عن استسهال تناول السياسة عربياً/ مروان قبلان

11 فبراير 2026
فيما يعيش العالم حالة من عدم اليقين، والعجز عن فهم التحولات الجارية إقليمياً ودولياً، دع جانباً مسألة توقعها، نتيجة تداعي النظام القديم، من دون معرفة ما سيحلّ محلّه بالضرورة، تصبح القدرة على البقاء مرتبطةً بالقدرة على قراءة الواقع بدقة والاستعداد لما يأتي بعده. عربيّاً، المشكلة مضاعفة، إذ يعتقد عامة الناس أنهم يفهمون السياسة جيداً، ويستطيعون تحليلها، وتقديم تفسيرات لها، لذلك تجدهم مستعدّين لتقبل فكرة التخصّص في كل فروع العلوم، بما فيها الاجتماعية (التاريخ، الفقه، الفلسفة، القانون، الاقتصاد… إلخ)، إلا السياسة، فلأنها شأن عام، يستطيع أي شخص أن يدلو بدلوه فيها، يناقش، يُخَطئ، ويسفّه حتى، إن شئت، رأي أفضل المتخصّصين. هناك تفسيرات منطقية لهذه الظاهرة، طبعاً، فالسياسة في العالم العربي تلامس حياة الناس اليومية بشكل مباشر، فيما تغيب قنوات الفعل والتأثير، لذلك يصبح الكلام عن السياسة، وفيها، بديل المشاركة في صنعها. السياسة أيضاً، باعتبارها شأناً عاماً، سهلة الاختزال، فهي تدور إما حول أحداث تُفسّر عادة مؤامرة ضدنا لأننا نحن فقط من بين كل شعوب الأرض مهدّدون/ مستهدفون (يتشارك هذا الاعتقاد معنا الصينيون والهنود والروس والأفارقة والايرانيون والأتراك وشعوب أميركا اللاتينية، أي كل الشعوب غير الغربية) أو، نظراً إلى غياب المؤسّسات، تدور السياسة حول أشخاص (صنّاع تاريخ، مخلّصين، حكّام أبطال، أو خونة). الوضع بات أسوأ بوجود وسائل التواصل الاجتماعي التي تصنع محللين فوريين يقومون بتناول أعقد الظواهر السياسية بمقاطع مختزلة (60 ثانية) وبلغة يقينية قاطعة تخاطب غرائز الناس وعواطفهم، مستغلين سياقات صارت فيها السياسة جزءًاً من الهُويّة (طائفية، إثنية، أيديولوجية… إلخ) ومرتبطة بالذات والكرامة، بدلاً من مخاطبة العقل والمنطق. وفي ظل استقطاب شديد، لا يعود مهمّاً أن يكون التحليل واقعياً طالما أنه يخاطب الرغائب والأمنيات، ويبرز الهُويّة المهدَّدة ويحامي عنها.
على مستوى صانع القرار، ليس الوضع أفضل كثيراً، فنظراً لأن نظم الحكم في العالم العربي فردية، لا مؤسّسية، تؤخذ فيها القرارات على مستوى محدود جداً من الأشخاص، غالباً ما يكون القرار غير رشيد، وينتهي بكارثة. عموماً، تكون عملية اتخاذ القرار في الديمقراطيات أبطأ لكنّها أكثر رشداً، فيما تكون العملية في نظم الحكم الفردية أسرع لكنّها غالباً ما تؤدي إلى نتائج كارثية. ونظراً لأن الوعي بأهمية التخصّص، ودور مراكز التفكير في ترشيد عملية صنع القرار ما زالت محدودةً، لا تقوم الممارسة السياسية في العالم العربي على قراءة واعية ومدروسة للبيئات المحلية والإقليمية والدولية، بل على تقديرات أساسها الحدْس والقراءات الشخصية المتحيّزة لصانع/ صنّاع القرار. وتعد القراءات الخاطئة (غيابها تماماً في أحيان أخرى) من أسباب الكوارث التي حلت بالعرب في القرن الأخير. ومن أبرز الأمثلة التي تساق عادة للدلالة على ضعف أدوات التحليل السياسي لدى صانع القرار العربي، وافتقاد المحيطين به القدرة على فهم تفاعلات السياسة الإقليمية والدولية وتحولاتها، فضلاً عن ضعف القدرة على قراءة الخصم وفهم آليات تفكيره، القرارات التي اتخذتها القيادة المصرية عشية حرب 1967، وقرار صدّام حسين بغزو الكويت عام 1990، وهو القرار الذي لم يعرف به حتى رئيس أركان جيشه، الفريق نزار الخزرجي، بحسب روايته، وصولاً إلى عملية طوفان الأقصى التي ما زال أكثرنا، احتراماً للتضحيات العظيمة التي قدّمها أهل غزّة، وصمودهم الأسطوري، يتهيب عن تقديم قراءة نقدية للحسابات التي أدّت إلى إطلاقها. ورغم أن ملك الأردن الراحل، الحسين بن طلال، كان يُعدّ من ألمع السياسيين العرب، إلا أن اخفاقاته في قراءة الوضعَين الإقليمي والدولي لم يكن يجاريها شيء، فقد انضم إلى مصر وسورية عشية حرب 1967 فشاركهما الهزيمة، وخسر الضفة الغربية، فيما رفض الانضمام إليهما في حرب 1973، وأضاع فرصة استعادتها.
ارتسم التاريخ العربي المعاصر بفعل قراءتين متعارضتين، لا علاقة لهما بالتفكير أو بالممارسة السياسية المدروسة: قراءة انهزامية/ استسلامية وقراءة انتحارية/ عدمية، وكلتاهما لا تميز بين القدرات والأمنيات، بين الأفعال والنتائج، تتحيزان إلى أفضل السيناريوهات المرغوبة، وترفضان التعامل مع أسوأها، ومقتضيات الاستعداد لها. الأولى لا تملك أيّ خيال، تخشى الفعل، وتركن إلى الدعة، والبقاء ضمن هامش الأمان، خوفاً من الانتحار، والثانية لا تعرف المناورة، تبالغ في القدرة على الفعل، من دون الأخذ بالأسباب، وتكلفة الخيار، ولا تترك مساحةً للصدفة والخطأ، وتسير نحو نهايات حتمية. إذا استمررنا على هذه الحال، فالأرجح أننا سنبقى ضحايا تفكيرنا الانهزامي أو الانتحاري، فيما العالم يتحضّر لمواجهة الأسوأ.
العربي الجديد



