابة 60% من القمح، وأكثر من 90% من سعة السدود وفقا لشركة النفط السورية ووزارة الموارد المائية ووزارة الزراعة للعام 2010. ومع ذلك، لم تتحول الثروة إلى استقرار محلي متين، بل بقيت أشبه بتدفقات موارد تمرّ عبر المجتمع من دون أن تترجم إلى مستوى كافٍ من البنى والخدمات والفرص بحسب تقارير: وزارة التخطيط 2010، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2024–2025.

قبل 2011، كانت موارد الغذاء والطاقة متاحة، لكن الرابط بينهما وبين حياة الناس اليومية ظلّ ضعيفاً: اقتصاد يقوم على خامٍ يخرج سريعاً (نفط، غاز) ومحاصيل استراتيجية تُنتَج بنموذج هشّ (قمح وزراعة مروية كثيفة)، مع فجوة خدماتية تجعل الريف واسعاً والمدينة محدودة الجذب، ومع تراكم اجتماعي من الفقر والهشاشة وفق وزارة التخطيط والمكتب المركزي للإحصاء 2010. ثم جاءت الحرب، لا لتكسر الاقتصاد فحسب، بل لتكسر “منطق الاقتصاد” نفسه: النفط صار سلعة تموّل الصراع، والقمح صار عنواناً لانعدام الأمن الغذائي، والماء صار ساحة ضغط، والبيئة تحولت إلى فاتورة كارثية، بحسب البنك الدولي 2023–2025، والفاو ورايتس ووتش 2025.

ما قبل 2011: أرض واسعة وسكان متفرّقون… وإنذار ديمغرافي مبكّر

حين ننظر إلى الصورة قبل الحرب، يبدو أن الجغرافيا كانت تمنح الجزيرة السورية فرصة هائلة، لكنها كانت أيضاً تفرض عليه كلفة تنموية أعلى. الكثافات السكانية في 2010 لم تكن مرتفعة: 48 نسمة .كم² في الرقة، 64 في الحسكة، 37 في دير الزور. في الاقتصاد، يعني ذلك تشتّتاً عمرانياً وارتفاع كلفة إيصال الخدمات، ويعني أيضاً أن أي خلل في النقل أو الكهرباء أو المياه سيظهر بسرعة وبقوة، لأن المجتمع موزع على فضاء واسع.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة هذه المؤشرات (من تركز الخدمات والاستثمار خارج الإقليم، إلى اتّساع فجوة الريف) بوصفها نتيجة خيارات تنموية مركزية متكررة؛ إذ توحي أنماط تخصيص الاستثمار العام والبنى الخدمية قبل 2011 بوجود انحياز ممنهج ضد تحويل الثروة المحلية إلى تنمية محلية، بما يرقى عملياً إلى تهميشٍ متعمد لمنطقة الجزيرة السورية ضمن نموذج إدارة النظام السابق القائم على استخراج الموارد أكثر من بناء القاعدة الاجتماعية – الإنتاجية في مواقعها.

قمح كثيف بنموذج هشّ.. نفط كثير بلا قيمة مضافة كافية

كان القمح في الجزيرة السورية أكثر من محصول؛ كان مؤشّر سيادة. تشير الدراسات إلى أن المنطقة كانت تُنتج قرابة 60% من القمح، وتمتلك حصة كبرى من الأراضي القابلة للزراعة تصل إلى 63.32% وطنياً وفق وزارة الزراعة والمكتب المركزي للإحصاء 2010، لكن القوة الزراعية قامت على زراعة أحادية وعلى ريّ كثيف لا يُدار بكفاءة. فالكفاءة، كما تفيد الدراسات، لم تتجاوز 45% في أحسن الحالات، وفاقد النقل في القنوات بلغ 35%، أي إن الماء، قبل أن يصير قمحاً، كان يُهدر بكميات ضخمة، ومع كل موسم كان يُستنزف “مخزون المستقبل” لتأمين “إنتاج الحاضر”.

في الوقت نفسه، ظلت سلاسل القيمة الزراعية ضعيفة. حين ينتج الريف القمح ويبيع خاماً، ثم يشتري مشتقاته بسعر أعلى من سوق غير مستقر، تتشكل حلقة استنزاف للدخل الريفي. وحين يُنتج محصول نقدي أو استراتيجي بلا صناعات تحويلية محلية قوية، تبقى القيمة المضافة خارج المنطقة، ويبقى الدخل المحلي هشّاً.

أما النفط والغاز، فكانا ثروة سيادية بامتياز لكن أثرهما التنموي المحلي محدود. تشير الدراسات إلى أن الموارد نفسها كانت تتجه إلى النضوب: احتياطي اقتصادي قابل للاستخراج يقارب ملياري برميل بحلول 2010، وإنتاج بلغ نحو 380 ألف برميل عام 2010 على مستوى البلاد، مع توقع تحوّل تدريجي نحو الاستيراد الصافي حتى بدون حرب وفق شركة النفط السورية، 2010 وتقديرات البنك الدولي. لكن المشكلة الأكبر لم تكن في محدودية المورد، بل في نمط إدارته: النفط خرج خاماً، والقيمة المضافة بقيت خارج بيئة الإنتاج، بينما لم تتحول عوائد الخام إلى شبكة خدمات وإنتاج محلي تحمي المجتمع من الصدمات.

حين تحوّلت موارد الطاقة إلى اقتصاد حرب

بدأت المرحلة الأولى (2011–2013) بانسحاب سيطرة مؤسسية وتفككها وظهور “اقتصاد الغنيمة”. الحقول تحولت إلى مواقع تنازع، وتَقدّم نمط استخراج سريع ورخيص ومدمّر. ثم ظهرت “الحراقات” رمزاً لاقتصاد بدائي: تكرير في أفران مكشوفة، وقود رديء، تلوث واسع، حوادث صحية وبيئية. بعد ذلك، جاءت مرحلة التنظيمات المتطرفة (2014–2017) التي نقلت النهب من فوضى إلى “تنظيم شكلي” عبر هياكل مثل “ديوان الاقتصاد”، مع تقديرات لإنتاج بلغ ذروته نحو 50 ألف برميل في اليوم، وفق تقارير الأمم المتحدة ومنظمة الطاقة الدولية. ثم استقرّت (2018–2024) خريطة إنتاج خارج الدولة يُقدَّر بين 80 و90 ألف برميل في اليوم في بعض التقديرات الواردة، يُسوّق عبر شبكات تهريب ووسطاء وتعقيدات عقوبات ومصالح إقليمية، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية 2023، وتقارير البنك الدولي 2023–2025.

المحصلة الرقمية كانت فادحة: إنتاج النفط هبط من 380 ألف برميل في اليوم عام 2010 إلى نحو 100 ألف برميل في اليوم في 2024 .2025 بانخفاض 73.7%، والغاز تراجع 66.7%. وتذكر الدراسات خسائر تراكمية تقارب 120 مليار دولار، مع دمار واسع في البنى التحتية: 70% من خطوط الأنابيب و40% من محطات الضخ و60% من منشآت المعالجة تضررت أو دمرت، وحاجة إعادة تأهيل أولية 8–10 مليارات دولار.

عندما تصبح سلة الغذاء بؤرة الجوع

خلال سنوات الحرب، انخفض انتاج القمح من 4.1 ملايين طن إلى 1.15 مليون طن في موسم 2025 .2026 (انخفاض 71.9%) وفق منظمة الفاو 2025. وارتفعت فاتورة استيراد القمح إلى 3 ملايين طن سنوياً بتكلفة 1.2–1.5 مليار دولار. أما القطن فانهار من مليون بالة إلى ألف بالة تقريباً (انخفاض 99.9%)، فانكسرت سلاسل اقتصادية كاملة مرتبطة بالزراعة والصناعة بحسب وزارة الزراعة في بيانات ما قبل 2011 ومؤشرات 2025. وفي خلفية هذا التحول، تُظهر بنية الاقتصاد قبل 2011 أن المنطقة دخلت الحرب وهي تحمل إرث تهميشٍ راكمه النظام السابق: اقتصاد موارد يُستخرج لمصلحة المركز أكثر مما يُعاد استثماره محلياً، ما رفع الهشاشة وسهّل انتقال الثروة من “مورد سيادي” إلى “عملة صراع” عند تفكك الدولة.

هنا تصل القصة إلى أكثر فصولها إيلاماً: الجزيرة السورية التي كانت تطعم البلاد، صارت تعاني انعدام الأمن الغذائي. تشير الدراسات إلى مفارقة “المُنتج الجائع”، وتضع لها أرقاماً قاسية: في 2025، بلغت حصة الإنفاق على الغذاء 66% في الرقة و64% في الحسكة من الإنفاق الأسري، وفق برنامج الأغذية العالمي وتقارير التنمية البشرية، 2024–2025. وسجّلت الرقة نسبة 48% من الأسر في حالة انعدام أمن غذائي متوسط، بينما سجلت دير الزور أعلى مؤشرات “استهلاك غذائي فقير” (9.7%) بحسب تقارير الأمن الغذائي. وفي الحسكة والرقة لجأت نسب كبيرة إلى استراتيجيات تأقلم مجهدة (33.4% في الحسكة و29% في الرقة)، بحسب برنامج الأغذية العالمي وتقارير إنسانية لعامي 2024–2025. حتى تعدد مصادر الدخل عند كثير من الأسر لا يعكس تنوعاً صحياً، بل محاولة للبقاء لأن كل مصدر دخل بات هشّاً وحده.

فاتورة الحرب التي لا تظهر في البراميل والأطنان

لم تكتف الحرب بخلخلة الاقتصاد؛ بل تركت وراءها كارثة بيئية وخدمية وبشرية. تشير الدراسات إلى تسربات نفطية هائلة بين 2014–2024 تُقدَّر بـ 1.5–2 مليون طن، وتلوّث 350 كم² من الأراضي (منها 120 كم² تلوث شديد)، بحسب هيومن رايتس ووتش 2025 وتقارير بيئية. كما تلوّث 150 كم من مجرى الفرات بمركبات هيدروكربونية تتجاوز الحدود المسموحة 400–600 ضعف. وبالتوازي، ضرب الجفاف: انخفاض الهطل 54% دون المعدل التاريخي، وتراجع منسوب الفرات 60%، وتضرر 75% من الأراضي المطرية، واتساع التصحر إلى 35 ألف كم²، وفقا لمنظمة الفاو 2025 وتقارير بيئية.

على الأرض، تضررت 85% من الطرق. وفي التعليم تضرر أو دمر نحو 40% من المدارس، وفي الصحة توقفت 50% من المراكز الصحية كلياً أو جزئياً وفقا لليونيسف ومنظمة الصحة العالمية 2024). ثم جاءت ضربة الكفاءات: هجرة واسعة للكوادر، ما جعل إعادة التشغيل أصعب من إعادة البناء وفقا لتقارير الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر 2023.

أما المجتمع، فدفع الثمن الأعلى: نزوح يقارب 1.5 مليون شخص أي 17.7% من السكان قبل الحرب وفق تقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين 2025، وبطالة ارتفعت إلى 50–60%، فقر قد يصل إلى 80–85% في بعض المناطق، وتراكم “جيل لم يعمل”: 87% من العاطلين في الحسكة و68% في دير الزور لم يسبق لهم العمل، وفي الرقة تصل نسبة الإناث اللواتي لم يسبق لهن العمل إلى 100% من العاطلات. هذه ليست مؤشرات اقتصاد فقط؛ إنها مؤشرات مستقبل.

كيف يمكن أن يلتقي القمح بالنفط في دورة تعافٍ واحدة؟

مع عودة السيطرة مطلع 2026 وفق فرضيات الدراسات الاستقصائية، تظهر إمكانية إعادة “وصل العصب” الاقتصادي الوطني بمصدره. تشير الدراسات إلى أن استعادة جزء معتبر من القدرة النفطية قد يولد عائدات سنوية 3.2–3.8 مليارات دولار، مع وفورات استيرادية 2–2.8 مليار دولار نتيجة تقليل واردات النفط والغاز التي كانت تُقدّر بثلاثة إلى أربعة مليارات سنوياً، وفق أرقام وزارة النفط السورية وصندوق النقد الدولي 2024. هذه الموارد يمكن أن تتحول إلى رأس مال لإطلاق إعادة التأهيل إذا أُديرت بحوكمة تمنع تسربها إلى قنوات الفساد والتهريب، لكن هذا المسار يحتاج إلى قلبين: ماء وكهرباء. إعادة تأهيل الري ومحطات الضخ وقنواته تتطلب استثمارات 2.5 إلى ثلاثة مليارات دولار وفق تقديرات إعادة التأهيل الزراعي. وفي الكهرباء، تشير الدراسات إلى أن السيطرة على السدود والغاز قد تسمح بإضافة 300–600 ميغاواط صافية في البداية، وخفض كلفة التوليد 40–50% مقارنة بالديزل، بما يرفع التغذية إلى 18–20 ساعة ويخفض كلفة الإنتاج على المنشآت 25–35%—وهنا يصبح النفط أداة لإنقاذ القمح: برميل يمول ساعة كهرباء، وساعة كهرباء تشغّل مضخة ري، ومضخة الري تعيد قمحاً يخفف الاستيراد بحسب تقديرات وزارة الكهرباء2026 والبنك الدولي 2024.

شروط النجاح: لماذا قد تُبدِّد الوفرة نفسها إن غابت الحوكمة؟

تشير الدراسات إلى أن لحظة “وفرة الموارد” بعد استعادة السيطرة لا تعمل تلقائياً بوصفها رافعة تعافٍ، بل يمكن أن تتحول سريعاً إلى عبء إذا تعثرت الحلقة الحاكمة للتنفيذ. فالمسألة ليست وفرة نفط أو قدرة إنتاج قمح فقط، بل القدرة على تحويل هذه الوفرة إلى نتائج قابلة للقياس داخل الاقتصاد الرسمي، لا أن تتسرب مجدداً إلى اقتصاد موازٍ. من هنا، تُفهم شروط النجاح كأنها سلسلة تشغيل: إذا انقطعت حلقة واحدة، انخفض أثر ما بعدها، وعادت المنطقة إلى منطق التهريب والتسييل السريع للموارد بدل استثمارها.

أول هذه الحلقات هو الاستقرار الأمني والسياسي بوصفه شرطاً لتثبيت “الاقتصاد الرسمي” على الأرض. فاحتكار السلاح ضمن المؤسسات ليس تفصيلاً أمنياً، بل شرط اقتصادي مباشر: يوقف الجبايات غير النظامية، ويقلص قدرة شبكات التهريب على منافسة الدولة في إدارة الموارد وتسويقها، ويعيد الثقة الأولية التي تحتاج إليها أي دورة إنتاج واستثمار. من دون هذا الشرط، يمكن أن ترتفع الأرقام على الورق، لكن العائد الحقيقي يتبدد خارج الموازنة وخارج الاستثمار العام.

ثم تأتي الحلقة الثانية: الحوكمة. هنا يصبح السؤال: من يدير الموارد وكيف تُدار؟ تشير الدراسات إلى أن غياب الشفافية في العقود والمشتريات يُحوّل العوائد إلى بنود قابلة للتآكل عبر تضخم التكاليف وتضارب المصالح وسوء التخصيص، إلى درجة يصل معها الهدر إلى 30–40% من العائدات عندما لا توجد رقابة فعالة وقواعد تعاقد واضحة. لذلك تُطرح فكرة هيئة تقنية مستقلة وآليات مشتريات صارمة، ليس بوصفها ترفاً مؤسسياً، بل شرطاً لتثبيت “جدوى الوفرة” في ميزان المالية العامة.

أما الحلقة الثالثة فهي التمويل الأولي السريع. تشير الدراسات إلى أن أشهر ما بعد الاستعادة تُدار بمنطق “التشغيل الفوري” لا بمنطق الخطط البعيدة: إذا لم تتوفر حزمة تمويل 1–3 مليارات دولار في السنة الأولى، يتباطأ تشغيل البنى الأساسية (طاقة، ري، طرق، خدمات)، وتبقى المنطقة أسيرة الإغاثة أو التشغيل الجزئي، ويستمر الركود بما يضعف استجابة السوق ويؤخر الاستثمار الخاص، وفقا لصندوق النقد الدولي 2024 وتقديرات البنك الدولي لعامي 2024–2025. التمويل هنا ليس هدفاً بحد ذاته؛ هو وقود إطلاق دورة الإنتاج قبل أن يفلت الزمن.

وتبقى الحلقة الرابعة: البشر والمؤسسات. فحتى لو توفر أمن وتمويل، فإن تشغيل منظومات معقدة مثل النفط والغاز والري والخدمات يحتاج إلى كفاءات تنفيذية وتشغيلية. لذلك تشير الدراسات إلى ضرورة استعادة الكفاءات المهاجرة وبرامج تدريب مكثف للشباب المحلي، لأن التعافي ليس هندسة منشآت فقط، بل هندسة إدارة وتشغيل يومي طويل النفس، بحسب اليونيسف 2024؛ وتقارير رأس المال البشري.

وعندما تتفاوت مستويات تحقق هذه الشروط، تتشكل ثلاثة مسارات محتملة للتعافي. في السيناريو المتشائم، تُبقي فجوات الأمن والحوكمة والتمويل الاقتصاد في حالة “إنتاج منخفض وسوق موازية قوية”، فيطول التعافي إلى عشر سنوات وأكثر، ويصبح أي تحسن جزئياً وقابلاً للانتكاس. وفي السيناريو الواقعي، تتحسن الأوضاع تدريجياً مع تمويل محدود وإصلاح متدرج، فتظهر نتائج ملموسة لكن ببطء، ضمن أفق خمس إلى سبع سنوات لتعافٍ أساسي. أما السيناريو المتفائل خلال 36 شهراً فيُبنى على فكرة “دورة تعافٍ مترابطة”: تحويل عائدات النفط إلى كهرباء مستقرة ومنخفضة الكلفة، ثم استخدام الكهرباء لتشغيل الري ورفع الإنتاج الزراعي، بالتوازي مع خلق سوق محلية عبر “طلب محفّز” مثل إلزام المشتريات الحكومية المحلية بنسبة 35% لعودة الورش والمنشآت بسرعة (المصفوفة التنفيذية – الأصلية). في هذا المسار، لا تُدار القطاعات بوصفها جزراً منفصلة؛ بل حلقة واحدة تشدّ بعضها بعضاً.

—————————-

 سوريا في المرحلة الانتقالية.. تعافٍ اقتصادي بين قرارات جريئة وحوكمة مرتبكة/ يارا إدريس

2026.02.11

تعيش سوريا منذ أواخر عام 2024 مرحلة انتقالية غير مسبوقة، تتقاطع فيها التحولات السياسية مع محاولات إعادة بناء اقتصاد أنهكته الحرب والعزلة والعقوبات. ولا تمثل هذه المرحلة مجرد إدارة أزمة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على صياغة سياسات اقتصادية كبرى في سياق إعادة بناء مؤسساتها بعد عقود من المركزية والصراع.

في هذا السياق، برزت السياسة النقدية بوصفها إحدى أهم ساحات الاختبار، حيث تحمّل المصرف المركزي عبئًا مزدوجًا: استعادة الثقة بالعملة، وإعادة وصل الاقتصاد السوري بالنظام المالي العالمي.

في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025، أعلن مصرف سوريا المركزي إصدار عملة وطنية جديدة وحذف صفرين من الليرة السورية، على أن يبدأ التداول مطلع عام 2026. وتهدف هذه الخطوة، بحسب الخطاب الرسمي، إلى تعزيز الاستقرار النقدي وتسهيل التعاملات اليومية بعد سنوات من التضخم وفقدان الثقة.

ورغم رمزية هذا القرار في المراحل الانتقالية، تشير التجارب المقارنة إلى أن حذف الأصفار لا يحقق أثرًا مستدامًا ما لم يُستكمل بإصلاحات أوسع في إدارة السيولة، والانضباط المالي، والتنسيق بين السياسة النقدية والمالية.

في موازاة ذلك، أعلن محافظ المصرف المركزي في تموز/يوليو 2025 أن سوريا لن تلجأ إلى الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية، مفضلًا نموذجًا اقتصاديًا مستقلًا قائمًا على الإنتاج والصادرات. ويعكس هذا التوجه رغبة في حماية السيادة الاقتصادية، لكنه يظل موضع جدل في ظل الكلفة الضخمة لإعادة الإعمار.

انفتاح مالي مشروط

سعت الحكومة أيضًا إلى إعادة ربط النظام المصرفي السوري بشبكة “سويفت” للمدفوعات الدولية، في خطوة تمثل تحولًا جوهريًا بعد سنوات من العزلة. غير أن التنفيذ واجه تأخيرات مرتبطة بتخفيف العقوبات ومتطلبات الامتثال الفني والقانوني.

كما أُعلن في منتصف عام 2025 عن قانون استثمار جديد يسمح بتملك المستثمرين الأجانب لمشاريعهم بنسبة 100%، ويمنح حوافز ضريبية واسعة لقطاعات الزراعة والصناعة والصحة. وتمثل هذه الخطوة محاولة واضحة لجذب رؤوس الأموال، إلا أن فعاليتها تبقى مرهونة بقدرة السياسات النقدية والمالية على توفير بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ.

خلال عام 2025، أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن تخفيف تدريجي لبعض العقوبات، لا سيما تلك المرتبطة بالقطاعين المالي والطاقة. وقد شكّل ذلك فرصة لإعادة صياغة السياسات الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه أدخل صانعي القرار في حالة من التردد.

وبعد التأكيد الرسمي على عدم الاقتراض الخارجي، بدأت دمشق فتح قنوات حوار تقنية مع مؤسسات دولية، تُوّجت بزيارة بعثة من صندوق النقد الدولي أواخر عام 2025. كما طُرحت نقاشات حول ربط أكثر مرونة للعملة بهدف استقرار سعر الصرف، لكنها بقيت دون تنفيذ فعلي. ويعكس هذا المسار نمطًا من القرارات الكبيرة التي تُعلن ثم تُعدّل أو تُؤجّل، وهو نمط يربك الأسواق ويقوّض الثقة، ليس اقتصاديًا فحسب، بل سياسيًا أيضًا.

وبحسب مراقبتي للمواد التحليلية التي نشرها د. كرم شعار (مستشار اقتصادي رئيسي في مكتب المنسق المقيم للأمم المتحدة في سوريا) منذ مرحلة ما بعد التحرير، يمكن فهم هذه التطورات ضمن مسار تعافٍ اقتصادي أولي أقوى مما تعكسه التقديرات الدولية المتحفظة، لكنه يظل هشًا وغير مضمون الاستدامة. إذ يرى شعار أن عودة اللاجئين، وتخفيف القيود على التجارة، والانفتاح الإقليمي والدولي، أسهمت في تحفيز الطلب وتحسين التوقعات، وهو ما انعكس في تراجع نسبي للتضخم وتحسن مؤقت في الاستقرار النقدي.

غير أن هذا التحسن، وفق رؤيته، لا يستند بعد إلى إطار مؤسسي متماسك. فغياب رؤية استراتيجية واضحة لإعادة الإعمار، وتذبذب الإشارات المتعلقة بالاقتراض الخارجي، وربط العملة، ودور الدولة في الاقتصاد، يحدّ من قدرة الأسواق على تكوين توقعات مستقرة. ويحذّر شعار من أن قرارات نقدية كبرى، مثل إصدار عملة جديدة أو إعادة الاندماج المالي الدولي، قد تفقد فعاليتها إذا لم تُستكمل بإصلاحات حوكمة حقيقية وآليات شفافة لصنع القرار.

إلى أين يتجه المسار؟

حتى مطلع عام 2026، أظهرت السياسات المتبعة بعض النتائج الإيجابية، مثل انخفاض نسبي في التضخم وتحسن محدود في سعر الصرف، إلى جانب عودة تدريجية للنشاط الاستثماري. إلا أن هذه المؤشرات تبقى هشة ما لم تُترجم إلى نمو إنتاجي حقيقي، وإعادة بناء القطاعات الأساسية، وخلق فرص عمل مستدامة.

في المحصلة، لا يكمن التحدي الأساسي في نقص الأدوات الاقتصادية، بل في نمط الحوكمة التي تُدار بها المرحلة الانتقالية. فبدون رؤية واضحة، وتناسق في السياسات، ومؤسسات قادرة على إنتاج قرارات قابلة للتنبؤ، يبقى التعافي الاقتصادي عرضة للانتكاس، مهما بدت المؤشرات قصيرة الأجل مشجعة.

—————————-

الرأسمال البشري في سوريا وخارطة النهوض/ علي الباشا*

لفت انتباهنا، في مؤتمر الاستثمار المنعقد في الرياض في تشرين الأول 2025، وبحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، تركيزه على الدور المحوري للشعب في إعادة البناء والإعمار للنهوض بسوريا الجديدة. ويُعد هذا التوجه، إن ترسخ، جوهر الاستثمار الحقيقي، إذ إن الإنسان هو الثروة الصامدة لأي دولة تسعى للنهوض وتطمح إلى تحقيق تنمية مستدامة.

وبالتجربة العالمية خرجت دول من نكبات، بعضها مماثل، استثمرت في الرأسمال البشري (كاليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية) وتحولت إلى نماذج مزدهرة. وفي الحاضر، تؤكد رؤية التمكين السعودية 2030، على الرأسمال البشري بتحويل أفكار الأفراد (مهما كانت صغيرة) إلى إنجازات واقعية ملموسة أحدثت فارقًا في جُل القطاعات كتجربة فريدة ورائدة على مستوى المنطقة.

إن الاستثمار في البشر يبدأ من التعليم، وسوريا التي ورثت إرثًا ثقيلًا من بنية تحتية مدمرة إلى نفوس بشرية متضررة قادرة على النهوض لكن يتطلب منها تبني مفهوم التغيير الجذري وليس التجبيري على كافة الأصعدة والمؤسسات، وهو ما يعني البناء من الصفر بأدوات وقواعد وعقلية مختلفة ضمن مجموعة من المعايير والأولويات.

في مقدمتها تغيير فلسفة التعليم الذي يشمل: تطوير المناهج (خفيفة لكن عميقة) بحسب المراحل تجنبًا للتكدس غير الفعّال، تدفع الطالب إلى التفكير النقدي وإيجاد حل للمشكلات المطروحة والتفاعل الحياتي الذي يصل به إلى الإنتاج المعرفي، هذا الأسلوب يدحض أساليب التعليم التلقيني السائد الذي ينقل المعرفة ويقتل الإبداع، إننا بحاجة إلى(تعليم التمكين) وليس (تعليم التلقين).

الأمر الآخر إخضاع الكوادر التعليمية لبرامج تدريبية مكثفة بحيث يكون المعلم محاورًا لا ملقنًا، من خلال استخدامه أدوات وأساليب حديثة يكون فيها الطالب هو المحور. وكذلك توفير بيئة تعليمية ذكية ومتوازنة تشمل الريف والمدينة على حدّ سواء تكون فيها المدرسة مركز للتأثير والجذب.

وليس انتقاصًا من السيادة التعليمية بل سباقًا مع الزمن المتجدد ينبغي الاستعانة بالخبرات الدولية والإقليمية التي تعمل على نقل منهجيات العمل، وربط البرامج الأكاديمية في الجامعات بسوق العمل. ولأن غالبية المعلمين من خريجي التعليم التقليدي، فلا يمكن تغيير المناهج دون إكساب المعلمين مهارات حديثة تتوافق والمناهج وذلك من خلال شركات تعليمية دولية في مختلف القطاعات التعليمية، فالتدريب المتقن يحفز على التغيير المتقن.

وبالتوازي مع التعليم يأتي القضاء، الذي لن أخوض فيه كثيرًا لوجود أهل الاختصاص، ولكن مكافحة الفساد والرشوة ومحاكمة القاضي الفاسد علنًا، ومنح كل العاملين في القضاء رواتب عادلة ثم فرض رقابة صارمة، ورقمنة المحاكم، وتقليل التعقيد الإداري، وموائمة القوانين مع الواقع، كل ذلك يضمن استقلال القضاء وتنفيذ العدالة.

وبما أنّ سوريا بلد زراعي يتحتم أن تكون الزراعة مشروعًا وطنيًا، ومن المعروف أن الدولة التي تهمل الفلاح تستورد الخبز، لذلك التركيز على الزراعة أمر سيادي لتحقيق الأمن الغذائي وذلك من خلال تبني مفهوم الاستثمار الزراعي وتشجيع الفلاح وتوفير المعدات والبذار والمواد اللازمة للفلاحة والتسعير العادل. بالإضافة إلى اعتماد الزراعة الذكية لضمان الاستمرارية والجودة ووفرة الانتاج ودعم الفلاح بقروض حسنة، كل ذلك يساعد على جعل سوريا خضراء من بيارات الساحل إلى سهوب المناطق الشرقية المهملة.

أما بخصوص الطاقة (النفط والغاز) بعد تمكن الدولة من إعادتها، رأينا تقاطع مصالح الدول الاقليمية والدولية فيها، وهي في الحقيقة مهمة لتدوير عجلة الاقتصاد السوري. أما القطاع التعليمي والقضائي والزراعي والاجتماعي فهو شأن سيادي سوري ولا يمكن إخضاعه للمصالح الأجنبية وإن لم تتباه سوريا بمبادرة وطنية من باب الاستثمار في الإنسان فإن التعافي يبقى هشًا و متقلبًا وعاجزًا.

على هذا تأتي النقطة الأهم، وهي تعزيز الاندماج الاجتماعي وبناء الوعي الوطني بين المواطنين على أساس العدل و المساواة بعيدًا عن الطائفية والمعتقدات والاعتبارات العرقية ليشعر المواطن الذي عانى في الحقبة السابقة من التمزق النفسي والعاطفي العميق بروح الانتماء إلى وطنه. ولن يكون ذلك إلا من خلال مجتمع متماسك يتنافس في الإبداعية والطموح بإشراف مؤسسات شفافة ونزيهة ضمن إطار يحترم البعد الاجتماعي والأخلاقي، تنقل من خلاله المواطن من التهميش إلى المشاركة الحقيقية.

ولأن الانسان هو محرك الحياة، فقد استطاع المواطن السوري في الداخل رغم قلة الموارد والمعدات من تطوير مهاراته وابتكاره حلولًا تجريبية واستطاع أن ينتج ويبدع في استغلال قدراته خلال سنوات الحرب. أما في المهجر،  فقد ثبت بالتجربة أن الاغتراب قد صقل الإنسان السوري وحوله إلى إنسان مواكب ومعاصر، استطاع بمهارته التغلب على الفوارق ومواجهة التحديات العلمية والعملية فمثل هؤلاء يشكلون رصيدًا وطنيًا نسترعي الدولة متابعتهم والاستفادة من خبراتهم في المجال البحثي والإداري والزراعة والطاقة والتعليم والتدريب والابتكار والإعمار والتكنولوجيا وغيرها.

لضمان كل ذلك، فإن القيام بدراسات استراتيجية متخصصة من خلال مراكز أبحاث عالمية، تركز على إيجاد حلول للتحديات آنفة الذكر قابلة للتطبيق هي أساس جوهري يضمن التعافي السريع للمجتمع السوري.

في الختام، إن تحقيق هذا النوع من الإصلاحات يكون في خطوات متزامنة غير متقطعة أو متتابعة، بالتركيز على كل قطاع ودون إهمال الآخر، ذلك أن نهوض الدولة هو مشروع نهضوي جماعي لا فئوي تكون فيه القيم والعلم والتخطيط جوهر هذا الاستثمار البشري.

* د. علي الباشا – كاتب سوري

عنب بلدي

—————————–

الإدارة بالعناق/ يعرب العيسى

11 فبراير 2026

هي تقنية سورية مألوفة ومكرّرة. ربما تكون ظاهرة عالمية، لكن الخصوصية السورية هي الحصول على تسمية دقيقة جداً لها، ما سهّل استخدامها في الحياة اليومية، وفي بيع الجوارب، وفي السياسة والاقتصاد، والأهم أنه سهّل كشفَها.

حين ينتبه السوريون إلى ما انطلى عليهم، وغالباً ما يحصل ذلك بعد دقائق أو سنوات من “المقلب”، يبرّرون بكل بساطة: لقد أخذني بـ”العبطة”، وهي عبارة تصلح للاستخدام في حالة فتاة وجدت نفسها فجأة وقد عقدت قرانها إلى رجل تعرفت عليه قبل أسبوع، وفي حالة زبون اشترى عقاراً في منطقة ستبنى خلال السنوات القادمة، وفي حالة فرد من شلّة اشترك في رحلة إلى بحيرة زرزر الجافة، وأيضاً لدى بيوت ارتفعت فواتير كهربائها عشرة آلاف بالمئة، لدى بلدٍ قرّر مصرفه المركزي تبديل العملة، وإسعاد شعبه بعملة جديدة.

تعتمد عظمة التعبير وعبقريته على تلك المفردة العبقرية الدقيقة التي لا يمكن ترجمتها حتّى إلى الفصحى: العبطة. وهي تحمل معنيَين في وقت واحد، الأول قادم من تلاصق الأجساد، والثاني من الاختلاط المرتبك والمرتجل والمتبدل، والذي يسميه معلّقو كرة القدم: دربكة أمام المرمى. الأولى تعني تحديداً ذلك العناق الشامل الذي يحتوي فيه جذع وذراعان جسداً آخر بكامله، ليُغمَر بالاحتواء والدفء والإحاطة، ويجري تصغيرها لتصبح “عبّوطة” في حال كان “المعبوط” طفلاً. وغالباً ما يحصل خلال العبطة أن يقترب الفم “العابط” بالأذن “المعبوطة” وهي اللحظة المناسبة لينطق بما يشاء، ويحصل على القبول.

جرى علينا ذلك مرّات كثيرة، اُخِذنا بـ”العبطة” في كثير من مفاصل حياتنا على مر العقود والقرون. وآخر من “عَبَطنا” هو المصرف المركزي، الذي مدَّ يده إلى شعرنا، ابتسم في وجهنا، مرّات ومرّات لأشهر، ربّت على أكتافنا، طلب منّا تحمل حبس أموالنا في البنوك، جعلنا نصرّف المئة دولار التي نملكها بسعر 11 ألف ليرة، ونشتري زيتاً وصابوناً مسعّراً بدولار 22 ألفاً، قال لنا: طَوْلوا بالكم. وطوّلنا بالنا؛ لأنه أعطانا شعوراً أن ذلك كله سينفرج حال إطلاق العملة الجديدة.

مع نهاية العام الماضي، أعطانا بعض الورق الملوّن. نسي أن يقول إنها “عزّتنا” لكنّه قال عنها: ليرتنا. عرض لنا تصاميمها على شاشة بعرض 30 متراً، فرقع ألعاباً نارية خلفها، شرح لنا ما يعنيه القمح والزيتون، نوّرنا بدلالات التوت، والأبعاد الخفية للقطن، ودور البرتقال في تعزيز اللحمة الوطنية. في تلك اللحظة، كان المصرف المركزي قد “عَبطنا” بعد أشهر من التمدد إلى الغرّة والفودين والكتفين.

نزلنا في اليوم التالي مزهوين فخورين، نخبط الأرض بأقدامنا، وكأنّنا شعب حصل على عملته الوطنية، رمزاً وشرفاً وسوراً يحيط بالاقتصاد وبمعيشة الناس. ولكن؛ وجدنا في مكاتب الصرافة وفروع البنوك وجوهاً تحاول تغطية عجزها بلؤمٍ مصطنع، وتبريرات أطفال من قبيل: لم يرسلوا لنا. خلّصنا اليوم. راجع فرعنا الرئيسي في الشهبندر. الكميات محدودة.

راجعنا البنوك نريد أموالاً بالألوان الجديدة، فأجابوا بنبرة بديهية: أهلاً وسهلاً، أين القديمة؟ وحين أخبرناهم أننا هنا لنسحب بعضاً من أموالنا العالقة عندكم، قالوا: تعليمات المركزي.

عملياً، حان الوقت لإخراج “العبطة” من بين القوسين، وجعلها كلمة من اللغة وليس من العامية، فالبنك المركزي بجلالة قدره: أخذنا بالعبطة.

العربي الجديد

—————————-

صحيفة: سوريا تراهن على احتياطيات غاز تريليونية لجذب عمالقة الطاقة

تسارع دمشق إلى إعادة تموضعها على خريطة الطاقة الإقليمية، بعدما كشفت الشركة السورية للنفط عن خطط لمنح تراخيص لشركات طاقة كبرى للتنقيب عن “تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز”، في خطوة تعكس رهانا على احتياطات غير مستكشفة على نطاق واسع، بحسب ما أوردته صحيفة فايننشال تايمز.

ونقلت فايننشال تايمز عن الرئيس التنفيذي للشركة السورية للنفط يوسف قبلاوي، قوله: “ربما أكثر من ربع، أو أقل من ثلث، قد تم استكشافه”، مضيفا أن “هناك الكثير من الأراضي في البلاد لم يتم لمسها بعد. هناك تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز”.

تراخيص لشركات كبرى

وأوضح قبلاوي للصحيفة أن شيفرون وقعت الأسبوع الماضي اتفاقا مع شركة “باور إنترناشيونال هولدينغ” القطرية لاستكشاف رقعة بحرية، على أن يبدأ العمل “خلال شهرين”.

كما أشار إلى أن رقعة ثانية قيد الدراسة من قبل قطر للطاقة وتوتال إنرجيز، فيما يمكن لكونوكو فيليبس الاستثمار أيضا، لافتا إلى أنه يعمل على الرقعة الثالثة مع إيني، الشركة الإيطالية، وفق ما نقلت فايننشال تايمز

وذكرت فايننشال تايمز أن كونوكو فيليبس كانت قد وقعت مذكرة تفاهم العام الماضي، بينما امتنعت إيني وتوتال إنرجيز عن التعليق.

وأكد قبلاوي، وهو مسؤول سابق في مجموعة ماكديرموت لخدمات النفط الأمريكية، أن سوريا أجرت مسوحات زلزالية ورسمت خرائط لحقول محتملة، لكنها تسعى إلى خبرات دولية في التنقيب بالمياه العميقة، مشيرا إلى أنه من المقرر أن يجري محادثات مع “بريتيش بتروليوم” (بي بي) في لندن هذا الأسبوع، وأنه “منفتح أيضا” على دخول شركات طاقة روسية وصينية.

احتياطات وإنتاج

وأشارت تحليلات شركة “وود ماكنزي” للاستشارات في قطاع الطاقة -نقلتها فايننشال تايمز- إلى أن لدى سوريا ما لا يقل عن 1.3 مليار برميل من النفط والغاز في احتياطات مكتشفة، مع بقاء مساحات واسعة غير مستكشفة، بما في ذلك كامل القطاع البحري الذي “لم تُحفر فيه أي آبار استكشافية”.

إعلان

وكشف قبلاوي أن الحكومة السورية استكملت هذا الأسبوع استعادة السيطرة على حقول النفط في الشمال الشرقي، داعيا الشركات الدولية إلى المساعدة في إعادة الإنتاج بعد سنوات من الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الإقليمية.

وقال: “كنا ننتج 500 ألف برميل يوميا. حاليا بالكاد ننتج 100 ألف”، موضحا أن معظم الحقول “في حالة سيئة وتحتاج إلى صيانة كبيرة”، وأن مسلحين ألحقوا أضرارا ببعض الآبار باستخدام متفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأجل.

وأضاف قبلاوي أنه سيعرض على الشركات الدولية حقولا قائمة لإعادة تأهيلها، بما يسمح لها باستخدام العائدات لتمويل أعمال الاستكشاف في مناطق أخرى، وقال: “ذلك سيكون مكلفا، لكنني سأعطيهم بعض قطع الكعكة لتوليد الأموال”.

وأشار إلى وجود نحو 2000 مهندس على الأرض في الشمال الشرقي لتقييم الحقول، متوقعا تقديم جدول زمني لتعافي قطاع النفط بحلول نهاية فبراير/شباط. كما أعرب عن ثقته بإمكانية مضاعفة إنتاج الغاز إلى 14 مليون متر مكعب يوميا بحلول نهاية العام.

وختم قبلاوي حديثه للصحيفة بالقول: “نحن منفتحون على الشركات الدولية. نحن آمنون، كل شيء تحت سيطرة الحكومة، وننشئ نظام أمن داخلي”، في رسالة تهدف إلى طمأنة المستثمرين الدوليين بأن بيئة العمل باتت مهيأة لعودة الاستثمارات إلى قطاع الطاقة السوري.

المصدر: فايننشال تايمز

——————————-

لبنان والأردن يسعيان لإنهاء منع دخول شاحناتهما لسوريا

يسعى لبنان والأردن إلى إيجاد حلول مع دمشق بشأن قرار منع دخول الشاحنات غير السورية المحملة بالبضائع إلى الأسواق المحلية، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولين في وزارتي النقل اللبنانية والأردنية.

واصطفت عشرات الشاحنات أمام معبر المصنع الحدودي بين لبنان وسوريا الثلاثاء بعد منع دخولها، وفق الوكالة.

وقال مدير عام النقل البري والبحري في وزارة الأشغال العامة والنقل اللبنانية أحمد تامر إن ثمة مباحثات مع سوريا بشأن قرارها، مضيفا: “ننتظر أن ينعقد اجتماع قريب، ونتمنى أن يكون في الاجتماع حلول.. الموضوع مسألة وقت والمشكلة داخلية وليس المقصود فيها لبنان أو العلاقات معه، وإنما المقصود إيجاد حلول لمشاكل في حدود أخرى (لسوريا)”.

ونوه تامر بوجود “عملية تبادل تجاري يومية بين لبنان وسوريا تشمل المرافئ ومراكز الإنتاج والتبادل الزراعي”، مؤكدا أن “كل ذلك يتأثر، وأي شيء قد يعيق سلاسل الإمداد والحركة التجارية”.

حجم حركة العبور

تشكّل سوريا بوابة التصدير البرية الوحيدة للبنان لنقل بضائعه، خاصة إلى دول الخليج، وتعبر يوميا 500 شاحنة لبنانية إلى سوريا، وفق المسؤول.

وأصدرت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا السبت الماضي قرارا يقضي “بعدم السماح بدخول الشاحنات غير السورية” إلى الأراضي عبر المنافذ البرية، على أن تتم عملية إفراغ الحمولة من البضائع الموجهة إلى الداخل السوري في نقاط جمركية على المعابر حصرا.

واستُثنيت، وفق القرار الذي نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا)، شاحنات الترانزيت العابرة إلى دول أخرى.

وقال مصدر في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) إن القرار يهدف إلى “تنظيم حركة الشحن عبر المنافذ”.

وفي الأردن، الذي تأثر أيضا بالقرار السوري، قال الناطق الرسمي باسم وزارة النقل الأردنية محمد الدويري “هناك مباحثات حاليا وننتظر الرد من الجانب السوري بخصوص السماح للشاحنات الأجنبية بالدخول والعبور”.

إعلان

وأضاف الدويري أن الشاحنات الأردنية تفرغ حمولاتها في المنطقة الحرة عند معبر نصيب مع سوريا، على الرغم من وجود بعض “الإرباك”، مشيرا

مخاوف في لبنان

أثار القرار السوري مخاوف في قطاع النقل في لبنان الذي أعرب ممثلون عن نقاباته واتحاداته عن خشيتهم لما “يترتب على ذلك من أعباء تشغيلية إضافية وتكلفة مرتفعة، وانعكاسات سلبية على قطاع النقل البري وحركة التبادل التجاري بين البلدين”.

وأعرب هؤلاء في أعقاب اجتماع لهم في مديرية النقل وفق الوكالة الوطنية للإعلام عن “رفضهم تحميل قطاع النقل البري اللبناني أعباء إضافية ناتجة عن إجراءات أحادية الجانب”.

وطالبوا وزارة الأشغال العامة والنقل اللبنانية “باتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية هذا القطاع، بما في ذلك اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل في تنظيم دخول الشاحنات السورية إلى الأراضي اللبنانية”.

ونقلت الوكالة الوطنية للإعلام عن رئيس اتحاد النقل البري في لبنان بسام طليس قوله: “نحن دولتان جارتان على حدود واحدة، واقتصادنا متداخل ومتكامل. والهدف الأساسي يجب أن يكون مصلحة لبنان وسوريا معا، وتأمين سلاسل الإمداد بأسرع وقت وبأقل كلفة ممكنة”.

ووفق بيانات الأمم المتحدة بلغت الصادرات اللبنانية إلى سوريا 101.35 مليون دولار في عام 2024، وحسب أحدث البيانات التي نقلتها وكالة الأنباء الأردنية (بترا) بلغت صادرات الأردن إلى سوريا 174 مليون دينار أردني (نحو 207.33 مليون دولار) خلال أول 9 أشهر من عام 2025، مقارنة مع 36 مليون دينار (نحو 50.77 مليون دولار) للفترة المقابلة من عام 2024.

المصدر: الجزيرة + الصحافة الأردنية + الفرنسية

————————-

قسد” تكشف واقع إنتاج النفط بحقول “رميلان” شرقي سوريا

قال مدير حقول نفط “رميلان” لدى “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، أحمد إبراهيم، إن إنتاج النفط اليومي في “رميلان” انخفض منذ عشرة إلى 12 يومًا من 110 آلاف برميل يوميًا إلى ما بين 70 و80 ألف برميل بسبب “الظروف الطارئة”.

وأكد أحمد إبراهيم في مقابلة مع شبكة “رووداو” المقربة من “قسد” نقلتها اليوم، الأربعاء 11 من شباط، عدم إمكانية تحديد رقم لما سيكون عليه الإنتاج في الفترة المقبلة، بسبب وجود آبار متوقفة تحتاج إلى عمل خاص لإعادتها إلى الخدمة، لكنه لم يستبعد إمكانية زيادة الإنتاج.

ويعد حقل “رميلان” الذي يقع في ريف محافظة الحسكة، أكبر الحقول النفطية السورية، ويضم الحقل 1322 بئرًا نفطيًا.

وتشير أغلب التقديرات إلى أن إنتاج الحقل كان يصل إلى 120 ألف برميل يوميًا قبل عام 2011، وتراجع بعد ذلك، بنسبة تقارب 85% بسبب توقف مئات الآبار عن العمل، إما بسبب استهدافات عسكرية أو نتيجة نقص التكنولوجيا اللازمة لانتشال النفط من طبقات الأرض العميقة.

وزير الطاقة السوري، محمد البشير، صرح في وقت سابق، أن إمكانات سوريا النفطية كبيرة، مشيرًا إلى أن الإنتاج قبل السيطرة على المحافظات الشرقية، لم يتجاوز 15 ألف برميل يوميًا.

وأضاف البشير أن سوريا كانت تمتلك قبل الحرب قدرات إنتاجية كبيرة وصلت إلى نحو 400 ألف برميل نفط يوميًا، إضافة إلى حوالي 30 مليون متر مكعب من الغاز، مع احتياطيات تُقدّر بنحو 2.5 مليار برميل من النفط وقرابة 250 مليار متر مكعب من الغاز.

وتشير أغلب التقديرات إلى أن الإنتاج الفعلي من النفط قبل سيطرة الحكومة على حقول شرقي سوريا لم يتجاوز 15 ألف برميل يوميًا، في حين كانت بعض الشركات المتعاونة مع الحكومة تضطر إلى شراء كميات إضافية من مناطق سيطرة “قسد”، لتغطية جزء فقط من الاحتياج المحلي الذي يبلغ نحو 200 ألف برميل يوميًا.

السيطرة على الحقول

أوضح أحمد إبراهيم أن قطاعات “رميلان” تقع بأكملها تحت إدارة “قسد” التي تديرها وتستثمر بها، وتشمل رميلان، السويدية، قَرَجوخ، حمزة، عليان، سازابا، عودة ودجلة.

ونوه إبراهيم إلى عدم تلقي أي عروض استثمارية من شركات خارجية، مبيّنًا أن الحكومة السورية أبلغتهم بوجود شركات أبدت رغبتها للاستثمار في النفط بمناطق أخرى، لم تشمل حقول “رميلان”.

وشدد إبراهيم على أن كل النفط المنتج في هذه الحقول، يُستخدم لتلبية الاحتياجات المحلية ولا تباع أي كميات منه.

وزارة الطاقة السورية كانت اتهمت “قسد”، “باحتكار الموارد النفطية ومنع السوريين من الاستفادة منها خلال السنوات الماضية.

وأدت العملية العسكرية التي نفذها الجيش السوري ضد “قسد” شرقي سوريا، بحسب الوزارة، إلى استعادة عدد كبير من الحقول والمنشآت النفطية، ووضعها تحت إدارة الدولة، إيذانًا بمرحلة جديدة عنوانها التنظيم والتأهيل، بعد سنوات من استغلالها خارج المصلحة الوطنية”، بحسب وصفها.

وأكد مراسل عنب بلدي في دير الزور في وقت سابق، استعادة الجيش السوري السيطرة على أبرز الحقول النفطية والغازية في شرق الفرات.

وشملت الحقول المستعاد السيطرة عليها:

حقل العمر: أكبر حقل نفطي في سوريا والعمود الفقري لإنتاج النفط شرق الفرات.

حقل كونيكو: أهم حقل للغاز الطبيعي يغذي محطات الكهرباء والاستخدام الصناعي والمنزلي.

حقل التنك وحقل العزبة: يدعمان الإنتاج النفطي الوطني ضمن منظومة الحقول الكبرى.

كما أعلنت الشركة السورية للبترول، استلام حقلي الرصافة وصفيان ومجمع الثورة النفطي الاستراتيجي في ريف الرقة الجنوبي الغربي، مشيرة إلى إطلاق غرفة عمليات طارئة لضمان استمرار الإنتاج وحماية البنية التحتية.

وأوضحت الشركة أن مجمع “الثورة” النفطي يشكل مركزًا إداريًا ولوجستيًا يربط عدة حقول أبرزها: وادي عبيد، البشري، وصفيان، حيث يتم نقل النفط المستخرج إلى محطة العكيرشي لإجراء عمليات الفصل الأولية قبل التوزيع أو المعالجة التالية.

اجتماعات مع الحكومة السورية

وفي ما يتعلق بالاجتماعات مع وفد الحكومة السورية، بيّن أحمد أن زيارة الوفد الحكومي إلى حقول النفط في شمال شرقي سوريا، كانت لبدء عملية دمج شركة حقول النفط التابعة لـ”قسد” مع الشركة السورية للبترول.

ونوه إلى أن الأمر كان مجرد تعارف، وشهدت الزيارة عقد مؤتمر صحفي أمام إدارة “رميلان”، كما زار الوفد حقل “عودة”، مشيرًا إلى أن المباحثات كانت في الإطار العام.

وأفاد أحمد أن الحكومة السورية أبدت رغبتها في إقامة العلاقات معهم، وكانت الزيارة الأولى لملف دمج شركة “قسد” مع الشركة السورية للنفط وفقًا للاتفاق المبرم بين الحكومة السورية و”قسد”.

وكان وفد من وزارة الداخلية السورية وصل  في 9 من شباط الحالي، يترأسه قائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، العميد مروان العلي، ومدير إدارة أمن المطارات والمنافذ، العقيد أحمد الأحمد، إلى حقول رميلان، وضم الوفد أيضًا معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني، أمجد نخال، إلى جانب ممثلين فنيين عن الشركة السورية للبترول.

وجاءت الزيارة كجولة استكشافية تطبيقًا لبنود الاتفاق الذي جرى التوصل إليه مؤخرًا بين الحكومة السورية و”قسد”، بهدف تقييم وضع الحقول النفطية والمنشآت الحيوية في المنطقة.

وأكد مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول، صفوان شيخ أحمد، أن الجولة تشمل حقلي “رميلان” و”السويدية”، بمشاركة فرق فنية وهندسية متخصصة.

وأوضح شيخ أحمد أن الهدف الأساسي من التواجد الميداني هو “الاطلاع على الواقع الفني وتقييم جاهزية الحقول”، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تُعد تمهيدًا لخطوات لاحقة لم يُفصح عن طبيعتها بعد، لكنها تأتي ضمن سياق تطبيق التفاهمات بين الحكومة و”قسد”.

وأتت الجولة في وقت تعاني فيه المنشآت النفطية من تهالك تقني حاد نتيجة سنوات من العمل بالحد الأدنى من الصيانة، وغياب قطع الغيار الأساسية بسبب العقوبات الدولية والانقسام السياسي.

——————————-

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

تحالفات وعقود دولية لإعادة إحياء «الثروات المنسية»

دمشق: «الشرق الأوسط»

11 فبراير 2026 م

تتحرك سوريا بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها لاعب طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية كبرى، مثل «شيفرون»، و«كونوكو فيليبس»، و«توتال إنرجي»، و«إيني».

وفي حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أكد قبلاوي أن البلاد لم تستكشف سوى أقل من ثلث إمكاناتها النفطية والغازية، مشيراً إلى وجود تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز في أراضٍ لم تُمس بعد، في انتظار الخبرات الدولية لاستخراجها.

تحالفات استراتيجية وعقود استكشاف بحرية

بدأت ملامح الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل بالفعل؛ حيث وقعت شركة «شيفرون» الأميركية اتفاقية مع مجموعة «باور إنترناشيونال» القطرية لبدء استكشاف بلوك بحري، ومن المتوقع انطلاق الأعمال الميدانية خلال شهرين.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تدرس «قطر للطاقة» و«توتال إنرجي» الدخول في بلوك ثانٍ، بينما تُجرى مفاوضات مع «إيني» الإيطالية لبلوك ثالث. كما عززت «كونوكو فيليبس» وجودها بتوقيع مذكرة تفاهم سابقة؛ مما يعكس ثقة الشركات الكبرى بجدوى الاستثمار في القطاع السوري الواعد، وفق «فاينانشال تايمز».

معركة الإنتاج

بعد سنوات من الصراع، أحكمت الحكومة السورية سيطرتها بـ«القوة» على الحقول النفطية في الشمال الشرقي التي كانت خاضعة للقوات الكردية. ويصف قبلاوي حالة هذه الحقول بـ«السيئة»، حيث انخفض الإنتاج من 500 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف فقط نتيجة التخريب واستخدام المتفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأمد. ولتجاوز هذا العائق، يطرح قبلاوي استراتيجية «قطع الكعكة»، التي تقوم على منح الشركات العالمية حقولاً قائمة لإعادة تأهيلها، والسماح لها باستخدام عوائد هذه الحقول لتمويل عمليات استكشاف جديدة وعالية التكلفة في مناطق أخرى.

الخبرة الدولية

تسعى سوريا إلى سد الفجوة التقنية، خصوصاً في عمليات الاستكشاف بالمياه العميقة، حيث أجرت دراسات زلزالية ورسمت خرائط للحقول المحتملة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة. وفي إطار هذا المسعى، من المقرر إجراء محادثات مع شركة «بي بي» في لندن، مع بقاء الأبواب مفتوحة أمام الشركات الروسية والصينية. ووفق تقديرات «وود ماكينزي»، فإن سوريا تمتلك احتياطات مؤكدة تبلغ 1.3 مليار برميل، مع مساحات شاسعة غير مستكشفة، لا سيما في القطاع البحري.

وفي تطور آخر نقلته «رويترز»، يستعد تحالف ضخم لبدء عمليات استكشاف وإنتاج واسعة في الشمال الشرقي السوري. ويضم هذا التحالف شركة «طاقة» السعودية بالتعاون مع عمالقة الخدمات النفطية والطاقة من الولايات المتحدة؛ «بيكر هيوز»، و«هانت إنرجي»، و«أرجنت إل إن جي».

يستهدف هذا المشروع تطوير ما بين 4 و5 بلوكات استكشافية في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة القوات الكردية قبل دمجها في الدولة، ويسعى التحالف إلى توحيد موارد البلاد تحت راية واحدة، في خطوة وصفها الرؤساء التنفيذيون بأنها تجسيد لرؤية سياسية مشتركة تهدف إلى نقل سوريا من «الظلمة إلى النور» عبر فوائد اقتصادية ملموسة.

نحو استقرار طاقي بنهاية العام

بوجود ألفي مهندس يعملون حالياً على تقييم الأضرار في الشمال الشرقي، تتطلع الحكومة السورية إلى إعلان جدول زمني كامل للتعافي بحلول نهاية فبراير (شباط) الحالي. ويحدو «الشركة السورية للنفط» تفاؤل كبير بالقدرة على مضاعفة إنتاج الغاز ليصل إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بنهاية عام 2026.

وتأتي هذه التحركات مدعومة بزخم استثماري إقليمي، تقوده شركات سعودية وأميركية في مشروعات بنية تحتية وطاقة؛ مما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي تحت شعار الأمن والاستقرار.

———————–

اتفاق دولي لإعادة تأهيل محطة دير علي الكهربائية في سوريا

أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي توقيع اتفاقية تمويل مع حكومتي إيطاليا والنرويج بقيمة 10.7 ملايين دولار لإعادة تأهيل محطة دير علي لتوليد الطاقة الكهربائية في ريف دمشق، في خطوة تستهدف دعم البنية التحتية للطاقة وتحسين استقرار الإمدادات في عدد من المحافظات السورية، وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

ويتضمن المشروع تنفيذ أعمال صيانة عاجلة للتوسعة الثانية في المحطة، إلى جانب توريد وتركيب قطع غيار أساسية، وتدريب الكوادر الفنية المحلية بما يضمن استدامة التشغيل ورفع كفاءة أعمال الصيانة مستقبلا.

ومن المتوقع أن تسهم هذه الأعمال في استعادة نحو 120 ميغاوات من القدرة التوليدية، بما ينعكس إيجابا على أكثر من مليوني شخص في ريف دمشق ودرعا والقنيطرة والسويداء.

أكبر منشآت إنتاج الكهرباء

وتعد محطة دير علي الحرارية -الواقعة جنوب العاصمة دمشق– واحدة من أكبر منشآت إنتاج الكهرباء في البلاد، إذ تصل قدرتها الإجمالية إلى نحو 1500 ميغاوات.

وكان مشروع التوسعة الثانية قد بدأ عام 2011 ودخل التشغيل التجريبي في 2019، مضيفا نحو 750 ميغاوات للشبكة الكهربائية بكلفة قاربت 670 مليون يورو (800 مليون دولار).

ويأتي هذا المشروع في سياق جهود أوسع لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء السوري، الذي يضم عددا من المحطات الإستراتيجية مثل محطات جندر وحلب الحرارية وبانياس والزارة، إضافة إلى سد الفرات الكهرومائي في الطبقة، والتي تشكل مجتمعة العمود الفقري لإمدادات الطاقة في البلاد رغم الأضرار التي لحقت ببعضها خلال سنوات الحرب.

اتفاقيات متعددة

وأمس الثلاثاء وقع القائم بأعمال السفارة اليابانية في دمشق، أكيهيرو تسوجي، والممثل المقيم بالإنابة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا محمد صديق مضوي، المذكرات الخاصة بالمنحة اليابانية المقدمة لسوريا، والبالغة 1.952 مليار ين ياباني (نحو 12.4 مليون دولار)، لتنفيذ مشروع “تعزيز استقرار إمدادات الطاقة في المناطق المتضررة من النزاع”.

إعلان

وفي مايو/أيار الماضي وُقعت في دمشق مذكرة تفاهم بين وزارة الطاقة السورية وتحالف شركات دولية لتعزيز الاستثمار في قطاع الطاقة وتوليد الكهرباء في البلاد بقيمة 7 مليارات دولار شملت شركات أورباكون القابضة القطرية، وشركة “بور إنترناشونال” الأمريكية، وشركتي كاليون وإنيرجي التركيتين.

المصدر: الصحافة السورية + مواقع إلكترونية

———————

====================

تحديث 10 شباط 2026

—————————-

سوريا من مشكلة “المكونات” إلى المعارضة الاجتماعية/ بكر صدقي

تجمع عشرات الأشخاص أمام وزارة الطاقة في دمشق وعبروا عن احتجاجهم على أسعار الكهرباء التي فاقت فواتيرها قدرتهم على الدفع، ورفعوا لافتات عبرت عن رفضهم للدفع.

كانت مفاجأة غير سارة لأنصار السلطة الذين لم ينتهوا بعد من التحريض على الكرد “الانفصاليين” والعلويين “الفلول” والدروز “الهجريين”. فانضاف إلى قاموسهم “مكون” جديد هو “الشوام” أو الدمشقيون. وإذا كانوا، في حالة “الأقليات” يجدون ما يتهمونها به دفاعاً عن سلطة دمشق، فمن الصعب أن يتهموا متظاهري الاحتجاج على أسعار الكهرباء بمألوف خطابهم، فلجأ بعض “المؤثرين” إلى خطاب القوة العارية، فقال أحدهم في مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع: “أنتم لا تستحقون الحرية! ولو كان الأمر بيدي لقطعت عنكم الهواء الذي تتنفسون!”

أما المتحدثون باسم السلطة فقد لجأوا إلى خطاب تبريري مفاده أنه لا يمكن تأمين الكهرباء إذا لم يسترد المستثمر الأموال التي استثمرها من خلال جباية الفواتير بالكلفة الحقيقية لإنتاجها. غير أن الموضوع لا يتعلق بكماليات يمكن لغير القادرين على دفع تكاليفها الاستغناء عنها، بل بخدمة اعتادوا على الحصول عليها بأسعار لا تثقل كاهلهم. ولا يقتصر أثر ارتفاع أسعار الطاقة الكهربائية على كميات الاستهلاك المنزلي فقط، بل سيؤثر على المستوى العام لأسعار جميع السلع في السوق. ونحن نتحدث عن بلد خارج من حرب مديدة، يعيش 90 في المئة من سكانه تحت خط الفقر وفقاً لأرقام الأمم المتحدة. ومن وجهة نظر المستثمر سيكون مشروعه خاسراً إذا لم يجد زبائن قادرين على الدفع. ولا نعرف كيف يمكن لمستثمرين في قطاعات إنتاجية أن يخاطروا برؤوس أموالهم لإنتاج سلع عالية الكلفة، بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، ليطرحوها في سوق عاجز عن شرائها، فضلاً عن منافسة السلع الأجنبية ذات الكلفة الأقل التي يتم استيرادها بلا قيود.

كان ثمة “عقد اجتماعي” مضمر في نظام الأسد يقوم على تخلي المحكومين عن حريتهم وحقوقهم السياسية مقابل الأمان الاقتصادي النسبي في نظام “اشتراكي” في عهد حافظ الأسد، تحول إلى نظام “اقتصاد السوق الاجتماعي” في عهد ابنه بشار. وكانت أبرز تجليات تلك الاشتراكية يتمثل في دعم أسعار بعض السلع التي لا يمكن لعموم الناس الاستغناء عنها، كالخبز ومشتقات النفط والطاقة الكهربائية، كما كانت عقود الإيجار عموماً لمصلحة المستأجر، سواء تعلق الأمر بالشقق السكنية أو المنشآت التجارية. تصالحت أكثرية السوريين مع هذه المعادلة (الخبز مقابل الحرية) طوال عقود، وقمع النظام تمرد الإخوان المسلمين في مطلع الثمانينيات بصورة دموية، وفعل الأسد الابن مثلها مع ثورة 2011، فتفوق على أبيه في الوحشية، في توكيد على “العقد الاجتماعي” الفاسد المشار إليه، مع تراجع الأخير عن الطرف الثاني من المعادلة (الخبز) بصورة تدريجية، فبلغ الاستياء قاعدته الاجتماعية الضيقة نفسها في السنتين الأخيرتين، فانهار النظام. صحيح أن عزل بشار الأسد قد حدث، في أواخر 2024، بتوافقات خارجية أكثر مما بتمرد داخلي، لكن عوامل الانهيار كانت قد اكتملت بعد إخلاله بمعادلة “العقد الاجتماعي”.

اليوم، والحكم الجديد يسعى لفرض سيطرته على الجغرافيا السورية، وكان آخر فصولها في إخضاع مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، نلاحظ أنه لا يملك ما يمكن وصفه بالعقد الاجتماعي معلناً أو مضمراً. فالقول بأنه “حرر السوريين” لا يستقيم مع تجاهل مطالبهم وهواجسهم، ولا مع إخضاع الفئات غير الراضية بالقوة، ولا مع تقييد حياتهم الاجتماعية بدوافع دينية بعيدة عن الإسلام الشعبي المعتدل الذي عرف به مسلمو سوريا، فضلاً عن المكونات من غير العرب السنة. هنا يطلب من السوريين بمختلف انتماءاتهم التخلي عن الحرية بلا مقابل. فقوانين الاقتصاد الحر هي ما تبشرنا به السلطة في الوقت الذي لا يملك غالبية السكان موارد دخل. ولن يجدي إلهاؤهم بأخبار عن مشاريع استثمارية، أكثرها وهمي، في الوقت الذي ما زال مئات الآلاف من النازحين يعانون قسوة الحياة في مخيمات تتعرض دورياً للسيول.

وقبل بضعة أيام أصدرت رابطة الصحافيين السوريين بياناً غاضباً يرفض ما قيل عن نية وزارة الإعلام في الحكومة الانتقالية بشأن إصدار “مدونة سلوك” للإعلاميين يهدف إلى تقييد عملهم. الأمر الذي أثار هواجس محقة بشأن نوايا السلطة في تقييد حرية الإعلام المفروضة الآن بحكم الأمر الواقع. قد تبرر السلطة هذه النوايا بوجوب مواجهة خطاب الكراهية السائد في الفضاءات العامة، لكن التجربة تقول إن السلطات بعمومها تستخدم هذا النوع من التقييد، لا بدافع المصلحة العامة، بل بدافع إسكات النقد وتكميم الأفواه.

الخلاصة أنه لا يمكن لأي سلطة أن تستقر وتستمر في الحكم بلا عقد اجتماعي حتى لو كان مضمراً ومجحفاً من نوع “الخبز مقابل الحرية”. فحين يطالب المحكومون بالتخلي عن الخبز والحرية معاً لا يمكننا أن نتوقع غير انهيار تلك السلطة بصرف النظر عمن يشغلها.

كاتب سوري

القدس العربي

—————————-

 من البطاقة الذكية إلى تحصيل الفواتير.. كيف تقفز سوريا إلى اقتصاد القلة؟/ عبد الناصر القادري

2026.02.10

أخبرتني والدتي أن فاتورة الكهرباء بلغت ما يصل إلى 100 دولار عن دورتين (قرابة شهرين)، وهو سعر استهلاك لكهرباء غير متوفرة على مدار 24 ساعة، بل بمتوسط 6 ساعات فقط، في بلد لا توجد فيه أنظمة “UPS ECO” أو ما يُعرف بترشيد استهلاك الكهرباء أو الكفاءة المعززة لاستخدام الطاقة، كما هو موجود في دول متطورة أو المستورد من دول العالم الأول، إلى جانب كابلات قديمة جميعها تستهلك ضعف الكهرباء أحياناً.

ليس لدى معظم سكان سوريا رفاهية شراء أجهزة إلكترونية جديدة متطورة، بل إن كل البيوت التي دخلتها فيها أجهزة منزلية قديمة، تعمل تلقائياً عند وصل التيار الكهربائي بعد ساعات التقنين، وتستهلك طاقة أعلى بكثير بسبب تقنيات غير كفؤة وعزل متدهور، ما يزيد من فاتورة الكهرباء بنسبة لا تقل عن 25 بالمئة.

مصروف الكهرباء متصل مع فواتير الإنترنت والاتصال، وإيجار المنزل، وتعبئة المياه من الصهاريج بشكل شبه يومي بتكلفة تصل إلى 70 ألف ليرة (6 دولارات) للمرة الواحدة، وأسعار وقود التدفئة (المازوت) التي تحسنت عن العام الماضي إلى أقل من 80 سنتاً للتر الواحد، ثم تأتي المصاريف اليومية من طعام وتنقل وصحة وحاجيات.

من البطاقة الذكية.. إلى بطاقة التحصيل

ننتقل في سوريا الجديدة إلى اقتصاد السوق الرأسمالي الحر بسرعة ودون تدرّج، مع معرفتي بصعوبة وضع الاقتصاد السوري الذي أنهكته الحرب والنظام والعقوبات الاقتصادية أيضاً، كما أننا أمام شعب مدمر اقتصادياً ومعيشياً واجتماعياً، معظم السكان لا يملك مسكناً، ولا وظيفة ثابتة (وإن وُجدت فهي دون الكفاف بمراحل)، ناهيك عن خط الفقر الذي يقبع تحته 90 بالمئة من عدد السكان.

في الحقيقة، لا يمكن الانتقال مباشرة إلى نظام جباية المال أو التحصيل من جيب السوري المعتر الدرويش، انتقال ما يُعرف بالصدمة الاقتصادية، كما حصل مع سوق السيارات التي أُغرقت بها سوريا دون حسابات استراتيجية (مع فوائد أخرى يمكن فهمها في سياق زمنها وظروفها)، أو أسعار شركات الاتصالات التي لا تؤدي خدمة جيدة مع أسعار خيالية، عبر باقات إنترنت وهمية تنتهي قبل استخدامها، بناءً على التجربة والفحص والتمحيص، وهذا ما يحصل مع أسعار الكهرباء حالياً.

معظم السوريين عرفوا بشكل مباشر ما هو نظام الاقتصاد الاشتراكي الذي حكم سوريا نصف قرن (نظام البطاقات الذكية)، الذي وصل إلى منتجات كالبصل والسكر والقهوة، ثم عدم توفر المنتج إلا بأسعار السوق السوداء أو السوق الحر، المسروق أصلاً من المواد المدعومة، وهو ما يشمل بشكل عام الوقود والمحروقات والمشافي والتعليم والخبز، الأمر الذي جعل كل شيء مفقوداً في ظل شبكات الفساد التي كان يديرها النظام المخلوع وأجهزة مخابراته بشكل مباشر.

بعد سقوط النظام، انتهى النظام الاشتراكي وطلقته الدولة طلاقاً نهائياً، مع بقاء التعليم والصحة مجاناً ضمن ظروف غير طبيعية، إلا أنها أفضل من السابق بشكل كبير لظروف تخص الإمكانيات والموارد البشرية والتقنيات وغير ذلك، فلم يعد يقف المواطن على طوابير البصل والخبز والبنزين والسرفيس بالساعات.

توفر كل شيء ولكن بثمنه؛ إن كنت تملك المال ستحصل على كل شيء وبسهولة، وإن كنت لا تملكه ستراه ولكن لن تشتريه.

والاقتصاد الحر، لمن لا يعرفه، هو نظام اقتصادي تُترك فيه عملية الإنتاج والتسعير والتبادل لقوى السوق (العرض والطلب) مع تدخل محدود من الدولة، يقوم على الملكية الخاصة والمنافسة، ويهدف إلى تعزيز الكفاءة والابتكار وتحقيق النمو الاقتصادي.

يعني ببساطة أن تبيع الدولة كل ما لديها من شركات ومؤسسات تقريباً للقطاع الخاص، أو ما يُعرف بـ “الخصخصة”، ويصبح هم الشركة هو تقديم خدمة جيدة مقابل ربح وافر، تأخذ الحكومة حصتها عبر الضرائب أو تشارك بنسب، وأشهر نماذجه هو الاقتصاد الأمريكي، أقوى نظام اقتصادي رأسمالي في العالم، ويعرف أيضاً بـ “اقتصاد القلة” شركات كبرى تسيطر على معظم اقتصاد العالم لا تمثل 1 بالمئة من عدد سكانه الذي وصل إلى 8 مليارات نسمة.

ربما لا يعرف كثير من المسؤولين السوريين الجدد أن الثورة السورية انطلقت لأسباب اقتصادية أيضاً، وليس فقط سياسية، فقد عاشت سوريا عشر سنوات سيئة جداً في بداية حكم الوريث (المخلوع) بشار الأسد، مع تراكمات الفساد في عهد أبيه.

من الناحية الاقتصادية، قاد المخلوع تحولاً اقتصادياً “نيوليبرالياً” جزئياً بعد سنوات من الشكل الاشتراكي الذي يدعم الخبز والمحروقات وبعض المنتجات، وانفتح على اقتصاد سوق العقارات والمال (عدة بنوك خاصة) والدراما التلفزيونية والاستيراد والسياحة، مع اتفاقيات تجارية ذبحت الصناعيين السوريين وحتى المزارعين، إلى جانب انخفاض نسب الأمطار والتصحر والهجرة الكبيرة التي رافقت ذلك من الأطراف إلى المدن الكبرى في حلب ودمشق، ما مهّد لانضمام مدن كاملة إلى الثورة السورية ليس فيها نخب سياسية أصلاً.

فالثورة السورية، مكنونها سياسي، ولكنها تحمل بصمة اجتماعية اقتصادية واضحة.

من نماذج تحول “الصدمة”

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تشكلت روسيا الاتحادية، وخرج على الشعب الروسي الرئيس بوريس يلتسن الذي تصدى للإصلاحات الاقتصادية، أو سياسة تحويل الاقتصاد الاشتراكي الروسي إلى اقتصاد سوق رأسمالي وعلاج البلد بـ “الصدمة الاقتصادية” وتحرير الأسعار والخصخصة.

ما حصل حينها أن معظم مؤسسات الدولة (كهرباء وماء وطاقة وإنتاج وأعلاف وزراعة) وقعت في أيدي “قلة” بسبب هذا التحول الكلي المفاجئ في الاقتصاد، وانتشرت ظاهرة المليونير الملياردير الذين يشبهون بارونات اللصوص في القرن التاسع عشر.

عمل يلتسن على تمكين الشركات الكبرى في العالم من أخذ الأسواق السوفيتية السابقة – الروسية الجديدة، بأسعار رخيصة، مستفيدة من فروق الأسعار المحلية مقارنة مع الأسعار العالمية.

شهدت فترة يلتسن انهياراً اقتصادياً وتضخماً مخيفاً ومشاكل سياسية واجتماعية، ونجح يلتسن في إنهاء مشروع “روسيا القوية” عبر ما وصفه شركاؤه بالحكم بـ “الإبادة الاقتصادية”، إضافة إلى انعدام الهيبة التي كان يعيشها رئيس واحدة من الدول العظمى في العالم، مع إدمانه الفودكا وشخصيته الخفيفة (مقارنة بسجل من الرؤساء السوفييت الدمويين)، إلى أن استقال وسلم السلطة لعضو الاستخبارات الروسية (الكي جي بي) فلاديمير بوتين، والذي كان يشغل رئاسة الوزراء، وما زال في سدة الحكم من عام 1999 حتى الآن مع تعديلات دستورية خفيفة الظل.

ما حدث في روسيا يحمل حتى الآن بعضاً من المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها المواطنون الروس، مع عدم إغفال الوضع السياسي والعقوبات الاقتصادية المفروضة على بلد ينافس على الكعكة الجغرافية في مقابل الغرب والصين.

نموذج الاقتصاد الاجتماعي

لا يُعد النظام الاشتراكي شراً خالصاً، حيث له بعض الميزات التي تعطي المواطن حق السكن والتعليم والصحة والعمل، إلا أن التطبيق الفاسد والقائم على الانغلاق السياسي حرم الشعوب من تلك الحقوق والوصول السهل لها، وحصر المكتسبات في يد نخب الحكم دون حصول الشعب إلا على الفتات، ولذلك يبقى النظام الرأسمالي أكثر نجاحاً لسبب وجيه، وهو ارتباطه بأجواء سياسية وحرية أعلى ومساحة للنقد وتطبيق القانون تختلف من بلد إلى أخرى.

في ألمانيا، أُنتج ما يُعرف بـ “الاقتصاد الاجتماعي”، وهو مثال كلاسيكي مشهور نشأ بعد الحرب العالمية الثانية بهدف الجمع بين كفاءة السوق الرأسمالي والعدالة الاجتماعية.

في هذا النموذج يعمل السوق بحرية نسبياً، لكن تحت إطار قانوني وتنظيمي صارم تضعه الدولة لمنع الاحتكار وضمان المنافسة العادلة، وفي الوقت نفسه تتدخل الدولة بقوة لتأمين شبكات حماية اجتماعية واسعة مثل التأمين الصحي الشامل، ومعاشات التقاعد، ودعم البطالة، والتعليم العام عالي الجودة.

الربح مهم في الاقتصاد الألماني، لكنه ليس الهدف الوحيد؛ إذ يُنظر إلى الاستقرار الاجتماعي والتماسك المجتمعي كشرط أساسي للنمو الاقتصادي المستدام.

هذا التوازن ساعد ألمانيا على بناء اقتصاد قوي وصناعي وتصديري، مع الحفاظ نسبياً على فجوة طبقية أقل واستقرار اجتماعي أعلى مقارنة بنماذج السوق الحر الخالص.

وبالطبع لهذا النظام سلبياته، فهو ذو عبء مالي مرتفع على الدولة، كما حصل بعد الغزو الروسي لأوكرانيا وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب البيروقراطية وكثرة القوانين التي تُبطئ الاستثمار، وتجعل اليد العاملة مكلفة، ما يقلل من القدرة التنافسية.

ومع ذلك، تحتل ألمانيا المرتبة الثالثة اقتصادياً بعد الولايات المتحدة والصين، كما أن النظام نفسه يُطبق في معظم الدول الإسكندنافية.

أما النموذج التركي، فهو نموذج هجين يميل أكثر إلى الاقتصاد الحر منه إلى نظام الاقتصاد الاجتماعي، لكن الحكومة تتدخل لحماية الطبقات الفقيرة وتسن قوانين داعمة دون أن تؤثر على التشريعات الاقتصادية المستمدة من السوق الحر.

ولذلك، فسوريا بحاجة إلى تطبيق نظام الاقتصاد الاجتماعي في هذه الفترة الحرجة تطبيقاً أميناً، يراعي وضع الشعب، ولا يفرض عليهم فاتورة كهرباء تتجاوز دخلهم الشهري، بعد ساعات وصل لا تتجاوز عدة ساعات، وفي فصل شتاء قارس.

—————————-

 الصادرات السورية تسعى لاقتحام الأسواق الأوروبية

التأكيد على التزام المصنعين السوريين بالمعايير الأوروبية والمواصفات القياسية المعتمدة

الرياض – العربية

09 فبراير ,2026

عقدت غرفة صناعة دمشق وريفها جلسة تعريفية بعنوان “طريق المنتج السوري إلى أوروبا” للتركيز على سبل فتح آفاق التصدير أمام المنتجات الصناعية الوطنية وذلك ضمن استراتيجية الغرفة لدعم الصناعات السورية وتعزيز تنافسيتها على المستوى العالمي.

وأكد رئيس الغرفة محمد أيمن المولوي على دور الجلسة في تسليط الضوء على جوانب عملية التصدير والتزام المصنعين السوريين بكل المتطلبات والمعايير الأوروبية والمواصفات القياسية المعتمدة، والدقة في تنفيذ العقود الموقعة، مع دعوته لتوسيع هذا الالتزام ليشمل كل القطاعات الصناعية.

وقدم عضو مجلس الإدارة أدهم الطباع ملخصاً لبعثة الغرفة إلى الأسواق الأوروبية، ومتطلبات تلك الأسواق نحو الاستدامة البيئية والتحول الرقمي، مشيراً إلى نقاط القوة في المنتج السوري، كالسمعة الجيدة والقرب الجغرافي من أوروبا والمرونة الإنتاجية وانخفاض التكاليف اللوجستية، بالإضافة لتوفر قدرات إنتاجية غير مستغلة، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

وعرض عضو مجلس إدارة الغرفة أنس طرابلسي خلال الجلسة نتائج الزيارة الاطلاعية إلى إيطاليا، والتي شملت لقاءات مع اتحادات صناعية وشركات أوروبية، والمشاركة في دورات تدريبية بالمركز الدولي للتدريب التابع لمنظمة العمل الدولية، كما عرض الدليل الإرشادي الذي أعدته الغرفة لتحويل المفاهيم النظرية المتعلقة بالتصدير إلى خطوات عملية تلائم الظروف المحلية.

وأوضح عضو المكتب كريم الخجا ضرورة حصول المنتجات السورية على شهادات دولية معترف بها لتسهيل دخولها إلى الأسواق الأوروبية، حيث عرض أبرز هذه الشهادات ومنها شهادة OEKO-TEX Standard 100 الخاصة بالمنتجات النسيجية الآمنة، وشهادتا GOTS وOSE المتخصصتان بالملابس العضوية، وشهادتا RCS/GRS لدعم المنتجات المعاد تدويرها، إضافة إلى شهادتي ISO 9001 (إدارة الجودة) وISO 14001 (الإدارة البيئية)، وشهادة FSC الخاصة بالتغليف المستدام.

—————————–

رئيس اتحاد النقل البري اللبناني، بسام طليس: لاعتماد مبدأ المعاملة بالمثل رداً على الإجراءات السورية

الثلاثاء 10 شباط 2026

أكد رئيس اتحاد النقل البري، بسام طليس، أن لبنان وسوريا ليسا جزيرتين معزولتين، بل هما دولتان جارتان على حدود واحدة واقتصادهما متداخل ومتكامل.

وخلال مؤتمر صحافي، عقدته النقابات الزراعية والصناعية والاقتصادية وسائقو الشاحنات المبردة، على الحدود اللبنانية السورية في المصنع، تناول قرار السلطات السورية المتعلق بالإجراءات المفروضة على الشاحنات اللبنانية، قال طليس: «الهدف الأساسي يجب أن يكون مصلحة لبنان وسوريا معاً، وتأمين سلاسل الإمداد بأسرع وقت وبأقل كلفة ممكنة، لأن السرعة في الإجراءات تخفف الأعباء وتؤمن ربحاً حقيقياً للمستهلك النهائي، وتحد من أي كلفة إضافية».

وأكد أن التواصل الدبلوماسي والسياسي «لم ينقطع، والوزير راسم الأتاسي يتابع هذا الملف، وكذلك رئيس الحكومة ووزير الزراعة، وهناك متابعة دائمة من مختلف الجهات المعنية»، مضيفاً: «نحن على تواصل مع نظرائنا، ونأمل أن تكون الأخبار إيجابية قريباً».

وأشار طليس إلى أن «التوصية التي خرجنا بها اليوم، بعد الاجتماع مع المعنيين، هي رفع اقتراح إلى الحكومة والوزارات المختصة بالعودة إلى تطبيق الاتفاقية كما كانت سابقاً، واعتماد مبدأ المعاملة بالمثل، إلى حين عودة الأمور إلى طبيعتها».

ووجه دعوة إلى النقابات ووزارة النقل إلى اجتماع مفتوح في أي مكان يختارونه، موضحاً أن الموضوع «يتعلق بما تقرره الحكومة، وأي قرار للمعاملة بالمثل سنكون خلفه، وفي حال عدم صدور أي قرار فالأمر يتعلق بسائقي الشاحنات».

وأثار طليس مسألة السيارات العمومية اللبنانية التي تلتزم بمواقف محددة في لبنان «بينما السيارات السورية تسرح وتمرح في لبنان في عملية نقل للركاب بدون استثناءات».

وأكد «حرص لبنان على التعاون والشراكة، مع الالتزام بالقرار الذي سيتخذ من قبل الحكومة ووزير النقل فايز رسامني مع الحرص على حسن العلاقات بين البلدين».

ياتي ذلك، بعد أيام على إصدار رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا، قتيبة أحمد بدوي، قراراً يمنع دخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية عبر المنافذ البرية.

————————

 شركات سعودية وأميركية تؤسس تحالفاً لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز شمال شرقي سوريا

2026.02.10

قال مصدران مطلعان لوكالة رويترز اليوم الثلاثاء إن شركتين سعوديتين وثلاث شركات تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها ستشكل تحالفاً لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز في شمال شرقي سوريا.

وأوضح المصدران أن التحالف يضم شركات “بيكر هيوز” و”هنت إنرجي” و”أرجنت” للغاز الطبيعي المسال، والتي تعتزم إقامة مشروع للطاقة بالتعاون مع “أكوا باور” السعودية وشركة طاقة.

 وبحسب مصادر رويترز سيشمل المشروع أربعة إلى خمسة مواقع استكشافية في المنطقة الشمالية الشرقية.

تَسَلُّم حقول النفط في شمال شرقي سوريا

وأعلنت الشركة السورية للبترول في 18 من كانون الثاني الماضي عن تسلّم فرق الحماية والكوادر الفنية التابعة لها، حقول النفط التي استعادها الجيش السوري من “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”.

وفي السياق قال الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي: إن الحكومة تعتزم إحداث “نقلة نوعية” في قطاعي النفط والغاز، عبر إشراك شركات محلية وأجنبية، وإعادة تأهيل الحقول بكوادر وطنية.

وجاءت تصريحات قبلاوي خلال مؤتمر صحفي عقده في حقل العمر النفطي بريف دير الزور في 19 من كانون الثاني الفائت، ذلك للحديث عن واقع آبار النفط بعد تسلمها من قبل الدولة.

وبحسب جريدة “الوطن”، أوضح قبلاوي أن حقل العمر كان ينتج سابقاً نحو 50 ألف برميل يومياً، في حين لا يتجاوز إنتاجه حالياً 5 آلاف برميل يومياً، مشيراً إلى أن هذا التراجع يتطلب خططاً عاجلة لإعادة التأهيل ورفع الطاقة الإنتاجية.

وأضاف قبلاوي أنّ الحكومة تعمل بالتنسيق مع الجيش العربي السوري لتَسلُّم جميع الحقول النفطية، وضمان تأمينها وتهيئة الظروف الفنية لإعادة تشغيلها، لافتاً إلى أن هناك شركات أميركية جديدة أبدت رغبتها في الاستثمار في حقول الغاز بمحافظة الحسكة، في إطار توسيع الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة.

———————

سوريا في المرتبة 172 على مؤشر الفساد لعام 2025

أصدرت منظمة الشفافية الدولية اليوم، الثلاثاء 10 من شباط، نتائج مؤشر مدركات الفساد للعام 2025 لدول العالم.

ووفق التنصيف الجديد احتلت سوريا المرتبة 172 من أصل 182 دولة ضمن التصنيف (المركز العاشر بين الدول الأسوأ)، من حيث انتشار الفساد فيها، بعدما حصلت على 15 نقطة.

وشهدت سوريا تحسنًا طفيفًا وفق التصنيف الجديد لمؤشر الفساد مقارنة بعام 2024، حيث كانت تحتل المركز الرابع بـ12 نقطة، كأسوأ دول العالم من حيث الفساد.

وقالت منظمة الشفافية الدولية، إن معظم البلدان التي حصلت على أدنى الدرجات على مؤشر الفساد، تقع في البلدان الهشة والمتأثرة بالصراعات.

وأضافت أن وتيرة الفساد ازدادت على مستوى العالم، حتى في الديمقراطيات الراسخة التي باتت تعاني من تصاعد في وتيرة الفساد في خضم تراجع دور القيادة.

وأظهرت البيانات أن الأنظمة الديمقراطية، التي عادةً ما تكون أكثر قوة في مكافحة الفساد مقارنة بالأنظمة الاستبدادية أو الأنظمة الديمقراطية الضعيفة، تشهد تراجعًا مقلقًا في أدائها.

وأوضحت منظمة الشفافية أن التراجع في مؤشر الفساد شمل دولًا مثل الولايات المتحدة التي احتلت المركز “29” ب “64” نقطة، وكندا في المركز “16” ب “75” نقطة، ونيوزيلندا في المركز “4” ب”81″ نقطة، وصولًا إلى أجزاء مختلفة من أوروبا مثل المملكة المتحدة في المركز “20” ب “70”نقطة، وفرنسا في المركز “27” ب”66″ نقطة، والسويد في المركز “6” ب “80” نقطة.

وشهد عام 2025، وفق المنظمة، حالة من الركود أو التراجع إلى حد كبير على مدار العقد الماضي، في دول  مثل النيبال التي جاءت في المركز “109” ب “34” نقطة ومدغشقر في المركز “148” ب “25” نقطة.

وحذرت منظمة الشفافية الدولية من أن غياب القيادة الجريئة في مكافحة الفساد عالميًا، يُضعف الجهود الدولية لمكافحة الفساد، ويخاطر بتخفيف الضغط اللازم للقيام بإصلاحات في عدة بلدان في جميع أنحاء العالم.

وشهد التصنيف حفاظ  الدنمارك للعام الثامن تواليًا، على أعلى درجة في المؤشر ب”89″ نقطة، وتلتها فنلندا “88” نقطة وسنغافورة “84” نقطة.

كما حقق 31 بلدًا تحسنًا كبيرًا من أبرزها إستونيا التي جاءت في المركز “12” بـ”76″ نقطة، وكوريا الجنوبية في المركز “31” بـ”63″ نقطة، وسيشل في المركز “24” بـ”68″ نقطة.

وأرجعت منظمة الشفافية التحسن في هذه البلدان، إلى الزخم في الإصلاحات، وتعزيز المؤسسات الرقابية، والتوافق السياسي الواسع، بالإضافة إلى عوامل أخرى شملت، رقمنة الخدمات العامة، وتطوير الكفاءة المهنية في مجال الخدمة المدنية، وترسيخ معايير الحوكمة الإقليمية والعالمية.

تراجع في مكافحة الفساد

قالت منظمة الشفافية إن حصول بعض البلدان على درجات عالية في مؤشر مدركات الفساد، لا يعني خلوها من الفساد، موضحة أن العديد من الدول الحاصلة على أعلى الدرجات، تساهم في تمكين الفساد في بلدان أخرى من خلال تسهيل غسل عائدات الفساد ونقلها عبر الحدود، وهو جانب لا يغطيه المؤشر.

وبيّنت المنظمة أن من أمثلة ذلك دولتا سويسرا التي حصلت على المركز “6” ب”80″ نقطة وسنغافورة في المركز “3” ب “84” نقطة، واللتين تعتبران من الدول الحاصلة على أعلى الدرجات، إلا أنهما خضعتا لتدقيق بسبب تسهيل نقل الأموال غير المشروعة.

وأشارت إلى أن مؤشر مدركات الفساد  يشمل 182 بلدًا وإقليمًا حسب مستويات الفساد المدركة في القطاع العام، وذلك على مقياس يتراوح من صفر (شديد الفساد) إلى 100 (شديد النزاهة).

وبلغ المتوسط العالمي للدرجات، وفق منظمة الشفافية 42 من 100، وهو أدنى مستوى له خلال أكثر من عقد، الأمر الذي يشير إلى اتجاه تراجعي مثير للقلق ويحتاج إلى المتابعة على المدى البعيد، وفق المنظمة.

منظمة الشفافية أكدت أن الغالبية العظمى من البلدان فشلت في السيطرة على الفساد، حيث حصل أكثر من ثلثي البلدان (122 من أصل 180) على درجة أقل من 50.

نبذة عن مؤشر مُدرَكات الفساد

يعتبر مؤشر مُدرَكات الفساد، الذي تم إنشاؤه في عام 1995، المؤشرَ العالمي الرائد بشأن فساد القطاع العام، ويُسجِّل النتائج لعدد 182 بلدًا وإقليمًا حول العالم، استنادًا إلى مُدرَكات الفساد في القطاع العام.

ويستخدم بيانات من 13 مصدرًا خارجيًا، بما في ذلك البنك الدولي، والمنتدى الاقتصادي العالمي، والشركات الخاصة للاستشارات وحساب المخاطر، والمجمعات الفكرية وغيرها من المصادر، وتمثّل درجات المؤشر آراء الخبراء ورجال الأعمال.

وتُراجَع عملية حساب مؤشر مُدرَكات الفساد بانتظام للتأكد من أنها قوية ومُتّسقة قدر الإمكان، وقد أجرى أحدث تلك المراجعات مركز البحوث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية في عام 2017.

وجميع الدرجات على مؤشر مُدرَكات الفساد منذ عام 2012 قابلة للمقارنة من عام لآخَر.

——————————-

عمليات استبدال العملة السورية.. فوضى ومخالفات لقرارات البنك المركزي/ حبيب شحادة

10 فبراير 2026

في 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 حدد مصرف سوريا المركزي المؤسسات المالية المعنية باستبدال العملة السورية القديمة من فئة الـ 1000 و 2000 و5000 إلى الفئات الجديدة وهي 10 و25 و50 و100 و200 و500 ليرة سورية، وبدأت عمليات التبديل في الثالث من كانون الثاني/يناير الفائت وسط ازدحام وعدم التزام المؤسسات المالية بقرارات البنك المركزي.

وكان المصرف المركزي شدد على أن عملية الاستبدال ستكون مجانية بالكامل، دون رسوم أو ضرائب، ولا تتضمن إلغاء مفاجئًا للعملة القديمة، والحسابات المصرفية ستُحوّل تلقائيًا، مبدّدًا بذلك المخاوف من خسارة المدخرات أو تراجع القوة الشرائية.

وبحسب المصرف فإن قيمة العملة تحددها السياسات الاقتصادية والانضباط المالي، لا شكل الورقة النقدية.

ويأتي استبدال العملة القديمة بالجديدة في إطار تنفيذ مصرف سوريا المركزي للمرسوم الرئاسي رقم 293 عام 2025 المتضمن استبدال العملة السورية الجديدة بالعملة القديمة وحذف صفرين من القيمة الاسمية للقديمة، وتفويض مصرف سوريا المركزي باتخاذ القرارات اللازمة بهذا الشأن.

في المقابل، تشهد عمليات الاستبدال عدم التزام بعض شركات الصرافة بسقف التبديل اليومي، وتقديم أخرى لحجج تتعلق بنقص الليرة الجديدة بعد أكثر من شهر على صدور قرار الاستبدال.

وهنا يبرز سؤال أين العملة الجديدة؟ لماذا تداولها محدود رغم تصريح الحاكم بأنها متوفرة بكميات كافية؟ هل هناك خلل في عمليات توزيعها؟

فوضى وازدحام

عانى سوريون كثر خلال عمليات الاستبدال من ارتباكات وازدحام شديد وبطء في استبدال مدخراتهم من الليرة القديمة بالجديدة، إضافةً إلى عدم التزام شركات الصرافة والبنوك بسقف التبديل اليومي المحدد بـ 75 مليون ليرة سورية من قبل البنك المركزي، وفق رصد موقع “الترا سوريا”.

أحمد هو واحد من هؤلاء الذين اضطروا للانتظار لساعات طويلة وبدون نتيجة، إذ لم يتمكن من استبدال مبلغه البالغ 10 مليون ليرة قديمة بما يعادله من الليرة الجديدة.

ويصف في حديثه لـ موقع “ألترا سوريا” ما يجرى أمام شركات الصرافة بأنه “فوضى وسط غياب الرقابة”، ولا يتناسب مع ما جرى الحديث عنه من تنظيم عملية الاستبدال وتوفير 59 مؤسسة مالية تضم أكثر من 1500 فرع لعملية الاستبدال.

ونتيجة الازدحام في اليوم الأول لتبديل العملة قرر أحمد العودة في اليوم الثاني، “لم يتغير الوضع كثيرًا”، كما قال، لكنه تمكن بعد انتظار لساعات من تبديل مبلغه بالليرة الجديدة.

تعليقًا على ذلك، يقول دكتور الاقتصاد الدولي بجامعة دمشق قاسم أبو دست لموقع “ألترا سوريا”: “إنّ ما يجري من فوضى في عمليات الاستبدال ونقص في العملة الجديدة بالسوق يعود لخلل في عملية توزيعها، وغياب الشفافية حيال الكميات المطروحة منها بالسوق”.

سقف التبديل 5 مليون ليرة يوميًا؟

حالة أحمد ليست استثناء لما يحدث من مخالفات في عملية الاستبدال، إذ هناك شركات صرافة تمتنع عن تبديل أكثر من 5 مليون ليرة يوميًا لكل شخص بذريعة عدم توفر العملة الجديدة بكميات كبيرة، كما قال عصام. موضحًا في حديثه لموقع “ألترا سوريا”، بأن أكثر من شركة رفضت تبديل أكثر من 5 مليون ليرة له، ما اضطره للانتظار لساعات وعلى مدى أيام كي يتمكن من تبديل 25 مليون ليرة قديمة بالليرة الجديدة.

ورصدت “ألترا سوريا” معاناة المواطنين بدمشق أمام شركات الصرافة في عمليات التبديل إلى الليرة الجديدة، إذ هناك شركات تتحجج بـ “نفاذ النقود الجديدة”، وأخرى “تعال بكرى”، على أن هناك أناس تمكنت من تبديل مبالغ كبيرة دون عناء وهؤلاء هم كبار المضاربين الذين يملكون كتل نقدية كبيرة بالعملة القديمة، وفق ما يرى خبراء اقتصاد.

لا تقتصر معاناة التبديل فقط لدى شركات الصرافة، إنما هناك بنوك اشترطت افتتاح حساب بنكي لديها لتبديل العملة كما حصل مع سامر، الذي طلب منه بنك بمنطقة المزة افتتاح حساب بنكي كي يتمكن من تبديل ما يملك من عملة قديمة بأخرى جديدة.

هذه المشاكل في استبدال العملة القديمة بالجديدة، تكمن في عدم التزام شركات الصرافة بتعليمات المركزي، وفق ما يرى دكتور الاقتصاد الدولي بجامعة دمشق قاسم أبو دست.

ويقول في حديثه لـ “ألترا سوريا”: “إن تلك المشاكل تضعف الثقة في العملية بكاملها”، ويمكن أن تقوض أحد أهدافها الرئيسية المتمثلة في تعزيز الثقة بالنظام النقدي. ويضيف، أنّ مشكلة ندرة العملة الجديدة تكمن في أن ضخها بالسوق يجري ببطء شديد وسط مخاوف من ممارسة البنك المركزي لسياسة حبس السيولة الجديدة.

عملية الاستبدال “منظمة”

في مقابل تلك المعاناة في تبديل العملة، اعتبر حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية في منشور له على موقع فيسبوك، أن عملية الاستبدال تسير بشكل منظم دون أية عوائق تذكر.

ودعا الحاكم  إلى عدم الاستعجال في عملية الاستبدال، إذ ستمدد المهل عند الحاجة بما يتيح للجميع إتمام العملية.

وبالتزامن مع عمليات الاستبدال تراجع سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي نتيجة ارتفاع الطلب عليه لصعوبة استبدال الليرة القديمة بالجديدة، ما دفع من يملك الليرة القديمة لاستبدالها بالدولار الأمريكي. وتراوح سعر صرف الليرة أمام الدولار الأمريكي بين 12100 و12300 ليرة لكل دولار أمريكي خلال الأسبوع الأول من عمليات الاستبدال.

ويرى الدكتور في قسم الاقتصاد الدولي بجامعة دمشق قاسم أبو دست أن استقرار سعر الصرف يعتمد على الثقة في السياسات الاقتصادية الجديدة، وليس فقط على شكل العملة، مضيفًا في حديثه لـ “ألترا سوريا” أن المخاوف من فقدان الثقة بالليرة الجديدة تدفع الناس لشراء الدولار، ما يزيد الضغط على سعر صرف الليرة، وفق قوله.

إلى ذلك يشرف الجهاز المركزي للرقابة المالية على عمليات استلام وعد وفرز وإتلاف الأوراق النقدية القديمة، بعد نقلها من مراكز الاستبدال إلى فروع المركزي بالمحافظات وصولًا إلى مدينة المعارض على طريق دمشق الدولي.

وبينما لم تخلُ عملية استبدال الليرة القديمة بالجديدة خلال أكثر من ثلاثين يومًا من أصل 90 يومًا، وهي مدة الاستبدال، من فوضى وازدحام أمام شركات الصرافة وفي البنوك بذرائع مختلفة، ما تزال تلك العملة الجديدة نادرة في التداول بين الناس وفي الأسواق.

———————–

====================

تحديث 09 شباط 2026

—————————-

شراكة سعودية سورية تعيد رسم مسار الاستقرار الإقليمي/ د. عبد اللطيف الحميدان

فبراير 9, 2026

يعكس توقيع العقود الاستثمارية الاستراتيجية بين شركات سعودية وجهات حكومية سورية تحولاً سياسياً واقتصادياً مدروساً في مقاربة المملكة العربية السعودية للبيئة الإقليمية، وفي إدارتها لمسارات التأثير الناعم طويل المدى في المشرق العربي.

فالزيارة الرسمية التي قادها وزير الاستثمار السعودي إلى دمشق في هذا التوقيت بالذات لا يمكن قراءتها باعتبارها خطوة اقتصادية منفصلة عن السياق الجيوسياسي العام، بل تمثل جزءاً من رؤية شاملة لإعادة بناء شبكات الاستقرار في الإقليم عبر أدوات التنمية والاستثمار وإعادة دمج الاقتصادات المتأثرة بالأزمات في منظومات التعاون الإقليمي.

وإن اختيار قطاعات الطيران والاتصالات والبنية التحتية والمبادرات التنموية يعكس إدراكاً سعودياً عميقاً بأن إعادة تنشيط الدولة السورية اقتصادياً تمر أولاً عبر إعادة ربطها لوجستياً وتقنياً بالمنطقة، ثم عبر استعادة قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية وبناء بيئة مؤسسية قادرة على جذب استثمارات لاحقة من أطراف إقليمية ودولية.

وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود المملكة بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان التي تقوم على إعادة تعريف دور السعودية في الإقليم من دولة تركز على إدارة التوازنات السياسية إلى دولة تصنع التوازنات من خلال التنمية والاستثمار وبناء الاعتماد المتبادل الاقتصادي.

فالمقاربة السعودية الجديدة لا تنطلق من منطق المكاسب السريعة أو الصفقات المحدودة، بل من تصور استراتيجي يعتبر أن الاستقرار الإقليمي المستدام لا يمكن تحقيقه دون إدماج الدول الخارجة من النزاعات في مسارات نمو حقيقية تخلق وظائف، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وتقلص الفراغات التي تستثمرها القوى المتطرفة والشبكات غير النظامية.

ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في البنية التحتية والاتصالات والطيران استثمارا في إعادة بناء السيادة الاقتصادية السورية وفي تمكين الدولة من استعادة أدواتها الوظيفية وليس مجرد ضخ رؤوس أموال في مشاريع معزولة.

وفي هذا السياق تتكامل هذه المقاربة مع الجهود التي يقودها رئيس الجمهورية العربية السورية الرئيس أحمد الشرع في إعادة توجيه سياسات الدولة السورية نحو أولوية التعافي الاقتصادي وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة وتعزيز كفاءة الإدارة العامة وتهيئة البيئة التشريعية والتنظيمية الجاذبة للاستثمار العربي والدولي.

ويبرز تقاطع واضح بين رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان القائمة على صناعة الاستقرار عبر التنمية وبناء شبكات المصالح الاقتصادية الإقليمية، وبين توجهات الرئيس أحمد الشرع الرامية إلى استعادة الدور الاقتصادي للدولة السورية وترسيخ مسار انفتاح عربي متوازن يعيد لسوريا موقعها الطبيعي داخل محيطها العربي. ويشكل هذا التقاطع بين القيادتين الإطار السياسي العميق الذي يمنح الاتفاقيات الموقعة بعدها الاستراتيجي الحقيقي ويحولها من عقود استثمارية إلى رافعة لإعادة بناء الثقة العربية وإعادة إدماج سوريا في منظومة العمل الاقتصادي الإقليمي.

وعلى المستوى السياسي الأعمق، تمثل هذه الاتفاقيات رسالة إقليمية واضحة بأن المملكة باتت تمارس دوراً محورياً في إعادة صياغة معادلات الانفتاح العربي على سوريا ضمن إطار عربي مستقل يراعي المصالح الجماعية ويقلل من مستويات الارتهان لمحاور خارجية متنافسة على الساحة السورية.

فالحضور السعودي في دمشق عبر بوابة الاقتصاد يمنح الرياض موقعاً متقدماً في التأثير على مسار إعادة الإعمار وعلى شكل الشراكات المستقبلية وعلى معايير الحوكمة والاستثمار التي ستُبنى عليها المرحلة القادمة التي تطمئن الدول الأخرى بالاستثمار في سوريا. كما يفتح المجال أمام بلورة نموذج تعاون عربي عربي قادر على خلق بدائل عملية عن مسارات الإعمار المشروطة سياسياً من أطراف دولية مختلفة، وهو ما يعزز هامش القرار الإقليمي المستقل ويعيد التوازن إلى معادلة النفوذ داخل سوريا.

ومن زاوية استراتيجية بعيدة المدى يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها امتداداً عضوياً لرؤية المملكة 2030 التي لم تعد مشروعاً داخلياً محصوراً داخل الحدود السعودية بل تحولت إلى منصة إقليمية لإعادة هندسة شبكات الاقتصاد والاستثمار في المنطقة. فتمكين الشركات السعودية من التوسع في الأسواق المجاورة وبناء شراكات سيادية وتنموية مع حكومات المنطقة يعزز من مكانة الاقتصاد السعودي كمحرك للنمو الإقليمي ويربط الاستقرار الاقتصادي لدول الجوار بدرجة أعلى من التكامل مع السوق السعودية ومع منظومة المشاريع العابرة للحدود.

وفي الحالة السورية تحديداً، فإن إعادة إدخالها في مسارات التنمية عبر شراكات سعودية منظمة يسهم في تقليص مخاطر عودة عدم الاستقرار ويمنح المملكة أدوات تأثير ناعمة طويلة الأجل تتجاوز الحسابات الدبلوماسية التقليدية نحو صناعة واقع اقتصادي جديد يكون أكثر قابلية للاستدامة وأكثر انسجاماً مع مشروع نهضة عربية تقوده الرياض برؤية سياسية هادئة وعميقة تعيد ترتيب الأولويات من منطق الصراع إلى منطق البناء لمصلحة دول المنطقة وشعوبها.

الثورة السورية

—————————-

 إعادة بناء بنك البذور الوراثي في حلب.. رهان على الزراعة في مواجهة تغيّر المناخ/ محمد كساح

2026.02.09

علم موقع تلفزيون سوريا بوجود خطة حكومية بالتعاون مع المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة “إيكاردا” لإعادة بناء بنك البذور الوراثي في محطة الزربة جنوبي حلب بعد سنوات من التوقف بسبب تعرض المحطة للتخريب والسرقة.

وتتمثل الخطوة المهمة الحالية بتأهيل البنك ليصبح جاهزاً لاستقبال نسخة جديدة من المدخلات الوراثية.

وأكد قائد فريق البحث والم وارد الوراثية في “إيكاردا” زكريا كحل خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا أن إيكاردا تعمل بالتنسيق الوثيق مع الجهات الحكومية في سوريا على استكشاف الفرص الأنسب للانتقال قدماً في إقامة النشاطات.

ولفت إلى التعاون الفني بين إيكاردا والبنك الوراثي الوطني في سوريا التابع للهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية ضمن وزارة الزراعة.

وتتركز أنواع الدعم، وفقاً لكحل، من خلال المشاريع المتعلقة بإقامة نشاطات حفظ وتوصيف الموارد الوراثية، وتنفيذ أنشطة بناء القدرات من خلال استضافة مشاركين من الوزارة في دورات تدريبية في لبنان، بالتوازي مع تبادل المواد الوراثية لأغراض البحث والتربية ضمن الأطر القانونية.

وأشار كحل إلى أن هذا التعاون يُعد أساسياً لإعادة تفعيل البنك الوراثي الوطني.

وبداية العام الحالي، عقدت المجموعة الاستشارية الدولية (CGIAR) اجتماعاً مع وفد وزارة الزراعة السورية برئاسة الدكتور أمجد بدر، لمناقشة أهمية عودة المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة إيكاردا إلى سوريا، وتحديد أولويات القطاع الزراعي في المرحلة القادمة، وفقاً لما أعلنته وزارة الزراعة.

ما هو البنك الوراثي في إيكاردا؟

البنك الوراثي التابع لـ”إيكاردا” هو منشأة علمية متخصصة في حفظ الموارد الوراثية النباتية (البذور والأصول الوراثية للمحاصيل والنباتات البرية القريبة منها) بهدف صونها من الضياع، وتوصيفها، وإتاحتها للبحث العلمي وبرامج التربية الزراعية.

يتضمن البنك الوراثي في إيكاردا نحو 150 ألف عينة من البذور التي تم جمعها من أكثر من 90 دولة وخاصة من دول غربي ووسط آسيا وشمالي إفريقيا، والمحفوظة في ظروف تخزين طويلة ومتوسطة الأمد، ويتم توصيفها بشكل مستمر، بهدف استخدامها لأغراض البحث والتدريب والتربية النباتية. 

ويحتوي بنك الجينات التابعة لإيكاردا على عينات من الأصناف المحلية والبرية والمحسنة من أنواع القمح القاسي والطري، الشعير، العدس، الحمص، الفول، وأنواع من النباتات الرعوية. وكل الأنواع النباتية مدرجة ضمن الملحق الأول من المعاهدة الدولية بشأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة.

وتكمن أهمية البنك الوراثي في أنه يحفظ أنواعاً حيوية من الاندثار، وهي أنواع غنية بالخصائص المميزة والمتنوعة التي تقوم عليها الأبحاث الزراعية. وهذه البذور والمتنوعة تشكل الأسس لمواجهة التحديات المناخية في المستقبل ولحماية الأمن الغذائي، وفقاً لما أورده فريق إيكاردا لـ موقع تلفزيون سوريا.

منذ متى تأسس البنك وكيف بدأ العمل؟

بدأت أنشطة حفظ الموارد الوراثية في إيكاردا في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكانت أول رحلة جمع عينات في عام 1977. وتطور البنك الوراثي تدريجياً ليصبح أحد أكبر بنوك الموارد الوراثية في المناطق الجافة على مستوى العالم.

وفي ظل ظروف الحرب في سوريا تعرض البنك لأضرار كبيرة، ويؤكد زكريا كحل أن الأضرار التي لحقت بمرافق المركز في سوريا نتيجة النزاع أدت إلى فقدان المجموعة الكاملة من العينات الأصلية، وتدمير المرافق والأجهزة، وتوقف الأنشطة البحثية والمخبرية.

كيف استطاعت إيكاردا الحفاظ على بنكها الوراثي؟

وفقاً لزكريا كحل، تمكنت إيكاردا من الحفاظ على مواردها الوراثية عبر نقل النسخة الاحتياطية من مجموعاتها الوراثية التي كان قد تم إرسالها إلى بنوك وراثية عالمية أخرى، وذلك بحسب المعايير الدولية لعمل البنوك الجينية. وقد تم استرجاع هذه النسخة، وإكثارها، وحفظ نسخة منها في البنوك الوراثية التي تم إنشاؤها في لبنان والمغرب في العام 2014، ومن ثم إعادة نسخة إضافية إلى سفالبارد.

تم الحفاظ على الغالبية العظمى من مجموعات المحاصيل الاستراتيجية (القمح، الشعير، العدس، الحمص، البقوليات العلفية. أما العينات التي فقدت فلا تتعدى الـ2000 عينة من أصل 143000، وهي تعود لأصناف متمثلة في المجموعة. تم الحفاظ أيضا على المعشب الأساسي عبر نقله الى لبنان.

وتعمل إيكاردا على خلق أطر أكثر استدامة للدعم التقني للعاملين في البنك الوراثي الوطني التابع للهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية ضمن وزارة الزراعة.

ويقول كحل إن إيكاردا تأمل بالتعاون والتشارك مع العاملين في البنك الوراثي بتوسيع جمع الموارد الوراثية المحلية المهددة، وتطوير أنظمة التوصيف الوراثي والفيزيولوجي باستخدام تقنيات حديثة، وربط مواد البنك الوراثي ببرامج تربية وطنية مباشرة، ودعم إنتاج البذور للأصناف المحسّنة والملائمة للظروف المحلية، إضافة لتعزيز الشراكات مع الجامعات ومراكز البحوث السورية.

ويؤكد أن الحفاظ على هذه الأنواع يُعد أمراً بالغ الأهمية لأنه يؤمّن قاعدة وراثية للتكيف مع تغيّر المناخ، ويحافظ على أصناف محلية متكيفة تاريخياً مع البيئات السورية، ويضمن استدامة الإنتاج الزراعي في البيئات الهشة، ويقلّل من الاعتماد المستقبلي على مصادر وراثية خارجية.

خطوة مهمة جداً لدعم الزراعة

من جانبه، يؤكد المهندس الزراعي يحيى تناري خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا أن لبنك البذور التابع لإيكاردا أهمية كبيرة جداً في حال عودته إلى سوريا واستئناف عمله.

ويضيف بأن البنك تعرض في أثناء الثورة السورية من قبل النظام البائد للتخريب والسرقة وتدمير كل البنى والأدوات والمعدات والأجهزة ونسخة البذور التي كانت بداخله.

وينظر تناري إلى وجود نسخة احتياطية مخزنة في مكان آخر كإنجاز كبير لأن هذه البذور كانت نتيجة تهجين ودراسات معمقة وكانت تعطي مردوداً وإنتاجاً جيداً. لكن يبقى موضوع التجهيز وإعادة البنى المدمرة والمعدات والأجهزة، وفي حال توفر التمويل والسرعة في الإنجاز فسوف تكون الأمور جيدة.

وحول المكاسب المتوقعة من عودة بنك البذور، يؤكد تناري أن إعادة البذور ذات البصمة الوراثية وإكثارها وتوزيعها على المزارعين سيحدث تأثيراَ إيجابياً على الإنتاج الزراعي وجودته وزيادته، لأن هذه البذور تتميز بتأقلمها مع المناخ والتربة في سوريا.

ويتوقع تناري أن تستأنف إيكاردا عملها في استنباط وتهجين أصناف جديدة تتأقلم مع ظروف سوريا ولكن مراحل الإنتاج والتصنيف عادة لا تكون سريعة بل تحتاج إلى وقت كافٍ.

تلفزيون سوريا

—————————-

سوريا تمنع دخول شاحنات دول الجوار… وتعتمد «مناقلة البضائع»/ جانبلات شكاي

منعت سوريا دخول شاحنات دول الجوار إلى أراضيها، استجابة لمطالبات داخلية، حيث إن شاحنات هذه الدول تدخل سوريا محملة بالبضائع وتعود كذلك، أما الشاحنات السورية فيسمح لها بنقل البضائع إلى الجوار، لكنها تمنع من العودة محملة، ما يراه أصحاب هذه الشاحنات خسارة لاقتصاد البلد.

مضمون القرار

وأصدرت هيئة المنافذ والجمارك قراراً، دخل التنفيذ فجر السبت، وقضى بعدم السماح لدخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية عبر المنافذ البرية، باستثناء العابرة بصفة ترانزيت، ما أدى إلى تكدس مئات الشاحنات على المعابر الحدودية مع كل من الأردن ولبنان وتركيا، وخلقت أزمة تركت صداها عند الدول المجاورة.

ونص القرارعلى أن تتم عمليات مناقلة البضائع بين الشاحنات السورية وغير السورية ضمن ساحات الجمارك في المنافذ البرية، وفق الأصول المعتمدة، مع استثناء الشاحنات العابرة بصفة ترانزيت من ذلك، على أن تتولى الضابطة الجمركية مهمة ترفيقها بين المنفذين وفق الإجراءات النافذة.

كما تضمن القرار، الذي نشرته الهيئة عبر قناتها على «تليغرام» عدم السماح لجميع الشاحنات السورية وغير السورية من الدخول إلى المنافذ البرية والبحرية إلا بعد حصولها على إيصال أصولي صادر عن مكتب نقل البضائع، بحيث تقع عملية قطع الإيصال على عاتق وزارة النقل، وذلك في إطار تنظيم حركة الشحن والنقل عبر المنافذ.

محادثات مع الأردن

أزمة الشحن التي خلقها القرار السوري، كانت على طاولة جلسة محادثات ثنائية بين المسؤولين في وزارتي النقل السورية والأردنية.

ونقلت قناة «المملكة» عن الأمين العام لوزارة النقل الأردنية فارس أبو دية، قوله إن الهدف من المحادثات «الوصول إلى تفاصيل حول الإجراءات المتبعة في النقل البري، بما في ذلك تسهيل حركة الشاحنات وتخفيف العمليات اللوجستية المعقدة، والتركيز على التنسيق بين الجمارك والنقل في كلا البلدين، إلى جانب مناقشة موضوع تكدس الشاحنات، وبحث إمكانية توسيع الساحات وتوفير الآليات المناسبة لإجراء عمليات النقل التبادلي بشكل أكثر سلاسة».

وقال نقيب أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع ضيف الله أبو عاقولة إن القرار الذي جاء بشكل مفاجئ أربك حركة عبور الشاحنات الأردنية في اتجاه الأراضي السورية، وسيؤثر على صادرات المملكة ولا سيما المواد الإنشائية التي تدخل بكميات كبيرة.

ولفت إلى وجود أعداد كبيرة من الشاحنات متكدسة في منفذ نصيب من الجانب السوري، سواء الشاحنات الأردنية أو الخليجية جراء القرار، مطالباً بسرعة التواصل مع الجانب السوري من خلال اللجنة الفنية المشتركة التي تربط البلدين بقطاع النقل.

ومنذ 18 من كانون الأول/ ديسمبر2024، سمحت الحكومة السورية بدخول الشاحنات الأردنية مباشرة إلى الأراضي السورية عبر معبر نصيب ـ جابر الحدودي لتسليم البضائع، في حين تمنع السلطات الأردنية من دخول الشاحنات السورية إلى الأردن منذ عام 2011.

لبنان يحذر

وفي بيروت صدر بيان عن رئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البري في لبنان بسام طليس، أكد فيه الحرص على أفضل العلاقات الأخوية وأطر التعاون القائمة بين لبنان وسوريا، محذّرا في المقابل من الانعكاسات السلبية المباشرة لهذا القرار على قطاع النقل البري، وما يترتّب عليه من أضرار تطال شريحة واسعة من السائقين والصناعيين والتجّار والعاملين في القطاع، ولا سيما العاملين في نقل المواد الغذائية والسلع القابلة للتلف التي لا تحتمل التأخير.

وكشف أنه جرى التواصل مع وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني فايز رسامني، إضافة إلى المدير العام للنقل البري والبحري، حيث أفادا بأن الموضوع قيد المتابعة الجدية مع الجهات بهدف معالجة الإشكالية والتوصّل إلى حلول مناسبة تضمن مصلحة البلدين وتمنع أي تداعيات سلبية على حركة التبادل والنقل.

إنصاف لأصحاب الشاحنات

وأوضح مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش لـ«القدس العربي» أن القرار صدر استجابة لتظاهرات ومطالبات كثيرة لاتخاذ إجراء ينصف آلاف العائلات السورية التي لا دخل لها سوى مردود الشاحنات التي تمتلكها، مؤكداً أن القرار ليس موجهاً للإخوة اللبنانيين أو الأردنيين أو أي دولة محددة، وإنما هو موجه لجميع دول الجوار، وبهدف أساسي هو تشغيل أسطول النقل السوري وتفعيله.

ووصف إجراء مناقلة البضائع عند المنافذ البرية بين الشاحنات الآتية من الخارج والشاحنات السورية، بأنه منصف بحيث تقوم شاحنات الدول الأخرى بنقل البضائع إلى الحدود السورية ثم تنقلها الشاحنات السورية إلى داخل البلاد، وهكذا فإن كل الأطراف تعمل بما فيها الشاحنات السورية. وكشف عن جلسات ومحادثات تجري حالياً وأخرى مرتقبة مع الأشقاء في لبنان والأردن وتركيا بهدف وضع حلول مستقبلية ترضي الجميع، وبما يمكّن من التوصل لاتفاقيات جديدة في أي لحظة.

وأوضح علوش أنه وحسب احصائيات شهر كانون الثاني/ يناير الماضي فقد بلغ عدد الشاحنات الداخلة إلى سوريا محملة بالضائع المستوردة نحو 55 ألف شاحنة وهذه تعادل أكثر من عشرة أضعاف عدد الشاحنات المحملة بالبضائع المصدرة.

وتابع: استوردنا من تركيا حمولة 27500 شاحنة وصدرنا لها حمولة 1250 شاحنة، ومن لبنان استوردنا حمولة 3225 شاحنة وصدرنا حمولة 1385 شاحنة، ومن الأردن استوردنا حمولة نحو 23 ألف شاحنة وصدرنا حمولة ألفي شاحنة، وبالنسبة للعراق فإن التبادل التجاري بين البلدين ما زال محدوداً والمنفذ الوحيد قيد العمل هو البوكمال ـ القائم، وعمليات التصدير والاستيراد عبره متساوية تقريباً بحيث دخلت حمولة 900 شاحنة وصدرنا حمولة 600 شاحنة، مؤكداً أن جميع الأرقام السابقة لا تتضمن حركة الترانزيت التي تمت عبر الأراضي السورية.

أسطول محروم من العمل

وفي تعقيبه على قرار الحكومة السورية بمنع شاحنات الدول الأخرى بالدخول إلى البلاد إلا بصفة الترانزيت، أوضح رئيس اتحاد شركات شحن البضائع الدولي في سوريا محمد صالح كيشور في تصريح لـ«القدس العربي» أن أسطول النقل البري السوري محروم من العمل، في وقت تقوم به شاحنات الدول الأخرى بتحميل بضائعنا ما أدى إلى انتعاش اقتصادهم على حساب اقتصادنا الذي واصل تراجعه بسبب الشروط التي وضعت على النواقل السورية.

وأوضح أن القرار وبصيغته الحالية جاء تلبية لمطالب أصحاب الشاحنات السورية. ونشكر الحكومة على هذا القرار، لأن الشاحنات اللبنانية تدخل إلى سوريا وهي محملة بالبضائع كما تعود وهي محملة بالبضائع، أما الشاحنات السورية فيسمح لها بنقل البضائع إلى لبنان، لكن لا يسمح لها بالعودة وهي محملة، وهذا قرار لا علاقة للحكومة اللبنانية فيه وإنما ينفذ عبر نقابة أصحاب الشاحنات في لبنان الذين يمنعون عودة الشاحنات السورية وهي محملة عند المعابر الحدودية بين البلدين، وخصوصا منها المبردة، والأمر ذاته بالنسبة للأردن التي يدخل منها يومياً مئات الشاحنات المحملة وتعود محملة بينما يجلس أصحاب الشاحنات السورية متفرجين عليهم.

تهمة المخدرات

وأكد كيشور أن من بين التعقيدات التي تفرضها الدول المجاورة هو ربط السوريين بالترويج للمخدرات، وقال إنه وإلى اليوم ما زالت هذه الوسمة السوداء من عهد النظام السابق موجودة، وجميعنا متهمون بتجارة المخدرات، ونعمل حالياً على تجاوز هذه المشاكل.

وخلص للقول إن قرار هيئة المنافذ والجمارك السورية صدر بهدف تطبيق المعاملة بالمثل مع دول الجوار، وإنصاف أصحاب الشاحنات السورية.

القدس العربي

———————————-

يبدأ تأهيلهما خلال أسبوعين.. دمشق تتسلم أكبر حقلين للنفط بالحسكة

في خطوة جديدة لتطبيق بنود الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، استلم وفد فني وهندسي تابع للحكومة السورية حقلي النفط “رميلان” و”السويدية” بالحكسة في شرق سوريا.

وأعلن وفد الحكومة -خلال مؤتمر صحفي من الحسكة- أن شركة “أديس” الرائدة في حفر وصيانة آبار النفط والغاز ستباشر العمل على تطوير كافة الآبار وحقول النفط خلال أسبوع إلى أسبوعين، ولفت إلى تعاقد الحكومة مع شركات عالمية لتطوير الحقول مثل كونوكو وأديس وسشيفرون وغيرها.

وتعهد الوفد بالتمسك بكل العاملين في مدينة الرميلان، بالإضافة إلى وعدهم بتحسين دخلهم المادي ليكون أقرب لرواتب الشركات الأوروبية والرفع من مستوى العمال المعيشي بخلاف النهج السابق.

وأكد رغبة الحكومة لتطوير الكفاءات السورية بمجال النفط، وتلقي مساعدات من الدول “الشقيقة” بالمستقبل القريب، مؤكدا حرص الحكومة على تطوير الإنتاج لتكون الشركة السورية للبترول شركة رائدة في مجال النفط على المستوى الإقليمي والعالمي، مشددا على استمرار الإنتاج من “أجل سوريا واحدة” دون أي تفرقة.

وفي السياق نفسه، أكد على أحقية الأكراد السوريين في حصص من النفط والخدمات، بوصفهم “شركاء في الأرض” ومن مكونات الدولة.

وتحدث الوفد الحكومي عن المشاريع التنموية القادمة والتي ستشمل إصلاح الطرق ورعاية الحالات الإنسانية في الحسكة ودير الزور والرقة وباقي المحافظات.

جولة استكشافية

وقد أعلنت الشركة السورية للبترول أن الهدف من هذه الجولة هو تقييم جاهزية الحقول تمهيدا للخطوات اللاحقة التي تضمنها الاتفاق.

وتهدف الجولة الاستكشافية لأكبر حقلي نفط وغاز بشمال شرق سوريا، لتقييم بنيتهما التحتية وتحديد الخطوات اللازمة لإعادة رفع وتيرة الإنتاج.

ويُذكر أن الاتفاق يتضمن تسلُّم مؤسسات الدولة الموارد الطبيعية من نفط وغاز وقمح ومياه، وإعادتها إلى الإطار المركزي؛ بغية تسخير عائداتها في مشاريع التنمية على المستوى الوطني، بما ينعكس على تحسين شروط عيش جميع السوريين.

إعلان

وأفاد مراسل الجزيرة محمد حسن بأن الوفد الرسمي يضم ممثلين عن الشركة السورية للنفط (SPC)، بالإضافة إلى مسؤولين من الأمن العام وإدارة المنافذ والمطارات.

ويعد حقل “رميلان” العمود الفقري للثروة النفطية في المنطقة، حيث يضم نحو 1322 بئرا نفطيا، ورغم هذا العدد الضخم، فإن المراسل أكد أن مساحات واسعة من هذه الآبار تعاني من التوقف عن العمل نتيجة عاملين أساسيين هما:

    التقادم الفني: بسبب غياب الصيانة الدورية والمعدات الحديثة لسنوات.

    الأضرار العسكرية: جراء تعرض المواقع النفطية لضربات جوية متكررة خلال السنوات الماضية، لا سيما القصف التركي الذي استهدف البنية التحتية للطاقة.

أما في قطاع الغاز، فيبرز حقل “السويدية” بامتلاكه ما لا يقل عن 25 بئرا للغاز، ظلت تعاني من محدودية الإنتاج بسبب تركز مصافي التكرير الكبرى في مناطق سيطرة الحكومة (حمص وبانياس)، مما أعاق استغلال الغاز المنتج محليا بشكل كامل.

أهم الحقول التي تم استرجاعها:

1- حقل العمر – دير الزور

يُعد من أكبر حقول النفط في سوريا من حيث الطاقة الإنتاجية قبل 2011، وبلغ إنتاجه 80 ألف برميل يوميا وشكّل العمود الفقري لصادرات النفط السورية، لكنه ينتج الآن 20 ألف برميل يوميا، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور.

2- حقل التنك – دير الزور

حقل رئيسي في حوض الفرات النفطي شرق دير الزور، كان ينتج 40 ألف برميل يوميا عام 2011 واليوم ينتج ألف برميل، ويُصنَّف ضمن الحقول المتوسطة الحجم ذات النفط الخفيف نسبيا.

3- حقل كونيكو للغاز

حقل غاز كان ينتج 13 مليون متر مكعب يوميا في 2011، وهو متوقف اليوم.

4- حقل الجفرة

حقل متوسط الحجم في محيط مدينة دير الزور، أُدرج ضمن أصول الشركة السورية للنفط قبل 2011.

حقول أخرى سورية

1- حقل الورد – دير الزور

خلال مرحلة ما قبل الحرب، أي قبل عام 2011، كان حجم إنتاج الحقل النفطي يبلغ نحو 50 ألف برميل يوميا، إلّا أن الرقم المُعلن بشأن آخر إنتاج للحقل كان نحو 5 آلاف برميل يوميا، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور.

2- حقل التيم

يقع جنوب شرق مدينة دير الزور، كان ينتج 50 ألف برميل يوميا في 2011 واليوم ينتج 2500 برميل يوميا، وهو من الحقول الداعمة للإنتاج المحلي وليس من الحقول الكبرى.

3- حقل السويدية – الحسكة

يقع حقل السويدية النفطي في مدينة السويدية الواقعة بمنطقة المالكية في محافظة الحسكة، وهو من أهم وأقدم الحقول النفطية التي اكتُشِفَت في سوريا، وبلغ إنتاجه عام 2011 نحو 116 ألف برميل يوميا، لكن إنتاجه حاليا 7 آلاف برميل فقط، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور.

كما توجد حقول نفط وغاز أخرى في سوريا منها ما هو تحت سيطرة الدولة مثل:

حقل الشاعر: 3 ملايين متر مكعب يوميا من الغاز، و9 آلاف برميل يوميا في عام 2011 .

بالإضافة إلى حقل الجحار بمنطقة تدمر وسط سوريا. ومنها ما لا يزال تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية مثل:

رميلان: كان ينتج 116 ألف برميل يوميا في عام 2011، وينتج حاليا 7 آلاف برميل يوميا.

بالإضافة إلى حقلي اليعربية (تل عدس سابقا) والجبسة في الحسكة.

تراجع حاد في الإنتاج

ووفق مراسل الجزيرة، فإن الإحصائيات الرسمية الصادرة عن “الإدارة الذاتية” تكشف عن فجوة هائلة في مستويات الإنتاج؛ فبعد أن كان حقل رميلان ينتج ما يقارب 120 ألف برميل يوميا قبل عام 2011، هوى الإنتاج ليصل حاليا إلى ما بين 10 و20 ألف برميل فقط.

إعلان

وخلال سنوات الصراع، اعتمدت المنطقة على ما تعرف بـ”الحراقات” أو المصافي البدائية لتكرير النفط واستخراج المازوت والبنزين، وذلك في حل اضطراري لتلبية الاحتياجات المحلية في ظل انقطاع طرق الإمداد مع الداخل السوري.

ويرى مراقبون أن وصول الوفد الفني الحكومي قد ينهي حقبة “التكرير البدائي” ويدشن مرحلة جديدة من التعاون التقني، قد تفضي إلى إعادة ربط هذه الحقول بالمصافي الوطنية الكبرى، مما يساهم في تخفيف أزمة الوقود الخانقة التي تعيشها البلاد.

وكان قطاع النفط السوري إلى جانب قطاع الزراعة عصب اقتصاد البلاد، واستثمرت فيه شركات عالمية كبرى مثل شل وتوتال إنيرجيز.

لكن 14 عاما من الحرب أضعفت قدرة سوريا على إنتاج وتكرير نفطها الخام، مع انسحاب الشركات العالمية، والعقوبات الغربية القاسية التي لا تزال سارية، ستجعل استعادة البلاد لمجدها السابق أمرًا بالغ الصعوبة.

المصدر: الجزيرة

———————–

 سوريا تتوسع بمشروعات البحث عن النفط والغاز في البحر

خطة لاستثمار الثروة البحرية بما يخدم أمن الطاقة السوري ويعزز فرص التنمية الاقتصادية

الرياض – العربية

08 فبراير ,2026

أكد مدير الاتصال المؤسسي في الشركة السورية للبترول، صفوان شيخ أحمد، أن مذكرة التفاهم الموقعة مع شركتي “شيفرون” و”باور إنترناشيونال القابضة” تمهّد لبدء دراسات فنية متخصصة في مجال الاستكشاف البحري للنفط والغاز، من المتوقع أن تنطلق خلال شهرين من تاريخ التوقيع.

وأوضح شيخ أحمد أن المذكرة تشكل إطاراً عاماً للتعاون الفني والدراسات الأولية، مبيناً أن أعمال التقييم ستنفذ بمشاركة خبراء مختصين، وبناءً على نتائجها يمكن خلال فترة تقديرية تصل إلى نحو ثمانية أشهر تحويل مذكرة التفاهم إلى اتفاقية تنفيذية في حال توافرت المؤشرات الفنية والاقتصادية الإيجابية.

وقال إن سوريا تمتلك خمسة بلوكات بحرية مخصصة للاستكشاف تمتد من طرطوس إلى اللاذقية، مشيراً إلى أنه سيتم تخصيص أحد هذه البلوكات ليكون نطاق العمل المشترك ضمن المذكرة، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

وأضاف أنه في حال الانتقال إلى مرحلة التنفيذ وتوقيع اتفاقية، فإن المراحل اللاحقة من الاستكشاف وحتى الوصول المحتمل إلى مكامن الغاز في قاع البحر قد تمتد لفترة تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات، وفق المعايير الدولية المعتمدة في المشاريع البحرية.

وأكد أن المشروع يحمل أهمية استراتيجية لسوريا من حيث إدخال خبرات عالمية متقدمة في مجال الاستكشاف البحري، وبناء القدرات الوطنية، ووضع أسس علمية لاستثمار الثروة البحرية، بما يخدم أمن الطاقة الوطني ويعزز فرص التنمية الاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد.

———————–

 “السورية للبترول” تبدأ تقييم الواقع الفني لحقلي رميلان والسويدية في الحسكة

2026.02.09

باشرت فرق مختصة من الشركة السورية للبترول، اليوم الإثنين، جولة استكشافية على حقلي رميلان والسويدية في محافظة الحسكة، بهدف الاطلاع على الواقع الفني للحقول وتقييم جاهزيتها التشغيلية.

وقال مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة، صفوان شيخ أحمد، لوكالة “سانا”، إن الجولة ستكون بمشاركة فرق فنية وهندسية من الشركة السورية للبترول، بهدف الاطلاع على الواقع الفني للحقلين، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات الفنية اللازمة خلال المرحلة المقبلة.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه الحكومة السورية إلى إعادة تشغيل حقول النفط والغاز التي تعرّضت خلال السنوات الأربع عشرة الماضية لأضرار واسعة، نتيجة ضعف الصيانة والاستخدام الجائر وتكرار العمليات العسكرية، ما انعكس بشكل مباشر على مستويات الإنتاج والبنية التحتية للقطاع.

إرث نفطي متضرّر

يُعد حقل السويدية النفطي في منطقة المالكية بمحافظة الحسكة من أكبر الحقول النفطية في سوريا، إذ اكتُشف عام 1958 وبدأ تطويره مطلع ستينيات القرن الماضي، وبلغ إنتاجه قبل عام 2011 نحو 116 ألف برميل يومياً، قبل أن يتراجع إلى أقل من 7 آلاف برميل يومياً في عام 2023، وفق تقديرات منصة الطاقة المتخصصة.

وتشير بيانات نفطية عالمية إلى أن الحقل لا يزال قادراً على استعادة نحو 69 في المئة من احتياطياته في حال توفرت شروط إعادة التأهيل الفني والاستقرار التشغيلي. ويضم الحقل آبار نفط وغاز، إلى جانب محطة حرارية ومحطات لمعالجة الغاز الطبيعي، ما جعله عرضة للاستهداف، كان آخرها في تشرين الأول 2023، عندما تعرّضت منشآت لمعالجة الغاز وتوليد الكهرباء لهجمات بطائرات مسيّرة.

أما حقل رميلان، الواقع قرب مدينة رميلان في محافظة الحسكة، يُعد من أقدم وأهم مكامن النفط في سوريا، ويمثّل أكبر تجمع للآبار النفطية في البلاد. ويعاني الحقل اليوم من تراجع حاد في الإنتاج مقارنة بمستويات ما قبل عام 2011، نتيجة تضرّر المنشآت وضعف أعمال الصيانة خلال السنوات الماضية، وفق ما أشار إليه الخبير المتخصص في شؤون النفط نصر أبو نبوت في تصريح لموقع “الطاقة”.

شركات أميركية في دمشق لبحث تأهيل آبار النفط

وفي السابع من شباط الجاري، بحث الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، مع ممثلين عن شركتي “هنت أويل” (Hunt Oil) و”بيكر هيوز” (Baker Hughes) الأميركيتين، آفاق التعاون في مجالات النفط والغاز والطاقة.

وتركز اللقاء تركز على إعادة تأهيل الآبار النفطية واستثمار حقول شرقي الفرات، بما يسهم في رفع معدلات الإنتاج، إلى جانب نقل الخبرات والتقنيات الحديثة، بحسب الشركة السورية للبترول.

——————————

 خطة رسمية في دير الزور لإغلاق الحرّاقات التقليدية وتنظيم سوق الوقود

2026.02.08

أعلن وزير الطاقة المهندس محمد البشير، إيقاف عمل الحراقات التقليدية في محافظة دير الزور بشكل نهائي، عقب عودة مؤسسات الدولة إلى المنطقة، مؤكداً أن هذا النشاط يُعد غير مشروع ولا يتوافق مع الأطر القانونية النافذة.

وجاء ذلك خلال اجتماع عُقد اليوم الأحد بحضور محافظ دير الزور غسان السيّد أحمد، خُصص لبحث واقع الحراقات وآليات التعامل معها في المرحلة المقبلة، في إطار استعادة الدولة لإدارة القطاع النفطي وتنظيمه وفق القوانين والأنظمة المعتمدة، بحسب ما أفادت به وزارة الطاقة عبر معرفاتها الرسمية.

وأوضح البشير أن الحراقات كانت تعمل خلال السنوات الماضية خارج سلطة الدولة ومن دون أي رقابة تنظيمية أو فنية، ما يجعل نشاطها مخالفاً للقانون، إضافة إلى ما تسببه من أضرار بيئية وصحية جسيمة نتيجة الانبعاثات السامة، التي تؤثر بشكل مباشر على السكان وتُسهم في تفشي أمراض خطيرة، لا سيما أمراض الجهاز التنفسي والسرطان.

إنتاج المشتقات النفطية عبر المؤسسات الحكومية

وأكد الوزير أن المرحلة المقبلة ستعتمد على المشتقات النفطية المنتَجة عبر المؤسسات الحكومية الرسمية، والتي ستُوفَّر للمواطنين من خلال القنوات النظامية، مشدداً على أن تنظيم قطاع المشتقات النفطية يندرج ضمن جهود فرض سيادة القانون، وحماية البيئة، وصون الصحة العامة.

وأشار البشير إلى أن وزارة الطاقة تعمل على دراسة بدائل مهنية للعاملين في هذا المجال، من خلال توفير فرص عمل ضمن مشاريع مستقبلية مرتبطة بقطاع النفط في المحافظة، بما يضمن انتقالاً منظماً إلى أنشطة مشروعة ويحدّ من الآثار الاجتماعية المترتبة على قرار إيقاف الحراقات.

ما هي الحراقات التقليدية؟

وتُعد الحراقات التقليدية من أبرز مصادر التلوث في دير الزور وريفها، إذ تطلق غازات سامة وجسيمات دقيقة تؤدي إلى تلوث الهواء والتربة والمياه، فضلاً عن افتقارها لمعايير السلامة، وما يرافق ذلك من حوادث حرائق وتسربات نفطية.

وكانت هذه الحراقات قد انتشرت على نطاق واسع في دير الزور خلال السنوات الماضية، ولا سيما في فترة سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”، في ظل غياب الرقابة الرسمية وافتقار السكان لبدائل نظامية لتأمين المشتقات النفطية.

—————————-

 لتعزيز السلامة الجوية.. تركيا ترسل معدات متطورة لمطار حلب الدولي

2026.02.09

أرسلت تركيا معدات ملاحية حديثة إلى مطار حلب الدولي، في إطار دعم جهود تعزيز السلامة الجوية ورفع الكفاءة التشغيلية.

وأعرب المدير العام للهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، عمر الحصري، في منشور على صفحته الشخصية في موقع “إكس”، عن شكره للمديرية لتعاون المديرية العامة لمطارات الدولة التركية (DHMI) على توريد أنظمة الملاحة الأرضية (ILS) و(DVOR) الخاصة بمطار حلب، مشيراً إلى أن هذه الأنظمة تشكّل عنصراً محورياً في تحسين معايير السلامة الجوية وتطوير الأداء التشغيلي.

أنظمة دقيقة للهبوط والتوجيه الجوي

تُسهم أنظمة الهبوط الآلي (ILS) في تمكين الطائرات من تنفيذ عمليات هبوط آمن ودقيق، لا سيما في الظروف الجوية الصعبة، بينما يوفّر نظام (DVOR) توجيهاً ملاحياً عالي الدقة داخل المجال الجوي، ما يعزّز كفاءة إدارة الحركة الجوية ويحدّ من المخاطر.

وباشرت الفرق الفنية المختصة الأعمال التقنية والتحضيرية لتركيب الأنظمة الجديدة، على أن تدخل الخدمة فور استكمال إجراءات التركيب والمعايرة والحصول على الاعتماد الفني، بما ينعكس إيجابًا على حركة الطيران في مطار حلب الدولي خلال الفترة المقبلة، وفقاً للحصري.

اتفاقية مشروع مطار حلب

وقبل يومين، وقعت الهيئة العامة للطيران المدني السوري اتفاقية مع تحالف استثماري سعودي بقيادة مجموعة بن داود للاستثمار، لتطوير مطار حلب الدولي الجديد، إضافة إلى تشغيل وتحسين المطار الحالي خلال مرحلة التطوير، وتمويل منظومة رادارات ملاحية متكاملة تغطي كامل الأجواء السورية.

ويعد المشروع أول استثمار لصندوق إيلاف، وقال وزير الاستثمار السعودي إن “المملكة ستستثمر 7.5 مليار ريال (ملياري دولار) لتطوير مطارين في مدينة حلب السورية على عدة مراحل”.

بدوره أوضح محافظ حلب، عزام الغريب، في منشور له على “إكس”، أن المرحلة الأولى من المشروع ستبدأ بتطوير المطار الحالي عبر تحسين المرافق القائمة (المدرجات والصالات)، أما في المرحلتين الثانية والثالثة، فسيتم إنشاء مطار جديد بالكامل، حيث ستكون القدرة الاستيعابية في المرحلة الثانية 6 ملايين مسافر سنوياً، لتصل في المرحلة الثالثة إلى 12 مليون مسافر سنوياً، مع خطة مرنة للتوسع المستقبلي.

وبين أن التصميم المعماري للمطار الجديد سيستوحى من مسيرة التطور والحضارة في حلب، ما يعكس هوية المحافظة الحضارية، منوهاً إلى “أهمية هذه الخطوة التي تمثل بداية جديدة لحلب، وتفتح آفاقاً واسعة للتنمية الاقتصادية في المنطقة”.

———————————-

====================

تحديث 08 شباط 2026

—————————-

في معنى دخول “شيفرون” سورية/ فاطمة ياسين

08 فبراير 2026

حاز تعامل إدارة الرئيس أحمد الشرع مع ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عسكرياً وسياسيّاً، قبولاً واسعاً، ولم تُخفِ بعض الجهات العالمية إعجابها بما حدث على الأرض، بعد تخفيف المواجهة بالسلاح إلى الحد الأدنى، وترجيح معالجة الأمر بالسياسة التي أبدت فيها كل الأطراف مرونة كافية للتوصل إلى الاتفاق… تقلصت سيطرة القوات الكردية فبقيت ضمن محافظة الحسكة، مع حضور لافت لإدارة دمشق في المحافظة وملاحظة وجود مسؤولين من وزارة الدفاع السورية. استبق الشرع المواجهة التي كانت محتملة بمرسوم أعطى تعريفاً كافياً لعلاقة الكرد بسورية، فأقرّ بحقوقهم كاملة وبمكانتهم داخل النسيج السوري الوطني، الأمر الذي يعطي الفرصة لتمكين الكرد وطنياً، ويحل مشكلة أمنية عويصة لسورية كلها، بعد أن كانت “قسد”، باسم قضيتهم، تحتل ثلث التراب السوري، بما فيه مصادر المياه الضخمة، والأراضي الزراعية الواسعة، وكذلك منابع النفط والغاز اللازمة لتشغيل الآلة الصناعية السورية المتعطلة منذ أكثر من 15 عاماً.

عندما يخبو صوت السلاح يتقوّى صوت السياسة، ويتهيأ المناخ الاقتصادي، وهذا بالفعل ما ظهر بعيد الاتفاق بقليل، حيث رعى الجانب الأميركي اتفاقاً يمكن أن يكون علامة في تاريخ الاقتصاد السوري، بتوقيع مذكرة تفاهم للتنقيب عن النفط في المياه الشاطئية للبحر الأبيض المتوسط، وقد وقعت المذكرة الحكومةُ السورية، وهي الطرف الرسمي الذي يملك الحقوق الوطنية للنفط والغاز في سورية، ومهمّتها التنسيق بين الشركاء وشركة شيفرون الأميركية، الشريك التقني الدولي المسؤول عن الاستكشاف والتنقيب وفق خبرة عالمية، وشركة الطاقة الدولية القابضة القطرية بصفتها الشريك الاستثماري الذي سيدعم المشروع اقتصادياً وتقنياً. يستند هذا الاتفاق إلى دراسات سابقة وكثيفة، قامت بها جهات عالمية عديدة في ساحل المتوسط الشرقي، وقدّمت معلومات ذات مصداقية عن أن مياه المتوسط تخفي ثروة غازية ونفطية معقولة، وقد بدأت إسرائيل بالفعل محاولة الاستثمار في السواحل المقابلة لها.

يمكن لهذا التفاهم أن يفضي إلى كشوفات تؤدي إلى تدفق مالي كبير في سورية، وهو مفتاح مهم نحو مستقبل مختلف، وتوقيع اتفاق من هذا النوع مع شركة أميركية عملاقة يمكن أن يفتح باب الاستثمار واسعاً نحو السوق السورية، بما يعني أن مخاوف عودة العنف وأصوات المعارك على مختلف الجبهات قد تخفت إلى الحد الأدنى، فيما واحدة من أضخم شركات الطاقة العالمية ترسل خبراءها وفنييها وأجهزتها الخاصة إلى سورية دون خوف. تحتمل السوق المحلية استثماراتٍ كبيرةً في مجالات النفط، فهذه البنية قد تضرّرت بشدة على مدى الـ 15 عاماً، وحتى قبلها لم تستثمر كما يجب، وهذا القطاع بحاجة إلى إجراءات عاجلة وشاملة لإعادة دمجه بالاقتصاد السوري، وهو مجالٌ واعدٌ يمكن أن يغري أكثر من شركة للدخول، ما يدعم الاقتصاد المحلي بقوة، وهذا ما تبحث عنه الحكومة السورية، ويشكل هدفاً أساسياً من أهداف الشرع الذي وضعه أمامه منذ اللحظات الأولى لدخول دمشق.

الاتفاق في هذا الظرف بالذات، ولو أنه بالخطوط العريضة الأولية، يعكس ارتياحاً دولياً كبيراً، ويشيع طمأنينة داخلية، ويعزّز العلاقة المميزة مع الولايات المتحدة، ويقدم خطوة عملية بعد رفع العقوبات عن سورية، ودخول شركة أميركية تذهب حيث تتجه السياسة الأميركية، على ما قال المبعوث توم برّاك، دليلاً على ذلك، وإشارة إلى أن الموقف الأميركي من سورية ذو مدى طويل ولن يتغير بتغيّر الإدارة الأميركية لاحقاً، ويمكن لمشروع ضخم من هذا النوع أن يفتح مجالاً للعمل على بنية تحتية تخدم المشروع ذاته، وهي قيمة اقتصادية جانبية تصبّ في المصلحة النهائية على طريق نهوض سورية الاقتصادي، ويتبقى أن تسوّى كل النقاط التي ما زالت عالقة، سواء في الجنوب أو في ما تبقى من المنطقة الشمالية، بما يعطي ارتياحاً أكبر وجرأة أوسع لرأس مال جديد بالدخول، وهو بالضبط ما تعنيه “المرحلة الانتقالية” لحكومة تعزّز لاستدامة اقتصادية وسياسية آمنة على مدى طويل.

العربي الجديد

————————

توقيع أكبر اتفاقيات استثمارية مع السعودية.. ولادة نموذج اقتصادي جديد في سوريا/ هبا أحمد

فبراير 8, 2026

لا يُمكن النظر إلى سوريا اليوم من زاوية واحدة على أنها دولة خارجة لتوّها من حرب استمرت لعقدٍ ونصف العقد تقريبا؛ إذ إنه مهما عصف بالبلاد تبقى، بموقعها الجيوستراتيجي، دولةً محورية وجزءا أساسا في لعبة التوازنات الدولية والمصالح، وهذه العوامل مجتمعة تُشكّل زوايا عدة يُمكن النظر إلى سوريا من خلالها.

منذ الانطلاقة الجديدة للبلاد في 8 كانون الأول 2024 كان لافتا وواضحا التوجّه السعودي لدعم الدولة السورية الجديدة بما يُشكّل تحالفًا للدعم والمساندة، إلّا أن هذا التحالف يُمكن ترجمته من زوايا عدة؛ من ضمنها حاجة سوريا لأطراف إقليمية لها دورها وحضورها ووزنها في السياسات الإقليمية مثل أنقرة والرياض، وفي الأمن والاقتصاد، ومن جهة أخرى حاجة هاتين الدولتين لسوريا وموقعها كركيزة أساس في الأمن والاستقرار في المنطقة؛ فأمن واستقرار تركيا والسعودية من أمن واستقرار سوريا. ولا ينفصل هنا الاستقرار الأمني والسياسي عن الاقتصادي، كما إن استقرار سوريا غاية في الأهمية في لعبة النفوذ والمصالح؛ لذلك تعبر السعودية وتركيا على الدوام عن دعمهما لوحدة واستقرار سوريا ووقوفهما في وجه مشاريع التقسيم.

ومما لا شك فيه أن أهمية سوريا لتركيا تنطلق من كونها المعبر السياسي والاقتصادي إلى العراق والجزيرة العربية واليمن، وكلها مناطق ترتبط بتاريخ ومصالح مشتركة مع تركيا، كما ترتبط الدولتان بحدود مشتركة تصل إلى 900 كيلومتر؛ لذلك فإن عامل أمن واستقرار سوريا غاية في الأهمية. في حين أن السعودية التي تقدم الدعم لسوريا بشكل كبير تدرك أن المنطقة بحاجة إلى إعادة تأهيل تستطيع من خلالها دمج كل دولها ضمن أهداف وتوجهات تحقق المصالح المشتركة.

مرحلة جديدة من الشراكة

ولأن لغة الاقتصاد باتت عنوان الانفتاح والشراكات والدعم في مسارات التعافي والبناء، وإعادة تشكيل وصياغة العلاقة، كما تثبيت الدور والنفوذ والحضور؛ فالسعودية، باعتبارها «قبلة الاقتصاد» كما قال الرئيس أحمد الشرع في وقت سابق، افتتحت أمس مرحلة جديدة من الشراكة الشاملة مع دمشق عبر توقيع «عقود استراتيجية» بين البلدين في قطاعات حيوية عدة، مثل: الطيران والاتصالات والبنية التحتية والتطوير العقاري، في مؤشر على مساهمة الرياض في إعادة تشكيل الاقتصاد السوري عبر استثمارات واعدة تفتح بابا جديدا في مسار التعافي مرتكزة على رؤيتها التنموية 2030. كما تُعد الاستثمارات الجديدة الأكبر من نوعها منذ أن رفعت الولايات المتحدة العقوبات عن سوريا، وتنقل مذكرات التفاهم إلى عقود استثمار فعلية، ما يعني التزامًا ماليًا واضحًا وجدولًا زمنيا للتنفيذ ودخولا مباشرا لرأس المال الأجنبي.

توقيع أكبر اتفاقيات استثمارية مع السعودية.. ولادة نموذج اقتصادي جديد في سوريا

وبحضور الرئيس الشرع والوفد الاقتصادي السعودي الذي يزور سوريا برئاسة وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، والذي ضمّ وزير الاتصالات عبد الله السواحه، ورئيس الهيئة العامة للطيران المدني السعودي عبد العزيز الدعيلج، وعددا من ممثلي الوزارات السعودية، تم أمس في قصر الشعب توقيع 7 اتفاقيات استراتيجية بين شركات سعودية وجهات حكومية سورية، وضمّت تلك الاتفاقيات والمشاريع المقررة مشروع تطوير مطار حلب الدولي الجديد وتشغيل وتحسين المطار الحالي خلال مرحلة التطوير، وتمويل منظومة رادارات ملاحية متكاملة تغطي كامل الأجواء السورية، بين الهيئة العامة للطيران المدني السوري وتحالف استثماري سعودي بقيادة مجموعة بن داود للاستثمار، والذي يعد أول استثمارات «صندوق إيلاف».

إضافة إلى ما سبق، اتفاقية تأسيس شركة طيران سعودية–سورية بقيادة شركة ناس الاقتصادية يطلق عليها شركة «ناس سوريا» لمزاولة الطيران التجاري والشحن الجوي بالشراكة مع الجانب السوري الممثل بالهيئة العامة للطيران المدني السوري، واختارت الشركة أن تكون سوريا أول وجهة لاستثماراتها الخارجية، حسب تصريح وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح خلال توقيع الاتفاقيات.

وتوقيع اتفاقية «سيليك لينك»، الذي يعتبر من أكبر مشروعات البنية التحتية وربما الأكبر في العالم، للارتقاء بالبنية التحتية للاتصالات في سوريا من خلال تمديد كابلات ألياف بصرية وإنشاء مراكز بيانات، بما يُسهم في تعزيز تقديم خدمات الإنترنت وتمكينها لتكون مركزا إقليميا لنقل البيانات والاتصال الدولي، وفازت شركة «STC» السعودية في المنافسة بجدارة من بين 18 شركة تقدمت للاستثمار، مع تأسيس صندوق إيلاف للاستثمار في المشروعات الكبرى بسوريا.

ومن ضمن الاتفاقيات أيضا اتفاقية تطوير مشاريع تحلية ونقل المياه برعاية شركة المياه السعودية وشركة «أكوا» السعودية، وذلك عبر إجراء الدراسات اللازمة الاقتصادية والفنية والمالية وإيجاد الحلول المناسبة لتقييم كلٍّ من: مشروع تحلية مياه البحر بسعة تقريبية قدرها 1.2 مليون متر مكعب يوميًا، ومشروع خط أنابيب لنقل المياه والمنشآت التابعة به، ومشروع إدارة وتشغيل وتطوير مصانع شركة الكابلات السورية الحديثة في سوريا، وتوطين المعرفة التقنية، وتطوير القدرات المحلية في قطاع الطاقة والكابلات الكهربائية، وذلك مع الصندوق السيادي السوري.

إلى جانب اتفاقية تطوير المنصة الوطنية للتدريب والتأهيل المهني والفني والتقاني بين وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، ممثلة بمديرية الإشراف على التدريب والتأهيل المهني والفني والتقاني، وبين شركة التعليم والتدريب الإلكتروني «سيما نور»، مع اتفاقية إطارية للتعاون التنموي وإطلاق 45 مبادرة تنموية بين صندوق التنمية السوري واللجنة التنموية السعودية. أضف إلى ذلك تفعيل قنوات التحويلات المصرفية بين سوريا والسعودية بعد رفع العقوبات الاقتصادية، وتوقيع ثلاث اتفاقات لمشروعات عقارية كبرى بإشراف مجلس الأعمال السوري السعودي الذي وُلد رسميًا أمس.

المضي بثبات نحو الأمام

وخلال توقيع الاتفاقيات قال رئيس هيئة الاستثمار السوري طلال الهلالي: «نجتمع اليوم لتوقيع عدة اتفاقيات استراتيجية بين سوريا والمملكة العربية السعودية في عدة قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين»، لافتا إلى أن الاتفاقيات الموقعة تهدف إلى تعزيز البنية التحتية لقطاع الاتصالات وتطوير منظومات الربط الرقمي، وتأسيس شركة طيران سورية سعودية لتعزيز الربط الجوي، وتشغيل وتطوير شركة الكابلات السورية الحديثة، مؤكدا رسم ملامح مرحلة جديدة من الشراكة تقوم على الثقة المتبادلة والاحترام.

توقيع أكبر اتفاقيات استثمارية مع السعودية.. ولادة نموذج اقتصادي جديد في سوريا

من جهته، قال وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح خلال مراسم الإعلان عن توقيع العقود الاستراتيجية بين سوريا والسعودية: «يسعدني أن أكون في دمشق مرة أخرى وأنقل إليكم تحيات خادم الحرمين الشريفين وولي عهده»، مجددا التأكيد على وقوف بلاده إلى جانب سوريا ودعمها لمسارها نحو التعافي والنمو وتحقيق الاستقرار والازدهار المستدام.

وأوضح الوزير السعودي أن الوجود في دمشق يأتي امتدادا لمسار واضح يستند إلى رؤية مشتركة لبناء مستقبل مشترك بين البلدين، معلنا الانطلاق الرسمي لأعمال تأسيس صندوق إيلاف للاستثمار في المشروعات الكبرى بسوريا، لافتا إلى أن ما تحقق خلال الفترة الماضية في مسار علاقاتنا الاستثمارية يؤكد أن الشراكة السورية السعودية تمضي بثبات نحو الأمام.

سوريا نقطة اتصال عالمية

وحول اتفاقية «سيلك لينك»، أوضح وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل: «يسهم مشروع “سيلك لينك” في ترسيخ موقع سوريا كنقطة اتصال عالمية، ويتيح داخليا بناء منظومة متكاملة من الخدمات للمراكز العالمية، ويضم المشروع 4500 كيلومتر من الكابلات الرئيسية بمواصفات تضاهي أفضل الكابلات في العالم، كما يُسهم بتطوير محطة إنزال الكابلات البحرية في طرطوس وإنشاء محطة إضافية على الساحل السوري، ما يجعل من سوريا نقطة اتصال عالمية».

توقيع أكبر اتفاقيات استثمارية مع السعودية.. ولادة نموذج اقتصادي جديد في سوريا

وأكد وزير الطاقة محمد البشير أن اللقاء خطوة مفصلية ونوعية في توسيع آفاق الشراكة بين سوريا والسعودية وتعزيز مسار التعاون الاستثماري بين البلدين، كما أن الاتفاق مع شركة «أكوا باور» يعكس الحرص على بناء تعاون فاعل مع جهات تمتلك خبرات عالمية في مشاريع تحلية المياه، بما يضمن تطوير هذا القطاع.

في حين نوّه رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السوري عمر الحصري أن اتفاقيات الطيران مع السعودية محطة مفصلية في مسار إعادة بناء قطاع الطيران في سوريا، وتعيد سوريا بقوة إلى شبكة الطيران الدولي والإقليمي، وهي بداية لطريق واعد يعيد سوريا لمكانتها الطبيعية.

فيما أكد رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السعودي عبد العزيز الدعيلج الالتزام الراسخ بتسخير الكفاءات والخبرات السعودية بما يخدم دعم منظومة الطيران المدني السوري وتعزيز قدراتها، مرحبًا بانضمام سوريا إلى البرنامج التعاوني لأمن الطيران في الشرق الأوسط، الذي يتخذ من السعودية مقرًا له.

بوصلة اقتصادية ومفتاح التنمية

وعشية توقيع الاتفاقيات، أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة عن تشكيل مجلس الأعمال السوري-السعودي، برئاسة هيثم صبحي جود، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين سورية والمملكة العربية السعودية.

وأكدت الوزارة أن المجلس يلتزم بالعمل وفق الأنظمة الناظمة لمجالس الأعمال المشتركة، على أن يُعمل بالقرار اعتبارًا من تاريخ صدوره، ويُبلّغ من يلزم لتنفيذه.

وشاركت وزارة الاقتصاد والصناعة في المؤتمر الدولي الخامس للمركز السعودي للتحكيم التجاري، الذي يُعقد ضمن فعاليات أسبوع الرياض الدولي لتسوية المنازعات، وذلك عبر وفد رسمي يترأسه وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار.

وفي وقت سابق، قال الشعار، في تصريح خاص لـ«CNBC عربية»: إن حجم الاستثمارات السعودية يمكن أن يتجاوز 20 مليار دولار، مؤكدًا على أن هناك استثمارات سعودية قادمة في مجالات البنية التحتية والاتصالات وغيرها، وأن شركة «STC» السعودية مؤهلة للدخول في قطاع الاتصالات السوري وتطوير بنيته التحتية.

وفي السياق، شكّلت تصريحات الرئيس الشرع خلال مشاركته في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» بالرياض العام الماضي إضاءات نحو مسار مستقبل الاقتصاد السوري، الذي وضعته الرياض ضمن أولوياتها.

وقال الرئيس الشرع إن بلاده «عرفت المفتاح»، واصفا السعودية بأنها قبلة الاقتصاد، مؤكدا أن السعودية تُشكّل أهمية كبرى للمنطقة، والدعم الذي قدَّمته لبلاده يُمثِّل «مفتاح سوريا إلى العالم والتنمية»، مضيفا: إن الأمن والاستقرار مرتبطان بالتنمية الاقتصادية، وهذا ما تُمثِّله المملكة في هذا الوقت.

وشدد الرئيس الشرع على أن السعودية برؤيتها الجديدة التي يقودها الأمير محمد بن سلمان أصبحت بوصلة اقتصادية وقبلة الاقتصاديين، «وعندما توجهنا إليها في الرحلة الأولى أدركنا أن مفتاح العالم هنا في المملكة»، موضحًا أن سوريا تعدّ ركيزة أساسية في استقرار المنطقة، واستقرارها مرتبط بالتنمية الاقتصادية، منوها بأن العالم جرب فشلها وما تسبب به من مخاطر استراتيجية.

وفي العام الماضي، أعلنت الرياض عن استثمارات بقيمة 6.4 مليار دولار، موزعة على 47 اتفاقية مع أكثر من 100 شركة سعودية تعمل في قطاعات العقارات والبنية التحتية والاتصالات.

تحوّل جيواقتصادي

ويرى الخبير في الاستراتيجيات المالية والمخاطر، الدكتور صالح أشرم، أن التصريح الأخير للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن التعاون مع الرياض لإعادة إعمار سوريا، بالتزامن مع دخول العمالقة السعوديين مثل «STC» إلى السوق السورية، لحظة مفصلية تتجاوز مجرد تطبيع سياسي. نحن هنا أمام تحول جيواقتصادي (Geo-economic Shift) يعيد رسم خريطة التدفقات الاستثمارية في المشرق العربي.

ويقول الدكتور أشرم في تصريح لـ«الثورة السورية»: «هذا التناغم التركي-السعودي لا يُمثل مجرد وعود دبلوماسية، بل هو التقاء “رأس المال الاستراتيجي” السعودي مع “القدرة التشغيلية واللوجستية” التركية، وهو ما يُمكن تسميته ببدء مرحلة “التعافي الاقتصادي الموجه” في سوريا».

ويُشير أشرم إلى محور أنقرة-الرياض من حيث تكامل التمويل والتنفيذ، إذ تكمن أهمية هذا التعاون في نظرية التكامل الاقتصادي. فالسعودية، مدعومة برؤية 2030، تبحث عن استقرار إقليمي يحمي استثماراتها، بينما تمتلك تركيا قطاع مقاولات ضخمًا على المستوى العالمي، ولديها خبرة ميدانية في الجغرافيا السورية.

التعاون السعودي التركي ينعكس على الاقتصاد السوري، وفقا لخبير الاستراتيجيات المالية والمخاطر، من خلال ضخ السيولة الأجنبية (FDI)؛ إذ إن الاقتصاد السوري يعاني من جفاف في السيولة، وبالتالي فإن دخول استثمارات سعودية مباشرة يعني كسر العزلة المالية وتوفير قطع أجنبي ضروري لاستقرار سعر الصرف. أما من ناحية تخفيض تكلفة الإعمار، فالوجود التركي اللوجستي (المواد الخام، الآليات) على الحدود يُقلّل من تكاليف سلاسل الإمداد، مما يجعل أموال الاستثمار السعودية تحقق كفاءة إنتاجية أعلى.

كما إن التعاون السعودي التركي في سوريا يوفر الاستقرار طويل الأمد؛ فالاقتصاد لا ينمو في مناطق النزاع، ووجود ضامنين إقليميين (تركيا والسعودية) يمنح رسالة طمأنة للقطاع الخاص الدولي بأن الاستثمار في سوريا بات آمنًا نسبيًا. حيث الاستثمار الخليجي–التركي يشكل إشارة ثقة (Confidence Signal) للأسواق، وبالتالي تنخفض علاوة المخاطر السياسية، ويتعزز توقعات الاستقرار النقدي، وهذا من شأنه أن يفتح الباب لتدفقات استثمارية لاحقة، ويسمى هذا في علم الاقتصاد السياسي بـ«Stabilization through Embedded Investment».

رأسمال مهم

ولفت الدكتور أشرم إلى أن السعودية أعلنت سابقا عن استثمارات بقيمة 6.4 مليارات دولار في سوريا عبر توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم تغطي قطاعات متعددة تشمل البنية التحتية والاتصالات والطاقة والصناعة والخدمات المالية. اتفاقيات تشمل مشاريع تطوير الشبكات الرقمية والبنية الأساسية، بما في ذلك قطاع الاتصالات الذي تشارك فيه شركات مثل «STC» بإجمالي نحو 4 مليارات ريال سعودي، موضحًا أن هذا المستوى من الاستثمار ليس دعمًا تقليديًا فقط، بل إعادة ضخ رأسمال مهم في الاقتصاد السوري بعد سنوات من النزاع والشلل الإنتاجي.

فدخول عملاق مثل «STC» لتطوير البنية التحتية للاتصالات ليس مجرد تحسين لخدمة الهاتف، بل هو حجر الأساس لـ«الاقتصاد الرقمي»، حسب أشرم؛ إذ لا يُمكن جذب شركات دولية بدون بنية اتصالات وإنترنت موثوقة وعالية السرعة، كما أن تحديث الاتصالات سيمهد الطريق لأنظمة الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية الحديثة، مما يعالج أزمة «الكاش» والتضخم النقدي في سوريا.

وحول الاستثمار السعودي في قطاع الطيران، بيّن أشرم أن إعادة سوريا إلى خارطة الاستثمار في الطيران والمطارات يعني إعادة ربط دمشق وحلب بمراكز المال العالمية، وبالتالي تسهيل حركة رجال الأعمال والمستثمرين، وإحياء قطاع الشحن الجوي (Air Cargo) الضروري للصادرات السورية الزراعية والصناعية الخفيفة، وهو عنصر جوهري في إعادة إدماج الاقتصاد السوري في التجارة الإقليمية.

والتركيز على العقارات والبنية التحتية يحقق «الأثر المضاعف» (Multiplier Effect)؛ إذ إن هذا القطاع هو الأكثر كثافة في استخدام العمالة (Labor Intensive)، مما يعني امتصاصًا للبطالة وتحريك عشرات الصناعات المرتبطة (الأسمنت، الحديد، الزجاج، النقل).

إعادة سوريا لموقعها الطبيعي

الدور الأهم لهذا التعاون هو إعادة سوريا لموقعها الطبيعي ودمجها في الاقتصاد الإقليمي كنقطة وصل وعقدة عبور (Transit Hub) وتجارة إقليمية، ويستعرض الدكتور أشرم ذلك من خلال: الممر الشمالي-الجنوبي، التعاون التركي السعودي يهدف ضمنيا إلى إعادة فتح طرق الترانزيت البرية من أوروبا وتركيا عبر سوريا وصولًا إلى الأردن والخليج العربي. هذا سيعيد لسوريا عوائد الترانزيت الضخمة، إلى جانب أمن الطاقة والغذاء؛ فسوريا المستقرة يُمكن أن تكون سلة غذاء وممرا للطاقة، مما يُعزز الأمن الاقتصادي للمنطقة ككل.

ويخلص أشرم إلى القول إن هذه العقود الاستراتيجية أشبه ما تكون بخطة مارشال إقليمية، حيث يُمثل توقيع هذه الاتفاقيات وتشكيل مجلس الأعمال المشترك الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة هندسة الحل، ومن مرحلة المساعدات الإنسانية إلى استثمارات تنموية. بالنسبة للمراقب الدولي، هذه الخطوات تعني أن القوى الإقليمية قررت أن تكلفة سوريا المدمرة باتت أعلى من تكلفة إعادة إعمارها.

وإذا ما نجحت هذه الشراكة في تحييد العقبات السياسية، فإننا سنشهد ولادة نموذج اقتصادي جديد في سوريا يعتمد على التكنولوجيا السعودية (الاتصالات) والإنشاءات التركية والموقع الجغرافي السوري الاستراتيجي.

الثورة السورية

—————————-

احتجاز أموال السوريين: سياسة مالية أم انتهاك صريح لحق الملكية؟/ مازن الشاهين

مصرف سوريا المركزي وسياسة “التجميد القسري” لمدخرات المواطنين: هل تحول المنازل إلى “صناديق أمان” بدلاً من البنوك؟!

2026-02-07

في الوقت الذي كان السوريون ينتظرون فيه قطيعة حقيقية مع أدوات الإدارة الاقتصادية التي أنهكتهم لعقود، فوجئ المودعون بسياسة تقييد السحب النقدي من المصارف، في خطوة أعادت إلى الأذهان ممارسات النظام السابق حين كانت الأزمات تُدار على حساب المواطن لا من خلال إصلاح الخلل البنيوي، حيث شملت هذه القيود سقوفاً منخفضة للسحب وتأجيلاً غير مبرر للودائع، أثارت موجة قلق واسعة، ليس فقط بسبب أثرها المباشر على حياة الناس، بل لأنها تطرح سؤالاً أعمق: هل تغيّر جوهر السياسة الاقتصادية، أم تغيّر الخطاب فقط؟

أثار منشور لحاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر حصرية جدلاً واسعاً، بعد تبريره عدم تلبية بعض طلبات السحب النقدي من المصارف “بشح السيولة”، مؤكداً أن إدارتها مسؤولية المصارف، مع توجيهها بتوزيعها “بشكل عادل”. وأوضح الحاكم أن توجيهاته تهدف إلى: تلبية أكبر عدد ممكن من طلبات السحب مع إعطاء أولوية للرواتب… مما جعل المودعين يتساءلون عن سبب ربط ودائعهم بدفع الرواتب؟! وهل تُستخدم أموالهم لهذا الغرض؟! كما شكا كثيرون من استمرار رفض السحوبات رغم التعميم الصادر عن المركزي الذي يسمح بالسحب دون سقف للحسابات المغذاة بعد 7 أيار 2025!.

ويبقى السؤال الأهم: هل تملك سوريا الجديدة الشجاعة للقول إن هذه الإجراءات مؤقتة فعلاً، أم أنها بدأت رحلتها الاقتصادية من النقطة ذاتها التي أوصلت البلاد إلى الانهيار؟

قيود السحب النقدي: إجراء إنقاذي أم إعادة إنتاج للأزمة؟

منذ أشهر، يواجه المودعون في المصارف السورية قيوداً صارمة على سحب أموالهم، حيث تتراوح الحدود اليومية بين مبالغ زهيدة لا تكفي الاحتياجات الأساسية، هذه القيود، التي يبررها المصرف المركزي بضرورة الحفاظ على استقرار سعر الصرف ومنع انهيار الليرة، تحولت في الواقع إلى “تجميد قسري” لمدخرات المواطنين، في وقت كان ينتظر السوريون فيه بوادر “الانفراج الاقتصادي”، اصطدم الواقع بجدار سقوف السحب النقدي، هذه القيود، التي كانت السمة الأبرز لسنوات الحرب، ما تزال تفرض ظلالها على المصارف، مما يطرح تساؤلاً ملحاً: هل نحن أمام “ضرورة جراحية” مؤقتة، أم استنساخ لنهج عجزٍ بنيوي؟

يقول الخبير المصرفي والمالي أنس العواك في تصريحات لـ “٩٦٣+” إن المصرف المركزي، الذي يُفترض أن يكون حامي الاستقرار النقدي وضامن الثقة في النظام المصرفي، يجد نفسه في موقف حرج، لأن فرض القيود على السحب يقوض الثقة الأساسية التي يجب أن تكون بين المودع والمصرف، وينتهك مبدأ أساسياً في النظام المصرفي “أموالك متاحة عند الحاجة”.

ويضيف: القيود المصرفية هي إقرار بفشل السياسة النقدية، عندما يصل الأمر لمنع الناس من سحب أموالهم، فأنت تعترف بأن النظام المالي في أزمة عميقة، وهذا يدمر أي محاولة لبناء ثقة جديدة بعد سنوات من سوء الإدارة، حيث أن فقدان الثقة دفع المودعون للاحتفاظ بالنقد خارج النظام المصرفي، مما عطل دور المصارف في ضخ السيولة للاستثمار والإنتاج، والنتيجة حافظ المركزي على الليرة الجديدة قصير الأمد لكنه خنق الدورة النقدية، إذ بقيت السيولة المتاحة داخل البنوك عند 15-20% فقط، مما يفاقم التضخم المكبوت والركود دون إصلاحات بنيوية.

خبير قانوني سابق في المركزي فضل عدم ذكر اسمه علق قائلاً لـ”963+”: ما يجري اليوم في المصارف السورية لم يعد شأناً تقنياً يمكن الاحتماء خلف مصطلحات مثل “السيولة” و”الاستقرار النقدي”، مضيفاً: “نحن أمام ممارسة تمسّ جوهر الحقوق الاقتصادية للمواطنين، الحق في الملكية والحق في التصرف بالأجر، والحق في العيش الكريم، وحين تمنع الدولة مواطنيها من الوصول إلى أموالهم دون سند قانوني واضح، ودون سقف زمني، ودون تعويض، فإنها لا تنظّم الاقتصاد، بل تحتجز الملكية الخاصة قسراً”.

ويؤكد الخبير القانوني أنه لا توجد حتى الآن تشريعات شفافة معلنة تُحدد طبيعة هذه القيود، مدتها، وآليات الطعن بها، وما هو مطبق فعلياً هو قرارات إدارية، تُفرض على ملايين المودعين دفعة واحدة، ووفق المعايير الدولية، لا يجوز المساس بالحقوق الاقتصادية إلا في حالات استثنائية، وبشرط الضرورة القصوى والتناسب والتحديد الزمني والتعويض أو الحماية الخاصة للفئات الهشة، وأي من هذه الشروط لم يُحترم.

إرث كبير من الفساد المالي والإداري الممنهج في المصارف السورية

إرث الفساد في المصارف السورية يلعب دوراً مركزياً في فقدان الثقة، إذ أدى إلى إنهاك القطاع مالياً وإدارياً عبر منح قروض متعثرة للمتنفذين واستنزاف الاحتياطيات، مما خلق خسائر هائلة تحملها اليوم المودعون.

يقول المحامي سامر العلي وهو محامٍ سابق لدى عدة مصارف حكومية، في تصريحات لـ”963+” إن منح قروض ضخمة من المصارف العامة والخاصة لرجال أعمال مقرّبين من النظام السابق دون ضمانات كافية، جعلتهم يحققون ثروات على حساب ودائع الشعب، مع تلاعب في لجان تقييم القروض المتعثرة، كما أن المصارف تحولت إلى وسطاء محدودين للسحب والإيداع دون قروض أو تمويل إنتاجي، بسبب ضعف رؤوس الأموال، ارتفاع المخاطر، وتقلبات الصرف، مما جعلها عبئاً على التجار والصناعيين بدلاً من شريك تنموي.

بالإضافة إلى ما سبق هناك، بحسب العلي، استنزاف احتياطيات المصرف المركزي من 18 مليار دولار (2011) إلى شبه العدم بحلول 2024 عبر تمويل الحرب والاقتصاد الموازي، مع سرقات عائلية مثل حالة بشار الأسد، وهناك تأثير العقوبات والعزلة، فالفساد تفاقم بفعل العقوبات الدولية (من 2011) التي عزلت المصارف عن النظام المالي العالمي، فاضطر النظام للالتفاف عبر السوق السوداء والحلفاء، مما عمّق الخسائر وفقدان الشفافية، والقرارات “غير الحكيمة” خلال السنوات السابقة، مثل منصة تمويل المستوردات، أدت إلى هجرة رؤوس الأموال إلى لبنان وتركيا، وتراكم خسائر (مثل 1.6 مليار دولار في لبنان)، مع غياب الشفافية والتحديث التشريعي، يضاف إلى ذلك التداعيات المستمرة على الثقة، فتراكم الخسائر (مئات الملايين من الدولارات حسب تحقيقات الرقابة المالية) أدى إلى شح سيولة مزمن، حيث تحولت المصارف إلى “حارسة” للودائع بدل تمويل التنمية، مع غياب محاسبة واضحة حتى اليوم، هذا الإرث يجعل المودعين يخشون وضع أموالهم في المصارف، فالفساد ليس ماضياً بل عبئاً بنيوياً يعيق الإصلاحات.

ويختم العلي: “لا نظام مصرفي دون ثقة، ولا ثقة دون كشف الحقيقة كاملة، ويشمل ذلك: نشر أرقام حقيقية عن الاحتياطي والسيولة، والاعتراف بالخسائر بدل إخفائها، وإشراك الرأي العام في الحل، مع حماية صغار المودعين بالكامل، فصغار المودعين لا يسببون ضغطاً حقيقياً على السيولة، لكن تقييدهم يدمّر الثقة ويشل الطلب الداخلي، وتطبيق مبدأ: من استفاد أكثر، يتحمّل أكثر ويشمل ذلك: كبار المودعين، والشركات المحتكرة، والجهات التي راكمت أرباحاً ريعية خلال سنوات الانهيار”.

الواقع الميداني: الاقتصاد “المخفوق”

في سوق الحمدية بدمشق، يقول شكري، وهو تاجر أقمشة لـ”963+”: “أموالي في البنك، لكنني عاجز عن سحبها. أدفع رواتب العمال نقداً، وأشتري بضاعة نقداً، والدولة تقول لي: انتظر”.

هذه الشهادة ليست استثناءً، موظفون ومتقاعدون، وأصحاب مشاريع صغيرة، وجدوا أنفسهم أمام معادلة قاسية: أموالهم موجودة “نظرياً”، لكنها غائبة عملياً عن دورة الاقتصاد.

وفي مشهد “ألفه السوريون” تحولت ردهات البنوك إلى ساحات انتظار طويلة، فالقيود الحالية لا تؤثر فقط على قدرة المواطن على شراء احتياجاته الأساسية، بل تضرب الدورة الاقتصادية في مقتل حيث تؤدي إلى شلل قطاع الأعمال، فالتجار غير قادرين على سداد مستحقات الموردين نقداً، وكذلك فقدان الثقة فالمواطن بات يفضل “الاكتناز المنزلي” على إيداع أمواله في مصارف لا تمنحه حق الوصول إليها، هذا ما أكده الخبير الاقتصادي فهد سرور في تصريحات لـ”963+”.

ويشير إلى “شر لا بد منه” فضرورة امتصاص الكتلة النقدية يمنع الانخفاض الحاد في قيمة العملة نتاج العرض النقدي المفرط، وهي أيضاً ضرورة للتحول الرقمي القسري، ومحاولة توجيه المجتمع نحو الدفع الإلكتروني لتقليل تداول “الكاش”، وأيضاً تجفيف منابع المضاربة، ومنع استخدام السحوبات الكبيرة في شراء العملات الأجنبية، فالقيود ضرورية مؤقتاً لمنع سحب جماعي.

ويلفت في الوقت نفسه إلى أن الأزمة تحولت إلى ضغط نقدي واسع أدى إلى نقص السيولة في السوق بنسبة تُقدّر بـ30–40% خلال فترات استبدال العملة، وارتفاع أسعار السلع بنسبة 10–25%، مع تفوق السحوبات على الإيداعات في بعض الفروع بنسبة 2 إلى 1.

ويحذر سرور من أن الاستمرار في هذا النهج هو “انتحار مصرفي”، للأسباب التالية: غياب البنية التحتية، حيث لا يمكن فرض “الدفع الإلكتروني” في ظل انقطاع الاتصالات وضعف الثقافة المصرفية الرقمية، وأيضاً هروب الاستثمار، حيث لا يمكن إقناع مستثمر خارجي أو مغترب بضخ أمواله في بيئة “تجمد” السيولة.، أما الضريبة الخفية فهو التضخم يأكل قيمة الودائع المحتجزة، مما يعني أن المواطن يدفع ثمن عجز الدولة عن تمويل ميزانيتها.

ما هي الحلول المقترحة لاستعادة الثقة بالمصارف السورية؟

يرى سرور أن استعادة الثقة بالمصارف السورية لا يمكن أن تتحقق من خلال إجراءات جزئية أو مؤقتة، بل تتطلب إصلاحات بنيوية شاملة تمس جوهر القطاع المصرفي. ويؤكد أن هذه الإصلاحات يجب أن تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية: الشفافية، وإعادة الرسملة، والتحديث التقني، ضمن خطط إنقاذ واضحة يشارك في إعدادها خبراء مستقلون إلى جانب الجهات الرسمية.

ويعتبر أن الخطوة الأولى والأكثر إلحاحًا تكمن في معالجة حالة انعدام الثقة المتراكمة لدى المودعين، والتي فاقمتها تعليمات سابقة ذات أثر سلبي مباشر. ويشير إلى ضرورة مراجعة هذه التعليمات وإلغاء ما يثبت فشله، ولا سيما القيود الصارمة على السحب، وتوطين الرواتب الإجباري، وتعقيد عمليات البيوع العقارية، بما يسمح بإعادة قدر من الحرية في الإيداع والسحب بشكل تدريجي ومدروس.

وفي هذا السياق، يشدد سرور على أهمية تقديم ضمانات فورية للودائع الصغيرة والرواتب، باعتبارها المدخل الأسرع لطمأنة المواطنين، إلى جانب وضع جدول زمني واضح ومعلن لرفع القيود عن الودائع القديمة، بما يمنح المودعين رؤية مستقبلية بدل حالة الغموض السائدة.

وعلى مستوى هيكلة القطاع، يدعو إلى إعادة رسملة المصارف من خلال إنشاء صندوق وطني لإعادة الرسملة يقوم على شراكة بين القطاعين العام والخاص، مع اعتماد مقاربة مرنة في التعامل مع الخسائر. ويقترح تمديد فترة تكوين المخصصات للخسائر إلى ما بين 18 و24 شهرًا، لتفادي إحداث صدمات مفاجئة قد تهدد استقرار القطاع.

كما يؤكد على ضرورة تفعيل هيئة رقابية مستقلة تتمتع بصلاحيات حقيقية، مهمتها تعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، ومراقبة إدارة المخاطر، ومعالجة ملف القروض المتعثرة، بما يحد من تكرار الاختلالات السابقة.

وفي الجانب التقني والتنموي، يرى سرور أن تحديث البنية المصرفية بات ضرورة لا خيارًا، من خلال استقدام تقنيات حديثة وبرمجيات مصرفية متطورة، إلى جانب تأهيل الكوادر البشرية، وتوفير محفزات مهنية تقلل من فرص الفساد وترفع كفاءة الأداء داخل المصارف.

ويشدد كذلك على أهمية استعادة الدور الطبيعي للمصارف في التحويلات الخارجية والحوالات، وإعادة تفعيل القروض التنموية، ولا سيما في القطاعات الصناعية والتجارية، مع فتح نوافذ أوسع للمصرفية الإسلامية، والعمل على توحيد سعر الصرف كشرط أساسي لاستقرار النشاط المصرفي.

وعلى الصعيد الخارجي، يبرز سرور ضرورة تعزيز التواصل والاندماج الدولي عبر حملات تواصل مباشرة مع العملاء والمستثمرين السوريين في الخارج، بهدف تشجيع عودة الأموال إلى النظام المصرفي، بالتوازي مع إعادة الاندماج في نظام “سويفت” وتحديث التشريعات المالية بما يتماشى مع المعايير الدولية.

ويخلص سرور إلى أن أي خطة إصلاح حقيقية يجب أن تكون ثمرة تعاون واضح بين مصرف سوريا المركزي والحكومة، لتحويل المصارف من عبء على الاقتصاد إلى محرك تنموي فعلي، مع التأكيد على أن الاستقرار الأمني وسيادة القانون يشكلان شرطًا لا غنى عنه لنجاح هذه الإصلاحات.

ويختم بالتحذير من أن استمرار قيود السحب من دون إصلاح جذري للقطاع المصرفي، وضبط حقيقي للإنفاق العام، ومساءلة الفاعلين الكبار، لن يؤدي إلا إلى إعادة تدوير الأزمة بدل معالجتها.

+963

—————————-

 في “وصلة الحرير” السورية.. ماذا عن إسرائيل؟/ إياد الجعفري

الأحد 2026/02/08

لم يخبرنا أحد من طرفَي الاتفاق الخاص بمشروع “سيلك لينك”، أنه مشروع تنفيذ مبكّر وطموح، وإن كان صغيراً، لجزء من مشروع “الممر الاقتصادي” بين الهند وأوروبا. لكن بالتدقيق في تفاصيله، من الصعب قراءته إلا من هذه الزاوية. الأمر الذي يطرح تساؤلات عن موقع إسرائيل منه، وهل يمكن إدماجها بالمشروع برمته، مستقبلاً، أم ستكون طرفاً مُخرّباً له؟

من بين المشاريع التي تم الاتفاق على تنفيذها بين سوريا والسعودية، أمس السبت، والتي تم وصفها بـ”الاستراتيجية” -وهو وصف محق إلى درجة كبيرة- يبدو مشروع “سيلك لينك”، الذي فازت بعقده شركة “إس تي سي” السعودية، المشروع الذي يتمتع بأكبر قدر من “الحمولة الاستراتيجية”. إذ أنه، لو وصل إلى الخواتيم المأمولة من جانب منفّذيه، لن يقتصر أثره على البعد المحلي السوري، بل سيكون له أثر إقليمي، يتجلى في إنشاء أول “وصلة رقمية”، ضمن مشروع الربط الرقمي الطموح بين جنوب آسيا وأوروبا، عبر الخليج وشرق المتوسط.

في أيلول/سبتمبر 2023، شهدت قمة مجموعة العشرين في العاصمة الهندية نيودلهي، الإعلان عن اتفاق لإنشاء “ممر اقتصادي جديد” يربط جنوب آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. وانطلقت رهانات عدّة عليه، في أوساط الأطراف المنظّرة له، أبرزها، زيادة سرعة التجارة بين الهند وأوروبا، بنسبة 40%. وقد مثّل هذا المشروع طرحاً منافساً بشكل مباشر لأبرز مشاريع الصين، “الحزام والطريق”، أو ما بات يعرف إعلامياً بـ”طريق الحرير” الجديد.

وبعيد الإعلان عن مشروع “الممر”، ظهرت الكثير من القراءات التي قللت من شأنه، واعتبرته مجرد حملة علاقات عامة تديرها الولايات المتحدة –في عهد إدارة الرئيس السابق جو بايدن- لاجتذاب الهند والسعودية والإمارات، بعيداً قليلاً عن الصين. وكانت أبرز الانتقادات له، تتعلق بالكلفة التمويلية الباهظة للمشروع، وجدواه الاقتصادية، خصوصاً في مساره المتخيّل لنقل البضائع بالبحر أولاً من الهند إلى الخليج، ومن ثم تفريغ هذه البضائع في شاحنات تُحمّل عبر سكك حديدية تمر عبر السعودية والأردن وصولاً لإسرائيل. قبل أن تُحمّل مجدداً، بالبحر، إلى أوروبا. وكانت التحليلات تفيد بأن تكلفة النقل، وفق هذا التصور، تُبقي الشحن البحري عبر قناة السويس، أقل تكلفة. لكن جوانب أخرى من المشروع لم تحظَ بنقاش جدّي حول جدواها في تقليل التكلفة، في ذلك الحين. أبرزها، تصدير الهيدروجين النظيف من الخليج إلى أوروبا. وكذلك، الربط الرقمي بين آسيا وأوروبا، عبر الخليج وشرق المتوسط. فالمشهد الاستراتيجي في المنطقة برمتها، لم يكن مؤهلاً بعد، لتنفيذ أي من مسارات المشروع. إذ بعد شهر فقط، من الإعلان عن مشروع “الممر” إياه، وقعت عملية “طوفان الأقصى” في غلاف غزة. والتي كانت فاتحة لحرب أليمة ومدمّرة للقطاع.. أضرّت بشدة بمشاريع التطبيع المزمعة قبيل ذلك، بين دول عربية وإسرائيل، في مقدمتها السعودية. وهكذا أصبح تمرير مسارات المشروع عبر إسرائيل، غير واقعي، في ذلك الحين. قبل أن يتغيّر المشهد في سوريا بصورة مفاجئة، ويسقط نظام الأسد، كأثر جانبي غير مرغوب به إسرائيلياً، بعيد ضربات تل أبيب الموجعة للغاية لأذرع إيران في المنطقة.

من بين مسارات مشروع “الممر”، يتصدّر الربط الرقمي القائمة بوصفه الأقل كلفة، والأسهل تنفيذاً، مقارنة بالربط “الطاقي” و”السككي”. التقط وزير الاتصالات السوري، عبد السلام هيكل، هذه القيمة الاستراتيجية -سهلة التنفيذ- في المشروع، وأدرك أنها تحظى باهتمام سعودي خاص. وفي بادرة ذكية، أطلق على مشروعه “سيلك لينك”، وصف “وصلة الحرير”، في حديث ترويجي أجراه عبر مجلة “المجلة” السعودية، في أيلول/سبتمر الفائت، قال فيه إن المشروع سيحوّل سوريا والأردن والسعودية، ممراً للكابلات، بحيث تكون سوريا، هي المدخل من أوروبا، والخليج هو المخرج إلى آسيا. وارتكز هيكل على الموقع الاستراتيجي لسوريا، بوصفه يوفّر لمشروع الربط الرقمي مساراً أقصر بنسبة 25%، مقارنة بالمسارات القائمة حالياً. وهو أمر لن ينعكس إيجاباً على سرعة الانترنت المأمولة في سوريا فقط -المدرجة كثاني أسوأ دولة في العالم من هذه الزاوية- بل سينعكس إيجاباً على مختلف الدول المرتبطة بهذا المسار، على صعيد سرعة نقل البيانات. الأمر الذي يمكن أن يجعل سوريا، مستقبلاً، مركزاً إقليمياً لتوطين مقرات مراكز البيانات العالمية، والخدمات التقنية المرتبطة بها، ومن أبرزها، الحوسبة السحابية، وعلى المدى الأبعد، “إنترنت الأشياء”.

بطبيعة الحال، المشروع طموح للغاية، وكما أشرنا، يحتوي “حمولة استراتيجية”، إقليمية، ودولية أيضاً. ويخدم جانباً من المسعى الأميركي الحثيث للجم الصعود الاقتصادي الصيني المتسارع. ناهيك عن أن كلفة تنفيذه متواضعة، مقارنة بأهميته -نحو 800 مليون دولار- والأبعد من ذلك، فإن نجاحه سيكون رافعة لمقاربة مسارات طموحة أخرى في مشروع “الممر”، على أرض الواقع. ونقصد تحديداً، نقل الطاقة. وهو المسار الثاني، من حيث الكلفة والجدوى، بعد الربط الرقمي. وسوريا أيضاً، هي المرشح الأكثر جدوى، لتمريره عبر أراضيها.

تبقى عقدة إسرائيل، والتي كانت إحدى أبرز مسارات ذاك المشروع، من الأردن إلى ميناء حيفا، حين الإعلان عنه، قبل أكثر من سنتين. لكن جدوى المسار عبر “أراضيها”، تراجعت، مع توفّر مسار عبر سوريا. الأمر الذي يجعلها متضررة من هذا “البروز” السوري. لكن، في الوقت نفسه، فإن مشروع “الممر” بين الهند وأوروبا، احتوى أهدافاً أميركية أخرى، أقل ترتيباً في جدول الأهمية بعد المنافسة مع الصين وجذب الشركاء الإقلميين بعيداً عنها. نقصد بذلك، هدف إدماج إسرائيل -سياسياً واقتصادياً- في المنطقة. وهو هدف في قائمة أولويات الإدارة الأميركية الحالية، أيضاً. لذلك تضغط إدارة الرئيس دونالد ترامب، بشكل متواصل، على الحكومة الإسرائيلية، للتقدم في المفاوضات مع دمشق. وقد يكون اتفاق سلام تطبيعي، ليس بعيد المدى إلى الحد الذي يتصوره البعض، إن ارتكز على مبدأ عدم التخريب الإسرائيلي لمشروع الربط الطموح رقمياً، ومستقبلاً “طاقياً”، بين الهند وأوروبا، عبر الخليج ومن ثم الأردن وسوريا. وربما، عبر مسار إضافي، في إسرائيل. يبقى أن تتراجع الأولوية الأمنية درجة، عن قائمة مشاغل صنّاع القرار في تل أبيب… برعاية أميركية.

المدن

——————————–

 “سيلك لينك”.. مليار دولار لإنقاذ الإنترنت السوري هل انتهت مرحلة الوعود؟

2026.02.08

أعلن وزير الاتصالات السوري، عبد السلام هيكل، عن إطلاق مشروع استراتيجي لإعادة بناء الشبكة الفقارية للإنترنت في سوريا، بعد سنوات من ضعف الاستثمار وتدهور البنية التحتية. وأكد أن المشروع يهدف إلى استثمار الموقع الجغرافي لسوريا وتحويله إلى نقطة عبور إقليمية ودولية للبيانات.

وخلال تغطية تلفزيون سوريا مراسم توقيع الاتفاقيات الاستراتيجية بين سوريا والسعودية، أشار هيكل في المؤتمر، يوم أمس السبت، إلى أن قطاع الاتصالات في سوريا شهد ضعفاً في الاستثمار على مدى 15 عاماً، بينما تقدم العالم تقنياً بشكل كبير، ما أدى إلى فجوة كبيرة في جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وطرح تحديًا حول كيفية توفير خدمات أصبحت طبيعية في كثير من الدول.

تحديات الشبكة الفقارية للإنترنت

أوضح الوزير أن أحد أبرز التحديات يتمثل في الشبكة الفقارية “الباك بون” للإنترنت، التي لم تعد قادرة على تلبية الأحمال المتزايدة أو متطلبات مشغلي الاتصالات ومزودي الخدمات.

وأضاف أن الدراسات أكدت عدم إمكانية تحسين جودة الخدمة بشكل جذري من دون إنشاء باك بون جديد يغطي كامل الجغرافيا السورية، بسرعات عالية وإزالة الاختناقات.

ولفت هيكل إلى أن تنفيذ المشروع كبير الكلفة نظراً لتعدد أولويات الدولة، إلا أن الوزارة اعتمدت مقاربة تحول التحدي إلى فرصة عبر مشروع يستثمر موقع سوريا الجغرافي ويطلق نهضة نوعية للبنية التحتية الوطنية.

مشروع “سيلك لينك” والمنافسة الدولية

أشار هيكل إلى أن طرح المشروع المعروف باسم “سيلك لينك”، كان في 13 أيار 2025، وشارك في المنافسة 18 شركة، قبل أن تتأهل أكبر شركات الإنترنت في المنطقة وتفوز شركة STC بالمشروع، بفضل كفاءتها الفنية والتجارية.

وقال إن المشروع سينفذ باستثمار يقارب مليار دولار على مرحلتين تمتدان بين 18 و48 شهراً، مع بدء التشغيل التدريجي.

ويشمل المشروع تركيب 4500 كيلومتر من الكبلات الرئيسية والعشرات من الكبلات الفرعية لتغطية المدن والنواحي والبلدات، وإنشاء خمسة مراكز بيانات بطاقة إجمالية 50 ميغاواط، ونقاط تبادل إنترنت على الحدود الشمالية والجنوبية والشرقية، إلى جانب تطوير محطة إنزال الكبلات البحرية في طرطوس وإنشاء محطة إضافية على الساحل السوري.

فوائد المشروع محليًا ودولياً

أكد هيكل أن المشروع سيعزز دور سوريا كنقطة اتصال عالمية للإنترنت، ويتيح إنشاء منظومة خدمات متكاملة لمراكز البيانات للشركات العالمية، تشمل الاستضافة وتبادل البيانات والتخزين المؤقت.

كما سينعكس بشكل مباشر على تحسين استقرار الشبكة وجودة الخدمة، وتوفير سعات أكبر تناسب الاستخدام المكثف للإنترنت، بما يخدم المطورين ورواد الأعمال والمحتوى الرقمي وقطاعات الصحة والتعليم والخدمات الحكومية والاقتصاد الرقمي.

وعلى المستوى الدولي، سيوفر المشروع مسارًا أقصر بنحو 25 إلى 30% بين أوروبا وآسيا، ما يقلل زمن النقل إلى نحو 30 ميلي ثانية ذهابًا وإيابًا، ليصبح من أقصر المسارات المتاحة في المنطقة.

مشاريع موازية

قال هيكل إن الوزارة تعمل أيضاً على مشاريع موازية تشمل التحضير لإطلاق رخصة نقال جديدة، ومشروع “برق” للإنترنت فائق السرعة إلى المنازل والمكاتب، بالإضافة إلى أعمال استكشاف قاع البحر قبالة الساحل السوري لإنزال كبل بحري مزدوج في طرطوس.

واختتم وزير الاتصالات بالقول إن الزمن الضائع خلال العقود الماضية لا يمكن استعادته، لكن العمل جارٍ بسرعة وكفاءة على حلول مؤقتة، مع التركيز على بناء بنية تحتية مستقبلية متكاملة تتجاوز مجرد الترميم.

سوريا في المرتبة ما قبل الأخيرة عالميا في سرعة الإنترنت

تأتي هذه المشاريع في ظل واقع متردٍ يعيشه قطاع الاتصالات في سوريا، حيث احتلت البلاد المرتبة قبل الأخيرة عالميًا في مؤشر “سبيد تيست” (Speedtest)، إذ جاءت في المرتبة 155 من أصل 156 دولة.

وبحسب التقرير فإن متوسط سرعة الإنترنت في سوريا بلغت نحو 3.65 ميغابت  في الثانية متذيلة القائمة بجانب دول مثل ليب أفغانستان.

في حين وصلت سرعة الإنترنت عبر الهواتف المحمولة إلى 24.81 ميغابت في الثانية مع وجود فجوة كبيرة تصل إلى نحو 300 ميغابت في الثانية مقارنة بالدول المتقدمة في المؤشر.

استياء شعبي من الترتيب بعد وعود حكومية بتحسين الاتصالات

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلاً واسعاً من قبل الناشطين السوريين، الذين عبّروا عن استيائهم الشديد من استمرار تدني جودة خدمة الإنترنت. وجاء هذا الاستياء وهذه الردود على خلفية الإعلانات الرسمية عن مشاريع تطويرية وتجارب تقنية جديدة، وانتشرت التعليقات المنتقدة على نطاق واسع، مشيرة إلى فجوة كبيرة بين الوعود الرسمية والتجربة اليومية للمستخدمين.

فعند تولي وزير الاتصالات لمنصبه في آذار 2025، تعهّد عبد السلام هيكل، بتطوير قطاع الاتصالات في البلاد، محدداً أهداف رئيسية لوزارته، كان أبرزها تحسين جودة خدمات الإنترنت والاتصالات. ومع ذلك، أظهرت الفترة التالية استمرار ضعف جودة الخدمة.

وأعلنت وزارة الاتصالات في أيار العام الماضي عن إنجاز مهم في تطوير البنية التحتية للاتصالات، من خلال التعاون مع شركة Unity Communications الأميركية، والشركة السورية للاتصالات، وهيئة الاتصالات القبرصية (CYTA).

كما أعلن عن اكتمال المرحلة الأولى من مشروع “كابل أوغاريت 2″، الذي يُعد خطوة استراتيجية لتعزيز الاتصال العالمي بالإنترنت في سوريا.

وفي الشهر نفسه، أعلن الوزير عن بدء تجربة الجيل الخامس (5G) في العاصمة دمشق، إلا أن النتائج لم ترتقِ إلى التوقعات. وفي تصريحات لاحقة لتلفزيون سوريا، قال الوزير بأن تجربة “برق نت” لم تكن مرضية، خصوصاً فيما يتعلق بطريقة إيصال الكابلات الضوئية إلى المنازل. وأوضح أن هدف الوزارة هو أن يصل الكابل الضوئي (الفايبر) إلى كل منزل تماماً كما الكهرباء، مشيراً إلى أن المشروع التجريبي سيعاد تنفيذه قريباً في إحدى مناطق دمشق لضمان تحقيق هذا الهدف.

وفي شهر آب الفائت أعلن هيكل توقيع اتفاق مع الأردن لاستيراد سعات إنترنت “ريثما يكتمل مشروع سيلك لينك”، وبيّن حينها أن التوريد سيبدأ خلال أسابيع بعد إصلاح الكبل الضوئي من معبر نصيب/ جابر إلى دمشق، الأمر الذي سيؤدي إلى تحسّن ملحوظ في سرعة الإنترنت، مشدداً على أن مشروعات البنية التحتية تحتاج إلى وقت والعمل جارٍ عليها على قدم وساق.

على صعيد آخر، استمرت أسعار الإنترنت في الارتفاع رغم استمرار سوء الخدمة. ففي تشرين الثاني الفائت، أعلنت شركتا “سيريتل” و”إم تي إن” عن إطلاق باقات جديدة وإلغاء جميع الباقات القديمة، بأسعار تراوحت بين 24 ألفاً و300 ألف ليرة سورية. لاقت هذا القرار من موجة الاحتجاجات، ولم تتدخل وزارة الاتصالات لتعديله أو إلغائه حينها، وبقيت جودة الشبكة على حالها بعد مرور نحو أربع أشهر على تطبيق الأسعار الجديدة.

تلفزيون سوريا

——————–

 تشمل مشاريع استراتيجية كبرى.. تفاصيل الاستثمارات السعودية في سوريا

2026.02.07

أعلن وزير الاستثمار السعودي خالد بن عبدالعزيز الفالح، إطلاق مسار تعاون استثماري جديد مع سوريا، يشمل مشاريع استراتيجية كبرى في الطيران والمياه والاتصالات والبنية التحتية، مع تفعيل قنوات التحويل المالي بين مصارف البلدين.

وقال الفالح إن التعاون مع سوريا يشهد نقلة نوعية، مع إطلاق أعمال صندوق إيلاف للاستثمار المخصص للمشروعات الكبرى، مؤكدا أن شركات سعودية رائدة ستتولى تطوير وتشغيل مطاري حلب، ضمن رؤية طويلة الأمد لدعم البنية التحتية والنمو الاقتصادي.

وأضاف الوزير أن الجانبين يستعدان لتوقيع ما وصفه بـ”أكبر اتفاقية للمياه على مستوى العالم“ بين السعودية وسوريا، برعاية شركة أكوا السعودية، ضمن حزمة عقود استراتيجية تشمل قطاعات حيوية. وفق مراسلة تلفزيون سوريا.

وقع الطرفان مجموعة من الاتفاقيات بين شركات سعودية وجهات حكومية سورية، شملت:

اتفاقية مشروع مطار حلب

وقعت الهيئة العامة للطيران المدني السوري اتفاقية مع تحالف استثماري سعودي بقيادة مجموعة بن داود للاستثمار، لتطوير مطار حلب الدولي الجديد، وتشغيل وتحسين المطار الحالي خلال مرحلة التطوير، إضافة إلى تمويل منظومة رادارات ملاحية متكاملة تغطي كامل الأجواء السورية. ويعد المشروع أول استثمار لصندوق إيلاف، وقال وزير الاستثمار السعودي: إن المملكة ستستثمر 7.5 مليار ريال (ملياري دولار) لتطوير مطارين في مدينة حلب السورية على عدة مراحل.

وقال محافظ حلب عزام الغريب: إن الاتفاقية ستطور مطار حلب القديم وترفع قدرته الاستيعابية إلى 2 مليون مسافر، كما سيتم إنشاء مطار جديد بسعة 12 مليون مسافر مزود بتقنيات حديثة.

وأضاف أن المشروع سيجعل حلب مركزا إقليميا اقتصاديا حيويا مما يعزز من موقعها الاقتصادي ويسهم في تعزيز النشاط التجاري والسياحي

اتفاقية تأسيس شركة طيران سعودية-سورية

اتفق الجانبان على تأسيس شركة طيران في سوريا لمزاولة الطيران التجاري والشحن الجوي، بالشراكة مع الهيئة العامة للطيران المدني السوري.

وقال الفالح إن المملكة تطلق شركة طيران في دمشق تحت اسم “ناس سوريا”..

اتفاقية البنية التحتية للاتصالات

شملت الاتفاقيات مشروعا استراتيجيا لتطوير البنية التحتية للاتصالات في سوريا، عبر تمديد كيابل ألياف بصرية وإنشاء مراكز بيانات، بما يعزز خدمات الإنترنت ويؤهل سوريا لتكون مركزا إقليميا لنقل البيانات والاتصال الدولي.

وقال وزير الاتصالات السوري عبد السلام هيكل، “عانت بنية الاتصالات في سوريا من ضعف الاستثمار خلال السنوات الماضية، وقد اتخذنا مسارا يستثمر الموقع الجغرافي لسوريا ليجعل منها ممرا دوليا لمرور البيانات”.

وتابع “يسهم مشروع “سيلك لينك” في ترسيخ موقع سوريا كنقطة اتصال عالمية”، مشيرا إلى أن 18 شركة تقدمت بطلبات للاستثمار وبعد عملية تقييم دقيقة فازت شركة “إس تي سي” السعودية بالمنافسة.

وأوضاف وزير الاستثمار السعودي: سنوقع اليوم اتفاقية مشروع “سيلك لينك” الذي يُعد من أكبر مشروعات البنية التحتية الرقمية في سوريا، وربما من بين الأضخم عالمياً.

اتفاقية تطوير مشاريع تحلية ونقل المياه

وقع الطرفان أيضا اتفاقية لإجراء الدراسات الاقتصادية والفنية والمالية لمشروع تحلية مياه البحر بسعة تقارب 1.2 مليون متر مكعب يوميا، إضافة إلى مشروع خط أنابيب لنقل المياه والمنشآت التابعة له.

وقال الوزير السعودي الفالح: سنوقع أكبر اتفاقية للمياه على مستوى العالم بين البلدين، وذلك برعاية شركة “أكوا باور” السعودية.

بدوره قال وزير الطاقة السوري محمد البشير: اجتماعنا اليوم يشكل محطة مفصلية نحو تعزيز التعاون الاقتصادي بين سوريا والسعودية. وتابع: نوقع اليوم مذكرة تفاهم واتفاقية تطوير مشتركة مع شركة “أكوا باور” و “شركة نقل المياه” السعوديتين.

اتفاقية تشغيل وتطوير شركة الكابلات السورية الحديثة

تنص الاتفاقية على إدارة وتشغيل وتطوير مصانع شركة الكابلات السورية الحديثة، مع توطين المعرفة التقنية وتطوير القدرات المحلية في قطاع الطاقة والكابلات الكهربائية، بالشراكة مع الصندوق السيادي السوري.

اتفاقية تطوير المنصة الوطنية للتدريب والتأهيل

وقعت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، ممثلة بمديرية الإشراف على التدريب والتأهيل المهني والفني والتقاني، اتفاقية مع شركة التعليم والتدريب الإلكتروني “سيمانور” لتطوير المنصة الوطنية للتدريب والتأهيل المهني والفني والتقاني.

وأكد وزير الاستثمار السعودي أن هذه الاتفاقيات تمثل أساسا لشراكة اقتصادية طويلة الأمد، وتهدف إلى دعم التعافي الاقتصادي وتعزيز الاستثمارات النوعية في سوريا.

————————

مسؤول سوري لـ”العربية.نت”: المستثمرون السعوديون ينظرون للقطاع السياحي بنظرة طويلة المدى

قال إن حكومة بلاده ستضاعف مساهمة القطاع إلى 25%

العربية.نت: نايف الحربي

08 فبراير ,2026

قال مسؤول سوري في حديث خاص لـ”العربية.نت” إن المستثمرين السعوديين باتوا ينظرون إلى فرص القطاع السياحي في بلاده بنظرة طويلة الأمد.

وأشار وزير السياحة السوري، مازن الصالحاني، إلى أن عوامل إقبال المستثمرين السعوديين في المجال السياحي ترتكز على 5 دوافع تشمل وضوح الأطر التنظيمية، واستقرار نماذج الشراكة مع القطاع العام، ووجود خطط حكومية واضحة لرفع جودة الخدمات، وتحديث معايير التشغيل، وتحسين تجربة الزائر بمعايير دولية.

في السياق ذاته، لفت إلى أن اهتمام المستثمرين السعوديين يتجه جغرافياً إلى العاصمة السورية دمشق وريفها والساحل السوري، إذ تمثل دمشق نموذجًا للسياحة الحضرية وسياحة الأعمال عبر مشروعات فندقية تشمل إعادة توظيف المباني التراثية في المدينة القديمة، إلى جانب مشاريع متعددة الاستخدامات تجمع بين الإقامة والخدمات التجارية والترفيهية مستفيدة من الطلب المتنامي على السياحة الحضرية وسياحة الأعمال.

وأوضح الصالحاني في حديث خاص إلى أن منطقة الساحل السوري باتت نقطة جذب سياحية خاصة في مجال السياحة الشاطئية والمنتجعات، مشيراً في الإطار ذاته إلى أن قطاع السياحة السوري يعد رافعة اقتصادية رئيسية وليست مصدر دخل ثانوي، وفقاً لقوله.

كما ذكر أن الحكومة السورية تستهدف رفع مساهمة قطاع السياحة إلى ما بين 20% و25% خلال العامين المقبلين، ضمن مسار يعتمد على التفعيل الكامل لسلاسل الاستثمار، وتطوير المسارات السياحية، والخدمات المرتبطة بالقطاع، بما يعزز استدامة النشاط السياحي.

وشهدت سوريا توقيع حزمة اتفاقيات اقتصادية تنموية في الساعات الماضية، إذ وصلت القيمة الإجمالية لهذه العقود نحو 40 مليار ريال (10.6 مليار دولار)، موزعة على 80 اتفاقية.

جاء التوقيع خلال زيارة قام بها وزير الاستثمار خالد الفالح على رأس وفد سعودي إلى العاصمة السورية دمشق، وأكد أنه لا سقف لاستثمارات المملكة في دمشق.

في الإطار ذاته، أعلنت السعودية إطلاق شراكة بين شركة طيران ناس السعودية وجهات حكومية سورية، وتوقيع اتفاقية لتطوير وتشغيل مطار حلب، وأخرى لتطوير شركة الكابلات السورية، في خطوة تجسد حرص السعودية على تطوير الاستثمارات في سوريا.

——————————-

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث/ دينا عبد

7 فبراير 2026

يُثير مشروع إعادة تأهيل سقف سوق الحميدية في مدينة دمشق نقاشًا واسعًا بين التجار (أصحاب المحال) والأهالي والجهات المعنية، في ظل مخاوف تتعلق بطبيعة التدخل المقترح وانعكاساته على الهوية الأثرية والتاريخية لأحد أقدم أسواق المدينة.

وبحسب آراء الأهالي والتجار الذين استطلع موقع “الترا سوريا” آراءهم، تبيّن أن الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة.

تغييرات مختلفة

أوضح “أبو بسام”، صاحب محل في سوق الحميدية، لـ”الترا سوريا”، أنهم تقبّلوا سابقًا تغييرات مختلفة طرأت على السوق، لكن الخلاف الحالي حول أعمال الصيانة لا يتعلق بتعطيل العمل، فهناك أولويات أخرى يجب العمل عليها مثل تحسين الصرف الصحي، وترتيب السيالات، والدهان، وإبراز المعالم الأثرية التي يعتبرها الأهالي والتجار على حد سواء أهم من تغيير السقف في الوقت الحالي.

وأشار أبو بسام إلى أن المشكلة الحقيقية أصلًا تكمن في طبيعة السقف التقليدي، حيث يؤدي تجمع مياه الأمطار وتسربها إلى تشقق الجدران وتمزّقها، وهي أضرار يصعب إصلاحها لاحقًا.

الحفاظ على هوية السوق

بدوره، أشار “أبو رضوان”، صاحب محل في سوق الحميدية، إلى أن اعتراض التجار على تغيير السقف يهدف إلى الحفاظ على هوية السوق الأثرية والتاريخية وليس رفضًا للتغيير.

“أحمد”، هو الآخر صاحب محل، أشار خلال حديثه لـ”الترا سوريا” إلى أنهم كتجار لا يمانعون أعمال الصيانة، لكنهم في الوقت نفسه يطالبون بحلول تقنية تحمي السوق مثل إنشاء مجارٍ مخصصة لتصريف مياه الأمطار بدلًا من استبدال السقف بالكامل، وذلك لأنه يحتوي على فتحات تاريخية تعود لفترات قديمة، وأن المساس بها يهدد القيمة التاريخية للسوق الذي يوصف بأنه أقدم مركز تجاري مغطى في العالم.

    اعتراض التجار على تغيير السقف يهدف إلى الحفاظ على هوية السوق الأثرية والتاريخية، وليس رفضًا للتغيير

وطالب صاحب المحل الجهات المعنية بالحفاظ على تراث المدينة والعمل على تطوير محيط السوق ليصبح منطقة سياحية متطورة عبر تسهيل حركة السياح وتنظيف الطرقات وزراعتها ومنع دخول السيارات وتحسين البنى التحتية لدعم السياحة الوطنية.

تحسين محيط السقف

أبو محيي الدين من سكان الحميدية منذ 35 عامًا، قال خلال حديثه إنهم طالبوا بتحسين وضع محيط السقف فقط، وذلك لتفادي تلف الجدران دون المساس بالبنية الأصلية، لافتًا إلى أنهم كأبناء هذا المكان يرفضون أي تعديل قد يغير ملامح السوق، ولكن حين يُقترح استبدال السقف بمواد حديثة يشعرون وكأن المكان يتغير بالكامل.

وأوضح: “مطالبنا ليست رفضًا للصيانة، إنما تقديم حلول تحافظ على السقف كجزء تراثي أصيل من المدينة القديمة، هذا السقف ليس مجرد تفصيل هندسي بل ذاكرة وتاريخ مكان، فسوق الحميدية له قدسية خاصة لذلك لا يجوز العبث بسقفه، فنحن عندما أعدنا تبليط السوق أسهمنا في إظهار المعالم الأثرية وليس طمسها”.

الشراكة مع أصحاب السوق

رئيس لجنة حي الحميدية، سمير بكداش، بيّن أن التجار لا يعارضون مبدأ التطوير أو الترميم شرط أن يستند إلى فهم عميق لطبيعة المكان، فخصوصية السوق تنبع من موقعه الديني والتاريخي، ومن المفترض أن يُنفذ بالشراكة مع أصحاب السوق بما يحافظ على الهوية التاريخية.

وأوضح بكداش أن لجنة السوق تقدمت بطلب رسمي إلى مديرية دمشق القديمة “مكتب عنبر” لصيانة السيالات المطرية في السقف، وبعد الكشف الهندسي واستخدام الطائرات المسيّرة تبيّن أن المطلوب هو ترميم موضعي لا تغيير كامل للسقف.

ولم ينكر بكداش ترحيب التجار بمبادرة لتمويل مشروع الصيانة، لكنهم في الوقت نفسه أشاروا إلى أن جوهر الإشكالية لا يتعلق بالتمويل بل بطبيعة التدخل المقترح، مؤكدين ضرورة أن تراعي أعمال الصيانة والتطوير الطابع التاريخي للسوق دون المساس بقيمته الأثرية الخالدة.

مدة التنفيذ

عبّر التجار، بحسب بكداش، عن قلقهم إزاء مدة التنفيذ المقدّرة بنحو 75 يومًا ونوعية المواد المزمع استخدامها، لأن أي خطأ إنشائي قد يتسبب بأضرار جسيمة تطول جدران المحال والبنية التاريخية للسوق.

ونوّه بكداش إلى أن أي ضرر قد ينجم عن الأعمال الإنشائية حتى لو كان غير مقصود قد يؤدي إلى اعتبار المحل غير صالح للاستثمار، مما يفتح الباب أمام دعاوى إخلاء قانونية بحق المستأجرين.

والسؤال الجوهري، بحسب بكداش، هو: هل توجد ضمانات قانونية مكتوبة تضمن التعويض وإعادة المحل إلى مستأجره في حال وقوع أي ضرر، مشيرًا إلى أن سقف سوق الحميدية محمّل على جدران المحلات نفسها، وبالتالي فإن أي خطأ إنشائي سينعكس مباشرة على البنية الحاملة للمحال.

المحافظة تُجيب

في المقابل، تواصل موقع “الترا سوريا” مع محافظة دمشق التي بيّنت أن العمل في سقف سوق الحميدية حاليًا قيد الدراسة، وأن ما يُشاع عن بدء أعمال صيانة أو ترميم في الوقت الحالي غير دقيق، وأكدت أن أي خطوة تنفيذية لن تُتخذ قبل استكمال عدة دراسات من لجان مختلفة تضم مهندسين مختصين، وممثلين عن المحافظة، ولجان فنية معنية بتقييم الوضع الإنشائي للسقف.

وبيّنت أن هناك متبرعًا بادر من تلقاء نفسه لتمويل أعمال الترميم، إلا أن المرحلة الحالية تقتصر على الدراسة، دون الشروع بأي أعمال إصلاح أو تنفيذ ميداني حتى التوصل إلى رؤية فنية متكاملة تحظى بإجماع الجهات المختصة.

——————-

 أزمة “شاحنات” على الحدود: قرار سوري يُربك النقل في لبنان

الأحد 2026/02/08

قوبل القرار الأخير الصادر عن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا، والمتعلق بتنظيم حركة الشحن عبر المنافذ البرية والمرافئ، بموجة واسعة من الانتقادات والتحذيرات في الأوساط الاقتصادية اللبنانية. وبينما دخلت الإجراءات الجديدة حيز التنفيذ قبل أيام بهدف تعزيز الرقابة الجمركية ودعم أسطول النقل الوطني السوري، يرى الجانب اللبناني في هذه الخطوة عائقاً جديداً أمام انسيابية البضائع، وسط مخاوف جديّة من تداعيات اقتصادية قد تطال التجار والسائقين على حد سواء.

​مضمون القرار

​نصَّ القرار الذي بدأ تطبيقه أخيراً، على منع دخول الشاحنات غير السورية إلى عمق الأراضي السورية، مع حصر استثناءات الدخول بشاحنات الترانزيت التي تخضع لعملية ترفيق جمركي بين المنافذ الحدودية.

وكذلك، تفرض الإجراءات الجديدة نقل البضائع من الشاحنات غير السورية إلى شاحنات سورية داخل الساحات الجمركية المخصصة، على أن يُمنع أي إجراء للتحميل أو التفريغ من دون الحصول على إيصال رسمي صادر عن وزارة النقل، وهو ما تصفه الجهات السورية المعنية بأنه خطوة تنظيمية ضرورية لضبط القطاع وضمان حقوق الخزينة والناقلين المحليين.

احتجاجات نقابية

​في المقابل، لم تتأخر ردود الفعل في بيروت، إذ انتقد رئيس اتحادات النقل البري في لبنان، بسام طليس، هذه الإجراءات واصفاً إياها بالمفاجئة، وتضع العراقيل أمام حركة العبور الطبيعية. وأشار طليس إلى أن خطورة القرار تكمن في انعكاساته المباشرة على كلفة الشحن وعلى سلامة البضائع، خصوصاً المواد الغذائية والمنتجات الزراعية القابلة للتلف التي لا تتحمل عمليات التفريغ وإعادة التحميل في الساحات المكشوفة. ودعا طليس إلى ضرورة عقد اجتماع ثنائي طارئ لوضع آلية مشتركة تضمن مصالح الطرفين وتمنع تفاقم الأزمة.

​تحذيرات من فقدان الموقع الاستراتيجي

​من جانبه، دخل اتحاد نقابات الشحن والترانزيت في لبنان على خط الأزمة، محذراً من أن استمرار هذه القيود من دون معالجة جذرية قد يهدد موقع لبنان كممر عبور أساسي في المنطقة.

ويرى الاتحاد أن هذه التعقيدات قد تدفع بشركات الترانزيت والخطوط الملاحية العالمية إلى تحويل بضائعها نحو مرافئ دول مجاورة، مما يعني خسارة اقتصادية فادحة لمرفأي بيروت وطرابلس. كما طالبت النقابات اللبنانية بضرورة تحرك الجهات الرسمية لإعادة التنسيق مع الجانب السوري، والتلويح بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل إذا ما استمر التضييق على الشاحنات اللبنانية.

​أفق التهدئة بين التنظيم والمعاملة بالمثل

​وعلى الرغم من وضوح الأهداف السورية في تنظيم قطاع النقل وحماية ناقليها، إلا أن الواقع الميداني يفرض تحديات لوجستية وسياسية معقدة. فالتداخل الاقتصادي بين البلدين يجعل من أي قرار أحادي الجانب فتيلاً لأزمات أوسع، وهو ما يستدعي، بحسب خبراء اقتصاديين، العودة إلى طاولة المفاوضات التقنية بعيداً من السجالات السياسية. ويبقى الترقب سيد الموقف لما ستؤول إليه الاتصالات الرسمية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة القطاع الخاص في البلدين على تحمل تكاليف إضافية في ظل الأزمات المالية الخانقة التي تعصف بالمنطقة.

———————

====================

تحديث 07 شباط 2026

—————————-

 الزراعة بخير.. في مكانٍ آخر/ طارق صبح

2026.02.06

من المفارقات اللافتة في المشهد السوري اليوم، أن أكثر القطاعات التصاقاً بحياة الناس اليومية، الزراعة والغذاء، تُناقش أحياناً بلغة أقرب إلى الخطابة منها إلى السياسة العامة. هذا ما يخرج به المتابع لحلقة برنامج “وسط البلد” التي استضافت وزير الزراعة السوري أمجد بدر، وقدمها الدكتور زيدون الزعبي، بمشاركة ضيوف مختصين، بينهم الصحفي الاقتصادي جهاد يازجي.

اللافت أن بداية الحلقة انتهت عند نهايتها: أرقام قاسية، وبيانات قاتمة، ومشهد زراعي مأزوم رسمه مقدم البرنامج في الخاتمة، يقابله وزير يؤكد أن “الأمور بخير”، وأن الحكومة الحالية “تحصد ما زرعه النظام المخلوع”، في محاولة واضحة لإبعاد المسؤولية، لا عن الماضي فقط، بل عن الحاضر أيضاً.

خلال المقابلة، أطلق الوزير وعوداً واسعة وأحلاماً وردية عن مستقبل الزراعة في سوريا، دون أن يرافق هذه الوعود أي رقم واضح، أو جدول زمني، أو مؤشرات قياس.

قال إن في سوريا ستة ملايين هكتار من الأراضي الزراعية، خمسة ونصف منها “قابلة وجاهزة ومستثمرة زراعياً”. رقم كبير، لكنه يبقى معلقاً في الهواء: كيف؟ أين؟ بمياه أي أحواض؟ وبأي كلفة؟ لا إجابة.

وعندما انتقل الحديث إلى الاستراتيجية الزراعية، لم تقدم هذه الاستراتيجية بوصفها سياسة عامة قابلة للنقاش، بل جرى ربطها بوزارات أخرى، مثل وزارة الطوارئ والكوارث، في إحالة دائمة إلى “التنسيق”. تنسيق قيل عنه كثيراً، ولم يُشرح عنه شيء، لا آلياته، ولا مستوياته، ولا إن كان قائماً على بيانات مشتركة أم على اجتماعات دورية، أم مجرد توصيف لغوي مريح.

أحد أكثر المشاهد دلالة، عندما أشار جهاد يازجي إلى أن وزارة الزراعة، في بلد يعاني من الجوع، يجب أن تحظى بدعم مناسب في الموازنة، كما هو الحال في معظم دول العالم. لكن الرد لم يكن دفاعاً عن أولوية القطاع، بل توصيفاً شخصياً للمسألة: إذ قال الوزير إنه “قدّم وجهة نظره” فقط، وهنا، يبدو وزير الزراعة وكأنه خبير مدعو إلى ندوة، لا صاحب حقيبة سيادية يُفترض أن يقاتل داخل الحكومة من أجل فلاحين بلا مياه وبلا دعم.

الأخطر من ذلك، كان استنكاره لفكرة أن تكون الزراعة أولوية في الموازنة، مقابل تأكيده أن الدفاع والداخلية يجب أن يتقدما. هذا الطرح، إن كان يعكس تفكيراً حكومياً، فهو إشارة مقلقة: كأن مكافحة الجوع مسألة مؤجلة، أو ثانوية، أو قابلة للانتظار. وكأن الأمن والاستقرار لا يشمل رغيف الخبز، ولا استقرار الريف، ولا بقاء الناس في أراضيهم.

في كل مرة تطرح فيها أسئلة ملحة عن استعجال الشعب السوري للنتائج، كان جواب معالي الوزير جاهزاً: “الاستقرار أولاً”، و”الجميع مستعجل”. نعم، السوريون مستعجلون، مستعجلون لا لأنهم لا يفهمون تعقيدات الدولة، بل لأن سنوات الحرب والقمع لم تترك لهم ترف الانتظار، ولا رفاهية الخطط طويلة الأمد غير الممولة، ولا لغة “الطمأنة” من دون أدوات.

وحين طُرحت أسئلة أكثر بساطة، وأكثر إزعاجاً في آن: هل لدى الحكومة بيانات معلنة؟ هل تجتمع؟ هل لديها موازنة واضحة؟ كيف تنسق؟ جاء الرد عاماً: “هناك تنسيق”. عبارة تصلح لكل شيء، ولا تشرح شيئاً في نفس الوقت.

حتى عندما قدم ضيفا الحلقة ست أولويات واضحة للنهوض بالقطاع الزراعي، وسُئل الوزير كم واحدة منها موجودة في استراتيجية الوزارة المنتظرة، جاء الجواب سريعاً: “كلهم موجودون”، وأن “لا مشكلة بلا حل”.

لكن السؤال الحقيقي لم يكن عن وجود الحلول على الورق، بل عن امتلاك أدوات تنفيذها، فعندما سُئل صراحة عن أدوات النجاح، اختصرها بكلمة واحدة: “إرادتي”.

هنا تتكثف المفارقة، إرادة الوزير، مهما كانت حسنة، لا تروي أرضاً عطشى، ولا تعوض فلاحاً خسر موسمه، ولا تبني سياسة مائية، ولا تنتج بيانات، فالزراعة ليست خطاب نوايا، بل منظومة واضحة: مياه، تمويل، دعم، أسعار، محروقات، نقل، تخزين، وأسواق.

بدورها، نتائج تصويت حلقة “وسط البلد” كانت كاشفة: 26 % يرون أن سبب تراجع قطاع الزراعة هو سياسات حكومية خاطئة، و24 % يعتبرون أن الزراعة ليست ضمن أولويات الحكومة، و17 % يشيرون إلى سوء إدارة الموارد المائية، مقابل 33 % للظروف المناخية.

باستثناء المناخ، كل هذه أسباب تتحملها الدولة، لكن مع ذلك، جاء رد الوزير بالتشكيك في النتائج، لا في السياسات.

ربما في مكان آخر، لكن في سوريا اليوم الزراعة ليست بخير. الأرقام المناخية، وشح المياه، وتراجع الإنتاج، وكون 80 % من السكان بحاجة لمساعدات غذائية، كلها مؤشرات على مشهد قاتم، والاعتراف بهذا الواقع ليس ترفاً، بل شرطاً لأي نهوض حقيقي.

المشكلة يا معالي الوزير ليست في حكومة ورثت قطاعاً مدمراً، بل في خطاب رسمي ما زال عاجزاً عن معرفة الأزمة وتسميتها كما هي.

تلفزيون سوريا

————————–

 اقتصاد الظل.. كيف يدير السوريون حياتهم في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة؟/مختار الإبراهيم

2026.02.07

في صباح بارد من أيّام دمشق، يقف أبو مالك أمام عداد الكهرباء في بيته الكائن بمساكن برزة، يتأمل الأرقام وكأنها حكمٌ نهائي على قدرة أسرته على الصمود، لسنوات كان يشتري وقود لتشغل مولدة  لتأمين ساعات قليلة من التيار الكهربائي لعائلته، لكنّ بعد التحرير اعتقد أن مشكلة الكهرباء قد حُلت، ليتفاجأ بالفاتورة الأخيرة التي تجاوزت مليوني ليرة، وهو مبلغ يفوق دخله الشهري الحقيقي.

“رفع الدعم عن الكهرباء أرهقنا، الكهرباء قطاع خدمي وليس ربحي من المفروض أن ما يكون عبئا، اليوم فاتورتنا لا تنخفض عن المليون ونصف، ولو كان دخلنا عشرة ملايين لكانت الفاتورة منطقية، بس هذا غير موجود في سوريا” يقول أبو مالك لموقع تلفزيون سوريا.

هذه الكلمات لا تعبّر عن فرد واحد فقط، بل عن قصة آلاف الأسر السورية التي تواجه فجوة كبيرة بين الدخل والإنفاق الفعلي، مع اقتصاد رسمي متعب واقتصاد ظلّ بات ملاذاً لا خياراً.

الواقع المعيشي.. الأرقام تتكلم

في مقابل دخل أسري لا يتجاوز في المتوسط 1.3 مليون ليرة شهرياً، تواجه العائلات السورية إنفاقاً فعلياً يصل إلى ما بين خمسة وستة ملايين ليرة، وربما أكثر في حال كان البيت آجار، هذه الفجوة، التي تقارب 77%، لا تُسدّ عبر الرواتب، بل من خلال مصادر أخرى منها الحوالات، ما يعكس كيف أصبح اقتصاد الظل جزءاً أساسياً من معيشة السوريين.

ووفقا لتعريف الأمم المتحدة يتكون اقتصاد الظل من الأنشطة التي قد تعتبر منتجة بالمعنى الاقتصادي وقانونية أيضاً (بشرط توفر معايير الالتزام بنظم معينة) ولكنها مخفية عن السلطات العامة (من أجل تفادي دفع الضرائب مثلا أو دفع اشتراكات الضمان الاجتماعي أو الالتفاف حول معايير أو متطلبات معينة).

الفجوة الكبيرة بين الدخل الحقيقي للأسر السورية وتكاليف المعيشة تعكسها تقديرات لخبراء اقتصاديين تفيد بأن ما يقارب 70% من النشاط الاقتصادي يتم خارج المنظومة الرسمية، في مؤشر واضح على اتساع اقتصاد الظل وتغلغله في الحياة اليومية.

ولا يقتصر الأمر على الكهرباء فقط. فبحسب تقديرات متعددة لمؤشرات تكلفة المعيشة، تجاوز متوسط التكاليف الشهرية لعائلة من خمسة أفراد في دمشق ثمانية إلى تسعة ملايين ليرة، في حين أن رواتب الموظفين في القطاع العام نادراً ما تتجاوز مليونين ونصف مليون ليرة، بينما متوسط دخل العاملين في القطاع الخاص لا يتجاوز حوالي مليون ونصف مليون ليرة.

هذه الأرقام تُظهر بوضوح أن شريحة واسعة من السوريين لا تستطيع تغطية احتياجاتها الأساسية من خلال الرواتب الرسمية وحدها، وتنعكس هذه الأزمة في ارتفاع نسبة الفقر بشكل كبير، وبات معظم السكان يعتمدون على مصادر دخل متعددة أو على تحويلات من الأهل في الخارج.

اقتصاد الظل.. بديل قسري أم فخ مستمر؟

تحوّل اقتصاد الظل إلى عنصر مركزي في الحياة الاقتصادية للسوريين، ولم يعد يقتصر على كونه وسيلة للبقاء، بل أصبح مؤثراً أساسياً في توزيع الدخل وتنظيم الأنشطة الاقتصادية اليومية، ويشمل هذا الاقتصاد أنشطة غير مسجلة لا تخضع لرقابة الدولة أو للنظام الضريبي، ويأتي اتساعه نتيجة مباشرة لتراجع قدرة الاقتصاد الرسمي على توفير فرص العمل وتلبية الاحتياجات المعيشية للأسر.

تقول فاطمة (34 عاماً)، ربة منزل من حماة، إنها تعتمد على عمل زوجها في سوق غير رسمي لتأمين مصاريف الأسرة “زوجي يعمل في نقل البضائع دون سجل رسمي، الدخل لا يكفي، لكن دون هذا العمل لا يمكننا العيش نهائيا، إذا ربطة الخبر بـ4 آلاف ليرة وقس على ذلك”.

وبينما يوفر اقتصاد الظل فرص عمل مؤقتة أو إضافية للكثيرين، فإنه في الوقت نفسه يحمل آثاراً كبيرة على الاقتصاد الرسمي، مثل التهرب الضريبي وفقدان الإيرادات العامة، ما يزيد من عجز الموازنة ويعيق أي جهود لإصلاح الاقتصاد أو تبني سياسات تنموية.

التحويلات الخارجية.. ملاذ محدود للبعض

في ظل هذا الواقع، لا تزال التحويلات المالية من الخارج تشكل شريان حياة لبعض الأسر في سوريا. تستند هذه التحويلات غالباً إلى أفراد يعملون في دول الجوار أو في أوروبا أو أميركا، وتساعد في سد فجوة الدخل الشهري وتوفير الحد الأدنى من الكفاف.

أم خالد، من حلب، تقول لموقع تلفزيون سوريا “الحوالة اللي توصلنا من ابني بالخارج هي اللي واقفة معنا، بدونها ما فينا ندفع أجار البيت، لأن بيتنا بالميسر تهدم من 2016، بس جيراننا ما عندهم حدا بالخارج، الله يعين الخلق”.

وتوضح أم خالد أن الاعتماد على التحويلات من الخارج كبديل عن نظام اقتصادي رسمي قوي يفاقم التفاوت داخل المجتمع، إذ يحصل بعض الأسر على دعم من شبكاتها في الخارج بينما يبقى آخرون بلا أي وسيلة إضافية لتأمين معيشتهم.

آراء الخبراء.. بين التحديات والآمال المشروطة

يرى الخبير الاقتصادي حسن حيدر العيلي أن المشهد الاقتصادي الراهن في سوريا “ضبابي لكنه ليس ميئوسا منه”، بحسب تصريحاته لـموقع تلفزيون سوريا “نحن في مرحلة انتقالية، مع مرور الوقت، خلال هذا العام أو مطلع العام القادم، يمكن أن تتبلور هوية وشكل الاقتصاد الوطني بشكل أوضح”.

ويضيف الخبير العيلي أن هناك عوامل قد تسهم في تحسين الوضع المالي للدولة مثل عودة الإنتاج في المناطق النفطية، وبدء تدفّق عائدات النفط، ودخول شركات دولية، وهي أمور قد تساهم في تعزيز ورفد خزينة الدولة وتخفيف العجز المالي، مما يمكّن من رفع الرواتب وتحسين الخدمات العامة.

لكن العيلي يشدد على أن هذه السيناريوهات ليست مضمونة ما لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية أوسع، وتنظيم حقيقي لآليات التشغيل والتوظيف، وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية، وليس فقط الاعتماد على الموارد الخارجية أو النفط وحده.

تكيّف اجتماعي.. بين البقاء والتآكل الطويل

بينما يسعى السوريون إلى تدبّر أمورهم من خلال اقتصاد الظل والتحويلات والعمل المتعدد، فإن هؤلاء المواطنين يعيشون مزيجا من البقاء المؤقت والاستنزاف الطويل، وتقول سارة (27 عاما)، موظفة في مؤسسة تعليمية بدمشق: “كل يوم نحسب المصروف، الكهرباء، الأكل، البنزين، حتى البقال صار يعدل الأسعار كل أسبوع، صرنا نعيش يوما بيوم”.

تعكس هذه الشهادات واقعاً معيشياً يفرض على ملايين السوريين أنماط تكيّف قسرية لا تقوم على الاستقرار بقدر ما تقوم على تأجيل وترحيل الأزمات، فبين دخل ضعيف ونفقات متصاعدة، يبقى السؤال مفتوحا حول قدرة هذا النمط من العيش على الاستمرار دون أن يترك آثارا عميقة على البنية الاجتماعية والاقتصادية لبلد في طور التعافي من سنوات طويلة من الحرب والأزمات المركبة.

تلفزيون سوريا

—————————-

 النقل والبنك الدولي يبحثان تطوير سكك حديد الفوسفات والمرافئ وربط حلب بتركيا

2026.02.06

بحث وزير النقل السوري يعرب بدر مع ممثلي البنك الدولي، عبر تقنية الاتصال المرئي، آليات تأهيل وتطوير شبكة السكك الحديدية في سوريا، وذلك في إطار متابعة مشاريع تحسين البنية التحتية المطروحة للاستثمار.

وتناول الاجتماع المقترحات المشتركة بين الجانبين، إضافة إلى استعراض رؤية البنك الدولي لبرنامج الدعم الفني المخصص لتأهيل شبكات النقل، مع التركيز على المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية.

وشملت المشاريع المطروحة وفقاً لما نشرته وزارة النقل السورية عبر “تليغرام” نقل خط الفوسفات من مناجم مهين إلى مرفأ طرطوس، ومشاريع نقل الحاويات من مرفأ اللاذقية إلى المرفأ الجاف في منطقة الشيخ نجار بحلب، إلى جانب خط ميدان إكبس الحدودي مع تركيا وصولاً إلى مدينة حلب.

كما ناقش المجتمعون الدراسات التحضيرية والشروط المرجعية اللازمة للإعلان عن هذه المشاريع وفق أعلى المعايير، بما يتيح تحديد الكلف التقديرية والاحتياجات الفنية والتنفيذية، ووضع الجداول الزمنية والمهل المحددة لتنفيذ كل مشروع.

وفي شهر تشرين الثاني الفائت كشف وزير النقل السوري يعرب بدر عن تضرر نحو 1800 كيلومتر من شبكة السكك الحديدية في سوريا، والتي يبلغ طولها الإجمالي قرابة 2800 كيلومتر، موضحاً أن نحو 1000 كيلومتر فقط ما زال قيد التشغيل.

أول رحلة قطار لنقل الحبوب من اللاذقية إلى حلب

وفي 25 من كانون الثاني الماضي، انطلقت أول رحلة قطار مخصّصة لنقل الحبوب من مرفأ اللاذقية إلى مدينة حلب، محمّلة بنحو 1500 طن، وذلك بعد توقف استمر نحو 15 عاماً.

وبحسب قناة الإخبارية السورية انطلقت الرحلة على خط اللاذقية – حلب مروراً بمحافظات حمص وحماة، في خطوة تعكس عودة أحد أهم الخطوط السككية الاستراتيجية إلى الخدمة، بعد أعمال تأهيل فنية شملت البنية التحتية والسكة الحديدية.

وتأتي هذه الخطوة في إطار تعزيز منظومة النقل السككي ودعم حركة نقل المواد الأساسية، ولا سيما الحبوب، بما يسهم في تخفيف الضغط عن النقل الطرقي وتحسين كفاءة إيصال الإمدادات إلى المحافظات.

—————————-

 دعماً لأطفال سوريا.. شراكة أممية–ألمانية لتعزيز مياه الشرب والصرف الصحي

2026.02.06

وقعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) والحكومة الألمانية، أمس الخميس، اتفاقية تعاون قدمت بموجبها برلين منحة بقيمة 15 مليون يورو، لتحسين الوصول إلى خدمات مياه وإصحاح بيئي مأمونة وموثوقة ومستدامة للأطفال والمجتمعات في سوريا.

وقالت منظمة “يونيسيف” في بيان نشرته عبر موقعها الإلكتروني، إنّها تعمل بالتعاون مع حكومة ألمانيا، ممثلة بالوزارة الاتحادية للتعاون الاقتصادي والتنمية (BMZ)، وبالشراكة مع بنك التنمية الألماني (KfW)، على توسيع دعمهما المشترك لقطاع المياه والإصحاح البيئي في سوريا، من خلال تمويل جديد بقيمة 15 مليون يورو.

وأضافت أنّ هذه الخطوة تأتي في وقت تواجه فيه سوريا واحدة من أخطر أزمات المياه في تاريخها الحديث، نتيجة سنوات من النزاع، والتدهور الاقتصادي، وتزايد الضغوط المناخية، إذ يحتاج اليوم نحو 14.4 مليون شخص، من بينهم 6 ملايين طفل، إلى خدمات المياه والإصحاح البيئي بشكل عاجل، ما يجعل الاستثمار في هذا القطاع ضرورة صحية وإنسانية، لا مجرد تدخل طارئ.

وبدعم من (BMZ) عبر بنك التنمية الألماني (KfW)، ستعمل اليونيسيف، بالتعاون مع وزارة الطاقة والجهات المحلية المعنية بإدارة الموارد المائية، على إعادة تأهيل شبكات إمدادات المياه، وتحسين معالجة مياه الصرف الصحي، ورفع كفاءة أنظمة التشغيل والصيانة. كما يشمل المشروع تحديث الدراسات الهيدروجيولوجية، وتطبيق حلول تعزّز قدرة المجتمعات على الصمود في مواجهة تغيّر المناخ، في ظل تزايد شحّ المياه والضغوط البيئية.

المياه حق لأطفال سوريا

ومن المتوقع -بحسب البيان- أن يستفيد أكثر من 2.3 مليون شخص في المحافظات ذات الأولوية من هذا التدخل، مع تركيز خاص على الأطفال، والعائدين، والمجتمعات الأكثر هشاشة، ولا يقتصر أثر المشروع على تحسين الصحة العامة فحسب، بل يخفف أيضاً الأعباء اليومية عن الأسر، ويسهم في تهيئة بيئة أكثر استقراراً تمكّن الأطفال من العودة إلى التعلّم والنمو في ظروف أكثر أماناً.

وقالت ميريتشيل ريلانيو أرانا، ممثلة اليونيسيف في سوريا، إن “الحصول على مياه آمنة ليس امتيازاً، بل حق أساسي لبقاء الأطفال ونموهم”، مؤكدة أن الدعم الألماني المتواصل يتيح الانتقال من الحلول قصيرة الأمد إلى الاستثمار في أنظمة مستدامة تحمي الأطفال من الأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتعيد الكرامة إلى الأسر، وتدعم تعافي المجتمعات.

من جهتها، أوضحت أنيت شماس، رئيسة قسم الشرق الأوسط في الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية، أن هذه الشراكة أسهمت منذ عام 2021 في استعادة الوصول المستدام إلى مياه الشرب النظيفة لأكثر من 4.1 ملايين شخص في سوريا، بمن فيهم النازحون والعائدون، مشيرة إلى أن المشروع الجديد يعكس التزاماً مشتركاً بتعزيز قدرة المجتمعات الأشد احتياجاً على الصمود.

وتؤكد اليونيسيف وألمانيا أن الاستثمار في المياه والإصحاح البيئي يشكّل حجر أساس في مسار تعافي سوريا، بوصفه شرطاً مسبقاً لحماية الأطفال، وتحسين الصحة العامة، ودعم الاستقرار المجتمعي على المدى الطويل.

———————-

وفد سعودي رفيع يصل دمشق لتوقيع عقود استراتيجية في عدة قطاعات

شباط 7, 2026

وصل وفد سعودي رفيع المستوى إلى العاصمة دمشق اليوم، السبت 7 شباط، في زيارة رسمية تستهدف تعزيز التعاون الاستراتيجي بين البلدين.

وقال مراسل “الإخبارية” إن الوفد ضم كلاً من وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، ووزير الاتصالات عبد الله السواحة، ورئيس هيئة الطيران عبد العزيز الدعيلج، بالإضافة إلى أربعين شخصية حكومية واقتصادية.

وكان في استقبال الوفد لدى وصوله مطار دمشق الدولي، وزير الاتصالات وتقانة المعلومات محمد عبد السلام هيكل ووزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار، ورئيس هيئة الطيران المدني عمر الحصري، ورئيس هيئة الاستثمار طلال الهلالي، بالإضافة إلى فريق من وزارة الخارجية والمغتربين.

ومن المقرر أن تتركز مباحثات الوفد خلال الزيارة على توقيع عقود ومذكرات تفاهم استراتيجية في عدة قطاعات حيوية، أبرزها الطيران والاتصالات وخدمات البنى التحتية والتطوير العقاري، وذلك في إطار مسارات التعاون المشترك وتطوير العلاقات الثنائية.

المصدر: الإخبارية

——————————

 السعودية وسوريا توقعان عقودًا استثمارية ضخمة في قطاعات حيوية.. اليوم

وفد سعودي يصل إلى دمشق في مستهل زيارة رسمية لتعزيز التعاون الاقتصادي

الرياض – العربية

07 فبراير ,2026

وصل إلى العاصمة السورية دمشق، اليوم السبت وفد سعودي، برئاسة وزير الاستثمار خالد بن عبدالعزيز الفالح، في مستهل زيارة رسمية تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين المملكة وسوريا، ودفع الشَّراكات الثنائية نحو مرحلة التنفيذ العملي للمشاريع المشتركة.

وتأتي الزيارة في إطار دعم مسار الشراكة الإستراتيجية بين البلدين الشقيقين، وتعزيز دور القطاع الخاص في دعم المشاريع التنموية، وتهيئة مسار مستدام للتكامل الاقتصادي؛ بما يخدم المصالح المشتركة، ويواكب التوجهات التنموية في المرحلة المقبلة.

ومن المقرر أن تشهد الزيارة الإعلان عن توقيع مجموعة من العقود الإستراتيجية بين شركات سعودية رائدة وجهات حكومية سورية، تشمل قطاعات الطيران، والاتصالات، والبنية التحتية، والمبادرات التنموية.

كما تتضمن الزيارة عقد سلسلة من الاجتماعات الرسمية رفيعة المستوى مع عددٍ من المسؤولين والجهات ذات العلاقة؛ لبحث آفاق التعاون الاستثماري، ومناقشة سُبل تنفيذ المشاريع المشتركة، وتوفير البيئة المحفزة لجذب الاستثمارات النوعية.

وتُمثِّل هذه الزيارة مرحلة متقدمة في الشراكة الاقتصادية بين المملكة وسوريا، إذ تأتي استكمالًا لسلسلة من اللقاءات والمنتديات التي انعقدت خلال العام الماضي، والتي أسفرت عن توقيع عدد من الاتفاقيات لتشجيع الاستثمار المتبادل، وتفعيل آليات العمل المشترك في عدد من القطاعات الحيوية، حيث تؤكد هذه الجهود المتواصلة على اللحمة الإستراتيجية بين البلدين في دعم التنمية الاقتصادية، وتوسيع الفرص الاستثمارية أمام القطاع الخاص السعودي والسوري على حد سواء، في إطار طموح كبير لتعميق التكامل الاقتصادي المشترك خلال المرحلة المقبلة.

———————————-

 لا يراها إلا الفقراء.. بسطات للمعدمين قرب أسواق دمشق/ زيد قطريب

2026.02.07

تنمو في الظل، على هامش الأسواق المعروفة. تحاول الاستفادة من حركة الزبائن في المكان، لكن بلا بضاعة قادرة على جذب المستهلكين، شعارها الأبرز “رزق الفقراء على المعدمين”.

تجدها بالقرب من أسواق الألبسة صاحبة الماركات الشهيرة، كما تعثر عليها بجانب المطاعم ومحال الأكل.. على الأرصفة وفي الزواريب الضيقة، يمكن أن تفاجئك، لأنها بلا مكان ثابت ولا تملك محال، حتى بالقرب من أسواق الألبسة المستعملة، المسماة عادة “أسواق الفقراء”، تحضر لتخبرك بأن هناك من هو أفقر من زبائن محال البالة.. في أسواق الخردة، والمفروشات، والأحذية.. تحجز مكانها بخجل، وتحاول أن تمدّ بساطها “على قدر رجليها”.

يجذبنا نقاش محتدم حول السعر، في بسطة تفرش أغراضها على شادر كانت توزعه منظمة اليونيسيف للسوريين، البائع يقول: “بـ6 آلاف ليرة”، ويرد الزبون بإصرار: “يكفي 5 آلاف”! فيغضب البائع ويضيف: “سعرها 10 آلاف وقد راعيتك وخفضت السعر إلى 6.. هل تريدني أن أخسر؟”.

نتدخل، لنعرف ما هي تلك القطعة التي تثير هذا النقاش المحتدم والخلاف على 1000 أو 2000 ليرة؟ فنكتشف أنها “مفك براغي” صدىء وقديم، إذا عثرت عليه في الطريق، لن تفكر بالتقاطه!. وبنظرة سريعة على الأشياء المفروشة على الشادر، نتأكد بأنهم ينتمون إلى السوق إياه، فالبضاعة هي: “شريط كهرباء قديم.. صحون ستيل مستعملة ومتسخة.. لعبة أطفال ممزقة.. براغي وعزقات يمكن وصفها بالأثرية.. مكواة قديمة تعمل بالتسخين على النار.. سجادة قديمة مهترئة.. كرة قدم مثقوبة”.

نسأل صاحب البسطة، إن كان يجد زبائن يرغبون بهذا النوع من البضاعة، فيجيب: “بالطبع، ألم تشهد المفاصلة بالسعر من أجل هذا المفك القديم”.

بائعون سرياليون، يقول البعض إنهم غريبو الأطوار، ومستهلكون يوهمون أنفسهم بأنهم يشترون شيئاً يعتبر لقطة بالنسبة إليهم.

سوق للبالة والخرداوات

نتوغل قليلاً في سوق الخرداوات، فنكتشف أن هناك طبقات، حتى بين الناس المعدمين، الأرفع شأناً يمكن أن يبيع كرسياً أو راديو، أو غسالة مستهلكة.. أما الأفقر، فيقلّ مستوى البضاعة لديه، ليصبح عبارة عن أذرع وأرجل وأجساد مفصولة، لـ”مانيكانات” بلاستيكية، تبدو وكأنها وصلت من مجزرة للتوّ.. يقول البائع، ربما كان أحد يحتاج قطعة ناقصة لديه، وربما صاحب محل يحاول تطبيق “مانيكان” كامل ليعرضه، عوضاً عن شراء واحد جديد!.

“المانيكانات” تبدو مستسلمة لقدرها، وهي مستلقية على الأرض بشكل عشوائي.. أما البائع، فيبدو دونكيشوتياً قادماً من قصص خرافية.. فما يثير الانتباه هنا، هو انسجام وجه البائع ولباسه، مع نوعية ومستوى البضاعة التي يبيعها..

في أسواق البالة، يتكرر الأمر نفسه. الباعة أصحاب المستوى الجيد، يمتلكون محال، ويعلقون الألبسة على سكك حديدية بشمّاعات تبدو أنيقة، أما أصحاب سوق المعدومين، فينقسمون إلى طبقتين، الأولى تمتلك عربات يمكن جرّها في أية لحظة للهروب من دوريات البلدية، أما الثانية فتفترش الرصيف وتضع البضاعة على الأرض..

نتبع زحام الزبائن إلى إحدى البسطات، لنكتشف ما سر الإقبال في هذا المكان؟ فنسمع البائع يصيح: “بـ5 آلاف يا عالم..”، أما العالم فتنهمك في نبش قطع ألبسة، لا يمكن استعمالها، لأنها إما مهترئة أو مضروبة أو ملوثة بطلاء لا يزول بالتنظيف.. نسأل إحدى السيدات لماذا اشترت هذه الكنزة التي تبدو “قبّتها” مهترئة، فتجيب: “يلبسها الأولاد في البيت”!.

” أحذيةٌ مثقلة بالمشي”

في سوق بسطات الأحذية، الذي نشأ حديثاً عند دوار الفحامة بدمشق، تتكرر الظاهرة نفسها. بسطات تعرض أحذيةً مثقلة بالمشي وكثرة الطرق، وأخرى أخف معاناة وشظفا.. الأولى يمكن شراؤها بـ15000 ليرة، أما الثانية فتبدأ من 30000 لتصل إلى 100 ألف!.

الغريب في هذا السوق، أن الباعة أصحاب البضاعة الفقيرة، يتجمعون في مكان واحدة على جانب السوق، دون اتفاق بينهم، بينما كلما تقدمت للأمام، ستعرف أن الأسعار سترتفع تبعاً لارتفاع مستوى طبقة البائعين.

في سوق باب سريجة، يجلس بائع العظام، بجانب القصّاب صاحب الذبائح.. وبالقرب من محال البزورية وباعة مؤونة البيت، تجد مسناً يبيع “قطرميز” مكدوس بلا جوز، مع قنينة زيت صغيرة، وعدة بيضات يقول إنهن بلديات!.

الناس يعرفون حدودهم هنا، فكل واحد يذهب إلى ضالته برضا، ينسجم مع ما في جيبه من مال.. الفقراء، يعرضون بضاعة متهالكة، والمعدمون يشترونها، حتى “لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم”!.

حتى في سوق “الحرامية” المعروف بسوق الجمعة، هناك باعة النحاسيات والقطع الكهربائية، بجانب باعة النظارات القديمة، وبعضها بعدسة واحدة، وبالقرب منهم بائع يعرض بين الخردة آلة عود قديم، يقول إنها لعازف عراقي شهير، مصنوعة من أفخر أنواع الخشب!.

للحظة، تعتقد أن جميع أولئك يمثلون فيلماً سينمائياً، تختلط فيه أدوار البطولة مع فرق الكومبارس.. فيوقظك صوت باعة الدخان الرخيص، نتيجة تعفنه ورطوبته، وهم يصرخون، كأنهم يعرضون أفخر أنواع التبغ!.

في سوق “رزق الفقراء على المعدمين”، تعرف جميع الأطراف القصة، البائع والمستهلك، والعابر المتفرج المكتفي باستقبال الدهشة مما يراه.. يقول بائع “المفكّ” الكبير الصدىء، بعد أن تمكن من بيعه للزبون بـ6 آلاف ليرة: “شفت كيف اشتراه بالآخر.. أخي، كل شي إلو شي”!.

تلفزيون سوريا

————————

====================

تحديث 05 شباط 2026

—————————-

كيف تتحوّل كهرباء السوريين من خدمة إلى سلعة؟/ ديما المحمد

اقتصاد الكهرباء السوري الجديد من شركات الشمال إلى مشاريع الطاقة الكبرى

05-02-2026

        أُنتِجَ هذا التحقيق ضمن الدورة الثالثة من «برنامج مِنَح الجمهورية للصحفيّات السوريات»، الذي يَدعمُ إنتاج مشاريع صحفية مُعمَّقة تتعلّقُ بشؤون السوريين والسوريات ومعاشهم داخل البلد وخارجه، وكان المُحرِّر المشرف على إنتاجه هو الزميل سلطان جلبي.

        * * * * *

        مقدمة

        ذات ليلة من أواخر عام 2018 هدأ هدير المولدات في مدينة اعزاز بشمال غرب سوريا. «نجاح الجباية المُسبَقَة كان مفتاح قبول الاستجرار من تركيا» يقول الدكتور خليل الإبراهيم، الصيدلاني الذي صار مُؤسِّسَ أول شبكة كهرباء خاصة في الشمال السوري، بدأها بمحطة «ديزل» صغيرة مُستعمَلة اشتراها من قطر ليُقنِعَ الجانب التركي بأن مشروعه قابل للتنفيذ وأن النموذج قابل للحياة: عدّادات ذكية، بطاقات شحن مُسبقَة الدفع، وفاقدٌ منخفض. وبعد ذلك بأسابيع «جاء وفد من الرئاسة التركية ورأى النموذج ….ثم التقينا بوزير الطاقة التركي». تطلّبَ الأمرُ سلسلة من الموافقات والإجراءات التي استغرقت ستة أشهر، حتى تم بالفعل استجرارُ الكهرباء من تركيا إلى اعزاز.

        هكذا بدأت حكاية الكهرباء في شمال حلب، وامتدَّ الضوء إلى الراعي وجرابلس والباب، وحتى إدلب التي لم يتمكنوا بحسب خليل الإبراهيم رئيس مجلس إدارة شركة (AK energy) من تزويدها بالكهرباء بسبب العقوبات على هيئة تحرير الشام، التي كانت تحكم المدينة منذ العام 2017. ولذلك أُنشِئت في إدلب شركة (غرين إينرجي)، التي قامت باستجرار الكهرباء في نهاية عام 2021 بعد أن استفادت من النموذج المُطبَّق في اعزاز كما قال لنا الدكتور خليل: «كنا نتعاون في كل الأمور التي يطلبونها منا وخاصة التقنية والخبرات، وكنا بالمقابل نطلب من مصنعهم مُحوِّلات». ويقصد به معمل «حياة» للمُحوِّلات الكهربائية التابع لشركة (غرين إينرجي)، والذي سنتحدث عنه لاحقاً في سياق هذا التحقيق.

        يكمن الفرق في أن الشركة في إدلب محلية، وتعمل عبر شركة وسيطة في تركيا تقوم باستجرار الكهرباء (سنكشف في تحقيقنا عن اسمها واسم صاحبها وعلاقتهم بالسلطات في تركيا وعقودهم مع دمشق)، في حين تعمل الشركات الخاصة الأخرى في الشمال (AK energy) و(STE energy) مباشرةً مع السلطات التركية دون وسطاء، وبترخيص تركي.

        وما إن استقرَّت الكهرباء ودخلت إلى بيوت السوريين في تلك المناطق، حتى بدأت تُطرَحُ أسئلة الشفافية والتسعير ودور الكهرباء كسلعة حيوية. من يملك القرار في تحديد السعر؟ وكيف تجري آلية التسعير؟ ومن يضمن ألّا يتحول الضوء في المنازل إلى امتياز مُغلَق؟

        يَتتبَّعُ هذا التحقيق مسارَ اقتصاد الكهرباء، بِدءاً من أول محطة ديزل استُجلبت من قطر وصولاً إلى تعقيدات اليوم: من دعَمٍ ووساطات، وتَضارُب في المصالح، وغياب للشفافية. ومن خلال تقصّي تجربة الكهرباء في الشمال السوري، يحاول هذا التحقيق الإجابة على سؤال حول طبيعة الاقتصاد في ظل الحكومة الجديدة، أهو اقتصادٌ حرٌّ كما يُزعَم؟ أم يقوم على شبكة زبائنية تعتمدُ الولاءات وتسعى للاحتكار؟

        اعتمدنا في تحقيقنا على مقابلات مع موظفين في شركات الكهرباء المختلفة العاملة في الشمال السوري وخبراء في الاقتصاد والحوكمة، وعينة واسعة من مشتركي الكهرباء في مناطق مختلفة تقع ضمن نطاق عمل الشركات الثلاث. واستندَ التحقيق أيضاً على بحث مُكثّف في المصادر المفتوحة، بما في ذلك رصد الجريدة الرسمية السورية وجريدة حكومة الإنقاذ سابقاً في إدلب والسجل التجاري للشركات في تركيا، كما شمل الاستقصاء فحصَ المواقع الرسمية للشركات وصفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي، والموقع الرسمي لوزارة الطاقة السورية والمديريات التابعة لها، وصفحات التواصل الخاصة بها. إضافة إلى مقالات كثيرة في وسائل الإعلام السورية والتركية والقطرية، تحدثت عن موضوع الكهرباء في سوريا قبل سقوط النظام وبعده.

        كيف تُدار الكهرباء في ريف حلب؟ (AK Energy) كأول تجربة خاصة

        يروي لنا خليل الإبراهيم أنه، وفي أعقاب المعارك ضد تنظيم داعش في ريف حلب الشمالي، كانت الكهرباء تُنتَج عبر مولدات ديزل عشوائية مرتفعة التكلفة وشديدة التلوث في سياق فراغ خدمي عميق. فبرزت الحاجة إلى حلِّ لمشكلة الكهرباء، «ولكن الشركة لم تأتِ كذراع إغاثي أو امتداد لمؤسسة عامة بل كمشروع استثماري خاص».

        تأسَّست الشركة بحسب السجل التجاري التركي عام 2018، أسَّسها خليل الإبراهيم مع شريكين تركيين هما رجب شوبان وياسين يوجيكايا في مدينة كيليس التركية. بدأت الشركة عملها في مدينة اعزاز بريف حلب الشمالي، ثم توسَّعت تدريجياً لتشمل الباب والراعي وجرابلس وتل أبيض ورأس العين. بدأت الشركة عملها عبر عقود ثنائية مع المجالس المحلية، تم توقيعها بإشراف مباشر من الولاة الأتراك.

        يشرح لنا محمد عيد المدني، مدير العلاقات العامة في الشركة بفرع اعزاز: «في البداية كانت العقود بين وزارة الطاقة التركية والمجالس المحلية، وبإشراف الوالي التركي في كل منطقة… هو المُشرِف على القطاع الخاص في منطقته وعلى توقيع العقود». وأضاف أن هذه العقود منحت الشركة حق استجرار الكهرباء من تركيا وتوزيعها محلياً مقابل التزامها بتمديد الشبكات داخل المخططات التنظيمية. وتكشف لنا البيانات المنشورة في الموقع الرسمي لمؤسسة توزيع الكهرباء التركية TEİAŞ، أن شركة (AK Energy/ AKIT Ener) تستجر كهرباء عبر معبر (ELBEYLİ ÇOBANBEY) وبلغت كمية الكهرباء التي استجرتها خلال عام 2025 وحده 45 ميغا واط شهرياً.

        تكمن أهمية تجربة (AK Energy) في أنها ليست مجرد شركة توزيع بل نموذجاً لشراكة هجينة، فهي شركة خاصة تأسَّست في تركيا بعقود محلية وتغذية خارجية وإشراف تركي مباشر في بدايتها، فَشكّلَت بذلك نموذجاً سيُصبح لاحقاً مرجعية لما جرى تعميمه في مناطق مجاورة، وبعدها في إدلب.

        التسعير بين الدعم التركي وقدرة الناس على الدفع

        اعتمدت الشركة نموذج تسعير مرتبط مباشرة بمصدر الكهرباء التركي، إذ قال لنا محمد عيد المدني إن سعر الكهرباء مُضافَاً إليه تكلفة الاستجرار وأجور نقل الكهرباء أصبحَ أعلى حتى من الأسعار في تركيا، لكن إدارة الشركة استطاعت بعد جهود أن تحصل على دعم حكومي تركي مباشر للسعر بما يتناسب مع وضع ودخل الناس في الشمال السوري، وهذا ما أكده لنا أيضاً رئيس مجلس إدارة الشركة أثناء حديثنا معه. ويضيف المدني: «لو تمت إزالة الدعم لكان سعر الكيلو واط المنزلي حوالي الـ 7 ليرات تركية»، لكنه اليوم يتراوح بين 3 – 4.95 ليرة تركية مُتأثِّراً بالحالة الاقتصادية في تركيا بشكل مباشر. هذا الدعم، الذي بدأ قبل سقوط النظام، واستمرَّ حتى هذه اللحظة، مكّنَ الشركة من تثبيت تسعيرة أدنى من تلك المعتمدة في إدلب، حيث تُستَجَرُّ الكهرباء عبر وسيط تركي، ما يُضيف كلفة إضافية على السعر النهائي.

        ومع ذلك فإن هذا «الدعم» لا يقرأه المشتركون كنجاح تقني، بل هو أشبه بمعادلةٍ بين امتنانهم لوجود كهرباء وسخطهم على غلاء الخدمة. تختصرُ لنا المُشترِكة هديل هذا التناقض بشكل واضح: «يعني بالنهاية في كهربا بعد انقطاع طويل، قبل الـ 2019 كنا نعتمد على الليدات والمولدات، فلقيناها منيحة.. وحسينا إنه نعمة في كهربا 24 ساعة وبمبالغ أقل من الأمبيرات. بس بشكل عام في نقاشات إنه الشركة غالية وعم ترفع السعر باستمرار». أمّا كوثر فقالت إن المسألة لا تتعلق بالخدمة وحدها: «الخدمة صارت أفضل من الأمبيرات والمولدات، بس السعر كتير مرتفع وما بيتناسب مع دخل الناس.. بالنهاية نحنا مجبورين، الشركة محتكرة وما في منافس إلها».

        أمّا الجباية فكانت أحد عناصر القوة الأساسية في تجربة (AK Energy) منذ بداياتها، حيث اعتمدت نظام الدفع المُسبَق للكهرباء المنزلية، بينما تعتمد المؤسسات العامة وما في حكمها نظامَ الدفع اللّاحق. قُدِّمَ هذا النموذج بوصفه حلاً تقنياً لمشكلة الجباية، وأعاد في الواقع صياغة العلاقة بين المشتركين والكهرباء، فحصول المواطن على الكهرباء مشروطٌ بقدرته على الدفع لا بوصفها خدمة مستقرة.

        وزارة الطاقة السورية تدخل مشهد الكهرباء في الشمال

        قبل سقوط النظام كانت علاقة الشركة بالسلطة المحلية قائمة على نموذج مُتشابِك: عقد الاستجرار مع الجانب التركي وعقود التشغيل ومدّ الخطوط الداخلية موقعة مع المجالس المحلية، وبإشراف مباشر من الولاة الأتراك في كل منطقة. وهذا النموذج، كما وصفه لنا مدير العلاقات في الشركة محمد عيد المدني، يمنح المجالس المحلية دورَ الشريك التنظيمي أكثرَ من كونها جهة رقابية. أمّا بالنسبة للقرارات الكبرى والاستراتيجية، ولا سيما المتعلقة بالاستجرار، فبقيت في يد الجانب التركي.

        ومع انتقال الإشراف بعد سقوط النظام إلى مظلة وزارة الطاقة، ثمة مرحلة انتقالية يجري فيها تثبيت نموذج حوكمي جديد تُصبح الشركة بموجبه خاضعة تنظيمياً لوزارة الطاقة السورية ومديرية كهرباء حلب. وظهر على الأرض فاعلٌ إداريٌ جديد ما يُعرف بـ «مدراء المناطق»، الذين تم تعيينهم للإشراف على قطاعات خدمية مُحدَّدة من بينها الكهرباء من دون أن تكون لهم خبرات تقنية أو معرفة سابقة بطبيعة العمل، وذلك بحسب مقابلاتنا مع مسؤولين في الشركة. هذا المستوى الإداري الوسيط خلقَ حالة من الارتباك وسوء الفهم بحسب مُوظَّف في القسم البرمجي في الشركة فضل عدم نشر اسمه، إذ وصفَ هذا التدخل أنه «فوقي وغير تقني»؛ يقول: «اليوم لما يجي لعنا شخص من وزارة الطاقة أو من مديرية الكهرباء منكون فاهمين بعض مية بالمية… بس بيجي مدير منطقة لا هو فاهم طبيعة شغلنا ولا فاهم شو عم نطلب، وبيصير التعامُل بفوقية». ورغم صدور تعليمات رسمية بفرز مهندسين من مديرية كهرباء حلب لمتابعة عمل الشركات الخاصة في الشمال، يؤكد موظفو (AK Energy) أن هذا الإشراف لم يتبلور بشكل مُنتظَم أو مُؤسَّسي بعد.

        ولا يبدو أن هناك تغيّراً كبيراً على مستوى الاقتطاعات الضريبية والرسوم التي تتقاضاها وزارة الطاقة من الشركة، حيث يتضمن النموذج الجديد اقتطاع نسبة 5-10 بالمئة من صافي أرباح الشركة لصالح الحكومة السورية، وهي النسبة نفسها التي كانت تُدفَع للمجالس المحلية بحسب مسؤولي الشركة. على ذلك، ينظر البعض إلى التحول في الإشراف باتجاه وزارة الطاقة كإعادة توزيع للقوة الإدارية أكثر منه انتقالاً سلساً نحو حوكمة أوضح، إذ تراجعت سلطة المجالس المحلية ودورها أمام سلطة مدراء المناطق الذين عينتهم السلطة الجديدة، مع بقاء وزارة الطاقة المرجعية الأكثر قبولاً لدى الشركة.

        ظهرت الشركة السورية التركية للطاقة الكهربائية كثاني شركة تعمل في نقل وتوزيع الكهرباء في شمال غرب سوريا بعد عام 2020، ولا سيما في مدينة عفرين وريفها. تأسست الشركة وجرى ترخيصها في تركيا تحت اسم (STE Enerji)، مقرها مدينة كلّس على الحدود السورية جنوب تركيا عام 2019 في السجلات التجارية الرسمية التركية، وقد أسسها مجموعة من رجال الأعمال السوريين المقيمين في تركيا وهم: ضياء قدور ومحمود قدور ومؤيد حميدي وفراس فارس، وذلك بحسب السجلّ التجاري التركي. وتكشف لنا البيانات المنشورة في الموقع الرسمي لمؤسسة توزيع الكهرباء التركية TEİAŞ أن شركة (STE) تستجرّ 100 ميغاواط من الكهرباء شهرياً عبر خط (REYHANLI – AFRİN) (ريحانية – عفرين).

        تُعَدّ شركة (STE Enerji) إحدى شركات المجموعة السورية التركية القابضة STH-Holding التي يقودها رجل الأعمال السوري التركي ضياء قدور، الذي برزَ حضوره مؤخراً في مشروعات اقتصادية متعددة عبر شركات مجموعته القابضة. وتعمل الشركة على تزويد الكهرباء وتشغيل الشبكات وبناء البنى التحتية الكهربائية وتطويرها في مناطق عفرين وريفها، عبر استجرار الطاقة من تركيا. وتعتمدُ، كما الشركتين العاملتين في شمال غرب سوريا، على نظام الدفع المسبق.

        بعد سقوط نظام الأسد تَمدَّدَ نشاط المجموعة القابضة وصاحبها الطموح ضياء قدور، فنرى عبر حسابات شركة الكهرباء على السوشل ميديا اتساع نشاطاتها لتشمل مشاريع بنى تحتية أكثر تعقيداً، مثل دورها في تأهيل محطة تحويل كرمين الرئيسية في تل رفعت بالتعاون مع المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، إضافة إلى تنفيذ مشروع تزويد أبراج الاتصالات لشركة (MTN) بمنظومة طاقة شمسية. وهذا يدل على سعي الشركة للعمل في باقي المناطق السورية، وعدم الاكتفاء بعفرين وريفها.

        ويُمكن للمُتابِع عن كثب رصدُ أنشطة رئيس مجلس إدارة الشركة ضياء قدور وشراكاته، فنرى توقيعه اتفاقيات مع المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، تشمل تطوير مشاريع طاقة شمسية بقدرة تصل 500 ميغاواط. وقد عملَ على العديد من المشاريع والشراكات من خلال مجموعته القابضة، مثل شراكته مع عبد الرحمن قديد ابن محمد عمر قديد المعروف بـ (أبو عبد الرحمن زربة) (شخصية اقتصادية رئيسية في هيئة تحرير الشام HTS سابقاً)، حيث شمل الاتفاق توقيع شراكة بينهما عبر مجموعته مُمثَّلةٍ بضياء قدور وشركة طيف ممثلة بعبد الرحمن قديد، لتوزيع منتجات وكالة (ARDO) الإيطالية داخل الأراضي السورية، إضافة إلى كثير من المشاريع في حلب ودمشق.

        صورة تجمع ضياء قدور (يمين الصورة) وعبد الرحمن قديد ابن محمد عمر قديد في إعلان لتعاون تجاري وشراكة فيما بينهما.

        نموذج إدلب: Green Energy الشركة التي تعمل في الضوء وتُدار في الظل

        حين وصلت الكهرباء إلى إدلب عام 2021، بدا الأمر بمثابة انتصار صغير لمدينة أُنهِكَت بعد سنوات من الظلمة؛ ببطاقة صغيرة لشحن الرصيد مسبقاً، عدّاد إلكتروني مُستورَد، وفرق صيانة تزور الأحياء بالسترات الصفراء التي تحمل شعار شركة (Green Energy). لكن خلف هذه الصورة العصرية تقف شبكة معقدة من المصالح المتشابكة والمُلكيات الغامضة، التي يشوبها كثيرٌ من عدم الشفافية.

        نشأت شركة (غرين إينرجي) في فراغ إداري واقتصادي صنعته سنوات من عزل إدلب عن باقي الخارطة السورية، وكذلك عن الشركات التركية المرخصة لنقل وتوزيع الكهرباء في مناطق ريف حلب الغربي. تأسست الشركة كَحلٍّ داخلي خاص بمحافظة إدلب، واعتمدت على وسيط تركي لشراء الكهرباء من الحدود ونقلها إلى الشبكات داخل إدلب، بعكس الشركات الخاصة الأخرى العاملة في ريف حلب الغربي التي تستجرُّ الكهرباء بشكل مباشر من تركيا بوصفها شركات تركية الترخيص. هذا الفارق وحده كان كافياً لخلق نموذج تسعير أعلى وتكلفة تشغيلية أكبر. اعتمدت (غرين إينرجي) بحسب الدكتور خليل الإبراهيم على النموذج الذي أنشأه في اعزاز وأثبت نجاحه: «نفس النموذج أخذوه منا تقريباً». بالنسبة لمئات الآلاف من سكان إدلب، كان هذا النظام الكهربائي الجديد انقلاباً على زمن الأمبيرات الذي ولّى من غير رجعة. لكنه أيضاً كان بداية الأسئلة التي لن يجيب عليها أحد: من يمتلك هذه الشركة ومن يديرها؟ لمن تذهب أرباح الشركة؟ ولماذا السعر أغلى من جيرانهم؟

        لعلَّ أوضح مُؤشِّر على غياب المعلومات كان خلال محاولاتنا التواصل مع موظفي الشركة، فمن أصل سبعة موظفين تواصلنا معهم، وافق ثلاثةٌ فقط على الحديث إلينا شرط إغفال أسمائهم. وعلى سبيل المثال،  تجنَّبَ مهندس التشغيل المُقرَّب من الإدارة الإدلاء بأي معلومة حول المُلكية أو مجلس الإدارة، أو حتى عن اسم الشركة التركية الوسيطة، التي قال لنا إنه يتواصل معها باعتباره يتحدث اللغة التركية. وقد أكد مراراً خلال المقابلة أنه «يهتم بالأمور الفنية والتشغيلية فقط ولا يتدخل بالإدارية». أما الموظفان الآخران فكانا يكرران العبارة نفسها بطرق مختلفة: «نحنا ما منعرف شي عن الإدارة والعقود، منلتزم بشغلنا فقط والباقي عند الإدارة».

        سنحاول معاً الإجابة على تساؤلات المهتمين والمهتمات بملف الكهرباء في إدلب، والذي قد يُشكل نموذجاً مُصغَّراً عن الكهرباء في عموم سوريا.

        تقول الشركة على موقعها الرسمي إنها تأسست في حلب عام 2014 تحت اسم (GE Power) ثم اندمجت عام 2019 مع شركة (Green Future) للاستثمار ليُصبحا ما يُعرف حالياً باسم (Green Energy). وبحسب رواية الشركة فإنها بدأت استجرار الكهرباء إلى إدلب عام 2020، والتغذية الفعلية بدأت عام 2021.

        في الوثائق الرسمية، تمتلك شركة (Green Energy) عقد استثمار مع وزارة الإدارة المحلية في حكومة الإنقاذ سابقاً، وهو ما تؤكده إشارة وردت في عقد استثمارٍ بين الشركة ومُستثمِر في حقول الطاقة الشمسية بإدلب، حصلت الجمهورية على نسخة منه. لكن عقد (غرين إينرجي) مع الوزارة نفسه لم يُنشَر.

        تبدو هذه الشركة من الخارج كأي شركة خاصة تُقدِّمُ خدمات الطاقة الكهربائية؛ موقعٌ إلكتروني أنيق، شعارٌ باللونين الأزرق والأخضر، وصورُ مكاتبَ أنيقة ومرتبة. لكن خلف هذه الواجهة اللامعة تتشابك خيوط الشركة، بين «المجلس الاقتصادي» المُموِِّل لكل المشاريع التنموية والخدمية من جهة، وبين خطوط الوصل التركية على معبر الريحانية-حارم ومِن ورائها الشركة التركية الوسيطة (ZEYTINDALI) التي تزوِّدُ (غرين إينرجي) بالكهرباء التركية من جهة أخرى. وبحسب مقابلاتنا مع موظفي الشركة، ومع خبير الحوكمة أسامة الحسين، يتبع المجلس الاقتصادي لهيئة تحرير الشام التي كانت تدير المنطقة.

        ويظهرُ اسم الشركة التركية الوسيطة في الموقع الرسمي لمؤسسة توزيع الكهرباء التركية TEİAŞ، حيث تنشر المؤسسة سنوياً كمية الكهرباء التي تدخل إلى سوريا عبر الشركات الثلاث والمعابر الثلاثة. ولدى مراجعة الموقع رأينا أن شركة (Zeytindalı Elektrik Enerjisi Tedarik Toptan Satış Sanayi ve Ticaret A.Ş) المعروفة باسم (Zeytindalı) تستجرُّ الكهرباء لحساب شركة (غرين إينرجي) عبر معبر (حارم – ريحانية) (REYHANLI – HAREM). وقد بلغت كمية الكهرباء التي تدخل شهرياً إلى إدلب عبر هذه الشركة 100 ميغاواط، وذلك بشكل مُستمر منذ أيار (مايو) 2021 حتى لحظة كتابة هذا التحقيق.

        تتشابك الخيوط أيضاً عند معمل مُحوِّلات حياة الذي يقدم نفسه كأول شركة تصنيع مُحوِّلات كهربائية في الشمال السوري، ويعرض على موقعه الإلكتروني نشاطه كمصنع يعمل من داخل إدلب، مختص بتصنيع وصيانة مُحوِّلات التوتر الكهربائي المختلفة. وقد منحه هذا التوصيف أهمية في منظومة كهرباء المدينة والمنطقة ككُلّ، لأن أي توسع في الشبكة لا يتحقق من دون المُحوِّلات ومن دون جهة قادرة على تأمينها بسرعة ومن داخل المدينة.

        يرتبط المعمل ارتباطاً وثيقاً بشركة (غرين إينرجي)، فهو يعلن صراحة عن تصنيع وتسليم مُحوِّلات لصالح الشركة، ويتحدث عن دفعات متتالية وعن صيانة دورية للمُحوِّلات. هذا يجعله جزءاً من البنية التشغيلية للشركة، لا مجرد مُتعاقِد خارجي.

        لكن الصورة لا تكتمل عند حدود إدلب، فمعملُ حياة للمُحوِّلات بدا لنا وكأنه بذراعين، فهو من جهة يُعَدُّ أول شركة تصنيع محولات كهربائية في الشمال السوري، ولكن ذراعه الثانية تمتد إلى شبكة أوسع في تركيا، إذ يظهر ارتباطه بشركة تركية قابضة تحمل اسم (DMY Hayat Group)، مقرها في ولاية هاتاي، وتعرض نشاط تصنيع المُحوِّلات كجزء من أعمالها، وهو ما يظهر جلياً في موقعها الإلكتروني. ولدى البحث في سجلّ الشركات التركية عن هذه الشركة القابضة، تبيّنَ أنها تأسست في مدينة اسكندرون، وأن صاحبها تركي الجنسية يدعى مراد يلماز.

        لدى مراجعة الجريدة الرسمية لحكومة الإنقاذ، نرى أن عمر شقروق يمتلك العلامة التجارية لمعمل حياة للمُحوِّلات، إضافة إلى شركة (غرين إينرجي). تفتح هذه المعلومات الباب أمامنا للتعرُّف على «رجال الطاقة الجدد في سوريا».

        صورة مأخوذة من الموقع الرسمي لمصنع حياة للمحولات وفيها إشارة واضحة إلى التعاون بين سوريا وتركيا.

        من كهرباء إدلب إلى وزارة الطاقة، رجال الطاقة الجدد

        في كل مفصل من شركة (غرين إينرجي) يظهر لنا اسم المهندس عمر شقروق، في الموقع الرسمي للشركة وفي سجلات الجريدة الرسمية لحكومة الإنقاذ وفي المقابلات مع الموظفين. منذ بداية العمل الإداري في المناطق التي كانت تُسمى «مناطق المعارضة في الشمال السوري» قبل سقوط النظام، أي منذ العام 2013، برز اسم المهندس عمر شقروق في قطاعي الماء والكهرباء، إذ شارك في تأسيس مديرية الكهرباء والماء في حلب التي ستَتبع لاحقاً لإدارة الخدمات العامة لجبهة النصرة تحت اسم مؤسسة الكهرباء العامة، والتي أصبحت لاحقاً تتبع لحكومة الإنقاذ بعد تأسيسها عام 2017، ليُصبح شقروق مُعاوِناً للمدير ثم مديراً للمؤسسة العامة للكهرباء. سيوقّعُ بحسب كثير من المصادر الإعلامية، بصفته مديراً لمؤسسة الكهرباء، اتفاقاً مع شركة (غرين إينرجي) الخاصة لاستجرار الكهرباء وتوزيعها في إدلب وريفها، ثم سيظهر كمدير عام لتلك الشركة التي وقّعَ بنفسه عقداً معها، والتي ستتولى تزويد المدينة بالكهرباء في واحد من أكثر الملفات حساسية في شمال غرب سوريا آنذاك.

        ورغم امتناع الشركة عن الإفصاح القانوني بشأن مالكيها، فإن الجريدة الرسمية لحكومة الإنقاذ تكشف تفصيلاً مهماً: شهادة تسجيل علامة تجارية فارقة لشركة (غرين إينرجي) باسم عمر شقروق بن محمد وشركاه لمدة خمس سنوات بدءاً من تاريخ 14 أيلول (سبتمبر) عام 2023. لا يوضحُ هذا التسجيل نِسبَ المُلكية ولا أسماء الشركاء ولا رأسمال الشركة، لكنه يضعُ شقروق في قلب البنية القانونية للشركة، فهو قانونياً مالكٌ لاسم الشركة ما منحه دوراً محورياً في إدارة أحد أهم القطاعات الحيوية في إدلب.

        في مقابلاتي الميدانية مع موظفين بالشركة يتكرَّرُ اسمه بوصفه صاحب القرار، حيث قال أحد المهندسين الذي رفض أن ينشر اسمه: «الأستاذ عمر غامض، وما بيحب حدا يطّلع على الأمور الإدارية… نحنا منشتغل شغلنا وما منسأل عالباقي». ولا يقتصر هذا التكتم على العاملين فقط، فحتى اليوم لم يُكشَف علناً عن علاقة (غرين إينرجي) بالجهة التركية المزوِّدة للكهرباء، ما يعكس حالة من الحوكمة في إدلب تختلط فيها المؤسسات الرسمية بالشركات الخاصة تحت مظلة سياسية واحدة.

        ويُعزز هذا الانطباع ما قاله الخبير الاقتصادي سمير عيطة في حديثه معنا حول الشركة: «لمن هذه الشركة، من أصحابها؟ شو وضعيتها القانونية بعد توحيد سوريا بـ 8 كانون الأول 2025، شو طبيعة علاقتها مع مؤسسة الكهرباء في سوريا؟ …كل ذلك غير واضح، ولا أحد يكلّفُ نفسه بالتوضيح، ولم يقل لنا أحدٌ مِنهم كيف يعملون». ثم يُضيف عن محاولات الحصول على بيانات رسمية بصفته ممثلاً اقتصادياً للبنك الدولي: «طلبنا منهم صراحة أن يعطونا ميزانيتهم لآخر خمس سنوات..رفضوا». بالنسبة لعيطة، المشكلة ليست في وجود شركة خاصة بل في تحويل الخصخصة إلى حُجّة لحجب المعلومات في قطاع خدمي، فيختصر لنا الوضع بجملة حاسمة: «هل يوجد شركة لا تضعُ تقريرها السنوي وحساباتها ومصروفاتها؟…لا ما في هيك شركة».ونختم بما يعتبره عيطة الوصف الأدقَّ لحالة إدلب اليوم بجملة وصفها بالقاسية: «إدلب أخدت كل سوريا لكنها إلى حدّ الآن مدينة مستقلة».

        وبعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، صعد شقروق إلى منصب وزاري عندما عُيّن وزيراً للكهرباء في حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد البشير، ثم مُعاوِناً لوزير الطاقة لشؤون الكهرباء في الحكومة الانتقالية بعد دمج الكهرباء والموارد المائية والنفط في وزارة واحدة. بهذا الانتقال من الإدارة المحلية لمؤسسة كهرباء في إدلب إلى القطاع الخاص ثم إلى منصب حكومي مركزي، يُجسِّدُ شقروق صورة حية وواضحة لشبكة المصالح المتشابكة التي تُعيد رسم ملامح الاقتصاد السوري.

        ولعلَّ شقروق لم يكن الوجه الوحيد الذي صعد من إدارة شركة الكهرباء الإدلبية إلى مراكز صنع القرار، لأن اسم المهندس أسامة أبو زيد سيظهر إلى جانبه في وزارة الطاقة كمعاون للوزير أيضاً، ولكن في شؤون الموارد المائية بعد أن عُيّن في هذا المنصب بالمرسوم التشريعي رقم 36 لعام 2025.

        قبل ذلك كان قد برز اسم أسامة كمدير تنفيذي لشركة (غرين إينرجي)، قبل أن ينتقل إلى وزارة الموارد المائية في حكومة تصريف الأعمال نهاية عام 2024. وذكرت مصادر إعلامية أنه عمل في وقت سابق كمندوب لجبهة النصرة/هيئة تحرير الشام في مديرية المياه، التي أشرفَ عليها جيش الفتح بعد طرد النظام من مدينة إدلب، ثم عملَ كمدير لمؤسسة مياه حكومة الإنقاذ.

        ومن الأسماء التي برزت في الملف التعريفي بإداريي الشركة وجدنا المهندس محمود الأحمد، الذي سنراه بعد سقوط نظام الأسد مديراً للشركة العامة لكهرباء حلب، وبدون أيّ آلية مُعلنة توضح كيف ينتقل إداري في شركة خاصة إلى إدارة مؤسسة عامة لإحدى أكبر المدن السورية. هكذا نرى عملية إعادة توزيع واضحة للنفوذ في قطاع الكهرباء السوري، يخرج فيها أغلبُ رجال وزارة الطاقة من داخل الشركة الإدلبية (غرين إينرجي)، ويتكشّفُ لنا نمطٌ مركزيٌ في الاقتصاد الجديد هو أن الولاء أقوى من المسار المهني.

        يظهر أيضاً اسمُ المهندس أحمد الحايك كمدير لفرع (غرين إينرجي) في سلقين، ثم مُؤخَّراً يظهر لأول مرة المهندس نفسه في فيديو على الصفحة الرئيسية للشركة على فيسبوك بوصفه مديرها التنفيذي. ولعلَّ أكثر الحلقات وضوحاً في شبكة المصالح المتعلقة بالكهرباء في إدلب هو إبراهيم حميجو أبو عبد الله، الرجل الذي يشغل حتى لحظة كتابة هذا التحقيق منصبين في آن واحد، فهو مدير فرع إدلب لشركة (غرين إينرجي) إلى جانب إدارة الشركة العامة لكهرباء إدلب. هذا الجمع بين منصبين مُتضادّين؛ شركة عامة وشركةٌ خاصة يعملان في المجال نفسه وفي المدينة نفسها، يخلقُ حالة تضارب مصالح واضحة لم نتلقَّ رداً رسمياً بشأنها من الوزارة ولا من السيد إبراهيم شخصياً عندما أرسلنا لهم للاستفسار والرد.

        شركتان في مبنى واحد

        عندما سألنا موظفي الكهرباء في إدلب اليوم: «من يدير قطاع الكهرباء فعلياً؟»، جاءت الإجابات مرتبكة ومُتردِّدة وأحياناً متناقضة، لكن خلف هذا الارتباك تكمنُ حقيقة في غاية البساطة والغرابة، وهي أن شركتي الكهرباء العامة والخاصة متواجدتان في المبنى نفسه في طابقين مختلفين وتحت إدارة الرجل نفسه.

        أكد لي جميع من قابلتهم أن شركة (غرين إينرجي) عند تأسيسها استقرَّت في مبنى الشركة العامة لكهرباء إدلب، واستحوذت أو سخَّرَت موارد الشركة من بنية تحتية وموظفين وآليات. يقول لنا مهندس التشغيل في شركة (غرين إينرجي) المُقرَّب من الإدارة: «شركة كهرباء إدلب العامة لساتها نفسها ما صار اندماج رسمي، بس الشركتين ببناء واحد، لكن كل وحدة تبعيتها لحال، وكل وحدة مستودعاتها لحال». وهذا الكلام نفسه خير إثباتٍ على أن التداخل بين الشركتين ليس إدارياً فقط، بل ممتدٌ إلى القوى العاملة، حيث أوضحَ لي أنه قدم طلب إجازة خمس سنوات بلا أجر من عمله من الشركة العامة، حتى يتمكَّنَ من متابعة عمله في شركة (غرين إينرجي) إلى حين انتهاء العقد مع الشركة التركية.

        أمّا موظف تركيب العدّادات فقد أخبرنا رواية مختلفة قليلاً: «ضموا شركة الكهرباء العامة لشركة غرين..دمجوا الورشات وصارو يشتغلوا سوا ودمجوا العاملين ايضاً».

        من المنظور القانوني، هذه ليست شراكة تقليدية بين القطاع العام والخاص، ولا خصخصة مُعلَنة، بل هي أقرب إلى نموذج هجين متداخل: جهاز حكومي يعمل داخل شركة خاصة، وشركة خاصة تعمل بوظائف جهاز حكومي. هذا النموذج الإداري غير المسبوق في إدلب يجعلها حالة خاصة في خارطة الكهرباء بسوريا. أما أسامة الحسين خبير الحوكمة، فقد وصف لنا الوضع بعبارات اختصرت لنا هذا الارتباك الحوكمي: «الشكل شركة… والمضمون دولة، الموظفين موظفي دولة والآليات آليات دولة انتقلت للشركة»، ثم أضاف: «الكهرباء في إدلب نموذجٌ غريب، ولا نعرف إذا كان هذا أمراً مؤقتاً أو تَوجُّهاً دائماً».

        حتى اليوم لا يوجد إعلان رسمي يوضح العلاقة بين الشركتين، رغم أنهما تنشران بشكل منفصل على صفحتيهما الرسميتين على فيسبوك عن نشاطات مختلفة وخطط تشغيلية ومناطق جديدة لمدِّ الكهرباء. ويظهر التداخل بين المؤسستين جلياً في تصريح إبراهيم حميجو الرسمي بتاريخ 17 تشرين الثاني (نوفمبر)، الذي لم يكن مجرد توضيح لساعات التقنين في المحافظة بل أشبه بنافذة صغيرة تكشفُ البنية المزدوجة التي تُشغِّلُ الكهرباء بإدلب: شركة عامة تابعة رسمياً لوزارة الطاقة وشركة خاصة (غرين إينرجي) يُفترَضُ أنها تعمل بعقد استثماري، لكن الرجل نفسه يتكلم عن الجهتين بجملة واحدة، بل ويظهر أنه يشرح خطط القطاع بأكمله لا خطط مؤسسة الكهرباء العامة التي يُمثلها فقط؛ يتحدث عن الاستجرار، عن الدعم، عن تحسن التغذية الكهربائية، وكل ذلك من موقع إداري يُفترَضُ أنه معني بالإشراف والرقابة لا بالترويج والدفاع عن الشركة الخاصة. في منطق الحوكمة، هذا يسمى تضارب مصالح فعلي.

        ثلاث نُظُم لتسعير الكهرباء: بين الربح والعدالة الاجتماعية

        تسعيرُ الكهرباء في إدلب أكثرُ تعقيداً من مجرد فاتورة، وهو مؤشر على تكلفة الضوء في واقع معيشي هش. تبلغ تعرفة الكهرباء التي تقدمها (غرين إينرجي) حوالي 14 سنتاً أميركياً لكل كيلو واط ساعي للشريحة المنزلية، ما يجعل فاتورة أسرة متوسطة الحال تتجاوز 20 دولار شهرياً.

        وعلى الجهة الأخرى من الحدود تُظهر بيانات هيئة تنظيم سوق الطاقة في تركيا، بحسب ما نشره موقع العربي الجديد في نيسان (أبريل) عام 2025، أن سعر 100 كيلوواط ساعي في تركيا أصبح 259 ليرة تركية، أي أن سعر الكيلوواط المنزلي التركي يقارب 2.59 ليرة تركية وهو ما يعادل 0.068 دولار/كيلوواط ساعي (سعر الصرف وقت كتابة التقرير 38.1 ليرة للدولار). إذا استخدمنا السعر المنزلي التركي كمَرجِع تقريبي (مع التنبيه أن سعر توريد الكهرباء إلى إدلب يتم حسابه بالجملة، وقد يختلف عن سعر التجزئة إضافة إلى تكاليف التشغيل والنقل)، يُصبح الفرق بين سعر الكهرباء في تركيا وإدلب واضحاً:

        في إدلب سعر الكيلوواط الساعي حوالي 14 سنتاً تقريباً، أي أن الفرق هو 7.2 سنت لكل كيلوواط، أي زيادة تقارب 106 بالمئة أعلى من السعر المنزلي التركي. وبلغة أبسط، فإن 100 كيلوواط/ساعة تكلّف المواطن في تركيا حوالي 259 ليرة تركية، بينما تُكلِّفُ في إدلب حوالي 535 ليرة تركية، أي ما يقارب الضعف.

        أمّا إذا قارنا بشكل بسيط مع الأسعار التي حَدَّدتها الحكومة السورية الانتقالية في الربع الأخير من عام 2025، فقد أصبحت شرائح الكهرباء تحتسب بسعر أولي مدعوم 600 ليرة سورية (تقريبا 0.05 دولار) للكيلوواط للشريحة الأولى، ويُطبَّق هذا السعر لأول 300 كيلو واط استهلاك. ما بعد الشريحة المدعومة تصبح التسعيرة 1400 ليرة (تقريبا 0.12 دولار). وهذه تعتبر زيادة كبيرة جداً لأسعار الكهرباء للمشتركين السوريين الذين اعتادوا على تسعيرة شبه صفرية، والذين يعانون من ظروف معيشية سيئة جداً. ورغم ذلك، تبقى أسعار الكهرباء في دمشق أقل بكثير من نظيرتها في إدلب، حيث التسعيرة الأعلى في كل سوريا.

        على أرض الواقع في إدلب، لا يُقرَأ الفرق في الأسعار كجدولِ أرقام بل كضغط معيشي مُرهِق. في حديثنا مع الناس حول الأسعار، يقول أحد المُشتركين: «بتذكر دفعت حق عداد الكهرباء 50 دولار، وبالشهر بعبّي رصيد تقريبا حوالي 250 ليرة تركي، وبتكفّيني إنارة كاملة مع مروحة بالصيف، والبراد تقريباً ساعتين باليوم». وفي المخيمات يتكرر المنطق نفسه لكن بحدة أكبر، حيث قال لنا أحد القاطنين في مخيم بريف إدلب: «بدفع بالشهر تقريباً شي 15 دولار، والأسعار غالية مقارنة بدخل المواطن السوري، لا نستطيع تشغيل براد لفترات طويلة ولا حتى تدفئة». وتحدثنا مُشترِكة عن تجربتها مع الكهرباء: «الفاتورة في منزلي تصل إلى 30 دولار بالشهر، الكهرباء متوفرة 24 ساعة، بس ياريت يرخّصوها أكتر، يعني نحنا ما عنا لا تكييف ولا تدفئة لأنها غالية وما في فرص عمل بالمنطقة». أما المُشترِكة الرابعة فتختصر علاقة الناس مع الشركة لدى سؤالنا عن أسماء الإداريين والمُلّاك: «الناس هون ما دام عم تاخد حاجتها ما بيسألو عَهيك تفاصيل، طالما بتدفعي تمام، ما بتدفعي لأ».

        من شبكات الظل في الشمال إلى مذكرات تفاهم بمليارات الدولارات

        نغادر الشمال إلى الخريطة الأكبر، فبعد سقوط النظام امتلأت دمشق باتفاقيات طاقية، منها ألواح شمسية تُزرَع في الحقول والبوادي، وخطُّ غاز يعود إلى الحياة برعاية تركية قطرية، وتحالف اقتصادي يقوده آل الخيّاط عبر شركتهم القابضة أورباكون (UCC)، فيعودون إلى المشهد السوري من خلاله. لكن هذه الاتفاقيات كانت تحتاج إلى مركز قرار واحد، يُوقِّعُ ويُفاوض ويمسك بمفاتيح أهم ملف اقتصادي في البلاد. وهكذا ظهرت وزارة الطاقة المستحدثة بالمرسوم رقم 150 لعام 2025، الذي أنهى وجود ثلاث وزارات مستقلة هي النفط والكهرباء والموارد المائية، ليتم جمعها في كيان واحد مركزي واسع الصلاحيات. بموجب هذا المرسوم، تَحوَّلت الوزارة إلى هيئة ذات شخصية اعتبارية مستقلة، تملك سلطة التفاوض وتوقيع الامتيازات وتشرف على اتفاقيات وعقود بمليارات الدولارات.

        تولَّى محمد البشير قيادة الوزارة بعد سنوات من عمله كرئيس لحكومة الإنقاذ في إدلب، ليعود اليوم إلى موقع يُمكِّنهُ من التحكُّم بالملف الأكثر حساسية في البلاد، وإلى جانبه نائبان هما عمر شقروق معاون الوزير لشؤون الكهرباء الذي رأيناه حاضراً في كل مفصل من مفاصل قطاع الكهرباء في شركة (غرين إينرجي) بإدلب، وإلى جانبه أسامة أبو زيد معاون الوزير لشؤون الموارد المائية الذي كان يعمل مديراً تنفيذياً لشركة الكهرباء الإدلبية نفسها.

        بهذه التركيبة بات واضحاً أن هذه الوزارة لم تُبنَ من الصفر، بل جرى استدعاء كوادر قطاع الكهرباء غير الرسمي الذي كان يعمل في وقت سابق شمال البلاد، أولئك الذين اشتغلوا خارج مؤسسات الدولة القديمة لتُصبح خبراتهم بل وربما مصالحهم جزءاً من هيكل السلطة المركزي. تتحول هذه الوزارة عملياً إلى نقطة التقاء عالم الشركات الخاصة في الشمال بعالم الاستثمارات الدولية الضخمة التي ستُعيد تشكيل قطاع الطاقة في سوريا، وستُوقَّعُ بإشرافِها كل العقود اللاحقة، من محطات شمسية بقدرات تبلغ مئات الميغاواط إلى خطوط غاز عابرة للحدود وحتى محطات التوليد الكبرى.

        تحالف المليارات: أورباكون وشركاؤها إلى قلب قطاع الطاقة السوري

        في 29 أيار (مايو) 2025 وقعت وزارة الطاقة السورية مذكرة تفاهم، اعتُبِرَت الأكبر من نوعها في سوريا، مع تحالف دولي تقوده UCC Holding القطرية (أورباكون) ومعها شركتان تركيتان نفّذتا أكبر مشاريع الطرق السريعة والإنشاءات، والتي يُعتبر أهمها مطار إسطنبول الدولي، وهما شركتا كاليون القابضة وجنكيز للإنشاءات، إلى جانب باور إنترناشيونال الأميركية للطاقة. ومن خلال تلك المذكرة، أعلن التحالف الذي تقوده أورباكون استعداده لاستثمار 7 مليار دولار في قطاع الكهرباء السوري. لم تكن تلك المذكرة وعداً استثمارياً عاماً بل مشروعاً محدداً، وهو إنشاء أربع محطات غازية بقدرة 4 غيغاواط ومحطة طاقة شمسية بقدرة 1 غيغا واط، مُوزَّعة على مناطق متفرقة من البلاد من شمال حلب مروراً بدير الزور والمنطقة الوسطى إلى ريف دمشق. في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 عقدَ التحالفُ اجتماعاً رفيع المستوى في الدوحة بمشاركة الشركاء الأتراك والأميركيين، قبل أن تُعلِنَ دمشق بعد أيام قليلة في 6 تشرين الثاني توقيع الاتفاقيات النهائية للمشروع، الذي سيبدأ تنفيذ جزء منهُ «فوراً». ليست هذه الاتفاقية مشروعاً عابراًو بل هي أول خارطة طريق لتوزيع النفوذ الاقتصادي في سوريا ما بعد الحرب، حيث نرى الشركات التركية صاحبة المشاريع الكبرى في بلدها تحاول أن تأخذ موطئ قدم استراتيجي في سوريا ومعها أورباكون القطرية.

        خط الغاز الأذري

        في صيف عام 2025 أُعلنَ بدءُ ضخِّ الغاز الأذري إلى سوريا عبر تركيا لتصدير 1.2 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من حقل شاه دنيز في بحر قزوين، على أن تبلغ الكمية المبدئية نحو 3.5 مليون متر مكعب يومياً، وذلك بنتيجة اتفاق ثلاثي رعته أنقرة ودعمته قطر بهدف تأمين وقود مُستقِرٍّ لمحطات التوليد الكهربائية بعد سنوات من التوقف شبه الكامل. جاء الاتفاق بوصفه خطوة لإنقاذ الشبكة الوطنية ورفع ساعات التغذية الكهربائية في المدن السورية. وضمن المسار نفسه، في آب (أغسطس) من عام 2025 وقعت المديرية العامة للنفط في وزارة الطاقة السورية وشركة النقاش القابضة التركية اتفاقية لتوريد 1.6 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً من أذربيجان إلى سوريا، وتحدثت المصادر عن أن هذه الاتفاقية تأتي لاستكمال الكميات المتفق عليها سابقاً مع شركتي سوكار الأذرية وبوتاش التركية لتحسين واقع الطاقة في سوريا.

        لدى البحث عن هذه الشركة التركية في المواقع التركية وفي السجلّ التجاري التركي، تبيَّنَ أن رئيس مجلس إدارتها رمضان أوزتورك هو المؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة (Zeytindalı)، الشركة التي رأيناها سابقاً تستجرُّ الكهرباء لصالح شركة (غرين إينرجي) في إدلب. هذا التداخُل بين توريد الغاز على المستوى الوطني واستجرار الكهرباء في الشمال من خلال شركات وسيطة يكشف عن نمط مُتكرِّر، وهو حضور تركي كثيف في مفاصل الطاقة السورية، وليس عبر جهة واحدة أو من خلال عقد واحد بل عبر شركات عدة رأينا منها النقاش القابضة وكاليون وجنغيز، وقد نرى كثيراً غيرها في وقت لاحق.

        تَشارُكية أم زبائنية؟

        سوريا بحاجة ماسّة للكهرباء، وتعمل شركات محلية وإقليمية على ملء الفراغ وتتحول تدريجياً إلى شركاء لا غنى عنهم في تشغيل الشبكة. لكن بينما تُعرَض هذه الترتيبات بوصفها حلولاً مؤقتة لظروف طارئة، يبقى في أذهاننا سؤال مفتوح حول مستقبل هذا النموذج: هل هو مرحلة انتقالية نحو قطاع تشاركي مستقر؟ أم تثبيتٌ عمليٌ لاقتصادِ طاقةٍ قائمٍ على الوساطة والمصالح والشراكات غير الشفّافة؟

        لقد رصدنا في هذا التحقيق تطورات قطاع الكهرباء، من محطة ديزل قطرية مُستعمَلة اشتراها صيدلاني ليُقنعَ مسؤولين أتراك بنجاح فكرة الجباية المُسبَقة، ثم تأسيس شركته كأول شركة كهرباء خاصة تعمل في الشمال السوري، إلى شركة محلية غير شفّافة في إدلب تستجرُّ الكهرباء من على الحدود التركية عبر وسيط تركي له نفوذ قوي في بلاده، لننتقل بعد ذلك إلى وزارة طاقة جديدة تُوقِّعُ مذكرات تفاهم بمليارات الدولارات واتفاقيات مع شركات إقليمية وعالمية. يُظهِرُ هذا التحقيق أن الضوء الذي يعود ليُضيء بيوت السوريين وشوارعهم لم يَعُد خدمة عامة، بل أصبح سلعة باهظة التكلفة وبوابة واسعة من شبكات المصالح والنفوذ، تمتد من إدلب إلى حماة ودير الزور، ومن دمشق إلى الدوحة وإسطنبول.

        في كل مشهد من مشاهد هذا التحقيق كان هناك ضوء يشتعلُ في مكان ما؛ شارعٌ رئيسيٌ في إدلب أو مصابيحُ بيوت في اعزاز، وكان هناك حجر أساس يوضع لبداية مشروع في مكان ما؛ محطات توليد ومزارع طاقة شمسية في دير الزور وحماة ودمشق. لكن كلما اقتربنا من مصدر هذا الضوء اكتشفنا أن ما يجب أن يكون خدمة عامة يجري في الواقع عبر شبكة كثيفة ومُتزايدة كلَّ يوم من الشركات الخاصة والتحالفات الإقليمية أكثر مما يجري عبر مؤسسات دولة يُفترَض أن تكون أكثر شفافية ومسؤولية أمام مواطنيها.

        استندنا أثناء محاولتنا الإجابة على سؤال كيف تعمل الكهرباء في سوريا إلى عشرات المقابلات والمراسلات والوثائق الرسمية والسجلات التجارية والمصادر المفتوحة، وقادنا هذا السؤال إلى قلب اقتصاد جديد يُعاد تشكيله، وإلى شبكة مصالح معقدة تتشابك فيها السلطات المحلية مع التحالفات الدولية ومع الشركات الخاصة التي قد تتحرك في بعض الأحيان بسلطات تفوق المؤسسات العامة. كان الطريق إلى جمع هذه الخلاصات طويلاً، يتخلله موظفون خائفون من الكلام، ومستثمرون يَروُونَ تجربتهم بحماس أو تحفُّظ، إضافة إلى البحث في سجلات رسمية ومحاضر اجتماعات شركات قابضة تركية وقطرية، ورصد أخبارها عبر صفحات السوشل ميديا.

        بدأ التحقيق بمحاول فهم التجربة الإدلبية، لكننا خرجنا منه بفهم أن إدلب لم تكن استثناءً بل كانت المكان الذي خرجت منه العدّادات الذكية وغياب الإفصاح والرجال أصحاب الولاء والخبرات غير الرسمية إلى قلب وزارة الطاقة، التي تتحول كل يوم إلى نقطة التقاء عالم الشركات المحلية والحدودية بعالم التحالفات الإقليمية الضخمة. الشكل يُظهِرُ الإصلاح والشراكة. لكن المضمون يخبرنا عن النفوذ الذي يُعَاد توزيعه على مقاس شبكات مصالح ونفوذ تعمل في الظل أكثر مما تعمل في الضوء.

        ما يمكننا قوله عن هذا الاقتصاد الذي يُؤسَّس، أنه ليس اقتصاداً حراً كما رُوِّجَ له في البداية، بل هو اقتصادٌ زبائني مصلحي قائم على الاصطفافات السياسية والولاءات، ويُدار عبر الشركات الخاصة والوسطاء أكثر مما يُدار عبر المؤسسات العامة. في هذا الاقتصاد تُصبح بطاقة شحن الكهرباء وحتى فاتورتها عبارة عن عقد ولاء غير مكتوب: فأنت تدفع لتبقى في الشبكة حتى لو كان الدفع أكبر بكثير من قدرتك على تَحمُّله. أنت أيضاً عزيزي المشترك تقبل بشروط لم تُشارِك في صياغتها، ولا تعرف كلّ من يقفون خلفها. فهل يُمكن أن تتحول هذه البنية إلى قطاع طاقة مُنظَّم تُنشر فيه العقود وبنودها وتُحاسب الشركات وتُراقب، وتعاد فيه الكهرباء إلى موقعها كحق أساسي لا كسلعة مُحتكَرة؟ أم أننا أمام تأسيس طويل الأمد لطبقة جديدة من «أمراء الطاقة» على امتداد الخارطة السورية؟

                    موقع الجمهورية

—————————-

قُدرت بمليارات الدولارات.. كم خسرت الدولة السورية من موارد الشمال الشرقي؟/ علي إسماعيل

فبراير 5, 2026

في عام 2011، بلغ إنتاج منطقة الجزيرة السورية من القمح نحو 2.1 مليون طن، أي ما يعادل 55 في المئة من إجمالي إنتاج سوريا، ووصل إنتاج القطن إلى نحو 520 ألف طن، أي نحو 77 في المئة من الإنتاج الوطني في ذلك العام.

وتعد منطقة الجزيرة السورية درة تاج الاقتصاد السوري؛ فهي سلة الغذاء للبلاد، وترتكز فيها موارد النفط والغاز، ويمر فيها أكبر الأنهار في البلاد، ناهيك عن الموارد البشرية التي تضم أكثر من 1.5 مليون نسمة في كل من محافظتي الحسكة ودير الزور.

وبعد المعارك ضد تنظيم “داعش”، سيطر تنظيم “قسد” على موارد البلاد والعباد، وأصبحت هذه المقدرات بيد فئة قليلة حرمت السوريين منها على مدار عقد كامل. واليوم تحاول الدولة السورية استثمار هذه الموارد باعتبارها حقا سياديا وطنيا لكل الشعب السوري، تكفله كل القوانين والمواثيق الدولية، خاصة بعد تحرير البلاد في 8 كانون الأول 2024.

إن المواقف السياسية لتنظيم “قسد”، وتأخيره تنفيذ اتفاق العاشر من آذار، أديا إلى تأثيرات سياسية وخسائر كبيرة للدولة الوطنية، وقدرت بمليارات الدولارات، في وقت تحاول فيه الحكومة السورية بناء اقتصاد متهالك، ودفع عجلة إعادة الإعمار، وتوزيع الثروات على أفراد الشعب على مبدأ العدالة والمساواة.

وكالة “رويترز” نقلت عن مسؤولين عراقيين قولهم إن قيادات في تنظيم “قسد” قامت قبل أيام بنقل مبالغ مالية كبيرة تقدر بملايين الدولارات باتجاه إقليم كردستان العراق، عبر شاحنات كانت مخصصة لنقل المساعدات الإنسانية القادمة من كردستان العراق، حيث استخدمت تلك القوافل غطاء لعملية النقل، وفقا لما أفاد به المسؤولون.

وبعد عام من تعنت تنظيم “قسد” وتأجيل تطبيق الاتفاقات مع الدولة السورية، يحق للسوريين التساؤل حول كم حرمت الدولة من مواردها وثرواتها الوطنية في الشمال الشرقي من البلاد؟

ما هي الثروات الوطنية في الشمال الشرقي لسوريا؟

تعد الجزيرة السورية منطقة استراتيجية بفضل تركز موارد النفط والغاز فيها بنسبة تقارب 90 في المئة من مجمل ثروة سوريا النفطية، عبر حقول رئيسية مثل رميلان والسويدية في الحسكة، والعمر والتنك في دير الزور، إضافة إلى احتياطات غازية كبيرة تمثل نحو 58 في المئة من احتياطي البلاد، بما في ذلك حقل “كونوكو” الذي كان ينتج 13 مليون متر مكعب يوميا قبل أن يتوقف عن العمل منذ عقد من الزمن.

وبحسب الإحصاءات الرسمية والأرقام الموثقة، تقدر الاحتياطيات المؤكدة من النفط في سوريا بنحو 2.5 مليار برميل، ومن الغاز بنحو 240 مليار متر مكعب. وقد بلغ إنتاج النفط قبل عام 2011 نحو 385 ألف برميل يوميا، يصدر منه نحو 180 ألف برميل، فيما وصل إنتاج الغاز الطبيعي إلى 30 مليون متر مكعب يوميا. وقد ساهم قطاعا النفط والغاز عام 2010 بنحو 35 في المئة من عائدات التصدير و20 في المئة من الإيرادات.

كما تعد الجزيرة أغنى المناطق السورية مائيا، باحتضانها نهري الفرات ودجلة وروافدهما، فضلا عن امتلاكها ثروات معدنية مثل الملح الصخري العالي النقاوة.

وكذلك الأمر زراعيا، إذ تشكل الجزيرة العمود الفقري للأمن الغذائي السوري، فقد كانت تنتج قبل عام 2011 أكثر من نصف إنتاج القمح ونحو ثلثي إنتاج القطن، إلى جانب الشعير والذرة والبقوليات. وتدعم هذه القاعدة الزراعية ثروة حيوانية واسعة تمثل ما بين 36 في المئة و41 في المئة من القطيع السوري، خصوصا الأغنام.

ويعمل معظم سكان المنطقة في الزراعة والرعي، مع حضور محدود لقطاع النفط والصناعات الغذائية والحرفية التي اشتهرت بإنتاج مشتقات الحليب والصوف والجلود، كما لعبت المدن الحدودية، مثل القامشلي، دورا مهما في التجارة وتبادل السلع.

أما على مستوى المشاريع الكبرى، فتبرز بعد مشاريع استخراج النفط والغاز منشأة سد الفرات (الطبقة)، أكبر منشأة كهرومائية في سوريا، والتي شكلت ركيزة للطاقة والري، إذ توفر الكهرباء والري لمساحات واسعة من شمال البلاد وشرقها، إضافة إلى مشاريع زراعية تاريخية، فضلا عن أهمية التحكم بالمعابر الحدودية وشبكات النقل وسكك الحديد التي ربطت الجزيرة بحلب والعراق وتركيا، وما يتيحه ذلك من تأثير مباشر في حركة التجارة والإمدادات.

لقد عمل تنظيم “قسد” على الاستئثار بالموارد الطبيعية والثروات الوطنية التي هي ملك لكل السوريين، واستغل هذه الموارد في تحقيق أجندات خارجية غير وطنية. وفي هذا السياق يقول الباحث والمحلل السياسي وائل علوان في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: “إنه للأسف، ما تزال سياسات تيار نافذ في “قسد”، من حيث القصد والممارسة، بعيدة كل البعد عن الإطار الوطني، ويتجلى ذلك سواء فيما نقل عن مسؤولين عراقيين بشأن تهريب أموال كبيرة إلى خارج سوريا، أو فيما قام به هذا التيار خلال الأيام القليلة الماضية من تفريغ المؤسسات الحكومية في مدينتي الحسكة والقامشلي من الأثاث والمفروشات وكافة محتوياتها، وبيعها في الأسواق”.

ويضيف: “أن هذه الممارسات تعكس بوضوح تغليب المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية، وتكشف عن غياب نية صادقة لدى تيار نافذ داخل “قسد” للاندماج الحقيقي في مشروع بناء سوريا الجديدة”.

الثروات الوطنية حق سيادي

يعتبر القرار رقم 1803 لعام 1962 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الأساس القانوني لمبدأ السيادة الدائمة للدولة على الموارد الطبيعية، وهو من المبادئ الدولية المتفرعة عن حق تقرير المصير.

ولقد أولت المنظمات الدولية أهمية لا يستهان بها لهذا المبدأ، فأصدرت الجمعية العامة العديد من القرارات، وكذلك مجلس الأمن، تنص على وجوب تطبيق هذا المبدأ، وأن من حق كافة الدول تطبيقه على إقليمها دون تدخل من أي قوى خارجية. ويعتبر هذا المبدأ ذا أهمية اقتصادية مؤثرة على اقتصاد الدول ومكانتها على المستوى الدولي.

ويرى المحللون السياسيون أنه من الضروري تكاتف المجتمع الدولي لضمان تطبيق مبدأ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية في كافة الدول، كبيرها وصغيرها، النامية منها والمتقدمة، ومراعاة لمبدأ المساواة في السيادة بين الدول، وضرورة تطبيق متطلبات تفعيل الحماية الدولية لهذا المبدأ.

لذلك انطلقت الدولة السورية أولا من مبدأ الحق السيادي لإدارة مواردها التي كفلها القانون الدولي، وثانيا من الواجب الوطني الذي يمليه عليها ضرورة الاستفادة منها في دعم اقتصادها الوطني وتمكين كل الشعب السوري من حقه في الثروات، بعيدا عن سياسة الإقراض المرهقة للاقتصاد والمتحكمة بالقرار السياسي.

وفي سوريا ترى السياسة الوطنية القائمة ضرورة الابتعاد عن القروض الخارجية، خاصة أنها تملك ثروات وطنية كبيرة ولها حق سيادي فيها، بوصف ذلك بديلا عن الديون الخارجية، ولا سيما أن شروط الديون تتأثر بطول فترة سداد الدين، والظروف الدولية التي تتم فيها هذه الديون، وبالسمعة الاقتصادية للدولة المقترضة، والتي تسمى الجدارة الائتمانية، وقدرتها على السداد في المستقبل.

وهذه الجهات إما أن تكون الحكومات أو مؤسسات تمويل إقليمية أو دولية أو بنوكا تجارية. ففي حالة القروض من الحكومات تتوقف الشروط على طبيعة العلاقة بين حكومة الدولة المقترضة والدولة المقرضة، وطبيعة المصالح الاقتصادية والسياسية بينهما، وفي الغالب تدور الشروط حول سعر الفائدة وآجال السداد والضمانات وفترات السماح، ويمكن أن تمتد لتشمل ربط القروض باستيراد منتجات معينة من الدولة الدائنة، أو نقل هذه الواردات على سفنها، أو قصر تنفيذ المشروعات التي تمولها هذه القروض على شركات الدولة المقرضة.

أما في حالة المؤسسات الإقليمية والدولية فإن الشروط تتفاوت، ومن أشهر هذه المؤسسات البنك الدولي الذي يشترط أن تكون القروض لتمويل مشروعات التعمير والتنمية في الدولة المدينة، وأن تكون للحكومات أو للجهات التابعة لها أو لجهات تضمنها الدولة، كما يشترط ألا يكون للدولة مصدر آخر للتمويل. أما في حالة البنوك التجارية فإن الشروط تتركز على سعر الفائدة والضمانات التي يقدمها المدين لهذه البنوك.

ومع كل تلك التعقيدات ترى الدولة السورية ضرورة استرجاع ثرواتها تحت إدارتها المباشرة مهما كلف الثمن، والذي يبقى أقل من الاقتراض الخارجي. وحول هذا الأمر يرى الباحث علوان أن “السياسة الوطنية تقوم على رفض القروض الخارجية، لأن سوريا لا ترغب في الوقوع تحت ابتزاز سياسات الإدانة وما يرافقها من ضغوط وتدخلات خارجية، وهي تعتمد في المقابل على قدرات سوريا الذاتية وما يمتلكه السوريون من إمكانات في وطنهم، حتى وإن تطلب ذلك وقتا أطول”.

ويضيف بالقول: “لذلك إن الملف الاقتصادي ملف سيادي بامتياز، ولا سيما في هذه المرحلة الحساسة التي تحتاج فيها سوريا إلى مواردها الوطنية لإعادة تحريك عجلة الاقتصاد، وتحسين مستوى الخدمات، والانتقال إلى مرحلة التعافي ثم البناء”.

التأثيرات الاقتصادية

بعد معارك خاطفة خاضها الجيش العربي السوري في كانون الثاني ضد تنظيم “قسد”، تبعها وساطات دولية وإقليمية أسفرت عن إعلان وقف لإطلاق النار واتفاق يقضي بدمج التنظيم بشكل كامل في مؤسسات الدولة السورية.

وهذه التحولات أنهت سنوات من سيطرة “قسد” على الثروات الوطنية السورية في منطقة الجزيرة، وهو تحول كبير في إدارة الموارد الطبيعية لسوريا. حيث أشارت تقديرات البنك الدولي إلى أن قوات “قسد” كانت تسيطر على نحو 80 في المئة إلى 90 في المئة من إنتاج النفط في سوريا خلال الفترة الماضية. وفي المقابل، لم يكن تحت يد الدولة سوى حقول صغيرة متناثرة توفر جزءا ضئيلا من الإنتاج.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قبل أسابيع قد أشار في مقابلة تم حجبها من قبل قناة “شمس” الكردية إلى أن الدولة تكبدت خلال العام الماضي وحده خسائر تقدر بنحو 20 مليار دولار، نتيجة مواقف تنظيم “قسد” ورفضه السماح للدولة ببسط سلطتها على مناطق شمال شرق سوريا.

وأكد الرئيس الشرع أن فقدان الدولة السيطرة على شمال شرق سوريا، الذي يضم معظم الثروات الاستراتيجية للبلاد، كلف الخزينة خسائر سنوية جسيمة. موضحا أن هذه المنطقة كانت تمثل العمود الفقري للاقتصاد السوري من حيث القمح والنفط والغاز والكهرباء والزراعة. وأشار إلى أن سوريا كانت تحقق فوائض كبيرة في القمح والنفط والطاقة قبل تراجع الإنتاج، وأن تعطيل الاستثمار وإعادة التشغيل حرم الدولة من إيرادات كان يمكن أن تتجاوز 20 مليار دولار سنويا.

وشدد على أن تعنت تنظيم “قسد” ورفضه تمكين الدولة من إدارة الموارد أدى إلى تراجع الإنتاج واضطرار سوريا إلى استيراد القمح والغاز رغم توفرهما محليا، في وقت يحصل فيه التنظيم على مليارات الدولارات من النفط والدعم الخارجي دون انعكاس إيجابي على الاقتصاد. وأكد تمسكه بالحل التفاوضي وإدارة الدولة لهذه الموارد بوصفه المدخل الحقيقي لإعادة الإعمار.

وفي هذا السياق يقول الباحث علوان: “إن عدم تنفيذ اتفاق العاشر من آذار 2025 أدخل المنطقة في دائرة صدام عسكري كانت بغنى عنها، وفي الوقت نفسه كان هذا التيار يحتكر موارد وطنية ويوظفها في مسارات غير وطنية، الأمر الذي ألحق ضررا بالبلاد ككل، ولا شك أن للثروات الوطنية بعدا سياديا، ومن المفترض أن تنعكس فوائدها على كامل الأراضي السورية”.

ويضيف: “من المتوقع، بعد عودة جزء كبير من الثروات الوطنية إلى إدارة الحكومة السورية، أن تبدأ مرحلة التعافي الاقتصادي والخدمي على المستوى الحكومي. غير أن هذا المسار يتطلب جهدا كبيرا ووقتا طويلا، نظرا لأن هذه الثروات تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة وخدمات واسعة، نتيجة الإهمال المتراكم على مدى سنوات طويلة. وعليه، قد نكون بحاجة إلى قدر أكبر من الصبر، إلا أن المسار سيتجه، بكل تأكيد، نحو التعافي الاقتصادي واستعادة سوريا قدرتها على النهوض مجددا”.

الثورة السورية

—————————-

قطن سوريا.. ماضي المواسم السعيدة.. هل يعود؟/ آريا حاجي

04 شباط 2026

مع اقتراب “حواش القطن”، كانت البيوت تستعد  كما لو أنّها على موعد مع “عرسٍ طويل” كما يقول لسوريا ما انحكت المُزارع المُنحدر من بلدة زركان (أبو راسين) بريف مدينة الحسكة، حسن البرغوث، والذي كان يزرع سابقاً 120 دونماً من القطن، ويجلب لمساعدته ما بين 40 و50 عاملاً، يسكنون لديه طوال الموسم. كانوا يأتون بالباصات الكبيرة من منبج، وقبل وصولهم يشتري لهم كلّ ما يحتاجه بيته وبيت العمال معاً: غاز، طعام، مونة.

طعامهم كان بسيطاً: برغل بالسمن العربي، ونهارهم ينتهي بعد 12 ساعة من العمل في الحقل، ليبدأ المساء بالرقص والسهر والضحك، “ولا كأنو العامل اشتغل” لأنّ العامل والمزارع كانا يعرفان تماماً ما الذي سيكسبانه بعد الموسم، كما يقول حسن. الصورة ذاتها يستعيدها المزارع المنحدر من البلدة نفسها “زركان”، جكدار ميرزو، حين يتحدّث عن العمال الذين كانوا يأتون من دير الزور ويمكثون شهراً كاملاً: “كنا لا نطيق الانتظار قبل وصول العمال”، وبعدها “كنا ننسى كلّ التعب ونرقص ونسهر.”

الزواج نفسه كان مُرتبطاً بمحصول القطن كما يوضّح حسن الذي يقول إنّ أغلب الزيجات كانت تؤجَّل إلى “الموسم”، حتى أن مردود القمح كان يعاد استثماره في في القطن، ليبقى موسم الأخير صافياً، ويزوج المزارع به أولاده ويؤمن تكاليف معيشته.

ماضي المواسم السعيدة

كانت النساء يخبزن الخبز ذي “الطعم الخاص”، كما يقول حسن بواسطة العود قبل عودة العمال إلى بيوتهم، وأولئك العمال لم يكونوا يأتون فقط بأيديهم وقوة عملهم، بل بقصصهم وأساليب حديثهم وطعامهم التي تختلط وتلك الخاصة بأهل المنطقة لتصنع علاقات ومعارف مشتركة تدوم أجيالاً.

“لا يشعر بالانتماء إلا من عمل في الأرض، إنها مسألة عشق وشرف” يقول حسن وهو الذي فقد جزءاً من أرضه قرب رأس العين إذ دارت على صدرها معركة (نبع السلام) التي شنّتها القوات المسلّحة التركية وفصائل المعارضة السورية المُتعاونة معها آنذاك ضدّ قوات سوريا الديمقراطية. تعرّض للقصف آنذاك، ولم يزرع أرضه بعدها لمدة عامين.

يستعيد الفلاح والعامل الزراعي إبراهيم سلامة، ابن قرية كشكش جبور في الشدادي، البالغ من العمر 60 عاماً، والذي يعمل في الزراعة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ذكريات أيّام العمل على نهر الخابور، من رأس العين إلى البصيرة، حين كانوا يعملون على الفطرة، بلا جرارات ولا آليات. كانوا يسقون خمسة أو ستة “فلاليح” (وفق وصفه) في اليوم، بماكينة قوّة 155 حصان، بدءاً من طلوع النهار حتى غروب الشمس. وفي الليل، يسهرون، يلعبون الشدّة والمنقلة حتى الواحدة صباحاً. يرقصون الدبكة، ثم يعودون مع الفجر إلى السقاية. كانوا يقطفون في النهار نحو 100 كيلو قطن، ينقلونه على الحمير لمسافة 500 متر، يضعونه في المحلج، يكبسونه بأرجلهم، يدكّونه في الأكياس ويقومون بخياطته.

يتذكّر جلساتهم حول مدفأة الحطب، خمس أو ستة رجال، يلعبون الشدة أو “الخواتيم” (ينقسم اللاعبون إلى فريقين، وثمّة خاتم مع أحدهم. وعلى الفريق الأخر أن يعرف مع من الخاتم)، يضعون شروطاً للعب، وينهونه بعشاء جماعي. “كنا نتونس بحيل بليالي موسم القطن.”

كان والد جكدار ينتظر صدور فاتورة القطن، وفي كل موسم، وما إن يستلمها حتى يقول: “سأذهب لتغيير السيارة”. لم يغيرها ولم يعد يضع أي خطط للموسم اليوم.

تراجع الدعم فتراجع الإنتاج

قديماً، كان الدونم الواحد (1000 متر مربع) ينتج ما بين 500 و600 كيلوغرام من القطن وسطياً، أمّا اليوم فلا يتجاوز الإنتاج 200 إلى 300 كيلو غرام، يُصدَّر إلى محلج الحسكة التابع للإدارة الذاتية. لكن الفارق بين الأمس واليوم ليس في الكمية وحدها.

بحسب قرار هيئة الزراعة، لا يُسمح بزراعة القطن إلا في 16% من الأرض المرخّصة (في كلّ 100 دونم يُسمح بزراعة 16 دونماً فقط). “حالياً، إذا زرعنا 30 دونم من أصل 200 بيكون منيح”، يقول حسن. وهذه المساحة وحدها تحصل على مازوت مدعوم، من دون أيّ دعم للبذار أو الأسمدة أو القروض. وربع الكمية فقط تُزرع بالقطن.

مشاكل زراعة القطن تراكمت على مدار السنوات الماضية، حيث لا توجد أصناف جيّدة للبذار، والأسمدة الفوسفاتية المتوفّرة سيئة الجودة، بينما يصل سعر الطن الواحد من السماد الجيّد إلى 900 دولار، والأسمدة الآزوتية إلى 650 أو 700 دولار. السماد السيء، كما يقول جكدار، يبقى في الأرض لسنوات دون أي مفعول، ويحتاج القطن من 12 إلى 13 “رية” (سقاية)، لكن المزارعين يحصلون على سبع “ريات” فقط، وفي أوقات غير مناسبة، ويضطرون لشراء بقية الريات بأسعار مرتفعة.

هذا ما يؤكّده أيضاً الرئيس المشترك للمؤسسة العامة للأقطان في شمال وشرق سوريا، مصطفى إبراهيم، إذ يقول لسوريا ما انحكت إنّ الإدارة الذاتية لم تتمكّن من دعم المحصول بكامل احتياجاته من المحروقات، رغم تقديمها دعماً لعدد من الريات وصل خلال السنوات الماضية إلى نحو 70% من الحاجة الكاملة.

القطن محصول صيفي يستهلك كميات كبيرة من المياه، ولا سيما المياه الجوفية التي تعاني المنطقة من شحّها، إضافة إلى انخفاض منسوب نهر الفرات، وكميات المازوت المدعومة محدودة نتيجة قصف آبار النفط من قبل تركيا، وعدم تناسب إنتاجها مع حجم الطلب من قطاعات الزراعة والتدفئة والخدمات.

من جهته يقول لسوريا ما انحكت الخبير الزراعي أسعد مجباس المدرّس في كلية الزراعة بجامعة الفرات بالحسكة، أنّ استخراج المياه من الآبار العميقة يتطلّب طاقة كبيرة وكميات كبيرة من المحروقات، ولا سيما المازوت، الذي ارتفعت أسعاره قبل الموسم الماضي، في وقت انخفض فيه سعر طن القطن الخام من 800 إلى 600 دولار، وهو السعر الذي يراه المزارعون مُجحفاً كثيراً. بل يؤكّد المزارع حسن أنّ أيّ مزارع لم يستلم فاتورة بهذا السعر؛ فالفواتير تتراوح بين 500 دولار أو “500 وكسور”. وذلك في وقت يرى المزارعون أنّ السعر العادل الذي يسمح بزراعة القطن بسهولة يجب ألا يقل عن 800 دولار، ويفضّل أن يكون 1000 دولار. وهو ما يؤكّده أيضا الخبير مجباس، الذي يرى أيضاً، أنّ غلاء الزيوت المعدنية وقطع التبديل والأسمدة، وارتفاع تكاليف خدمة الأرض، في ظلّ غياب أي دعم زراعي، يضع الفلاح أمام خيار الخسارة أو الدوران في حلقة مفرغة، إن لم يكن السعر ألف دولار على الأقل.

من جهة أخرى يقول الرئيس المشترك للمؤسسة العامة للأقطان في المنطقة، مصطفى إبراهيم، إنّ عدم شراء المحصول في بعض المواسم خلق حالة خوف لدى مزارعي القطن من عدم القدرة على تسويق إنتاجهم بسعر مناسب، ما فتح الباب أمام استغلال التجار وشراء المحصول بأسعار متدنية.

محاولات التحوّل إلى الطاقة الشمسية لم تكن حلاً، فتكلفة منظومة تغذي مضخة بقوة 60 حصاناً تصل إلى 20 ألف دولار، وهي خدمة مؤقّتة تتطلّب تغيير الألواح بعد سنوات، وتكليف فلاح بالعمل في الأرض، تصل حصّته إلى 28% من قيمة المحصول. كان جكدار يزرع سابقاً على الأقل 170 دونماً، أما اليوم فلا يزرع أكثر من 50 دونماً.

من السياسات إلى الحقول: لماذا يتراجع القطن؟

في مقابل ذاكرة الفلاحين الثقيلة بالحنين، يُرجع رئيس المؤسسة العامة للأقطان “إبراهيم”، تراجع الإنتاج مقارنة بعام 2011 إلى عدّة أسباب، أبرزها ظروف الحرب وتأثيرها المباشر على الزراعة بشكل عام، وتدهور الأصناف المحلية، والاعتماد على أصناف مستوردة غير مضمونة الإنتاج، وغير مقاومة للظروف الجوية والأمراض والحشرات. وهو ما يؤكّده بطريقة ما الفلاح إبراهيم سلامة، إذ يقول لسوريا ما انحكت “في التسعينات كان الدعم الحكومي يشمل السماد المجاني والبذار والمازوت المتوفّر، وكان إنتاج الدونم لا يقل عن 400 كيلو قطن”.

وفي هذا السياق يستعيد مجباس الخطّة الزراعية السابقة، التي كانت تُخصّص نحو 20% من المساحات المروية لزراعة القطن، كونه الدخل الرئيسي الثاني للفلاح. في المقابل، لا توجد اليوم خطّة زراعية واضحة، في ظلّ غياب الدعم الزراعي والمصرفي، ما دفع الفلاحين إلى التهرّب من زراعة القطن، باعتباره عبئاً مالياً واستنزافاً للطاقة، خصوصاً بعد عدم استلام محصول القمح قبل موسمين، وتعرّض الفلاحين للاستغلال.

بحسب المؤسسة العامة للأقطان، تتركّز زراعة القطن حالياً في الرقة ودير الزور والجزيرة والفرات، وتحديداً في منطقة الهيشة. وكان الإنتاج المتوقّع للموسم بحدود 75 ألف طن، فيما بلغت المساحة المزروعة خلال الموسم الزراعي 2024–2025 نحو 250 ألف دونم.ويوضّح “إبراهيم” أن التراجع في المساحات ليس ثابتاً، بل يختلف من عام إلى آخر تبعاً لجملة من العوامل.

من زاوية أخرى، يقرأ مجباس هذا التراجع بوصفه جزءاً من أزمة أعمق تطال الزراعة عموماً، إذ يقول إنّ “الزراعة تمر اليوم بمرحلة حرجة من حيث الاهتمام والتطوير والدعم من الجهات المختصة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على محصول القطن، كونه المحصول الاستراتيجي الثاني بعد القمح”.

في محافظة الحسكة وحدها، كانت زراعة القطن تنتج وسطياً نحو 500 ألف طن، باعتباره المحصول الثاني بعد القمح، بأسعاره الثابتة وسهولة تسويقه سابقاً. أما اليوم فالإنتاج والمساحات المزروعة “لا تشكل أي نسبة” من مساحة أراضي شمال وشرق سوريا.

ضمن هذه الظروف، يعتبر مجباس أنّ الفلاح بات من أكثر الفئات فقراً في المجتمع، نتيجة تراجع أرباحه وغياب الدعم المصرفي، مؤكّداً الحاجة الماسة للدعم من خلال “تأمين بذار مناسب للفلاح، وتأمين أسمدة عالية الجودة، وتوفير محروقات كافية وبنوعية جيدة وبأسعار مخفّضة، وتقديم قروض نقدية تتيح للمزارع متابعة عملياته الزراعية، وتحديد أسعار شراء عادلة، تغطي التكاليف وتضمن هامش ربح مشجع “إذا لم يربح الفلاح، فلماذا يتعب؟”.

المفارقة اليوم أنّ “الفلاح هو اللبنة الأساسية في تحقيق الأمن الغذائي” كما يقول مجباس، في حين إنّه (الفلاح) لم يأكل اللحم من سنتين، كما صرّح لنا “إبراهيم” الذي يتذكّر كيف كان المزارع يشجّع الفلاح أو العامل الزراعي، ولو بكيس سكر، وهو مالم يعد بالإمكان اليوم، حيث يحاول المزارعون جلب العمال دون جدوى، ما يجعل موسم القطن الذي كانت تعلّق عليه الأحلام، حساباً مفتوحاً على الخسارة،  ليس في الإنتاج فقط، بل أيضا بعدد البيوت التي كانت تُفتح للعمال، وبالسهرات التي كانت تجمع القرى، وبالخبز الذي كان يكفي الجميع.

حكاية ما انحكت

الجزيرة السورية تعود إلى الخطة الزراعية.. خزان استراتيجي لدعم الأمن الغذائي

2026/02/05

تمثل منطقة الجزيرة السورية إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، لامتلاكها مقومات الإنتاج الزراعي من الموارد والمصادر المائية، بالإضافة للإمكانات النفطية المتوفرة فيها والكهربائية التي يتم توليدها من سدود نهر الفرات، إلى جانب التنوع المناخي الذي تتميز به المنطقة، ويتيح زراعة مجموعة واسعة من المحاصيل.

منطقة الجزيرة السورية تشكل وفق رأي المختصين بالشأن الزراعي، الثقل الأكبر في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وبمقدمتها القمح والقطن والشعير، وإن عودة استثمار هذه الأراضي من شأنه دعم الاقتصاد السوري، وبالتالي تعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وإعادة تنشيط الصناعات المرتبطة بهذا القطاع، وتحسين دخل الفلاحين.

أكثر من مليوني هكتار في المناطق المحررة

تبلغ المساحات الزراعية المحررة مؤخراً من تنظيم “قسد” في محافظات الحسكة والرقة وشرقي دير الزور نحو مليونين و567 ألف هكتار، وفق مدير الاقتصاد والتخطيط في وزارة الزراعة سعيد إبراهيم، مبيناً في تصريح لمراسل سانا أن مليونين و316 ألف هكتار من تلك المساحات مستثمرة وتدخل ضمن الخطة الإنتاجية الزراعية، وتتوزع بين أراضٍ سليخ (الأرض البور) بنحو مليونين و287 ألف هكتار، وأراضٍ مشجرة تبلغ مساحتها نحو 22 ألف هكتار.

وفي المجمل، تتركز النسبة الأكبر من المساحات الزراعية المحررة في محافظة الحسكة 59 %، تليها الرقة بنسبة 35 %، ثم دير الزور بنسبة 6 %، وتبلغ المساحات المروية منها 546 ألف هكتار بنسبة 45 % من إجمالي المساحة المروية في سوريا.

المساحات المخططة لزراعة القمح والشعير

يجري العمل حالياً على التخطيط لمعظم المحاصيل الزراعية في هذه المناطق، وفي مقدمتها القمح، إذ تبلغ المساحة المخططة لزراعته نحو 700 ألف هكتار، بنسبة 48 % من إجمالي المساحة المخططة على مستوى سوريا، مع إنتاج متوقع يصل إلى مليون و700 ألف طن، ما ينعكس إيجاباً على تخفيض كميات القمح المستوردة لتلبية حاجة السوق المحلية.

فيما بلغت المساحات المخططة لزراعة الشعير نحو 590 ألف هكتار، بنسبة 42 % من إجمالي المساحة المخططة على مستوى سوريا، إضافة إلى محاصيل أخرى كالطبية والعطرية، والخضار الشتوية والصيفية، والبقولية، التي تؤدي دوراً مهماً في تأمين الأعلاف اللازمة للثروة الحيوانية، وتعزيز الاستقرار الزراعي والاقتصادي في سوريا.

كما يشكل القطن أحد المحاصيل الاستراتيجية الذي تنعكس عودته إيجاباً على عجلة الاقتصاد، وفق مدير الاقتصاد والتخطيط الزراعي، مبيناً أن المساحة المخططة لزراعته نحو 39 ألف هكتار، ما يشكل 78 % من إجمالي المساحة المخططة في سوريا، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على تشغيل محالج القطن والصناعات المرتبطة بها.

عودة المنطقة الشرقية تسهم بتغطية حاجة السوق المحلية

أكد رئيس قسم الحبوب في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية خالد شريدة، أن عودة المنطقة الشرقية ستتيح لسوريا تغطية احتياجها المحلي من القمح، بما يسهم في الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي بعدما كانت تعتمد على الاستيراد خلال السنوات الماضية، إلى جانب فتح المجال لإجراء البحوث الزراعية واختبار الأصناف المختلفة من القمح والشعير، بما يضمن تطوير الإنتاج وتحسين نوعية المحاصيل.

ولفت إلى أهمية عودة مراكز البحوث الزراعية أيضاً في المحافظات الشرقية لإجراء اختبارات المحاصيل الأساسية، واستئناف عمليات زراعة التجارب، واختبارات الأصناف، وإكثار البذار من كل الأصناف المعتمدة، حيث إن محطتي دير الزور “سعلو” و”المريعية” كانتا مركزين أساسيين لزراعة الأصناف التجريبية والإكثارات، فيما يعتبر مركز القامشلي من المراكز المتميزة لإجراء التجارب على مختلف أنواع القمح والشعير، بما في ذلك الحقول الإنتاجية الواسعة.

وبيّن شريدة أن الشعير يستخدم أيضاً كعلف للثروة الحيوانية، إلى جانب الاستفادة من مخلفات القمح، مثل التبن والقش، مؤكداً أن الفوائد المتوقعة للثروة الحيوانية كبيرة، حيث تحتوي تلك المنطقة على قطعان واسعة من الأغنام والماعز التي توفر اللحوم ومنتجات الألبان والصوف، مضيفاً: إن استثمار هذه الموارد سيسهم بشكل مباشر في تعزيز الأمن الغذائي وتنمية الاقتصاد الوطني.

زراعة القطن تعود مع المنطقة الشرقية

أكدت مديرة إدارة بحوث القطن في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية جميلة درباس أن عودة مناطق زراعة القطن في المنطقة الشرقية إلى كنف الدولة، تشكل خطوة بالغة الأهمية على المستوى الزراعي والصناعي والاقتصادي، حيث يؤمن مورداً مهماً من القطع الأجنبي للخزينة العامة، إضافة إلى ما يشكله من بعد اجتماعي كبير، إذ ترتبط العديد من العائلات السورية بهذه الزراعة وتعمل على تصنيعه وتسويقه من الحقول إلى معامل الغزل والنسيج، وصولاً إلى التصدير.

وتعد زراعة القطن في سوريا من الأعمال المساهمة بتحسين دخل المواطنين وتأمين فرص عمل واسعة، إلى جانب دورها في تعزيز الاستقرار الزراعي عند دخولها في الدورة الزراعية إلى جانب محاصيل القمح والشعير، وتشكل قاعدة أساسية للصناعات النسيجية، لكونها تؤمّن المادة الأولية لمعامل الغزل والنسيج، ما يقلل الحاجة إلى الاستيراد ويعزز القيمة المضافة عبر تحويل القطن الخام إلى خيوط وأقمشة ومنتجات نهائية قابلة للتسويق محلياً والتصدير خارجياً.

وبينت درباس أن زراعة القطن تتركز تاريخياً في مناطق الجزيرة السورية، لما تتمتع به هذه المناطق من ملاءمة مناخية وتربوية وتوافر مصادر المياه عبر مشاريع الري الحكومي المعتمدة على الأنهار، معتبرة أن استعادة هذه المناطق له تداعيات إيجابية كبيرة بما يخص هذا المحصول.

ولفتت درباس إلى أهمية العمل حالياً على إجراء تقييم شامل للواقع الزراعي في تلك المناطق، لجهة جهوزية شبكات الري والبنى التحتية، والمحطات البحثية، قبل عملية تنمية هذا المحصول، وإعادة إحيائه، مبينة أن سوريا تعتمد على برنامج وطني لإنتاج بذار أصناف القطن المحلية، نظراً لما يملكه من موثوقية وخبرة تراكمية طويلة.

فتح الباب أمام الاستثمار

من جهة أخرى أشار مدير العلاقات العامة في الاتحاد العام للفلاحين بسام حسين إلى أن عودة هذه الأراضي إلى أصحابها، سيفتح الباب أمام استثمارها من جديد بالشكل الأمثل، ورأى أن المرحلة المقبلة تحمل فرصاً واعدة لإقامة مشاريع زراعية كبرى، وإعادة تأهيل المساحات وإدخال التقنيات الحديثة في الزراعة، ولا سيما تقنيات الري والزراعة المتطورة، بما يرفع الإنتاج كماً ونوعاً.

وأضاف حسين: إن هذه المناطق قادرة على أن تجعل سوريا دولة واعدة زراعياً على مستوى المنطقة في حال تم إدخال الاستثمارات الزراعية بالشكل الصحيح، وزراعة محاصيل ذات جودة عالية تلبي احتياجات السوق المحلية وتدعم فرص التصدير.

ولفت حسين إلى أن المرحلة السابقة شهدت تراجعاً كبيراً في الاستثمار الزراعي نتيجة تهجير الفلاحين وخروجهم القسري من أراضيهم، ما أدى إلى إهمال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وخروجها من دائرة الاستثمار، وانتشار الأعشاب الضارة والحشائش، وتراجع الإنتاج الزراعي بشكل ملحوظ.

وأوضح مدير العلاقات العامة في الاتحاد أن استعادة المناطق الشرقية تعني عودة المخزون المائي والطاقة والموارد البشرية، وهو ما سيشكل دفعة قوية للقطاع الزراعي ويعزز الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، واستعادة القدرة الإنتاجية والزراعية والصناعية، وتوفير فرص عمل، بعد سنوات من تراجع الإنتاج وزيادة الأعباء على الفلاحين نتيجة خروج هذه الأراضي.

ركن من الأمن القومي الاقتصادي

لا تعد الزراعة في المنطقة الشرقية السورية ملفاً إنتاجياً أو قطاعاً خدمياً فحسب بل تمثل وفق الخبير الاقتصادي كرم خليل ركناً أساسياً من الأمن القومي الاقتصادي للدولة، مشيراً إلى أن عودة الزراعة الإستراتيجية إلى مناطق الجزيرة (الحسكة، الرقة، دير الزور) تشكل اليوم التحول البنيوي الأهم في مسار استعادة السيادة الاقتصادية.

وأوضح خليل أن هذه العودة تعيد للدولة السيطرة الفعلية على ثلاث ركائز لا يمكن لأي دولة مستقرة الاستغناء عنها، وهي: الغذاء، السوق، والعملة، لافتاً إلى أن استعادة إنتاج المحاصيل الإستراتيجية كالقمح والقطن والذرة تنعكس بشكل مباشر وقابل للقياس على الاقتصاد الوطني والسوق المحلية.

تخفيض لفاتورة الاستيراد

وبيّن الخبير الاقتصادي أن هذا المسار والتوجه الزراعي لمنطقة الجزيرة يسهم في خفض حقيقي لفاتورة الاستيراد، وتعزيز المخزون الإستراتيجي، وضبط أسعار السلع الأساسية عبر زيادة العرض المحلي المنتج، لا من خلال تدخلات ظرفية أو أشكال دعم غير مستدامة، ما يسمح بنقل السوق من اقتصاد الندرة والوساطة والاحتكار إلى اقتصاد إنتاج منضبط، كما يعيد ربط الاستقرار النقدي بالإنتاج الحقيقي بعيداً عن المضاربات.

وأشار خليل إلى أن المساحات الواسعة في الجزيرة السورية تفتح آفاقاً استثمارية نوعية ضمن نموذج استثمار سيادي متكامل، يقوم على إعطاء الأولوية المطلقة للاستثمار الوطني، مع شراكات أجنبية منضبطة بالقانون، من دون بيع الأراضي أو التفريط بالأصول الإستراتيجية، وبما يضمن منع الاحتكار وضبط التسعير وآليات الاستلام.

الاستثمار اليوم لا بدّ أن يكون موجّهاً نحو مشاريع تشغيل حقيقية، وفق خليل، مثل تحديث أنظمة الري وإدارة مياه الفرات والخابور، وإنشاء صوامع حديثة، ومرافق تخزين، وتطوير لوجستيات النقل، إضافة إلى الاعتماد على الطاقات البديلة لخفض كلفة الإنتاج، مؤكداً أن الدولة لا تعرض أراضي للاستثمار، بل منظومة إنتاج متكاملة بعقود تشغيل وحوكمة واضحة.

وشدد خليل على أن الأثر الأهم لعودة هذه المقومات يتمثل في تنمية الصناعات المحلية عبر إغلاق حلقات سلسلة القيمة، حيث يتحول القمح إلى دقيق ومشتقات غذائية، ويعود القطن قاعدة للصناعات النسيجية، وتدخل الذرة في صناعة الأعلاف، مع إعادة دمج الشوندر السكري من خلال تأهيل معامل السكر، ما ينقل سوريا من تصدير المواد الخام إلى تشغيل المصانع وخلق فرص عمل وتوليد قيمة مضافة مستدامة.

ما سبق ذكره، يُلخصه المختصون بالشأن الزراعي بأن ما يجري في المنطقة الشرقية السورية لا يندرج ضمن التعافي التدريجي، بل يمثل إعادة تشغيل حقيقية لخزان الدولة الاقتصادي، حيث تصبح الزراعة قاطرة تربط الغذاء بالصناعة، والصناعة بالسوق، والسوق بالقرار الوطني.

سانا

—————————-

 طيران واتصالات ومياه.. من هي الشركات السعودية المستثمرة في سوريا؟

2026.02.03

كشفت شركات سعودية كبرى نيتها توقيع عقود استثمارية في سوريا، ضمن حزمة استثمارات واسعة من المتوقع الإعلان عنها رسمياً خلال الأيام المقبلة، وتشمل قطاعات الطيران والاتصالات والمياه والبنية التحتية.

ووفق مصادر تحدثت إليها قناة “العربية بيزنس”، فإن من أبرز الشركات السعودية التي تستعد لتوقيع اتفاقيات استثمار في سوريا هي:

    شركة الاتصالات السعودية “STC”، والتي تعتزم توقيع اتفاقية لتطوير البنية التحتية لقطاع الاتصالات في سوريا.

    شركة طيران “ناس”، وستوقع اتفاقية مع هيئة الطيران المدني السوري لتأسيس شركة طيران جديدة في سوريا.

    شركة “بن داود”، وتستعد لتوقيع اتفاقية لتنفيذ مشروع تطوير وتشغيل مطار حلب الدولي.

    شركة “أكوا باور”، وتعتزم توقيع اتفاقية لتنفيذ مشروع لتحلية ونقل المياه في سوريا.

استثمارات بمليارات الدولارات

وفي وقت سابق اليوم الثلاثاء، قال رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي إن السعودية ستضخ استثمارات بمليارات الدولارات في سوريا، تتضمن المساهمة في إنشاء شركة طيران سورية خاصة جديدة، وذلك ضمن حزمة استثمارية من المتوقع الإعلان عنها السبت المقبل.

وأشار الهلالي إلى أن هذه الاستثمارات تعكس توطيد العلاقات الاقتصادية بين الرياض ودمشق، لافتا إلى أنها تعد من الأكبر من نوعها منذ رفع الولايات المتحدة حزمة صارمة من العقوبات عن سوريا في كانون الأول/ديسمبر الماضي.

اقرأ أيضاً

لة حفر نفط بالقرب من حقل الغاز الجبسة بالقرب من مدينة شدادي في المنطقة الصحراوية في 21 يناير 2026 في الحسكة

ما بعد قيصر.. هل يكفي رفع العقوبات لإخراج الاقتصاد السوري من أزمته؟

توسّع في قطاع الطيران

وقال مصدران سوريان مطلعان لوكالة “رويترز” إن الاستثمارات في قطاع الطيران ستشمل عقوداً لتطوير مطار حلب الدولي، متوقعين أن تبدأ شركة الطيران الخاصة الجديدة عملياتها بأكثر من 12 طائرة.

وذكر رجل أعمال سوري مطلع للوكالة أن السعودية تعتزم توفير تغطية تأمينية للاستثمارات المرتقبة في سوريا، في خطوة تهدف إلى تشجيع الشركات السعودية على دخول السوق السورية وتقليل المخاطر الاستثمارية.

استثمارات سابقة وإجراءات تنظيمية

وكانت الرياض قد أعلنت، خلال العام الماضي، عن استثمارات بقيمة 6.4 مليارات دولار، موزعة على 47 اتفاقية مع أكثر من 100 شركة سعودية تعمل في قطاعات العقارات والبنية التحتية والاتصالات.

وفي 19 من كانون الثاني الماضي، أعلنت هيئة الاستثمار السورية عن تأسيس مكاتب متخصصة داخل الهيئة لدراسة المشاريع الاستثمارية المقدمة وتقييمها من الجوانب القانونية والمالية، بما يضمن سلامة الإجراءات ووضوحها، ويعزز جدوى المشاريع، ويسهم في تحقيق أثر اقتصادي مباشر يدعم مسار التنمية في البلاد.

—————————

===================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى